أن نكتب يعني أن نختلف

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

أن نكتب يعني أن نختلف

د. عبد الجبار الرفاعي

انزعج قراءٌ كرام من التعبير المكشوف عن الذات، خاصة في المقالة السابقة المنشورة الأربعاء الماضي بتاريخ 29-3-2023، بعنوان: “الرهان على الكتابة”. ما ورد في ذلك المقال وما هو أسبق منه مما نشرتُه في صحيفة الصباح جاء استجابةً لطلبات متكرّرة من قراء محترمين يرغبون بتعلم الكتابة وكيفية القراءة، لم أجد جوابًا سوى التحدّث عن تجربتي الشخصية في هذا المجال. لم أتدرب على أحدٍ لتعلّم هذه الصنعة، ولا أتقن تدريبَ أحد. قرأتُ تجاربَ بعض المشاهير، جرّبت تقليدَهم ففشلت، عجزتُ عن أن أكون نسخةً لأحد، لم أجد ذاتي في طريقة أيٍّ منهم، فحاولتُ أن أشتقَّ لغتي وأسلوبي. رأيتُ ذاتي تنفر من تكرار غيري، لا أستطيع أن أكون إلا أنا. حاولتُ في سلسلة هذه المقالات التحدّثَ عن سيرتي ككاتب، وليس سيرة أيّ شخص مهما كان مقامُه. أتحدّث عن خبرتي ككاتب وقارئ بغضِّ النظر عن كيف يقرأ ويكتب الآخرون، لا يمكنني إلا توخي الصدق في كل ما أكتب. حقُّ الاختلاف يعكس الطبيعةَ الإنسانية، وهو ضرورةٌ في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وكلّ ما يريد الإنسانُ أن يحقّقَ ذاتَه به بوصفه إنسانًا.

أتذكر بهذه المناسبة موقفًا حدث معي، عندما كنتُ حاضرًا أحد المؤتمرات ببغداد قبل نحو عشر سنوات، أثناء الاستراحة جاء شاب يتدفق حماسة، عرّف نفَسه بأنه في مرحلة دكتوراه العلوم السياسية، بدأ حديثَه بسؤالٍ إنكاري: لماذا لا تكتب للجماهير، لماذا لا تخطب في المساجد والحسينيات كما كان يفعل علي شريعتي. أجبتُه: أنا إنسان آخر، أعبّر عن ذاتي كما هي، وليس عن أي كاتب غيري أيًا كان مقامُه وتفكيره وتأثيره. أحترم قناعاتِ ونضالَ شريعتي، هو يختلف عني وأختلف عنه، لا أقلّده ولا أقلّد أحدًا غيرَه، لا أستطيع أن أكون صورةً مزورة لشريعتي، عجزتُ عن محاكاة أيّ إنسان آخر مهما كان عظيمًا، دائمًا لا أحقّق ذاتي إلا حين أعبّر عن فهمي ورؤيتي وقناعاتي. شريعتي أيديولوجي كان يرى نفسَه كأنه مبعوثٌ من السماء، أفتقر لحماسه، اكتويتُ بشعلة هذا الضرب من الحماس العاصف بدايةَ شبابي في سبعينيات القرن الماضي، بعد سنوات قليلة انطفأتْ شعلتُه في داخلي إلى الأبد، عندما نضج عقلي، واتسع أفقُ فهمي لذاتي والإنسان والواقع الذي أعيش فيه، وأدركتُ أن للحقيقة وجوهًا متعددة وطرقًا متنوعة، طالما أخطأ الإنسانُ في اكتشاف أحد وجوهها، وسلك طريقًا لا يوصله إليها. تضيّع الإنسانَ متاهاتُ العقل الوثوقي واليقين المسبق، وتكذّب الأيامُ أحلامَ هذا العقل وأوهامَه.

الأيديولوجيا غير الدين، مصطلحُ الأيديولوجيا كان يعني في أول ظهوره واستعماله علمَ الأفكار، ثم استعمل معناه لاحقًا في النسق الفكري المغلق، الذي يرفض كلَّ أشكال الاختلاف ‏في التفكير والتعبير، ويعطل العقلانبةَ النقدية والمعرفةَ العلمية. ‏ليس كلُّ مَنْ يعتقد بدين إنسان أيديولوجي، أن يكون الإنسانُ بوذيًّا أو هندوسيًّا أو مسيحيًّا أو مسلمًّا في دينه لا يعني أنه أيديولوجي. وفقًا للتعريف الذي اقترحتُه “للدينَ بوصفه حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” يكون الدينُ غير الأيديولوجيا. يمكن تحويل الدين أو أي معتقد أو أي فكرة إلى أيديولوجيا. أعني بالأيديولوجيا نظامًا لانتاج المعنى السياسي، يحوكُ نسيجَ سلطة متشعبة، وفقًا لصورة متخيلة حاكتها أحلامٌ مسكونة بعالم طوباوي. الأيديولوجيا تزييفٌ للحقيقة، وطمسٌ لمعناها عبر حجب الواقع، واحتكارٌ لنظام إنتاج المعنى، وتعطيلٌ للحق في الإختلاف. لا يعني ذلك رفض تغيير الواقع، تفسيرُ ونقد الواقع يسبقُ تغييره، عندما لا نفهمُ شيئًا نعجزُ عن تغييره،كلُّ عملية تغيير تسبقها عمليةُ تفسير ونقد عقلاني.

كثيرًا ما تصلني رغباتٌ وطلباتٌ من شباب أعتزُّ بهم، يفكرون بتوجيه الكتابات على وفق احتياجاتهم الأيديولوجية، وما يظنون أن الواقعَ الذي نعيش فيه يتطلبها. أحيانًا يظلّ بعضُهم يلحّ، وهو يشدّد على ضرورة أن أكتب ما تنشده أيديولوجيا يعتنقها وأجيب عن أسئلتها. أعرف أن هذه الطلبات تعكس احتفاءَ وثقة هؤلاء القراء الكرام بما أكتب، وتعلن عن شهادة اعتراف أعتزّ بها. يتكرّر هذا السؤالُ الإنكاري من هؤلاء القراء: لماذا لا تقومون بدوركم أيّها الكتاب، كأن هؤلاء يفترضون الكاتبَ سوبرمانًا أو مقاتلًا أو فدائيًا. الكاتب خارج الأيديولوجيا غير مستعدّ أن يموت من أجل ما يكتبه، يعرف أن كتابتَه وحتى مقتَله لن يغيّر المجتمع، ويعرف مسبقًا أن بعض قناعاته الأساسية قد تتغير غدًا بعد أن يكتشف خطأها. الأيديولوجيا تستعبد الإنسان، تغيّبه عن ذاته، تنسيه أن تغييرَ العالَم يبدأ بتفسيره، وأن تغييرَ العالَم ينطلق من قدرة الإنسان على تغيير ذاته أولًا. يعجز الإنسانُ عن تغيير عالَم لا يفهمه، مثلما يعجز إن كان لا يقدر على تغيير ذاته. الكاتب إنسانٌ يحتاج أن يشعرَ بالأمان، ويوفّر احتياجاته الأساسية، ويعيش كما يعيش كلُّ الناس. الأيديولوجيا تفسد الكتابة، يكرّر بعضُهم بطريقة مملّة عبارات للمفكر اليساري الايطالي غرامشي وكأنها نصوص مقدّسة، بوصفه مثالًا للمناضل الذي يجب أن يتخذه نموذجًا كلُّ مَن يكتب. الطريف أن هؤلاء يتحدثون عن حقِّ الاختلاف، وضرورةِ تعبير كلّ كاتب عن تفكيره هو، في الوقت الذي يريدون منه أن يكون صورةً مشوّهة لغيره، من دون وعي لموطن غرامشي وموهبته ونمط شخصيته وحساسياته وعواطفه وانفعالاته، والزمان والمجتمع والواقع الذي كان يعيشه، ونوع أيديولوجيته، وكيفية نضاله واضطهاده ومعاناته وعذاباته في السجن.

اعتاد هؤلاء الشباب على تلبية بعض الكتّاب لطلباتهم المتنوعة والاستجابة لما يريدون. أكثر مَن يستجيب لهذه الطلبات ممن يكتب بكلّ شيء من دون أن يقرأ أيَّ شيء قبل أن يكتب، ويجيب عن كلِّ سؤال من دون بحث وتقصٍّ، ويتحدث بكلّ تخصص، وإن كان خارج تخصصه. بعضُهم يكتب وينشر في مختلف الحقول بلا تكوينٍ معرفي عميق، ولا تكوين أكاديمي متخصص، ويفتقر إلى اللغة المناسبة لموضوع الكتابة.

كذلك تردني مناشداتٌ ملحة من قراء ومعجبين تدعوني لكتابةِ الموضوع كذا، والعملِ على تأليف كذا، وحاجة المجتمع لمطالعة كذا. احترم كلَّ الرغبات والطلبات، أعترف أن المشكلةَ تخصّني، أحذر الكتابةَ جدًا، أعجز عن الكتابة بكلّ شيء، أنأى بنفسي عن كلِّ شيء لا أعرفه، أدرك حدودَ علمي الضئيل جدًا مقارنةً بما أجهله، كلّما تعرّفتُ على محدودية معرفتي أذهلني جهلي. لا أمتلكُ تهورَ الكتابة أو التحدّث بغير تخصصي وخارج مطالعاتي، أشعر بضجر لحظة تفرض عليَّ مناسباتٌ اجتماعية الاستماعَ لمتحدث يتكلمُ خارجَ تخصصه، أراه لفرط جهله يتسابقُ مع أهل التخصص ويسكت مَن يبدي رأيًا، وهو يتكلم بحماس بموضوعات لا يعرف عنها شيئًا.

أحاول أكتب ما يعتمل بداخلي، ‏أعجز عن الكتابة استجابةً لطلبات لا أجد حافزًا بداخلي لكتابتها، وإن كانت في إطار تخصصي وكتاباتي في الشأن الديني والتراثي. فشلتُ عدة مرات بالاستجابة لطلبات عزيزة لإجراء حوارات شفاهية أو مدونة مع محاورين أذكياء أحترم تخصصَهم وفهمَهم وثقافتَهم، أحيانًا أتهرب بالتأجيل لأشهر، وأخيرًا أعجز عن إكراه نفسي على ذلك. مشكلة هذه المناشدات أن أصحابَها ينسون أني كغيري من البشر كائنٌ غارق بسجون ذاتي وهشاشتها وأحزانها ومخاوفها وعجزها ومواجعها، الكتابة عندي لا تولد بقرار مفروض، لا أقدر على ممارستها بشكلٍ يومي رتيب. لكلٍّ منا آلامُه ومزعجاته ومثيراته وحساسياته ومشاعره الخاصة،كتاباتاتي وحياتي تتذبذب كما يتذبذب المنحنى النفسي لذاتي صعوداً وهبوطاً. ذاتي كإنسان لا تخلو من حساسياتها وقلقها وتناقضاتها ومخاوفها. يقول كارل غوستاف يونغ: “الإنسان الذي تخلّص من مخاوفه هو إنسان على حافة الهاوية”[1].

يتعاطى الآخرون معك أحيانًا وكأنك ماكنةٌ تشتغل بانتظام رتيب، أو قالبٌ صناعي ينتج نسخًا متماثلة، وهم لا يعلمون أنك تعجز أحيانا عن تنفيذ قراراتك والتحكم بنفسك، عندما تخذلك ذاتُك لأسباب خفية أنت تجهلها عن نفسك. لا تخلو شخصيةُ الإنسان من تناقضات حادّة، أحيانًا يتعذّر عليه هو التحكم بها، لذلك لا يستجيب طوعًا إلا لما يتسق مع طبيعته ومزاجه ويتناغم وأحلامه ورغباته وقناعاته. الكتابةُ ليست عمليةً آلية، إن أراد الكاتبُ أن يكون مبدعًا ينبغي ألا يشاكس طبيعتيه، وأن يكون مختلفًا يعبر عن ذاته كما هي. الحقُّ في الاختلاف بالكتابة شرطُ الإبداع، الإنسانُ إن كان مبدعًا في حالة هبوطٍ وصعود، “قبضٍ وبسط” كما يصطلح العرفاء، شخصيتُه في حالة تذبذب، لا يستقرّ على برنامج مكرّر متواصل، يحتاج باستمرار أن يكسر الرتابة، ويتحرّر من كوابيس المواقيتِ المُعدَّة سلفًا، والخططِ المفروضة قسرًا.

أن نكتبَ يعني أن نختلف، المختلفُ غيرُ مألوف وغيرُ معروف، لذلك يثيرُ الناسَ وربما يتسببُ في خوفهم واستفزازهم. أكثرُ الناسِ يثيرهم الاختلاف، الاختلافُ أحيانًا يشعرهم بتغيير أحوالهم، وربما بتهديد استقرارهم، وسلب الأمان من حياتهم، فيحتاجون إلى الشعور بأن يلبثَ كلُّ ما كان على ما كان.

 

[1] هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ، ترجمها وعلق على نصوصها: أحمد الزناتي، 162، 2022، الكويت. عن: (كارل غ. يونغ، الرسائل، الجزء الأول، صفحة 399).

 

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات