الترجمة بوصفها ضربًا من الكتابة

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

الترجمة بوصفها ضربًا من الكتابة

  د. عبد الجبار الرفاعي

  كثيرًا ما نقرأ ترجماتٍ ملتبسةً مشوشة، تُغرِق القارئ بفائضٍ لفظي من دون أن تفيد معنى واضحًا. الترجمات الحرفية أسوأ الترجمات، أحيانًا نقرأ نصًا منقولًا من لغة أخرى من دون أن يلوح لنا أيُّ ضوء في كلماته، لا نرى إلا كلمات مظلمة لا نتحسّس فيها معنى مفيدًا. أن تتملك معاني الكلمات شيء، وأن تنقلها للغتك كودائع مغترِبة عنها وعن فضائها الدلالي ورؤيتها للعالم شيء آخر. تملّك المعنى يعني توطينَه في فضاء لا يغترب فيه، وتحويلَه إلى عنصرٍ حيّ في نسيج ثقافة موازية، بعد اكتشافِ ما تنطق فيه اللغتان، والإصغاءِ للصوت العميق فيهما معًا. التملّك غير تلقي الكلمات كما هي بمعناها الحرفي، عدم تملّكها يعني استنباتها حرفيًا في فضاءٍ دلالي لا يمدّها بشيء من نهر الحياة. تملّك معاني الكلمات يعني أن تتكلم كلُّ واحدة من اللغتين إلى الأخرى بما هو خارج دلالة كلماتهما الحرفية، ويتحقّق ذلك باكتشاف منطق الفهم المشترّك للغتين معًا. المترجم المحترف حين يعمل على تملّك معاني الكلمات يتعاطى مع اللغة وكأنها مادةٌ خام يغرسها في فضاءٍ دلالي لا تجد ذاتَها مغترِبة فيه، ولا تتنكر له اللغةُ المنقولة إليها. تصير اللغة المترجَم منها عنصرًا فاعلًا في اللغة المُترجَم إليها، تغذّي فضاءها الدلالي وتتغذى منه. عندما تهاجر الكلمة من لغتها الأم إلى لغة أخرى تلتقي بمعناها العميق، الذي تظلّ تبحث عنه في الطبقات القصية للغة الراحلة إليها، وتظلّ تسعى لذلك في أية لغة تقيم فيها مجدّدًا. الترجمة كما تعمل على تجديدِ حياة اللغة وإثراءِ معجمها بتوالد ونحت كلمات ومصطلحات جديدة، وإثراءِ لغة المترجم واغناء رصيد معجمه، واتساعِ فضاء وعيه اللغوي، تعمل أيضًا على تجديدِ حياة اللغة والأدب والثقافة وتغذيتِها بما يتيح لها أن تنفتح على آفاق رحبة للمعنى. المترجم الحاذق راءٍ تمكّنه استبصاراتُه من أن ينصت لصوتٍ لا يسمعه القارئُ المتعجّل للنصوص، يقظة الرائي تدلّه على الصوت الواحد في لغات متعدّدة. فرادة الرائي بقدرته على التذوق كمتصوف حالة شهود.

الترجمةُ عمليةُ أخذٍ وعطاء متبادَل، اللغةُ كائنٌ حيّ يتجدّدُ بالأخذ كما يتجدّدُ بالعطاء. أن تترجمَ من لغةٍ يعني ألا يقتصر فعلُ الترجمة على توطين المعاني في لغتك بل يتجاوزُ ذلك إلى إثراءِ المعجم الاصطلاحي للغة. المترجمُ المتمرّس ينحتُ مصطلحاتٍ مشتقة من رصيد معجم لغته، يعزّز رصيدَها ويجدّده، على ألا يتنكر له مجالُها التداولي. اللغةُ المترجَم منها تباشر فعلَ إيقاظ اللغة المترجَم إليها وبعثَ الحياة فيها من جديد.

تنبه الجاحظ في وقت مبكر إلى عدّة المترجم وما ينبغي أن يتسلح به من أدوات، وهو يعيد إنتاجَ المعاني بلغته، وكيف يجعل المترجم لغةً تتحدث إلى لغةٍ أخرى وتتفاعل معها بالأخذ والعطاء، بقوله: “ولابد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات. وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشد على المترجم، وأجدر أن يخطئ فيه”[1].

‏ الترجمة مرآةُ ذات المترجم وثقافتُه، ليست هناك ترجمةٌ مبرأة من بصمة الذات.كلُّ ترجمة محترفة قراءة للنصّ، ترجمات النصّ هي محصلة قراءات المترجمين له، في كلّ ترجمة صوتٌ مميز لا يكرّر غيرَه، مثلما ننصت لصوتٍ موحد يبوح بما تستبطنه الكلماتُ، وما هو أقصى مما تكشّف للوهلة الأولى من دلالاتها. الترجمة ضربٌ من التأليف يتطلب استعداداتٍ تناظر ما تتطلبه عمليةُ كتابة النصوص الجادة، الترجمة المحترفة تغوص لتكتشف القاعَ التي تقف عليها مداليلُ الكلمات. الترجمة نهر حيوي لتغذية الثقافات وتلاقحها وتوالدها واتساع آفاق رؤيتها للعالم، وإثراء منابع العيش المشترَك فيها، وانفتاح مفاهيمها وقيمها الكلية بعضها على بعض، وتواصلها من أجل بناء فضاءٍ يستوعبها في إطار اختلافها وتنوعها. ‏الترجمة أعمق روافد إيقاظ المشتركات الكونية بين الأفراد والمجتمعات، وأجمل مرآة تتجلى فيها القيمُ الكلية في الثقافات والحضارات والأديان.

الترجمةُ أشدُّ وطأةً من التأليف. أنا مؤلفٌ ومترِجم، على الرغم من أن الكتابةَ تتعبني، لكن الترجمةَ تنهكني بل كانت تعذّبني أحيانًا، لذلك هجرتها منذ سنين طويلة. الترجمةُ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للمترجم، إن كان كلامُ المؤلف ليس منطقيًا، أو لا يتفق مع معتقد المترجم وثقافته، يضع المترجمَ في مواجهة الكاتب، وأمام امتحان ضميره الأخلاقي.كنت أتحيّر مما أراه خطأ لدى الكاتب، وأتردّد في ترجمةِ مفاهيمَ لا أرى صوابَها، وعباراتٍ لا اقتنع بمضمونها، أنزعج وأتردّد في نقلها للقارئ العربي، وأخيرًا أترجمها مهما كانت، لشعوري بأن استبعادَها خيانةٌ لمؤلف أنا مُستأمَن على نصوصه عندما تطوعت بنقلها إلى العربية، وهي خيانةٌ لقارئٍ يتطلع لقراءة هذه الترجمة بلا تصرف بحذف واضافة أي شيء من أصلها. يكتب أمبرتو إيكو: “وبالمناسبة أذكر أن رواية اسم الوردة عندما تُرْجمت في بعض بلدان أوروبا الشرقية (قبل ترجمة هيلينا بكثير) اتصل بي أكثر من مترجم قائلًا: إنه من الصعب جدًا أن نذكر في بداية الرواية الغزوَ الروسي لتشكسلوفاكيا، فهذه الإحالة قد تجلب لنا بعض المتاعب. وقلت لهم إنني لا أوافق أبدًا على أي تغيير يلحق النص، وإذا كانت هناك رقابة فالمسؤولية تعود للناشر”[2].

 

 

[1] الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق: محمد عبد السلام هارون، ج1: ص 75-79، 1955، دار الجيل.

[2] أمبرتو إيكو، اعترافات روائي شاب، ص67.

 

رابط النشر:

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات