المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

د. عبد الجبار الرفاعي

يخلق المخيالُ الجمعي صورةً جذّابة فاتنة غير واقعية لماضي الجماعات. يرسم على الدوام صورةً رومانسية بهيجة للماضي، تحذف كلَّ ما من شأنه أن يحزن الإنسانَ ويثير اشمئزازَه. يضيء المخيالُ الجمعي البؤرَ المضيئة مهما كانت خافتةً فيجعلها أشدَّ لمعانًا، ‏بل يعمل على افتعال صور متخيَّلة فاتنة لم يعرفها ماضي الجماعات أبدًا.

كلُّ مجتمع يصنع مُتخيَّله على شاكلة معتقداته وسردياته ورؤيته للعالَم وتأويله لتاريخه، ليعود المتخيَّلُ فيعيد بناءَ رؤية ذلك المجتمع للعالَم في سياق رغباته وطموحاته وأحلامه وأوهامه عن ذاته والآخر والواقع. أنتج المتخيَّلُ الجمعي للمجتمعات عبر التاريخ قصصَ الهلاك الشامل، تعبيرًا عن رغبات ورُهاب بشري مكبوت، وما يشي بفناء عالم أكلته الشرورُ والحروبُ والطغيانُ والقبح، وشغفٌ لا يكفّ عن أشواق العودة إلى بدايات الخلق الصافية النقية، إذ صارت صورةُ ذلك العالم على وفق المتخيَّل كلُّها خيرٌ وعدلٌ وجمالٌ وسلام.كما يشرح ذلك عالمُ الأساطير ميرسيا إلياد.

خيال الجماعة يتشكّل ويتغذّى بأدواتِه وروافدِه المُلهِمة، وأكثرها لا يخضع للعقل النقدي، وهي بارعة بشحذِ المشاعر وتأجيجِ العواطف وإثارةِ الغرائز. ليس هناك وسيلةٌ لترسيخ المعتقدات أيسر وأسرع وأشدّ تأثيرًا من إثراءِ المتخيَّل وتنميتِه والضخّ فيه باستمرار، وتلك وسيلةُ الأديان والأيديولوجيات، وإن كانت تختلف باختلاف منظورات الأديان وثقافات المجتمعات، ووسائلها وقدرتها على التعبئة والتحشيد.

عندما تتمرد المخيّلةُ على العقل النقدي تتضخم وتعطل الوعي، تنشط الذاكرةُ الجمعية بديناميكية خارج إطار الوعي والتفكير النقدي، فتبرع بتوظيف ما يطال الجماعات من الإقصاء والتهجير والتشريد والمطاردة وانتهاك الكرامة والمجازر الوحشية، وتجعل منها منجمًا يغذّي المخيلةَ الجمعية، ويعطِّل العقلَ من ممارسة التفسير التاريخي للعوامل المتنوعة والظروف ‏السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية للأحداث والوقائع والمعارك والمنعطفات الكبرى المولدة لها، فيجري تزويرٌ مهول للوعي، وتعطيلُ العقل النقدي، والتسلحُ بروحٍ ثأرية انتقامية تتشفى بإهدار كرامة المختلِف في الدين والمعتقَد، وتسفك دماءَ الأبرياء بوحشية مريعة، كما يفعل الصهاينةُ اليوم في غزة.

العقلُ هو المرجعيةُ في إصدار الحكم على أية قضية أساسية في الدين. الأديانُ والمقدّسات تتضخّمُ في المتخيَّل باستمرار، لا يضعُ هذا التضخّمَ في حدوده إلا العقلُ النقدي. يظل العقلُ هو المرجعية الوحيدة في اكتشافِ المتخيَّل وبيانِ حدوده وآثارِه المتنوعة في البناء والهدم. كلُّ حكم يبدأ بالعقل، لا حكمَ بالنفي أو الإثبات يسبقُ العقل.

لكلِّ مجتمع ديانتُه ولغتُه وثقافتُه وتاريخُه وجغرافيتُه، لكن لا ينفرد كلُّ مجتمعٍ بقوانين تطوّره الخاصّة. قوانينُ تطوّر المجتمعات كليةٌ لا يختصُّ بها مجتمعٌ دون سواه. المجتمعاتُ جميعًا تشتركُ في أنها تنمو وتراكم تجاربَها وتتطوّر لو توافرت عواملُ نهوضِها، كما أنها تتخلفُ وتتدهور وتنهار لو لم تتخلّص من عوامل انهيارها. المجتمعاتُ كلُّها تسري عليها قوانينُ البناء والتطور ذاتُها، وتشتركُ في العناصر الأساسيَّة التي يُنتجُ النهوضَ توافرُها والانهيارَ غيابُها. منطقُ التاريخ وقوانينُه شاملة، لكنْ هناك شعورٌ كامن في لاوعي كثيرٍ من الناس في مجتمعنا، بأنه استثناءٌ في حضارتِه وهويتِه ومعتقدِه وثقافتِه وتاريخِه، وكأن تاريخَه لا يخضع لما يخضع له تاريخُ المجتمعات من قوانين، وثقافتُه تتفوقُ على كلّ الثقافات، وتراثُه يختلفُ عن كلّ تراث، وهويتُه تنفرد بخصوصيَّات استثنائية. وظلّ الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذّي الهويةَ باستمرار، حتى تصلّبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيّل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، لأن كلَّ ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدّها به ماضيها. تراثُها منجمٌ زاخرٌ بكلّ ما هو ضروري لكلّ عملية بناء ونهوض، وعلومُها ومعارفُها الموروثةُ تغنيها عن كلّ علم ومعرفة تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، وهي ليست بحاجة إلى استيراد ما أبدعه غيرُها، لأنه منتجٌ لمجتمع أجنبي، ينتهك خصوصيتَها، ويهدّد هويتَها، وتتغرّب به.كانت أكثرُ أدبيَّات الجماعات القومية والأصولية تغذِّي هذا الشعور، وتلحّ على الإعلاءِ من مكانة الماضي، والإيحاءِ بأنَّ بعثَه كما هو يكفل نهوضَ مجتمعنا، ولا حاجةَ للإفادة من علوم ومعارف وثقافات غريبة عنه. وقد بالغتْ هذه الجماعاتُ في التشديد على الخصوصية والاستثناء، حتى انتهى ذلك إلى موقفٍ خائفٍ من كلّ ما ينتمي للآخر ومنجزاته وعلومه ومعارفه وثقافته. تشتدُّ حالةُ اصطفاءِ الهوية ووضعِها فوق التاريخ في مراحلِ الإخفاق الحضاري، وعجزِ المجتمعات عن الإسهام في صناعة العالَم الذي تعيش فيه. لذلك تسعى للاستيلاءِ على المكاسب الكبيرة للآخر، وإيداعِها في مكاسبها الموروثة، من خلال القيام بعمليات تلفيق متنوعة، تتّسع لكلِّ ما هو خلّاق مما ابتكره وصنعه غيرُها. وذلك أبرزُ مأزقٍ اختنقتْ فيه هويتُنا في العصر الحديث.

إن الهويةَ والمُعتقَدَ متفاعلان، لكن تأثيرَ كلٍّ منهما على شاكلته وبطريقته الخاصة. الطريقةُ التي يتلاعب بها المعتقدُ تشاكل شِباكَ المعتقَد وتشعّبه، والطريقةُ التي تتلاعب بها الهويةُ تشاكلُ شباكَ الهوية وتشعّبها.كما يتلاعبُ المعتقَدُ والهويةُ المغلقان بالمعرفة يتلاعبان بالذاكرة أيضًا، إذ تعمل الهويةُ المغلقةُ على إعادة خلقِ ذاكرةٍ موازية لها، تنتقي فيها من كلِّ شيء، في تاريخها وتراثها، ما هو الأجمل والأكمل، ولا تكتفي بذلك، بل تسلب ما يمكنها من الأجمل والأكمل في تاريخ وتراث ما حولها، فتستولي على ما هو مضيءٌ فيه. يجري كلُّ ذلك في ضوء اصطفاء الهوية لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خساراتِ الماضي وإخفاقاتِه من ذاكرة الجماعة، ولا تتوقف عند ذلك، بل تسعى لتشويهِ ماضي جماعاتٍ مجاورةٍ لها، والتكتمِ على مكاسبها ومنجزاتها عبر التاريخ. لكلّ جماعةٍ بشرية شغفٌ بإنتاج هوية خاصة مُصطفاة، على وفق ما ترسمه احتياجاتُها وأحلامُها وآفاقُ انتظارها، وما تتعرّض له من إخفاقات وإكراهات. وكلُّ ذلك يسهم في كيفية بناء معتقدها، ويحدّد ألوانَ رسمها لصورِه المتنوّعة وتعبيراتِه في الزمان والمكان، ثم تُدمَجُ صورُ المعتقَد لتدخل عنصرًا في مكونات هذه الهوية، بجوار العناصر الإثنية والثقافية واللغوية والرمزية وغيرها، بالشكل الذي يجعل المعتقدَ عنصرًا فاعلًا ومنفعلًا داخل الهوية. كذلك تدخل الهويةُ في مكونات المعتقَد، إذ تتغذّى منه الهويةُ ويتغذّى منها، فإن كان المعتقَدُ مغلقًا أدي ذلك إلى انغلاق الهوية، وإن كانت الهويةُ مغلقةً أدي ذلك إلى انغلاق المعتقَد. ويتشكّل مفهومُ الحقيقة على وفقهما. المعتقدُ والهويةُ ينشدان إنتاجَ الحقيقة على وفق رهاناتهما ومطامحهما ومعاييرهما، سواء أكانت تلك الحقيقةُ دينيةً أو غيرَ دينية. الهويةُ في حالة صيرورة، وكلُّ صيرورة هي تحوّل متواصل. الهويةُ علائقيةٌ بطبيعتها، تتحقّق تبعًا لأنماط صلاتها بالواقع، ويُعاد تشكُّلُها في فضاء ما يجري على الهويات الموازية لها، وهذا ما يفرض عليها أن تعيدَ تكوينَها في سياق تفاعلِها، انفعالِها، تضادِّها، صراعِها، تسوياتِها، تساكنِها وتضامنِها، مع كلِّ ما يجري على الهويات الأخرى[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 126-131، ط3، 2022، دار الرافدين ببيروت، مركز دراسات فلسف الدين ببغداد.

 

https://alsabaah.iq/91355-.html

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات