تبذير العمر بكتابات تُفقِر العقل

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

تبذير العمر بكتابات تُفقِر العقل

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الكتّاب ضائع لا يدري ما يريد، فيضيِّع القارئَ غير المتمرّس معه.كنتُ أجرّب التعرّف على الكتب بداية مطالعاتي، أقرأ أحيانًا كتابًا من الغلاف إلى الغلاف بصبرٍ مرهق على الرغم من نفوري منه، وعدم قدرتي على فهم ما يريده الكاتب، وكأن امتحانًا مفروضٌ عليّ بهذا الكتاب. وقعتُ ضحيةَ ذلك قبل أن تتراكم تجاربي، وأكتشف أن المطالعة تعني ضرورةَ تذوّق القارئ للنصّ، التذوق حالة للذات لا تنوب عنها أيةُ ذات أخرى. اكتشفتُ أن ما يُفقِر العقلَ ويشيع الجهلَ من الكتب أكثر بكثيرٍ مما يوقظ العقلَ ويبعث الوعي. ربما تقرأ كتابًا واحدًا يوقظ عقلَك ويجعله يفكّر منطقيًا بعمق، وربما تقرأ مكتبةً كاملة من الكتب الرديئة، لا تفقر عقلَك فقط بل تنوّمه، وتجعلك عاجزًا عن التفكير العقلاني بأيّ شيء، إن استسلمتَ لما ورد فيها من أكاذيب وأوهام وخرافات. يتناسب انتشارُ هذه الكتب تناسبًا طرديًا مع تفشي الجهل وانحطاطِ الوعي، الجهل بيئة خصبة لتفشي هذا النوع من الكتابات. الكتب الرديئة تطرد الكتبَ الجيدة، كما يقال: “النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق”[1]. كشفتْ لي تجربةٌ في المطالعة بدأتْ منذ الخامس الابتدائي أن أكثرَ الكتب المعروضة للبيع يضيع فيها العمر ويُهدَر فيها المال، مضافًا إلى أن بعضَها يتشوش معه التفكير، وأحيانا يتعطل العقل، وتفسد الذائقةُ اللغوية. بين حين وآخر ألجأ إلى استبعاد كتب أخطأتُ في شرائها.

ما يبلِّد العقلَ ويشيع الجهلَ هو الأكثر مبيعًا وانتشارًا، على الرغم من أنه لا قيمةَ له. أشعر بالضجر عند قراءة أكثر كتابات ما يسمى بـ : “التنمية البشرية”، أو “تطوير الذات”، أو “علم الطاقة”، لما تتضمنه من مفاهيم غير علمية، وعباراتٍ متعجّلة، وشعاراتٍ مبسّطة مكرّرة، تتلاعب بمشاعر الناس. أضحى ركامُ هذه الكتابات مبتذلًا، يأكلُ وقتَ القراءِ غيرِ الخبراء، وتستنزفُ توصياتُها الواهنة تفكيرَهم، ولغتُها الرثة بيانَهم. تفشّت هذه الكتاباتُ الساذجة التي تجهل الطبيعةَ الإنسانيةَ كالوباء بين القراء في السنوات الأخيرة، وأوهمت عددًا منهم بأنها تعالج كلَّ متاعبهم النفسية. أكثرُ هذه الكتابات هزيلٌ، لا يقع في فتنتها إلا الناسُ المغفلون، الذين لا يفكّرون بتأملٍ ورويةٍ وتدقيق، ولا يمكن أبدًا أن تغوي العقولَ الحكيمة اليقظة. هذه الكتابات والتوصيات تجهل التناقضاتِ الذاتية في الإنسان، وتتعاطى معه كأنه كائنٌ آلي. يشبه هذه الكتاباتِ في الجهل بحقيقة الطبيعة الإنسانية أكثرُ التوصياتِ الجاهزة والعبارات المتداوَلة بين الناس. لا يكترث علمُ النفس وعلومُ الإنسان والمجتمع الحديثة وعلمُ الأعصاب كثيرًا بهذه التوصيات الزائفة لكتابات تشدّد على نصائح وإرشادات، من قبيل: “لا تحزن”، “لا تكتئب”، “لا تقلق”، “لا تتشائم”، “لا تتألم”، “لا تنزعج”، “لا تغتم”، “لا تتأرق في نومك”، “كن حازمًا وجادًا”، “تأقلم مع الظروف بدلًا من تضييع الوقت بالتفكيرِ الزائد”، “استمتع باللحظة الحالية”، وأمثالِها من وصفات كوصفات جاهزة لشخصٍ يمارس الطبَّ من دون أن يتعلمه. أكثر هذه التوصيات والوصفات ضدّ التفكير العقلاني العميق، وضدّ علم النفس وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة وعلم الأعصاب. هذه كتابات تجهل الطبيعةَ الإنسانية المركبة المعقدة العميقة، ولا تدرك تناقضاتِها، والعقدَ التربوية والأمراض النفسية المتنوعة والمختلفة المتفشية بين الناس، وتجهل ضرورةَ مراجعة المصابين بالأمراض النفسية والعصبية للعيادات والمصحات النفسية والعصبية لمعالجة هذه الأمراض،كي تشفي أو يسكن هؤلاء المرضى ويتخلّص الناسُ من حولهم من الآثار الموجِعة لإصابات بعضهم المؤذية للغير.

يزعم أكثرُ كتابات ما يسمى بـ : “التنمية البشرية”، وأشباهها أنه يعالج الأزماتِ الروحية للإنسانِ اليوم الغارقِ بالاستهلاك المادي حدّ التخمة والابتذال، وتشحّ في حياته كثافةُ المعنى الروحي وقوتُه الخلاقة، غير أن هذا النوع من الكتب يشيع وعيًا زائفًا بظمأ الروح وغربتها في ظلام المادة، ولا يعرف شيئًا عن روافد الأمن الروحي الذي تنشده. هو مزيج لخلطة غريبة مستقاة من دياناتٍ وارتياضات هندية وآسيوية، وشيءٍ من تمارين هجينة، تعبث بالروح وتشوه الوعي. يوهم الكاتبُ القراءَ البسطاء بأنه يوقد طاقةَ المعنى في حياتهم، مع أنه ليس سوى مسكنات خادعة. المؤسف أن بعضَ الناس عندما يعثر على هذه الكتابات يسكن إليها، لظنِّه بأنها تروي الظمأَ الروحي، وتستجيب لاحتياجاته للمعنى الذي يبحث عنه. لا قيمةَ لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الإنسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات.

الكتابةُ المشبَعة بالمعنى يجب ألا تهدر مرجعية العقل، مثلما ينبغي أن تملأ الروحَ بالسلام الذي يفتش عنه الإنسان. المعنى الروحي يمكّن الإنسانَ من تجاوزِ ضيق المادة، والخلاصِ من الاختناق بفضائها الحسّي المظلم المملّ، ويطلق روحَه المكبّلة بأثقالها للتسامي في فضاء الأنوار الإلهية اللامتناهي. الكتابة المشبَعة بالمعنى الروحي الذي لا يغيب عنه العقل، يفتّش عنها الإنسانُ الذي يهتدي بالعقل ويتخذه أساسًا لأحكامه بالنفي أو الاثبات، ولرسم خارطة طريق حياته. عندما يعثر الإنسانُ على مثل هذه الكتابة يسكن إليها، بوصفها تحميه من الاغتراب الوجودي، وتعتق روحَه من استعباد المادة المُضجِر. العقلُ يحمي الإنسانَ من الضياع، عندما يمارس وظيفتَه الفاعلة يمنع انزلاقَ الروح في متاهات وكوابيس الخرافات والأوهام. أعرف أن إنتاجَ معادلة كهذه، تضبط التوازن العقلي والروحي، صعبة جدًا. هذا التوازن يستعصي على عدد كبير من الناس، وأحيانًا يتعذّر على بعضهم الآخر[2].

‏  ربّ قارئ ليس له من قراءته إلا النصب والتعب، القراءة بتأمل صبور من شأنها أن تنقل القارئَ من يقينياتِ الأجوبة الجاهزة إلى قلقِ الأسئلة الحائرة. قيمة كلّ قراءة تعكسها قدرتُها على أن تكون منتجة، بمعنى أنها تثير الأسئلةَ في ذهن القارئ، ويرحل معها عقلُه إلى ما لم يألفه في فضاء مسكوت عنه في التفكير. ليس المهمّ كمية ما تقرأه، المهم نوع ما تقرأ، وكيفية التلقي، وأثر ما تقرأ في بناء عقلك وروحك وقلبك وسلوكك. ليس هناك كتابٌ يختصر كلَّ الكتب، وليس هناك كاتبٌ مستوعب لكلّ العلوم والمعارف والآداب والفنون. لا يكفي عنوانُ أيّ كتاب للحكم على محتواه، أحيانًا يوقِع لمعانُ العنوان القارئَ بإغواء شراء الكتاب والمسارعة بمطالعته، بعد قراءة المقدّمة يدرك أنه كان ضحيةَ عنوان مخادع.كثيرٌ من الكتب المنشورة تسرق عمرَك، من دون أن تضيف لك شيئًا، لا تضيف لمعرفتك بنفسك وغيرك شيئًا، ولا تضيء وعيك بالعالم، لا تثري لغتَك ولا تعزّز رصيدَ معجم بيانك. ربما يتبلّد عقلُك وتندثر لغتُك الطرية وتتخشّب بسبب إدمانك على مطالعة هذا النوع من الكتب. خلافًا لكتب نوعية منتقاة بخبرتك كقارئٍ متمرّس، هذه الكتب توقظ عقلَك، وتحيي روحَك، وتبهج قلبَك، وتثري لغتَك، وتمنح حياتَك شيئًا من المعنى الذي تفتّش عنه.

لا يمكن تذوقُ كثير مما يُنشَر، أقرأ نصوصًا متخشّبة فأشعر كأني أُكسِّر حجارةً قاسية بأسناني، وأقرأ نصوصًا طرية مضيئة تنبض بالحياة لكتّاب آخرين فأتلذذ بكلماتهم العذبة.كم أشعر بالغثيان عندما أقرأ أحيانًا كتابات، لا تبهجني أو توقظ عقلي أو تضيف شيئًا مفيدًا لثقافتي وتثري لغتي فحسب، بل أخشى أن تشوّه ذائقتي اللغوية، وتُفقِر ثقافتي، وتشعرني باليأس من يقظة العقل، وأحيانًا تعكر مزاجي. لا أتفاعل مع أسماء معروفة أحيانًا، لحظة أجد لغتَهم غيرَ جذّابة، كلماتِهم لا تنبض بالمعنى، طريقةَ تفكيرهم ضبابية. أتذوق النصوصَ العذبة كما أتذوق الطعامَ الشهي بغضّ النظر عن كاتبها، أحيانًا يكون النصُّ لذيذًا فألتهمه كما ألتهم الطعامَ وأنا جائع، وأحيانًا يكون بلا طعم فأتجرعه، وأحيانًا يكون مرًا لا أستسيغه، وأحيانًا يكون متعفنًا لا أطيقه. بعضُ الكتّاب كأنهم يكتبون لأنفسهم،كتابتُهم مشغولة بتكديس كلمات مضجِرة، نثرهم مصنوع، لا نسيجَ طري ينتظم فيه، ولا تتدفق كلماتُه بسلاسة.كقارئ أتلذّذ بكلِّ كتابة ثمينة أتعلّم منها، أو تثير في ذهني أسئلةً جديدة، أو تدعوني لإعادة النظر بواحدةٍ من قناعاتي، وتقوّض شيئًا من وثوقياتي، وأتذوق نكهة كلماتها كما أتذوق الأشياء العذبة.

لم أهتم بداية حياتي بالفلسفة الحديثة، وأكثرِ أشكال الأدب والفن، وكنت أحسب الأعمال الخالدة لشكسبير ودوستويفسكي وتولستوي وماركيز ونجيب محفوظ وأمثالها مجرد ترهات. بعد أن طالعت بعضَ هذه الأعمال وأمثالها من النصوص الثمينة، أدركت خطأ عدم اهتمامي فيها من قبل، وتضييع سنوات ثمينة من عمري بكتب بعضها لا قيمةَ لها. أضاءت لي أعمالُ الفلاسفة العميقة، وكتبُ علوم النفس والمجتمع، ونصوصُ الأدباء الكبار والرواياتُ الخالدة، شيئًا من أعماق النفس الإنسانية، والاحتياجاتِ المتنوعة لحياة الإنسان الفردية والمجتمعية، والأنماطَ المختلفة لعيشه، وكشفت لي التصنيفَ الذي يولد بولادته، ويورثه هويته الإثنية والدينية والطبقية والجغرافية.

[1] منسوب هذا القانون إلى توماس جريشام “1519- 1579م”، ويسمى بقانون “جريشام”. وهو يشير إلى كيفية طرد النقود المزوّرة للنقود الصحيحة من السوق.

[2] راجع فقرة: “الروح والعقل” في الفصل الثاني من كتابنا: الدين والكرامة الإنسانية، ص 74-76، ط2، 2022، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

رابط النشر:

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات