تختلف أنماطُ التديّن تبعًا لاختلافِ النَّاس

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

الدين أبدي؛ إنه موجودٌ بوجود آدمَ الأوَّل، وسيبقى حتى آدم الأخير. الدين موجود في عصرنا كما كان موجودًا على الدَّوام في كلِّ عصر. يتمكَّن الإنسانُ في هذا العصر من تجديد مناهج فهمه للدين، وتجديد أدوات تفسير نصوصه في ضوء متطلَّبات هذا الواقع، كما فعل الإنسانُ في الماضي.

 

الدينُ كائنٌ حي ينمو ويتطوَّر ويمرض، وقد يصاب بداءٍ مزمن. فكم من ديانةٍ منفتحة انغلقت، وكم من ديانةٍ مغلقة انفتحتْ. مفسّرو النصوص المقدسة تتحكمُ في فهمِهم للدين وتفسيرِهم لنصوصه؛ رؤيتُهم للعالَم وثقافتُهم ونمطُ نشأتهم وتربيتُهم وتكوينُهم المعرفي، وأحكامُهم المسبقة، وآفاقُ انتظارهم من الدين.

من هنا تأتي الحاجةُ إلى تتابع النبوَّات وظهور المجدِّدين والضرورات الأبدية لإصلاح الأديان وتجديد فهمها وإعادة تفسير كتبها المقدسة. ثم إن الضرورة إلى تجديد الفكر الديني تشتدُّ في كلِّ عصر يحتجب فيه الله عن العالم، من أجل تحرير فهم الدين من التعصُّب الأعمى، وبعثِ الإيمان، وحمايةِ الاعتقاد من الاستغلال فيما ينهك الحياة.

إنَّ دراسةَ أثر كلِّ دين وأنماط التديُّن التي تتشكّل في فضائه تتطلَّب أن يعتمدَ الدارسُ معادلةً مثلثةً للفهم؛ إذ لا بدَّ من أن يعاينَ الدارسُ ذلك الدين بوصفه نصًّا مقدَّسًا أولًا، ويتعرّفَ ثانيًا إلى شخصيَّة الإنسان المُعْتَقِد بهذا النصِّ فَرْدًا ومُجْتَمَعًا، ويكتشفَ طبيعةَ الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسانُ وكلَّ ما يحفل به عصرُه ثالثًا. تشكل هذه العناصرُ الثلاثةُ توليفةً متفاعلةً تؤثّر كلٌّ منها في الأخرى وتتفاعل معها. لذلك تختلف أنماطُ التديّن تبعًا لاختلافِ النَّاس أفرادًا ومجتمعاتٍ، ولاختلافِ واقعهم وعصرِهم وثقافتهم، ولطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، ولاختلافِ كيفية تلقِّي النصوص المقدَّسة. ربما يكون التديُّنُ دافئًا، ليِّنًا، رقِيقًا، رحيمًا، كما هو لدى قليل من الأشخاص الذي يُولدون في واقعٍ يستمعون فيه إلى صوتِ المَحَبَّة والعطف والشفقة والتَّراحم، ويحظون بتربيةٍ وتعليمٍ سليمَين. وربما يكون التديّنُ شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرَّضون للاضطهادٍ وعنفٍ في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمَين.

تنشأ الثَّغراتُ في دراسة الأديان من إهمال أحد أضلاع المعادلة المُثلثة للفهم، لذلك تتطلَّب دراسةُ الأديانِ أنْ يتعاطَى الدَّارسُ مع نصوصِها المقدّسةِ وتراثِها الدينيّ بمنطقِ الباحث الذي يعتمدُ مناهجَ البحثِ العلميِّ، وينشدُ فهمَ المغزى العميقِ لهذه النصوص، ويهمُّه التعرُّفُ إلى دلالات التُّراث في فضاء السياقات الخاصّة التي تَشَكَّل فيها، والسعيُ لاكتشاف الآثارِ الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتْها نصوصُ هذه الأديان، وكيفياتِ تمثُّلها في الحياة البشرية. ولا أظنُ أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها؛ لو كان الدارسُ مولعًا بالتبشيرِ بمعتقده ولا يريد إلّا ترويجَه، والحرص على إدخالِ المختلف فيه، بوصف معتقده هو الحقّ وكل ما سواه باطل.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لم تَعُد المناهجُ المكرّرة في دراسة الأديان تضيف إلى الباحث نتائجَ حاسمة؛ ذلك لأن التراث فيها لا يزال يتحدّثُ إلى التراث. إن الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفيةِ نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدِّراسات الدينيَّة من الرؤيةِ التقليديَّة -التي كانت ترى الدين ونصوصَه المقدَّسة مرجعيةً نهائيةً في تفسير كلِّ شيء وفهمه- إلى رؤيةٍ تُخضِع تعبيراتِ الدين وتجلياتِه في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تَمَثُّلاتٍ بشريةً، وكلّ ما هو بشري يقع في مداراتِ عقلِ الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. إن كانت نصوصُ الدين مقدّسة؛ غير أنَّ تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلَّى فيه الأُفُقُ التاريخيُّ الذي يتموضعُ فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابرًا للإطار المعرفيّ لذلك الإنسان.

إن تطبيقَ المناهج العلميَّة في دراسة الأديان وفِرَقِها ومذاهبها جميعها هو ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ إلى كيفية ولادتها وصيرورتها التاريخية، والآثارِ المزمنة لها في الحياة البشرية. تولد الأديان في عصر مؤسِّسيها، لكنها تظلُّ تتخلَّق وتنمو في صيرورةٍ لا تتصرَّم عبر الزمان والمكان في سياقاتِ نسيجِ المتطلَّبات المتنوّعة لحياة الإنسان فردًا وجماعةً، والعلاقاتِ العضويَّة بين السلطة والمعرفة.

ليستْ هناك ديانةٌ أو نصٌّ دينيٌّ خارج طرائق عيش الإنسان وطبائع العمران، فالإنسانُ يخضع لمشروطيَّاتٍ تَفْرِضُ عليه نمطَ حياته، وتؤثّر في سلوكه؛ وهي: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان. لا يتجسَّد الدينُ في حياة الإنسان إلّا تبعًا لهذه المشروطيَّات؛ أي إنَّ فهمَ الدِّين وتفسير نصوصِه يتنوَّع بتنوُّع أنماط حياة النَّاس وطرائق عيشهم. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

إن الرؤية اللَّاتاريخية للدين ترى الأديانَ قارَّةً ساكنةً، وكأنَّ الأديانَ تؤثِّر في المجتمعات وتعمل على تغييرها، من دون أنْ تتغيّر هي أو تتأثَّر. الرؤيةُ التاريخيةُ العلميَّةُ تذهب إلى أنَّ الأديانَ تتأثَّر بطبيعةِ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المتنوِّعَةِ، تبعًا لتنوُّع الزمانِ والمُحيط والإثنيَّة والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أنَّ هناك تأثيرًا وتأثُّرًا متبادَلًا بين الدين والمجتمع، فمثلما يؤثّر الدينُ في المجتمع، ويسهم في إنتاجِ رؤيتِه للعالَم، ويعمل على صوغ نمطِ حياتِه، يعمل المجتمعُ أيضًا على إنتاجِ صورتِه الخاصَّة للدين، وصياغةِ نمطِ التديّن الذي يشبهه. مثلًا لو ظهرت البوذيةُ في الجزيرة العربيّة لأضحتْ مُشَابِهَةً للمجتمع العربيّ، ولو ظهرت الهندوسيةُ في اليونان لأضحت مشابهةً للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحيةُ في الصِّين لأضحت مشابهةً للمجتمع الصيني، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. كما تؤثّر المجتمعاتُ في الأديان؛ تؤثر الأديانُ في المجتمعات، ما فعلتْه الأديانُ في المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ المجتمعات بالأديان.

الموقفُ الأخلاقي يفرض على أتباع كلّ دين الكشفَ عن أرشيفات الماضي، وإعلانَ كلِّ ما يختبئ فيها، وفضحَ منابع التعصب والكراهية في تراثه مثلما يفضحها لدى غيره، والاعترافَ بأخطائه كما يتحدّث عن أخطاءِ غيره.

ليستْ هناك دينٌ يحتكرُ المحبَّةَ والحرياتِ والحقوقَ واحترامَ كرامة الإنسان، وليس هناك تاريخُ دينٍ مُنَزَّهٌ عن التعصُّب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان. ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصحّ نسيانُ مظالمِ الفتوحات، مثلما لا يصح نسيانُ مآسي الحروب الصليبية، وجرائمِ الصهيونيّة في فلسطين.

المعروفُ عن البوذية أنها ديانةٌ غيرُ تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سِلمًا، لم يتحدّث لنا التاريخُ عن حروبٍ تم خوضُها أو دماءِ أبرياءٍ سُفكت باسمها، كما هو معروف عن دياناتٍ أخرى، لكن مع كلّ ذلك تناقلتْ وسائلُ الإعلام صورًا ومشاهدَ لأعمالِ عنف مأساويّة ضد مُسْلِمِي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعاتٌ بوذيّة بتحريضِ رهبان بوذيين متطرّفين.

من الضروري الارتقاءِ بالحوار بين الأديان، والانتقالِ به من الكلام المكرّر إلى اعتماد المناهل الروحية والقيم الأخلاقية المشتركة، والبناءِ عليها بوصفها منطلقاتٍ للبحث في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. وفي ضوء هذا الموقف ينبغي رفض مواقفَ كلّ من يستخفّ بمعتقدات أيّ دين آخر أو يسفهها. التفكيرُ في كلّ ديانة يمتلك حججَه وأدلتَه وقناعاتِه داخل تلك الديانة، ولا تصحّ مناقشةُ هذه الحجج والأدلة والقناعات من دون أن ينخرطَ المناقشُ في أفق تفكير الديانة، ويستوعبَ نصوصَها وتراثَها وخبراتها الروحية.

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

تعليق واحد

  1. مقال مفيد لواقع الدين الزمكاني مع تحليل دقيق ….
    “إن تطبيقَ المناهج العلميَّة في دراسة الأديان وفِرَقِها ومذاهبها جميعها هو ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ إلى كيفية ولادتها وصيرورتها التاريخية، والآثارِ المزمنة لها في الحياة البشرية.”
    “الرؤيةُ التاريخيةُ العلميَّةُ تذهب إلى أنَّ الأديانَ تتأثَّر بطبيعةِ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المتنوِّعَةِ، تبعًا لتنوُّع الزمانِ والمُحيط والإثنيَّة والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات