ثلاثة مواقف في علم الكلام الجديد

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

ثلاثة مواقف في علم الكلام الجديد

براء ريان[1]

صنف الدكتور عبد الجبار الرفاعي تيارات علم الكلام الجديد إلى تيارين: التيار الأول يضم المدرسة الهندية: (أحمد خان، محمد إقبال، فضل الرحمن)، والايرانية “عبد الكريم سروش، محمد مجتهد شبستري)، والتيار الثاني يضم المدرسة العربية: (محمد أركون، نصر حامد ابو زيد، حسن حنفي، عبد المجيد الشرفي). رؤية الرفاعي في الكلام الجديد لا تقع في إطار أي تيار من التيارين ولا في إطار أية مدرسة من المدرستين: الهندية والايرانية أو العربية. رؤية الرفاعي تعبر عن موقف ثالث في علم الكلام الجديد ظهر في أعماله الخمسة الأخيرة، خاصة الطبعة الثالثة من كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد” الذي صدر عن دار الرافدين ببيروت.

يؤسس الرفاعي رؤيته على إعادة التعريفات: إعادة تعريف الانسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي، وإعادة تعريف النبوة، وإعادة تعريف الشريعة… وعلى هذا الأساس يقترح “إعادة تعريف الوحي” باعتباره الأصل لتحديد مفهوم علم الكلام الجديد ومفهوم المتكلم الجديد. ويؤكد الرفاعي على أن “الفهم الذي يتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحي”.

للأسف الشديد أكثر الأبحاث والرسائل التي كُتبت عن علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي لم تلتفت لتميز رؤيته وشرح موقفه الخاص. التعريف الذي قدمه الرفاعي للوحي يوضح رؤيته المخالفة لتفسير الدكتور نصر حامد أبو زيد وغيره. نصر أبو زيد تحدث عن الوحي في كتابه “مفهوم النص” على أنه “منتَج ثقافي”، أنتجته الثقافة العربية في شبه الجزيرة طيلة فترة تنزيل القرآن الكريم، ثم تحول في ما بعد ذلك المنتَج ثقافي لـ “منتِج ثقافي” بعد ما كسب قوة التأثير على المتخيل الديني والإجتماعي للمجتمعات التي دخلت الإسلام.

في نفس الوقت يخالف الرفاعي رؤية د. عبد الكريم سروش للوحي، فقد خصص في “مقدمة في علم الكلام الجديد” الطبعة الثالثة نقدًا لرأي سروش الذي يذهب لتفسير الوحي بالأحلام، ولا يتفق الرفاعي مع رؤية سروش السابقة في بسط التجربة النبوية.

كما نقد الرفاعي رأي د. حسن حنفي في الوحي، في مقالة نشرها بجريدة الصباح البغدادية في 8-9-2022 من سلسلة مقالات بنقد فكر حنفي، نشرها تحت عنوان: “نسيان الله في تفسير حسن حنفي”. وفي كتابه “الدين والكرامة الإنسانية” وهو آخر كتاب صدر له اعتمد الرفاعي منهجًا لا يتفق مع د. حسن حنفي. حسن حنفي برؤيته الملفقة بين الماركسية وغيرها، أقصى الله من أجل الإنسان، ولم ير أن الإنسان هو الطريق إلى الله، كما يرى ذلك الرفاعي في كتابه: “الدين والكرامة والإنسانية” وغيره من مؤلفاته. عجز حسن حنفي عن استيعاب أنطولوجيا “الإنسان – الله / الله – الإنسان” كما أوضحها الرفاعي في هذا الكتاب وغيره. يلخص الرفاعي رؤيته فيما أسماه: “الإنسانيّة الإيمانية”، وفيها تبتني الرؤيةُ للعالَم على مركزية الله في الوجود، ومركزيةِ الإنسان في الأرض. مركزيةُ الإنسان في الأرض ليست منفصلة عن مركزية الله في الوجود. مركزيةُ الإنسان في الأرض بمعنى “الاستخلاف” الذي جاء في الآية: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”، البقرة، 30. مما ورد في تفسير الرفاعي لهذه الآية في الفصل الرابع من كتابه “الدين والكرامة الإنسانية”، قوله: “الإنسان هو الكائن الوحيد في الوجود الذي تتوفر فيه المتطلباتِ الضرورية للاستخلاف، الإنسانُ يمتلكُ ما لا يمتلكه غيرُه من إمكانات تؤهله لهذه المهمة الثقيلة الاستثنائية. الأرضُ كجزء من الكون تسيرها قوانينُ طبيعية استودعها اللهُ فيها، أما كيف يُنظِّم الإنسانُ علاقتَه بالطبيعة وقوانينها ويسخّرها لصالحه، وكيف يستثمرُ الأرضَ ويعمرها، وكيف يديرُ علاقتَه بغيره من البشر وبقية المخلوقات؟ كلُّ ذلك يتكفله الإنسانُ بما يتوفرُ عليه من عقل وإرادة وحرية اختيار وإمكانات وقدرات متنوعة. باستثناء بناء صلته بالغيب فإنها تظل محكومةً بما يهديه إليه اللهُ بالوحي والنبوة وخارطةِ السير التي يرسمها له القرآنُ الكريم، ويتكفل القرآنُ تأمينَ المعنى الديني الذي يبني حياته الروحية والأخلاقية والجمالية”[2].

يستفيد الرفاعي من بعض مقولات التصوف المعرفي، مثل “عدم احتكار النجاة” وغيرها، ويستند إليه أحيانا في مدونته في الكلام الجديد. لكن الرفاعي يرفض تقليد ابن عربي أو جلال الدين الرومي أو أمثالهما. يرى الرفاعي أن “تراث المتصوّفة مرآة عصره”، ويرفض بشدة التصوف الطرقي الذي يصفه بـ “تصوف الاستعباد”، حيث يقول: “بعض أنماط التربية الروحية في التصوّف تتنكّرُ للطبيعة الإنسانية، فتسرف في ترويضِ الجسد، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، وممارسةِ بعض التمارين القاسية العنيفة لترويض الإنسان. هذه الأساليبُ من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلب الطرق الصوفية. لا يطيقُ الإنسانُ التقشّفَ الشديد والتنازلَ عن معظم الاحتياجات الأساسية للجسد، ولا يتحمل الإكراهَ القسري لطبيعته على ما لا تُطيقُه. التنكرُ لهذه الاحتياجات أحدُ منزلقات التربية لدى كثيرٍ من المتصوّفة والرهبان في كلِّ الأديان، وقد كانت ومازالت سببًا لانشطار شخصية بعض هؤلاء واضطراب سلوكهم. الارتياضُ العنيف الذي يتنكر لاحتياجات الإنسان الجسدية والنفسية والعاطفية والعقلية، طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وأحيانًا أنتج أمراضًا نفسية وأخلاقية مزمنة”.[3]

إن من الوهم تصنيف رؤية الرفاعي في علم الكلام الجديد في إطار الرؤية الإيرانية في الكلام الجديد. التدقيق يُرينا اختلاف القراءة الناقدة للتصوف بصراحة في مدونة الرفاعي الكلامية، على عكس المدرسة الإيرانية التي صار التصوف فيها هو المرجعية المعيارية الحاكمة في المدونة الكلامية الجديدة عند د. عبد الكريم سروش مثلاً. مرجعية سروش جلال الدين الرومي، منذ “بسط التجربة النبوية” حتى “رؤى محمد أحلام محمد”، وغيرهما من مؤلفاته الدينية الأخرى. تفسير الرفاعي للوحي مرجعيته القرآن الكريم،كما أوضح ذلك في بيانه لمفهوم الوحي الذي استند فيه لآيات القرآن، ومنها الآية: “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا” وغيرها من آيات القرآن. يقول الرفاعي: (“القول” ليس كلماتٍ منطوقةً تشبه الكلماتِ المستعملة في اللغات،كلُّ شيءٍ ميزانُه بحسبه، “الثقيل” ليس كميةً يمكن أن توزنَ بالمقاييس المادية. ‏تشير الآيةُ الى أن الوحيَ لا يتحقّق إلا إذا تحقّق طورٌ وجودي للإنسان يؤهله لتحمّل القول الثقيل الذي لا يطيقه وجودُ غيره. وصف الوحي بـ “القول الثقيل” يتطلب قدرةً وجودية استثنائية جدًا لا يمتلكها الإنسانُ العادي، أي أن المهمةَ التي يقوم بها النبيُّ مهمةٌ فريدة، لا يطيقها أيُّ إنسان ما لم يتكامل فَيَصِلَ إلى ذلك الطور الوجودي”[4]. يتحدث د. علي أحمد الديري عن “مقاربة الرفاعي لمفهوم الوحي في علم الكلام الجديد” فيقول: “أوقفتني على فتح لطيف لمعنى الثقل في الآية «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا» (المزمل، 5). يفسّر الرفاعي الثقل بالتكامل الوجودي للنبي (ص)، الذي جعله مستعداً لتحمّل هذا النوع من قول الوحي بصلابة وقوة وعزم وإيمان وتسامٍ وإصرار، الوحي بهذا التحمل صلة استثنائية بالله، حالة وجودية: إلهية بشرية/بشرية إلهية. أي إن الثقل يكمن في الذات، في وجودها الذي تُنشئه بقوة روحها وعقلها”.[5]

[1] كاتب من الموصل في العراق.

[2] يراجع كتاب الرفاعي: الدين والكرامة والإنسانية، ص 232 – 234، طبعة 2، دار الرافدين.

[3] مقالة الرفاعي “تراث المتصوّفة مرآة عصره”، المنشورة في جريدة الصباح الصادرة ببغداد، بتاريخ 19-4-2022.

[4] للمزيد يراجع الفصل الثالث ص 146-155، كتاب الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الطبعة الثالثة، دار الرافدين.

[5] مقالة “القول الثقيل في علم الكلام الجديد” علي أحمد الديري، منشورة في جريدة الأخبار الصادرة في بيروت بتاريخ 30-11-2022.

https://al-aalem.com/article/51913-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات