لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق

د. حميدة القحطاني[1]

البحث عن المعنى والشعور بالسعادة المعنوية من ضمن الدوافع الكبيرة التي تدفعني إلى تكرار قراءة مؤلفات د. عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، فهي تنعش روحي وتلامس قلبي وتثير فكري وتساعدني على ايقاظ ذهني. تعودت منذ فترة ان أراقب مؤشر الرضا والسعادة في عالمي الداخلي، واجتهد لإعادة منسوب السعادة بدرجة المقبول فما فوق. أسرع للبحث عما يلامس الروح ويثير الشغف ويعيد الوهج، ويجعلني أكثر تقبلا ليومي، وان أتشبع بالرضا والسكينة، وأشعر بشيء من الضوء في نفسي.

أقرأ كتب الرفاعي على الدوام، مرة أنتقي “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ومرة أخرى أعرج إلى كتاب “الدين والكرامة الإنسانية”، وثالثة “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”، وأعماله الأخرى،كي أرفع مؤشر المعنى في أيامي. اليوم تجولت في “الدين والكرامة الإنسانية”، هذا الكتاب كرّس قاعدة احترام الذات في كينونتي، وفي كينونة كل شخص آخر يقرأه.كم تسحرني مقولة الرفاعي: “الكرامة مقصد مقاصد الدين وأسمى أهدافه”. كما يبهرني هذا النص الآخر، وأقف بصمت رهيب أمامه: “أكثر الكتابات المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثر الكتابات المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدين يبدأ باكتشاف الإنسان واعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان”.

التعريف الخاص للدين الذي وضعه الرفاعي بكتابه هذا وغيره من كتبه، يبتني على تعريفه للإنسان بأنه: “كائنٌ عاقلٌ، عاطفيٌّ، أخلاقيٌّ، دينيٌّ، جماليٌّ، اجتماعيٌّ، تاريخيٌّ. الإنسانُ كائنٌ متفرّدٌ، يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ: العقل، واللغة، والعواطف، والمخيّلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز.كلُّ إنسان واحدٌ في الوقت الذي هو فيه متعدّد، ومتعدّدٌ في الوقت الذي هو فيه واحد”. وفي ضوء ذلك يعرف الرفاعي الدينَ بأنه: “حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويعقب على تعريفه بقوله: “هذا هو تعريفي للدين الذي اقترحته ويعرفه من يقرأ كتاباتي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كتاباتي، ورؤيتي لله والإنسان والعالم”.

الرفاعي هنا يرسم أبهى صورة للدين أتمعن هذا النص وأدبر كثافته وأبصر معانيه العميقة.كم يكشف أمام قلبي قيمة مشرقة سامية للإنسان يدلنا عن حاجات وجودية يساهم الدين في تجلياتها والابداع في مضمارها، انتاج معنى روحي واخلاقي وجمالي. يلفت قلوبنا وعقولنا هنا الرفاعي للجانب السامي في الإنسان، ذلك الجانب الذي يبرهن حياة الإنسان في الإنسان، الجانب المضيء العطر المثمر المتوهج. تشدني قراءة نصوص هذا الكتاب وترشدني احياناً كثيرة لدروب الحياة في الحياة. أحفظ بعض نصوصها وأرى بعض منها مادة أولية اساسية لصياغة بعض قواعد حياتي. رافد من روافد سعادتي المعنوية وأداة كبيرة لرفع منسوب السكينة والرضا، مفتاح جميل لفهم بعض طلاسم النفس البشرية التي أتلمسها في نصوص الكتاب.

هكذا أتلذذ في قراءة مؤلفات الرفاعي ومنها هذا الكتاب، حيث لا تستوعب مقالة واحدة ايضاح قراءتي له، وتصوير روعة شعوري وانا أتمعن وأتذوق وأتزود من نصوصه. ما أجمل وأكثف عناوين موضوعاته كل عنوان يحمل من الكثافة والجمال ما يجعله منهج تربية أو علامة ترشد الحائر للطريق. المميز في هذا الكتاب لغة عباراته التي ينصت لها القلب بدفئه، ويستيقظ أمامها العقل ويقف بإجلال عند معانيه، وتحلق الروح في عالم السمو والمعنى في حضرته.

المقدمة في كتب الرفاعي لا تكفيها قراءة واحدة، ولا تناسبها مهارات القراءة السريعة، المقدمة عبارة عن سيرة ذاتية يبطن فيها الجمال والعمق والحب والحزن والألم، مرة أخرى يعلمنا الرفاعي بصورة غير مباشرة كيف للتواضع من تجليات واعترافات تبني الأنسان وتزيد من ضوء روحه فيقول: “ليس هناك كتابة مكتفية بذاتها، أعترف أن كتاباتي جهد لا يختص بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دور مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهد مشترك فيه كل من يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها”.

نص آخر يدلني عن الالتصاق بالذات الحقيقية والبعد عن النرجسية: “ما أكتبه يظل مفتوحا ينضج ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة”. وستلهمني ذات الاشارة في قوله: “يظل النص مفتوحا ينمو باستمرار تبعا لآفاق الكاتب، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيد من القراءة والمراجعة والتأمل، يتطور النص بالتدريج ويتكامل، وان كان لن يبلغ نهاياته ويكتفي بذاته مهما امتد عمر الكاتب”.

يكرس لنا الرفاعي مفهوم النفس الواحدة في نص يحمل من الضوء والجمال لكل من يرى “ان انتهاك كرامة أي كائن بشري هو انتهاك يطال كرامة غيره من البشر أيضاً “.كثيرة هي النصوص التي يقف ضميري وعقلي امامها وتنصت روحي ولايرغب قلبي مغادرتها واني لأتسائل لماذا لا تنتخب هذه المؤلفات وأمثالها في مناهجنا الدراسية؟ لماذا لا نعلم ابنائنا وبناتنا اهم حاجاتهم الوجودية ونبين لهم ان سلوكهم وانفعالاتهم وحتى احلامهم وأهدافهم واضطراباتهم وإرهاصاتهم النفسية ماهي الاتجليات وتعبير واشارة وصرخة لعدم الالتفات لتلبية هذه الحاجات.

نص آخر التقيه كعلامة ترشد وتهدي الى طريق الارتقاء “إنسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني اخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في حياته، عالم تزداد فيه كآبته، ويشتد اغترابه”. ثم علامة أخرى ترشدنا وتدلينا على الطريق، إذ يقول الرفاعي: “قراءة الفكرة لا تكفي وحدها لتطبيقها، ما لم تتبناها سلطة تفرض حضورها، أو تتجند لها جماعة تحشد كل طاقاتها من أجلها “.

في نص آخر أبصر أهمية الانتقاء، الانتقاء وسيلة مهمة ليقظة الإنسان داخلنا، الانتقاء عامل مهم يساهم ويساعد في انتاج معنى لأيامنا، فيقول الرفاعي وكأنه يشير لنا إلى أهمية الانتقاء، إذ يقول: “بعض الكتاب اتخذتهم جماعات يسارية وقومية وأصولية مرجعيات لها، ففرضت كتاباتهم حضورها في ضمير القراء، وان كانت هذه الكتابات سطحية هشة، تفتقر إلى اي مضمون متماسك رصين، ويدثرها ركام شعارات تذكي العواطف وتثير المشاعر”.

الإيمان يتكلم لغة واحدة، أتى الرفاعي بهذه الجملة اللافتة عنوانا لأحد موضوعات كتابه، وهكذا بقية العناوين يجدها القارئ لوحة جديرة بالتذوق والتزود من الجمال الكامن فيها وبنفس الوقت تثير الشغف لمعرفة المخفي منها أي لغة يتكلم الإيمان؟

لنتذوق ونتزود ونسمو مع هذه النصوص “يسكن الإيمان الروح مثلما تسكنه، ويرتوي بالروح مثلما ترتوي به”، و “أودع الله في كل إنسان روحا منه، إلا ان هذه الوديعة تحتجب متى احتجب الانسان عن الله”، و”الله لا ينسى الإنسان إلا عندما ينساه الإنسان”، و “يضيء الإيمان الروح لحظة تحققها به، مثلما تضيء الكهرباء المصباح المظلم لحظة وصله بها، وهذا معنى كونه حالة نتذوقها كما نتذوق الطعام الشهي والشراب العذب”.

ليس لدي القدرة على الاستمرار في قراءة تامة وكتابة مراجعة لهذا الكتاب في مقالة واحدة، فنصوصه تفرض على ضميري الأخلاقي وذائقتي وقلبي وعقلي أن أجزئ مراجعتي لهذا الكتاب. أرى كل عنوان داخل مكنون هذا الكتاب الثري جدير بالوقوف بكل حب واجلال أمام نصوصه وكتابة مقال في مراجعته. لذا اضطر للتوقف عند هذه النصوص لعلي أهضم جمالها واستدل بعض الطريق بعلاماتها، وامنح عقلي وقلبي وروحي فرصة وفضاء اوسع للسياحة في معانيها،كوجبة شهية جدا نصوص هذا الكتاب أود التهامها في الوقت ذاته.

نختم بهذه النصوص: “الإيمان مستقره القلب، ومأواه الروح، انه ليس صورة ندركها، الصورة يختزنها الذهن. خلافا للفهم والمعرفة، لا يتحقق بالنيابة”، و”الإيمان وحب الله كلاهما كيمياء للروح،كلاهما ينبثقان من جوهر واحد”. “في الإيمان تتناغم الاديان وتتعايش وتأتلف، بعد ان تكتشف شفرة اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلمها الإيمان”. “لغة الإيمان مضيئة، لغة الإيمان عابرة للغات والمعتقدات والفرق والمذاهب”.

[1] دكتوراه فلسفة القانون الدولي العام. قراءة لكتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”.

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات