‏ متعة تسوّق الكتب

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

متعة تسوّق الكتب

د. عبد الجبار الرفاعي

الاهتمامُ بالكتاب صفةٌ حميدة، يحكي جعفر الخليلي في كتابه “هكذا عرفتهم” عن أحد أصدقائه من تجار النجف الأميين،كان يمتلك مكتبةً واسعة تضمُّ آلافَ الكتب، يشتري كلَّ جديد ويجلّده تجليدًا فاخرًا، ويودعه في مكتبته. لا أستطيع المكوثَ ببيتٍ بلا مكتبة، لم أتذمّر يومًا أو أندم من هذا الشره إلى شراء الكتب، ولا أنزعج من تكرار محاولاتي بإعادة تأسيسِ مكتبةٍ كلّما خسرت واحدة منها. في حوزة قم أنشأتُ مكتبةً في ثمانينيات القرن الماضي. متعةُ تسوّق الكتب من أعذبِ متع حياتي، في قم سوقٌ من عدة طوابق يضمُّ مجموعةَ مكتباتٍ لبيع الإصدارات العربية. معظمُ أصحابِ المكتبات من الأصدقاء العراقيين، أتردّد عليهم باستمرار، وأشترى ما أراه جديدًا. أسعار الكتب رخيصة، تنامى رصيدُ المكتبة عاجلًا، بمدة قصيرة تجاوزت مقتنياتها 1000 كتاب. تواصل الشراءُ فضاق البيتُ بالكتب، بعد أن تجاوز عددُها 6000 كتابٍ ومجلة. أمسى مصيرُ المكتبة البيعَ أيام إصدار مجلة قضايا إسلامية معاصرة سنة 1997، وسلسلة الكتاب الرديفة لها. اشترت الكتبَ بمجموعها مكتبةٌ عامة قيدَ الإنشاء تخطّط لأن يكون رصيدُها مليونَ كتاب. اكتأبت العائلةُ واكتأبتُ أنا، وكأن قدرَنا الأبدي رثاءُ مكتباتنا، عندما يتكرّر فقدانُ المكتبة، لأيّ سبب من الأسباب، يغرق الإنسانُ بكابوس خسرانِه كنوزَه النادرة. المكتبةُ مكونٌ جميل لذاكرتنا، ومستودعُ أثمن مقتنياتِنا. زوجتي أم محمد اكتأبت جدًا وعاشت ساعاتٍ مريرة، أجهشت بالبكاء لحظة نزولها للطابق الأسفل، لحظة صدمت بوحشة هذا الطابق؛ وكأنه يرثي رحيلَ المكتبة وهجرانَها للبيت الذي احتضنها وآواها. تصف حالتَها وهي تبكي بكاءً شديدًا، فتقول: شعرتْ كأنَّ روحي انتزعت مني وهرولت بعيدًا عساها تدرك المكتبة.كنتُ أقتّرُ على نفسي بكلِّ شيء غير أساسي، لفرط شغفي حدَ الهوس بالكتب، كنتُ أغفل فأقدّم شراءَ الكتاب على تسوق الفاكهة لأولادي. لا أنسى كلمةً، كلّما تذكّرتها شعرتُ بتأنيب ضميرٍ من تقصيري، قالها ولدي محمد باقر “مواليد 1982” حين كان طفلًا، وهو يراني لحظةَ عودتي للمنزل لا أحمل إلا عدة َكتبٍ، وأنسى شراءَ الفواكه عدةَ أيام، فقال بهدوء ولطف: بابا ليش “لماذا” ما تشتري لنا فواكه!

بعد بيع المكتبة، لم أترك منذ الأسبوع الأول الإدمانَ المزمن على زيارة سوق الكتب، كذلك تكثّفت زياراتي لمعرض الكتاب،كنتُ أذهب مرة أو مرتين، صرتُ أحضر أكثرَ أيام المعرض. أنهمك من الصباح إلى المساء بشراء كمياتٍ من الإصدارات المتنوعة لدور النشر العربية، أسعارُ الكتب مناسبة، أيام وزارة محمد خاتمي لوزارة الإرشاد ثم رئاسته للجمهورية كانت الوزارة تقدّم دعمًا سخيًا لمطبوعات الناشرين المحليين بالورق، وتدعم مختلفَ مبيعات كتب المكتبات من خارج إيران في المعرض. تراكمُ الكتب دعاني لتخصيصِ طابقٍ بتمامه في البيت للمكتبة. استوعبت المكتبةُ المجموعاتِ الكاملة لدورياتٍ عربية وفارسية معروفة، تصلني باستمرار عبر البريد دورياتُ دراساتٍ ومجلاتٌ ثقافية عربية تصدر في بيروت والقاهرة وبلاد الخليج ولندن. راسلتُ مجلةَ المستقبل العربي أطلب منحي اشتراكًا مجانيًا، لم يهمل مركزُ دراسات الوحدة العربية رسالتي؛ فبعث لي جوابًا يشير إلى تسجيل اشتراكٍ ريثما يتبرع أحدُ أصدقاء المركز باشتراكاتٍ مجانية لقراء المجلة، وصلني العددُ الشهري للمجلة بعد مدة وجيزة، مرفقًا بفاتورة اشتراك سنوي أهداه متروك الفالح الذي لم أكن قبل ذلك سمعتُ اسمه، الفالح سعودي أحد أصدقاء المركز المعروفين. يتجدّد هذا الاشتراكُ التطوعي لسنواتٍ متوالية، فتصلني المستقبلُ العربي بلا انقطاع، تمنيتُ أن ألتقي هذا الإنسانَ الكريم يومًا لأشكره.

أضحى رصيدُ الكتب والدوريات يتضاعف سريعًا في المكتبة، في الألفية الجديدة نشأت لدي مكتبةٌ ثانية مودَعة في بيروت، يتراكم فيها فائضُ كتبٍ ودورياتٍ أشتريها من دور النشر اللبنانية، في كلِّ مرةٍ يزيد ما أنقله بعد عودتي في الطائرة عن الوزن الذي أستطيع حملَه. بعد عودتي للوطن وإقامتي ببغداد تكوّنت بالتدريج مكتبةٌ أخرى تملأ اليوم كلَّ غرف البيت. تجمع مكتباتي نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية. لم أعد أحتاج الكتبَ لمطالعتها إلا قليلًا بعد شيوع الكتب الإلكترونية، أحتاج الكتابَ اليوم بوصفه صديقَ العمر الأبدي، الذي مكث معي بعد مغادرةِ كثيرٍ ممن أحبّهم إلى الدار الآخرة، أو هجرتهم إلى بلاد نائية، بعد إكراه المواطن العراقي على العيش خارج أرضه، أو بعد أن عزلتهم الشيخوخةُ عن الحضور التفاعلي في الحياة. وجودُ الكتب في كلِّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلقِ الموت. أتحسّس الكتبَ كائناتٍ حيّة تتغلغل في العاطفة، ويبهجُ حضورُها العقل.كأنها تناديني بلغة عتابٍ حين أنشغل طويلًا بالكتابة والمطالعة على الكمبيوتر. أتحسّس مؤلّفي هذه الكتب كأنهم يتحدّثون إليّ وأتحدث إليهم، يضحكون فأضحك معهم، يبكون فأبكي، يتألمون فاتألم، يكتئبون فأكتئب. حتى لو لم أقرأ أيَّ كتابٍ لا أستطيعُ العيشَ في بيتٍ بلا كتب.

‏لم تعد الحاجةُ للكتاب اليوم كما كانت أمس، بعد الانتشار الواسع للكتاب الإلكتروني وحضوره في كلِّ مكان، وتعدّد مصادر المعرفة وتنوعها وتيسيرها للجميع عبر تطبيقات وسائل التواصل المرئية والمسموعة. أظنّ لإعلاءِ الكتّاب ومدمني القراءة، وأنا منهم، من قيمة الكتاب وتأثيره الاستثنائي الفعّال، وربما تمادى بعضُهم فنفى تأثيرَ ما سواه؛ بواعثَ كامنة في الأعماق، تشي بالشعور بتفوق ثقافتهم ومعرفتهم بالإنسان والعالم على غيرهم، وأن مَن لا يقرأ كأنه لا يعرف الحياةَ مثلما يعرفونها. الكاتبُ الذي يُنتِج الكتاب، ويقرأه، ويعيش مصطحبًا إياه بوصفه رفيقًا للعمر حيثما كان، ويرتبط بصلة عاطفية حميمة معه، يصرّ على الإشادةِ بدور الكتاب المعرفي والثقافي، وأثرِه في إنتاج معنىً لحياته وتسليته. تغذي النرجسيةُ تمجيدَ الكتاب والاحتفاءَ به أحيانًا، والمبالغةَ بتأثيره الواسع، والتعويلَ عليه في إحداث التغيير والتحولات الكبرى في زماننا، والنظرَ إليه بوصفه أساسا لبناء الفرد والمجتمع والدولة. تجاربُ الحياة علّمتني أن بعضَ الأشخاص، ممن لا يعيشون بين أوراق الكتب؛ يعرفون الإنسانَ جيدًا من خلال تفاعلهم اليومي مع الواقع، ربما أكثر مما نعرفه نحن جماعة الكتاب والقراءة، رأيتُهم أكثرَ قدرةً على التكيّفِ مع الواقع، وبناءِ علاقات وثيقة بغيرهم، منا معشر الكتّاب والمثقفين.

قراءةُ الكتب ليست الوحيدةَ اليوم المثمرة في التثقيف وتلقي المعرفة وفهم الإنسان والعالم. مشاهدةُ الأفلام وحضورُ السينما والمسرح العالمي، والأسفارُ والرحلات لمختلف بلدان العالم، والعيشُ مع الناس في المقاهي والأسواق الشعبية، وممارسةُ مختلف المهن الفنية، والفلاحةُ والتأمل في فضاء الطبيعة الممتع،كلُّها تفتح آفاقًا للحياة يتعلّم فيها الإنسانُ طرقَ العيش، ويتعرّفُ على الذات، ويكتشفُ ما يشترك معه من كائناتٍ في الأرض. ممارسةُ السياسة والعمل التنظيمي الحزبي والنقابي، وحتى التجارب المريرة في السجون، تمنح الإنسانَ خبراتٍ ودروسًا لا يعرف معظمَها إنسانٌ قلّما يتفاعل مع الواقع ونادرًا ما يكدح في الحياة، ولا يستطيع العيشَ بعيدًا عن أوراق الكتب.

أبقى صامتًا، عندما أستمع إلى ما يحكيه ولدي علي عن أفلام هوليوود، يشرح قصصًا بمضمون فلسفي عميق لأفلام المخرجين والممثلين المشاهير، وكيف تتكشف بها بشكل درامي تناقضاتُ الإنسان ومصائرُه وأقدارُه المفروضة عليه. علي مغرم بالسينما، بدأ يشاهد أفلام هوليود بعمر 14 سنة، نحو أربع ساعات يوميًا، منها تعلّم الانجليزية بطلاقة، وصار خبيرًا بعلم النفس. أفتقرُ لنمط ثقافته ومعرفته الغنية المتنوعة، أرى ثقافتي فقيرةً مقارنة بنوع ثقافته وجيله؛ ممن يمتلكون مصادرَ بديلة للمعرفة غير الكتاب. لم يقرأوا كثيرًا، إلا أن مصادرَهم في تلقي المعرفة غزيرةٌ تفرض عليك الاهتمامَ بها وتقديرها، خاصة في عصرنا الذي يزيح فيه الإنترنتُ وتطبيقاتُ وسائل التواصل الكتابَ والورقَ بالتدريج.

أدركتُ متأخرًا أن واحدةً من ثغرات شخصية مَن يعيش معظم حياته في فضاء الكتب هي نسيانُ الواقع، والجهلُ بأكثر ما يطفو على سطحه، وما هو محتجبٌ في مدياته الواسعة وطبقاته القصية. لا يتعلّم الإنسانُ من الكلمات الا قليلًا، الواقعُ معلّمٌ عظيم، مَن يهرب من خوض معارك الواقع ولا يطيق الانغمارَ في شجونه، يخسر أكثرَ ما يزجّه العيشُ فيه من معارك مباغتة، ويظلّ عاجزًا عن معرفة كثيرٍ مما يضمره البشر، ويصدمه بعضُ الأصدقاء بمواقفهم المستهجنة أحيانًا، ويستغرب من الناس سلوكَهم الذي اعتادوا عليه. ‏يتطلب التعلّمُ العملي أن يعيش الإنسانُ الواقعَ بكلِّ تناقضاته، ويتذوق ما يحفل به من عطايا، ويتجرّع مراراته، ويكتشف ما تفرضه عليه الحياةُ من ضروراتٍ لابدّ منها.

أنا وأمثالي يفاجؤنا الواقعُ، وأحيانًا يصدمنا سلوكُ الإنسان، بما لا يفاجئ ولا يصدم غيرَنا، ممن اختبروا الواقعَ ومحصوه؛ عبر التوغلِ في طبقاته الظاهرة والخفية، ووعي طرائق العيش، ومواجهة مختلف المواقف الأخلاقية واللاأخلاقية، وشهودِ ما يفعله الناسُ من تمويهٍ ومراوغةٍ واختباءٍ خلف الأقنعة. الكتبُ تسكن الكاتبَ مثلما يسكنها، لذلك يعيش مغترِبًا مَن يغادر الحياةَ ويطمر نفسَه في أوراقها. هذا الإنسانُ يظلّ يفتش عن حياةٍ على شاكلة الكتب التي يقرأها، وتلك الحياة لن يراها أبدًا، مهما بحث عنها في كلِّ زوايا الواقع المعيش.

 

 

 

 

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات