مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت

د. عبد الجبار الرفاعي

بين الصمت والإنصات صلةٌ عضوية، مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت. أعرف بعضَ الأشخاص عندما تتحدث معهم لا يسمحون لك بإكمال حديثك في أية قضيةٍ تتكلم فيها، يعجزون عن الإنصات لغير أصواتهم. لو تكلمتَ معهم، سرعان ما ينتزعون الكلامَ منك، على الرغم من أنك لم تستوفِ ما تريد، فيمتطون صهوةَ الكلام. لو حاولتَ الإصرارَ على التحدّث، يُضربون عن الكلام، إلا أنهم لحظة يُضربون لا ينصتون، بل يغيبون ذهنيًا عنك، ويشعرونك أنهم غرقوا في منطقة ظلام، وكأنهم يمارسون نوعًا من عقابك بالإضراب عن الإنصات، لئلا تتجرأ على النطق بكلمةٍ مستقبلًا في حضورهم. ‏مَن يتكلم بطريقةٍ يحتكر فيها الكلام، من دون أن يسمح للمتلقي بالمشاركة، يضمر في داخله أن التكلمَ يليق بمقامه، الإنصاتُ يليق بمقام المستمِع، الأستذة تليق بمقامه، والتلمذة تليق بمقام المستمِع. ‏وهو نوعٌ من الاستبداد والعنف الرمزي، الذي يلغي أيَّ شكلٍ من أشكال التواصل والحوار بين المتكلّم ومَن يجب عليه الإنصاتَ له.

‏الصمت يمكّن الانسانَ من الإنصات إلى الذات، بوصفة مقدمةً ضرورية للإنصات للآخر، وإيقاظِ عناصر الحياة، وتغذية روافد تصلب الإرادة، وتوكيد الثقة في الذات. ‏الحوار أثرى فنونِ العيش المشترك، وإدارةِ شبكات المصالح، وحلِّ المشكلات، وبناءِ التسويات في الحياة الاجتماعية. الحوارُ يختلف عن إصدار الأوامر والإملاء المفروض إكراهًا على المستمِع. إرادةُ الحوار شرطُ التواصل، ‏وبناءِ الثقة، واحترامِ أحد الطرفين للآخر. الإنصاتُ شرطُ الحوار، الحوارُ يعني إعلانَ المساواة بين المتحدّثَين، والتكافؤ في الحقِّ في الحديث وإبداء الرأي. غيابُ الإنصات يعني غيابَ الحوار، وتحولَ كلام المتحدّث إلى أوامرَ إنسانٍ يفرض تسلّطَه على مَن يتحدّث اليه، ويمتنع من الإنصات لما يقوله. التنكر لحقِّ مَن تتحدث إليه بالحوار يعني التنكرَ للحقِّ في الاختلاف، والتنكرَ للحقِّ في الخطأ. الإنصاتُ نافذةُ ‏الحوار، الحوارُ أداةٌ تمكّن المتحاوريَن من التعرّف على الوجوه المتعدّدة للحقيقة. ‏وجوهُ الحقيقة والطرقُ إليها متنوعة، النظرة الأُحادية ترى وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا ترينا هذه النظرةُ بالضرورة صورةَ الحقيقة بوضوح. يحتاج اكتشافُ الحقيقة التعرّفَ على وجوهها المتنوعة، وذلك ما نراه بجلاءٍ في النظر المشترَك للمتحاورين.

الإنصات يعني تذوقَ لذة الصمت، الصمت معلّم من لا معلّم له، الصمت نافذةُ الضوء لاستكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة وإثرائها بالمعنى. الإنصات يعني إرادةَ التعلّم، وعدمَ الاستخفاف بعقل وشخصية المتحدّث. الإنصات يعني إرادةَ التهذيب والفضيلة، ويعني عدمَ الاستخفاف بعقل وكلام وشخصية المتلقي. الإنصاتُ يعني إرادةَ العيش معًا، وقبولَ التنوع الديني والإثني والثقافي، واحترامَ كرامة الإنسان المختلِف. الإنصات يعني التأملَ والتفكيرَ المتمهل، وتمحيصَ الكلام، وإرادةَ الصواب، وتجنبَ الوقوع في الهفوات والأخطاء قدر الإمكان. الإنصات يفضي الى استكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة، وإثرائها بالمعنى.

إننا مدعوون جميعًا الى حمايةِ الأجيال الجديدة من داء الثرثرة المتفشّية في مجتمعنا، وإعادةِ الاعتبار للصمت والتأمل والتفكير المتمهل، وكلّ ِما تتوغل معه الذاتُ في عالمها الجواني، وتسبر أغوارَها، وتستكشف مدياتِها البالغة الخصوبة والثراء. هناك حاجةٌ ملحة لتنمية ثقافة ما يمكن تسميته بـ “اقتصاديات الكلام”، التي تعالج ما يتصل بكمية الكلام وكيفيته، وشكله ومضمونه، ونغمات الأصوات، والكفِّ عن الصوت الأجَشّ، والكلمات العنيفة المتوترة، وكلّ ما له علاقة بذلك، مثل: أنماط إنتاج الكلام، ورأسماله، وادخاره، وقيمته، وريعه، وقيمته، وتداوله، وتسويقه، وسوقه، وغير ذلك من اقتصادياته. وكل ما يُمكّننا من إتقان ما ينبغي وما لا ينبغي قولَه وتداولَه من كلمات، وما يمنحنا القدرةَ على الكفِّ عن الشقشقات اللغوية، والرطانات اللفظية، والكلمات المفرَغة من أيِّ مضمون، من كلماتٍ شفاهية، وكلماتٍ مكتوبة.

يجب أن تستوعبَ خططُ وبرامج التربية والتعليم في مجتمعاتنا تدريسَ “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم، وأن تهتمّ بالتدريب عليهما في برامجها التربوية والتعليمية، في مراحل التعليم المختلفة، والتعليم الأساسي خاصة، منذ مرحلة رياض الأطفال الى نهاية التعليم الثانوي. “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم”، تفرضها ضروراتٌ تربوية وتعليمية وذوقية وروحية وأخلاقية وعقلية، وتفرضها حالةُ انهيار القلب والروح والذوق والعقل، في فضاء ضجيج هذيان وهذر معظم السياسيين، وبعض رجال الدين، والكثير من الإعلاميين، وجماعة ممن يسمون أنفسَهم بالشعراء والأدباء والمثقفين.

تسود المجتمعاتِ العالقة في تاريخها، ومنها مجتمعنا، حالةٌ من الشغف بالكلام بلا معنى، تصل لدى البعض حدّ الهذيان. يتكلمُ الكلُّ في كلِّ شيء، بعض الزعماء السياسيين يتحدث في: الفلسفة واللاهوت والفقه والتفسير والأدب والفن والتاريخ والسياسة والاقتصاد والقانون والعلوم والمعارف المتنوعة. يولع بتكرار أسماء فلاسفة ومفكرين وأدباء وفنانين، لا يعرف عنهم في الغالب شيئًا يتجاوز الاسم، وربما يتلفظ الاسمَ خطأ. وحين يشير إلى معلومةٍ تتصل بهم، غالبًا ما يخطئ فيها،كما سمعتُ ذلك عدة مرات.كأن السلطةَ السياسية تفوّض صاحبَها التحدّث بكلِّ شيء عن كلِّ شيء، وكأن ما تراكم من معارف بشرية في تاريخ العلم المتواصل آلاف السنين، يمنح فجأةً سلةَ العلوم والمعارف والفنون والآداب لمن أضحى متسيّدًا على كرسي السلطة بوصفه “الرجل الضرورة”.

لم ينتفع كثيرٌ من سياسيينا، الذين عاش معظمُهم في الغرب، ويفترض أنهم تشبعوا بمناخات الديمقراطيات الحديثة في تلك البلدان، واكتشفوا شيئًا من قيمة التخصّص وأهميته في تطور البشرية، وامتدادها عموديًا، واتساعها أفقيًا. لم ينتفعوا من خبرة العصر في ضرورةِ احترامِ التخصّص، والحذرِ من التعالُم والحذلقة الفارغة بمقام أهل العلم، ومن المعلوم أن المتحدثين في الفضائيات اليوم تتجه أحاديثُهم لمختلف الناس، يتحدثون دائمًا في مقام أهل العلم والخبراء. لم يتعلم هؤلاء أن المجتمعات المتقدّمة تفكّر أكثر مما تتكلم، وتعمل أكثر مما تتحدث، وتصمت أكثر مما تهذر، وعادةً ما يقتصر المتحدثُ السياسي في تلك المجتمعات على اختصاصه، وعادةً ما يعود الى الخبراء فيما لا خبرةَ له فيه، ويقتصد بما هو مطلوب من كلام، بلا خطب جوفاء وضوضاء وضجيج.

نحن ننهمك بتعويضِ الفعل بالثرثرة، واستبدالِ التفكير بالهذيان، حتى لو شئنا أن نفكّر فإنا نغرق في بحر الألفاظ، ولا نذهب للتفكير بـعمق في المفاهيم. مؤسساتنا التربوية والتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والاجتماعية، تنهمك في بناء كياناتها بالأوراق والشعارات والألفاظ، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من عبارات وكلمات، من دون أن تنظر فيما تقدّمه من منجزات حقيقية على الأرض.

أخبرني أستاذ جامعي صديق عاش سنوات طويلة في ماليزيا، وتكونت لديه علاقاتٌ طيبة مع عائلات في ذلك البلد، قال: “اطلعتُ على حياة بعض العوائل الماليزية من الداخل، فرأيت الزوج والزوجة ربما لا يتحدثون في كل ساعات اليوم إلا بكلمات قليلة لتأدية الاحتياجات الضرورية للحياة، وربما تمر ساعات عديدة بلا أن يتفوه أحدهما بكلمة”. في البلاد العربية تشير بعضُ البيانات إلى أن العربَ هم الأقلّ صمتًا والأكثر كلامًا في الهاتف مقارنةً بغيرهم، وهم الأقلّ إنجازًا مقارنةً بالمجتمعات القليلة الكلام[1]. تشير بعض الدراسات إلى أنه في الأمريكتين مثلًا يتكلمون بمعدل 7000 كلمة في اليوم، أما العرب فهم الأكثر كلامًا، فمثلًا المرأة المصرية تتكلم في اليوم أكثر من 24000 كلمة، والمرأة الأوروبية تتكلم في اليوم أكثر من 10000 كلمة، والمرأة الآسويه تتكلم في اليوم أكثر من 7000 كلمة، والمرأة الأمريكيه تتكلم في اليوم اكثر من 4000 كلمة. المجتمعات الصامتة مجتمعات يسودها السلامُ والأمن العائلي والمجتمعي، اليابانيون والآسيويون صامتون، منشغلون بالعمل والإنجاز، يسود حياتَهم العائلية والمجتمعيةِ الأمنُ والسلام. الصمت أحد التقاليد الراسخة في الثقافات المحلية والفضاء الميتافيزيقي الآسيوي.

[1] صحيفة الرياض، العدد 16983، الصادرة بتاريخ 23 ديسمبر 2014م.

 

https://alsabaah.iq/98211-.html

 

 

 

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات