هل كنتَ تخصّني بالاهتمام، والتفقُّد كما تخصّ واحدًا من أبنائك، أم أنَّ هذا هو أنتَ معي ومع غيري؟

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

هل كنتَ تخصّني بالاهتمام، والتفقُّد كما تخصّ واحدًا من أبنائك، أم أنَّ هذا هو أنتَ معي ومع غيري؟

عبدالعاطي طلبة

عبدالعاطي طلبة محرر ومترجم في مركز دراسات فلسفة الدين ومجلة قضايا إسلامية معاصرة منذ عدة سنوات. تخرج في الأزهر، وتخصص في الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وعمل خطيبا للجمعة سنوات عديدة، شاب عمره 33 سنة، ذكي، متنوع المواهب، مثابر، قارئ جاد، وكاتب ومترجم متميز.  في معرض القاهرة هذه السنة 2024 للكتاب كتب لي هذه الرسالة، ونشرها على صفحته ال Facebook ليلة 30-3-2024.

 

‏النص الذي كتبه عبد العاطي طلبة:

‏جرتْ نَفْسِي في هَذِه الرِّسَالَة ومَا كُنْتُ أودّ خروجَها من الخصوص إلى العموم، لكن السرَّ يُذاع، والباطنَ يستظهر، والمَعين يُطلب ماؤه، وما كان الله ظاهرًا إلا لأنه باطن، وما كان أولًا إلا لأنه آخر. ‏استأذنتُ الوالد د. عبد الجبار الرفاعي في بثِّها، فأَذِن وهو الكريم في المنح، حتى تثبت في مَتن التاريخ، وتسري في عالم الروح والفنّ؛ ناطقةً عن علاقة تلميذ بأستاذ، وولد بوالد، ومُرَبٍّ بمُريد، وعن روحَين ارتويا بالنيل والفرات؛ لم تغادر الأولى مصر على الأبد، ولم تفارق الثانية العراق قطّ، فما كانَ إلا وكنتُ منذ القِدَم في سلسلة روحيّة من الأغيار والأمثال لا تنتهي.

 

‏نَص الرسالة:

‏—————–

‏مرحبًا بنفسي

‏لم أشعر منذ وقتٍ بعيدٍ بهذا الشعور الطِّفْلِيّ، فقد صرتُ رجلًا فجأةً لأني ما أدركتُ إلا وكان المرضُ يسري في أبي سريان الشر في العالم الحادث مُنهيًا وجودَه ومُتبدِئًا وجودي مراهقًا وإن كان مسؤولًا. هل لي أن أرفع الكلفةَ بيني وبينكم وأناديكم بعمّ رفاعي؟!…

‏إنني يا عمي لم أشعر أبدًا في هذا المحيط المعتمل بالخير والشر، والإيجاب والنفي، واليأس والبأس، والأمن والخوف بمعنى الأبوةِ حقًّا إلا في حضوركم.

‏صحيح، تلمَّست عن أبي في لحظات حضوره بعضَ هذه المعاني، لكنها كانت قصيرةً، وكنتُ صغيرًا، فلم تثبت، وما زلتُ أتحسسها في الذاكرة؛ أكبِّرها، وأُعظِّمها في نفسي: لقد كان رجلًا عظيمًا، ونبيلًا، لا يقل عنكم عطفًا ورحمانية في شيء، وكم من مرة رأيتُه متمثِّلًا بصورة أقلّ في غيرك، وبالصورة الأكثر والأمثل في حقيقتك.

‏لدي سؤال يا عمي! هل كنتَ تخصّني بالاهتمام، والتفقُّد كما تخصّ واحدًا من أبنائك، أم أنَّ هذا هو أنتَ معي ومع غيري؟ سأعتبر الإجابة أنكَ مُتوجه إليَّ على الخصوص، وإن كانَ الحقُّ في العموم.

‏يا عمي، إنّ قربك، ووجودك في جنبات مصر، أُحس به في عظمي، حتى وإن كانت الأميالُ تفصل بيني وبينك بينما تجري يدي على هذه الصفحة جَرْيًا محمومًا، فأنتَ البعيد على قرب، القريب على بعدٍ حقًّا! لا يُشعرني هذا الدنوّ بشيء سوى الاطمئنان الخالص، وكأنّي صرتُ إلى عالم قد خلا من كل معنىً شرير، فمجرَّد حضوركم مُلْبِسٌ العالَم هذا المعنى، ومُخَلِّقًا إيّاه في هذه الصورة وعلى هذا التأليف والتركيب: أفضل عالَم ممكن.

‏لم تضرب لي موعدًا للِقَاءٍ، إلا وضربتَ في قلبي بسهام من القلق، والخوف، والرِّعدة، والضلال: قلق المحب وهو في مَدارات حبيبه، وخوف العاشقِ الفقدانَ، ورعدة التلميذ بين يدي المعلم، وضلال الصَّبِّ في طرقاتِ مقصوده.

‏عمي، ما تنزلتَ في القاهرة، لكن تنزلتَ عليّ، وما حضرتَ إلا وحضرتْ نفسي يعتريها سلامُ العالَم، وصارتِ الدنيا إليَّ أحبّ، وأرقّ، وأعطف رغم ما يعتمل فيها من قَهْر، ودَنَس.

‏عبد العاطي طلبة

‏ابنكم المحب، وتلميذكم، القاهرة، العبور، فجر يوم السبت، 27 يناير 2024

‏نسخة pdf:

‏⁦ drive.google.com/…/1SlZtaXwLL…⁩…

 

https://www.facebook.com/100012969944759/posts/1854158991693081/

 

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Leave a Replay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات