Category: أصدقاء ملهمون

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

مشتاق الحلو[1]

أتهيب الكتابة عن عبد الجبار الرفاعي؛ لأني أؤمن بأن التأريخ له تأريخ لمرحلة وحقبة وتجربة ومسيرة، مرحلة طالما تمنيت أن اكتب عنها بإسهاب، وأبين كل تفاصيلها التي شهدتها وعشتها، فأخشى أن اظلمها، أو أجانب الحقيقة في تقييم مستعجل لها. والآن، بمناسبة تسجيل شهادتي عن الرفاعي لا أرى مفرا من الانطلاق منها، والتحدث قليلا عنها، على أمل أن أعود لها ثانية بشكل أكثر تفصيلا وتحليلا.كما أؤمن بأن الاحتفاء بالرفاعي، والاهتمام به، هو اهتمام بمشروع وفكر وتفسير للدين، وعمل على تحرير مجتمعاتنا من “ثقافة هجاء الحياة وتمجيد الموت”، وهو واجب بالنسبة لي يحتّمه الضمير.

قد يلاحظ القارئ ان الحديث في البداية يتمحور حولي / الشاهد، لا حوله/ المشهود له. فللأمر اسباب قد يكون من اهمها: اني حينما أكون عند الرفاعي أحسّ بأني كبير ومحترم، لهذا حينما أتكلم عنه أيضا ينشط عندي الإحساس نفسه.

محطات في اكتشاف الرفاعي

 

المحطة الأولى: 1984 – 1991

في نهاية العقد الأول من عمري جرت أحداث مؤسفة في الكويت، وعلى أثرها هجّر أو هاجر اغلب العراقيين الذين اتخذوا من الكويت مأوى لهم. وكنا في قم في استقبال حصتنا من الشتات العراقي الذي كان يتقاذفه القدر في البراري.

كان الرفاعي أحد العراقيين الذين هاجروا من الكويت إلى إيران، اثر هذه الأحداث. في الأيام الأولى لدخول الرفاعي مدينة قم تعرفت عليه، بوصفه صديقا لبعض الأقرباء، ثم صديقا لوالدي، فكنت أراه في بعض الولائم والاجتماعات العامة.

كنت اسمع والدي يتكلم عنه فيقول: انه أستاذ حوزوي مثقف، لكنهم يضطهدونه، لأنه عراقي، ومن أصول عربية.كان هذا الكلام غريبا بالنسبة لي؛ إن كان أستاذا حوزويا، فلماذا هو حليق اللحية “مقارنة بمن أراهم حولي”، ويرتدي البدلة الغربية، التي لم تكن مرحبا بها في تلك الحقبة بالذات؟!

أما ثقافته فكنت امتلك شاهدا عليها، وهو أني كنت اسمعه يتكلم في الاجتماعات العامة بلهجة مختلفة عن الآخرين، بعربية قريبة من الفصحى، لكن تشوبها لهجة عراقية، لا يمكن تمييز – على الأقل بالنسبة لي آنذاك – المدينة التي ينتسب إليها. غير أن ما هو واضح تماما انه عراقي بامتياز.

كنت أتساءل حين أراه: ماذا يريد أن يقول بحلق لحيته؟ لماذا يتجاهر بخرق الشريعة؟ ولكن في الوقت نفسه كنت اكبر فيه هذه الشجاعة، وهذا الصدق، كونه لا يتظاهر بمظهر لا يحبه، في بيئة ما كان أي إنسان من وسطنا العراقي آنذاك يجرؤ على حلق لحيته فيها.

هذه الشخصية للرفاعي امتزجت في ذهني بشخصية ثانية؛ وهي انه من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة. وان كان لأهلي ووالدي انتماءات سابقة لهذا الحزب، إذ أعدم عمي على يد النظام الصدامي بجريمة انتمائه للدعوة، إلا أني كنت أمتلئ كراهية للمعارضة مع الوقت والنضج… معارضة صدام بكل فصائلها. المعارضة التي كنت أرى رموزها أناسا متكبرين علينا، مستبدين معنا، مستأثرين بخيراتنا، متاجرين بدموعنا ودمائنا، جهلاء بالعلم والمعرفة إلى درجة يصعب تصورها…

وبمرور الأيام حاولت جاهدا أن افصل نفسي، مهما استطعت، عن كل من ينتمي للمعارضة، حتى أصبحت أتمنى أن لا يعرف أحد منهم أني عراقي؛ لأني لا أحب الانتساب لهم. وكبديل عن هذا الفضاء ارمي بنفسي في الفضاءات الإيرانية، وابدأ حربا مستميتة لإثبات ذاتي وفرض نفسي عليهم. كان أكثر ما يستفزني من قبل الإيرانيين سؤالهم عن الجماعة التي أنتمي إليها من المعارضة. فأجيب بانفعال لا يفهم الإيراني سببه: أنا عراقي، لكني لا أنتمي إلى المعارضة.

 

المحطة الثانية: 1991 – 2002

انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وبالنسبة لي بدأت مرحلة فقدان الأمل بالخلاص من دكتاتور العراق. وإذا به يقتحم الكويت، فبعث أمل فينا بأن أميركا سوف تخلصنا منه. وجاءت الانتفاضة الشعبانية نذر خير بأن الشعب العراقي بنفسه سوف يطهّر العراق من دنس الدكتاتورية. فهرعت للمشاركة في الانتفاضة، وتركت امتحانات الثلث الثاني من العام الدراسي “حسب النظام الدراسي الإيراني”، وما كانت إلا أيام وانجلت الغبرة وبانت الخيبة.

فعدت أدراجي مثقلا بالحزن، فاقدا للأمل، وبدأت كراهية _ ما تسمى _ معارضة صدام تتصاعد عندي، حتى وصلت إلى الحقد والازدراء الذي لا يمكن وصفه. لأني توصلت إلى قناعة بأن سبب فشل الانتفاضة، ودمار البلد، وإبادة الشعب هو أداء المعارضة. وبشكل تدريجي صرت أؤمن بأن جميع فصائل المعارضة لا يريدون سقوط دكتاتور بغداد قبل تصفية فرقائهم، أي يجب أن يبقى هو البديل الوحيد لصدام، ثم ينتقل لمرحلة التفكير بالتخلص منه.

عدت لإكمال الإعدادية، لكنني حزين على بلدي وشعبي وقد يكون حزني في الحقيقة على نفسي ومستقبلي وكرامتي المهدورة في المنفى الاختياري الذي اختارته الأسرة لي. والنفق المظلم الذي أسرنا فيه.

عشت طفولة من دون طفولة، ومراهقة من دون مراهقة، في بلد وبين أناس لا انتمي لهم ولا ينتمون لي، بلا ذكريات ولا حلم ولا أمل. ثم قررت أن ادخل الحوزة. ولا اعلم لم اتخذت هذا القرار. قد يكون السبب أن نموذج القائد المنقذ الذي كان يحضر في ذهني آنذاك، تجسد في السيد الخميني والسيد محمد باقر الصدر، وهما رجلا دين.

كنت ادرس ثانوية في الفرع العلمي، وأهتم بدروس الحوزة مساء، مستعينا بالأشرطة. فسمعت عددا من الأساتذة، واستقرّ رأيي في نهاية المطاف على اختيار دروس الرفاعي. أشرطة ضبط الصوت التي سجّل بعضها والدي، حين تتلمذ على الرفاعي، فطلب منه وحفّزه على تسجيلها، وما زلت اذكر عبارة الرفاعي الوجلة – في حينها -: “كيف توضع أشرطتي إلى جانب أشرطة أساتذتي؟” انسجمت مع اللغة والأسلوب، ومستوى الشرح المعتدل، لا المسهب، ولا المطنب.

وان كان الرفاعي جزءا من “معارضة صدام”، لكن التربية التي تلقيتها من بيئتي الإيرانية، علمتني أن أتجاوز هذا الحب والكره، واجعل الهدف نصب عيني. فاستمعت لأشرطة كتاب “المنطق” لمحمد رضا المظفر، ثم الحلقة الأولى من “دروس في علم الأصول” لمحمد باقر الصدر، وكتبت كل شاردة وواردة ذكرها الرفاعي، وما زلت احتفظ بها إلى يومي هذا.

في المرحلة التالية، دخلت الحوزة للدراسة المباشرة. لكن رفضي لـ”معارضة صدام” حال دون دخولي الحوزة العراقية، لأن الحوزة العراقية مجموعة مدارس، كل واحدة منها تابعة، أما لشيخ فلان أو سيد فلان، وجميعهم من أقطاب “معارضة صدام”. سألني في حينها أحدهم: كأنك تكره المعارضة أكثر من صدام؟ قلت: نعم! صدام أهانك، لكن معارضته أهانتني.

وان كنت ازدري رؤوس المعارضة، لكني كنت أتابع جميع خلجاتهم لسببين: كنت أفكر أن أثبّته للتاريخ، وأحاول أن أستفيد من كل ما يصدر عنهم، للتعرف على بلدي، واكتشاف ثقافتي العربية، كي أتسلح بها مقابل الآخر الذي يحتقرني، ولم أر أمامي نافذة مطلّة على العراق سوى هؤلاء؛ لأنه لم يتوفر بديل. لم أكن اسمع يومها بكائن اسمه النت أو الفضائيات، وكنا نعاني شحّة المصادر العربية، والمعاصرة منها خاصة. لهذا كنت أحاول رصد كل ما يصدر عن الجالية العراقية،كي اقوي لغتي العربية بها. أنا الذي أمضيت كل حياتي في البيئة الفارسية. لكن الرفاعي كان غائبا بالنسبة لي في هذه السنوات، فهو لا يرتاد الحسينيات العراقية، ولا يلقي الخطب الرنانة فيها.

حتى دخلت كلية العلوم السياسية عام 1995. وحين بدأت بكتابة البحوث، عثرت على كتاب “مصادر الدراسة عن الدولة والسياسة في الإسلام”، 1986. ثم “معجم ما كُتب عن الرسول وأهل البيت”، وهو موسوعة تقع في اثني عشر مجلدا، 1991-1995. ومجلة “قضايا إسلامية”، التي أصدرها عام 1994، وموسوعة “مصادر النظام الإسلامي”، تقع في عشرة مجلدات، 1996. هنا أحسست بأني أمام معجمي عراقي مختلف. موسوعي ببليوغرافي، بينما في الغالب ـ في حدود اطلاعي ـ الإيرانيون هم الببليوغرافيون والموسوعيون.

سرعان ما فوجئت بتوقف مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1997، وصدور مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” في السنة ذاتها. أثار استغرابي هذا الأمر، فسألت عنه. عرفت أشياء عن علاقته بحزبه السابق. فاكتشفت أن الرجل قطع ارتباطه التنظيمي بحزب الدعوة سنة 1984، أي خرج من “معارضة صدام”. واعتزل السياسة وتفرغ لتجديد الفكر الديني. في الحقيقة كان هذا الخبر بشرى بالنسبة لي. لكنني في حينها كنت أصنّف الخارجين من حزب الدعوة على أصناف ثلاثة:

صنف لم يحصل على الموقع الذي يطمع فيه، لهذا يكتب ويتخذ مواقف مناقضة لما كتبه بالأمس. والشواهد على ذلك ليست قليلة.

والصنف الثاني من يُصدم من الدكتاتورية والاستبداد والاستحواذ والاستفراد والاستئثار لدى قادة المعارضة، ويقرف من سلوكياتهم فيخرج من الحزب.

والصنف الثالث من تتوالد أسئلة في ذهنه، من يتمكن أن لا يبقى في مثل هذه الحركات الدوغمائية، حسب تقديري آنذاك. وهؤلاء أيضا لا يستطيعون التحرر من الدوغمائية الفكرية والبنية الصلبة الداخلية والحنين للماضي. ويبقون يقدسون وثن الحزب. فحسبت الرفاعي من الصنف الثالث وهو أشرفها وأوعاها عندي.

ثم كانت اللحظة “الخاتمية” في إيران، وجيلنا خاتمي الفكر والتوجه… مسلماتي انهارت أمام أسئلة أساتذتي في العلوم السياسية، وأهمهم الدكتور حسين سيف زاده.كنت كالغريق أتشبث بكل قشة، والتفّت نحو كل حدب وصوب، ابحث عن ناصر ومعين يعينني على الوصول إلى إجابة عن الأسئلة الجديدة، ومنجّ يخلّصني من قلق المعرفة. في هذا الوقت، نهاية عام 1997 صدرت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، واكتشفتها منذ عددها الأول، لأنها كانت ضالتي…المجلة عرّفت نفسها بأنها: “مجلة فصلية فكرية تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر”.

أحسست بأنها هي التي اطلبها، وإنها صدرت بالضبط في الوقت الذي احتاجها فيه، وفي الموضوع الذي اطلبه. حملة خاتمي كانت تحت عنوان “المجتمع المدني الديني” حفّزتني كطالب حوزة يدرس العلوم السياسية، أن اكتب في الفكر السياسي الإسلامي، ووفّرت لي هذه المجلة المادة العربية الكافية، لأنها خصّصت عددها الأول والثاني للفكر السياسي الإسلامي. لغة المجلة عربية معاصرة سليمة، التعاطي معها يقوّي عربيتي. كنت أحسّ بأني أقرأ شيئا مميزا، ما كان أقراني من طلبة الحوزة العراقيين في الغالب يقرؤون مثله.

محور العدد الثالث هو “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على أسماء من قبيل: محمد عابد الجابري، برهان غليون، محمد أركون، هشام شرابي، علي حرب، طه جابر العلواني، حسن حنفي، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي… وغيرهم، من خلال هذه المجلة. القراء العرب اكتشفوا الساحة الثقافية الإيرانية التجديدية، من خلال النافذة التي فتحتها هذه المجلة، لكنني اكتشفت المشهد الثقافي العربي من خلالها.كان المصدر الوحيد للمنشورات العربية بالنسبة لنا هو معرض طهران الدولي للكتاب. وعادة ما اكتشف أسماء المفكرين من خلال هذه المجلة، وأقتني الكتب من المعرض.

توالت محاور المجلة: “اتجاهات جديدة في التفسير: التفسير الاجتماعي والتوحيدي والبنائي والسُنني 1998” و”إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا إسلامية المعرفة والمرأة 1999″…وغيرها. في العام نفسه سجلت رسالة ماجستير في العلوم السياسية عن الحركة النسوية والفمنزم، وشكّل لي ملف المرأة مادة مرجعية غنية للمطالعة حول التوجهات الجديدة للمثقفين الدينيين في خصوص قضية المرأة.كنت انتظر صدور المجلة بفارغ الصبر، لتفتح علي آفاقا وعوالم جديدة من المعرفة. وان كانت أصبحت لا تطبع ولا توزع ولا تباع في قم، لكنني احصل عليها بالوسائط.

كنت أتفاعل مع كل محور يصدر فيها: “منهج التعامل مع القرآن،  1999″، “فلسفة الفقه 1999″، “مقاصد الشريعة 1999 -2000″، و”قراءات في فكر الشهيد الصدر 2000″… كلها تشكّل لي مادة للمطالعة والتدبّر، وبعض الأحيان الكتابة باللغة الفارسية.

في العام نفسه (2000) صدر كتاب الرفاعي: “محاضرات في أصول الفقه”، وهو شرح للحلقة الثانية لأصول الشهيد الصدر في مجلدين، وعلى الرغم من أني أنهيت دراسة الحلقة الثالثة، لكنني اقتنيته وقرأته بدقة، واستفدت منه كثيرا، وعرفت أن صاحبي فقيه كلاسيكي أيضا. في العام التالي (2001) صدر له: “مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وهو شرح “بداية الحكمة” للعلاّمة الطباطبائي في مجلدين، وكنت في حينها قد فرغت من دراسة “نهاية الحكمة”، اقتنيته وقرأته بدقة، أما مقدمة الكتاب فصرت أعيد مطالعتها، حتى حاولت حفظ معلوماتها ومعطياتها. في العام نفسه، فتحت المجلة محورا جديدا وتوقفت عنده كثيرا، إذ صدرت الأعداد من الرابع عشر إلى الثامن عشر، جميعا تحت عنوان: “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” 2001 – 2002.

حتى ذلك الحين كنت مهتمّا بالفقه والأصول والسياسة والفكر النسوي. ومقتنعا بأن إصلاح المجتمع يتم من خلال إصلاح وضع المرأة، وهو يتم من خلال الفكر النسوي. لكن أستاذتي حميراء مشير زاده، التي كانت تشرف على أطروحتي في الفمنزم، ومن خلال حوارات طويلة أقنعتني أن وضع المرأة ليس منفكّا عن وضع الرجل والمجتمع. ولا يصلح وضعها إلا من خلال تنمية المجتمع. وإذا صلح المجتمع يصلح وضعها تلقائيا. فصارت أولويتي الأولى الاهتمام بفكر التنمية ونظرياتها.

كنت مستغرقا في دراسة الفقه وأصوله والعلوم السياسية، إلا أن معرفتي بأبحاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد متواضعة، ولأول مرة ومن خلال هذه المجلة، اكتشفت فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفي مرحلة لاحقة توصلت إلى انه لا تقوم لمجتمعاتنا قائمة إلا من خلال إصلاح الفكر اللاهوتي. ما دام لاهوتنا باقٍ على ما قرّره لنا الأسلاف، الأشعري بالذات، نبقى ندور في الدوامة نفسها، ولا ينفعنا فكر التنمية، ولا الفكر النسوي. حتى المفكرين الإيرانيين الذين كنت احضر في حينها محاضراتهم بشكل مباشر، صرت استرشد آراءهم من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

لم يكن بوسعي قراءة كل ما يكتبون. فكنت أتابع المجلة، وأقرأ الأصل الفارسي لأي من مواضيعهم التي ترجمت إلى العربية، لأني اكتشفت أن انتخاب الرفاعي للموضوعات انتخاب حكيم متفحّص. وأنا حتى هذه اللحظة أتابع المشهد الثقافي الإيراني من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وما زلت إلى الآن اكتشف كتّابا إيرانيين هامين من خلالها، مثل: “أبو القاسم فنائي”. حين تابعت ملف “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” أحسست بشكل تدريجي بانبثاق فكر جديد، وتفسير جديد للدين، على الأقل في قم وفي ساحتنا العراقية.

قبل ذلك كان هناك تياران ومدرستان يتجاذبان ساحة الفكر الديني آنذاك في قم:

التيار الأول: هو تيار الحوزة والمرجعية التقليدية، التي تتبنى التفسير الكلاسيكي للدين، ويمكن اعتباره ممثلا للتوجه “السلفي” في المذهب الشيعي.

التيار الآخر: الأحزاب الإسلامية وأصحاب مشروع الدولة الدينية، وهم أشبه ما يكون بـ”الأصولية الشيعية”، وهو يستلهم أفكاره من تراث سيد قطب، التيار الذي تربع على عرش السلطة منذ 2005 في العراق، وقدّم أتعس نموذج للحكم.

التيار الأول كان يعدّ الثاني مارقا وابنا عاقا له. لكن الثاني ما تعلّم درسا من قمع الأول له، بل هو بدوره مارس قمعا أبشع بحق كل من يفهم الدين بصورة مختلفة عنه.

ومنذ هذا العام بدأت ارصد بزوغ تفسير ثالث وقراءة ثالثة وفهم ثالث للدين – في وسطنا العراقي في حوزة قم – لا هو كلاسيكي أو تسامحا “سلفي”، ولا هو “أصولي”، بل “تيار التنوير الديني”، وهي ظاهرة كنت ارصدها عند الإيرانيين فقط. فظاهرة المثقف الديني التي نمت نواتها الأولى عند الإيرانيين منذ عقود من الزمن، ويمكننا عدّ: نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي…وغيرهم من أعلامها على ساحتنا العربية. لكني لم اكتشف عراقيا في هذا الوادي.

لا أريد أن اظلم الآخرين فكان لأساتذة آخرين دور محترم وجهود مشكورة وكتابات مفيدة في هذا الخصوص، لكن لم أر أحداً يرفع راية التنوير الديني ويتبنى مشروعها غير الرفاعي ومجلته.

تناغم هذا التفسير مع روحي وفطرتي وعقلي أكثر من التفسيرين الآخرين، ذلك أني وجدته أكثر احتراما للإنسان وإنسانيته، وهو أكثر إجلالا وإعظاما وإكبارا لله. لهذا رفعت الحجاب بيني وبينه وقصدته، وكانت بداية علاقتي المباشرة معه، بعد ما استمرت علاقتي الغير مباشرة به ثمانية عشر حولا.

 

المحطة الثالثة: 2002 فما بعد

سجّلت في عام 2002 رسالة ماجستير في أصول الفقه، واخترت الرفاعي مشرفا عليها، وبدأت علاقتي المباشرة به…كان يتحفني بكل غال وثمين من مكتبته، ويجمعني منزله بنخبة المثقفين الإيرانيين والعراقيين…بيته، مكتبته، صدره…كان مفتوحا لي، ولكل طالب علم ومعرفة.

بعد أن انتهيت من الرسالة وناقشتها، توقعت أني سأخفّف عن الأستاذ ولا أتجاوز على وقته، لأن السبب الحقيقي للتواصل المستمر قد انتهى. فوجئت باتصاله بي ودعوتي، وظل يحثني على استمرار الصداقة والتواصل. وهذا الأمر لم أعهده من أي استاذ آخر. لأنه لم يكن بحاجة لي أبدا، بل العكس تماما، أنا كنت محتاجا لأخلاقه وروحه وعقله وعلمه وعلاقاته.

وبالفعل نشطت علاقتنا أكثر، وأصبحنا مقربين أكثر، حتى دخل هو الوظيفة ببغداد عام 2005، وتصدى للعمل الوظيفي “مستشارا ثقافيا في رئاسة الجمهورية”. مرة أخرى انسحبت قليلا إلى الوراء، كي اترك للرجل حريته في اختيار علاقاته الجديدة، كما هو المعهود من اغلب من عرفتهم ودخلوا السلطة. لكن هذه المرة أيضا فاجأني بأنه هو هو. لم يتغير فيه شيء…فشخصيته التي صاغها عبر عمر من التجربة وكسب المعرفة، وتهذيب النفس، ما كانت تتأثر بهذه المتغيرات العابرة.

ومنذ ذلك الحين غير الأمسيات التي كنا نقضيها في منزله بصحبة ثلّة من أهل العلم والمعرفة،كان كثيرا ما يدعونا لتناول العشاء في أفضل مطاعم قم، وتتحول مآدب العشاء إلى حواريات ثقافية، تستمر أربع أو خمس ساعات. وكانت لنا أنا وإياه جولات رياضية. نخرج في مشي سريع نجوب شوارع قم،كنشاط ضروري لحفظ توازن الصحة، وخلالها نتحاور بما هو مسموح وممنوع، وكانت أفضل حواراتي العلمية وأكثرها حرية، أمضينا مئات الساعات معا خلال العقد الماضي، نناقش مختلف القضايا الفكرية والحياتية مشيا. ربما شكّلنا معا نواة المشّائين الجدد من حيث لا نعلم.

مثّل لنا الرفاعي البديل الديني عن الحوزة والإسلام السياسي في قم، وهو ما كان مفقودا عراقيا، لكن فوجئت حينما سافرت إلى العراق بعد تغيير النظام، أن المهتمين بالفكر الديني الحديث كانوا يعرفونه منذ عهد الحكم السابق، وكانوا يتعاطون المجلة ومؤلفاته، من خلال استنساخها في سوق “المتنبي” للكتب، وتداولها بينهم… رأيت أن مشروعه حمل راية التنوير الديني في العراق، حتى قبل عودته للعراق. الرفاعي لم يبق مثقفا دينيا وحسب، بل رفع راية للمثقف الديني، نتفيأ ظلها.

في هذه المرحلة لم تكن علاقتي بالرفاعي من خلال المجلة أو الكتب، بل التعايش والتعامل المباشر. اما المجلة التي واكبتها منذ عددها الأول، فواكبتني وساهمت في صناعة لغتي وثقافتي، حتى تمكنت أن أكون مساهما فيها من خلال الترجمة منذ مطلع عامها التاسع في العدد الواحد والثلاثين (2007) حتى اليوم.

في الحقيقة كنت انهل من علمه في العقد الثاني من تعرّفي عليه، ولكن في هذه المرحلة إضافة للعلم والمعرفة صرت أنهل من شخصه، واكتسب نهج الحياة أكثر من اكتساب المعلومات. أحاول هنا أن أسجّل أهم ملامح الرفاعي الذي اكتشفته خلال هذا العقد الأخير من التعامل المباشر معه.

الرفاعي الإنسان والمشروع

کنت اريد التحدث عن الرفاعي كإنسان، ثم عن مشروعه. لكن كلما فكرت وجدت أن كل صفة فيه منعكسة في مشروعه، وكل ميزة لمشروعه فيه، هو مشروعه ومشروعه هو… يبدو انه حمل هذا المشروع في أحشائه، وغذّاه من روحه، وأنجبه نسخة منه، واستمرارا لوجوده. بحيث يبدو لي كأن الاثنين واحد. لهذا لا أرى التفكيك بينهما سهل، وليس بوسعي إلا أن أتكلم عن الاثنين في آن واحد. فسماتهما واحدة، وخير دليل لفهم مشروعه قراءته هو.

هدف الرفاعي الإنسان والمشروع

هدف الرفاعي ـ الإنسان والمشروع ـ كما يبينه هو في كتاباته: “فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير. ومن الواضح أن تحديث التفكير اللاهوتي يتطلب تساؤلات واستفهامات جديدة، ومراجعات نقدية للتراث الكلامي، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب. والسعي لترسيخ صورة للإله، تستوحي صفات الرحمة والمحبة والسلام، ونحوها من صفات الرحمن، وتستلهم ما يتحلى به الله تعالى من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب، العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد، الصبور،…الخ”.

البنية الصلبة

قد يتصور البعض أن الرفاعي الذي يتحمل الآخر، ويتيح الفرصة له لطرح آرائه، تحلّلت البنية الصلبة داخله وتحرر منها. إذا كانت البنية الصلبة هي الإيديولوجية فهذا الكلام صحيح، ولكنه ما زال مسكونا ببنية صلبة، وهي القيم الأخلاقية والمعايير القيمية… محبة الآخر، الصدق، الأمانة، الوفاء للصداقة، الكرم، مساعدة الناس، احترام الناس… قيم وأخلاقيات محكوم بها الرفاعي، نتيجة البنية الصلبة التي تسكنه.كذلك هو مشروعه، يتوافر على بنية صلبة، هي التي ساعدته على أن يسلك خطاً واضحا وثابتا منذ العدد الأول والى آخر عدد صدر من مجلته.

فقيه غير معمم

اعتقد بأن دراستي مدة عقدين للعلوم الدينية، العقد الثاني منها (2001 -2011) عند ابرز أساتذة البحث الخارج، وأشهر الفقهاء في حوزة قم، تؤهلني لأن أميز بين المجتهد وغيره. وعليه يحقّ لي أن اشهد لأستاذي بالاجتهاد، حسب التعريف الكلاسيكي للاجتهاد في الحوزة العلمية. فإحدى ميزات الرفاعي التي ساندت مشروعه هو بلوغه درجة الاجتهاد فقهيا، وهذا من النوادر جدا بين الذين ارتادوا هذه الساحة، واهتموا بهذا النهج الفكري. هو فقيه حوزوي، وان لم يعتمر عمامة، فمما يميزه عن المثقفين المهتمين بالبحث والكتابة في الدين في العراق والبلاد العربية انه فقيه محترف.

لقد تكوّن، بشكل تدريجي، تيار من تلامذة وأساتذة الحوزة غير معممين في وسطنا العراقي. بحيث أصبح اليوم وجودا معترفا به داخل الحوزة. رائد هؤلاء وأبرزهم وأشهرهم هو الرفاعي. يمكنني وصف هذا التيار “تسامحا” بـ”الرهبنة الجديدة الشيعية”، بمعنى انه نمط جديد من رجال الدين الشيعة، بزيّ جديد ووظائف مختلفة. انه غير مستعد للتنازل عن هويته الدينية، ولا التخلي عن بيان فهمه المعاصر للدين. حتى لو اختلف اجتهاده وفهمه مع الفقهاء الكلاسيكيين. هذا التيار، الذي اعدّ نفسي احد أفراده، غير موجود على الساحة العربية. فالمثقف المهتم بالبحث والكتابة الدينية في بلادنا في الغالب لم يتخرج من الحوزة أو العلوم الدينية الكلاسيكية بشكل محترف، وحتى الحوزويون منهم وهم قلائل،لم يبلغوا في دراستهم درجة الرفاعي. امتاز مشروع الرفاعي أيضا بالخبرة التراثية، فلا ترى فيه الشطحات التي غالبا ما تسقط فيها سائر مشاريع الحداثة الدينية، نتيجة قلة خبرتها بالعلوم الدينية الكلاسيكية والتراث.

إحدى وجوه أهمية مشروعه أنه تكلم وهو في قلب الحوزة، وطرح فهمه وتفسيره ومشروعه من داخلها، ولم يخرج منها أو يبتعد عنها أو يصطف مع مناهضيها ودعاة القضاء عليها وتقويضها.

العطاء

لطالما شاهدته وهو ينشد المحتاج، ويطلب الصداقة ممن هو أحوج لصداقته منه… إن اكبر رصيد يملكه الرفاعي هو شبكة علاقاته الفريدة. الشبكة التي بذل في سبيلها الغالي والنفيس من روحه وعقله وعلمه ووقته وماله… حتى بناها، يقدّمها بكل كرم وسخاء لأصدقائه. يعرّف هذا على ذاك، ويُقرّب ذاك من هذا. يتوسط لأحدهم عند الآخر، ويحصل على دعم من شخص لثانٍ، ويشغّل بعضهم عند البعض الآخر. ينجز هذه المهمة بحنكة وحكمة واتزان…لا يبسط يده كل البسط، فيندم بعدها، ولا يقبضها.

وطبيعي إن من يعطي أعز ما يملك لأصدقائه، لا يبخل على مشروعه الذي هو ابنه الروحي ووليد نفسه، لذلك أعطى كل وجوده وسخّر ما لديه، حتى تضافرت جهود الأسرة بمجموعها، خاصة زوجته الكريمة الأستاذة انتزال الجبوري لانبثاق هذا المشروع واستمراره.

والمشروع بدوره معطاء أيضا، معطاء للقارئ الذي ينهل منه المعرفة وللمشارك. فكانت تجربة المشاركة فيه معطاءة لكثير ممن شاركوا فيه، إذ ساهم في صناعة اسمهم، وواضح كم هذا الأمر مهم بالنسبة للكاتب غير المعروف.

النظرة الايجابية والأمل

تمتع الرفاعي بنظرة ايجابية للحياة ولأصدقائه، وما يحيط به. ومديحه السريع لأصدقائه بمجرد أن يأتي ذكر أحدهم، نتيجة هذه النظرة الايجابية. تنعكس هذه النظرة على مشروعه بشكل أمل بالإصلاح. ما كان للمشروع أن يصمد لعقد ونصف من الزمن ضمن هذا الواقع الذي نراه، لولا هذه النظرة الايجابية والأمل بالمستقبل.

أسّس الرفاعي مركز “دراسات فلسفة الدين” في بغداد سنة 2003، في ظل ظروف يصعب التفكير بمشروع كهذا فيها، وأعلن أن أهداف المركز هي:

1ـ الدعوة للتسامح، وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر.

2- إشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات.

3- ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

4- الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة.

5- تعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث كافة، واستبعاد العناصر القاتلة والميتة، واستدعاء العناصر الحية منه ودمجها بالواقع.

6- تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها.

7-  تدريس وتعليم ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية.

8- تطهير التدين من الكراهية والإكراه.

9- تحــريـر فهم الــدين من المقــولات والأفكار والمــواقــف التعصبيــة والعدوانية.

10- الكشف عن الأثر الايجابي للفهم العقلاني الإنساني للدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

11- تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه.

12- بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك.

13- التثقيف على الحريات وحقوق الإنسان، وتجفيف المنابع التي ترسّخ مفاهيم الاستبداد، وتعمل على صياغة نفسية العبيد في المجتمع.

14- تجلية الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والجمالية والمعنوية المضيئة في الدين والتراث.

15- تنمية التفكير والتدريس والتعليم والبحث والاجتهاد في فلسفة الدين وعلم الكلام.

وأدى المركز من خلال نشاطاته ومنشوراته دورا هاما في هذا الحقل، وما زال يسعى  لتأسيس كلية (فلسفة الدين) بعد تأمين المتطلبات والإمكانات المادية والعلمية.

الدعوة للنقد وتقبله

نظريا يقول الرفاعي: “النقد مصدر التطور الفكري والاجتماعي، والنقد أساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها، للثقافة والتجربة والتاريخ والتراث والاجتماع الإسلامي. ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف إلا بتجذير ملكة النقد وتكريسها”. وعمليا نراه على صعيد مشروعه سنّ سنة “نقد العدد الماضي” في مجلته والتزم به. وكذلك حاول من خلال مشروعه وما نشر، “الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة” في آن واحد.

هذا الرفاعي المشروع، أما الرفاعي الإنسان، فهو أيضا يتقبل النقد بكل رحابة صدر، وإن كان من اصغر تلامذته.

التدين

يعتقد الرفاعي أن: “الإنسان كائن متدين، والحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأً انطولوجيا لا يُروى، إلا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن أن تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام للتراحم والمحبة والجمال في العالم، … وليس بوسعنا بناء بلادنا إلا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية”.

لا يسمح المقام هنا للدخول في الحديث عن معنى الدين والتدين. ولكن أرى من المناسب أن أقدم شهادتي من خلال مواكبتي للرفاعي، أنّ الرجل يعيش جوهر الدين في باطنه، وله تجاربه الروحية الفريدة. روى إحداها للقارئ فيما كتبه عن زيارته لمولانا جلال الدين الرومي، أو ما كتبه عن بعض سفراته للحج. وملتزم عمليا بحذافير الشريعة في سلوكه، لا يفارق دينه في مختلف حالاته وسلوكه، وهذه حالة نادرة عند التنويريين.

ومشروعه أيضا لم نره يوماً يهاجم الفكر الديني الكلاسيكي، أو يقدح به ويجرح أتباعه، ويحتفظ بعلاقات طيّبة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل يحاول أن يطرح ما يراه ، من دون هجوم على الآخر وعلى التدين التقليدي.

نبذ التعصب والعدوانية والاستغلال

يعتقد الرفاعي، مثلما ورد في بيانه: “إن السلام هو سبيل الأمن الاجتماعي والعيش سويا، ولا نجاة للعالم إلا بالتشبث بالوسائل السلمية لحل المنازعات، والتخلص من بواعث العنف والحروب. تشدد رسالة الدين ومقاصده الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب.”

وفي مشروعه لا يدّعي احتكار تمثيل الفكر الديني. لكن يحاول إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية.

فلا نرى في مشروعه ما يمسّ الآخرين أو يجرحهم أو يتجاوز عليهم. ولا يمارس سياسة التهكم على مقدس للناس، ويحذّر من “جرح الضمير الديني للغير”.

كذلك هو كشخص في حياته، لم يشهد له موقف عدائي من سائر التوجهات الفكرية أو أتباعها. ولهذا يجمع بين أصدقائه بين المتدين التقليدي، والمتنور، وغير المتدين، واللاّديني.

لم يدّع التنزه والفوقية

يقول الرفاعي: “لا يعني التدين الذي ننشده اختزال الإنسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيّره كائنا سماويا مجردا منسلخا عن عالمه الأرضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني هذا التدين إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع إيقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها.”

وعلى الصعيد العملي لم نرَه يوما ادّعى تنزيه ذاته، وإعلان تفوقه على سواه، أو ادّعى التجرد والمثالية، بل يؤكد دائما على ضعفه، وعمق احتياجاته البشرية، كذلك مشروعه الفكري،لم يعدّه سوى محاولة على سبيل الرشاد. ولم يتصور أو يدّعي يوما أنّ مشروعه سوف يغيّر العالم.

ولم نسمعه يوما يتكلم بلغة التكليف الشرعي، والمتاجرة بالدين، والمزايدة بالوطنية، وإدّعاء التضحية في سبيل الناس، والتنكّر للطبيعة البشرية.

التسامح

يدعو الرفاعي: “للتعددية والتسامح، وإرساء قيم الاختلاف واحترام الآخر. وإشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات. تحرير فهم الدين من المقولات والأفكار والمواقف التعصبية والعدوانية. تطهير التدين من الكراهية والإكراهات”.

أي شخص يعرف الرفاعي يشهد له أن التسامح من سماته الأخلاقية، وشهدنا مواقف كثيرة من تسامحه وسعة صدره، حتى مع من تجاوز عليه أو حتى خانه، خلال مواكبتنا له، لكنّ المقام لا يسمح بسرد القصص، أو ذكر الأسماء بسوء، فهذا خلاف نهجه التسامحي.

كما إن مشروعه منذ عشرين عاما تقريبا، لم يصطدم بأي مشروع آخر، بل نأى بنفسه عن الصراع والتنافس الذي لا يليق بالعمل العلمي الرصين.

مثلا في بعض الأحيان، يعدّ ملفا للنشر، وينفق عليه العمر والمال، لكن قد يسمع بمؤسسة أخرى تعدّ عملا مشابها، أو قريبا منه، فيتخلى عنه على الرغم من أنه بدأ به قبلهم.

يعلن الرفاعي تبرّمه وأسفه وانزعاجه من أن شطحات بعض طلابه يحسبها بعضهم عليه، على الرغم من رفضه لها، لكنه لم يفرض رأيه يوما عليهم، أو يكرههم على تغيير قناعاتهم، أو سلوكياتهم، أو تصريحاتهم، أو كتاباتهم.

المعاصرة

يعبّر الرفاعي كفرد من خلال سلوكه، وحتى ملبسه، وكمشروع، يعبّر عن: “روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: (الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها). وتبنّي الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزّز المصالحة بين المتديّن والمحيط الذي يعيش فيه”.

 

الدعوة للمحبة

يدعو دائما للمحبة، والى العفو والمغفرة، والى التجاوز عن الناس، والتسامح معهم… ومن خلال مشروعه حاول: “التثقيف على نفي الإكراه في الدين، وتعميم مبدأ (لا إكراه في الدين)، والاستناد إليه كمرجعية ومعيار قيمي في التعاطي مع الآخر، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، واحترام الآخر، والعيش المشترك…وتجذير المفاهيم والشعارات التي تمجد الحياة، وتعمل على تحرير الناس من المقولات الداعية إلى عدّ (الموت أسمى الأماني)”.

يسير مع الجميع لكن لم يتبع أحداً

يعلن على الدوام المبدأ الذي يلخص رؤاه ومواقفه وسلوكه بمقولته: “أسير مع الجميع وخطوتي وحدي .. أتفق مع الجميع وأختلف عن الجميع” . فهو (يتفق مع الجميع)، من دون أن يقلّد، أو يتماهى، أو يحاكي أحدا… و(يختلف عن الجمع)، ذلك أن خطواته مستقلة، ويحاول باستمرار أن  يجترح نموذجه الخاص به.

صادَقَ الرفاعي الجميع، واحتفظ بعلاقات صادقة جادة مع الجميع، وسار مع الجميع، لا لأنه لا لون له، بل لأن له لونه وطعمه وبصمته المتميزة، فالكل يعرفه على أنه الرفاعي ويصادقه. فإذا سار مع أحد لا يصبح تابعا له، بل تبقى خطواته مستقلة.

كذلك هو مشروعه، لا يخاف أن يحمل أفكار المدارس المختلفة، ويبقى على خطه ونهجه.

المشروع من وحي حاجتنا

قد لا يدرك الكثيرون _ وأنا منهم _ أهمية مشروع الرفاعي، وضرورة تأكيده على التسامح والتساهل والتراحم وتحمل الآخر في بادئ الأمر. لأن الاستبداد والدكتاتوريات في بلداننا كانت تمثل قشرة متصلبة غطّت ما تحتها في مجتمعاتنا، لكن اليوم وبعد ما تمزّقت هذه القشرة نتيجة “الفوضى الخلاقة”، وتكشّفت حقيقة ما تحتوي عليه مجتمعاتنا من تناقضات، نرى فائدة التفسير الإنساني للدين الذي دعا له الرفاعي. ففي الزمن الذي كان فيه الذبح علی الهوية أمر غير مستقبح من أية جماعة، حينما لا يتطابق مع الآخر، أصدر في هذا الزمن سلسلة كتاب “ثقافة التسامح” ببغداد عام 2004، صدر منها حتى الآن 20 كتابا، وعرّفها بأنها: “سلسلة كتاب ثقافية شهرية تصدر في بغداد. وتهتم بالتثقيف على: التسامح، ونفي الإكراه والكراهية في الدين، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، والاعتراف بالآخر، واحترام الآخر، والعيش المشترك. ونقد منابع التعصب، ونفي الآخر، والعنف، والتحجر، والقراءة الفاشستية للدين، واكتشاف الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والمعنوية السامية في الدين”.

ولطالما شدّد على أن: “الحاجة ملحة إلى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخاطئ للدين، والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه”.

ولكن من الطبيعي أن لا يسمع صوته، لأن الكلمة أصبحت للمحرّض طائفيا، سواء كان رجل دين، أو سياسة. بينما لو كانت القوى الفاعلة في المجتمع تتبنى هذا الفهم والتفسير للدين لما وصلنا لهذا النفق المظلم الذي سقطنا فيه اليوم ولا يعلم آخره إلا الله.

المجهولية

صحيح أن علاقات الرفاعي النوعية بالنخبة الثقافية في العالم العربي وإيران مميزة جدا، ربما لا يمتلك غيره من أقرانه مثل هذا الرصيد، لكن هذه العلاقات والمكانة مجهولة في بلده، لذلك لم يتبوأ موقعه الفكري الذي يستحقه…ولم يزل يواصل مراكمة جهوده الفكرية ومشروعه التحديثي الرائد وحده. فضلا على أن مشروعه والمجلة بشكل خاص لم تنل حقها من الاهتمام في الدراسات الإسلامية، ولا نجد توظيفا لمحاورها، يتناسب مع عمق وتجديد مضمونها، وكثافة وأهمية موضوعاتها.

لعل ذلك يعود إلى عدم توافر المناخات المطلوبة في بلدنا والعالم العربي لهذا النمط من التفكير الديني. وان كانت هناك آثار غير معلنة، تشي بانطلاقة واعدة في هذا الحقل، وتؤشر إلى تأثير غير منظور لمشروع الرفاعي وكتاباته ومجلته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، فمثلا قررت وزارة التعليم العالي العراقية فرض مادة “فلسفة الدين” كمقرر دراسي في أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية كافة، كما سُجلت ونوقشت أطروحات عديدة تناولت هذا الموضوع. بينما لم يعرف من قبل حقل في الدراسات الدينية عنوانه “فلسفة الدين” في العراق. كان الجميع يسأل عندما يطلع على المجلة ويقرأ “يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين” ما المقصود بفلسفة الدين؟ وكل منهم كان يحسبها ما يسمى بـ”الفلسفة الإسلامية”.

يبدو أن المركز ومطبوعاته ومجلته أدى دوراً هاماً في توجيه الدراسات الدينية في العراق وغيره.

لكن الرفاعي ومشروعه تنبهت له مؤسسات ومنتديات ونخب هامة خارج بلده…فقد وقع الاختيار على مجلة قضايا إسلامية معاصرة دون سواها، بوصفها دورية فكرية جادة ومتميزة ورائدة في تحديث التفكير الديني في الإسلام، في العقدين الأخيرين. حين خصّص “المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية” في روما كتابه السنوي للعام 2012 لإصدار ترجمات ايطالية وانجليزية وفرنسية لنصوص منتخبة مما نشر في المجلة في مختلف محاورها، وعنون الكتاب بـ”الإشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا إسلامية معاصرة”.

ثم تلته مبادرة “حركة أنطلياس الثقافية” بلبنان في تكريم عبد الجبار الرفاعي، وقد كانت محفزاً لمؤسسات إعلامية عراقية للانضمام إلى المبادرة، فأصدرت صحيفة المدى ملحق “عراقيون” حول الرفاعي، وخصّصت احتفالية في المتنبي للمناسبة نفسها. تلاها ملحق صحيفة العالم، ثم احتفالية في النجف وأماكن أخرى داخل العراق. والذي شجّع بعض أصدقائه وتلامذته على القيام بمشروع الكتاب التذكاري.

كان لهذه الجهود دور هام في التعريف بالمشروع، لكنها ما زالت تحتاج للمواصلة كي ترسّخ دعائم هذا الفكر التحديثي في مجتمعاتنا.

“ماركة” الرفاعي

قال لي صديق مثقف خبير: “لو كانت حكومة من حكوماتنا تريد إخراج مجلة بمستوى قضايا إسلامية معاصرة، لاحتاجوا إلى عمارة من ستة عشر طابقا… وفي النهاية ربما لا تخرج بهذا المستوى”. بعد عدة عقود من العمل المضني نحت الرفاعي من اسمه “ماركة” دليل على جودة المنتج الفكري. لهذا اختاره العشرات من طلاب الدراسات العليا كي يكون مشرفا على أطاريحهم.

متصوف خارج التصوف الطرقي لم يكتشف بعد

الكثير من أصدقائه لم يكتشف بعد النزعة الصوفية في شخصيته وجنوحه للفكر العرفاني. صورة ضريح مولانا الرومي، التي وضعها غلافاً للطبعة الأخيرة من كتابه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، تشير لهذا التوجه. فهو متصوف في رؤيته النورانية للوجود وروحه وأخلاقه، لكنه لا ينكّل الجسد، ولا يحرم نفسه من مباهج الحياة، ولا يتظاهر بالقداسة، ولا يمارس الدروشة، ولا يقدّس شيخ طريقة…انه يغرق في تجربة روحية باطنية، تشي بتصوف فلسفي أخلاقي، لا تصوف طُرُقي.

ما زلت اكتشفه

بعد هذه المسيرة الطويلة لي بمعايشة الرفاعي، والتي شارفت على دخول عقدها الرابع، ما زلت اكتشف الرجل. صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنه يضع كلا منها في موقعها…شغفه واطلاعه بالأحجار الكريمة، اهتمامه باقتناء المحابس والسبح، ضحكته الصاخبة، عفويته، براءته، عراقيته، بكاؤه، إهتمامه بهندامه وملبسه ومظهره، ذوقه الفني، شغفه بالجمال، هوايته بجمع اللوحات الفنية، زيارته للمتاحف الأثرية والفنية في كل مدينة يزورها، ولعه بالكتب والمكتبات، مشاعره وعواطفه الجيّاشة حيال من يرتبط به بعلاقة، إلحاحه في قضاء الحاجات، الصديق الوفي، فحين يحتاجه احد أصدقائه أو تلامذته يجده بجواره… ربما متحمسا أكثر منه…منضبط بالوقت والمواعيد، مستشار أمين، يذكر أصدقاءه دائما بخير…على الرغم من خبرته الدقيقة بأمزجة البشر وسجاياهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، من خلال خبرة واسعة متراكمة عشرات السنين بعلاقات متنوعة مع الناس، وتكوين علمي جيد في العلوم الإنسانية وعلم النفس. وان كان هو يميز بين مراحل مرّت بها مسيرته الفكرية، لكنني في الحقيقة لا اعدها مراحل، بل تدرج وتطور وتكامل، كتلميذ الطب الذي يصبح جراحا حاذقا… الطريق نفسه لكنه تقدم فيه أكثر وتعمق أكثر.

الرفاعي الذي كان صاحب التفسير الثالث والبديل الديني بالنسبة لي، المختلف (عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين)، في الحقيقة علّمني نهج الحياة أكثر من ما علمني دروسا في الفلسفة أو اللاهوت.

كلمة الختام: كانت بجواره وليست خلفه

لا أطيل أكثر، وأنهي انطباعاتي ببيان حقيقة وهي: أن الرفاعي لم يكن وحيدا في هذه المسيرة وما حققه…أصبح تقليدا أن يقال عن كل رجل ناجح “وراء كل رجل عظيم  امرأة”، ولكن ليس مجاملة كانت السيدة انتزال الجبوري بجواره والى جنبه في هذه المسيرة الطويلة وليست وراءه… وذلك:

حينما تنازلت عن دراستها الجامعية، لرفد مسيرته الحياتية، في الحركة الإسلامية، والحوزة، في المرحلة الأولى من حياته…

حينما تنازلت عن عيشها الرغيد، لتواكب مسيرة شاب مغامر، متهور، حالم، مشرد…

حينما تركت الأهل، واختارت الغربة والمنفى…

حينما تحملت تقشف العيش وقساوة المنفى، واستضافت وخدمت وطبخت للـ”الشباب العراقيين المشردين في المنفى”…

حينما تحملت أعباء المنزل، وحينما أنجبت وربّت وعلّمت أبناءً تفوّقوا في مسيرتهم الأكاديمية والثقافية…ومنهم مدير تحرير المجلة اليوم، الحبيب “محمد حسين الرفاعي”…

حينما قامت بالتصحيح والطباعة والتنقيح اللغوي والتحرير لمجلة فصلية تصدر بحدود 400 صفحة، فضلا على أكثر من 200 كتاب، أصدرها مركز دراسات فلسفة الدين…كانت حوله وبجواره وعضده طوال الطريق، ولم تكن خلفه.

[1] ماجستير شريعة، وماجستير علوم سياسية.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

محمد سعيد الطريحي وموسوعة الموسم

محمد سعيد الطريحي وموسوعة الموسم

د. عبد الجبار الرفاعي

لا أتذكر اليوم الأول للقائنا أنا والأخ الغالي الأستاذ محمد سعيد الطريحي، ما أذكره جيدًا أن ذلك اللقاء بهذا الإنسان الحيوي المتدفق الذي لا يهدأ، كان قبل نحو 40 سنة، ومنذ ذلك الوقت كنت أراه شغوفا صبورًا يسعى لتوظيف خبراته وطاقاته المختلفة من أجل إنجاز أحلامه الكبيرة. الطريحي الإنسان يفرض محبتَه عليك، يفرح بمنجز صديقه كما يفرح بمنجزه، ويرى منجزَه وكأنه شريك فيه، وإن لم يشارك فيه بشيء ملموس. مَن يعرف محمد سعيد عن قرب يجده مكتفيًا بذاته، لم ينشغل هذا الإنسانُ بتسقط عثرات غيره، ولا تسرّه آلامُ الأصدقاء في باطنه وينافقهم في الظاهر بتعاطف كاذب. لم أسمع منه هجاء أو تعريضًا أو ازدراء بإنسان قريب أو بعيد، كان ومازال يذكر مزايا الأصدقاء ومَن يعرفهم، ويتغافل عن ثغراتهم. ربما تحسبه ساذجًا لا يعرف معادن البشر، ولا يدرك شيئًا مما في داخلهم من انزعاج وغضب وضغينة من منجزات غيرهم ونجاحهم. الطريحي إنسان حكيم مدبر واقعي، يصغي إليك أكثر مما يتكلم، صامت، أظنه تعلّم حكمة الصمت من معلمي الروح الهنود. لم ينشغل يومًا بنميمة أو انتقاص من أحد، ولم يتلصّص على نوايا إنسان وما يختبئ بداخله. تمرّن على رؤية البؤر المضيئة في الإنسان، وكأنه لا يرى ثغرات أحد، وما هو مظلم في مواقفه وسلوكه وكلماته. محمد سعيد ذكي عاطفيًا، لا يُغضِب أحدًا، يحتفي بالآخر ويكرمه بكلمة محبة صادقة، يعرف مقامات الناس ومكانتهم، ويعرب عن الاهتمام بجهودهم، وإن كانت يسيرة. يبادر فيقترح عليك، إن رأى عطاءك الفكري والإنساني جديرًا بالتثمين، دعاك لاحتضانه ونشر كتاباتك، أو اصدار ملف في الموسم حول جهودك، يقدّمك فيه لأهل العلم، ويسوِّق أعمالك.

يغيب محمد سعيد لانهماكه بالعمل والرحلات في مختلف البلدان، وفجأة نلتقي وكأننا نعيش معًا ولم نفترق يومًا. أعرف أعماله، وأواكب إصداراته لمجلته الأثيرة الموسم، وغيرها مما يؤلفه ويعدّه ويحرّره، وأعرف شيئًا من أحلامه، بقربي منه، وقراءة ما ينشره، وبقدر تنامي محبتي له واحتفائي بجهوده، تزداد ثقتي بموهبته وعزيمته وإصراره وجَلَده. محمد سعيد شخصية مثابرة صبورة مدمنة على العمل، والأعمال الرائدة لا تليق إلا بشخصية طليعية رائدة تمتلك هذه الخصال.

مضت كلُّ هذه السنوات في مغتربه عاجلًا غير أن محمد سعيد استثمرها ببراعة مذهلة،كان يتعاظم عطاؤه ويزداد توهجًا وألقًا. لا أعرف رجلًا كالطريحي عاش في بلدان متنوعة من المهاجرين العراقيين استطاع وحده أن يراكم انتاجًا غزيرًا يتميز بفرادة في حقله، ويتحول إنتاجُه إلى مكتبة استثنائية، اقترحتُ تسميتها: “الأرشيف الشيعي في القرن العشرين”، ينجز كلَّ شيء بنفسه، من دون ميزانية، ولا فريق عمل، ولا بروبغاندا إعلامية وضجة. واكبتُ الموسم منذ العدد الأول، وحرصتُ على ملاحقة ما يصدر منها، وكعادتي كنت أقرأ أكثر الأعداد من الغلاف إلى الغلاف. أندهش من قدرة هذا الإنسان على بناء أرشيف بل كنز يكتظ بالوثائق الثمينة، تتسع للديموغرافيا والتاريخ القريب للشيعة في مختلف مواطنهم في الأرض. يفاجؤك الطريحي بتتبعه الواسع ورصده الدقيق للجغرافيا البشرية للشيعة، عندما تقرأ ملفًا زاخرًا بالوثائق والصور والمعطيات المتنوعة عن شيعة في بلد أفريقي لا تعرف عنه شيئًا، تشاهد صورَه في الملف برفقة رجال الدين والوجهاء ورجال الأعمال وطلاب العلم ورجال السلطة. لا يتوقف الطريحي عند الشيعة، بل تراه يصادق رجالَ دين من الأديان والطوائف الأخرى، بلا تحفظ أو تردّد أو حذر أو خوف، يتحدث ويكتب وينشر عنهم.

الطريحي يعيش حرًا خارج الأسوار المغلقة للجماعات. لم يكن الدين أو المعتقد أو المذهب شرطًا في علاقاته وصداقاته العابرة للأديان والثقافات. يصادق محمد سعيد رجالَ الدين في مختلف الأديان السماوية والأرضية، لا يحذر من رجل دين هندوسي أو سيخي أو بوذي وأمثالهم في الهند. أبهرني شغفُ الطريحي بالأديان والثقافات الهندية، ورحلاته المتواصلة وإقامته بهذه البلاد الخصبة روحيًا بفضائها الميتافيزيقي، والغنية بتنوعها اللغوي والقومي والديني والمذهبي الفريد. لا أبالغ إن قلت: بحدود اطلاعي لا أظن أن إنتاجَ الطريحي الغزير حول الأديان والثقافات الهندية يضاهيه إنتاج باللغة العربية. يذكرني محمد سعيد بالمفكر الإيراني داريوش شايغان، الذي خصصت له الفصل الثالث من كتابي الجديد: “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث” الصادر عن دار الرافدين هذه السنة 2024، فقد بعث شايغان الأبُ رجل الأعمال الطهراني الثري ابنَه داريوش ليدرس الطب في جامعة جنيف، في ذلك الوقت التحق الابنُ بدروس “جان هربر” حول الأساطير الهندية، وواظب على تلك الدروس، فنشأت علاقة وثيقة مع أستاذه. يصف شايغان أستاذَه جان هربر بأنه: “كان حميميًّا، يمكن الاعتماد عليه، ومعلمًا بارعًا في بيان الروحانية الهندية الحية. تعلمت منه كيفية استيعاب ملحمة الهند. من هنا وجدت من الضروري التعرف على الهند من الداخل، ولا يتحقق ذلك من دون تعلم اللغة المقدسة لكتبهم، مما دعاني لحضور دروس (هنري فراي) لتعليم اللغة السنسكريتية لمدة سنتين، بجدية وطموح وشغف، حتى تمكنت من قراءة النصوص المقدسة”. ترك شايغان الطبَ وتعلّم السنسكريتية، وتخصص بالهندوسية والأديان الهندية، حتى صار من المتخصصين المعروفين في أديان الهند.

خصّص الطريحي لمجموعةٍ من المراجع ورجال الدين وبعض رجال الفكر والأدباء في الموسم أعدادًا خاصة، بعضها صدرت في عدة مجلدات، استوعب فيها سيرتَهم ومنجزاتهم وآثارهم العلمية والعملية، وغالبًا ما يفرد صفحاتٍ للوثائق تتسع أحيانًا لربع المجلد، واللافت أن الملحق الوثائقي يتضمن أحيانًا وثائق قديمة بالغة الأهمية، يندهش القارئُ من قدرة صاحب الموسم على نبش الأرشيفات، والمطمورات، والخزائن المنسية، وانتقاء مثل هذه الوثائق الثمينة منها.

المجلدات 192، 193، 194 من موسوعة الموسم، تبلغ نحو 2000 صفحة، وقد تضمنت مادةً واسعة حول الشيخ عبد الكريم الزنجاني. الزنجاني من مجتهدي الحوزة المغيبين، وكان أستاذًا ومؤلفًا للفلسفة المنبوذة ذلك اليوم في حوزة النجف. ومن أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية ومناهضة الاحتلال. تعرّض الشيخ الزنجاني إلى مقاطعةٍ قاسية وإهمال وازدراء وتجويع، إثر دعايات وشائعات ملفقة، يقول السيد هاني فحص: “أخبرني بعض أبناء العلماء اللبنانيين المعاصرين له: أن بعض المعممين، كان ينفحهم بعض (العانات)[1] مقابل ذهابهم إلى السوق الكبير، في موعد مرور الرجل لإيذائه ببذاءات يندى لها الجبين”[2]. ولبث على هذه الحالة من الإقصاء والتجاهل: “إلى أن استأثره الله سبحانه برحمته ورضوانه فانتقلت روحُه إلى رحاب عِندَ مَلِيكِ مُقْتَدِرٍ يوم الثلاثاء ١٧ جمادي الاولى سنة ١٣٨٨ هـ / الموافق للعاشر من سبتمبر عام ١٩٦٨م، وقد توفي جائعاً بسبب سوء التغذية، كما أثبتت اللجنة الطبية التي قدمت لفحصه بأمر من وزارة الصحة العراقية بعد وفاته. وقبيل أن يلفظ أنفاسَه الأخيرة نزع ما عليه من ثوب خلق قائلاً للنفر الذي حضر احتضاره: “أريد أن ألقى الله سبحانه وتعالى كما خلقني عريانًا وحيداً”. والرثاء الصادق الوحيد الذي صدر أيام وفاته بيان نشرته مجلة “العدل” النجفية لصاحبها السيد إبراهيم الفاضلي، ومما جاء في بيان النعي: (لقد عاش الزنجاني قدس الله سره كما عاش المتصوفون، حصيرة بالية ما عليها غير القراطيس والمحابر، وغرف خالية ما بها غير الكتب والدواة…. الظروف كانت عاتية عاصفة ظالمة، فمات في داره كما يموت أي زاهد نسيه حتى الجائعون إلى زاده الفكري، والظامئون إلى فرات ذكائه العذب، وعزاؤنا أن التاريخ لم يهمله. إنه جاهد لدينه وصبر، وإن لم يؤت ثماره اليوم فلا بد أن تتذوقه الأجيال القابلات). ومع كل ما تحمّله الرجل من المحن والأذى، فإنه حورب حتى بعد أن تحول إلى جثة هامدة، حتى طلب أحدهم (من الوسط الروحاني) أن تُلقى جثته في الشارع”[3].

 

شهادة كتبتها بمناسبة تكريم جامعة الكوفة للأستاذ محمد سعيد الطريحي وموسوعته الموسم، يوم الخميس 16-2-2024، قرأها الدكتور محمد باقر الكرباسي مشكورًا لتعذر حضوري.

 

[1] العانات جمع عانة، عملة معدنية كانت قيمتها أربعة فلوس في العهد الملكي، فصارت قيمتها خمسًا بعد ثورة 14 تموز 1958.

[2] الموسم المجلد 192، (1445 هـ – 2024 م)، ص 33-34.

[3] الموسم المجلد 192، (1445 هـ – 2024 م)، ص 35.

https://alsabaah.iq/92146-.html

عبد الجبّار الرّفاعي الكرامة والنّزعة الإنسانية في الدّين

عبد الجبّار الرّفاعي: الكرامة والنّزعة الإنسانية في الدّين

         د. عبدالله إبراهيم[1]

ندرَ أن التقيتُ مثقّفا عراقيا يحمل بين جنباته صفات النّبل، والنّقاء، والتّواضع، والطّيبة الّتي لمستها في شخص عبد الجبّار الرّفاعي، صفات تضاءلت، مع الأسف، وانحسرت، وكأنّها لم تكن في يوم ما من أخصّ ما يحرص عليه المثقّفون في حياتهم، وفي علاقاتهم بالآخرين. في بداية الأمر خلتُ أنّنا مختلفان الاختلاف كلّه، لاختلاف منابع المعرفة، ومسالكها، وغاياتها، فقد تلقّى الرّفاعي تعليما دينيّا رفيعا، ونال درجة عالية في الفكر الإسلامي، وتوسّع في ذلك، إلى درجة انخرط فيها بتطوير منظور جديد لفلسفة الدّين أراد به نزع الغطاء الثّخين الّذي أطبق على الظّاهرة الدّينيّة في القرون المتأخّرة. أطبق عليها حتّى توارت ملامحها الرحبة، وأمست مصدر فزع لا منبع ألفة، فقد انحبستْ بين دفّتي مدوّنة تجمّعيّة ضخمة يتنفّع بها شيوخ تربّعوا في أروقة معتمة، لا محلّ للهواء والضياء فيها، يقلّبونها ظهرا لبطن، ورأسا على عَقب، في تكرار دائم، كأنّ الزّمن لا معنى له في حسابهم. فلا يهمّهم تداول المعارف حول الظّاهرة الدّينيّة بما ينتهي إلى تطويرها من منظور المؤمنين إليها، بل تقييدها بمنوال تكراري من الشّروح الّتي تخلع عليها الهيبة المخيفة جيلا إثر جيل حتّى أمستْ كالصُمّ الخوالد لا يَبينُ كلامُها.

وعلى خلاف ما كنتُ عليه من تعليم دنيوي حديث، فللرّفاعي شيوخ معمّرون، أثقلت رؤوسهم العمائم السّود والبيض، وأطالوا المقام في الظّلال، وتلقّف عنهم أصول الفقه، وعلم الكلام، والعقائد، فضلا عمّا كان يتلقّاه طلبة علوم الدّين عن شيوخهم من دروس المنطق الصّوري، والنّحو القديم، والبلاغة المدرسيّة، بوصفها من الوسائل الضروريّة لمقاربة العلوم الدّينيّة، كما انحدر إليهم ذلك من شِعاب الماضي، فالمرجّح أن يكون قد أوغل في كلّ ذلك حتّى حاز درجة الدكتوراه فيه، وأحسب أنّه تآلف مع تلك الأجواء بفعل المعاشرة، ودوام التعلّم، والتّعليم، والمدارسة، مدّة طويلة، قبل أن ينأى بنفسه عن ذلك.

أنا، من ناحيتي، كنت شديد النّفور من تلك التّركة الّتي تخمّرت كتلتها في الأروقة المعتمة، وأرى في الدّين نفحة حرّة يتنفّسها المرء في الهواء الطلق، وإذ أُقبل على مناقشة مفكّري الأديان، فإنني أتحاشى الحوار مع رجال الدّين أنفسهم، فأحسب أنّهم في واد، وأنا في واد آخر، فالمنظورات مختلفة، والرؤى متباينة، أما الوسائل المنهجية فمتنافرة، وحتى طرق تحصيل المعارف متفاوتة، فتقطّعت السّبل بيننا؛ فلا أرضية مشتركة تجمعنا، ونجهل قواعد الحوار المتبادل، وكلّ طرف يصِم الآخر بالجهل، أو في أقلّه بضآلة التدبير؛ ذلك أنني تلقّيت تعليما دنيويّا لا صلة له بعلوم الدّين المذكورة، إلّا ما نفذ إليّ منها جرّاء اهتمامي بدراسة الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، فقد غصتُ في المنطقة الأدبيّة حتّى ما عدت أعرف سواها إلّا في وقت متأخّر. ولم أحضر، على الإطلاق، درسا دينيًّا بالمعنى المباشر لتلك الدّروس، لا في جامعة ولا في جامع، ما خلا بعض الدّروس التّعريفيّة عن الحضارة الإسلاميّة، كانت مقرّرة على طلّاب الآداب العربيّة في الجامعات العراقيّة في سبعينيات القرن العشرين.

وبقي الأمر على تلك الحال إلى أن حصلت على درجة الدّكتوراه، فزادي الأدب ومناهجه وأجناسه، وبعد أن فرغت من ذلك تنبّهت إلى أهمّيّة التّجربة الدّينيّة، وشرعت في الغوص في سياقاتها الثّقافيّة والتّاريخيّة، وانهمكت في قراءة ما كتبه عنها المفكّرون العرب وسواهم، وإلى ذلك فقد شُغلت بتأويلها تأويلا دنيويّا، إذ كانت موضوعا للبحث أكثر منها موضوعا للاعتقاد، وانتهيت بنقد المسلّمات الشائعة حولها من منظور ثقافي دنيوي، بما في ذلك نقد مفهوم مركزيّة “دار الإسلام”، والصّورة النّمطيّة للعالم خارج تلك الدّار طوال القرون الوسطى، كما تجلّى ذلك في كتابيَّ “المركزيّة الإسلاميّة”، و”عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين”. أو دراساتي عن العلاقة الشائكة بين الإسلام والسرد، ومع ذلك، فقد فهي محلّ تقدير بصرف النّظر عن تحليلها.

أردت بذلك الاستطراد توضيح أسباب التّباين الافتراضي بين الرّفاعي وبيني، قبل اللّقاء والتّعارف، والحال، فلا يمكن إنكار العزوف المتبادل بين رجال الدّين ورجال الدّنيا، أي بين المنخرطين بالعلوم الدّينيّة والمنخرطين بالعلوم الدّنيويّة. وهو عزوف راسخ الجذر في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الحديثة والقديمة، ونتج عنه سوء فهم متبادل في دائرتيْن مهمّتيْن من دوائرها، ويتحمّل وزره الطّرفان سواء بسواء. وأنا ممّن توهّم، بتأثير من ذلك، أنّ من المتعذّر أن نتخطّى الهوّة الفاصلة بين الدّين والدّنيا كما ارتسمت ملامحها في حياتنا، وثقافتنا، وعلاقاتنا. لكنّ الرّفاعي بادر إلى ردم الهوّة المتخيّلة بسهولة بالغة، حينما كشف لي عن شخصيّة هادئة، ومتّزنة، ومرنة، ومستوعبة، وخالية من الأحكام القبليّة الجاهزة، شخصيّة أبعد ما تكون عن الخلافات المنطقيّة والدّينيّة والعرقيّة، فأسفر لي عن قدرة إنسانيّة عجيبة على الدّأب في السّؤال عن أصدقائه، وتفقّد أحوالهم، وتوثيق الصّلة بهم، والاطّلاع على مؤلّفاتهم، وإقامة الحوارات المعمّقة معهم، من جانب، والانكباب على تجديد الفكر الدّيني الّذي خاض فيه طولًا وعرضًا، من جانب آخر. وهما وجهان لا ينفصلان في شخصيّة الرّفاعي، وفي أفكاره، وفي سلوكه العام. فعلاوة على صِلاته الوثيقة بالمفكّرين والمثقّفين من دينيّين ودنيويّين، كانت مجلّته “قضايا إسلاميّة معاصرة” خير سفير لثقافة التّسامح والتّفاهم بين الأديان والمذاهب. وأثمرت جهوده عن تأسيس “مركز دراسات فلسفة الدّين”، وهو من أكثر المواظبين الّذين عرفتهم على النّهل من العلوم الإنسانيّة، وشغله الشّاغل إسباغ نِعَم الدّين على الدّنيا، وتغذيته بمكاسبها. أي إنّه يريد أن يغمر الدّنيا بفيض الدّين، ويغمر الدّين بفيض الدّنيا، وهو رهان شاقّ بحقّ وحقيق.

قلب الرّفاعي الصّورة الشّائعة عن رجل الدّين المنكبّ على المتون العتيقة شرحًا، وتعليقًا، وتفسيرًا، وتصنيفًا، وغاية ما يرجوه اختصار شرح، أو الإسهاب في آخر، وأحلّ بمكانها صورة أخرى مغايرة، أحسب أنّها الصّحيحة الّتي ورثها من الأسلاف العظام الّذين عالجوا الظّاهرة الدّينيّة بعدّة دنيويّة متماسكة، دون أن تتقطّع صلتهم بها، وما برحت أفكارهم محلّ تقدير ونفع، وذلك مرمى بعيد المنال لغير المتبصّرين بشؤون الدّين والدّنيا، فغاية ما يرجوه المرء من المعرفة، أيّا كان شكلها، هو انتفاع النّاس بها في حلّهم وترحالهم عبر الأزمان دون إرغام وإلزام، ومن غير قَسْر وقَهْر.

ولا يضيرني الاعتراف بأنّ الرّفاعي هو صاحب الفضل في مدّ حبال الوصل بيننا، على المستويَيْن الشّخصي والفكري، وتوثيق تلك الصّلة وقتما خلتُ ضعفها، جرّاء الابتعاد والانشغال بالبحث والسّفر، وذلك إقرار بحفظ الجميل لأهله، والرّفاعي من أهله. في أوّل الأمر بدأ الرّفاعي بمراسلتي، وأنا في جامعة قطر، وما لبث أن طلب إليّ الكتابة لمجلّته الرّصينة، وفي أحد أعدادها ظهر لي أوّل بحث، جعلتُ عنوانه “المجتمعات التّقليدية في عالم متغيّر”، وفيه نقد صريح لحال المجتمعات الإسلاميّة التّقليديّة، ومناهضتها لمعالم الحداثة، وتأثيم أفرادها، وهو ما دفعني إلى الاصطلاح عليها بـ”المجتمعات التّأثيميّة”، الّتي لا شاغل لها إلّا كبح جماح أفرادها عن الإتيان بالجديد، الّذي تعدّه ضربا من بدع الدّنيا الفانية، وتأثيمهم على ما يرومونه من تغيير وتجديد، ليس في أمر فهم الدّين واستيعابه، فحسب، بل حتّى في شؤون الدّنيا الّتي يعيشونها.

كانت تلك الخطوة الأولى في عمر علاقة ثمينة وطويلة، ثم بادر الرّفاعي إلى إجراء حوار مطوّل معي، ظهر في مجلّته، شتاء عام 2003. ومحوره “المركزيّات الثّقافية” الّتي شُغلتُ بها طويلا، وكتبتُ فيها مؤلّفاتي “المركزيّة الغربيّة”، و”المركزيّة الإسلاميّة”، و”الثّقافة العربيّة والمرجعيّات المستعارة”، و”عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين”، ومعظم الموادّ الأوّليّة لتلك الكتب انصهرت في مشروع، وضعتُ مخطّطه العامّ في نهاية ثمانينيّات القرن العشرين، واقترحتُ له عنوان “المطابقة والاختلاف”، وواظبتُ عليه، حتّى ظهر بصيغته النّهائيّة في عام 2018 بثلاثة أجزاء كبيرة. وقد انتهى ذلك البحث عن “المجتمعات التّأثيميّة”، الّذي نشره الرّفاعي في مجلّته، جزءا من مقدّمة المشروع في طبعته الوافية.

يعلم الباحثون أنّه ليس لهم أفضل من المجلّات الرّصينة الّتي لا تُرمى بعد صدورها، بل يحتفظ بها مصادر أساسيّة لا تشيخ بمرور الزّمن، وهي، بالإجمال، قليلة العدد، ومنها مجلّة “قضايا إسلاميّة معاصرة” الّتي سكنها طموح للتّوسّع في معالجة اتّجاهات الفكر الدّيني، واستيعاب أعمال المشتغلين فيه. ولطالما داعب ذلك خيالي باحثا، فداومتُ على الاستجابة لما يطلبه الرّفاعي، وتوالت إسهاماتي في المجلّة بدراسات مطوّلة، منها البحث الافتتاحي لأحد أعدادها، وكان بعنوان “حيرة المجتمعات الإسلاميّة: في القول بأنّ التسامح ليس منّة أو هبة”. ومنذ طرقتُ باب التّسامح في ذلك الوقت، جعلته بيتي، فالتّسامح قرين الصَّفح، وبدونهما لا تتحقّق الشّراكة في حياة الأفراد والجماعات.

ثمّ ما لبث أن اقترح الرّفاعي دعوتي متحدّثا في “مركز حوار الحضارات” بطهران، الّذي كان يرأسه عطاء الله مهاجراني، وزير الثّقافة في عهد الرئيس الإيراني المستنير محمد خاتمي، وكان الرّفاعي، آنذاك، من سكنة قُم، فلبّيْتُ الدّعوة. وكانت تلك زيارتي الأولى لإيران، وألقيت محاضرة بعنوان “نقد التّمركزات الثّقافيّة في العالم المعاصر” بيّنت فيها مخاطر الانكفاء على المعتقدات الدّينيّة والأيديولوجيّة، وجعلت التّنازع في ما بينها من أسباب غياب السّلم الأهلي، بما في ذلك تسميم العلاقات بين الشّعوب والدّول، وكان الرّفاعي أوّل الحاضرين، فالتقينا وجها لوجه أوّل مرة، وعلى إثرها اصطحبني إلى منزله في قُم، فطفتُ في أرجاء المدينة العتيقة، وجمعني بأساتذة الفلسفة في إحدى جامعاتها، ودعاني إلى بيته، وعجبتُ من مكتبته الكبيرة الّتي تحتلّ قبوا أسفل الدّار، جعله مكانًا لاستقبال ضيوفه. ثم جاءت زيارتي الثّانية لإيران عشيّة الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003، كانت الأجواء متوتّرة، فقد خيّم شبح الحرب على المنطقة العربيّة، ولا يمكن لأحد أن ينكر بأنّ غزو بلاد الرّافدين قائم لا محالة، وسرعان ما وقع.

وخلال تينك الزّيارتيْن لازمني الرّفاعي ملازمة الشّقيق لشقيقه، وله الفضل في كشف خارطة الفكر الإيراني الحديث أمامي، فلم يقتصر دوره على مدّ العلاقة مع نخبة من مفكّري إيران الفاعلين في الحياة الثّقافيّة والأكاديميّة، بل ترجم أعمالهم إلى العربيّة، وجعل من مجلّته المكان الأنسب للاطّلاع على أفكار جديدة في غاية الأهمّيّة، ومعظمها غير مطروق في الثّقافة العربيّة. وأيًّا كانت الأسباب، فمجلّة “قضايا إسلاميّة معاصرة” فتحتْ عيون المفكّرين العرب على ما كان يقوم به نظراؤهم في بلاد فارس. ثمّ التقينا في مكّة عام 2005، حينما اختيرت عاصمة للثّقافة الإسلاميّة، وتصادف ذلك الحدث مع موسم الحجّ في ذلك العام، ومكثنا معا نحو أسبوعين، وهو الّذي درّبني على طقوس الحجّ الّتي كنت أجهلها، من الإحرام حتّى التحلّل، وكأنه بذلك أدخلني في حومة الرحمن، ثم دعوتُه إلى الدّوحة في عام 2007 للمشاركة في ندوة أشرفتُ عليها، كانت بعنوان: “الثّقافة والتّحوّلات المجتمعيّة”، حينما كنت خبيرا في وزارة الثّقافة القطريّة، فقدّم بحثا معمّقا بعنوان “قيم التّسامح، وقيم الكراهيّة”. تلك القيم التي نافح عنها طوال حياته.

بعد ذلك كلّه توثّقت صلتنا، حتّى ما عادت تفصل بيننا أيّ فواصل نفسيّة أو ثقافيّة، وساعد في ذلك تطوّر أجهزة الاتّصال الحديثة الّتي تغذّي تواصلنا باستمرار. وتعبيرا عن ذلك النّبل المتدفّق، فاجأني الرّفاعي بزيارته لي في بيتي بالعراق، صيف عام 2010، وكان قد عاد إلى البلاد، وسكن بغداد، وقطع الطّريق الوعر بين العاصمة وكركوك في ظروف غير آمنة، يعرفها العراقيّون جيّدا في تلك الحقبة المظلمة، إذ ثمّة منطقة شبه خالية بين المدينتيْن، يزيد طولها على 100 ميل، لا يتوفّر فيها شيء من الأمن آنذاك، ومع ذلك قصد الصّديق صديقه، متحمّلًا أعباء الخطر، والمشقّة، وحرارة الصّيف. وخلال العقد الّذي تبع ذلك داومنا على اللّقاء في غير مكان، وأحسب أنّني لم أزُر العراق إلّا والتقيتُه، حتّى ما عدتُ إخال وجودي في بغداد بدون الرّفاعي. ما الّذي أدام وقود الألفة بيننا طوال تلك المدّة؟ في ما يأتي أدوّن جوابي باختصار: يتلازم في شخصيّة الرّفاعي أمران لافتان للنّظر: دفء إنساني خصب، وثقافة موسّعة متفتّحة. فلا غرابة أن يتغلغل حضوره في ثنايا النّفس والعقل معا، وهو بارع في إدارة الحوارات المثمرة، وقد جعل من مجلّته ميدانًا لكبار المفكّرين العرب والإيرانيّين، وعلى صفحاتها قالوا قولتهم بشأن تأويل الظّاهرة الدّينيّة من منظورات متعدّدة أثّرت تلك الظّاهرة بفتحها على شؤون الدّنيا.

ولعلّ الرّفاعي المفكّر الدّيني الوحيد الّذي أشرع النّوافذ لتلاقح العرفان الفارسي بالثّقافة العربيّة، حينما ترجم نصوصا تأسيسيّة إلى لغة الضّاد، ولم أعرف غير مجلّته مكانًا لذلك التّفاعل بينهما، ومع أنّ ثمار تلك المثاقفة لم تُقطف بعدُ، فأعوّل على نضجها مستقبلًا في ضوء تنامي الدّراسات التّأويليّة للنّصوص الدّينيّة والدّنيويّة في إيران والعالم العربي. وإلى كلّ ما ذُكر، فإنّ الرفاعي مبشّر صريح، لا يكلّ ولا يملّ، بثقافة التّسامح، ونبذ الكراهيّات المذهبيّة، والدّينيّة، والعرقيّة، وكلّ ضروب التّحيّزات المغلقة الّتي تحبس أهلها عن مجريات الدّنيا، وبذل جهده في تحديث الفكر الدّيني من داخل المنظومة الدّينيّة نفسها بالمشاركة في إحياء النّزعة الإنسانية في الدّين، فقد رأى أنّ رسالة الدّين تهدف إلى “إشاعة السّلم، والتّراحم، والمحبّة بين النّاس، والسّعي إلى تجفيف منابع العنف، والعدوانيّة، والتّعصّب”.

ومع إصراره على المضيّ في ذلك الدّرب غير الممهّد، وفيه كثير من العثرات، وحتّى المخاطر، فقد خلص الرّفاعي إلى أنّ مضمون تلك الرّسالة الدّينيّة قد نُقض “بنشوء جماعات وفرق، لا تقتصر على إعلان انتمائها للدّين، إنّما تصرّ على احتكار تمثيله، وتحرص على مخاصمة أيّ جماعة غيرها تقدّم فهما مختلفا للدين”، وما دام الأمر على تلك الصّورة المتصلّبة، فلا سبيل إلّا بـ”إنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين، بالإعلان عن أبعاده المعنويّة، والعقلانيّة، والجماليّة، والرّمزيّة”. ولو تحقّق ذلك الفهم للظّاهرة الدّينيّة على أرض الواقع لتغيّرت علاقة النّاس بربّهم وبأنفسهم، فما يهدف إليه الفكر الأصيل، ليس نقد إله النّاس بذاته، بل نقد تصوّراتهم الضّيّقة عنه، فذلك هو الدّرس الأوّل في تحليل الفكر الدّيني كما ورثه المفكّرون المحدثون عن أسلافهم القدماء، وهو ما يطمح إليه الفكر المستنير، الّذي من أولى غاياته إزالة الحُجُب عن عيون المؤمنين بالله، ليتجلّى في عقولهم ونفوسهم وخيالهم ربّا واسع الرحمة، فيكونون هم من عبّاده لا من عبيده.

ومن نافلة القول بأنّ الرّفاعي في توسّعه لمعالجة الظّاهرة الدّينيّة، قد طرق باب الكرامة الإنسانيّة في الدّين، وعالج تلك القضيّة الشّائكة بمهارة، وجعلها محورا من محاور أفكاره، وذلك حينما أثار سؤالا جوهريّا يحتاج إليه كلّ مؤمن: هل يعزّز الدّين كرامة الإنسان، ويثريها، ويُعلي من مقامها؟ أم أنّه يجرّده منها لصالح معتقد سماوي، فيسلب من المرء ذاته الفرديّة، وكرامته الدّنيويّة؟ وقدّم جوابا وافيا عن ذلك السؤال المركّب بكتابه الجريء “الدّين والكرامة الإنسانيّة”، وهو كتاب، وإن بدا للقارئ سلسا في أسلوبه، ورقيقا في عباراته، فهو عميق المغزى، وقويّ المبنى، ومتين الحجّة، ويغري القارئ بالخوض في موضوعه الشّائق لمعرفة الحدّ الفاصل بين كرامة ثريّة يسبغُها الدّين على المؤمن، وكرامة ضحلة يخلعها التّديّن عليه.

ويلزم ذلك تعليقا منّي على الموضوع: فالإيمان ضربٌ من الفهم العميق لرسالة سماويّة، غايتها تغيير أحوال النّاس في الدّنيا صوب الأفضل، فيكون إيجابيّا بمقدار ممارسة الإنسان للدّين بكرامة تصون هويّته، ويكون سلبيّا إذا أُرغم عليه، وامتثل لتفسير ضيّق الأفق له، وفرّط بهويّته الدّنيويّة بإغراءات وهميّة، فالدّين الحقّ لا يقترح تبعيّة عمياء لإله غامض، وهو لا يرى في المؤمنين قطيعا من الأتباع، بل يشترط فهما لمضمون رسالته، وانفتاحا على السّياق التّاريخي للأديان السّماويّة، ولا قيمة لرسالة دينيّة لا تجعل من كرامة الإنسان رهانها الأوّل والأخير.

أحسبُ أنّ الرّفاعي قد وضع إصبعه على المعنى العميق للدّين، حيث تتمازج فيه أطياف الرّوح والعقل، في تناغم ورعٍ يجعل النّفس مطمئنّة، وآمنة، غير أنّها يقظة، وحيويّة. وكتاب الرّفاعي لا يُحابي التّركة الفقهيّة واللّاهوتيّة والكلاميّة، بل يحرّر المؤمنين من عبئها الثّقيل جدًّا، ويخفّفهم من أحمالها الخشنة، وغايته الصّدق، والاستقامة، فالكرامة الإنسانيّة ليست موضوع محاباة، ولا ينبغي أن تكون كذلك، أيّا كانت الذرائع. وهي تتقوّى حينما يكون الدّين داعما لها، ومعزّزا لقيَمها الجليلة، ونابذا للعنف والفرقة. وكأنّي به في كتابه عن الدّين والكرامة الإنسانيّة ينطق بلسان أبي بكر الرّازي الّذي حذّر من العنف الدّيني، ومن الفرقة الّتي تؤدّي إلى الفتنة بين أهل الدّين نفسه، ودعا إلى الرّحمة، والعفو، والتّسامح، بقوله: “بحكمة الحكيم، ورحمة الرّحيم، أن يُلهم عباده أجمعين معرفةَ منافعهم ومضارّهم في عاجلهم وآجلهم، ولا يفضِّل بعضهم على بعض، فلا يكون بينهم تنازع، ولا اختلاف، فيهلكوا، وذلك أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمّة لبعض، فتصدّق كلُ فرقة إمامها، وتكذّب غيره، ويضرب بعضهم وجوه بعض بالسّيف، ويعم البلاء”.

ومن أسف أن ذلك التّحذير لم يكبح غلواء التطرّف في كثير من الأديان والمذاهب، وما برحت الجماعات المؤمنة تضرب وجوه بعضها بالسّيوف القواطع، وقد عمّ البلاء في غير مكان، فموقد العنف مملوء بالحطب الجافّ، وهو في انتظار أيّ شرارة ليلتهب. وكما قيل: من الشّرارة يندلع اللّهب. العنف، ذلك الوباء الّذي يستوطن النّفوس، ويحيلها خرابا، ولطالما أكّدت في غير مكان بأنه يلزم مقاومته بالوسائل كافّة، ومنها نزع الشّرعيّة الدّينيّة عنه، ومن أسف أنّه يتربّع في قلب الثّقافات الإنسانيّة، والعقائد الدّينيّة، ولا تكاد تبرأ منه ثقافة، ولا يخلو منه معتقد. ويتجلّى في ممارسة القوّة، بشتّى ضروبها، ضدّ الآخرين، بذرائع شخصيّة، أو وطنيّة، أو قوميّة، أو دينيّة، حتّى يكاد يكون شرطا إنسانيًّا ملازما للنّوع الإنساني، وإلى ذلك يلاقي العنف الدّيني قبولًا عامًّا في سائر المجتمعات البشريّة ومنعطفاتها الحاسمة للتّاريخ، فبه تستفرغ المجتمعات رغباتها الدّفينة عن الآمال المؤجّلة أو الرّغبات المكبوتة. وينبغي أن ينتدب المفكّرون أنفسهم لمقاومة ذلك المدّ الخطير للعنف، الّذي يتجدّد بين عصر وآخر. وتنمية الحسّ بالكرامة الإنسانية ينشّط القوّة الفرديّة في تحاشي اللّجوء إليه. وقد ارتاد الرّفاعي مجاهيل تلك الآفة بالتّحذير الصّريح منها.

لا أغالط نفسي إذ أعترف بأنّني مكثتُ طويلًا في منطقة الدّنيا، وألفتها، وجعلتها موضوعا لأفكاري، وكتبي، وعلاقاتي، ولكنّني حالما ألتقي الرّفاعي أو أقرأ له، ولأمثاله من المفكّرين المستنيرين في شؤون الدّين والدّنيا، حتّى تتبيّن لي منطقة الدّين، مفعمة بالحياة الهادئة، وغير منقطعة عمّا تهفو النّفس إليه، منطقة يمكن إعادة اكتشافها بعيدا عن النّسخة التّفسيريّة القهريّة المعتمة، والّتي أحالت الدّين إلى جملة من الأحكام الصّارمة الّتي تشهر سيوف القتل، وترفع رماح الفتك، وتدفن الرّحمة والطّمأنينة تحت وابل من الارتياب في كلّ شيء، نسخة جعلت من الدّين ضربا من النّواهي والزواجر، فلا يباح فيها إلّا أقلّ ما يحتاج إليه الإنسان في دنياه منذ ولادته حتّى موته، فحياته مؤجّلة إلى زمن آخر.

 

 

 [1]  الدكتور عبدالله ابراهيم مفكر العراقي حاصل على الجوائز التالية:
1. جائزة عبد الحميد شومان للعلوم الإنسانية عام 1997.
2. جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الفنون والدراسات النقدية عام 2013، وذلك عن كتابه (التخيّل التاريخي: السرد، والإمبراطوريّة، والتجربة الاستعماريّة).
3. جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب في مجال الدراسات النقدية عام 2014، وذلك تقديرا لبحوثه المعمّقة في تحليل الرواية العربية.
4. جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية (جائزة الدراسات الأدبية والنقد) الدورة الثامنة عشرة (2022 ـ 2023).

 

https://alsabaah.iq/88050-.html?fbclid=IwAR3P32w6XJ6ZLNfXCf6R1DHupKl36PTqQ_R6ihd-d7odKKz1bJtgoy9ZB1Q

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

د. عبد الجبار الرفاعي

رحيلُ صفوةِ الأخوةِ يهدم ركنًا أساسيًا بداخلي، أشعر كأن أحدَ أعضاءِ جسدي يرحلُ معه إلى القبر. لحظةَ أقرأ نبأَ وفاةِ إنسانٍ يحتضنه القلبْ أبكي، ويسعفني القلمُ لأرسمَ صورةَ الحزنِ الذي يباغتني بفقدانِه. نادرًا ما أعيشُ صدمةً تحبسُ البكاءَ، وتُخرسني عن الكلامِ والكتابة كما حدث برحيلِ أخي العلامة السيد محمد حسين الأمين، فقد غرقت في حالة ذهولٍ أنستني الكلمات وعطلت قلمي عن الكتابة، لم أكابدْ مثلَ هذه الحالةِ من قبل. كنت أفتش عن دمعةٍ تطفئ جمرةَ القلب، فلا تسعفني عيناي، البكاءُ المؤجلُ أقسى أنواع البكاء مرارةً. لم أكن أدرك حجمَ حضورِ هذا الإنسان بداخلي، ولم أتحسس قبلَ ذلك ما يفرضه رحيلُه المفاجئ المفجع من صدمة عنيفة تكفُّ فيها الكلماتُ عن الإصغاء لوجع القلب، وتصمت الحروفُ عن النطق. أعرف غزارةَ ما تجودُ به عيناي من دموعٍ لحظاتَ الحزن وحتى الفرح، لكن لم أكن أعرف كيف تحتجبُ الدموع.

لن أنسى في حوزة النجف السيدَ الشهيدَ محمد باقر الصدر ولن ينطفئ ألقُ حضورِه العاطفي في ضميري، ملأ فكرُه الدنيا وشغل الناسَ في عصره، ووجّه التعلقُ بفكره وشخصيته بوصلةَ مستقبلي في الحوزة منذ سنة 1978، ولن أنسى في لبنان السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص. قلما عاشرتُ رجلَ دينٍ فرض حضورَه في قلبي بلا حدود، واحتلَّ هذه المكانةَ في مشاعري بلا حدود كالسيد محمد حسن الأمين، الذي يجهلُ مواهبَه وتكوينَه الفكري والثقافي والأدبي كثيرون ممن لا يعرفون إلا اسمَه وشخصَه.كان الأمين أخلاقيا نبيلًا، مفكرًا موسوعي الثقافة، أديبًا وناقدًا ذكيًا، وشاعرًا مطبوعًا، يمتلك ذائقةً فنية ورؤيةً جمالية للعالَم، لم أشهد صفاتَه تلتقي لدى أكثر مَن تعرفت عليهم.كان الأمينُ أمينًا على الأخوة بلطفٍ وذوق متفرّد يختصّ به،كان أعذبَ معمّم صادقتُه في حياتي.كنت أتذوقُ الجمالَ في طريقة تفكيره وعقله الخلّاق، ولطفه، ومشاعره الدافئة، ولغته الآسرة، وأدبه وشعره الرقيق. هذا رجلٌ كبير، خسرتُ برحيله صديقًا صدوقًا لا يمكن أن يعوضني شيءٌ بفقدانه. سيدرك مَن يقرأ فكرَه بتأمل، وتتكشف له سيرتُه لاحقًا: أنه كنبيٍ ضيّعه قومُه. قلّما عاشرتُ إنسانًا كان مرآةً أرى فيها كثيرًا مما أتمناه وأحلم به وأطمح إليه في حياتي كهذا الرجل المهذب. صلتي العميقة بالسيد الأمين كشفتْ لي مثالًا فريدًا تجلّت في تفكيره ومواقفه نسخةٌ نادرةٌ من الإنسان. لم يكن الأمين نصفَ عالمٍ، ولا نصفَ أخلاقيٍ، ولا نصفَ مفكرٍ، ولا نصفَ شاعرٍ، ولا نصفَ ناقد. لم يكن مراوغًا، لم يكن زئبقيًا، لم يكن هشًا في كلماته وكتاباته ومواقفه.كان مفكرًا عقلانيًا حرًا جسورًا صلبًا، يمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا.

مازالت بصمةُ بعض اللبنانيين العامليين[1]من جيل الأمين مضيئةً، لم تنطفئ آثارُها تمامًا في الحياة العلمية والأدبية والثقافية في النجف، مازالت تضيء حيثما رحلوا وأقاموا في الأرض. ما كان عددُهم كبيرًا مقارنة بغيرهم من طلاب الجنسيات الأخرى، غير أن دورَهم كان أثرى وأوسع من عددِهم. فاعليةُ حضورهم على الدوام كانت لافتةً في حلقاتِ الدرسِ الحوزوي وكليةِ الفقهِ والرابطةِ الأدبيةِ والمنتدياتِ والأنشطةِ الثقافيةِ النجفية. صدرت مجلةُ “الأضواء” استجابةً لتحديات الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي الجديد وأعاصيرِه بعد ثورة 14 تموز 1958، كانت المبادرةُ ذكيةً بتوقيتِ صدورها، ونمطِ الكتابة الجديد فيها، ونوعِ موضوعاتها المبتكرة، صوتُها لم يكن صدىً لما يُدرس في المدارس الدينية. طالعتُ المجموعةَ الكاملةَ لأعداد الأضواء، عندما كنتُ أدرس في حوزة النجف أواخرَ سبعينيات القرن الماضي. اكتشفتُ أن كلمةَ تحريرِ المجلة كان يكتبها في بعض أعدادها السيدُ محمد حسين فضل الله، وصدرت لاحقًا في كتابه “قضايانا على ضوء الإسلام”، وكانت المحاضراتُ النوعية للشيخ محمد مهدي شمس الدين على طلاب كلية الفقه لافتةً بتفسيرها التحليلي للتاريخ، مضافًا إلى كتاباته المتميزة المنشورة في هذه المطبوعة وغيرها.كما طالعتُ معظمَ أعدادِ مجلةِ النجف الصادرةِ نهايةَ ستينيات القرن الماضي عن كلية الفقه، رأيتُ هيئةَ تحريرِ هذه المطبوعة تألفت من: السيد محمد حسن الأمين، والسيد هاني فحص، والسيد عبد الهادي الحكيم.

لا أتذكر لقاءً جمعني بالأمين غابتْ فيه أطيافُ ألقِ النجف وحوزتِها ومنتدياتِها، كأن النجفَ تتحدث إليك في قلبه. سكنتْ روحُه نجفَ أمير المؤمنين “ع”، وتغذّت بفضائها الرمزي عواطفُه، واتسع لعلومها عقلُه، كأن ذاكرتَه ارتوت حتى فاضت بما في النجف من ثروةٍ رمزيةٍ وروحيةٍ وعلميةٍ وأدبية. غادر الأمينُ النجفَ المكانَ، إلا أن ذاكرةَ النجف الحيّة لم تصمت في ضميرِه يومًا. غالبًا ما أدهشني ألقُ حضورِ النجف الطاغي في وجدانه، وحماسُه المتدفقُ وبهجتُه لحظةَ الحديثِ عن النجف. بعد 12 سنة من الدراسة والتدريس في الحوزة وكلية الفقه عاد السيد الأمين إلى بلده، وكان صوتُه أصفى ما يعبّر عن رسالة النجف الثمينة، بكلِّ ما تجلّى في مدرسة النجف من تنوعِ عميق للاجتهاداتِ الفقهية والأصولية، وإبداعٍ أدبي غزير، وألوانِ طيفٍ فكري تتجاورُ فيه مدوناتُ التراثِ الواسع، ومفاهيمُ وأفكارُ أحدثِ الكتب والمجلات الأدبية والثقافية الصادرة في بغداد وبيروت والقاهرة وغيرها.

يعتزّ الأمين بدينِه وتشيّعه، ودراستِه في مدرسة النجف، ويعتزّ بتاريخِه الشخصي وانتمائِه لعائلةٍ دينية عريقة، أنجبتْ السيدَ محسن الأمين العاملي الذي كان شجاعًا في الدعوة لتنقية الشعائر الحسينية وتنزيهِها في النصف الأول من القرن العشرين. لم تشغل السيدَ محمد حسن الأمين صغائرُ الأمور، ظلّ كبيرًا على الدوام، عابرًا للهموم الطائفية الضيقة.كان وطنيًا قبل أن يكون طائفيًا، لبنانيًا قبل أن يكون مذهبيًا،كان بارعًا في التنقيب عن المشتركات والإصغاء للنداء الإنساني الذي يوحّدها. لم يكن عبورُ الأمينِ بمعنى الهجران، حين يعبرُ من لبنان إلى العروبة يظلّ يحمل لبنانَ وهمومَه معه حيثما كان، لا يختنق وعيُه بالأيديولوجيا القومية المتعصبة للحصري وأمثالِه، بل ينتمي للعربية بوصفها لغةً وثقافة وتاريخًا مشتركًا، لا يقف عند آفاقِ العروبةِ المحدودة، بل يتجاوزُها إلى آفاقِ الإنسانية الرحبة. حين يعبرُ من التشيّع إلى الإسلام يظل ضميرُه يحتضنُ كلَّ همومِ التشيعِّ الكبرى، وحين يعبر من الإسلام إلى الأديان يظلّ وعيُه يحتضنُ الروحَ والأخلاق وقيمَ التراحمِ والسلام في الإسلام، وحين يعبر من الأديان إلى الإنسانية يظلّ يحتضنُ أغنى ما يتكشفُ في جوهر الأديان، كان الأمين إنسانيًا قبل وبعد كلِّ شيء.

فرض العامليون بعد عودتهم إلى وطنهم حضورَهم على الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ملأ صوتُهم الآفاقَ بلبنان وغيرها من البلدان. جهودُهم متنوعة بتنوع الأديان والطوائف اللبنانية، مُبادِرة بإرادةٍ واثقة حيثما كان مَن يترقب مبادراتِها في ترسيخ السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي. عدة مرات حضرنا معًا، السيد الأمين وأنا، مؤتمراتٍ وندوات ومناسبات ثقافية واجتماعية، خارجَ فضاءِ الاجتماع الشيعي، أتفاجأ باحتفاءِ النخبة اللبنانية بالأمين وبمن معه. قبل نحو 30 عامًا فوجئتُ بظهور جماعة من الشباب العامليين من جيل تلامذتي في حوزة قم، زاروني يحملون معهم مطبوعةً كثّروها بالاستنساخ تعدُ بوعي جديد. أتذكر منهم: الشيخ حيدر حب الله، والسيد مهدي الأمين، والشيخ أحمد أبو زيد، تحسّستُ في أحلامهم ما يشي باستفاقةِ وثبةِ الروح العاملية في مدرسة النجف وانبعاثِها لديهم مجددًا. ثابر هؤلاء الشبابُ على الدراسة والتدريس عدة سنوات، وانشغلوا بالبحث والكتابة، وكانت لهم إسهاماتٌ في مجالات متنوعة. إلا أن الرياحَ شاكستهم، فلم تفرض جهودُهم حضورَها في موطنهم، ولم نسمع بأصداء لمنجزِهم، تتناسبُ وحجمَ ونوعَ العطاءِ الجديرِ بالاهتمام الذي قدموه.

نحن مدعوون لإعادة اكتشافِ فكرِ العلامةِ الأمين غيرِ المنشور، وتوجيهِ طلاب الدراسات العليا في كليات الشريعة والعلوم الإسلامية للكتابة عن آثاره. أشهدُ أن فكرَه يمكن أن يُحدِثَ أثرًا إيجابيًا طيبًا في إيقاظ الحياةِ الروحية والأخلاقية للشباب، وتقديمِ صورةٍ ناصعةٍ للدين، الجيلُ الجديد في عالَم الإسلام بأمسّ الحاجة إليها اليوم.كان الأمين مفكرًا شفاهيًا، لم يحرص على تدوينِ أفكاره، والتعريفِ باجتهاداته في الفقه والقضاء، ولم يجمع شعرَه الغزير في ديوان بحياته. أدعو العزيز السيد مهدي الأمين والعائلةَ الكريمةَ للمبادرة بجمع آثاره، من: محاضراتٍ، وندواتٍ، ومقابلاتٍ وحواراتٍ صوتية، ومقالاتٍ متناثرةٍ في صحفٍ ومجلات متنوعة، وإعادةِ تحريرِها وتنقيحِها، وإصدارِها عاجلًا عن دار نشر عراقية لبنانية؛ لئلا يغيبَ إنتاجُه الفكري عن النجف، ويقرأ المهتمون وفاءَ الأمين لمدرسة النجف التي حمل رسالتَها بكفاءة استثنائية كلَّ حياتِه؛ لبثت النجفُ مقيمةً بقلبه ولم يبرد حنينُه إليها في مختلفِ مراحلِ حياتِه.

لم تحتبسْ عقلَ الأمين أسئلةُ: الإيمان والإلحاد، والمادية والدين، والاشتراكية والإسلام، وأشباهُها من أفكار تصارعت منتصفَ القرن الماضي، أسئلةٌ اندثرت ونسيتها الأجيالُ اللاحقة، واختفت من اهتماماتِ أكثرِ الباحثين والدارسين والمثقفين، ونادرًا ما تحضر تلك الاهتمامات في أسئلة الجيلِ الجديد. واكب الأمينُ الأسئلةَ الجديدة، وتحدث بلغة تتناغمُ ومنطقَ الواقعِ وآفاقَ أسئلةِ اليوم. استمعتُ إلى شيء من حواراتِه ومداخلاتِه في ندوات اشتركنا فيها معًا، وتحدثنا ساعاتٍ طويلةً في جلسات كثيرة بمختلفِ قضايا: الحداثةِ والتراثِ، والأصالةِ والمعاصرة، والدولةِ والسلطةِ، والهويةِ، والتعدديةِ والاختلافِ، والتسامحِ، وأسئلةِ الفكر الديني العربي والإيراني الحديثِ والمعاصر، وغيرها.كنا نقضي أثرى الليالي في بيروت وصيدا ودير كيفا في جنوب لبنان بحوارٍ مثمر. انشغل الأمين بقضايا: العقلانيةِ النقديةِ، والدعوة للانتقالِ إلى عصر أنوار إسلامي، وتجديد مناهج الاجتهاد، وإعادةِ بناء الفكر الديني ليكون من أجل الإنسان، واقتراحِ صيغةٍ إسلامية للعيش المشترك بين الأديان، وتحريرِ الوعي الديني من التشوهات الطائفية، وبناءِ رؤيةٍ تكاملية للوحدة، والتثقيفِ على الحقوق والحريات وتعزيزِها، وتكريس الشعور بالكرامةِ، والحقِ في الاختلافِ، والتنوعِ، والتعدديةِ، والعيشِ المشترك، والتسامحِ، والاحترامِ المتبادل، والهويةِ، والدولةِ المدنية، والمشروعية الشعبية، والتداولِ السلمي للسلطة، والتنميةِ، والتحديث.

شهد الأمين تزعزعَ الكيان اللبناني، وعواصفَ الحرب الأهلية المريرة، وما أعقبها من تداعياتٍ ومواجعَ في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته. لم يكن متفرجًا ولا محايدًا في عصر تفجرت فيه التناقضاتُ الطائفية والنزاعات، وسادته ظروفٌ بالغةُ التعقيدِ والتوتر. ظل صوتُه وفيًا للحرية والوضوحِ والصراحةِ والصرامةِ بمختلف محطات حياته، وتقلباتِ السياسة والفكر في وطنه.كرّس جهودَه للعيش المشترك في إطار التنوعِ والاختلاف. في ضراوة لهيبِ الحربِ وأنينِ الدم المسفوحِ لم يكف صوتُه عن إعلان رسالة السلام في الإسلام، في تلك الظروف الكئيبة كان يصرّ على ضرورةِ إيقاظ جوهرِ رسالةِ الأديان في التراحم والتضامن والسلام، بوصفها فريضةً دينية وضرورةً أخلاقية واجتماعية وسياسية لحماية المجتمعِ من العنفِ والحربِ الأهلية.

[1]لعامليون تسمية اشتهر بها اللبنانيون في حوزة النجف.

 

رابط النشر:

هاني فحص: روحانية متسامحة في زمن الطوائف

هاني فحص: روحانية متسامحة في زمن الطوائف

 د. عبد الجبار الرفاعي

على الرغم من أسفارِ العقل والروح والقلب المزمنة المسكونِ بها هاني فحص، لكنه رابط في الموقع الذي اختاره لنفسه منذ بداية حياته، لم يتكرّر شيءٌ في حياته كما تكرّر انحيازُه للضحايا والمهمّشين والمعذّبين والأحرار. كان صوتُه صدى أوجاع المحرومين، وانحيازُه للكرامةِ والحرية والعدالة، واضطهادِ الإنسان من حيث هو إنسان بغضّ النظر عن معتقده.

يبدو أن دراستَنا في حوزة النجف معا، عبر زمنين متواليين، والموقعَ الطبقي الفلاحي المشترَك بيني وبين هاني فحص، ونمطَ الحساسيات النفسية المتقاربة بيننا، وأحلامَ المهمومين بقضية الكرامة والحرية والعدالة، والسعيَ من أجل إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، هو ما جذبني إليه، وجعلني أرى ملامحًا من صورته في صورتي، وشيئًا من أحلامه في أحلامي، وشيئًا من همومه في همومي، وفي شيء من أسئلته أسئلتي. لم تكن الأسئلةُ مقفلةً لديه، ولم تبلغ المفاهيمُ صيغتَها النهائية في وعيه، ولم يتوقف في محطةٍ أخيرة في أسفاره. كانت أسئلتُه مفتوحةً تتوالد منها أسئلةٌ جديدة، ومفاهيمُه في صيرورةٍ تخلع عليها كلَّ حين صورةً بديلة، وأسفارُه لا تكفُّ عن أن تظلّ أسفاراً، إنه كائنٌ هويتُه ومهنتُه الأسفار، فهو لم يسافر ليصلَ بل يصل ليسافرَ، ويسافرُ ليمضيَ على الدوام مسافرًا. كان يهرب من السكون كما سكون الصخرة، يهرب من الغياب كما غياب الموتى، يهرب من القبح كما قبح انتهاك الكرامة.

رجل الدين الشيعي هاني فحص ظلَّ على الدوام ثائراً، مبادئُ ثورته اللاعنف، ودوافعُ دعوته إرساءُ مرتكزات السلام، وبناءُ أسس العيش المشترَك، واحترامُ كرامة الكائن البشري، بغضِّ النظر عن أثنيته وديانته ومذهبه وطائفته. يحذّر هاني فحص من التفسيرِ العنيف الفاشي للنصوص الدينية، بوصفه لا يمحق جمالَ الدين ورحمتَه وسلامَه فقط؛ بل تتوالد من رحمه موجةُ إلحادٍ تقوّض الدينَ من داخله. كان يحذّر من نزعات الثأر والانتقام والفتك، وينبِّه إلى أن بناءَ الأوطان يتطلب أن نتغلّب على جروحنا وذاكرتنا الموجعة، كما تغلّب الفيتناميون على جروحهم وشفوا من ذكرياتها المريعة، بعد أن دفنوا أحقادَ وثارات المجازر التي فتكتْ بهم في قبور ضحاياهم. كان يدرك أن جروحَ التسلط والاستبداد والتمييز والإلغاء والاضطهاد والعنف النازفة في بلادنا يتأخر طويلا الشفاءُ منها، لا نشفى منها بالعقل والعلم والمعرفة فقط، بل يتطلب الشفاءُ؛ حياةً روحية أصيلة، وضميراً أخلاقياً يقظاً، وعواطفَ إنسانية مبرأة من سجون الطوائف.

أدرك هاني فحص ضرورةَ النقد للحياة العقلية، وتأثيرَه الحاسم في ديمومة التفكير، وضرورةَ تجديده. وكيف أنه حين يتوقف النقدُ ينغلق العقل، ويتحجّر التفكير، بل يمسي التفكيرُ ضدّاً لذاته. أدرك أنه لن يتغير نمطُ حياتنا، من دون أن تتغيرَ ذهنياتُنا، ورؤيتُنا للعالم، ومفاهيمُ الإنسان والدين والتراث في ثقافتنا. كنا معاً في مؤتمرات وندوات متنوعة في بلدان متعدّدة، في كلِّ مرةٍ تتعزّز قناعتي أن هاني فحص مثالٌ لرجل دينٍ تجتمع في روحه آلامُ الكلّ، رأيتُه حيثما كان وأنّى ذهب يحمل جراحاتِ كربلاء وأوجاعَ المهمشين، حتى يُخيّل إليّ لحظةَ أصغي لحديثه عنهم، وكأنه حاملٌ خشبةَ صلبه من أجلهم، أسمع منه نشيجَ آهاتهم، واستغاثات دمائهم. لم يغادر النجفَ وحوزتها وأطيافها، مهما نأتْ به الأيامُ عنها، ظلَّ نجفيًا أكثرَ من النجفيين، لم يتمكن من الإفلات من ماضيه النجفي الذي يصفه في العنوان الذي انتقاه لمذكراته بأنه “ماضٍ لا يمضي”. كان رجلَ دينٍ بروحانية متسامحة، ومدنياً بروحانية رجل دين. كان تجسيدًا لروحانيةٍ ترى كلَّ دينٍ صيغةً لتجربة الحقيقة على شاكلته، وتذوقًا لتجليات الحقّ وإشراقات أنواره على الخلق. كان مولعًا بالحاضر لا بالماضي، بالواقع لا بالتراث، لم يكن رجلَ دينٍ يقلقه التفكيرُ الحر، أو يخشى الأسئلةَ المشاغبة، انشغل بتطوير أسئلته الخاصة باستمرار، وظلَّ يحرص على تعميقِ هذه الأسئلة، ويترقب أن تتوالد الإجاباتُ في سياق انبثاق أسئلةٍ جديدة منها. لم أسمعه يوما ينشغل بما ينشغل به بعضُ رجال الدين من كلامٍ عن التحريم والتأثيم واللعن والتكفير والتبديع والتفسيق، أو عوالم القبر والبرزخ وما بعد الموت، وتدبيج مشاهد وحكايات تثير الهلع في قلوب الناس، من الكتب المليئة بالحكايات الغرائبية والمشاهد الكئيبة. لا يكفُّ عن الحديث حول الحياة وتمجيدِ الدين لقيمتها، ورفضِ تحريم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات في الدنيا.

أما لبنان؛ فكان مسكونا بلبنان الوطن الجامع، شعارُه المزمن: “الوطن نصابنا، الوطنية هويتنا”، وان رصيدَ لبنان وثروتَه تكمن في تنوعه وتعدّد مكوناته. يتنوع ويتعدّد الانتماءُ في ضمير هاني فحص بتعدّد مكونات لبنان الدينية والمذهبية والإثنية والثقافية، لا يترّدد في مغامرةِ اقتحام الأحداث العاصفة، والتضامنِ مع ما عاشته بلدانٌ متيم بها ويشعر بعمق الانتماء اليها. كأن خطواتِه ومواقفه صدىً لهموم وأوجاع الإنسان في تلك البلدان، فلم يمنعه الانتماءُ لوطنه لبنان من الانتماءِ للعراق، وفلسطين، بل الانتماءِ الى الإنسان حيثما وأنّى كان. تتوحد في ضميره هذه الانتماءات، وكأنها قصيدةٌ لا تنشد ألحانَها إلا همومُ الإنسان.

الأديانُ والمذاهب والطوائف ترسم لانتماء أغلب الناس حدودًا يصعب تخطيها، وتسعى أن تضعهم داخل أسوارٍ مغلقة ليس بوسعهم الإفلاتُ منها. لدى أغلب رجال الدين تصير هذه الأسوارُ صارمةً لا يتخطاها إلا الأفذاذ. ما لفتني في هاني فحص هو عبورُ كلِّ الأسوار، فهو عابرٌ للطائفية والطائفة، بل والديانة، هاني فحص يتحدث خارج الطوائف، يكتب خارج الطوائف، يقاوم خارج الطوائف، ينفر من أي استثمارٍ لشعارات ومعتقدات الطوائف. على الرغم من انه مكرّسٌ بإيمان عميق، لم يتخلف عن عبادة يفرضها اعتقادُه الديني، وتعبّدُه الفقهي الجعفري. كلّما حسبته بعيدا عن التشيّع وعبور طائفته، برهنتْ مواقفُه وممارساتُه أنه منخرطٌ في كلِّ هموم البؤساء والمحرومين من الشيعة.كان يلفتني هذا الإيقاعُ المتناغم في تبّنيه لآلامِ الشيعة وآمالهم، بموازاة آلام وآمال مواطنيهم اللبنانيين من الطوائف والأديان الأخرى، وآلامِ الإنسان أينما كان ضحية ومهمشًا. لم أجد لمواقفه تفسيرًا سوى أنه كان عابرًا لكلِّ ما هو طائفي، كان هاجسُه المزمن همومَ الناس. يجد هاني فحص ذاتَه تشترك مع كلِّ الناس، حيثما تحقّق ما هو إنساني، يعثر دائمًا على ما هو مشترَك، وكأنه لا يرى ما هو خاص. لا تسجنه حدودٌ دينية أو طائفية، ولا تكبّله تصنيفاتٌ لاهوتية، ولا تمنعه هوياتٌ إثنية، ولا تعطله خرائط اعتقادية. كان يسمعُ صوتَ الله في صوت البؤساء والمعذّبين، يكتشف سبيلَ الله بوصفه سبيلا يمرّ عبر الإنسان، وتتجلى له رحمةُ الله برحمة الإنسان، ويبصر نورَ الله بإشراقه في قلب إنسان ضحية، ويجد كرمَ الله بإكرام الإنسان، وأن حُبَّ الله يتجسّد في حُبّ الإنسان. كان يشتكي لي على الدوام في السنوات الأخيرة قبيل رحيله من أن مجتمعاتٍ تمّزقها الحروبُ وينهكها التسلطُ والاستبداد، يصبح عبورُ الطائفة فيها غربة، أما ممارسةُ التسامح واحترام كرامة الإنسان من دون تمييزٍ بين الأديان والطوائف فأشدُّ اغترابًا.

حين نلتقي لا يكفُّ عن متابعة ورصد الإنتاج الفكري، يتساءل عن الأعمال الجادّة الجسورة، وما يمكن أن تسهم فيه المؤسسةُ الدينية العريقة من اجتهادات، تضع الفكرَ الديني في الإسلام اليوم في سياقٍ يتخطى استهلاكَه في الطقوس المهرجانية، ويعيد الصورةَ المفتقدة للإسلام التي أنهكها التوحشُ وشناعاتُ الدم المسفوح، والعدوانُ على ما يرمز للحياة والسلام والفرح والجمال.

في كلِّ محطات حياته كانت رسالتُه إسلاما ينشد السلام، ويمجّد كرامةَ الكائن البشري، ويحمي حقوقَه في الحرية والمواطَنة والعيش الكريم. كان قلقا من أننا كمن يربي ثعابين إلا أنه يطاردها بعد فرارها من أوكارها. نطارد الانتحاريين، لكنا نهمل المعتقداتِ والمفاهيمَ التي سمّمت أرواحَهم، وأفسدت ضمائرَهم. مادامت هذه المعتقداتُ والمفاهيم متفشيةً في منابرنا ومقرّرات التربية والتعليم في مدارسنا وجامعاتنا، وما تذيعه فضائياتُنا ووسائلُ إعلامنا، فلن تتوقف ولادةُ المزيد من الانتحاريين في مجتمعاتنا.

في كلَّ مرةٍ ألتقيه العامَين الأخيرين قبل رحيله يحدّثني جذلًا عن مبادرةٍ إنسانية يتولاها هو بمعية فريقٍ من رجال الدين من طوائف أخرى، في جمعية “فرح العطاء”، هدفُها التربية على: المحبة والتسامح والاحترام المتبادل، والسعي لإنقاذ أطفال العراق، عبر تضميد جراح قلوبهم، وتكريس السلام في أرواحهم، ورسم ابتسامة على وجوههم الحزينة. أحيانا أجده كالسمكة المختنقة، تلتقي في مشاعره أوجاعُ العراق المريعة. يتمنى ويقترح ويبادر بفتح أية نافذٍة للنور تفضح ما تختنق فيه بلادُنا من ظلام. يتصيد على الدوام صوتَ الفرح في زمنٍ تضجرنا فيه أصواتُ البكاء.

كنت كما جيلي من المتدينين الشباب في العراق في سبعينيات القرن الماضي مسكونين بيوتوبيا هذه الدولة، كانت صورتُها الرومانسية في مخيلتنا كأنها عصا سحريةً تفعل كلَّ شيءٍ بضربة واحدة، كأنها سفينةُ خلاصٍ تنقذنا من فاشية صدام حسين، وكلِّ ألوان الاضطهاد والتمييز الذي كنا ضحاياها، لأنها كما كنا نتوهم الفردوسُ الأرضي الذي لا تشبهه دولةٌ في الشرق أو الغرب. أتذكر حين كنتُ أقرأ أدبيات الإسلام السياسي في مطلع السبعينيات، وأنا تلميذٌ في الثانوي، كنتُ أتقد حماسة، أنفعل وأهيج وأتشوق، أكاد لفرط أشواقي لهذه الدولة المتخيَّلة أطير في السماء، إذ يُخيَّل اليّ كأن الدنيا تتحول إلى فردوس أبدي. شعاراتُ هذه الأدبيات تذكي الغرائز، وتؤجج المشاعرَ والعواطف، توهم الإنسانَ بأن كلَّ مشاكله الشخصية والعائلية والمجتمعية، بل كلَّ مشاكل العالم ستحل بشعارات وعبارات لا صلةَ لها بالواقع، وتنتقل البشريةُ فجأةً لعالم كلّه قسط وعدل وحق وخير ورخاء وتضامن وتراحم وسعادة، لا فقير فيه أو محروم. طفقتُ أفتش عن جماعةٍ دينية تنشد هذه الوعود، واستبدّتْ بي روحٌ رسولية إنقاذية تسعى لتغيير العالم، كي أحلَّ مشاكلَه كلَّها دفعةً واحدة، وأنجز أنا ورفاقي خلاصَه الأبدي. لم تتمزّق أوهامي واستفِق من هذه المتاهة العبثية إلا بعد سنوات، بعد أن تكشّف لي أن تلك الوعود ليست إلا أحلامَ أرواح معذبة، تفتّش عن ملاذٍ تحتمي فيه، ودواءٍ يخفض من أوجاعها.

التقيتُ هاني فحص قبل نحو 40 عامًا، بعد أن أدركتُ وقتئذٍ أن الدولةَ من أعقد المؤسسات التي ابتكرها الإنسانُ بعد مسيرةِ محطاتٍ شاقة، وأنها أعمق وأغنى وأهم مؤسسة سياسية حقوقية إدارية اجتماعية اقتصادية ثقافية أبدعها التفكيرُ والخبرة البشرية، عبر تجارب خطأ أرشدته للصواب، وهدمٍ أرشده للبناء، وحروبٍ أرشدته للسلام، وصراعاتٍ أرشدته للحوار، ونزاعاتٍ أرشدته للتفاهم، وممانعاتٍ أرشدته للتسويات. قرأ هاني فحص الفقهَ وعلومَ الدين في مدرسة النجف، فأدرك أن هذا التراثَ يتعذّر عليه بناءُ دولةٍ حديثة، ونظرَ في آراء فقهاء النجف منذ الشيخ محمد حسين النائيني مرورًا بالشيخ محمد مهدي شمس الدين حتى السيد علي السيستاني فاكتشف أنهم لم يفكروا بدولةٍ تولد في سياق المدونة الكلامية والفقهية.

يسألني هاني فحص بألمٍ وحسرة عن سبب إخفاق الإسلاميين في العراق في بناء الدولة، على الرغم من وفرة موارد بترول العراق وثرائه المتنوع، فأقول له: يمكننا التعرّف على وعي الجماعات الدينية ونمطِ تفكيرهم عبر النظر للأدبيات التي يعتمدونها في التربية والتثقيف. في هذه الأدبيات لا نعثر على ما يشي بمفهومٍ واضح للدولة والوطن والوطنية والمواطنة بمعناها الحديث في الفكر السياسي، وأحيانًا نقرأ رفضًا صريحًا للمشروعية الشعبية والتعدّدية السياسية والمساواة بين المواطنين على أساس الانتماء لأرضٍ واحدة. قد ترد إشاراتٌ في كتاباتهم لأمثلةِ ما قبل الدولة الحديثة، كدولة الخلافة والدولة السلطانية. أكثُر رجال السلطة لا يعرف أن الدولةَ الحديثة ظاهرةٌ مركبة عميقة واسعة، ذاتُ طبقات وأبعاد مختلفة، تتطلب خبراَء من ذوي التكوين الممتاز في: الحقوق والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والأموال، والتجارة، والتنمية، والإدارة، والتربية والتعليم، والزراعة، والصناعة، والصحة، والثقافة، والاعلام… وغير ذلك من العلوم والمعارف الجديدة. أكثرُ رجال السلطة في العراق اعتمدوا أميين ومتملقين ومتسلقين، واستبعدوا العلماءَ والحكماء والخبراء. أنساهم إغواءُ السلطة الوطن، وأكثرُهم استبدل الوطنَ بالعائلة والمداحين. رأيتُ أكثرَهم في السلطة يعملون لأنفسهم، يعملون لأنفسهم لا للعراق، يعملون مع أنفسهم والمتملقين لهم.كلُّ شيء هدفُه البقاءُ في الحكم، ‏مهما كان الثمنُ الذي ينهك الوطن. ينشغل بعضُهم بالكلام وثرثرة الشعارات المملة عن العراق، ويحسب نفسَه يعرف كلَّ شيءٍ عن كلِّ شيء، يتحدّث ويكتب عن قضايا تخصصية مختلفة لا يفهمها بشكلٍ دقيق، ولا يستطيع أن يعطي الرأيَ الصائب فيها سوى المختصين من ذوي التكوين العلمي الرصين. معظمُ قادة الجماعات الدينية ممن أصبحوا زعماءَ للدولة من الأطباء والمهندسين والمختصين في العلوم الطبيعية، لا يمتلكون معرفةً عميقة بالتراث ومسالكه المتنوعة، لم يتخصّصوا في الاقتصاد والإدارة والعلوم السياسية والقانون وعلوم الإنسان والمجتمع. لا يعبؤون بذوي الاختصاص، تجدهم أحياناً يكتبون ويتحدثون في مختلف التخصّصات، ويتكلمون في مناسبات مختلفة، ويصدرون الأحكامَ في الدين والدولة بلا درايةٍ وخبرة. الفهمُ المتفشي في أدبيات الجماعات الدينية للدولة والسلطة ركيكٌ مبسَّط لا يكاد يتخطى السطح، مثلهم كمن يحسب البحرَ بعمق سنتمتر واحد. الدولةُ اليوم لا يبنيها سوى الخبراء من مختلف التخصّصات، وتطبيق القانون العادل بصرامة على الجميع بلا تمييز. معيارُ الهوية السياسية في بناء الدولة اليوم هو الانتماءُ للوطن دون غيره، وتقديمُ مصالحه في الحاضر والمستقبل على مصالح أية دولة أو طائفة أو جماعة غير الوطن.

محطاتُ حياة هاني فحص وأقدارُه ومسيرته غيرُ أقداري ومسيرة ومحطات حياتي، طريقةُ تفكيري ليس بالضرورة تلتقي وطريقةَ تفكيره.كما تتغذّي الصداقةُ على العواطف الصادقة تتغذّى أيضًا على تنوع الآراء وعقلانيتها وواقعيتها. وإن وحّدت قلبينا المحبّةُ والوفاءُ للإنسان بما هو إنسان، والعملُ على حماية كرامته وحقوقه وحرياته، إلا أن كلَّ واحدٍ منا يعمل على شاكلته. هاني فحص يجدُ ذاتَه في السياسة لحظة يراها تحرّر الإنسانَ والأوطان، كان يحتفي باليومي والعابر والراهن، يتوهج حضورُه في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والورقية، لا يتردّد في الاستجابة لأية دعوةٍ صادقة. لا يفكر كثيرًا بالبرتوكولات والديكورات والعنوانات والألقاب، بل يهبّ مستجيبًا للإسهامِ في فعاليات وأنشطة منتديات ومؤسسات وندوات وحلقات دراسية ونقاشات مع مختلف الجماعات، عندما يظن أنها تنشد بناءَ الأوطان وحمايةَ كرامة الإنسان.

أنا بطبيعتي أهربُ من الحضور الإعلامي، قلّما أظهر على شاشة التلفزيون، أتمنّع من الحديث في الراديو وغيرِه من وسائل الإعلام، أنفر من الإلحاح على المقابلات في الصحف والدوريات والفضائيات، وأحاول أن ألتمس الأعذارَ لتأجيلها. لم أجد ذاتي في مشاغلِ السياسيين وأحاديثِهم ومواقفِهم ومراوغاتِهم في بلادنا، أضجر من ثرثراتهم اليومية. منذ 40 عامًا غادرتُ العملَ السياسي إلى الأبد، لحظة أدركتُ أن ليس كلُّ إنسان مخلوقًا لهذا العمل، وجدتُ أن هذه المهنة تهدم سكينةَ الروح وتعبث بسلامِها. تفرغتُ لحياة يشغلها اكتشافُ الذات والطبيعة الإنسانية والعالم، وكرّستُ طاقتي للمعرفة، صار عالمي الأوراقَ والكتب، مضافًا إلى الكمبيوتر والإنترنيت اليوم.

أتعلّم من تجارب حياتي الموجعة وجروحها المؤلمة، وما ارتكبتُه من أخطاء، وما تورطتُ فيه من متاهات مريرة. أتعلّم من الجميع، وأحترم رأيَ كلِّ إنسان صادق وإن كان على الضدِّ من رأيي. لا أتخذ قراراتٍ صعبةً لحظة الانفعال واتقاد المشاعر وغليان العواطف. رأيتُ هاني فحص يتعجل بإعلان مواقف في وقائع غامضة تختلط فيها الأوراق أحيانًا، وتتطلب الكثيرَ من التريث والدراسة وتقليب الخيارات.

 

رابط النشر:

صديقي الأخلاقي المفسر دكتور محمود البستاني

صديقي الأخلاقي المفسِّر دكتور محمود البستاني

 

د. عبد الجبار الرفاعي

كتبتُ هذا المقال تخليدا للذكرى الخامسة لرحيل صديقي المرحوم الدكتور محمود البستاني إلى الملكوت الأعلى. ولد محمود البستاني في النجف 1937، وتوفي في مدينة قم يوم الإثنين 9/ربيع الثاني/1432هـ الموافق 15/آذار/2011 م، ودفن في النجف.

لا يطيق الأصدقاء الاختلاف في مجتمعنا، الكل يبحث عن التطابق، وسرعان ما تتهشم علاقاتهم لو اختلفوا فكريا، وان كانوا يزعمون انهم يحترمون فكر ومواقف الآخر.كان صديقي د. محمود البستاني رحمه الله كثير الصمت حد الخمول، كثير الذكر حد الهلوسة، كثير العبادة والأوراد المتعارفة في التراث الشيعي المتأخر حد الغرابة، لا يكترث أبدا بما أقوله، كنت كثيرا ما أعلن له أني أفكر بالضد من أفكاره وآرائه ومعتقداته ورؤيته للعالَم. وربما يشي ما أقوله أحيانا بالتندر، ومع كل ذلك لم تتقوض مودتنا. لم أعثر على مثله في عمري، كان نسخة فريدة من الإنسان، وكأنه استأصل كل ما يترسب من عناصر الشر من أعماق البشر. قوته تكمن في فرادته وبصمته المميزة في معاشه وسلوكه وطريقة تفكيره وقلمه.

أرى أمثال محمود البستاني رحمه الله “وهم نادرون” كأعمدة نور في هذا العالم الكئيب، الذي يضج بالتهافت على كل شيء. في أحد الايام أفطر البستاني ببيتنا بعد ان صلى المغرب، وكان ببيتنا الصديقين السيد كمال الحيدري وجواد كسار، دخلنا معه في سجال انا وكسار. ندمت عليه لاحقا، كان حديثنا يتضمن تشكيكا بزهده بالظهور والإعلان عن نفسه، ومع ذلك تحمل كلامنا الشديد، ولم يرتب عليه اثرا، تواصلت صداقتنا كما كانت.

محمود البستاني؛ مفسر، أديب، شاعر، ناقد، ناسك، زاهد، متهجد، ورع، مدمن قيام الليل وصيام النهار. تعرفت عليه في مرحلة مبكرة من حياتي عبر كتاباته في دوريات “النجف” و”الكلمة”… وغيرهما. وتوثقت علاقتي به في حوزة قم، وتواصلت صداقتنا أكثر من ربع قرن. كنت أحرص على حضور مجلسه الأسبوعي ليلة الثلاثاء في بيته. وهو مجلس يقتصر حضورُه على عدد محدود من أصدقائه. عادة ما يفتتحه هو رحمه الله بعرض نصوص روايات أخلاقية؛ من أحاديث النبي وأهل بيته، تفوح بعبق مواعظ ووصايا تربوية وروحية، ويطلب من الحضور شرح مضمونها.

منهج البستاني أخباري في التعامل مع الأحاديث، لا يدقق في سند الأحاديث، ولا يتأمل متونها، يقرأ ما يراه في كتب الأحاديث من روايات، ويتعامل معها وكأنها نصوص مقدسة، بغض النظر عن سندها ومتنها، وأحيانا تكون مضامينها الظاهرة غير معقولة، ومع ذلك يصر عليها، مادامت مدونة في مصنف تراثي للحديث، وإن كان من المصنفات المتأخرة. كان محمود لا يتفاعل في الغالب مع وجهة نظري، عندما تشير الرواية الى ظاهرة اجتماعية، أو سلوك فردي، وأحاول أن أبحث عن تفسير وتحليل لذلك، يكشف عن أن مدلول الرواية يحتاج إلى تأمل وتدقيق ونقد، لأن مدلولها لا يؤيده العقل والعلوم والمعارف الحديثة، وأشدد على ضرورة الاعتماد في فهم مضمونها على: علم النفس والتربية والاجتماع والعلوم الانسانية الحديثة. ومع الانزعاج المضمر لمحمود من رؤيتي وفهمي إلا أن ذلك لم يفتّ أخوتنا، أو يُصدّع حميمية صداقتنا.

غالبا ما كنت أجد البستاني صائماً، حين أزوره أو يزورني نهاراً، فأدعوه الى الافطار بعد المغرب، ونحتفل معه في منزلنا وقت الافطار بمناخات روحية عبقة. تلوّنها صلواته وأدعيته واشراق وجهه أثناء تسبيحاته وأوراده وأذكاره. خاصة أن زوجتي “أم محمد” – لحظة تعدّ له الافطار – تكللها البهجة والانشراح، وهي تتلمس البركات، وتشعر بالسكينة والطمأنينة، ويملأ السلامُ روحَها، كما حدثتني هي بذلك أكثر من مرة. وكلما غاب عن بيتنا فترة، هي من كان يستحثني على الدوام على تكرار دعواته للإفطار. كل عائلتنا – أنا وهي والأبناء – تتهلل وجوهنا بالبشر، حين يحلّ علينا ضيفاً. نشعر بالغبطة لوجوده في منزلنا، وكأن أرواحنا تتطهر بطهارته، وأنفسنا تتزكى بتزكيته، فهو بالرغم من صمته، إلا ان عبادته وأذكاره، وما يبعثه من مناخات معنوية عذبة، كل ذلك يسقي حياتنا الروحية، ويكرس إيماننا، ويثري ذواتنا بمزيد من التدفق والإشراق المعنوي.

البستاني بسيط كالهواء، طري كالماء، دافئ، عفوي، جذاب. ومع أنه كان معلماً أخلاقياً، وقدوة تربوية في الحياة الروحية، لكنه لم يتهكم أو يزدري من لا يتطابق مع رؤيته وطريقة تفكيره. كان يدرك أنه ليس بالضرورة أن يتعطل عقلنا في حضرة معلم الأخلاق، أو يتوقف تفكيرنا في مقام ملهم الروح، ذلك أن مسارات القلب والروح غير مسالك العقل ودروبه. إن هذا الخلط بين المسالك والمسارات المختلفة أفضى بالمتصوفة الى تعطيل عقولهم، وجمود تفكيرهم، والركون الى مشايخهم في كل شأن دنيوي، بل اتخذ بعضهم من شيوخ الطرق الصوفية أوثاناً.

‏  ‏اختلف مع محمود في طريقة تفكيره غير العلمي، تفكيره يتماهى مع الأوهام أحيانا ويغرق في مخيلته الشعرية. نتفق في الإيمان بالغيب والثقة بالله، واحتياجات الروح للعبادة، والوفاء للأخلاق النبيلة. بالرغم من أن محمود كان مسكوناً بالتفسيرات الغيبية، وهو يعرف نحن نختلف في أسلوب فهمه، ومنهج تحليله للظواهر المختلفة، لأني أعتمد العقل والعلم في تفسيرها، وعادة لا نتفق إلا فيما يتصل بالروح والقلب والأخلاق. لم يكن يتبرم من مناقشاتي ومشاكساتي، بل كان يهتم بما تثيره أسئلتي، وأحياناً يؤشر بدفء وهدوء لاهتمامي بمناقشة كل صديق تصوّب تواتر مناظراته تفكيري، ولا تتطابق رؤاه مع أفكاري. وحين أناقشه في الكثير مما يدلي به؛ لا يتعصب، أو يضجر، أو ينفعل، أو يحتكر الكلام، أو يضع نفسه في مقام الأستاذ والمعلم، أو يفرض رأيه على المتلقي. ظلّ على الدوام مهذباً؛ يتقن فن الإصغاء، يحتفي بمن يتحدث معه، يلتزم آداب العالِم والمتعلم، وأخلاقيات أهل العلم في المناظرة. صمته أكثر من كلامه، إشارته تسبق عبارته، يتجنب كل كلمة أو عبارة حادة أو خشنة في حديثه. لم أسمع من كلماته أو أرى من إشاراته ما يشي بعنف رمزي مضمر. طالما خضنا نقاشات في الظواهر الطبيعية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والصحية، والمناخية، والجغرافية، والتاريخية المختلفة… وغيرها، التي يعللها هو؛ بما هو ميتافيزيقي، وما هو خارج العالم الطبيعي المحسوس، ويشدّد على اختزال كل ذلك ونسبته الى الغيب، والى الله تعالى مباشرة. ورغم ايماني، وعدم تنكري لعالم الغيب. إلاّ أني أسعى دائماً؛ لاستكشاف وتشريح أسباب تلك الظواهر وعللها وبواعثها، وظروفها، وعناصرها ومكوناتها، وبنيتها العميقة، وكل ما هو طبيعي من الأسباب.

البستاني كائن ميتافيزيقي، يعانق الملكوت في بصيرته. يخشع حينما يتحدث عن ملهم تجربته الروحية الحاج عبد الزهرة الكرعاوي، وسطوته العميقة على مريديه، وبراعته في التسامي بأرواحهم الى قمة مدارج السالكين. رأيت عبد الزهرة الكرعاوي للمرة الأولى سنة 1978 عندما كنت طالبا في الحوزة العلمية في النجف، في دكانه الملاصق للصحن الشريف للإمام علي بن أبي طالب، من جهة جامع الطوسي، وعادة ما كنت أشاهد السيد محمد الصدر، والشيخ غالي الأسدي، وغيرهما، يجلسون على دكة حانوته. أثار ذلك انتباهي؛ فسألت الشيخ غالي الأسدي: ماذا تفعل أنت والسيد محمد الصدر عند هذا الرجل، الذي يبيع الترب والسبح، وكراسات الزيارات والأدعية والأذكار؟ فقال: إنه شيخنا وأستاذنا، ومنبع إلهام أرواحنا، يهبنا ما نفتقر اليه في دراستنا وتدريسنا للفقه والأصول والمعارف الإسلامية، إنه يمتلك خبرات روحية، وتجارب دينية، ومعارف سلوكية هامة، تلقّاها من خبراء في هذا المجال، وتنامت بمرور الزمن، عبر التذوق المكاشفات والارتياض والأذكار والتنسك والوجد.

محمود البستاني لا يكفّ عن ذكر شيخه وملهمه الروحي، كان متيما بالحاج عبد الزهرة، يصرّ على أنه تلقى منه ما لم يحصل عليه من الدراسة الجامعية والمطالعة. ولفرط انغماره بالارتياض الروحي، وذوبانه في العبادات والطقوس، تجاهل بالتدريج ماضيه الأدبي، كشاعر مطبوع، وأديب محترف، وناقد أدبي، واسم متميز في الحداثة الأدبية الستينية في العراق، الى الحد الذي كان لا يحبذ قراءة الشعر، أو استعادة أي شيء يشير الى ذاكرته الشعرية، أو الاهتمام بما أبدعه في الشعر، بل تناسى ما نشره وكتبه من قصائد. استمر تأثير موهبته الأدبية ومطالعاته لنصوص الحداثة في كتاباته. ومع ذلك سمعت منه مرات عدة كيف نشأت وتشكلت صداقاته مع جيله من الأدباء الستينيين في النجف، من دون أن يعطله إيمانه، أو يعزله تدينه عن بناء شبكة علاقات مع رموز الحداثة الشعرية المعروفين، مثل: عبد الأمير الحصيري، موسى كريدي، عبد الأمير معلّه، حميد المطبعي… وغيرهم. لم يُهمل ذكر بعض المواقف والحوادث الجميلة، عن؛ علاقاته الثقافية، وماضيه الأدبي، وبدايات تكوينه، ونمط مطالعاته المبكرة. قال لي: في السنوات الأولى لإصدار د. سهيل ادريس مجلة الآداب ببيروت، كان لا يصل الى النجف إلاّ نسختان أو ثلاث منها، ولأني أعمل مع المرحوم والدي في السوق، أستطيع شراء واحدة منها، وبعد مطالعتي لها يستعيرها بالتناوب كل مرة؛ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله.

محمود أديب موهوب في ابداع نصوصه، يكتب بقلم مدهش، بلغة مكثفة مسبوكة بذكاء، غنية بالمفردات الحديثة، كان يكتب حتى الأوهام والخرافات بهذه اللغة، وإن كان لا يتقن الخطابة والتحدث بلباقة. بصمة بيانه المكثف تطبع الحقول كافة التي كتب فيها، ففي تفسيره وغيره ترتسم النصوص بلغة غنية، غزيرة، مضيئة، حين تقرؤها كأنك تلتقي أطياف قصيدة نثر، أو شذرات المتصوفة الكبار، كالنفري، والحلاج، وابن عربي. حتى آخر حياته؛ كان لا يزهد بمطالعة النصوص الإبداعية الأدبية، والإنتاج الفكري الجديد، فقد كان يستعير مني ما يجده من مطبوعات ودوريات جديدة، ويطالعها عاجلا.

نحن بحاجة الى استئناف النظر في تفسير البستاني “عمارة السورة القرآنية” دراسة وتدريسا؛ ذلك أنه يمثل محاولة متميزة في دراسة بنية ومنطق وشخصية السورة القرآنية، واكتشاف نسيج العناصر والمفاهيم والمقولات الخاصة المكونة لعمارة كل سورة. يجترح محمود تسمية “عمارة” لتفسيره، وكأنه يحاكي “عمارة المباني الجميلة”، بكل ما تشي به من جمال، وافتتان، ودهشة، وجلال، ولمسات فنية، وإيقاع متناغم مع البيئة. إنه يرى الآيات والسور مثلما يشاهد اللوحات الفنية المبهجة للفنانين البارعين.

التجربة الأولى التي دشنها محمود البستاني في هذا النمط من التفسير، تمثلت في نشره كتابه “في التعبير القرآني” سنة 1980، وضمّنه نموذجا تطبيقيا للتفسير البياني[1]، أو كما يصطلح عليه هو “التفسير البنائي أو العضوي”، ثم واصل تطبيق منهج التفسير البنائي على القرآن الكريم في تفسيره “عمارة السورة القرآنية”، كما استخلص رؤى أولية للأصول النظرية لهذا التفسير، والتي تمثل القسم الأول من كتابه “المنهج البنائي في التفسير”.

اقترحت على المرحوم البستاني أن أعدّ له كتاباً، يشتمل على بعض نصوصه السابقة، مع حوار أجريته معه ونشرته في مجلة قضايا اسلامية معاصرة، وأسميت الكتاب: “المنهج البنائي في التفسير”، فوافق هو على العنوان. وكتبت له مقدمة تناولت فيها ملامح هذا المنهج ونشأته وتطوره، وجهود البستاني في إغنائه وتوظيفه في دراساته القرآنية، ثم في تفسيره الموسوم بـ : “عمارة السورة القرآنية”.

حرص دكتور محمود على أن يجسد لنا ملامح منهجه في التفسير في رحلة تواكب السور القرآنية من أكبرها الى واحدة من السور الصغرى، موضحا أن الحافز الذي دفعه الى تناول النص القرآني في ضوء بنائه الهندسي أو العماري أو البنائي، يتلخص في أن القرآن الكريم مادام قد انتظم في سور خاصة فلابد من أسرار خاصة تكمن وراء ذلك، والاّ كان من الممكن أن ينتظم بصيغة أخرى، وهذا يعني أن السرّ لا ينحصر في مجرد تيسير عملية القراءة، بقدر ما يتجاوزها الى أسرار أخرى يكتشفها من يتدبر السور. ويدلّ على هذه الحقيقة ما كان يفعله النبي “ص”، حين كان يأمر كتّاب الوحي بأن يضعوا هذه الآية أو تلك في موقع معين من السورة.

اذن هناك وحدة في السورة تتجلى في موضوع أو موضوعات، ذات نسيج عضوي مترابط، على وفق تخطيط هندسي، بحيث إذا نقلنا بعض الآيات أو المقاطع ووضعناها في محل آخر، أو حذفنا أو قدّمنا أو أخّرنا بعضا منها عن الآخر، فسيحدث خلل في الموضوع، وتشوّه في الفكرة، التي تشي بها الآيات الكريمة، على وفق نظمها في السورة، أي إن النص القرآني هو وحدة موضوعية أو فكرية، تتضمن أجزاء متناسقة فيما بينها، بحيث تصب هذه الأجزاء في تلك الوحدة. لا ينبغي النظر الى كل جزء منفصلا عن علاقته بالأجزاء الأُخر، وعلاقة الأجزاء جميعا بوحدة الفكرة والموضوع؛ لأن النظر الى كل جزء منفصلا عن الآخر يجعله فاقدا لوحدته الموضوعية.

رحل محمود الروح والقلب والسيرة،كان محمود معلما للأخلاق بصمته، وملهماً للروح بوصاله مع الحق، وزاهداً في كل ما يتهافت عليه الكثير من الناس، وبعض من يزعمون انهم موقعون نيابة عن رب العالمين. ولم يسقط في ما سقط فيه غيره من معارك رخيصة على متاع رخيص، ولم يفتش عن مصفقين يمنحونه ألقاباً كاذبة، أو مهرجين يُقلدونه أوسمة زائفة، مثلما يفعل سواه في ديارنا.

ما أشد حاجتنا اليوم الى شخصيات روحية أخلاقية؛ تُكرّس تجربتها الروحية وجودنا، ويثري دعاؤها كينونتنا، ونتسامى معها الى حب الله والانسان والعالم، في مجتمعاتنا التي تختنق بدخان الحرائق، وتضج بصخب الدم المسفوح.

لا أعرف ما السرّ في رحيل أولئك الناس الذين يمنحون الناس السلام، فيما يلبث بيننا من يعبثون بحياتنا، ويملؤون عالمنا ضجيجاً وصخباً، ولا يكفّون عن الادعاء والتعالُم!

رحم الله صديقي الروحاني الأخلاقي المهذب محمود البستاني، الذي تعلمت منه شيئاً من؛ حكمة الصمت وصمت الحكمة، والهدوء والسكينة والطمأنينة، والثقة بالله، والاستغناء بالله عن كل ما سواه، والزهد بمتاع الدنيا وبريق بروتوكولاتها ومزاعمها الزائفة، وعدم الحسرة على ما فاتني، والكف عن اللهاث وراء ثرثرة المتملقين المداحين، والابتعاد عن النزاع المزمن على الألقاب والعناوين.

هوامش:

[1] ظهر هذا النوع من التفسير في العصر الحديث في الآثار القرآنية للشيخ محمد عبد الله درّاز، والشيخ أمين الخولي وتلامذته في “مدرسة الأمناء”. واصطلحت عليه د. بنت الشاطئ “التفسير البياني للقرآن الكريم”.

 

رابط النشر:

فكر الدكتور حسن حنفي ملتقى الأضداد

                     فكر الدكتور حسن حنفي ملتقى الأضداد

 

                                                                  د. عبد الجبار الرفاعي

 

                                                     – 1

                         نداء الحياة يهتف بالروح رغم وهن الجسد

رحل الدكتور حسن حنفي يوم الخميس 21-10-2021 عن عالمنا بعمر 86 سنة (1935 – 2021). ‏برحيله فقد العربُ مفكرًا غزيز الإنتاج، وخسرت الفلسفةُ معلِّمًا أفنى حياتَه في التعليم، وباحثًا كرّس عمرَه للبحث والكتابة. مشاعرُ فقدان الأصدقاء القريبين موجعةٌ، احتجتُ مدةً طويلة لتبرد مشاعري وأعيد ‏تحريرَ هذا النص وأنا هادئ. أحاول أن أكتبَ عنه وأنا متخفف من مشاعرِ فقدان صديق عزيز، ولئلا يقع تفكيري أسيرَ عواطفي عند الحديث عن أفكاره.

كنا معًا على المنصة في الجلسة الافتتاحية آخر مرة التقينا بمؤتمر النهضة العربية سنة 2018 في الأردن، كان مُقْعَدًا على كرسيٍّ، لكنَّ همَّته وعزيمته وحماسته لم تهدأ، وتوقُّد ذهنه لم ينطفئ.‏ أحترمُ حسن حنفي وأعتزّ بصداقته، ويعجبُني منجزَه الواسع، وأهتمُ بمتابعة ومطالعة كتاباته المتدفقة الغزيرة. تربطنا صداقةٌ تواصلت سنوات طويلة، كان مهذبًا دافئًا ودودًا معي، أحبُّ صوتَ الإنسان الغيور الشهم داخلَه، وإن كنتُ أختلفُ مع تعريفه للدين وقراءته لنصوصه.

تعودُ علاقتي بفكر حسن حنفي إلى أكثر من أربعين عامًا، قرأتُ سلسلةَ مقالاته في نقد الأصولية بجريدة “الوطن” الكويتيَّة بعد مقتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات. في نقده للأصولية للمرة الأولى أقرأ نقدًا بجرأة لم أعرفها في أدبيات الجماعات الدينية. لم تألف هذه الجماعاتُ غربلةً وتمحيصًا في داخلها لشعاراتها ومفاهيمها وقراراتها. كلُّ ما قرأتُه في تقويمها ومراجعتِها ونقدها لكتّاب خرجوا عليها وغادروا تفكيرها، أو كتّاب ينتمون للجبهة المقابلة لها. انتقل حسن حنفي في نقده للأصولية إلى آفاق أوسع من ضيق أفق تفكيرها ومفاهيمها المبسّطة، ونظرتها الأُحادية لواقع شديد التركيب ومتعدّد الأبعاد ومتنوّع الوجوه.

بادرتُ إلى قراءة ما أعثر عليه من مقالات حنفي ومؤلفاته. أرسلتُ له رسالةً بريدية. لم أكن واثقًا من وصولها، فوجئتُ بعد مدة طويلة برسالة جوابية مرفقةً بطرد يحمل مجلة «اليسار الإسلامي» وغيرها، هذه المجلةُ أصدرَ حنفي العددَ اليتيم منها ولم يردفه بعدد آخر. ضمّت «اليسار الإسلامي» مقالاتٍ بعضُها منشور من قبل، منها مقالةٌ للدكتور علي شريعتي مترجمة للعربية. كانت المجلةُ أشبه ببيان تأسيسي لحزب أيديولوجي ثوري. قرأتُ مقدمتَه المسهبة للمجلة أكثرَ من مرة، رأيتها مقالةً تحتشدُ فيها أصواتٌ متنوعةٌ للثوار في تاريخ الإسلام المبكر، تحتشدُ هذه الأصواتُ بموازاة مقولاتِ العدل والحرية في علم الكلام المعتزلي، ومفاهيمَ إنسانية منتقاة من التراث. لم أقرأ من قبل كتابات تتجاور فيها كلُّ هذه التوليفة المركبة من أضداد، يحاول حنفي أن يسكبَ أضدادًا في كأس واحد. بقدر ما أعجبتني براعةُ حسن حنفي في الصياغة اللغوية لشعارات تنادي بأحلام اليسار والحركات الثورية بمختلف تعبيراتها، وخبرتُه الواسعة بحقول التراث المتنوعة، تساءلتُ عن كيفية جمع ثورات تنطلق من مواقف اعتقادية متعارضة وأحيانًا متصارعة، ودمجها بمقولات كلامية تعكس كلُّ واحدة منها رؤيةَ أحد الفرق الكلامية المتنازعة. بدأ ينمو ويتراكم هذا التساؤلُ وأمثالُه بمرور الزمن كلما قرأتُ جديدًا لحنفي، إلى درجة اكتشفتُ فيها عقلًا يدمجُ عناصرَ غريبة وأحيانًا متضادة تنتمي لفلسفات متنوعة وعقائد متصارعة، يدعوها لتنادي بصوته لا صوتها، وتعلنُ غاياتِه لا غاياتها، وتنشدُ أحلامَه لا أحلامها. وقفتُ على بوصلةَ تفكير حنفي منذ أول قراءة لكتاباتِه وتكشّفَ لي بوضوح كيف يجعل الشرقَ يقول ما قاله الغربُ والغربَ يقول ما قاله الشرق، والماركسيةَ تقول ما قاله الإسلامُ والإسلامَ يقول ما قالته الماركسية، والتراثَ يقول ما قاله التنويرُ والتنويرَ يقول ما قاله التراث.

تفرضُ عليك جهودُ حسن حنفي الاهتمامَ بها، سواء كنتَ تتفق أو تختلف مع أفكارِه، أو تثيرك تأويلاتُه للتراث، ومحاكاتُه للاهوت التحرير، وشغفُه باشتقاق الثورة من العقيدة. كتاباتُه وعباراتُه كأنها شعاراتُ ثوار بالغة التأثير على مشاعر مَنْ يقرأها بتعجّل، تراها لأول وهلة كأنها نسيجٌ ينهل من منابع متنوعة، تحيلُ إلى الموروثِ بحقوله الواسعة، وتتكلمُ مصطلحاتِ الفلسفةِ وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة بتياراتها واتجاهاتها المتنوعة، وإن كانت قراءتُها بتريُّث ترى فيها ما لا تقوله قراءتُها المتعجّلة. لا تفتقرُ كتاباتُه إلى إطلالة على الماضي وإن كانت مشدودة بالواقع، تقرأ إعلاناتِه المكررة عن ضرورة الاهتمامِ بالواقع ومتطلباته واستحضارها في التفكير والتعبير. تخلو كتاباتُه من التحريض ضدّ المذاهب، لا تشوبها لوثةٌ طائفية، لم يكن مع مذهب ضدّ مذهب، ولا مع جماعة ضدّ جماعة، ولا مع حزب ضدّ حزب. تشعرك كأنها مع الجميع، في الوقت الذي لا تراه إلا وحده، يحرص على التوفيق بين مختلف التيارات والاتجاهات والفرق والمذاهب والأيديولوجيات، الذي يصلُ حدَّ التلفيق المكشوف بتأليف ما لا يأتلف.

كنتُ مدعوًّا لمؤتمر نظّمه الأزهرُ في القاهرة ربيع سنة 2017، لا أتذكر زيارةً للقاهرة إلا وأبدأها بمهاتفة حسن حنفي، وأقتطع وقتًا مناسبًا لزيارته في بيته مهما كانت الزيارةُ قصيرة، كما هي عادتي في كلِّ مرة أصلُ مصر، وعندما يتسعُ وقتي أزوره أكثرَ من مرة. لم تتجاوز زيارتي الأخيرة أيام المؤتمر الثلاثة، ولم يتسع وقتي للقاء أصدقاء كرام في هذه الزيارة، إلا لزيارة الأخ حسن حنفي إذ فرضتها ضرورةُ الصداقة الأخلاقية. هاتفته فأجابني مرافقُه، وفور إخباره أعرب عن سعادته ورغب بشوق أن أصلَ إلى بيته القريب من منطقة الفندق الذي أقيم فيه. اكتريت سيارةً إلى مدينة نصر حيثُ منزله، وطلبتُ من السائق أن ينتظرني ربع ساعة كي أعودَ لأعمال المؤتمر. عندما دخلتُ عليه رأيتُه مُقْعَدًا واهنَ القوى والحواسّ، أسرع إنهاكُ الأمراض والشيخوخة إلى الفتك بجسده، استنزفتْ طاقةَ عينيه المطالعةُ والكتابةُ حتى كادَ يفقدُ بصره، رأيتُه يكتبُ الكلماتِ بقلم عريض لا تستوعب الورقةُ من حروفه إلا عباراتٍ قليلة، يستعينُ بالبصيص الضعيف لعينيه باستخدام عدسة مكبرة جدًا للقراءة والكتابة. حزنتُ لما رأيتُ جسده بهذه الحالة. على الرغم من وهن جسده وضعف صوته لم ينطفئ حماسُه ولم تمُت أحلامُه. تألَّمتُ كثيرًا للوهن الذي نهش جسدَه، كان مُقعَدًا على كرسي، لا يقوى على القيام. المفاجئ أن الفتور الذي استولى على جسده، لم يعبث كثيرًا بعقله، ولم ينخر مشاعرَه، ولم يطفئ حماسته المتَّقدة، ولم يصيِّر جمرةَ شعاراته رمادًا. استمعتُ إلى نداء الحياة يهتفُ في روحه بصوت يهزمُ نداءَ الموت في جسده. مكثتُ ساعة ونصف تقريبًا، أسأله عن صحته وجديد مشروعه الذي نذر له عمرَه وضحَّى براحتِه وصحته من أجل إكماله، كان يحدثني بثقة العاشق المتيَّم الذي تحقّقت كلُّ أحلامه، وهو يقول جذلًا: تمكنتُ من إنجاز آخر حلقة في مشروع “التراث والتجديد”. ويضيف: لم يعد لديّ ما أحلمُ بكتابته إلا تدوين ذكرياتي، وأتمنى لو أسعفني العمرُ أن أنجزَ كتابًا جديدًا عن الثورة والثوَّار في كتابات مفكِّري أمريكا اللاتينية. سألني ما إذا كانت حقيبةُ سفري تستوعبُ آخرَ أعماله، فقلتُ له: سفرتي سريعة لحضور مؤتمر، وحقيبتي الخاصة بالكتب سأعودُ بها لبغداد فارغة؛ لم يسعفني الوقتُ للذهاب للهيئةِ المصرية للكتاب والمركز القومي للترجمة ودورِ النشر الغنية بإصداراتها المتنوعة في القاهرة. أهداني ما صدرَ من الحلقات النهائية لمشروعه، وهي عدة مجلَّدات في التفسير، تغطِّي الحلقةَ الخاتمة في مشروعه الواسع الطموح. أحبطَ تفسيرُه أَمَلِي مرةً أخرى، تفسيرُه تبهرك عناوينه، وهو الخبيرُ بصياغة العناوين بلغةٍ كأنها لافتات شِعرية، وحين تقرؤه لا تجد مضمونَه يتناغمُ والإيقاع المعلن لعناوينه، يسهبُ في الحديث ويراكمُ كلماتِه وعباراته وشعاراته المعروفة في كتاباته، يفسِّر الآياتِ القرآنية في ضوء رؤيته المهيمنة على كتاباته منذ البدايات المبكرة، إلا أن لغتَه أضحت سائلةً، تفيضُ بالألفاظ وتشحُّ بالمعاني. تألَّمتُ لحظةَ رأيتُ لغتَه تفتقرُ إلى طاقتها ووهجها المعروف في كتاباته السابقة، وكأنّ الوهنَ الذي أدرك جسدَه أدركها هي أيضًا.

 

                                        – 2

                                 كاهن الفلسفة

كنتُ ألتقي الدكتور حسن حنفي، فنذكر في سياق حديثنا آراءَ مفكرين معروفين، ويجري نقاشٌ حول مرجعيَّات رؤيتهم للعالَم، ومواقفهم المتنوعة من ثنائيات: الماضي والحاضر والأصالة والمعاصرة والتراث والحداثة، وتصوُّراتِهم المتعددة لدراسة أسباب التخلف والانحطاط وشروط النهضة، والإحياء والإصلاح والتجديد، وأثرِ فهم الدين وتفسير نصوصه وأنماط التدين في النهضة والبناء والتنمية. حين نتحدث عن كتاباتهم ومواقفهم كان لسانُ حسن حنفي لا يستغرق في ذكر غيره بسوء، وأحيانًا يحاول التهرُّب من الحديث، إذا كان الحديث يتطلب رأيًا سلبيًّا صريحًا، وربما يصمت وينقل الكلامَ إلى شأن آخر، على الرغم من أن هذا الموقف لم ينعكس على كتاباته، خاصة سيرته “ذكريات”.

نشر حسن حنفي فصلًا في أحد أجزاء مؤلفاته كَسِيرةٍ أوَّلية، وأعاد كتابةَ فصل آخر تناول فيه محطات متنوعة من حياته. في كتابه الأخير «ذكريات» وهي المرة الثالثة والأخيرة لكتابة سيرته الشخصية، حاول أن يتحدث عن رحلة حياته ومنعطفاتها المتنوعة من المرحلة الأولى إلى ما انتهت إليه قبيل وفاته. كان فيها أكثرَ تعبيرًا عن ذاته وانفعالاته ومواقفه الصادمة، صوتُه أشد وحديثُه أصرح، وهو يحكي للقرّاء ما تعرّض له من مواجع الحياة ومراراتها، وما كابده من تشرّدٍ وجوعٍ عند وصوله إلى باريس وبؤسٍ لا يطيقه إلا الصَّبور. كان في بداية المشوار يتساءل على الدوام حتى عن البداهات أحيانًا، متمرِّدًا لا يكترث بالممنوعات الاجتماعية ولا تهمُّه البروتوكولات الحكومية، عنيدًا لا يرضخ للترويض، تعيش معه ويعيش لها أحلامُه الكبرى الصادمة لأساتذته وزملائه، ولا يتردّد في إعلانها على الملأ. عند وصوله باريس لإكمال دراساته العليا خريف 1956 لم يكن في جيبه شيءٌ من المال، ذهب إلى بواب السفارة المصرية وطلب منه أن يُؤويه ليلًا ريثما يعثر على سكن، يقول حنفي: «فاستغربت، ألَّا يقبل بوابُ السفارة طالبًا سيغير العالَم بأفكاره»[1]. حين لم يجد مكانًا ذهب إلى مسجد باريس ولم يسمح له بالمبيت فيه، أرشده إمامُ المسجد «إلى أحد الجزائريين، كي ينام معه. وكانت غرفة في فندق في الحي العشرين الذي يقطنه العمال الجزائريون. ستة على سرير واحد»[2]. يتحدث حسن حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه قائلًا: «كانت صورتي في الإخوان أني شيوعي، وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني. وصورتي في أجهزة الأمن أني إخواني شيوعي. ولم يكن اليسار الإسلامي قد انتشر بعد، ليحل التناقض بين الإسلام والشيوعية أو الاشتراكية أو الأيديولوجيات العلمانية كالليبرالية والقومية»[3]. حسن حنفي كان مسكونًا بيوتوبيا اليسار الإسلامي، مفهوم اليسار الإسلامي لديه يلتقي فيه الإسلامُ بالشيوعية، وتجتمع الأضدادُ في كأسٍ واحد، بتوظيفٍ براغماتي مكشوف للتراثِ واستعمالِه في إثبات الشيء ونفيه.

حسن حنفي ثائرٌ بالفطرة، لم تتوقف أحلامُ الثورة وشعاراتُها بعد تجاوزه مرحلة الشباب. حسن حنفي كعلي شريعتي مثقّف رسوليّ، وأعني بمصطلح المثقّف الرسوليّ المثقّفَ النبويَّ الذي يرى نفسَه بمثابة النبي المُرسَل إلى أمته لهدايتهم، يشعرُ بمسؤوليته عن معتقدات الناس وأفكارهم. كان حنفي يعلن مرةً أنه مسؤولٌ عن تغيير العالَم بأفكاره، ومرةً أخرى يعلن فيها أنه «إنسان صاحب رسالة، أُعِدّ مشروعًا قد ينقذ الأمة من كبوتها، وذلك يقتضي الجلوس على المكتب طيلة العمر، لا زيارات لأقارب أو أصدقاء، فوقتي كله للعلم ولأداء الرسالة»[4]. واصل إعلانَ مهمته الرسولية في أحاديثه وكتاباته… مثلًا يكتب في مقدمة كتابه «من العقيدة إلى الثورة»: «أنا فقيه من فقهاء المسلمين أجدد لهم دينهم وأرعى مصالح الناس. ليس لنا ألقاب، بل نحن من علماء الأمة، ورثة الأنبياء، والمحافظون على الشرع، كما كان فقهاء الأمة من قبل»[5]. يصنّف حسن حنفي نفسَه فقيهًا من الفقهاء وإن كان يجتهد خارجَ أصولِ الفقه وقواعدِه في المذاهب المعروفة، متكلّمًا من المتكلمين وإن كان يحاول الخروجَ على تراث المقولات والفرق المعروفة للمتكلمين، فيلسوفًا مع الفلاسفة وإن كان يتفلسف خارجَ العقل الفلسفي الذي لا يخضع لمعتقد أو أيديولوجيا أو حكم سابق، يتفلسف حنفي بعقلٍ مشبَع بأيديولوجيا اليسار الإسلامي. ويصرُّ بتساؤلٍ إنكاري: «وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ وهل ينفـع تـدريس العلـوم الإنسانية كالاجتمـاع والقـانون والفلسفة دون أيديولوجيا؟ ومـا العـيـب إذا ما أدت الأيديولوجيا إلى العمـل السياسي؟ ومـا الـعيـب فـي أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدلًا من أن يحفظ كتابًا مقررًا؟»[6]. اتسعت اهتماماتُه وتنوّعت أعمالُه بنحوٍ استوعبت مختلفَ حقول التراث، تبدو كتاباتُه للقارئ مؤتلفةً مع كلِّ شيء في الوقت الذي لا يألفها شيءٌ، ويصعبُ تصنيفُها بقراءة متعجلة تحت أيِّ شيء، لا يصدق عليها إلا أنها كتاباتٌ توظِّف التراثَ والفلسفةَ وعلومَ الإنسان والمجتمع أيديولوجيًّا نفعيًا.

كان حسن حنفي أشدَّ توتُّرًا وانفعالًا وحنقًا في ذكرياته وهو يتحدثُ عن بعض تلامذته وزملائه. تسود الشكوى والضجر والألمُ مواردَ متعدّدة من كتاب «ذكريات». عندما يورد موقفًا أو يتحدّث عن زميل أو تلميذ كأنه يستأنف سيرةَ الدكتور عبد الرحمن بدوي التي نشرها في مجلدين، وكان فيها شديدًا على أكثر من عاصرهم، ولم يستثن إلا القليلَ من نقده اللاذع الذي يتمادى فيه أحيانًا إلى الاتهام بلا دليل.

خصّص حسن حنفي نحو 30 صفحة في نهاية ذكرياته لكتابةٍ قاسية عن بعض أساتذة الفلسفة وتلامذته، مثلًا يصف أحدَ أبرز أساتذة الفلسفة المصريين المعروفين عالميًا بقوله: «يعيش على قضيتين: أن ابن رشد ليس مثله من قبل ولا من بعد، وهو ممثل العقلانية. والثانيـة الهـجـوم على الأصولية، والدفاع عـن العلمانيـة الغربيـة. ارتبط بالدوائر الفلسفية الغربيـة أكثـر مـن العربية. ويكتب أسبوعيا في الأهرام ويكرر نفسه. لم يحصل على أي جائزة. وهو الآن مفكر الجامعة للهجوم على الإسلاميين»[7].

يقسو حسن حنفي على أحد تلامذته الأذكياء ويتبرّم منه قائلًا: «كـان يريد الشهرة بسرعة، فالتصق بتلميذي الآخر نصر حـامـد أبو زيد، لأنـه لم يعترض على الشهرة السريعة أو مخاطبـة الإعلام. وبدأ الخروج إلى الإعلام، وكتابة أفكاره في الصحف…كـان القسم يعتبره خير من يخلفني، ولكني اكتشفت باطنه كما عرفت ظاهره، فـقـد كـان يُبدى إخلاصًا لي في الظاهر، ويبطن عداوةً في الباطن. ثـم تـوفي بعـدهـا رحمه الله دون أن ينـال لـقـب باحث أو مفكـر… وتكوّنت حلقة معادية لي من تلاميذي الذين أصبحوا أساتذة بأنني السبب في إجهاضـه بـل ومـوتـه شـهـيدًا للفلسفة بسبب كراهيـة القسـم لـه”[8].

تلميذُه الصديق الراحل د. علي مبروك ظلَّ يشكو بمرارة في رسائله لي من مواقفه الموجعة معه حتى الأيام الأخيرة من حياته، كان مبروك يصفُ أستاذه بـ «كاهن الفلسفة»، وهكذا سمعتُ شكوى من غير مبروك من تلامذة حنفي. أظن علي مبروك يريد من توصيف «كاهن الفلسفة» فضحَ المفارقة المكشوفة في كتابات أستاذه وسلوكه معه وغيره من تلامذته. مبروك يغمز أستاذَه الذي يريد أن يكون فيلسوفًا كاهنًا وكاهنًا فيلسوفًا، وربما يريد أن ينبّهَ القراءَ إلى أن أستاذَه يجمعُ الأضدادَ في كأسٍ واحد، وهذا ضرب من جمع الأشياء المتباينة. الإنسانُ إن كان كاهنًا لن يكون فيلسوفًا، وإن كان فيلسوفًا لن يكون كاهنًا. كلُّ مجتمعٍ يتضاعفُ فيه حضورُ الكهنة ويتضخمُ تأثيرُهم يتضاءل حضورُ الفلاسفة ويضمحلُّ تأثيرُهم.

 

                                                – 3

                                   الدين قربانًا للأيديولوجيا

دعاني الدكتور حسن حنفي للحديث في ندوة الجمعية الفلسفية المصرية مساء الأحد 16 يناير 2011، بحضور نخبةٍ من الأستاذات والأساتذة المعروفين أعضاء الجمعية. أدار هو الندوة، وعقّب عليها الصديقُ المرحوم الدكتور علي مبروك. قدّمتُ في الندوة ورقةً نقديةً لفكرِ د. حسن حنفي وفكرِ د. علي شريعتي، بعنوان: «اختزال الدين في الأيديولوجيا: نقد لاهوت التحرير عند حسن حنفي وعلي شريعتي». لم يظهر الانزعاجُ عليه على الرغم من النقدِ الصريح الذي وجّهتُه لفكرِه. أحترم موقفَه وأعتزّ به في دعوتي وتقديمي للحديث في هذه الجمعية العريقة. أكبرتُ سعةَ صدره في تقبُّل النقد في الندوة، وموقفَه الجدير بالاحترام والتبجيل والثناء، وإعرابَه عن استعداده لاستضافتي في الجمعية أيّ وقتٍ أزور القاهرة. لم يعلن استنكارَه على الرغم من الاختلافِ مع طريقةِ تفكيرِه وفهمِه للدين وعلم الكلام الجديد وتأويلِه للتراث، واختلافِ ‏رؤيتي لعلم الكلام الجديد عن رؤيته، والمعيارِ الذي حدّدتُه لتمييز المتكلم والكلام الجديد، كما ‏شرحتُ ذلك في كتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». ‏علمُ الكلام الجديد عند حسن حنفي يعني لاهوتَ التحرير، وعلمُ الكلام الجديد في نظري يعني لاهوتَ الحرية. الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، ينشدُ إيقاظَ وتكريسَ المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة الإنسان.

قدّمني الدكتور حنفي في الندوة، وفي سياق حديثه الحماسي المستفيض أشار إلى أني أمثّل «اليسار الإسلامي» في العراق. أظنّه كان يريد أن يبلِّغ الحضورَ من أستاذات وأساتذة الفلسفة الكرام، اتِّساعَ الرقعة الجغرافية لليسار الإسلامي في البلاد العربية، وأن دعوتَه هذه تحولت إلى تيارٍ واسع، كما أشار في غير مرة لهذه الأمنية. بعد فراغه من التقديم بدأتُ الحديثَ بالقول: مع احترامي وامتناني للصديق د. حسن حنفي، أودّ أن أوضح: أنا لا يسار إسلامي ولا أيّ يسار آخر، لا يمين إسلامي ولا أيّ يمين آخر، أنا مسلمٌ وكفى. لم يكتم حنفي امتعاضَه وشعورَه بالإحباط للنَّفي الصريح لما وصفني به.

الرجلُ عالمٌ ذكي موهوب، متعددُ اللغات، مثابرٌ صبور، يستحقُ التبجيلَ والثناء. كتبَ وترجمَ وحقَّقَ آلافَ الصفحات، ربما لم يكتب أحدٌ من المفكرين من مواطنيه بغزارة وسعة ما كتبه. كتاباتُ حنفي حول التراث متنكرةٌ بلغةٍ لا تخلو من حماسٍ توقده شعاراتٌ ثورية، ومتنكرةٌ بتوظيفاتٍ كما يشاء لمناهج وأدوات ومفاهيم ومصطلحات مستعارَة من الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

كان محورُ حديثي في الندوة يدور حول ترحيل الأيديولوجيا للدين من وظيفته الأصيلة، بوصفه يروي الظمأَ الأنطولوجي للمقدّس، وكيف تغفل الأيديولوجيا الواقع، وتضع الفردَ والمجتمعَ في مواجهة العالَم، وتفقر الروحَ والقلبَ والضميرَ والعقل. تحدّثتُ عن تشديدِه المتواصلِ على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، وإعلانِه عن أن ذلك هو الهدفُ المحوري الذي بدأ به مشروعَه وواصل ترسيخَه في كتاباته المتنوعة والغزيرة حتى آخر حياته. يستعملُ حنفي الأيديولوجيا كالملح الذي يستعمل في كلِّ طعام.

لفرط إغواء الأيديولوجيا وتسلُّطها على وعي حسن حنفي، وتسيّدها في تفكيره، واعتمادها معيارًا في أحكامه على أية جماعة دينية أو سياسية، يصرّحُ في كتاباته بأن جماعةَ الإخوان المسلمين هي «الحزبُ النظيف» الفاعلُ والمؤثرُ الذي عمل على تحقيقِ هذا الهدف منذ نشأته. ويكرّرُ هذا الكلامَ بأساليب متنوعة في موارد متعدّدة من كتاباته، فمثلًا يقول: «لقد عرضت الجماعةُ لأول مرة في تاريخنا الإصلاحي الحديث الدينَ باعتباره أيديولوجية. وتربى شبابُ مصر تربيةً فكرية على أساس أيديولوجي، مما جعله معتزًا بما لديه، وقادرًا على الوقوف أمام الأيديولوجيات المعاصرة، وعلى رأسها الماركسية والليبرالية، وظهر الإسلامُ ليس فقط كعقيدة وشريعة، وهما ما ورثناها من القديم، بل كأيديولوجية على مستوى أيديولوجيات العصر. وعرضت على المستوى النظري نظريات الإسلام الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والفنية التي كانت تسد حاجة العصر النظرية… ‏فكانت لدينا أيديولوجية وطنية، من طراز الأفغاني من أجل مقاومة المحتل، والقضاء على الإقطاع، ومن طراز السلفية المستنيرة عند ابن تيمية: الدين في مواجهة الصليبيين…كانت جماعة الإخوان تمثل صورة أخرى، وهي “الحزب النظيف”، وقد بقيت الجماعة لهذا السبب حتى بعد قانون حلّ الأحزاب، لأنها ليست حزبًا ككل الأحزاب: “أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”»[9].

لا يكترثُ حنفي كثيرًا بالوظيفة المحوريّة للدين في إثراءِ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريسِ صلة الإنسان الوجودية بالله. يشدِّدُ باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، بين الواقع والأيديولوجيا في فكره وفكر غيره تناشزٌ مكشوف. الأيديولوجيا قوالبُ ساكنة تلبث على الدوام كما هي، الواقعُ سيَّالٌ في صيرورةٍ مُزْمِنَة، متحولٌ كشلالٍ متدفق لا يتوقفُ ولا يلبثُ كما هو أبدًا. الدينُ أعمقُ من الأيديولوجيا، تحويلُ الدين إلى أيديولوجيا يعني: اختزالَ الإنسان في أحد أبعاده، واختزالَ الروح في القانون، والعقيدةَ في الثورة، واللهَ في الإنسان، والسماءَ في الأرض، والغيبَ في الشهادة، والميتافيزيقا في الطبيعة، والآخرةَ في الدنيا، والروحَ في الجسد، والرّمَز في الحرف، والرؤيا في المحسوس، والمعادَ في المعاش، والعبادةَ في الجسد، والديني في الدنيوي[10].

مَنْ يقرأ حسن حنفي يندهشُ من الحضورِ الطاغي لتأويله الأيديولوجي للدين، وإفراطِه في تطبيق آياتِ القرآن الكريم والنصوصِ الدينية والتراثِ بمنطق أيديولوجي على الواقع بمختلف ظواهره ومتغيراته. بموازاة ذلك يرى القارئ إهمالًا للميتافيزيقا في كتاباته، وكأنَّ القرآنَ كتابٌ لا صلةَ له بالغيب، كأنه كتابٌ أنزله اللهُ ليتحدّثَ عن كلِّ شيء ويستثني اللهَ وعالَمَ الغيب. يحيلُ حنفي الميتافيزيقا إلى الفيزيقا، والغيبَ إلى الشهادة، والسماويَّ إلى الأرضي، يفسّرُ ما هو ميتافيزيقي بالطبيعي، ويرى ما هو أنطولوجي أيديولوجيًّا، وما هو قلبيّ ذهنيًّا، وما هو فردي مجتمعيًّا. لا يرى في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجوديّ تتسامَى فيه، لا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه الطبقي في عالمه الأرضي.

حسن حنفي مولعٌ بمحاكاةِ التراث للواقع وترحيلِ الواقع للتراث، حريصٌ على استعارةِ جلباب التراث وخلعِه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، ينتخب مثلًا مقولاتِ الكلام المعتزلي في العدل والحرية والمنزلة بين المنزلتين، وينتقي بعضَ الأحكام الفقهية من المذاهب، ويجعلها تنطق لغتَه لا لغتَها، وترتسم فيها صورةُ مفاهيمه لا صورتُها. تبدو المفاهيمُ في لغته مقطوعةَ الجذور من تربةٍ نبتت فيها، ومقتلَعةً من ظروف وعوامل وسياقات نشأتها وتطوّرها في التراث، مغروسةً في تربة غريبة عليها، محاكيةً لواقع متغيّر يتنكرُ لها، لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليها. يحاول حنفي الاتِّكاءَ عليها في معالجة المشكلات السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويسعى لحلّ مشكلةِ التفاوت الطبقي وغيرِها في ضوئها.

كتاباتُ حسن حنفي في الوقت الذي تظن أنها تخرجك من المقولاتِ الأصولية وشعاراتِها، تصنع لك من التراث أيديولوجيا تدعوك لاعتناق مقولاتها. يخيّل إليك أنه يخرجك من طوبى التراث، غير أنه يرسم لك طوبى متخيَّلة، شديدةَ الإغواء فاتنةً على وفق رؤيته. يصنّفُ التراثَ على وفق أيديولوجيات ومذاهب ورؤى تصل حدَّ التضادّ أحيانًا. التراثُ لديه يختزن ما يحتاجه الواقعُ اليوم، محترِفٌ في توظيفه بلغته وأسلوبه الخاص، بنحوٍ يجعل التراثَ مصدرًا للعقلانية، مصدرًا للتجديد، مصدرًا للحداثة، مصدرًا للأنوار، مصدرًا للديموقراطية، مصدرًا للاشتراكية وغير ذلك، كأن التراثَ علبٌ فارغة ما عليه إلا إعادةَ قراءته وملئه بما يحسبه دواءً لأمراض الواقع. القراءةُ المتأنية لأعماله يتكشّفُ في طبقاتها ما ينشده الإسلامُ السياسي وما يدعو إليه من إحياءِ التراث وأسلمةِ العلوم والمعارف الحديثة.

                                              –4

              أدلجة الدين تنهك وظيفته الروحية والأخلاقية

حسن حنفي ‏مفكرٌ مدهش، لا يُخرِجُ القارئَ من متاهةٍ إلا ويدخله ‏في متاهات عويصة، ربما يتعذر عليه الخروجُ منها كلَّ حياته. يستطيعُ أن يكتبَ عن معتقدَين متعارضَين بلغةٍ تصالحية توحّدهما، وأحيانًا يكتبُ رأيَين متضاربين عن معتقَد واحد. كتاباتُه متنوعةٌ غزيرة، الجملُ قصيرةٌ، الإيقاعُ سريعٌ، يكتبُ بلغةٍ عاطفية متوترة، بقدرةٍ فذَّةٍ على إيقاد المشاعر قبل إيقاظ العقل، واستعمالِ الدين في إذكاء العواطف وتحريض الضمير، قبل توظيفه في مجاله الروحي والأخلاقي. بالرغم من أن حسن حنفي خبيرٌ متمرّس في التراث، يمتلك تكوينًا ممتازًا في أصول الفقه، واطلاعًا واسعًا على علم الكلام، ‏مضافًا إلى خبرته الجيدة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، إلا أن عقلَه لبث حتى وفاته يرى الماضي والحاضر في أفق قراءته الأيديولوجية.

تحويلُ الدين والمعتقد والتراث إلى أيديولوجيا ‏يستنزفها ويعبث بها، كلُّ فكرة ومعتقد ودين وتراث يمكن أن تصيّرها أيديولوجيا. ‏أدلجة الدين تنهك وظيفتَه الروحية والأخلاقية، تفرضُ هذه الوظيفةُ حمايةَ الدين من أن يتحولَ إلى أيديولوجيا، وإلا يمكن أن يصيرَ الدينُ أداةً لممارسة العنف ضد المختلف في المعتقد، كما تفعل الجماعاتُ المقاتلة باسم الله.

الأيديولوجيا مغلقة على نفسها ترى كلَّ شيء وفقًا لمنظورها لا غير. القراءةُ الأيديولوجية تتلاعب بالدين والتراث وتسقِط عليهما رؤيتَها وأحلامَها الرومانسية. الأيديولوجيا تمارس حجْبًا مزدوجًا للماضي والحاضر، ترى الماضي في الخيال كما تتمنى أن تراه، ترى الحاضرَ في الأماني كما ترغب أن تراها. في الأيديولوجيا يقع التفكيرُ أسيرًا للعواطف وتتحكَّم فيه المشاعرُ والانفعالاتُ أكثر مما يتحكمٌ فيه العقل. التفكيرُ عندما يستمدُّ طاقتَه من الخيال فقط من دون أن يمحّصَه العقل، يعجزُ عن رؤية الأشياء بوضوح خارجَ مملكة الخيال الغزيرة المشحونة بالمسلّمات والأحكام والإجابات الجاهزة. الأيديولوجيا تستمدُّ قوةَ تأثيرها من الحماس والعواطف والأمنيات وليس من العقل. الحماسُ متعجّلٌ متحيّز متّقد، لا يلامس الحماسُ شيئًا إلا وأوقده. العقلُ باردٌ متمهل، يتفحّصُ الأشياءَ ويغربلُ الأفكارَ، ويدرسُ المعتقداتِ بتأمل وهدوء وروية. تستمدُّ الأيديولوجيا فاعليتَها من قوة وكثافة الشعارات وإيقاعها السريع وتكرارها المتواصل. عندما تتسيّد الأيديولوجيا، يغرق الذهنُ بالشعارات والأحكام المسبقة والإجابات الجاهزة، ولا تعود للتفسيرِ العميق والتحليلِ العقلي الدقيق حاجةٌ، وقلّما نعثرُ في لغة الأيديولوجيا على أدلة علمية وحجج منطقية وبراهين عقلية.

في تحويله للدين إلى أيديولوجيا، حاول أن يحوّل كلَّ ديني إلى دنيوي حتى اختلطت الحدودُ بينهما، فجري تعميمُ الفهم الدينيّ لكافَّة حقول المعارف البشرية، وتديين المعرفة في خاتمة المطاف الذي ينتهي إلى التَّضحية بالعَقْلِ والخبرة البشرية خارج ما هو ديني.

حسن حنفي بارعٌ في القراءةِ الأيديولوجية للدين والتراث، وتوظيفِها بتلفيقِ مقولات الفِرَق المتصارِعة، ودمجِ الماضي بالحاضر في خلطةٍ غريبة، يخرجُها لفظيًا ببيان آسر أحيانًا، يستطيع أن يحوّل مقولةً واحدةً إلى كوميديا مضحكة مرة، وتراجيديا سوداء مرة أخرى، وربما يجمعهما معًا في مشهد أخَّاذ. لا يغفل القارئُ المتمهِّل عن التلاعب والتمويه الذي تمارسه قراءتُه الأيديولوجية. في بعض المواقف يعلن نواياه وما يعمل عليه، وإن كانت تتضمَّن تهافتًا عمليًا مكشوفًا يتنكر إليه الواقع، فهو يعمل في مصر كما يقول على: «‏الجمع بين شرعية ثورة يوليو، وشرعية الإخوان. بين شرعية الماضي، وشرعية الحاضر… ‏صيغة توحّدُ بين صيغة الخطاب السلفي والخطاب العلماني، فكلاهما ناقص. صيغة يجعل بها الوطن وطنًا للفقير مثلما هو وطن للغني”[11].

كتبَ حسن حنفي عن تجربته في الانتماء للإخوان المسلمين، وتحدّث عن تأسيس هذه الجماعة ودرس أدبياتِها وتاريخَها. قرأتُ كلَّ ما نشره حول الجماعة، رأيتُه منحازًا لا يكفُّ عن تبجيلِها وامتداحِ رجالها والاعتذارِ لمواقفهم الخاطئة، وتوجيهِ دلالات ما تتضمنه أدبياتُها إلى غير وجهتها، وتأويلِ مقاصدها بعكس ما ترنو إليه. يسرف خيالُه في رسمِ صورٍ بديلة للأشخاص والأفكار والكتابات لهذه الجماعة، لا يرى القارئُ الذكي شيئًا من ملامح هذه الصورة في غير كلماته العاطفية.

‏مواقفُ حسن حنفي وكتاباتُه عن جماعة الإخوان المسلمين تكشف عن تواطؤٍ واضح ومراوغةٍ مكشوفة. ‏يكيل لهم المديحَ بمناسبة وغير مناسبة، ويتغافل عن التبسيط في رؤيتهم للعالَم، ووهنِ تفكيرهم السياسي، وعجزهِم النظري عن فهمِ الدولة، ومناهضتِهم للدولة الحديثة ونظمِها، ولا يقف طويلًا عند أحلامَهم باستئناف الخلافة والدولة السلطانية في تاريخنا. لا يُنكَر أن حسن حنفي متعدّدُ المواهب، متنوّعُ التكوين الأكاديمي واللغوي، ولا أظن مفكرًا موهوبًا بقامته تخفى عليه هشاشةُ أدبيات الإخوان المسلمين وسطحيةُ أفكارهم، وأوهامُهم عن الدولة والمجتمع، وعجزُهم عن اكتشاف طبقات الواقع المركب الشائك العميق. لا يحتاج القارئُ إلى الاستقراءِ الواسع والغوصِ في مؤلفات حنفي كي يرى غضَّ نظره وتواطئه المكشوف مع مواقف الإخوان السلبية من العلوم والمعارف والآداب والفنون الحديثة، وتغافلِه عن كتاباتهم التحريضية ضدّ الأدباء والمفكرين الأحرار. يتجاهل حسن حنفي الآثارَ العاصفة لأجهزتِهم المختلفة ومؤسساتِهم العديدة على حياة المجتمع المصري، وكثافةَ تأثير ما يمتلكونه من أجهزةِ تربيةٍ وتعليم وتثقيف ودعوة وإعلام ودعاية، مثل المدارس بمختلف مراحلها، وأئمة الجماعة وخطباء الجمعة من أعضاء الجماعة، والمؤسسات الدعوية، وأخطبوط الشبكات المالية في مصر وخارجها.

يمتدح حنفي هذه الجماعةَ ويشيرُ إلى ما يفتقرُ إليه المجتمعُ المصري بغيابها، قائلًا: «كانت جماعة الإخوان تمثل تيارًا أصيلًا في مجتمعنا. وكانت على وعي بقضايا التراث والتجديد. وكانت تأخذ مواقفَ حاسمة بالنسبة للتراث الغربي، والتبعية للآخرين، وتقليد مظاهر المدنية الغربية، والافتتان بقشور الحضارة… ‏ومنذ توقف نشاط الجماعة والافتتان بالغرب يزداد، والتقليدُ للآخرين يقوى، والتهافتُ على البضائع المستوردة، وعلى البيع والشراء بالعملات الحرّة، والجريُ وراء أنماط الاستهلاك… نشأ الشباب فلم يعرف إلا تقليد الغرب في غياب حركة أصيلة تأخذ موقفًا نقديًا منه، كما كانت تفعل جماعة الإخوان المسلمين»[12]. ويمضي في الحديث عن التأثير الهائل للجماعة في المجتمع المصري، بوصفها ناطقةً باسم «التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل»، وما أنجزته من مكاسب استثنائية لمصر، من أن يذكر أثر هذه المكاسب في البناء والتنمية الشاملة، ويلوم أخيرًا من يحاول أن يجهِض مسيرتَها. يلخصُ ذلك بقوله: «‏تحوّل الدين من عقيدة إلى حركة جماهيرية، وأصبح الإسلامُ غذاء الجماهير اليومي، ولأول مرة في عصرنا الحاضر يجند الإسلام الجماهير بهذه القوة، وهذا الاتساع… أصبح الدين لمصلحة الجماهير، وأصبح الإسلام دين الشعب، ووجد الإسلام في الشارع، فوق الحصير، وعلى المصطبة. وأصبحت الجماهير وريثة العناية الإلهية في القدرة على العمل والحركة… كانت الجماعة دليلًا ومؤشرًا على أن التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل ما زال مستمرًا، وكانت بؤرة يلتف حولها كلُّ مسلم يود جَعْلَ إسلامِه نظامَه في الحياة. وكانت مدرسةً يتخرجُ فيها الدعاة، وكانت جريدةً يتطورُ فيها الفكرُ الإسلامي، وكانت محطًّا لكلَّ زائر إسلامي. كانت معلمًا من معالم مصر، وعلامةً على طريق مستقبلها وماضيها، ومحورًا تدور حوله كلُّ قوانا الإسلامية المبعثره كما هو الحال الآن. لقد كسبت مصر كثيرًا فلماذا تفرط فيما كسبت؟»[13]. يعلنُ حسن حنفي أسفَه على ما خسره الفكرُ الإسلامي عندما: «وقف التطور الفكري للجماعة، وهي خسارة كبيرة على مستوى الفكر الإسلامي الحديث، فقد كان الإخوان المسلمون حركة إصلاحية أصيلة، نابعة من فكرنا الإصلاحي الحديث منذ ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، والمدرسة السلفية بوجه عام… ‏وامتاز فكرُ الشهيد حسن البناء بالوضوح والإيجاز والتركيز، كما امتاز أسلوبُه بالإقناع. ثم تطوَّر فكرُ الجماعة على يد المفكر الشهيد سيد قطب، وتحول الإسلام إلى: نظرية في العدالة الاجتماعية، والسلام العالمي، والتحرر الإنساني، كما أصبح أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًّا للعالم، ونظرية في الفن، ومنهجًا في التفسير. ولسوء الحظ توقف هذا التطور الفكري باستشهاد مفكرنا الأخير. ومن يدري ماذا يدور في عقول مفكرة الإسلام الآن»[14].

يسكتُ حنفي عن نمط التديُّن السياسي المغلق الذي صنعته الجماعة، وجعلته في صدام مع إسلام المجتمع المسالم، وأحدث انقسامًا حادًّا في المجتمع والعائلة الواحدة، ووضعت الجماعةُ هذا النمطَ من التديّن في مواجهة المؤسسات الدينية التقليدية العريقة كالأزهر، ووجهت أعضاءها للانشغال بهموم الغير قبل هموم المواطن المصري، لأن «جنسية المسلم عقيدته» كما يشدِّدُ سيد قطب، وليس وطنه. نشر حسن حنفي «الدين والثورة في مصر» في ثمانية أجزاء في ثمانينيات القرن الماضي، وكتب كثيرًا عن الموضوع بعد هذا الكتاب وقبله. لم أقرأ له بحثًا علميًّا ناقدًا، يستعملُ فيه مناهجَ العلوم الإنسانية الحديثة الملمّ فيها، ويدرسُ في ضوئها الآثارَ السلبية لمنابرِ جماعة الإخوان وأدبياتِهم ومواقفِهم على التربية والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد والتنمية والهوية الوطنية في مصر، وما أحدثتْه منابرُهم ودعايتُهم من استقطابٍ طائفي حادّ، تفجَّرَ في حوادث عنف مؤسفة، إثر إثارة بعض منابرهم لإحياء أحكام أهل الذمة المنسية وأمثالها، وتصدّع مكونات المجتمع الذي توحّده المواطنةُ والانتماءُ لأرضه وهويته المصرية.

كتاباتُ حسن حنفي تعلن أن هاجسَها تغييرُ الواقع، لكنها تعبّر عن أحلام تغوي مراهقَ التفكير بحديثِها المكرَّر عن العدالة والحقوق، وإعلانِها عن أنها صوتُ المهمّشين والمحرومين، وكلِّ أولئك المعذّبين في الأرض الذين يتجرّعون العلقم، وهي مولعة بأحلام رومانسية بعيدة عن الواقع.

 

                                               – 5

                       اليسار الإسلامي بدأ مع سيد قطب

الإخوان المسلمون هم الجماعة السياسية الأطول عمرًا، والأوسع حضورًا والأشدّ تأثيرًا في مصر والبلاد العربية. حسن حنفي من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان وخبرةً بنشأتهم وأدبياتهم ومواقفهم ومسيرتهم العملية، وهو الأغزر كتابةً عن الحالة الدينية في مصر، ربما لا نجد كتابًا له إلا ويتطرق للدين والتديّن وأحيانًا يكتب عن ذلك بشكل مستفيض. في كلِّ ما قرأتُ من كتاباته عن الإخوان كان يتحدث بلغة اعتذارية، تحاول بأساليب ذكية تبريرَ مواقفهم، وإدانةَ خصومهم، وتكرارَ الكلام عن «سيكولوجية الاضطهاد» التي تعرضوا لها كحركةٍ سياسية جماهيرية، شديدةِ الإيقاع واسعةِ الحضور في مؤسسات المجتمع المتنوعة. يصف حسن حنفي تأثيرَ السجن والتعنيف والغبن الذي تعرضتْ له الجماعةُ بقوله: «‏وغلب على فكرها سيكولوجية الاضطهاد، فنشأ فكر إسلامي معادٍ للواقع، غاضب، يبغى الانتقام. يستعمل الإرادة الإلهية، كالسيف على رقاب الناس. وانقسم العالم عندهم إلى أبيض وأسود، إلى إسلام وجاهلية، لا يتعايشان بل يدمر أحدهما الآخر. وتقود هذه العملية الصفوة المؤمنة، عن طريق تغيير السلطة»[15]. هذا الكلام يتضمن اعترافًا صريحًا لحنفي برؤيةِ الجماعة المغلقة للعالَم، والنزعةِ الحادة المتطرّفة في تفكيرهم، وتصنيفِهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى «إسلام وجاهلية»، لكنَّ حنفي يعود في موارد كثيرة من كتاباته ليبجلَهم، ويفتعلَ دورًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا استثنائيًّا اضطلعوا به في مصر. لا يتحدّث حسن حنفي عن استنزافِ الجماعة للتديّن التقليدي وإنهاكِ الحياة الروحية والأخلاقية في المجتمعات المسلمة، وما أحدثته هذه الجماعةُ من ثغرات بنيوية في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وهيمنتِها على الجمعيات الخيرية والمساجد ومختلف المؤسسات المجتمعية. تديّنُ الإخوان عمل على تجفيف منابع التديّنِ الشعبي الموروثِ منذ عصر الرسالة، والمتجذّرِ في المجتمعات الإسلامية، والذي استطاعت بنيتُه الراسخة أن تمنح حياةَ الأفراد والمجتمعات معنىً روحيًّا وأخلاقيًّا للدين يواكب إيقاعَ تطور المجتمعات والهويات المحلية، ويتناغم والواقعَ المتغير. تديّن الإخوان ينطلق من عقيدةٍ ترسختْ في وعيهم نشأتْ من آراء سيد قطب الصريحة بـ: «أنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي»[16]. والحكم بأنه قد: «ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله»[17]. في هذه السياق يخترع سيد قطب مفهومًا لكلٍّ من المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي، حتى ما نراه مجتمعًا مسلمًا يرى سيد قطب أنه: «يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخصَّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها”[18]. هذه العقيدة دفعت الإخوانَ للعمل على استبدال التديُّن الشعبي الرحيم بتديّن مصطنع، تديّنٌ غطاؤه سياسي مضمونُه سلفي، تديّنٌ أحدث تناشُزًا مع البيئة المجتمعية، واغترابًا للمسلم العضو في هذه الجماعة عن عائلته ومجتمعه وبيئته، تديّنٌ كلامي مغلَق وفقهي متشدّد أفقرَ حياةَ المسلم للمعنى الروحي والأخلاقي، وغاب به المعنى الديني المُتآلف مع اختلافِ المجتمعات وتنوعِ طرائق عيشها وهوياتها الثقافية والإثنية.

لا يقف حسن حنفي طويلًا عند ما أحدثته جماعةُ الإخوان من تشظٍّ في البنية الدينية لمصر ومجتمعات أخرى مسلمة، وتصادم تديّنُهم المصطنع بغطائه السياسي ومضمونه السلفي والتديّن الشعبي التقليدي، والانقسام المجتمعي الذي خلقه هذا النمطُ من التديّن. يتغافل حنفي عن الآثار الموجعة لدعوةِ الجماعة وفكرِهم وانتشارِهم الواسع في مصر وعالم الإسلام، كأنه لا يدري أن المدارسَ ومعاهدَ التعليم والجامعات، من الروضة إلى الدراسات العليا، في السعودية ودول الخليج، وقبل ذلك في مصر وغيرها من الدول العربية، لبثت أكثرَ من نصف قرن خططُها التربوية والتعليمية أسيرةً للإخوان المسلمين. كانوا هم مَنْ يضع أسسَها، ويرسم خارطتَها، ويؤلّف مقرراتِها، ويحدّد مدخلاتِها ومخرجاتِها. يجري ذلك في أفقِ رؤيتهم للعالَم، وتديّنِهم السياسي الذي يظهر في السلوك ومختلف المواقف بتديّنٍ سلفي مغلَق متشدّد، تشبّع فيه مَنْ أقام منهم في هذه البلاد، بعد تفاعلِهم مع المذهب الحنبلي وانبهارِهم بأفكار ابن تيمية وتقليدِهم لمقولاته الاعتقادية وعملِهم بفتاواه الفقهية.

تنامى عاجلًا حضورُ الإخوان في التربية والتعليم في هذه البلاد، بعد هجرة المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، أيامَ اضطهادهم زمن الرئيس جمال عبد الناصر، بأعداد ليست قليلة، منذ خمسينيات القرن الماضي فصاعدًا إلى السعودية ودول الخليج، وسقوط العملية التربوية والتعلمية في هذه البلاد بأيديهم. في ذلك الوقت كانت هذه البلادُ تفتقر للمعلمين والمدرسين من مواطنيها، فاضطرت لتسليم كلِّ شيء في المدارس بمختلف مراحلها لهم، وتمت صياغةُ كلِّ شيء ليجسّد أمانيهم ويعبِّر عن غاياتهم ويعكس تفكيرَهم. نتج عن ذلك تفشِّي التيار السلفي بشكل سريع في مجتمعات عالَم الإسلام، منطلِقًا من البلاد التي تحكّم فيها الإخوانُ بالتربية والتعليم، ومستثمرًا شيئًا من فائض الثروة الذي تراكم بالتدريج بعد حرب اكتوبر 1973 وارتفاع أسعار البترول.

لا يكترث حنفي بالكشف عن تناسل الجماعات المسلحة من أدبيات الإخوان، وبخاصة كتاب «معالم في الطريق» ومسؤولية أفكار سيد قطب عن ذلك. في أكثر من مناسبة يذكِّر حسن حنفي القراء باقتران لحظة ارتباطه بالإخوان بسيد قطب. يقول: «دخلت الإخوان سنة 1951 ‏في نفس الفترة التي دخلها سيد قطب تقريبًا. وتأثَّرتُ جدًا بـ “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”معركة الإسلام والرأسمالية”»[19]. في كتابه «الحركات الدينية المعاصرة»، الذي هو الجزء الخامس من سلسلة «الدين والثورة في مصر»، جاء الفصل الرابع بعنوان: «أثر الإمام الشهيد سيد قطب على الحركات الدينية المعاصرة»، واحتلَّ أكثر من 130 صفحة من كتاب لا يتجاوز 342 صفحة. لم أقرأ كاتبًا من مُريدي سيد قطب أو خصومِه يخلع عليه لقبَ «الإمام الشهيد» غير حسن حنفي. «الامام» لقبٌ ديني يُطلق في الإسلام على مؤسِّسي المذاهب ومجتهديها، ويُطلق على أئمة أهل البيت. في تاريخنا القريب حدث توسُّعٌ في إطلاقه، لكن لم أقرأ أو أسمع من يطلقه على أمثال سيد قطب، ممَّن لم يتخرجوا في معاهد التعليم الديني التقليدية والحوزات.

اليسارُ الإسلامي هو لافتةُ مشروع حسن حنفي الذي يختصرُ مضمونَ دعوته وتلتقي فيه كتاباتُه، كما يتحدث عن ذلك: «اليسار الإسلامي ربما ليس أفضل المصطلحات. وأنا أريد لفظًا يعطي الشرعيتين معًا… أنا أريد أن أعطي إسلامًا سياسيًّا، اجتماعيًّا للأغلبية الفقيرة المقهورة… واليسار الإسلامي هو أَخْذُ كلِّ هذه الطاقات، وهذه المشروعيات التاريخية، والفكرية، والثقافية، والحضارية من أجل توجيهها إلى التحديات لكي نُسَايِر العصر»[20].

يؤرخ حنفي لولادة اليسار الإسلامي بسيد قطب، كما يصرح بقوله: «وتراجع الفكر الإسلامي خطوات إلى الوراء‏. وضاعت فرصة اليسار الإسلامي الذي بدأ مع سيد قطب. وقضى على النهضة الإسلامية الجديدة التي حاولها حسن البنا للحاق بالمصلحين الأوائل»[21]. وفي فقرة أخرى يرى اليسارَ الإسلاميَّ قد انتهى بنهاية سيد قطب.

ويضع حسن حنفي مشروعه في سياق مشروع سيد قطب، وكتاباته بوصفها مكملة لكتابات سيد قطب. يخبرنا أن المحاور الرئيسية الثلاثة في مشروعه هي ذاتها محاور فكر سيد قطب، وكأن سيد قطب رسم له خارطة الطريق وجاء هو ليكملها، وفقًا لما جاء في قوله: «‏ظهر سيد قطب معبرًا عن أماني الحركة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو 1952، ‏وزاد عليها انبثاقه عن الإسلام، وخروجه من تراث الأمة، وقدرته أن ينشئ تيارًا جديدًا في الفكر الديني عن الإسلام الاجتماعي أو الإسلام السياسي أو الإسلام الاشتراكي أو اليسار الإسلامي… ‏ومن ثم جمع سيد قطب في موقفه المحاور الرئيسية الثلاثة: الموقف من التراث القديم، من أجل إعادة تنقيته وتصويبه نحو حاضر المسلمين وقضاياهم الكبرى، الموقف من التراث الغربي ناقدًا له ومحجمًا إياه وحاميًا لحاضرنا من آثار التقليد والتبعية، والموقف من الواقع الحالي، ونقد النظم القائمة، من أجل المساهمة في قضايا التغيير الاجتماعي وإقامة نظام أفضل. وهي المواقف الثلاثة التي تعبر عن الموقف الحاضر لجيلنا كله… ‏وكان لا يهتم إلا بالجانب الفكري للدعوة، محاولًا صياغة أيديولوجية إسلامية ثورية، بما امتاز به من وضوح الرؤية ودقة الأسلوب»[22].

يقرأ حسن حنفي فكرَ سيد قطب بوصفه تطوَّر في أربعة مراحل، فيقول: «ويمكن التعرف على أربعة مراحل في فكر الإمام الشهيد، تعبِّر عن تطوُّره الروحي: المرحلة الأدبية، والمرحلة الاجتماعية، المرحلة الفلسفية، والمرحلة السياسية»[23]. لم يكن حنفي دقيقًا عندما خلعَ على بعض كتابات سيد قطب عنوانَ فلسفة، ووصف كاتبها بفيلسوف. لم يكن سيد قطب في أيّ كتابٍ أو مقالةٍ فيلسوفًا، كي يصطلحَ حنفي على مرحلة من مراحل إنتاجه الفكري بـ «المرحلة الفلسفية». قرأتُ أكثرَ أعمال سيد قطب قبل نصف قرن تقريبًا، وكنتُ أعود إلى بعضها عندما أناقش أفكارَه، وقرأتُ بموازاتها الكتاباتِ معه أو ضدّه، عن حياته وفكره وسجنه ونهايته المأساوية، ولم أقرأ في أعماله رؤيةً فلسفيةً أو نقاشًا فلسفيًّا أو تداولًا لمصطلح فلسفي. سيد قطب كان أديبًا موهوبًا، وناقدًا ذكيًّا، ومفسّرًا للقرآن الكريم، ومنظّرًا حَرَكِيًّا، ومفكرًا سياسيًا، وكاتبًا يتقن اللغةَ العاطفية الحماسية الآسرة. سيد قطب بوصفه مفكرًا لا يستحق الإعدامَ مهما كانت أفكارُه وكتاباتُه، ومهما كان غريبَ الأطوار. الأفكار تُناقَش وتُنقَد وتُنقَض، ولا تُقاضَى في المحاكم، أو يُسجن صاحبُها ويعذّب، أو يُعدم.

 

                                                – 6

                      كتابات سيد قطب تتقن صناعة الغضب

يمتدح حسن حنفي سيد قطب ويدافع عنه، ويبرّر سلوكَه وأفكارَه، ويخلي مسؤوليتَه عن أفكاره ومواقفه بذريعة السجن والشعور بالمظلومية. يكتب حنفي في سياق تبريره لأفكار سيد قطب قائلًا: «نشأ تيار إسلامي آخر تحت تعذيب السجون. وهنا نشأ لون جديد من الإسلام الغاضب، الثائر، المنتقم من: الاشتراكية، والقومية، ومن العلمانية. ومن هنا وفي هذا الجو النفسي المظلم كتب سيد قطب “معالم في الطريق” عام 1963، وقُبِضَ عليه من جديد على أساس أنه مُنَظِّر التنظيم، ثم أُعدم في عام 1966»[24]. يحاول حنفي الدفاعَ عن سيد قطب بتكرار الحديث عن ظروف السجن القاسية لكتابته، ولا يشير إلى أن الحاكميةَ والجاهلية وغيرَهما من أفكار المركزية كانت منبثَّةً في بعض مؤلفاته وأجزاء تفسيره الصادرةِ قبل سجنه. لا يكترث حنفي بضحايا فكر سيد قطب، يلتمس له الأعذارَ حيثما ذكره، ويُعلِّل آراءَه ومواقفَه بعوامل خارجيَّة يرى أنه كان على الدوام هو الضحية، وإن كان حنفي ينقد الحاكميةَ وغيرَها أحيانًا، لكنه يتراجع في موضع آخر فيشيد بما انتقده. كأنَّ الاضطهادَ الذي يتعرض له الكاتبُ يُخْلِي مسؤوليتَه عن أفكاره، حتى لو كانت تحرّض على العنف والقتال، وتكفِّر الدول والمجتمعات، وتستبدل الانتماءَ للوطن والهوية والثقافة بانتماء لأوطان أخرى باسم المعتقد. ربما يستعير حسن حنفي هذا النوع من الدفاع عن سيد قطب من أولئك الذين يدافعون عن شدّة كتابات ابن تيمية وفتاواه بتكفير المختلف في المعتقد، بذريعة سجنه واضطهاده. المفكرُ وأيُّ كاتب مسؤولٌ عن كتاباته المحرِّضة على العنف، الفقيهُ مسؤولٌ عن فتاواه المكفِّرة للغير. ليس من حقِّ حنفي تبرئةُ سيد قطب من آثار آرائه المتشدّدة، وهو يعرف تغلغلَها في أدبيات جماعات الإسلام السياسي، وتوالدَ جماعات عنيفة منها، وتمزيقَها لنسيج المجتمع الواحد وعبثَها بأمنه وعيشه. السجنُ والاضطهاد والتعذيب يسلبُ حريةَ الإنسان على كثير من أفعاله الخارجية، إلا أنه لا يميت ضميرَه الأخلاقي، ولا يصادرُ إرادتَه الخيرة، ولا يسقط عنه المسؤوليةَ الجزائية عن أية جريمة يرتكبها، فلو قام سجينٌ بقتل إنسان آخر، أو مارسَ التأليب ضد شخص والتهييج على قتله داخلَ السجن أو خارجه، لا يحكم العقلُ الأخلاقي والقانونُ العادل بتبرئته، وإن كان القضاء يراعي ألمه ومعاناته في السجن، وأثرها في انفعاله وقراراته ومواقفه الغاضبة.

السجينُ الذي يتعرَّض للتعذيب والتنكيل، وتحدث لديه عاهاتٌ وجروحٌ وأمراض نفسية عميقة بسبب ذلك، ينبغي أن نحمي المجتمعَ من أفكاره الملوثة بعقدٍ نفسية حادة، لا أن نعلي من مكانته، ونبالغ في تبجيل شخصيته، ونشيد بهذه الأفكار ونبشِّر بها. ‏مثل هذه الحالات المرضية تحتاج إلى مصحة نفسانية تعالج المصابَ وتحدُّ من سلوكه العدواني. ‏ليس من حق أحد أن يتوّجَ صاحبَها إمامًا على الناس في حياته، ويحتفي بأفكاره بعد موته. ‏أفكارُ سيد قطب اختطفت خيرة شباب الإسلام الغَيَارَى، ‏وأغرقتْهم بأوهام متخيلة، وغيَّبتهم عن الواقع، وورَّطتهم بمواقف طائشة، وغذَّت أذهانهم بتعاليم تتنكر لها طبيعتهم البشرية، ولا تطيقها عواطفهم ومشاعرهم إلا بتدجين وترويض متواصل، وغرست كراهيةً عميقة بداخلهم لأهلهم وجيلهم ومجتمعهم ولكلِّ مختلف المعتقد عنهم، وحبستهم طوعيًا في أقفاص نفسية موحشة يعتزلون فيها أهلَهم وجيلَهم ومجتمعَهم.

لا يكفُّ حسن حنفي من الإعلاءِ من كتابات سيد قطب والثناءِ عليه، بلغةٍ لا تليق بمفكرٍ ذكيّ واسعِ الاطلاع من أمثاله. يضع حسن حنفي تبرئةَ سيد قطب غايةً، يحاول أن يتهرّب من ذكر المواقف الصادمة في كتاباته، وعندما يمرّ على «معالم في الطريق» يصف هذا الكتابَ بأنه وليدُ الظروف النفسية العنيفة للسجن، ويجعل الاضطهادَ الذي تعرّض له في السجن ذريعةً لهذا النوع من الكتابة الموتورة اللاذعة. لا يقف حنفي طويلًا عند اشتقاقِ الجماعات الدينية المسلحة لرؤيتها الاعتقادية وتقسيمِها العالَم لفسطاطَين وانغلاقِها ورفضِها للمختلِف في المعتقد وإعلانِها الحربَ عليه بفعل آراء سيد قطب وغيره.

مغالطات حنفي يفضحها فكرُ سيد قطب المغلق العنيف ومواقفُه بعد الانتماء للإخوان، خاصة «معالم في الطريق» الذي وصفه أحدُ الباحثين بـ «كراسة الموت»، التي بثّ فيها سيد قطب فوحًا وفحيحًا يخلط الجمال بالخطر”[25].  يحاولُ حنفي أن يخلع على سيد قطب مقامًا فكريًّا وسياسيًّا وثوريًّا يرفعه إلى مقام شخصيات كبيرة أمس واليوم. يكرّر حنفي فرضيةً غير واقعية في موارد متعدّدة من كتاباته، تجعل من سيد قطب ثائرًا نهضويًّا، لولا أنه كان ضحيةَ صراعِ الإخوان وثورة يوليو 1952، إذ يكتب: «لو كان استمر تطوره على نحو طبيعي لانتهى إلى الاشتراكية العلمية كمرادف للإسلام، ولأصبح من ركائز اليسار الإسلامي في مصر، ومن دعائمه الأولى في العالم الإسلامي»[26]… ‏ولأصبح سيد قطب ليس فقط من أمثال الصحابة الأوائل: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، بل أيضا من دعائم الثورة التحريرية العالمية من أمثال: ماركس، وماوتسي تونغ، وهوشي منه، وغرامشي، وجيفارا. ‏ولكان حلقةَ الاتصال بين صور من القدماء والثوار المحدثين… ولكنَّ الإمامَ الشهيد راح ضحيةَ هذا الصراع بين الإخوان والثورة»[27].

لا يتحدث حسن حنفي عن الآثارِ الفتاكة لفكرة «الجاهلية» وموقفِ سيد قطب الصريح بالشطب على كل «ما حولنا» وتصنيفِه بأنه جاهلية، والتشديدِ على رفضه «أنصاف الحلول» في الموقف منها. يكتب سيد قطب: «نحن اليوم نعيش في الجاهلية، كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصّورات النّاس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًّا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية… ليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان، فالإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية، لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور، فإما إسلام وإما جاهلية»[28]. يرسم سيد قطب طريقًا «للعُصْبَة المسلمة» يبدأ بالانفصال «عقيديًّا وشعوريًّا» عن «أهل الجاهلية من قومها». الانفصالُ العقيدي يتضمن الابتعادَ عن المسلم المختلِف في رؤيته الاعتقادية، والانفصالُ الشعوري يعني ضرورةَ الابتعاد عن الأهل والمجتمع على الأقل بالشعور. وذلك يؤسّس للعبثِ بالعواطف داخل العائلة الواحدة، وفرضِ القطيعة العاطفية المريرة بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات والأقارب والأرحام، ومع كلِّ إنسان مختلِف في رؤيته الاعتقادية. يكتب سيد قطب: «لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذابُ إلا بأن تنفصل عقيديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية، وأهل جاهلية»[29]. لا تقتصر دعوةُ سيد قطب على الانفصالِ في العقيدة والشعور، بل تتخطى ذلك إلى الدعوة لاعتزال المجتمع بمكان يبتعد فيه أفرادُ «العصبة المسلمة» حتى عن مساجد المسلمين بوصفها «معابد الجاهلية» ويتخذون بيوتَهم مساجدَ بديلة. يدعو سيد قطب إلى: «اعتزال الجاهلية بنَتَنِها وفسادِها وشرِّها -ما أمكن في ذلك – وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور»[30].

فكرُ سيد قطب تحريضيّ ذو تأثيرٍ موجِع مزدوج، فهو من جهة يُغَذِّي المسلمَ بالنقمةِ والنفورِ الشديد والضجرِ من أهله ومجتمعه ووطنه بوصفه جاهليًّا، ومن جهة أخرى يُشْعِر المسلمَ بالخطيئةِ وعقدةِ الذنب المزمنة والسخطِ الإلهي إن لم يغيِّر الأهلَ والمجتمعَ على وفق معتقده ولو بالقوة، وإلا فمن الضروري أن يعتزلهم إن تعذّر عليه تغييرَهم.

الحاكميةُ أحدُ المقولات المركزية في فكر سيد قطب، وهو وإن كان استعارها من المودودي الذي تلقاها من ابن تيمية، إلا أنه أعاد صياغتَها بلغةٍ مدرسية ميسرة في موارد متنوعة من تفسيرِه ومؤلفاتِه، ولخّصها بقوله: «إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة»[31]. في ضوء الحاكمية يحدّد سيد قطب الموقفَ من المختلِف بقوله: «والذين لا يفردون الله بالحاكمية، في أي زمان وفي أي مكان، هم مشركون، لا يُخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله مجرد اعتقاد، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده»[32]. يشرح ما يعنيه بهذا الشرك: «إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداءً في تلقّي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، [لا عبادة الأصنام تقربًا واستشفاعًا إلى الله]، الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوامٌ يظنون أنهم مسلمون على دين محمد، كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين إبراهيم»[33]. شريعةُ الله على وفق ما تتحدّث عنه كتاباتُه تعني مقولاتِ علم الكلام المتشدّدة وبعضَ أحكام الفقه، ونادرًا ما يحضر في أعمال سيد قطب الإسلامُ بمضمونه الروحي والأخلاقي. يعترف حسن حنفي وهو يتحدّث عن «معالم في الطريق» بأن «‏الحاكمية هي الفكرة الرئيسية المسيطرة على الكتاب كله، وقد تم التركيز عليها بناءً على التجربة النفسية للسجن، ثم الرجوع إلى الوراء وأعاده قراءة كتاباته السابقة وانتقاء نصوص الحاكمية منها، مع أنها كانت موجودة متناثرة من قبل داخل أفكاره الاجتماعية والفلسفية، دون أن تكون بؤرة في تفكيره أو محورًا لتأملاته. كما حدث بعد ذلك وهو في السجن الثاني. لا تمثل هذه المرحلة إذا فكرًا واعيًا شعوريًّا، بل تمثل موقفًا لاشعوريًّا، بناءً على الظروف النفسية والاجتماعية التي عاشتْها جماعة الإخوان المسلمين، والتي عاشها الإمام الشهيد من خلالهم»[34]. بعد كلامه هذا عن مركزيةِ الحاكمية في فكر سيد قطب وانبثاقِها من اللاشعور على وفق رأيه، يعود حسن حنفي بعد عدة صفحات في كتابه هذا لينقض كلامَه السابق فيمجد فكرة الحاكمية، قائلًا: «‏ظهرت الحاكمية عند سيد قطب كإعلان تحرري للإنسان، فالحاكمية حركة انطلاق وتحرير وثورة وتغير. حركة إبداعية شاملة من أجل حرية الاعتقاد وحرية الاختيار… ‏لا يفرق هذا التحرير العام بين مسلم وذمي، بل الحاكمية تحرير للإنسان من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن عقيدته وجنسه»[35]. التهافتُ ليس حالةً شاذةً تختصّ بهذا الموضوع في كتابات حنفي، بل هي سمةٌ تطبع كتاباتِه، وذلك ليس غريبًا على فكرٍ زئبقي تلتقي فيه الأضدادُ، ‏فكر يقول الشيءَ ونقيضَه ‏في مناسبةٍ واحدة وموضوعٍ واحد. لم يمنع ذكاءُ حسن حنفي أن يجتمع الشيءُ ونقيضُه في كتاباته، وكأنه مسكونٌ بجمع الأضداد، وهذا ما نبّه عليه: فؤاد زكريا، وجورج طرابشي، ونصر حامد أبو زيد. يشكّك فؤاد زكريا بإمكانية قارئ كتابات حسن حنفي: «أن يظل محتفظًا بقواه العقلية سليمة، بعد أن يتراقص مع كاتبنا في حلقة المتناقضات الجنونية التي تدور فيها معالجته للموضوع»[36].

 

                                           – 7

                         استعمال التراث بما هو أوعية

يستعملُ د. حسن حنفي التراثَ بما هو أوعية يملؤها كما يشاء، بوصف التراث معتقدات وقيمًا وأحكامًا راسخة في وجدان المجتمع ويختزنها شعورُه الجمعي. تقرأ في كتاباته ما يدلّل على أنه تراثي وإن كان يحاول أن يظهر ضدّ منطق التراث ورؤيته للعالَم، تراه يتحدث بكلامٍ حداثي وإن كان التأملُ الدقيق بكتاباته يكشف بجلاءٍ أن حداثتَه ضدّ منطق الحداثة ورؤيتها للعالَم. طريقةُ تأويله للتراث غريبةٌ على التراث، يحاول باستمرار إخراجَ التراث من إطارِه التاريخي والفضاءِ الذي تكوّن فيه وسياقاتِه والرؤيةِ الكامنة فيه للعالَم.

يمتلكُ حنفي مهارةَ التوظيف البراغماتي للتراث، بنحوٍ يتخذ منه مرايا تنعكس عليها قناعاتُه، التراثُ في مراياه يتجلى يساريًّا اشتراكيًّا، ويساريًّا إسلاميًّا، وديمقراطيًّا ليبراليًّا. كلُّ مرة يحاول تحميلَه ما لا يتحمله، وتقويلَه ما لا يقوله، ويركّبُ عليه ما يتنكر له. متمرّسٌ في التقاطِ مقولاتِ المتكلمين وبخاصة المعتزلة، وبعضِ فتاوى الفقهاء، وآراءِ الفلاسفة، وشذراتِ المتصوفة، ويقوّلها ما يراه ضروريًّا لنهضة الأمة وتقدّمها اليوم، وكأن تلك المقولاتِ والآراء علبٌ تقبل كلَّ أيديولوجيا وقناعة، وإن كانت مفارقةً لها لا تشبهها بشيء. مقولاتُ المتكلمين ومعتقداتُهم وآراؤهم ليست أوعيةً مفرَغة من المضمون. التراثُ نمطُ وجودٍ ينتمي للماضي، التراثُ رؤىً للعالَم، التراثُ مناهجُ فهمٍ متنوعة، التراثُ أدواتُ نظرٍ مختلفة، التراثُ طرائقُ فهمٍ فلسفية وكلامية وأصولية وفقهية وقرآنية وحديثية وصوفية، يعبّر كلٌّ منها عن منطقِه الخاص للفهم ورؤيتِه للعالَم.

يشدد حنفي في مناسبات متنوعة على أهمية تراث المعتزلة وضرورة إيقاظ عقلانيتهم، لكن كتابه العمدة في تجديد علم الكلام «من العقيدة إلى الثورة» لا تنتمي مقدمتُه إلى نتائجه. ما تُعلِنه آمالُه وأمانيه وأحلامُه الرومانسية شيءٌ، وما ينتهي إليه في بحثه شيءٌ ليس من جنسها. مشروعه الذي يقومُ على إعادةِ بناء التراث لا تجد فيه ما يدلِّل على إعادةِ البناء، ولا تكتشفُ في جوهره عقلانيةَ المعتزلة، بل عند تفحُّصه بعمقٍ تجده يستبطن أشعريةً متنكرة. يصرّ على أنه ينطلق من التراث إلى الواقع، غير أن قراءتَه بتأمل دقيق، وتحليلَ بنيته العميقة، تكشف لك أنه يبدأ من التراث لينتهي بالتراث، وكأنه يستأنف شيئًا من الأحلام الطوباوية للدعوات الأصولية، على شاكلة تفكيره وأسلوب تعبيره، وبإيقاع شعاراته المثيرة للمشاعر. يقول د. جابر عصفور: (مشروع حسن حنفي عن التراث والتجديد، هو في حقيقته ضد مشروع تجديد التراث، فحنفي حين سافر إلى باريس لاستكمال دراساته العلمية، كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، وقد التقي هناك بمجموعة من الأساتذة المسيحيين المتأثرين والفاعلين في مشروع لاهوت التحرير المسيحي، وقد حاول استنساخ التجربة فيما يسمى بمشروع اليسار الإسلامي، وأصدر مجلة “اليسار الإسلامي” كمنفيستو لمشروعه الفلسفي، فحنفي يميل إلى المدرسة الظاهرية في قراءة النصوص الدينية والتراثية ليس معتزليًّا يقدم العقل، وإنما أشعريّ أصوليّ)[37].

يشدّد حنفي على أن التراثَ هو الشفاء لو عملنا على إعادةِ بنائه واستئنافِه مجدّدًا. التراث كما يرى يمكنه أن يتحدث لنا بلغةٍ تتكفل دواءَ كلِّ أمراض واقعنا وما نعجز عن معالجته اليوم. إعادةُ البناء التي يعمل عليها، تمثل أحيانًا تلفيقًا مبسَّطًا للتراث مع لغةِ الفلسفة الغربية، ومصطلحاتِ العلوم الإنسانية الحديثة، واللاهوتِ الجديد، والأيديولوجيات الجديدة، والنظمِ السياسية المعروفة اليوم.

يلتقي حسن حنفي وإسلامية المعرفة في التشديد على الهوية المحلية للمعرفة، والتوكيد على ضرورة إنتاج علوم ومعارف تعبر عن ذاكرتنا الحضارية وهويتنا وتراثنا. ليست هناك معرفة مكتفية بذاتها. أمنية حنفي ليست واقعية، إنها أمنية تعكس الحنين للماضي، وانغلاق الهوية على نفسها، والتنكر للتطور التكاملي في العلوم. دائمًا يتغلب المشترك العالمي على بصمة الهوية في التطور التكاملي للعلوم والمعارف، وتتكشف المشتركات كلما نضج العقل وتقدمت المعرفة واتسعت رأسيًّا وأفقيًّا.

إسلاميةُ المعرفة تصرّ على ثنائية ضدّية بين العلوم والمعارف الحديثة والهوية الدينية للمسلمين، وتشدّد على ضرورةِ استدعاءِ التراث وإعادةِ بناء علومٍ ذاتِ هوية دينية مشتقّة من الهوية الإسلامية. حسن حنفي أيضًا يشدّد على ثنائية ضدّية في تصنيفه للعلوم والمعارف والآداب والفنون، فيصنّفها إلى: الأصيل والدخيل، والوافد والموروث، ونظائرهما. هذه الثنائيةُ هي الأساسُ المشتقّة منه إسلاميةُ المعرفة، وهي الباعث للجهود والأموال المهدورة لما يقارب نصفَ قرن، التي بدّدَ فيها المعهدُ العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن وأشباهُه في الدول العربية والإسلامية أموالًا طائلة وطاقاتٍ كثيرة بمحاولات عبثية، لم تنتج حتى اليوم علومًا تجد لها طريقًا إلى الواقع. الأساسُ الذي تبتني عليه مثلُ ثنائيات هوية العلوم والمعارف: إما أن يكون جغرافيًا أو إثنيًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا، في حين تجهل أو تتجاهل تلك الثنائياتُ أن معيارَ قيمة أية معرفةٍ يتمثل في عقلانيتِها، وتعبيرِها عن الحقيقة، ومقدرتِها على الإسهام في إسعادِ الإنسان، وحمايةِ كرامته وحرياته وحقوقه بوصفه إنسانًا.

قراءةُ تاريخ العلم والمعرفة بعقلٍ أيديولوجي قراءةٌ ليست علمية، تاريخُ نشأة العلم والمعرفة وتطورُها يكذّب الادعاءَ بأن التراثَ يتكفل حلَّ مشكلات الواقع وتلبيةَ احتياجاته، ولو كانت هذه القضيةُ عمليةً لاستطعنا امتلاكَ العلوم والمعارف الحديثة منذ زمنٍ بعيد. العلومُ الصـرفة والطبيعية والتطبيقية مُشترَك بشـري كوني، ليست هناك رياضيات وفيزياء وكيمياء وطب وهندسة مسيحية، وأخرى إسلامية، وثالثة بوذية، ورابعة هندوسية.

لا تخلو الفلسفةُ وعلومُ الإنسان والمجتمع من بصمةٍ نسبية تطبعها البيئةُ والثقافةُ المحلية، غير أن تأثيرَها يظلُّ محدودًا، لا يلغي البعدَ الكوني فيها الذي يتمحور على الكشف عمّا هو كلّي مشترَك بين الناس، ويتناغم وطبيعةَ الإنسان ومتطلّباته الأساسية الواحدة التي لا تتخلّف ولا تختلف باختلاف البشـر، ولا تتنوّع بتنوّع ظروفِ عيشهم وأديانِهم وثقافاتِهم.

المنطقُ الأرسطي مثلاً، على الرغم من أنه وُلد في أثينا اليونانية، غير أنه كان وما زال يفرض حضورَه ومرجعيتَه في التفكير على العقل في الإسلام، ومازالت قواعدُ التفكير المرسومة منذ المعلّم الأول، والقوانينُ الكلية للفهم في منطقه متغلغلةً في علوم ومعارف الدين. خضع التفكيرُ الديني في الإسلام منذ عصـر الترجمة لمنطق المعلّم الأول، وتوالدت في إطارِ أشكالِ قياساته، وطرائقِ استدلالاته، وصورِ مقدّماته ونتائجه، مختلفُ علوم الدين، وكلُّ العلوم والمعارف لدينا. ومنذ ذلك العصـر كانت الفلسفةُ اليونانية أيضًا ينبوعًا استقتْ منه كلُّ مدارس التفكير الفلسفي في الإسلام.

منذ القرن التاسع عشـر ونحن نحاول أن نحيي التراثَ ونشتقّ ما يتطلبه الواقعُ من علوم ومعارف منه. بعد نحو مئتي عام، لا نحن أنتجنا العلمَ والمعرفةَ الخاصّين بنا، وتحرّرنا من علوم ومعارف الغرب الممقوتة عند أكثر أنصار تحيّز المعرفة وأسلمتها، ولا استطعنا أن نبرهن عمليًّا على صحة هذه الدعوة المكرّرة، فنبني مناهجَنا النابعة من ديننا وتراثنا وتفكيرنا الخاص. الغريب أن أكثرَ المشتغلين بالتراث مازالوا حتى اليوم يردِّدون هذا الكلامَ المبهم، الذي لم نصل فيه إلا إلى مزيدٍ من التخبط والضياع.

لا يبدأ التجديدُ بالتراث لينتهي بالتراث، كما يريد أكثرُ من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويرتدّ للتراث ليشتقّ منه حلولًا لمشكلات الواقع، كما يصوّر لنا ذلك حسن حنفي وأمثاله، وكأن التراثَ يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع؛ من دون اكتراثٍ بأن أكثرَ ما في التراث يتنكر له الواقعُ، كما برهن على ذلك إهدارُ قرنين من الزمن لم تنجز فيها هذه الدعواتُ أيةَ خطوة ٍعملية جادة تنعكس آثارُها على الواقع. التجديدُ هو إعادةُ التفكير بشكلٍ لا يكرّر التراثَ ويرسّخ حضورَه، ويجتهد في بناء مناهج وأدوات نظر حديثة لفهم الدين وإعادة قراءة نصوصه وتفحّص التراث وغربلته. التجديدُ يتحقّق عندما يتغيّر المجتمعُ كي يخرج من الماضي إلى الحاضر، ومن التمنَّيات والأحلام والأوهام إلى الواقع، ويتصالح مع الزمان والفضاء العالمي الذي يعيش فيه.

ظلَّ حنفي مغرمًا بإعادة بناء كلِّ حقول التراث بمعادلةٍ يغترب فيها التراثُ عن الواقع ويغترب فيها الواقعُ عن التراث. كان يحاول أن يركِّب الواقعَ على التراث والتراثَ على الواقع بشكلٍ غريب، وظل شغوفًا كلَّ حياته بمعادلةٍ طوباوية متهافتة، تعكس وفاءَه للهوية أكثر مما تكشف عن منطقٍ علمي. لا تنتج هذه المعادلةُ ما يرسِّخ أسسَ السلام المجتمعي والعيش المشترك، ولا تبني دولةً حديثة. الدولةُ الديمقراطية الحديثة لا يبنيها إلا عقلٌ يتخلّص من سطوة التراث، كي يستطيع أن يرى الواقعَ قبل أن يرى التراث، ويستفتي متغيرات الحياة قبل أن يستفتي التراث، ويتحدث لغةَ العصر وعلومَه ومعارفَه قبل أن يستعير لغةَ التراث. لا دولة ديمقراطية حديثة من دون تجديد مناهجِ ومقرراتِ وأساليبِ التربية والتعليم، وتجديدِ فهم الدين، وإعادةِ تعريف مهمته في حياة الفرد والجماعة، وتجديدِ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وإعادةِ بناء علم الكلام وتحريره ‏من مقولات الفرقة الناجية وأشباهها.

كي يحقِّق الدينُ وظيفتَه في حياتنا اليوم لابدَّ أن نفهمه بوصفه نظامًا لإنتاج ‏معنىً روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. ‏في ضوءِ هذا الفهم للدينِ ووظيفتِه ينبغي أن يبتني المنهجُ الذي نعتمده في تفسير القرآن والنصوص الدينية. ‏كلُّ ما هو خارج ذلك يستمدّه الإنسانُ مما يقوله العقلُ وإبداعاتُه في العلوم والمعارف، ومما أنجزه تراكمُ خبرات البشر ‏عبر عشرات الآلاف من السنين.

 

                                            – 8

                       الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث

تسارعتْ كتابةُ حسن حنفي في الربع الأخير من حياته، وتضخّم مشروعُه وتكدّست مجلداتُه، بنحوٍ يشعر معه القارئُ الذي واكب كتاباتِه بشغفٍ حنفي بالكمّ وتعلّقِه ببلوغ خاتمة مشروعه الموسوعي. كان وهو يكتب متعجِّلًا كمن يقرأ روايةً بوليسية يترقّب خاتمتَها بلهفة. وعد أن يغطّي مشروعُه كلَّ حقول التراث الواسعة، وبالفعل وفى بوعده أفقيًّا. لم يتورط في مثل هذا العمل الموسوعي مفكرٌ آخرُ غيرُه، لا من جيله، ولا أجيال أساتذته، ولا تلامذته. لا يمكن إنكارُ مواهبه الفذّة، ولا تكوينه الأكاديمي الرصين، ولا خبرته الممتازة في معرفة الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، ولا خبرته الأفقية والعمودية بالتراث، إلا أنه أراد أن يكونَ متكلِّمًا كأئمة الفرق، وفقيهًا كأئمة المذاهب، وأصوليًّا كالإمام الشافعي، ومفسّرًا كأعلام التفسير المعروفين، وعالِمًا بالرجال والحديث كأعلام المحدثين وعلماء الرجال والطبقات، وقبل كلِّ ذلك أراد أن يكون فيلسوفًا كالفارابي وابن سينا وابن رشد وملا صدرا. أظن أن ذلك يتعذّر على إنسان اليوم، مهما كانت عبقريتُه وتكوينُه العلمي ومواهبُه ومعارفُه وصبرُه ومثابرتُه. ضيّع حسن حنفي مواهبَه وطاقاتِه وصبرَه الطويل في متاهات التراث وكهوفه، ولبث في تلك المتاهات ولم يخرج منها بعد أن دفن فيها عقلَه وتكوينَه الأكاديمي الثمين وإمكاناتِه المعرفية. عاش فكرُ حسن حنفي مغترِبًا وسيلبث مغترِبًا، صوتُه لم يكن مألوفًا للكلّ، حاول أن يكونَ إسلاميًّا فتنكّر له الإسلاميون، مثلما حاول أن يكونَ علمانيًّا فتنكّر له العلمانيون.

البيان النظري للمشروع الذي أصدره كخارطة طريق عنوانه: «التراث والتجديد»، لكن مشروعه إحيائي لا تجديدي. الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث، الإحياء إعادة صياغة لفظية تستبدل كلمات بكلمات، وأحيانًا تنحت مصطلحات بديلة لتملأها بالمعاني التراثية ذاتها. الإحياء غير التجديد، التجديد يدرس البنيةَ العميقة لعلوم الدين، ويعمل على اكتشاف مناهجها ومنطقها الخاص ورؤيتها للعالم، ويستوعبها استيعابًا نقديًّا، ويتجاوزها ليجتهد في إنتاج علوم ومعارف الدين بمعطيات ومناهج وأدوات العلوم والمعارف الحديثة. دراسة التراث ضرورة تفرضها الكيفيةُ التي نريد أن نتحرّر بها من وصايته. تبدأ دراسةُ التراث بالكشف عن البنيةِ الأشعرية وغيرِها من مقولات المتكلمين المؤسّسة لرؤية المسلم للعالم في الماضي والحاضر، هذه الرؤيةُ الكلامية التي يستقي منها التفسيرُ والفقه والأخلاق وتصوّف الاستعباد.

كتب حسن حنفي مقدماتِه النظرية بلغةٍ أكثر تماسكًا وبمنهجٍ أكثر تنظيمًا ورصانة، غير أنه أخفق في تطبيقاته. ظهر مبكرًا أدقُّ نصوصه وأوضحُها وأكثرُها تماسكًا نظريًّا، في تقديمه المطول لترجمة «رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا. كان متمكنًا في ترجماته القليلة، لو لبث في هذا الميدان وراكم تجربتَه فيه لربما أنجز للمكتبة العربية ترجمةَ أثمن النصوص الفلسفية وأغناها قبل أن تشيع الترجمةُ أخيرًا. كان متمكنًا أيضًا في بناء الإطار النظري الصادر بعنوان: «التراث والتجديد» الذي كتبه بوصفه المانفيستو لمشروعه، وهكذا صاغ مقدماتِه النظرية لحقول مشروعه. غير أن محاولاتِه في إعادة بناء علوم الدين بالاغتراف من التراث عجزتْ عن الوفاء بوعودها، وأخفقتْ في تمثّل رؤيتِه النظرية وحضورِها. ضاعت في مشروعه المباني، ولم نرَ من الإطار النظري الذي يرسمه في مقدّماته إلا عنواناتِ الكتب والفصول والمباحث، انشغل بالشعارات من دون أن نقرأ في كتاباته إعادةَ بناءٍ أو تجديدًا ينعكس على البنية التحتية لعلوم الدين. إعادة بناء حقول التراث في أعماله تركز على محتويات المدونات التراثية، وتقدّم مستخلصات عاجلة للعنوانات الأساسية والفرعية في مدونات التراث المرجعية، وأحيانًا باستبدال العنوانات بجملٍ مباشرة كأنها شعارات جماهيرية. انشغل أخيرًا في تلخيصٍ متعجَّل لهذه المدونات، تلخيصاته تفتقر لتحليلِ وتفكيكِ النسيج المعرفي الداخلي لمكونات التراث. أخفق في التفكيك مثلما أخفق في إعادة البناء والتركيب. لبث يتغنى بأحلامه، ظلّ مولعًا بصياغة شعارات كأنها لافتات تعبوية، وأسرف في تكرارٍ مملّ لشعاراته ذاتها، ظل ملازمًا لها ولم يغادرها إلى محطة أرحب أفقًا حتى نهاية حياته. مَنْ يقرأ كتاباتِه بتدبّر يراها تبدأ من التراث وتنتهي بما يتمناه على التراث.

لم يتوقف حسنُ حنفي عند حدود إعادة بناء التراث، بل أوقعَ الفكرَ العربي في عدة التباسات ضبابية عندما حاول أن يدرسَ الغربَ وحضارته ومعارفه، واحدة منها الادعاءُ بتأسيس: «علم الاستغراب» الذي يدرسُ فيه الشرقُ الغربَ كما درسَ الغربُ الشرقَ في “الاستشراق”. ذاع صيتُ عنوان «علم الاستغراب» وأضحى موضةً ثقافية، بعد أن نسخ عنوانَه بعضُ الذين يكتبون بلا تكوينٍ علمي رصين، ومن دون تدبرٍ عميق وتفكيرٍ صبور، فعملوا ضجة إصدارات، تكدّست فيها ألفاظٌ فوق ألفاظ بلا مضمونٍ معرفي دقيق، وكلماتٌ يمكن أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول الشيءَ الذي يبحث عنه القراء.

لافتة «علم الاستغراب» أغوت المسكونين بالتفسير التآمُرِيّ لنشأة العلوم والمعارف الحديثة، ممن يعتقدون أن حضورَها في مدارسنا وجامعاتنا وثقافتنا أحدُ أدوات شباك الإمبريالية للهيمنة على العالم، وهذا الكلام تلتقي منه كتاباتٌ يسارية وقومية وأصولية. أشغلنا «علم الاستغراب» بشعاراتٍ فضفاضة وأحلامٍ غريبة، ترسم خارطةً ذهبية لمستقبل الوعي والتنمية العلمية في بلادنا، خارطة افتراضية تضع مسارَ الحضارة الإسلامية في ثلاث مراحل، كلُّ مرحلة سبعة قرون. السبعة الأولى: مرحلة النهوض والازدهار تبدأ بالقرن الأول للهجرة لتنتهي في السابع، الثانية: مرحلة الانحطاط تبدأ بالقرن الثامن وتنتهي في الرابع عشر الهجري، الثالثة: مرحلة النهضة الحضارية الجديدة تبدأ بالقرن الخامس عشر الهجري وتظلّ تتواصل وتتكرّس سبعة قرون. يتراكم فيها -كما يتنبأ حسن حنفي – تقدّمٌ على تقدم، وابتكاراتٌ مبهرة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وبناءُ الدولة المثالية، والتنميةُ الشاملة. إنها المرحلةُ التي يولِّد فيها الإنسانُ المسلم علومَه الخاصة ويستغني عن علوم الآخر ومعارفه. القارئ الذكي يجد هذه السباعيةَ محاكيةً في قالبها للمادية التاريخية شكليًّا، وإن كانت عاجزةً عن البناء النظري للماديةِ التاريخية واشتقاقِها من الرؤية الفلسفية العميقة للمادية الديالكتيكية، بغضّ النظر عن رفضنا للرؤية الفلسفية المادية.

لا معرفةَ مكتفية بذاتها، لا ثقافةَ مكتفية بذاتها، لا حضارةَ حيّة مكتفية بذاتها. كلُّ حضارة حيّة مركب تنصهر فيه عصارةُ حضارات. الحضارة لا تزدهر إلا بولادة تفاعل خلّاق للخبرات الإنسانية العالمية المشتركة، تلتقي هذه الخبراتُ بمركب أكثف لتنتج أثمنَ ما ابتكره وأنجزه الإنسانُ في تطوره الحضاري. موكب الحضارات عالميّ في الوقت الذي هو محلي، ومحلي في الوقت الذي هو عالمي. التكنولوجيا، والعلوم الطبيعية والعلوم الصرفة كونية، العلوم الإنسانية الكوني فيها أكبر بكثير من المحليّ، وإن كانت لا تخلو من بصمةِ ذات العالِم وثقافته وهويته. حين تنغلق الحضارةُ على نفسها تدخل مسارَ انحطاطها وموتها واندثارها. يقول حسن حنفي: «عندما كتبت “موقفنا من التراث الغربي” في يناير 1971، أحدد فيه معالم الاستغراب، رد عليه فؤاد زكريا في نفس العدد بمقال: “دفاع عن الثقافة العالمية”. في حين أنه في ندوة المجلس الأعلى للثقافة عن الكتاب “مقدمة في علم الاستغراب” أتى مهاجمًا إياه مبينًا استحالته. لم يكن من المناقشين، ولكنه حضر خصيصًا، وتكلم من القاعة مع الحضور»[38].

شغلنا حسن حنفي بترويج مصطلح الاستغراب، الذي يدعونا لضرورة الاستغناء عن تفسير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وغيرها على وفق معطيات العلوم والمعارف الحديثة. لافتة الاستغراب ترفض علومَ الفهم والتفسير، ومعطياتِ العلوم المتنوعة في تفسير السلوك الفردي والمجتمعي، وتشدّد على العودةِ إلى التراث والانطلاقِ منه لبناء علومنا المحلية في ضوء هويتنا وذاكرتنا وحضارتنا. استغناء المفكر اليوم عن الثقافة العالمية ومشترَكات الوعي البشري غير ممكن. عجز حنفي نفسه عن الاستغناء عن المعرفة الغربية. استيعابُه للمعرفة الحديثة واسع، وتوظيفُه للغتها ومصطلحاتها وأدواتها كبير، كلُّ مَن قرأ أعمالَه يرى ذلك بوضوح.

الواقع يكذّب فرضيةَ الشروع بالنهضة الجديدة لعالمنا مطلع القرن الخامس عشر الهجري، على وفق مرحلة القرون السبعة الثالثة. الإنسان اليوم يختنق بالواقع المزري للحقوق والحريات في دولنا الهشة، وهكذا تندثر بالتدريج القيمُ الأخلاقية والإنسانية المشترَكة في مجتمعاتنا، وتتفجر هوياتٌ طائفية مخيفة تمزّق مجتماتنا. بلادنا ودولنا في القرن العشرين الميلادي أصلب منها اليوم، وهكذا كان حال مجتمعاتنا ذلك الزمان. نتمنى أن تحدث المعجزةُ وتتحقّق بشرى حنفي.

يسود دعوةَ الاستغراب إفراطٌ في توهم الاستغناء عن الآخر، وإفراطٌ في التفاؤل بمستقبلٍ مجيد لعالم الإسلام في القرون السبعة القادمة. وبدلًا من التدليلِ على ذلك منطقيًّا يكدّس صاحبُها شعاراتٍ ويحشد عباراتٍ تهيّج مشاعرَ القراء الذين يقرؤون بلا تأمل، ويكرّرها بلغةٍ تثير الوجدانَ وتشحذ العواطفَ وتستفزّ الضميرَ وتستنهض الهوية. يخيل إليك وأنت تقرؤه كأنك تقرأ مدونةَ أحدِ الكتاب الأصوليين المتشدّدين، أو أحدِ مشاهير المنجمين المولعين بالتفاؤل. يصف علي حرب ذلك بقوله: «إنها إمبريالية الكلمات والمقولات نحاول فرضها على الواقع، كما يمارسها المثقف الرسولي الداعي إلى الثورة أو القائم بحراسة الهوية والذاكرة. هذا ما فعله حسن حنفي في كتابه حول الاستغراب، خصوصًا في المقدمة والخاتمة، حيث تصرف في تحليله لوقائع العصر كأنه “سيد الحقيقة مالك الوقت”، إلى حد جعله يجزم بأن الحضارة الغربية ستدخل لا محالة في طور من الانحطاط يستغرق سبعة قرون، وأن حضارتنا ستدخل في المقابل في نهضة ستستمر هي الأخرى سبعة قرون . . . ويُخشى أن ينطوي هذا التحليل بل التقدير على وهم كبير، على افتئات على الواقع والتاريخ، ثمرته إما الإحباط واليأس المفضي إلى الدمار الذاتي، وإما افتعال الأشياء وترجمة المقولات على الأرض عنفًا وإرهابًا»[39].

 

                                                 –9

                        نسيان الله في تفسير حسن حنفي

القرآنُ الكريم هو المنبعُ المُلهِم الذي نشأتْ في فضائه علومُ الدين، واستقتْ منه معارفُ التراث. لم نجد أحدًا من المفسِّرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمتصوفة وحتى الفلاسفة في الإسلام يتجاهل الدلالاتِ الميتافيزيقيةَ لعالَم الغيب في القرآن. تبدأ سورةُ البقرة، وهي أولُ سورةٍ بعد الفاتحة في القرآن بالحديث عن الغيب: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»[40]. الإيمانُ بالله هو إيمانُ بالغيب، الله هو «الغيب المطلق»، و«غيب الغيوب» كما يرى العرفاء. «نسيانُ الله» الذي يهيمن حضورُه على القرآن الكريم، والادِّعاءُ بأن «الله هو التاريخ»[41]، محاولةٌ غريبةٌ تورطت فيها كتاباتُ حسن حنفي. القرآنُ يشدّد على الصلة الوجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة. مفهومُ الإنسانية في كتابات حنفي يفرِّغُ عالَم الغيب من الدلالات الميتافيزيقية، ويتجاهل المعنى الغيبيَّ لله ويستبدله حيثما ورد بالإنسانِ وشؤونِه وأحوالِه.

في مجلدٍ كبير للتفسير، أصدره حسن حنفي في السنوات الأخيرة من حياته، يتجاوز 1500 صفحة، يمثّل أحدَ الحلقات الأخيرة لمشروعه، يتحدث عن: الإنسانِ، والواقعِ، والتغييرِ الاجتماعي، والنضال، وحقوقِ الإنسان، والمجتمعِ ومؤسساته، والدولةِ ومؤسساتها، والسلطةِ والحكومة، وكلِّ شيء يتصل بالإنسان و«عالَم الشهادة»، غير أنه ينسى «عالَم الغيب» الذي يفرض هيمنتَه بوضوحٍ في القرآن، بشكل يتنبه إليه كلُّ مَن يستمعُ إلى صوتِ الله ونداءِ الغيب من آياته، فإذا أورد حنفي آياتِ الغيب في سياقِ تفسيره أو أعمالِه الأخرى، فإنه يعمد إلى تأويلها بلغةٍ لا نقرأ فيها للغيب أثرًا. لا نترقب من حنفي أن يغرقَ في تفسير باطني للغيب، أو يرسمَ جغرافيا متخيَّلة له، ولا نريد منه أن يحشدَ في تفسيره لوحاتٍ وصورًا ذهنية لعوالم الربوبية، كما أسرفتْ في ذلك الاتجاهاتُ الباطنية والتفسيرُ الإشاري لأكثر المتصوفة والفرق المغالية، لكن لا يمكن قبولُ هذا النوع من إهدار الغيبِ في القرآن والتنكُّر لحضوره المدهش. اختلت المعادلةُ القرآنية على وفق المنطق الأيديولوجي للتفسير عند حسن حنفي، فحجبَ فيها الإنسانُ حضورَ الله، وأخفى عالَمُ الشهادة عالَمَ الغيب. يحضر في اللغة القرآنية اللهُ بتجلياته وأسمائه وصفاته، مثلما يحضر فيها الإنسانُ بوصفه خليفةً لله.

الغيبُ حاضرٌ في القرآن الكريم بكثافةٍ، غائبٌ في كتابات حسن حنفي بشكلٍ يثير الحيرة. يمارس حسن حنفي عمليةَ إكراهٍ لدلالات آيات الغيب في القرآن، فيحيل ما هو سماوي إلى أرضي، ويفسّر ما وراء المادة بالمادي، وما هو ميتافيزيقي بالدنيوي، ويصرّ على دلالات اجتماعية وسياسية لهذه الآيات لا يشي بها مضمونُها. يغيب الغيبُ في كتاباته، وكأن القرآنَ الكريم عندما يتحدث بكثافةٍ عن الله بوصفه «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[42] لم يقرأه حنفي.

القرآنُ يركزُ على الغيب بشكلٍ مدهش؛ لا تجد سورةً في القرآن حتى القصار تنسى الغيبَ أو لا يحضر فيها اللهُ وأسماؤه وصفاته. يعمل حنفي على تفريغِ القرآن من دلالاته الغيبية، كأنَّ آياتِ الغيب في القرآن تتحدث عن النضال والكفاح والصراع الطبقي، ولا صلةَ لها بمضمونِها الميتافيزيقي.

لا يكترث حنفي أيضًا بالحياة الروحية في القرآن، وكأن القرآنَ كتابٌ يمكن أن يتحدّث عن كلِّ شيء إلا الله وتوحيده وعبادته. القرآنُ كتابٌ محوره الأساسي التوحيد، وغرضُه رسمُ خارطةٍ لبناء صلةٍ وجودية يقظة للإنسان بالله. قلّما يحضر اللهُ في تفسير حنفي بوصفه إلهَ النور والمحبة والجمال الذي أضاء نورُه كلَّ شيء، كما ترسم صورتَه آياتُ القرآن: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… نورٌ عَلَىٰ نُورٍ»[43]، وردت كلمةُ نور في القرآن 45 مرة، كلُّها بصيغة الاسم. حتى في دراسته للتصوف التي أصدرها في مجلدين ضخمين، بعنوان: «من الفناء إلى البقاء»، لا يحضر فيها اللهُ وعالَمُ الغيب، ولم تحضر الخبرةُ الروحية للعرفاء واستبصاراتُهم المضيئةُ في الكشف عن أسرار لغة القلب، كان حنفي يحاول أن يستنطق القلبَ بلغةِ الرفضِ والكفاح والثورة.

تأثر حسن حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي وُلد سنة 1929 وقُتل مناضلًا وهو يقود عملا مسلحا سنة 1966. لاهوتُ التحرير أيديولوجيا توريس الثورية، وهو رؤيةٌ تختلط فيها المسيحيةُ والماركسية بمركبٍ تتنافر داخله رؤيتان متضادتان أنطولوجيًّا. وهكذا كان القرآنُ عند حسن حنفي مانفستو للثورة، ‏وكأنه نسخةٌ بديلةٌ لـ«البيان الشيوعي» لماركس وإنجلز.

تجتمع في شخصية حسن حنفي ‏الموهبةُ، والذهنيةُ المراوِغة، والإرادةُ العنيدة. ‏تجسدتْ صورةُ الله في ضميرِه بشخصيةِ المناضل في الأرض دون سواه. كان ‏مُنْحَازًا لكلِّ ثورةٍ وانتفاضةٍ ورفضٍ، بغضِّ النظر عن هويةِ هذا الرفضِ الأيديولوجية وأهدافِه ووسائلِ تنفيذه وموطنِه. حسن حنفي لم يُعرَف عنه أنه اشترك يومًا من حياته الطويلة في أية ثورةٍ أو حركةِ مقاوَمة، كان بارعًا بصياغةِ شعارات الثورة وتحريضِ الشباب على الموت، وهو قابعٌ ببيته وجامعته بعيدًا عن الميدان، وظلَّ يحتمي بمراوغاته اللفظية من السلطة، فلم يكن يومًا من ضحايا السجن والتعذيب، كما هو مصيرُ المعارضين أمس واليوم، على الرغم من أنه عاصر أنظمة عبد الناصر والسادات ومبارك ومرسي والسيسي. ‏حسن حنفي وأمثاله يعلّمون المتدين كيف يموت ولا يعلّمونه كيف يعيش. ‏في كلِّ كتاباته عن الدين يتقن حنفي فنَّ تحريض الناس على التديّن بدين الحرب، وقلما تراه يعلّمهم كيف يتدينون بدين السلام. يحرّضهم على اتخاذ الأيديولوجيا دينًا، ولا يهتم بالتديّن الأخلاقي الذي يرسخ أسس العيش المشترك في إطار التنوع والاختلاف. ‏

كنت ضيفًا في منزله بالقاهرة أيام ثورة يناير 2011 فكان متحمّسًا جدًا للثورة قبل انتصارها. أخبرني الصديقُ المرحوم علي مبروك أنه كان يمكث كلَّ ليلةٍ مع الثوار في ميدان التحرير، ولم أسمع بحضور حسن حنفي هناك. بعد الانتصارِ واستيلاءِ الإخوان المسلمين على الحكم، لم أقرأ له شيئًا حول إخفاقات حكومتهم، ولم أقرأ له مراجعةً نقديةً لتجربتهم في السلطة. كنت أتابع ما ينشره أسبوعيًا في صحيفة الاتحاد الإماراتية، ‏وما تنشره له بعضُ الصحف المصرية.

لا يرى حسن حنفي في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجودي تتسامى فيه، ولا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه في عالمِه الأرضي. تنبهتُ مبكرًا إلى إنهاكِ كتابات حسن حنفي وأمثالِه للدينِ بتفريغه من مضمونه الميتافيزيقي، وتجاهلِه للأبعاد الغيبية في التوحيد، وانشغالِه بالإنسان بمعزلٍ عن الله. منطقُ فهم الدين والمقدّس غيرُ منطق فهم العلوم الطبيعية، كما ان منطقَ فهم الأدب والفن مختلفٌ عن منطق فهم العلوم الطبيعية. الاختلافُ في الهوية الوجودية يعني الاختلافَ في منطق الفهم وكيفية اكتشاف الأبعاد والتجليات والتمثلات. لغةُ الغيب مُشبَعةٌ بأنطولوجيا ميتافيزيقية، لغةُ الغيب القرآنية رمزيةٌ بوصفها مرآةً لصوت الوحي. تجاهلُ الغيب في القرآن يعني تجاهلَ حضور الله وأسمائه وصفاتِه وأفعاله المتسيّدة في القرآن.

القرآنُ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، عند العودةِ إليه والنظرِ فيه بتدبّرٍ نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه ماثلًا بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر غير القرآن في الأديان. ورد ذكرُ اسمِ «الله» 2699 مرّة في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة «رب» 124 مرّة. لم يشأ حسن حنفي أن يتدبّر الحضورَ المكثّفَ لله في القرآن، وما يحيل إليه هذا الحضورُ من دلالاتٍ روحية لا تنضب، تنفيها قراءتُه اللاغيبية لآيات الغيب.

الكثافةُ اللافتةُ لحضورِ الله وأسمائِه وصفاتِه المتنوّعةِ تدلّل بوضوحٍ على أن القرآنَ يشدّد على الإيمانِ بالله والتوحيد، ويجعله حجرَ الزاوية في بناء الحياة الدينية في الإسلام، ويؤشر إلى وصلِ نظام القيم في الحياة الفردية والمجتمعية بالله، بالمعنى الذي يصير فيه الإنسانُ مسؤولًا أمام الله، والإيمانُ بالله منبعًا مُلهِمًا للحق والعدل والخير والسلام والمحبة والجمال في العالَم. وتظهر القيمةُ العظمى للإيمان في تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي. هذا الاغترابُ يُفضي إلى استلابِ ذات الإنسان، لأنه اغترابٌ لكينونة هذا الكائن عن وجودها، ومن هذا الاغتراب يحدث القلقُ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقدُ الإنسانُ ذاتَه يمسي عُرْضَةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظِّي، وربما يتردّى إلى حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية[44].

نفهمُ من هذه الكثافةِ لحضور الله في القرآن أن هدفَ القرآن يتلخصُ في أن يكونَ اللهُ هو المعبودُ فقط، لا معبودَ سواه، وإن كان ذلك المعبودُ نبيًّا أو صحابيًّا أو وليًّا أو شيخًا أو حاكمًا، أو أيَّ إنسانٍ مهما كان، ومهما كانت مواهبُه وصفاتُه ومكانتُه الدينية والاجتماعية والعلمية. القرآنُ يريدُ تحريرَ الإنسان من كلِّ أشكال العبوديات، ولذلك أصرَّ على محوِ الوثنية بكلِّ أنماطها، وعملَ على خلاصِ المسلم من كلِّ ألوانها، سواء كانت وثنيةَ أحجارٍ أو أشياء أو أفكار أو بشر. اهتمَّ القرآنُ بالقضاء على وثنية البشر خاصة، لذلك تحدّثَ عن أمثلةٍ لأفراد ومجتمعات كانوا ضحيةَ توثين البشر، وذكرَ المتاهاتِ المظلمة التي غرقت فيها حياتُهم، وإنما اهتمَ القرآنُ بها لأنها أشدُّ أنماطِ الوثنية التباسًا، وأكثرُها أقنعةً وحُجُبًا، وأخطرُها على الوعي والروح والضمير. وثنيةُ الحجر منحطةٌ مفضوحة، وقد كانت متفشيةً في الحياة الدينية للعرب عصرَ البعثة النبوية الشريفة، فنزلَ القرآنُ لأجلِ تحرير الإنسان منها ومن غيرها، لكن المؤسفَ أن توثينَ البشر ظهر بالتدريج بعد البعثة في الحياة الدينية عند كثيرٍ من المسلمين، فصارَ في عصورٍ لاحقة جيلٌ بكلِّ أفراده كجيل الصحابة مقدّسًا، لا تجوزُ دراسةُ حياته وتجربته وممارساته ومواقفه بمناهج علم التاريخ، ولا يصحّ الكشفُ عن أخطائهم وخطاياهم وموبقاتهم مهما كانت، على الرغم من أن الصحابةَ تقاتلوا في أكثر من معركة شرسة قُتِلَ فيها عددٌ ليس قليلًا منهم، وقضى ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين الأربعة بالسيف.

تقديسُ البشر والإعلاءُ من مقامهم بما يفوق بشريتَهم ضربٌ من التوثينِ واتخاذِ الأرباب من دون الله. توثينُ البشر ظاهرةٌ نجدها في كلّ الأديان، وقد استنكرها القرآنُ بقوله: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»[45].

تتبدّل أقنعةُ الأوثان وتختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأديان والمجتمعات والأفراد غير أن جوهرَها يظلّ واحدًا. لا تختصّ الأوثانُ بما هو مصنوعٌ من الحجر أو الخشب أو الحديد أو الأشياء المادية؛ الوثنُ كلُّ ما يُعبَد، الوثنُ كلُّ ما يلبث معه الإنسانُ فقيرًا في وجوده، ويكون وجودُه مغترِبًا عن الله، لذلك تصير أحيانًا ديانةٌ أو مذهبٌ أو عقيدةٌ أو فكرةٌ أو أيديولوجيا وثنًا، أو قد تتحوّل كلمةٌ أو شعارٌ أو كتابٌ إلى وثنٍ، أو يصبح زعيمٌ سياسي أو عسكريٌّ أو روحيٌّ وثنًا، وربما تمسي سلطةٌ أو حزبٌ أو جماعةٌ أو طائفةٌ أو قوميّةٌ أو قبيلةٌ أو عائلةٌ وثنًا، أو يغدو طقسٌ أو عبادةٌ أو شعيرةٌ وثنًا.

على الرغم من كثافةِ حضور الله في القرآن، إلا أننا وصلنا مرحلةً نجدُ فيها «إسلامًا ينسى الله»، إذ غابَ اللهُ بمرور الزمن عند كثيرين عن الحياة الدينية باحتلالِ بشرٍ مقامَه، وعندما يحتلّ البشرُ مقامَ الله يحتجبُ اللهُ عن الكلّ، من ينسى اللهَ ينسى نفسَه: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ»[46].

أكثرُ المفكرين العرب الذين اتخذوا القرآنَ محورًا لمشاريعهم الفكرية أهدروا الميتافيزيقا القرآنيةَ ولم يكترثوا بالغيب، حتى لو تناولوا آياتِ الغيب فإنهم يحاولون أن يلتمسوا لها تأويلًا ينزعُ عنها محتواها الميتافيزيقي. أحيانًا يعمدون إلى توظيف مناهجِ استكشاف الطبيعة في التعرّف على ما وراء الطبيعة. القرآنُ يتحدّث عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ آيات الغيب تأويلًا بمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الآياتُ التي تتحدثُ عن الظواهر الطبيعة يمكنُ فهمها في ضوء قوانين الطبيعة، ولا يمكنُ أن تُفهمَ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة كما تُفهمُ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الطبيعة. لدى المفسّر نوعان من اللغة، الأولى تتحدثُ عن قوانين وظواهر وكائنات وأشياء الطبيعة، الثانية تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة، لكلٍّ منهما مفتاحٌ للفهم والتفسير، ما يمكنُ توظيفه في تفسير الأولى لا يمكن توظيفه في تفسير الثانية.

الهوامش:

[1] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 82، 2018، القاهرة.

[2] المصدر السابق، 82.

[3] المصدر السابق، 144.

[4] المصدر السابق، 148.

[5] د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، ج1، ص 40 – 41، 1988، دار التنوير، بيروت.

[6] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 59 – 60، 2018، القاهرة.

[7] المصدر السابق، ص 213.

[8] نفس المصدر، ص 217 – 219.

[9] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 300 – 302، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[10] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانية، الفصل السادس في هذا الكتاب يتضمن ورقة الندوة بعنوان: “اختزال الدِّين في الأيديولوجيا: لاهوت التَّحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي”.

[11] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 320، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[12] المصدر السابق، ص 296 – 297.

[13] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 302 – 303.

[14] حنفي، حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 293 – 294، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[15] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[16] سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص: 4122.

[17] سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص:2009.

[18] سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. القاهرة. ص101-103.

[19] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص323.

[20] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 329-331.

[21] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[22] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 45 – 47.

[23] المصدر السابق، ص 168.

[24] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 324.

[25] هاشمي، محمد، سيد قطب بين لغة الشعر ولغة الشرع: نحو فهم مغاير، مجلة أواصر، ع 3 “2018”.

[26] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج 5: ص 219.

[27] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 169. يكرر حنفي هذه الفرضية في موارد متعددة من كتاباته، لاحظ ص 257 من هذا الكتاب.

[28]  قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 88، مكتبة وهبة، القاهرة.

[29] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 4: ص 2122.

[30] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج3: ص 1816.

[31] قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 43، دار الشروق، القاهرة.

[32] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 2: ص 1492.

[33] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 3: ص 1492.

[34] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 256 – 257.

[35] المصدر نفسه، ص 290.

[36] زكريا، فؤاد، مستقبل الأصولية الإسلامية: بحث نقدي في ضوء دراسة للدكتور حسن حنفي، مجلة فكر، ع 4 “ديسمبر 1984”.

[37] محمد عبد الرحيم، رحيل المفكر المصري حسن حنفي… المأزق بين اليسار والأصولية، جريدة القدس العربي “لندن”، الصادرة في 22 أكتوبر 2021.

[38] د. محمود محمد علي، شهادة المفكر حسن حنفي في حق فؤاد زكريا، ص 15.

[39] حرب، علي، نقد النص، ص 59، 2005، المركز الثقافي العربي، بيروت.

[40] البقرة، 3.

[41] حنفي، حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، ص 223، 1982، دار التنوير، بيروت.

[42] الشورى، 11.

[43] النور، 35.

[44] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 221، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، ودار الرافدين، بيروت.

[45] التوبة، 31.

[46] التوبة، 67.

 

رابط النشر:

محمد أبو القاسم حاج حمد: مثال للاجتهاد في السودان

محمد أبو القاسم حاج حمد: مثال للاجتهاد في السودان

 

د. عبد الجبار الرفاعي

السودان بلد أنهكته الحروب الأهلية، والفقر، وفشلت حكوماته المتعاقبة في استغلال ثرواته الطبيعية، واستثمار أرضه ومياهه، في تأمين سلة حبوب ومحصولات زراعية تؤمن حاجاته الغذائية، وحاجات بلدان أخرى، لكن السودان ليست فقيرة عقليا، مثلما هي فقيرة اقتصاديا.

ابتكر التفكير الديني في السودان لنفسه مسارا نقديا اجتهاديا، تجاوز فيه تقليد أفكار ومواقف الجماعة الاسلامية في باكستان، أو الاخوان المسلمين في مصر، أو حزب التحرير في القدس.كذلك لم يستنسخ المفكر المسلم في السودان أدبيات تلك الجماعات، وانما حاول ان يتأمل الدين في فضاء بيئته المحلية، ويخلص الى رؤى ومقولات يتجاوز فيها اسلوب التعليقات والشروح والتوضيحات، التي تحيل على مرجعيات مستعارة من مفاهيم: “الحاكمية الإلهية، جاهلية القرن العشرين، الهجرة، العزلة الشعورية…”، وغير ذلك من أحكام لاهوتية وقيمية، عمّمها جماعة من منظّري الإسلام السياسي، منذ منتصف القرن الماضي على المجتمعات المسلمة، مثل: أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وتقي الدين النبهاني…، حتى الاخوان المسلمون في السودان، لا تخلو مواقفهم من واقعيته، بعد تلوّن تفكيرهم بتجربتهم المحلية، فقد وصفوا حركتهم بـ “الجبهة الإسلامية القومية” حسب تسميتهم. وهو توصيف يشي بعبورهم الترسيمات المغلقة للعقل الاخواني الأممي الرومانسي، الذي توقف عند سيد قطب، ولم يشأ عبوره حتى بعد هيمنتهم على السلطة، وتنصيب محمد مرسي رئيسا لمصر.

اجتهد حسن الترابي في سياق اسلامي سوداني، فأنجز مراجعات نقدية لأدبيات الاخوان، وحاول أن يصوغ منظورا بديلا للحركة الاسلامية في السودان. المؤسف ان اجتهاد حسن الترابي كان ضحية مراوغته ومكره السياسي، وتهافته الرخيص على السلطة، إلى أن ورط السودان بحكومة إسلام سياسي يقوده عسكري متخبط هو البشير، الذي أنهكت سلطته السودان.

بقطع النظر عن موقفنا الناقد لآرائه وسلوكه السياسي، لكن نود أن ننبه الى أن التأويل المختلف للنصوص الدينية، ونمط الفهم المتميز لسياق الاجتماع الاسلامي السوداني، الذي نعثر على شيء من سماته في كتابات الترابي، بوسعنا التعرف على ملامحه، وصيغته المغايرة، وتأويله الخاص، في آثار محمود محمد طه، ومحمد أبو القاسم حاج حمد. ذلك التأويل الذي قاد محمود طه الى حبل المشنقة، بعمر ستة وسبعين عاما، بعد الحكم عليه بالارتداد، وامتناعه عن الاعتذار من معتقداته، عندما خيّره القاضي بين التوبة والإعدام، فاختار الذهاب الى الإعدام، لاعتقاده بصواب اجتهاده.

ما زال محمود طه غير معروف خارج السودان، إلا بحدود ضيقة جدا، مع ان فكره “الخلافي، الإشكالي، الخارج على الأنساق اللاهوتية والفقهية المعروفة”، يتطلب الكثير من المراجعة والتحليل والغربلة والنقد، والمقارنة مع آراء مفكري الإسلام في هذا العصر، واكتشاف الأطر الاجتماعية لتفكيره، ومنابع إلهامه، ومنهجه في استيعاب ودمج عناصر تنتمي الى مرجعيات مختلفة، مثل: تراث المتصوفة، وشرعة الحقوق والحريات، والعدالة الاجتماعية الحديثة، وتلوين النص القرآني بواسطتها.

أما محمد أبو القاسم حاج حمد فهو الأوضح تعبيرا عن السياقات الدينية الثقافية للاجتماع السوداني، إن من حيث استلهامه لميراث ابن عربي والمتصوفة، أو عبوره للنفق الذي غرق فيه منظرو الجماعات الإسلامية، وعدم سقوطه في الفوبيا المعرفية من العلوم والمعارف التي أقعدتهم عن التعاطي مع المكاسب الحديثة والراهنة للمعرفة الغربية. استطاع حاج حمد أن يتغلب على كل هذه الحساسيات، ويستوعب معطيات المعارف والعلوم الإنسانية، ويصوغ رؤيته للنصوص والتراث والواقع في ضوئها.

لم يعبأ حاج حمد كثيرا بأدبيات الجماعات الإسلامية ومفاهيمها، ولم يرضخ لأفق انتظارها في التفسير، ولم ينخرط في همومها الآنية في الصراع مع الأنظمة على استلام السلطة، واختصار كل شيء في الاسلام في أيديولوجيا تعبوية نضالية. وهكذا تحرر من مواقفها المناهضة للميراث العقلي والروحي والأخلاقي في الإسلام، واشتق لنفسه نهجا ينفتح على عناصر متنوعة من المحرمات المعرفية، حسب آراء وفتاوى بعض الفقهاء.

أشاد حاج حمد مرتكزات “نظام معرفي قرآني”، تبعا لما انتهت اليه تأويلاته لآيات القرآن الكريم، وظل على الدوام في تفكيره مفارقا للسائد، وجسورا في عبور مقولات الإسلام السياسي، فلم يتحدث عن دولة دينية، أو “حاكمية إلهية”، ولم يدعُ الى تطبيق الحدود والقصاص والديات. بل تحدث عن “دولة علمانية ومجتمع مسلم”، وميّز بين “الحاكمية الإلهية المباشرة”، و”حاكمية الكتاب”، اعتبر الأولى ترتبط بالتدخل الإلهي المباشر، أي ما يمكن التعبير عنه بـ “الولاية التكوينية”، وهي تختص بالتدخل الإلهي في عصر النبي موسى، ولا علاقة لها بنمط الحكم في الإسلام. وهكذا قدّم تأويلا بديلا لمفهوم النسخ، فذهب الى ان العقوبات البدنية الواردة في القرآن، هي حكاية عن أحكام وعقوبات منسوخة تختص بالمجتمع الموسوي، تتميز بها “شريعة الأصر والأغلال” التوراتية، وهي لا تنسجم مع “شريعة التخفيف والرحمة” القرآنية. وهكذا قدّم حاج حمد فهما للجهاد و”شرعة السيف” حسب تعبيره، اعتبره فيه خاصا بتطهير “الأرض المحرمة” من الوثنية والشرك… كذلك خرج في موارد متعددة أخرى على مشهور وإجماع الفقهاء، وتجاوز آراء معظم المفسرين، في ضوء ما رسمه من “نظام معرفي قرآني”، وكيفية التعامل مع الكتاب الكريم، بنحو أفضى به ذلك الى مواقف خلافية، لا تتطابق مع فتاوى وأحكام المدونة الفقهية.

“المنهجية المعرفية القرآنية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية” كتاب ألفه حاج حمد استجابة الى دعوة كريمة من صديقه الدكتور طه جابر العلواني، عندما كان رئيسا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، فأقام في واشنطن ضيفا على المعهد سنة 1991، وتفرّغ لتدوين الكتاب، وبعد فراغه منه تم استنساخه في طبعة “محدودة التداول”، وُزّعت على نخبة من الأمناء والمستشارين والخبراء في المعهد. ولما كانت رؤية المؤلف في الكتاب تتخطى الحدود المغلقة المتعارفة في تفكير جماعة “إسلامية المعرفة”، فقد فوجئوا باجتهاداته الجريئة، وارتابوا من طروحاته، وانزعجوا من عبوره المعايير والأسس التي وضعها المعهد للفكر الاسلامي. وهذا ما جعلهم يهملون طباعة الكتاب ونشره وتوزيعه. في 11/3/1992 أقام المعهد ندوة موسعة في القاهرة لمناقشة الأفكار الواردة في الكتاب بحضور المؤلف، اشترك فيها عشرون مفكرا وباحثا تقريبا، بضمنهم الشيخ محمد الغزالي. وأعرب بعض المشاركين عن عدم فهمه لما جاء في الكتاب، فيما رفض آخرون آراءه، ولم يتفهمه ويتضامن معه سوى عدد محدود جدا من المساهمين.

لبث كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية” اثنا عشر عاما منسيا، وبعد أن علمت به طفقت أفتش عنه، قبل لقائي المؤلف في بيروت سنة 2003، فبعث لي الصديق الدكتور محمد همام بنسخته المصورة بالرونيو عبر البريد، من المغرب “أغادير”، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت الصديق الدكتور طه جابر العلواني هاتفيا، فأجاز لي طباعته وتوزيعه.

في صيف 2003 صدر الكتاب عن: “مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد بالتعاون مع دار الهادي في بيروت”، في “سلسلة كتاب مجلة قضايا إسلامية معاصرة”. وقتئذ كنت في بيروت، نمضي ساعات طويلة أنا والمرحوم حاج حمد في منزله بـ “الشويفات”، كنت أصغي له وهو يحكي منعطفات حياته، وتكوينه الثقافي، ونشأته المشبعة بالمعنى، والإيحاء الروحي، ومناخات التصوف في السودان. وعلاقة والده بمحمود محمد طه، وكيف كان الأخير يزورهم الى المنزل، ويمضي وقتا في الحوار مع والده. يصف حاج حمد محمود طه بقوله: “كان متصوفا، ذا تنسك روحي، زاهدا، بسيطا، حيويا، جذابا، مؤثرا، يحتفي بالغير، يفيض دفئا ومحبة، يؤثر العفو والمغفرة لمن يسئ اليه، يرتدي ملابس بيضاء بسيطة، يعيش في كوخ، مع ان دخله جيد بوصفه مهندسا معروفا…”.

استضافنا أكثر من مرة، في منزله الصيفي في “دير كيفا” جنوب لبنان، صديقنا المشترك المرحوم السيد محمد حسن الأمين، كنا نمضي الليل في حوارات لذيذة، وعادة ما نواصل حوارنا بعد صلاة الفجر. أتذكر ناقشته أحد المرات في رأيه بحجاب المرأة وغيره، طبقا لأصول الفقه ومناهج الاستنباط الفقهي المعروفة، فكان يجيبني: “يا عبدالجبار الرفاعي، ان مشكلتك أنت وغيرك من فقهاء الشريعة وأصول الفقه، انكم لا تستطيعون التفكير خارج العقل الأصولي، لديكم مجموعة من القواعد المغروسة في أذهانكم، هي الأفق الذي تنظرون به ومن خلاله للقرآن، عقولكم لا تغادر تلك الأسس، إنها مسجونة في داخلها…”.كنا نستغرق في النقاش، ربما صدمتني وجهات نظره، فأغضب وأمضي في رفضها، ومحاججتها، لكنه يتعاطى معي بأدلته المقابلة، وهكذا يتواصل حوارنا، من دون أن نتفق على رأي مشترك أحيانا، لكن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية عند حاج حمد.

احتفل حاج حمد بصدور كتابه، بعد ان لبث سنوات طويلة مغيبا في الظلام. نشرتُ له مؤلفاته الأخرى غير المطبوعة، في “سلسلة فلسفة الدين والكلام الجديد”. ظل يردد: “يا أخي لك دين في عنقي لن أنساه ما دمت حيا، لأنك أقدمت بشجاعة على طباعة كتبي التي امتنع الغير عن إصدارها”.

لم يرغب الأصدقاء في “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، بنشر كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية”، ونما الى علمي ان بعضهم حاول شراء كافة النسخ المطبوعة وحجبها عن التوزيع. لا أعرف كيف تسوّغ جماعة، تدّعي انها تسعى لتجديد الفكر الاسلامي، حضر وحجب تفكير اجتهادي في قضية إسلامية المعرفة، لأنه لا يكرر آراءها في هذه القضية الإشكالية.

لا أتفق مع الصديق حاج حمد في الكثير من أفكاره، ولدي ملاحظات نقدية على مقدماته المنهجية، والنتائج التي تفضي اليها. خاصة كتابه هذا، الذي يتأوّل فيه النصوص ويلوّنها، بشكل يطمح فيه أن يكتشف منهجا معرفيا بديلا، مشتقا من القرآن، وموازيا للمناهج المعروفة في فلسفة العلم. بالتوكؤ على مفاهيم مستعارة من ابن عربي وغيره من المتصوفة، مضافا الى مفاهيم مدرسة فرانكفورت وحلقة فينا. مزج أبو القاسم حاج حمد التصوف بفلسفة العلم والعلوم الإنسانية، وهي خلطة غريبة تتنمي إلى رؤيتين متنافرتين للعالَم.

تميزت شخصية حاج حمد بتشبعها بأخلاق وتهذيب التصوف المحلي في السودان، وتأثر تفكيره برؤية محيي الدين بن عربي للوجود، وما تلقاه من محمود محمد طه، الذي تميز فكره برؤية للقرآن المكي والمدني تختلف مع المصطلح المتعارف في علوم القرآن التراثية، يرى محمود التوحيد والقيم في القرآن المكي أبدية، وما ورد في القرآن المدني يختص بعصره. يركب محمود مفاهيم التصوف على الاشتراكية بفهمها الأوروبي، ويعتمد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. حاج حمد في هذا الكتاب وكتابه الآخر الأساسي: “العالمية الاسلامية الثانية: جدلية الغيب والانسان والطبيعة” ظل يتكتم على منبع مفاهيمه وآرائه في فكر محمود محمد طه، يحاول أن يعرضها بتمويه وغطاء لفظي يحجبها عن منبعها، ربما لئلا يتهم بالارتداد كما اتهم معلمه محمود طه.

لا أشك بجدية وجرأة كتابة حاج حمد، ومغامرتها بالحراثة في أرض غير محروثة، وإن كانت تخلط بين عناصر تنتمي الى شبكات مفاهيمية متنافرة، وتكرّس مطامح وأحلام الخصوصية والهوية والذاتية، ببناء يبدو فلسفيا قرآنيا منسجما، لكن تحليله منطقيا وتفكيكه يشي بتهجين مفاهيمه وتناشزها. ليس هنا محل بحث رأيي في إسلامية المعرفة، فقد تناولتها بالنقد والتحليل، في فصل خاص من كتاب “إنقاذ النزعة الإنسانية في الإسلام”، تحت عنوان: “إسلامية المعرفة قضية أيديولوجية من دون مضمون معرفي”.

مع كل هذه الملاحظات وسواها على المنجز المعرفي للمرحوم حاج حمد، غير أني حرصت على رعاية إنتاجه الفكري ونشره ودعم صاحبه، ذلك ان هذا الإنتاج يعبّر عن محاولة جادة لتحديث التفكير الديني في الاسلام، وانه اجتهاد في مجتمع لا يألف الرأي الجديد، بل يمارس على الدوام الإضراب عن التفكير. والمعرفة في مختلف أنواعها لا تتكامل باستمرار، إلا من خلال العبور من الخطأ الى الصواب، أي ان “الديناميكية العلمية لاتسير بحسب نمط تراكمي، بل هي سلسلة لامتناهية من التكذيبات المتتالية، الى درجة ان تاريخ العلم يغدو: مقبرة نظريات علمية”، كما يقول كارل بوبر.

حاج حمد لا يقتصر في اجتهاده على إنتاج رأي جديد، وبناء مفاهيم مختلفة، وانما يسود كتاباته ثراء لغوي، وتتميز بمعجم اصطلاحي يختص به، يتألف من مصطلحات نحتها هو، أو استقاها من غيره، ودمجها كعناصر تكوينية في بنية النظام المعرفي الذي صاغه. نتمنى أن يتناول الباحثون جهوده بالدراسة والتحليل والنقد، فآثاره تتسم بأنها: غنية، مكثفة، تركيبية، جريئة، وهي خصائص تفتقر اليها الكثير من آثار بعض المفكرين، التي تدرسها عشرات البحوث والرسائل الجامعية.

فيما يلي نموذج من معجمه الاصطلاحي، وشيء من ثنائياته المتقابلة، استقيناها من بعض مؤلفاته، بغية اكتشاف مفاتيح النظام المعرفي الذي يبشّر به: (العالمية الاسلامية الثانية، جدلية الغيب والانسان والطبيعة، الجدلية الثلاثية، التفاعل الجدلي، المنطق الجدلي، جدل الغيب، جدل الإنسان، جدل الطبيعة، علاقة جدلية، علاقة تداخل، علاقة حلول، علاقة تضاد، عالمية الاسلام، الرؤية الكونية التوحيدية، كونية القرآن، عالمية القرآن، الجمع بين القراءتين، القرآن معرفة معادلة للوجود الكوني، منهجية القرآن المعرفية، اطلاقية القرآن، الاسترجاع القرآني النقدي التحليلي للمورث الديني، الدلالات الوسيطة في اللغة القرآنية، البنائية القرآنية، البناء الكوني اللامتناهي للقرآن، الوحدة العضوية للقرآن، المنهجية الضابطة للقرآن، الحفر الألسني، الاستيعاب”التصديق”، التجاوز “الهيمنة”، منهجية الخلق، منهجية التشيؤ، التشيؤ الطبيعي، الحاكمية الإلهية المباشرة، حاكمية الكتاب، حاكمية الإستخلاف، أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية، الفكر الديني التاريخي، قراءة تركيبة، الدينونة، الأمة الوسط، فكر المقارنات، فكر المقاربات، التوفيقية، الانتقائية، التلفيقية، النسق الخاص، الكتاب الكوني المطلق، التدافع العربي – الإسرائيلي، المناهج والأنساق الحضارية، خارطة الأنساق الحضارية، الإرادة الإلهية، عالم الأمر والنهي، الإستلاب، الهيمنة، التجاوز، الاستيعاب المزدوج، العقلية النافذة، الغاية التكوينية للخلق الكوني، المشيئة، الفعل المنهجي، المعالجة النقدية، النسق المعرفي، الحفر المعرفي، التحرر المعرفي، المتغير النوعي، القطيعة المعرفية، التفكيك التاريخاني والتراثي، لاهوت غيبي جبري، مادية طبيعية جبرية، طريق التنزل، طريق التطلع، تاريخانية النص، اللحظة الجدلية، الناظم الكلي، الثنائية المتقابلة، المنطق التفكيكي الابستمولوجي، المنطق اللاهوتي، المنطق الوضعي، الجدلية الثلاثية، التطور التفكيكي، استلاب الانسان، التاريخانية توظيف علمي تفكيكي، الجعل الآدمي، التعددية، المسكوت عنه دينيا وتاريخيا، النصرة الإلهية، التدخل الإلهي، التدخل الإلهي الموسوي/ الحسي، التدخل الإلهي المحمدي/الغيبي، الأمة الوسط، الفشل الحضاري، الغاية الكونية، الوعي الكوني، التحييد العقلي، الارتباك النفسي، الانفصام الذهني، أزمة فراغ روحي، الصيرورة، الجدل، الاحتمالية النسبية، الاستيعاب المزدوج، الأنساق الحضارية، دراسات توفيقية، دراسات تلفيقية، دراسات وسطية، دراسات استعارية، دراسات تأصيلية، النهايات المادية، الوجودية الوضعية التائهة، عالم الأمر المطلق، عالم الإرادة النسبي، عالم المشيئة الموضوعي، الحضور الإلهي، القيومية الدائمة، مجمع البحرين، مستويات الفعل الإلهي، الجبرية اللاهوتية، ثنائية العقل والتجربة، الاصطفاء الإلهي، الاصطفاء البشري، الاصطفاء المكاني، منطق التعارف، عالمية الخطاب، شرعة التخفيف والرحمة، شرعة الأصر والأغلال، الانغلاق العصبوي، التوريث، تاريخانية التفاسير، التجديد النوعي، الاجتهاد الكمي التراكمي، الاجتهاد النوعي المعرفي المنهجي المعاصر، إشكاليات النظر التقليدي، النبي الأمي، الحقبة النبوية، النصرة الإلهية، التدخل الغيبي، عالمية الأميين غير الكتابيين، الأرض المحرمة، عالمية الخطاب، الخطاب الاصطفائي الحصري، الخطاب العالمي، التصور الإبراهيمي، التأسيس الإسلامي الإبراهيمي، الطور العقلي الأول” الإحيائية”، الطور العقلي الثاني “الثنائيات المتقابلة”، الطور العقلي الثالث “وحدة القوانين الطبيعية والانسانية”، الأرض المقدسة، الأرض المحرمة، شرعة السيف، الخطاب الإلهي الحصري الاصطفائي، الخطاب الإلهي العالمي، الأسلمة التعسفية، الأسلمة المفتعلة، الحق، الخلق، النفي).

لائحة المصطلحات هذه تستوعب عناصر تحيل بعضها الى تراث التصوف، فيما يحيل بعضها الآخر الى فلسفة العلم، وفلسفة التاريخ، وفلسفة اللغة، ومختلف العلوم الانسانية. وهي نموذج للمعجم الاصطلاحي لحاج حمد، الذي يدلل على موهبته العقلية في إبداع لغته وبيانه الخاص، والتحرر من وصايات أدبيات الجماعات الإسلامية وآرائها ومقولاتها: الوعظية، الشفاهية، المبسطة، الهشة.

رحم الله الصديق محمد أبو القاسم حاج حمد، العصامي، الذي علّم نفسه بنفسه، الإنسان الجميل الروح والقلب، الذي يفيض رقة ودفئا، ومشاعر وعواطف بريئة، ذا الوعي المتوهج، والعقل المضيء، المفكر المستنير، المثال الرائع للاجتماع الاسلامي السوداني، هذا الاجتماع الذي يبتكر على الدوام نموذجه الاجتهادي الخاص.

 

 

الشيخ طه العلواني فقيه ضيّعه سنة العراق ونساه شيعته

الشيخ طه العلواني فقيه ضيّعه سنة العراق ونساه شيعته

د. عبد الجبار الرفاعي

في صمت كما صمت شيخوخته، ونسيان كما نسيانه من أقرب الناس إليه، فقيه ومفكر آخر يمضي راحلاً الى عوالم الملكوت، بعيداً عن ركام ظلام عالمنا. لقد غادرنا الى رحمة الله أمس صديقنا العلامة الشيخ طه جابر العلواني. رحم الله العلامة الصديق العلواني الذي رحل إلى الملكوت الأعلى، وهو في طريقه من القاهرة إلى واشنطن، في 4-3- 2016 وهو اليوم الذي ولد فيه في مدينة الفلوجة في العراق عام 1935.

تعود علاقتي بالصديق المرحوم الشيخ العلواني إلى مايقارب الثلاثين عاماً، حين كنت وقتئذ مسكوناً بهاجس أسلمة العلوم والمعارف في عالم الاسلام، بعد أن تركت العمل الحركي التنظيمي، استهوتني فرضية “إسلامية المعرفة”، ولم أكن أعرف أن هذا الولع الجديد هو انبعاث الهوية بوجه آخر من أعماقي، وتعبيرها عن نفسها هذه المرة بصيغة أيديولوجية تختبئ خلف فكرة “إسلامية المعرفة”.

عثرت على بعض كتابات واصدارات “المعهد العالمي للفكر الاسلامي”، الذي كان يقوده ذلك اليوم د. طه العلواني. وبعد أن طالعتها، رأيتها تتضمن شيئاً من التنظير والتبرير المتأمل تارة، والمبسّط تارة أخرى، لكن ما لفت انتباهي هو كتابات العلواني، التي كان يهتم فيها بالاحالة على التراث، خاصة أصول الفقه، الذي غرقت فيه في الحوزة، تدريساً وتأليفاً، أكثر من الفقه وغيره من علوم الشريعة، بموازاة شغفي المزمن بالفلسفة ومداراتها. واكتشفت أن رسالة الدكتوراه التي قدّمها الشيخ العلواني للأزهر هي تحقيق ودراسة أحد أهم المؤلفات الكلاسيكية في علم الأصول، وهو كتاب الفخر الرازي “المحصول في علم الأصول”، الذي نشره في ستة مجلدات. وجدت العلواني في كتاباته يحرص على المواءمة بين أصول الفقه والمفاهيم المنهجية الحديثة. وهي محاولات فيها شئ من التأمل والجدة، وإن كانت تفتقر للابتكار وصياغة رؤية نظرية دقيقة، إذ تقترب أحياناً من المقاربات والتلفيقات بين مفاهيم متنافرة.

بدأت مراسلاتي مع الشيخ العلواني وهو في واشنطن، رئيساً للمعهد العالمي للفكر الاسلامي، وأنا في الحوزة في قم. وفوجئت بسرعة تفاعله مع رسائلي، وحرصه على تكثيف التواصل وديمومته. كان يرفدني على الدوام بكل جديد من إصدارات المعهد ومطبوعاته. وتطور تواصلنا عبر الهاتف، وظل يحرص على معرفة رأيي بما يكتبه هو، وما يصدره معهدهم. وكان يهتم بما يسمعه من آراء تصدر عن المجال الشيعي في عالم الاسلام، خاصة آراء أساتذة الحوزة ومؤلفيها، والموقف من رؤاه وجماعته في “إسلامية المعرفة”.

لم تتكامل وجهة نظري وتنضج رؤيتي النقدية لدعوتهم إلاّ بعد مضي عقد من السنين، من المطالعة والنقاش والمراجعة التقويمية لما كتبوه ونشروه. أجريت معه والصديق د. عبدالحميد أبو سليمان حوارين نقديين، نشرتهما في عددين من “مجلة قضايا اسلامية”، التي أصدرتها في قم عام 1994 قبل إصدار “مجلة قضايا إسلامية معاصرة” عام 1997. ثم خصصت لاحقاً عدداً نقدياً من مجلة قضايا إسلامية معاصرة لتفكيك وغربلة مقولات “اسلامية المعرفة”، وعنونت محور العدد “اشكاليات التحيز والتمركز في العلوم”. ولم يتردّد المرحوم العلواني في دعم هذه المحاولات النقدية والثناء عليها.

ورغم  أني قدّمت تفسيراً لمنطلقات ووعود جماعة “إسلامية المعرفة” انزعج منه الصديق د. عبدالحميد أبوسليمان وجماعة المعهد العالمي لإسلامية المعرفة، في المؤتمر الذي عقده المعهد بأسطنبول سنة 2006، بعد مرور ربع قرن على تأسيسهم المعهد، لكن الشيخ العلواني كان الوحيد الذي دعم موقفي، فأعرب عن إعجابه في لقاء خاص معه، بعد الفراغ من الجلسة، وشدّد على أنهم ( جماعة اسلامية المعرفة ) في مأزق معرفي، ذلك أن مهمةَ المعهد صياغةُ رؤية اسلامية للمعرفة، وأحال ذلك إلى احتكار الفريق الذي يدير المعهد، بعد اقصائه هو، وغياب المرحوم المؤسس د. اسماعيل راجي الفاروقي، وابتعاد د. عبدالحميد أبوسليمان عن الادارة، فإن هذا الفريق الذي استحوذ على المعهد يضم مجموعة مهندسين، وهم: ” المرحوم د. جمال البرزنجي، د. هشام الطالب، د. أحمد التتنجي”، ومعروف أن التكوين التخصصي للمهندسين لا صلة له بالتراث وعلوم الشريعة، مضافاً إلى افتقارهم للتكوين في العلوم الانسانية. وما ينشده المعهد هو تجسير العلاقة بين العلوم الانسانية والعلوم الشرعية. حسبما قاله الشيخ العلواني.

قلت له: هذه ظاهرة متفشية، تشي بهشاشة التكوين في جماعات الاسلام الايديولوجين سنية وشيعية، ذلك أن منظريهم وكتّاب أدبياتهم معظمهم أطباء ومهندسون، بل حتى عندما تسلموا السلطة قفز لكرسي الحكم بعض الأطباء والمهندسين. واكتفوا بأنفسهم،  وكأنهم يعرفون كل شئ في الاقتصاد والتنمية والحقوق والقانون والحريات والدستور والسياسة والدولة .. إلخ، واستبعدوا الخبراء في بناء الدولة الحديثة، والمتخصصين في مجالاتها المتنوعة.

زارني الشيخ العلواني إلى قم قبل أكثر من عشرين عاماً، ونزل ضيفاً في بيتي. وأعددت له برنامجاً حافلاً، في زيارات لمراجع دين ومراكز أبحاث ومؤسسات فكرية. كما احتفى به الصديق العلامة السيد جواد الشهرستاني الوكيل العام لمرجعية آية الله السيد السستاني في العالم، وأقام على شرفه وليمة غداء، حضرها مجموعة من الفقهاء وأساتذة الحوزة المعروفين. وقبلها في الصباح الباكر التقى على الافطار في منزلي بأبرز الكتّاب العراقيين في قم.

تواصلت لقاءاتي مع المرحوم العلواني وكان آخرها في القاهرة. وفي كل مرة ألتقيه نجلس ساعات طويلة يحدثني فيها عن آماله وآلامه، غير أنه ظلّ يحلم ويجسّد بعض أحلامه في مبادرات ومشاريع ينهض بها بحدود إمكاناته.

كان يحلم بتأسيس “جامعة للحوار الاسلامي الاسلامي في العراق”، واقترح عليّ أن أكون رئيساً لهذه الجامعة، وهو يرأس مجلس الأمناء فيها، واقترحنا معاً جماعة من أكاديميي وعلماء العراق أعضاء في مجلس الأمناء، وأعرب عن أن ذلك هو الحلم الذي يريد أن يتوج به حياته، ويقدمه هدية لوطنه، بعد استعار حرائق الحرب الطائفية، وتسمم فضاء الوطن بدعوات التعصب والكراهية. وأصرّ على تأسيسها في بغداد، وذكر لي أن لديه قطعة أرض يمتلكها قبل نصف قرن قرب القناة، وبيت في منطقة الكرادة، وهو لا يعرف مصيرهما مذ غادر العراق،  وهو مستعد أن يهديهما للجامعة، ويرصد لها ما يجمعه من تبرعات. ولما عدت للعراق تعرفت من وزارة التعليم العالي على شروط الجامعات الأهلية، فوجدت نفسي غير قادر على تأمين متطلبات التأسيس، التي يتعذر على من ينشد العلم والمعرفة تأمينها، لأنها متاحة للرأسماليين خاصة، لا للعلماء والأكاديميين. فاعتذرت منه، وتألم كثيراً ساعتها، لحظة شعر بضياع آخر أحلامه، ببناء الحياة الدينية في فضاء العيش المشترك في وطنه العراق.

حدثني المرحوم الشيخ طه العلواني أن الحرس القومي في حزب البعث طلب منه بعد انقلاب 8 شباط  1963 الدموي، أن يفتيهم بارتداد الشيوعيين واستباحة دمائهم، ممن ساقوهم أفواجاً في قصة “قطار الموت” الشهيرة، غير أنه رفض ذلك ببسالة، وواجههم بشجاعة، ولم يتردد أو يخشاهم، رغم فاشية الحرس القومي وشناعة مجازره الشهيرة، وصرّح لهم: “إن هؤلاء مسلمون، وحتى لو كانوا مرتدين، فإنه مع ذلك لا يفتي بقتل المرتد”.

المرحوم الشيخ طه العلواني (فقيه سنة العراق) فقيه ومفكر جرئ جسور مستنير، ضيّعه سنة العراق، كنبيّ ضيّعه قومه، كما نساه وفرّط به شيعة السلطة في العراق، رغم أنه كان على صلة عضوية بهم، وبمرجعية آية الله السيد محسن الحكيم، وهو المنسّق بين هذه المرجعية وسنة العراق، قبل أكثر من نصف قرن، من خلال صديقه ابن المرجع العلامة الشهيد المرحوم السيد مهدي الحكيم، والذي اشتركا معاً وآخرين بالتخطيط للإطاحة بحكم حزب البعث عام 1969، لكنه بعد اكتشاف المحاولة اضطر وجماعته للفرار من وطنه منذ ذلك الحين، وقال لي إحدى المرات، وهو يسرد مذكراته عن هذه المحاولة: قررتُ مغادرة السياسة ومكائدها منذ تلك الواقعة، والانصراف لعلوم الدين، وهكذا أمضى ما تبقى من حياته حتى توفي رحمه الله.

لا أعرف فقيهاً عربياً معاصراً تجرأ كما هو، فكتب كتاباً هاماً نفى فيه حدّ الردة، وشدّد على أن عقوبة المرتدّ أخروية لا دنيوية، كذلك تناقشنا أنا وهو في الحدود والعقوبات البدنية، فأصرّ هو على نفيها في العصر الحديث، وكان يستدلّ بأدلة فقيه بصير، يتوكأ على القرآن الكريم كمرجعية في استدلاله، بوصفه – كما يرى – قيماً ومهيمناً وشارحاً للحديث الشريف.

تسقط جماعات الإسلام الايديولوجي المفكرين والفقهاء الأحرار في زوايا معتمة، وتقصيهم في كهوف النسيان، ولا تبوح بمنجزهم، ولا تعلن عن أفكارهم وفتاواهم، حتى يموتون. كنت حين أزور المرحوم العلواني في منفاه الاختياري القاهرة، يحدثني بمرارة عن تجاهل الجماعات الاسلامية في مصر له، وتأثيرهم الذي امتد لتجاهل الأزهر له، وأنه ظلّ يتمنى أن تكون له نافذة أسبوعية في الأهرام، يتواصل من خلالها مع قرائه في مصر، التي أمضى فيها سنوات طويلة من عمره، إلاّ أنه لم يظفر بذلك.

 

 

رابط النشر