Category: أمية أساتذة الجامعات الثقافية والرقمية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

ثناءٌ على الجيل الجديد كتابٌ للتربية

ثناءٌ على الجيل الجديد كتابٌ للتربية

د. أحمد يعقوب[1]

لاشكّ في أنّ القارئ لمتن نصوص وكتابات د. عبدالجبار الرفاعي  يسترعي انتباهه رأساً الطّابع التّعليمي، أو إن شئنا الدّقة البُعد التربوي الذي يسم محاوراته، ويمكن إعتبار كتاب ” ثناء على الجيل الجديد” من أهم الكتب التي  تناولت قضايا جيل الآباء والأبناء في الخمسين سنة الماضية،  بالاضافة لمناقشتها قضايا التربية والتعليم ، وهي قضايا تهم مجتمعاتنا أكثر من غيرها بمقتضى ما حصل من تطورات وتحولات في العالم الذي نعيشه اليوم.

يقوم د. عبدالجبار، غير هيّابٍ  بتفكيك نُظم التربية في عصر الآباء، الذي إنهمك في نظام أحادي لرؤيته للعالم والقيم والمعايير، فاذا به يصطدم بتطورات ضخمة ومتسارعة في عصر الأبناء؛ حيث تبدلت الموضوعات نفسها، واتخذت المفاهيم أشكالاً جديدة تتمظهر وتتجلى من خلالها، مما يعني أن  جيل الأبناء تحكمه نظم متعددة محايثة لواقعه وتشبه أفقه العقلي ( أفق العصر)،  وقد تجاوز النظرة الأحادية التي سادت في عصر الآباء وأحدث قطيعة كبرى معها؛ مما أحدث فجوة وهوة عميقة بين الآباء والأبناء، وهو معطى القطيعة بمعناها الفلسفي.

يدافع الرفاعي عن جيل الأبناء ضد أؤلئك (الآباء)،  الذين  يرون في هذا الجيل أنه بلا مسؤولية،  ونبع ذلك من عدم قدرة الكثيرين من جيل الآباء لرؤية التوسعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وايقاع التغيير الذي طال كل شيء، وبالتالي اتساع الفجوة  في كل شئ تقريباً من حيث نمط الحياة والرؤية للعالم، والتّعاطي مع التعقيدات ونُظم تلقي المعرفة بالنسبة لجيل الأبناء؛ ولا نفهم من هذه السياقات أن عبدالجبار الرفاعي يمارس التحريض، بل هو يمارس  التفكير المواكب لمتطلبات هذا العصر ومتطلبات الأبناء. إذ لا ينسى المؤلف عرض كيفية تلقي المعرفة ونُظمها عند جيل الآباء، وما شكلته هذه النّظم والتي أحياناً شبه أحادية أو أحادية في نظرتها وتعاطيعها مع العالم وموضوعاته.

يشير د. الرفاعي الى عنصر مهم وفاعل في حياة جيل الأبناء، وهو تخلّصهم من الاستعباد لشخصية الأب وشخصية العالم، والتي هي رؤية  الأب بالتحديد؛ وربّما تخلّصهم من القيود التي تعيق تواصلهم أو اكتسابهم لنظم جديدة تواكب التحولات التي يعيشونها؛ وهو ما أدى الى بروز ظاهرة الاغتراب في العلاقة ما بين الآباء والأبناء؛ حيث نعيش اليوم وفق نظام لا يمكن مواكبته دون التعامل مع تسارعه التقني، وقدرة الشخص على الانتقال شبه الدائم لمعالجة موضوعات شتى في فترات زمنية قصيرة؛ ضمن هذا الاطار يفكك د. الرفاعي أشكال العلاقة بين الآباء والأبناء؛ حيث يطلب جيل الآباء الطاعة والانقياد وأحياناً الرضوخ الكامل؛ وهو مايواجه بتمرد عنيف من الأبناء، ولحل الاشكال هذا يطالب المؤلف جيل الآباء بالسماح للأبناء بالانخراط في مواقع السلطة السياسية والحياة الاجتماعية والثقافية، باعتبار أن جيل الأبناء هو أثمن رأسمال للحاضر والمستقبل.

ينحاز د. عبدالجبار الرفاعي بشكل لا مواربة فيه لجيل الأبناء، ويقول أنه تعلم منهم أكثر مما تعلم من جيل الآباء؛ وهذه روح توضح حجم التحولات والتغيرات التي حدثت في عالمنا المعاصر، وخاصة في العشرين عاماً الماضية، وتبيّن ضرورة المواكبة، والا عاش الانسان في كهف ذاكرته أو كما يقول  جيل الأياء في السودان: “زمننا أفضل ونتمنى أن يعود ذاك الزمان”،  وقد خبرنا نحن جيل الأبناء  بالاخص هذه البكائيات من جيل الآباء.

ويعتبر حقل أو علم التربية من الحقول الرئيسة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ إنه يقدم إسهامات منهجية وعلمية وتطبيقية كبيرة، خلال مسيرة طويلة من العمل الرصين والإنجازات اللافتة.  ومن ذلك كون كليات التربية في العالَم مصدر التموين الأساسي لوزارات التعليم والتربية، عبر الإسهام في تطوير سياسات التعليم وفلسفته، وتأمين خطوط كافية لإنتاج: المعلمين الأكفاء، وصنّاع المناهج والمقررات، وخبراء التعليم والتعلم والتقويم، وهذا ما يفسر سر الاهتمام الكبير بكليات التربية في مختلف دول العالم[1].  وتشكل نُظم التربية  والتعليم وطرق اكتساب وتلقي المعرفة  والتي بنيت على أساسها تاريخاً طويلاً من سلطة الآباء في بلداننا وسيطرتهم على كل شئ؛ أحد الموضوعات المهمة في فكر الرفاعي؛  وفي عالمٍ يشهد تحولات كبيرة في فضاءاته لاتزال هذه النظم تمسك بتلابيب مجتمعاتنا المتخلفة  وتمنعها من الاستفادة من النظم الحديثة، لأن العقل التربوي لا يزال ماضوياً.

وحيث إن المشهد التربوي ضمن سياق التحديات والتشوهات التي يعيشها، بحاجة ماسة لمراجعة نقدية صارمة عامة للحقل التربوي ذاته. ولكي تكون هذه المراجعة مثمرة، فإنه يتوجب أن يقوم بها مفكرو التربية أنفسُهم، والذين هم بحاجة ماسة في مجتمعاتنا على وجه الخصوص بمواكبة التطورات التقنية والتحديثات التكنولوجية، وعلى أن يكون أس هذه المراجعة النقدية إبستمولوجياً، وذلك راجع إلى أن النقد الإبستمولوجي قادر على تشخيص أصل الداء في حقل التربية.

يمكن للمرء أن يلاحظ حالة الخطاب التربوي المدرسي في شعوبنا؛ والذي يكاد يبدو للناظر من الخارج أنه خطاب يجتر التاريخ ولا يبدع الحديث، بل هو بعيد من الابداع لدرجة انه غير مواكب للتطورات التي يشهدها عالمنا اليوم؛ وحيث إن نُظمنا التّعليمية تعمّق حتى الفوارق ( الطّبقية)* في المجتمع، صانعة  بذلك هوة عميقة سوسيولوجياً يعاني منها غالبية الذي تعرضوا لهذا الخطاب؛ أمّا أؤلئك الذين تلقّوا تعليمهم في الخارج فأول ما يدركونه هو النظام المعرفي الذي من خلاله يتلقون تعليمهم؛ حيث يتبدى النظام المعرفي في جملة مفاهيم وقضايا معاصرة، وتحديث مستمر للمناهج وطرق التدريس نفسها، وكيفية استهلاك المعرفة…الخ.  ولتوضيح هذه النقطة المتعلقة بتحديث النظم  المعرفية  لتواكب متطلبات العصر الراهن  كتب مارك تايلور  مقالا في  Nature  عنونه “Reform the PhD System or Close It Down”  يقول فيه: ” تتبع معظم برامج الدكتوراه هيكلاً يعود تاريخه إلى جامعات العصور الوسطى في أوروبا. الهدف؛ إنتاج نسخ مكررة من الأساتذة المختصين عبر استنساخهم. ولا يزال هذا النموذج الصارم قائماً حتى اليوم، رغم تغيّر سوق العمل الأكاديمي تغيّراً جذرياً. ”  ويواصل بالقول: ” نظام الدكتوراه عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتجدد لمواكبة متطلبات العصر الحديث، أو يُصبح بلا قيمة.  بتبني التعلم متعدد التخصصات، وشراكات الصناعة، والتطورات التكنولوجية، يمكن لبرامج الدكتوراه استعادة قيمتها. أما إذا رفضت الجامعات التكيف، فستستمر في تخريج طلاب غير مؤهلين لسوق العمل الحالي” .  ولنا أن نتخيّل ان هذا ما يتداوله الغرب حالياً في قضايا تحديث النظم المعرفية؛ ونتساءل في اي طريق نحن؟

في مناظرة شهيرة حول موضوعات شتى  بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو في العام 1971 يطرح فوكة خطر مؤسسة ( الجامعة) بقوله: ” أعتقد ان ممارسة السلطة السياسية تتم كذلك عبر عدد آخر من المؤسسات التي تتظاهر بأنها لا تملك شيئا مشتركا مع السلطة السياسية وباستقلاليتها عن الدولة, غير انها ليست كذلك.. يعلم المرء بأن الجامعة – وبصورة عامة كل الانظمة التعليمية التي تبدو وكانها ببساطة تنشر المعرفة فقط. صُنعت للمحافظة على طبقة اجتماعية معينة في موضع القوة، ولحصر امتلاكها لأدوات القوة دون الطبقات الاجتماعية الأخرى” وهي صورة أخرى لكيفية سيطرة النظم التربوية والتعليمية على حيوات الناس، عبر تدجينهم واكسابهم صفة الاستنساخ للتجارب القديمة ( جيل الآباء)، أو كما يريد ذاك الجيل ان تبقي الامور كما هي .

هل نحن في حاجة لاعادة تعريف مفهوم التربية؟

من أهم الموضوعات التي تتفرد بها التربيةُ دون غيرها؛ ما يتعلق بـ المناهج والمقررات تصميماً وتعليماً وتطبيقاً وتقويماً وتطويراً، باستخدام كافة الأساليب التربوية التقليدية والحديثة في التخصصات المختلفة. إذن، هذا حقل أصيل، بل لعله من أكثرها أصالة، بحيث لا تُنازَعُ فيه التربيُة، إذ هي الحقل الذي يمتلك “حق التشريع” إزاء هذا الموضوع المبحوث منهجياً وبحثياً وتطبيقياً، ويعد هذا أسمى أنواع الملكية للموضوعات المبحوثة.

تحتاج المؤسسات التربوية عندنا لاعادة تعريف هذا المفهوم ؛  ولوضع أسس سوسيولوجية جديدة لمهامها وأهدافها. ويشير د. الرفاعي بطريقة ما في خطاطته عن الفروقات بين جيل الآباء وجيل الأبناء إلى ما يسميه بيار بورديو بالعنف الرمزي، الذي يمارس من خلال المؤسسات التعليمية وبالاخص المدرسة،  والتي تسعى بطريقة أو أخرى للمحافظة على الوضعية القائمة، ( يفهم في سياق جيل الآباء) الذين يودون أن تبقى الأمور على ماهي عليه؛ وحيث  يتميز العنف الرمزي في المدرسة بقدرته الكبيرة على المخادعة الأيديولوجية وبناء الأوهام التربوية على نحو طبقي، وضمن هذه الممارسة الرمزية تبدو المدرسة على أنها مؤسسة محايدة طبقيا.(2) لكن المدرسة في جوهرها ليست محايدة أبدا، وهي تمارس التطبيع الفكري والأيديولوجي للطلاب، وتقوم في الوقت نفسه بإضفاء الشرعية على الأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع في اتجاه المحافظة على النظام السياسي الاجتماعي القائم. وهي بفعالياتها الرمزية تقوم بتمتين وترسيخ العلاقات الطبقية القائمة في المجتمع، تحت ستار استقلال نظام التعليم وحياديته الظاهرة. ومن الطبيعي أن يعزز المجتمع هذه الاستقلالية النسبية للمدرسة، حيث يتم إنشاء هيئة من المتخصصين والمهنيين في مجال العمل التربوي والمدرسي لتقوم بتسيير النظام المدرسي وفقا للاعتبارات الوظيفية والأيديولوجية المحددة في المجتمع.

حوى الكتاب مجموعة من المفاهيم القيمية والاخلاقية ضمن تربية الانسان؛ كالحب، والصمت، وقضايا الدين، ومفهوم التراث والتجديد، وهي في صلب عملية بناء الانسان . هذا كتاب للمؤسسات التعليمية والسياسية، ويمثل رؤية لأفق العصر وما ينبغي أن يكون عليه الانسان وكيف تتم تربيته؛ آمل أن يقرأ هذا الكتاب، وان يكون ضمن مناهجنا، وقبله يجب ان يتم تدريسه للتربويين والمهتمين بمسائلها والمسائل التعليمية.

هوامش:

  • عبدالله البريدي – نداء ابستمولوجي إلى مفكري التربية : تفحصوا حقلكم – مجلة حكمة 17-10-. .2021.
  • بيداغوجيا الرمز والعنف الرمزي في منظور بيير بورديو – علي أسعد وطفة – مدونته الشخصية على الانترنت

*لا نستخدم الطبقة هنا بمفهومها الماركسي وانما في سياقها الاجتماعي المرتبط بالتفاوتات الطبيعية بين البشر.

[1] كاتب من جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان.

https://al-aalem.com/%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/

كتاب ثناء على الجيل الجديد

كتاب ثناء على الجيل الجديد[1]

 د. عبد الجبار الرفاعي

‏  يشكو بعضُ الآباء من أبنائهم، يشكو كثيرٌ من المعلمين من تلامذتهم، ويشكو أكثرُ أساتذة الجامعات من طلابهم في المراحل المختلفة اليوم. قلما نسمع أو نشاهد أو نقرأ أحاديث وكتابات وبرامج تشيد بالأبناء، وتتفهم نمطَ حياتهم وثقافتهم ورؤيتهم للعالم. تستبدّ الشكوى من الجيل الجديد بنحو خلقت حالةَ تناشر بين جيل الآباء وجيل الأبناء، وأفرزت ظواهرَ مريرة للأمن العائلي والمجتمعي. أعرف آباء وأمهات يشعرون بالخيبة، ويعلنون ندمَهم على الإنجاب، وربما يعلن غيرُ واحد منهم ندمَه على الزواج وبناء العائلة، ويتمنى لو عاش من دون أعباء العائلة والأبناء المرهِقة، ويتحسّر على أحلامه الضائعة.

أحاول في هذه الأوراق تقديمَ رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق بالكلام نيابة عن أيّ إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة بدأت تتشكل قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون هذه العائلة من أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وأكملوا تعليمهم العالي، وتحصَّل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير.

لا أفتقر لمعرفة بالجيل الجديد، أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، هم أقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي لهم وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وكنت وما زلت أقرب لرؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي. ذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم، وما يعد به غدًا. لا أريد أن أكون محاميًا عن جيل يتميز بالجرأة والوضوح والمباشرة في التعبير عن ذاته وهمومه، وفرض حضوره النوعي بقوة وكثافة في عالمنا اليوم، وسيحضر بشدة غدًا. ولا أريد التحدث نيابة عنهم، هم الأجدر والأخبر بمعرفة تضاريس عالمهم، والأمهر بشرح همومهم وأحلامهم وتطلعاتهم.

أعرف أن كتابًا بعنوان: “ثناء على الجيل الجديد” لا يخلو من إثارة، وربما يُستفَز قراء أكثرُهم من جيلي يكابدون صراعًا مع الأبناء. أظن أن بعضهم كان يترقب عنوانًا بديلا لهذا الكتاب، وهو: “ثناء على جيل الآباء”، بوصف الآباء يختزنون حكمة وبصيرة وخبرة لا يمتلكها الأبناء، وأن جيلهم الذي أنتمي إليه هو جيل القيم والمثل السامية والمسؤولية والنضال، جيل حملَة الرسالات الأممية والقومية والأصولية، جيلٌ صانع للثورات، ومعلّم للأجيال.

أحد أعمق عوامل مأزق السياسة والثقافة والتربية والتعليم في بلادنا، تشبّث الآباء وقبضتهم الحديدية على مواقع قيادة الدول المختلفة وتأسيس الحكومات، وإجهاضهم لأية محاولة تسعى لتمكين الجيل الجديد من قيادة المؤسسات والمنظمات والأحزاب. أكثر الآباء في بلادنا بلغوا العقد الثامن، وبعضهم في العقد التاسع، وغارق بالأمراض المزمنة المنهكة، وهم متشبثون بمواقع قيادية احتكروها عشرات السنين،كما احتكروا السلطة وإدارة السياسة والاقتصاد في الدولة، واستأثروا بالمال والثروة، وتسلطوا على التربية والتعليم والثقافة، وهيمنوا على وسائل الإعلام، وامتلكوا مصادر القوة المادية والرمزية. لو تراجع الآباء خطوة إلى الوراء، وفسحوا الطريق للأبناء في قيادة مؤسسات الدولة والمجتمع وإدارتها، وشاهدوا الحضور الفاعل والمؤثر لوعي الجيل الجديد وخبراتهم، وقدراتهم الاستثنائية على الإصغاء لصوت العصر، لفوجئوا بمبادراتهم الرائدة في الحقول المتنوعة، وقدراتهم في التغلب على عوائق النهوض، وجعل بلادنا تواكب متغيرات الواقع وتصغي لمتطلباته، ووضعوها في آفاق العالم الحديث.

لا يحمل هذا الكتاب شعارات تحريضية ولا دعوات تعبوية، إنه محاولة تنشد تفسير ما يميز جيل الأبناء ويجعله متفوقًا على آبائه وأسلافه، ولا ينشد الكتابُ افتعالَ صراع بين الأجيال، بل يحاول الكشف عن نسيج تضاريس الواقع المتشعّبة والمتضادّة الذي تعيشه مجتمعاتنا اليوم. إنها دعوة لتفهم الآباء لعالَم الأبناء، وتفهم الأبناء لعالَم الآباء. ولا يتحقّق ذلك إلا بمواقف شجاعة للآباء والأبناء معًا، يبادر فيها الكلُّ للحوار والتفاهم والتصالح، والعمل الجادّ على خلق شراكة واقعية تُستثمَر فيها الطاقات من أجل بناء عالم أجمل، والسعي لخفض وتيرة عدم الاعتراف والتنابذ والاحتراب والقطيعة بين جيل الآباء والأبناء.

أوصي الأبناء بتفهم آثار تقدّم العمر، وما يحدثه من متاعب متنوعة للآباء، والمسؤولية الكبيرة للأبناء في رعايتهم. خريف العمر يدعو الآباء للمزيد من الاهتمام بالجسد، وحراسته بعناية صحية وغذائية فائقة، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. بتقدّم العمر تمسي الاحتياجات الروحية والعاطفية للآباء أشدّ، وكأنهم في عواطفهم يعودون إلى مرحلة الطفولة، وتظهر بوضوح لدى أغلبهم حاجة ماسّة للثقة والإخلاص والعطف والرأفة والرفق والحنان والمحبة. ليتفهم الأبناء أن المسؤولية الأخلاقية تفرض عليهم وفاء شيء من دَين الآباء، الذين أمضوا سنوات طويلة في احتضانهم عاطفيًا ورعايتهم وتربيتهم، وتأمين عيشهم، واحتياجات حياتهم المتنوعة. مثلما لا يستغنى الأبناء عن الثقة والحنان والمحبة والتراحم، وينزعجون من إهمال المقربين لهم، ‏لن يستغنى الآباء عن هذه الاحتياجات العميقة في النفس الإنسانية أبدًا، بل تكون حاجتهم أشدّ بكثير من حاجة الأبناء. يؤذي الآباءَ الإهمالُ واللامبالاة، وعدم الوفاء والاكتراث بآلامهم واحتياجاتهم المتنوعة، ويفزعهم عدمُ الاحترام والإهانة وانتهاك الكرامة. يقلق الإنسان وهنُ البدن وضعفه، وافتراس الأمراض بتقدم العمر، وعدم القدرة على العمل الذي يمنح حياةَ الإنسان معنى يعزّز قيمته وتقديره لذاته، ويشعره بقدرته على الاستمرار بالمشاركة في العطاء وجعل حياة غيره أسعد.‏

مستقبل الدول والحكومات والإدارات والمؤسسات المتنوعة يفرض عليها تغلغلُ الذكاءُ الاصطناعي وحضورُه بقوة في كلّ مجالات الحياة، ويدعوها لأن تعيد النظر في فهمها للواقع المركب العميق الملتبس، ونمط وعيها لديناميكية عملية التغيير. مَن يتخلف عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يغامر بخسارة الحاضر والمستقبل. الأبناء أشدّ تناغما وأبرع من الآباء باستعمال هذا الذكاء، وتوظيفه بمهارة في مجالات الحياة المتنوعة، والتفاعل معه بشغف وتطويره. الواقع يفرض علينا اكتشافَ مواهب الأبناء وتحفيزهم لتنمية مواهبهم وإثرائها. مَن يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل. لو كان أحد الأبناء لا يمتلك استعدادًا ذهنيًا جيدًا في مجال معرفي معين، وكانت موهبته ضئيلة فيه؛ يمكن أن يكون موهوبًا ويمتلك استعدادًا ذهنيًا حاذقًا في مجال آخر.

أتفهم جيدًا الظروف القاسية لبعض الأبناء في بلادنا ممن مازالوا يحفرون الصخر بأظفارهم، كي يرتشفوا شيئًا من التعليم الأساسي في مدارس مازالت مبنية من الأكواخ أو الطين، وتفتقر للمرافق الأساسية، ولا تقي من حرّ أو برد. أتفهم ظروف عيشهم المريرة، لأن مسيرة حياتي في الطفولة صنعتها أقدارٌ شقية. أنا ابن فلاح من قرية في جنوب العراق، تفتقر الحياة فيها لأدنى متطلبات العيش الكريم. لا أعرف كيف استمرت حياتي فيها، وكيف أكملت تعليمي في مدرسة بقرية مجاورة، وكيف استطعت العيش في ظروف بالغة القسوة. وإن كنت حتى اليوم أدفع فاتورة قاسية لسوء التغذية الحادّ والحرمان من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعف البصر الشديد في احدى عينيّ، إثر جهل الأمهات بتطبيبهنّ البدائي عند إصابتي بالرمد.

لم أكن مختارًا في الإقامة ببلدان قذفتني فيها أقداري واضطررت للعيش فيها. أجد نفسي كلَّ مرة في بلد لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل. فرضت عليّ الأيامُ ضرائبَ قبل ولادتي وبعدها، مازلتُ حتى اليوم أدفع شيئًا من فاتورتها الباهظة، لانتمائي لمجتمع تسوده تراتبيةٌ دينية وعشائرية هرمية، تستمدّ قيمتها من النسب، والانتماءِ كرها لطبقة، تضع الفردَ فيها أقدارُ أبويه الطبقية وجيناتهما الوراثية.

أقدم هذا الكتاب ثقةً بالجيل الجديد، وتثمينًا لجهوده وما يتطلع إليه من إنجاز مبتكر. وتحية محبة وامتنان للأبناء صانعي مستقبل عالمنا وأوطاننا.

[1] مقدمة كتاب ثناء على الجيل الجديد، صدر حديثا عن منشورات تكوين في الكويت ودار الرافدين في بيروت.

 

https://alsabaah.iq/102806-.html

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم وترسيخها هي حجرُ الزاوية في كل عملية تنمية خلّاقة، النجاحُ فيها علامةُ كلِّ نجاح، والإخفاقُ فيها علامةُ كلِّ إخفاق. تتشكلُ معادلةُ التربيةِ والتعليم من ثلاثة عناصر، هي: المعلّم، التلميذ، المقرر الدراسي. لا تنجز هذه المعادلةُ وعودَها ولا يمكن قطف ثمارها من دون إعادة بناء متوازية لكل عناصرها، وإن أيَّ اختلال في أحد عناصر هذا المثلث يفضي إلى اختلال كلّ المعادلة. التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم هي مأزق التنمية في أوطاننا، ذلك هو السببُ العميق لكلِّ فشل وإخفاق في أية عملية للتنمية الشاملة.

عمليةُ بناءِ الإنسان هي البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ عمليةِ بناءٍ خلّاقة، وما تنشدُه أيةُ تنميةٍ شاملة. رأسُ المالِ البشري المتعلم هو ما يتكفلُ بناءَ دولة مواطنة دستورية حديثة. رأسُ المالِ البشري أثمنُ من كلِّ رأسمال، فمهما امتلكنا من بترولٍ وغيره من مصادر الثروة المادية لن نتفوقَ على مَن يمتلكُ رأسَ المالِ البشري المكوَّن من الخبراء وذوي المهارات المتنوعة. الإنسانُ المتعلم أثمن من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يفوقُ الإنسانَ المتعلم بقيمته في عالَمنا الذي نعيشُ فيه. الاستثمارُ في الإنسان أثمن من كلِّ استثمار، تخلُّفُ البلدان ينشأُ من الفشل في بناء الإنسان، وإدمانِ الكسل. اليابانُ مثلًا تفتقرُ للموارد الطبيعية، لكنها بارعةٌ في بناء الإنسان، تقدّمت اليابانُ بسبب تفوق إنسانها بتكوينه التربوي والقيمي والتعليمي، وتراكم خبراته المهنية، ومثابرتِه على العمل، وارتفاعِ معدل إِنْتاجيَّته كمًّا وكيفًا. سنغافوة أيضًا تفتقر للثروات المادية، لكنها تفوقت على غيرها من البلدان، وقفزت لمعدلات باهرة في التنمية، بسبب أنها وضعت تكوين رأس المال البشري أولويةً في برامجها للتنمية، واعتمدت في ذلك على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، وما أنجزه العقلُ والخبرة البشرية من مكاسبَ مهمة في التربية والتعليم.

تتفشى الأميَّةُ الثقافيةُ والرقمية بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية بشكل مخيف، فقلّما ترى مَن يلاحق ما هو جديدٌ في تخصّصه الأكاديمي، وأقل منه مَن يهتم بمواكبة الإنتاج الفكري بالعربية فضلًا عن غيرِها من اللغات، أو يتعرّف على الأعمال الجادّة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وقليل جدًا مَن يبرع في استعمال التقنيات الرقمية في البحث العلمي وتطوير مهارات التلامذة من جيل الآباء.

منصَّاتُ التواصل الرقمية وتطبيقاتُها المتعدّدةُ والمتنوعةُ تجاوزت دورَ الكتاب التقليدي في التربية والتعليم والتكوين المعرفي، وتغلّبت على مركزيته في البناء الفكري والثقافي. غير أن كثيرًا من التدريسيين من الجيل القديم لا يحضر على منصات التواصل الرقمية، ولا يعرف شيئًا عن معظم تطبيقاتها، وإن حضرَ لا يتخطّى حضورُه الإسهامَ في العلاقات العامة والمناسبات الاجتماعية، ونادرًا ما نعثر على مشاركات نوعية لتدريسيين تعكس ثقافتَهم وتكوينَهم الأكاديمي.

يجهل أغلبُ التدريسيين من جيلي الابتكاراتِ المدهشة للذكاء الاصطناعي، وما يعدُ به من مكاسب عظمى، تتغيرُ بتأثيرها أنماطُ العمل والإنتاج والتسويق، وتختفي مهنٌ مختلفة وتحل محلها مهنٌ بديلة، ويحدث تحول نوعي في وسائل تلقي العلوم والمعارف والفنون والآداب، وتتبدل طرائقُ التدريس ووسائلُ وأساليبُ التعليم، ويطال التغييرُ مختلف مجالات الحياة، فـ “عندما نتحدث عن حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوميّة، فنحن عمليًّا نتحدث عن كلِّ شيء. يشمل ذلك ظهور كومبيوتر قادر على قراءة وثائق مكتوبة بخط اليد، وروبوت يُجري بنفسه عمليات جراحيّة معقدّة وبصورة مستقلة عن التدخّل البشري، وصُنع قاعدة بيانات مكثّفة تتضمن الصفات والسلوكيّات والسجايا الشخصيّة لكل فرد منا، استنادًا إلى كل ما نقرأه أو نكتبه على الإنترنت… ومع التعمّق في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي، ينكشف أمام أعيننا أنه لن يكتفي بمجرد الحلول بدلًا من البشر، بل يستطيع التفكيرَ بطرق يعجز الإنسان عنها. ثمة خوارزميات متطوّرة تستطيع التعامل مع كميّات هائلة من المعلومات، وتتوصّل إلى استنتاج الأنماط الموجودة فيها، ما يجعلها (= الخوارزميات) على أهبة الاستعداد لتغيير المجتمع”[1].

الذكاءُ الاصطناعي معنى جديد لرأسِ المالِ يختلفُ عن المعنى الكلاسيكي له، إنه أثمنُ ثروةٍ يمتلكها الإنسانُ في عالَمنا اليوم، مَنْ يمتلكها يمتلك حاضرَ العالَم، ويتمكن من التحكم بمصائره ومصائر مَن لا يمتلك هذا الذكاء، ومَنْ يفتقدها يفتقد القدرةَ على الحضور في العالَم، مثلما يفتقد القدرةَ على التحكم بمصائره. مهما كانت قيمةُ الثرواتِ المادية فإنها لا تساوي القيمةَ الحقيقيةَ للذكاءِ الاصطناعي، وما يمكن أن ينتجَه من سلعٍ وخدماتٍ ومعطياتٍ معرفيةٍ وماديةٍ متنوعةٍ في مجالاتِ الحياة المختلفة. بلغت القيمة السوقية في 18 – 6 – 2024، لشركة “إنفيديا” المصنعة للرقائق  3.33 تريليون و 333 مليون دولار، بسبب الطلب المتزايد لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الرقائق. وبلغت القيمة السوقية لشركة “مايكروسوفت” 3 تريليونات و 332 مليون دولار، وشركة “أبل” 3 تريليونات و 269 مليون دولار، وشركة “غوغل” 2 تريليون و 186 مليون دولار[2]. وحسب تقديرات خبراء الاقتصاد يُقدَّر أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 إلى 1.8 تريليون دولار، في حين سيبلغ الناتج الاقتصادي للذكاء الاصطناعي 15 تريليون دولار.

تتجلى أميّةُ أساتذة الجامعات بأجلى تمظهراتها بالجهلِ بالذكاء الاصطناعي، وما ينجزه اليوم ويعد به غدًا، والجهلَ بتوظيفِ منصات التواصل وتطبيقاتها المتنوعة، والعجز عن الإفادةِ من ذلك في التكوين المعرفي والثقافي، وعدم استثماره في التنمية العلمية والثقافية والرقمية، والغفلة عن أن مصادرَ المعرفة وطرائقَ تلقِّيها لم تعد كما كانت أمس، ولا أساليب التعليم هي ذاتها. منصاتُ التواصل وتطبيقاتها المتنوعة كسرت احتكارَ الكتاب الورقي، وكلَّ الطرق التقليدية للتكوين المعرفي والثقافي، وتغلبت على وسائل تداولها ونشرها المتعارفة، بل أضحت موازيةً لعملية التكوين الأكاديمي في الجامعات المتوارثة منذ ما يزيد على تسعة قرون، وأراها ستتفوق عليها بعد مدة ليست بعيدة.

ابتكر الذكاءُ الاصطناعي ومنصاتُ التواصل وتطبيقاتُها المتنوعة طرائقَ تدريس بديلةً تعبّر عن هوية عالَمها الوجودية، فصارت من خلالها أدقُّ المباحث وأشدُّها تعقيدًا واضحةً تُفهَم بيسر وسهولة، بأساليب بصرية وسمعية ليست رتيبة أو مملة. أزاحت الأساليبُ الجديدةُ طرائقَ تدريس ميكانيكية توارثتها عدةُ أجيال، وأقعدت معلمين متمرسين فيها عن مهنتهم، لأنها لم تعد مستساغةً للجيل الجديد.

مَن يحرص على التكوين المعرفي والثقافي واللغوي المستمر في أيّ مجال يرغب، يمكنه الظفرُ بمعلمين محترفين متطوعين في مختلف العلوم والمعارف واللغات، ولمختلف المستويات. فمثلًا لا يحتاج مَن يريد تعلّمَ لغة أخرى إلى حضور منتظم في المعاهد المعروفة لتعليم اللغات، لأن بإمكانه العودةَ إلى مواقع متخصّصة في اليوتيوب وغيرِه، تقدّم له تعليمًا ممتازًا مجانيًّا، وهو في بيته، ومن دون أن يتحمّل عناءَ الذهاب إلى مكان آخر، ودون أن ينفق شيئًا من ماله، ويبدّد وقتَه.

بلغ حجمُ الكمية المتدفّقة من البيانات، في مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، حدًّا يفوق قدرةَ الإنسان على مواكبته فضلًا عن استيعابه، لذلك لا يستطيع المتخصِّصون أو الهواة الاطلاعَ إلا على مساحةٍ محدودةٍ جدًّا منه. إذ “ستتجاوز كمية البيانات الرقمية المنتجة خلال السنوات الثماني المقبلة 40 زيتا بايت، وهو ما يعادل 5200 جيجا بايت من البيانات لكلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض. ولوضع الأمور في نصابها 40 زيتا بايت هو 40 تريليون جيجابايت. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية تبلغ 57 ضعفَ عدد كل حبات الرمال على جميع الشواطئ على وجه الأرض. ومن المتوقّع أن تتضاعف جميع البيانات كلّ عامين حتى عام 2020م”[3].

تستثمر اليوم ChatGPT وأمثالُها من تطبيقات الذكاءُ الاصطناعي البياناتِ Data بوصفها منجمًا ثمينًا يجيب عن أسئلة الإنسان ويثري معارفه في مجالات العلوم المتنوعة، والسياسات، والاقتصاد وإدارة الأموال واستثمارها، والحقوق والحريات، والقيم، والأديان، والثقافات والفنون والآداب، وكلِّ شيء. صارت البياناتُ مصدرًا أساسيًا للمعرفة، ولكلِّ شيء في حياة الإنسان ومعاشه، مَن يمتلك كميةً مذهلة من هذه البيانات ويراكمها كلَّ يوم يتفوق غدًا على مَن يفتقر إليها.

النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ اليوم كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في “حالة المابين”، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه إلى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ صيرورة الوجود السيّار المتحرّك لكلِّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه. إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. نمطُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ[4].

 المطيري، غادة، “الذكاء الاصطناعي”، اندبندت عربية 11 يونيو 2019.[1]

 [2]19 جريدة الشرق الأوسط، 19 – 6 – 2024.

أحمد، أبو بكر سلطان، البيانات الضخمة: خصائصها وفرصها وقوتها، الفيصل العلمية، الصادرة بتاريخ 28-11-2017.  [3]

  الرفاعي، د. عبدالجبار، “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير، الطبعة الثانية، 2019، ص 65.[4]

https://alsabaah.iq/98875-.html