Category: الأسطورة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

في التدين الشعبوي يحتجب الله

في التدين الشعبوي يحتجب الله   

د. عبد الجبار الرفاعي

التدين الشعبوي تدين شكلي ذرائعي، وهو يختلف عن التدين الشعبي الذي يتجلى فيه شيء من التدين الرحماني، ويعبر عن إيمان عفوي، وعلاقة صادقة بالله، وحرص على فعل الخير، ومواساة الناس، واحترام القيم الأخلاقية. عرفت حياة الأفراد والمجتمعات التدين الشعبي، وتوارثته الأجيال منذ عصر الرسالة، تعبيرًا عن حاجة الإنسان إلى الإيمان والمعنى والطمأنينة. يستثمر التدين الشعبوي التدين الشعبي البريء، ويتسلل إليه، ويوجهه لخدمة مصالح لا تمت إلى غايات الدين بصلة، فيستبدل صفاء الإيمان بإثارة الانفعالات، ويطفئ يقظة الضمير بصخب الشعارات، ويحجب جوهر الدين بكثافة المظاهر والشعارات الصاخبة، حتى يغدو الشكل بديلًا عن المضمون، والشعائر بديلًا عن الأخلاق، والانفعال والغضب بديلًا عن الوعي.

تمثل الجماعات الشعبية بيئة ملائمة لولادة التدين الشعبوي وتمدده في مختلف مجالات الحياة. حين ينزاح التدين عن مجاله، تنحرف وظيفته من بناء الحياة الروحية وإيقاظ الضمير الأخلاقي إلى تكريس شعائر مفتعلة لأغراض لا صلة لها بوظيفة الدين، فيغدو مفهوم التدين مطابقًا لهذه الشعائر. يفتقر التدين الشعبوي إلى الحس الأخلاقي، وتنضب فيه الطاقة الروحية، فلا يقاس التدين بصدق الضمير، ولا بصفاء القلب، ولا بسمو السلوك الأخلاقي، وإنما يقاس بكثافة المظاهر، والإفراط في الاستعراض، والمبالغة في إعلان الانتماء.

مَن يبحث عن الله في هذا النمط من التدين لن يجده، لأن التدين الشعبوي يحجب الحضور الحي لله بكثافة الشعارات والمظاهر. لا يعني احتجاب الله غيابه، فالله لن يغيب، غير أن صورته النورانية تحتجب في روح الإنسان عندما تستولي الهوية المغلقة على ضميره، وتحتل المصالح والانفعالات مساحة القلب، ويتحول الولاء لها إلى معيار للإيمان. يحتجب الله لأن هذا التدين لا يطلب الصلة به، وإنما يستعمل اسمه لاكتساب المكانة والنفوذ، ويحول الدين من خبرة روحية إلى هوية جماعية مغلقة، ومن إيقاظ للضمير إلى امتثال لسلطة الجماعة. يستبدل التدين الشعبوي حضور الله بحضور الجماعة في الشعار، وصوت الضمير بصوت الجمهور، وطلب المعنى بطلب المكانة المادية. كلما تعالت الشعارات خفت صوت الله في أعماق الإنسان، وكلما تضخمت المظاهر ضاقت مساحة القلب، حتى يغدو الله اسمًا يتكرر على اللسان، ولا يتجلى أثره في السلوك. يحتجب الله عندما لا تثمر الصلة به رحمةً ومحبةً وعدلًا وسلامًا، ولا تصون كرامة الإنسان. عندئذ يظل اسم الله حاضرًا في الكلمات، فيما يغيب نوره عن القلب، وتغيب آثاره عن الحياة.

يتحدث هذا التدين عن الله كثيرًا، غير أنه يبعد الإنسان عن الله أكثر، لأنه يرسم له صورة تستمد ملامحها من مصالح الجماعة وصراعاتها على السلطة والثروة، فيظهر إلهًا للغلبة والاستقطاب والوصاية، لا إلهًا للحب والرحمة والعدل والسلام. عندئذ يتحول الدين من طاقة ملهمة للمعنى في حياة الإنسان إلى أداة للتعبئة وإنتاج الاستعباد، ويفقد التدين وظيفته. حضور الله لا يكشفه صخب الشعارات، حضور الله يتمثل بأثره في السلوك ورعاية حريات الإنسان وحقوقه. حيث تغيب هذه الآثار تحتجب صورة الله، وإن امتلأت المنابر باسمه، وتكاثرت الشعائر التي تقام من أجله.

في التدين الشعبوي يتحول الدين إلى هوية جماعية مغلقة، أكثر من كونه خبرة روحية تحرر الإنسان من الخوف والكراهية والجشع. ويتراجع سؤال المعنى، وتحل محله أسئلة الانتماء والاصطفاف والولاء. عندما يفقد الدين رسالته في بناء الإنسان، يغدو أداة لإنتاج الاستعباد لا لإيقاظ الحرية، ووسيلة لتكريس هوية الجماعة المغلقة لا لتربية الضمير. عندئذ يضمحل البعد الروحي، وتفقد الطقوس غاياتها، وتتحول من وسائل لتغذية الحياة الروحية إلى غايات قائمة بذاتها.

يتضخم رصيد الإنسان في جماعته بمقدار ما يستعرضه من مظاهر للتدين الشعبوي، لا بمقدار ما يتحلى به من فضائل أخلاقية، وما يسمو به من حياة روحية، وما يقدمه من خير للناس. هكذا تنتقل قيمة الإنسان من ضميره وأخلاقه وسلوكه إلى حضوره فيما هو شكلي، وقدرته على إعلان تدينه أمام الجماعة. يغدو الاعتراف الاجتماعي مكافأة يسعى إليها الفرد، أكثر من سعيه إلى بناء حياته الروحية والارتقاء بإنسانيته. كلما اتسع حضور الإنسان في مهرجانات الشعائر، ارتفعت مكانته في الجماعة، وإن افتقر ضميره إلى الحس الأخلاقي.

لا يسأل الجمهور عما يفعله التدين في أعماق الإنسان، وما يحدثه في أخلاقه وصلته بالآخر، لأنه يكتفي بما يراه من مظهره، ويمنحه المكانة على أساس قدرته على الاستعراض. عندئذ يعيش الإنسان تحت نظر الجماعة أكثر مما يعيش في حضرة الله، ويحرص على صناعة صورته في عيون الناس أكثر من حرصه على تهذيب قلبه وإيقاظ ضميره. يتحول التدين إلى أداء اجتماعي يطلب به الفرد الاعتراف والوجاهة، وتفقد الخبرة الروحية صدقها، لأن ما لا يغير حياة الإنسان من الداخل، ولا يسمو بأخلاقه، ولا يثمر خيرًا ورحمةً، يظل مظهرًا خاليًا من الروح.

كلما اشتد حضور التدين الشعبوي، اضمحلت مساحة التفكير الحر، واتسعت سلطة الأوهام، وغدا الإنسان أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على مساءلة ما تفرضه الجماعة عليه باسم الدين. يستبدل التدين الشعبوي السؤال بالتلقين، والتفكير بالامتثال، والضمير الفردي بضمير الجماعة، حتى يفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجمهور، ويفكر بعقله، وينفعل بمشاعره. لا يريد التدين الشعبوي عقلًا يقظًا، لأن العقل اليقظ يسأل ويفكر وينقد ويمحص، فيما تحتاج الشعبوية إلى عقل مشلول يتلقى الأجوبة الجاهزة، ويطمئن إلى الشعارات، ويخشى كل سؤال يزعزع ما لقنته الجماعة له.

تعادي الشعبوية التفكير، لأنه يكشف تهافت مقولاتها ومصالح دعاتها، لذلك تتغذى على الانفعال، وتستبدل التفكير بالغضب، والحجة بالهتاف، والمعرفة بالشائعة، وتصنع عدوًا دائمًا لتعبئة الجمهور وإدامة ولائه. كلما اشتد الانفعال تراجعت قدرة الإنسان على التمييز، وغدا أكثر استعدادًا للتدجين. هكذا تتحول الجماعة إلى مرجعية للحقيقة، ويصير الولاء لها معيارًا للإيمان، ويفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجماعة، ويفكر بعقلها، وينفعل بمشاعرها، حتى يغدو الاختلاف معها خروجًا على الدين.

يكرر التدين الشعبوي الشعارات والمقولات ذاتها، حتى تقيم في اللاشعور، ويحسبها الإنسان حقائق نهائية لا تقبل السؤال والمراجعة. التكرار المتواصل لا يوقظ الإيمان، وإنما يعطل التفكير، ويمنح الوهم سلطة الحقيقة، ويحول التلقين إلى يقين زائف. عندما يخدر العقل، يعجز الإنسان عن رؤية تناقضات هذا التدين، ويفقد القدرة على التمييز بين الدين واستغلاله، وبين حضور الله وسلطة مَن يتكلمون باسمه، وبين الإيمان الصادق والانفعال الجمعي.

لا تنبعث الحياة الروحية في الضجيج والاستعراض، لأنها تحتاج إلى قلب يقظ، وضمير حي، وصمت يتيح للإنسان أن ينصت إلى نداء المعنى في أعماقه. حين تتحول الشعائر إلى مهرجانات جماعية، تفقد قدرتها على تغذية الروح، ويغدو الانفعال بديلًا عن الخبرة الروحية، والهتاف بديلًا عن المناجاة، والامتثال للجماعة بديلًا عن الصلة الصادقة بالله. لا يقود التدين الشعبوي الإنسان إلى الله، بعد أن يحجب حضوره بكثافة الأوهام، ويجعل المقدس وقودًا للاستقطاب والتعبئة.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=387813

 

الملاحم الكبرى: سرديات ارتقت إلى مرتبة المقدس

الملاحم الكبرى: سرديات ارتقت إلى مرتبة المقدس

د. عبد الجبار الرفاعي

السرديات نصوص أدبية طويلة، تحكي قصصًا ذات طابع أسطوري وتاريخي، ولا تخلو أكثرها من معنى ديني. تتناول موضوعات، تلتقي فيها حكايات وأساطير ذات نسق واحد، وتمثل بنية رمزية شاملة، وتقدم إطارًا تفسيريًا كليًا للوجود والعالم والمجتمع والتاريخ. هذا الإطار يمنح الإنسان معنى لوجوده وحياته، ويرسم رؤيته للعالم، والخير والشر، والحياة والموت، ويعمل على تشكيل هويته الفردية والمجتمعية، ويزوده برؤية بما جرى في الماضي، ويتنبأ بما يجري في المستقبل. تولد هذه الحكايات والأساطير من متخيل المجتمع، ليعبر فيها الإنسان عن كيفية تعريفه لذاته، وللزمان والمكان والتاريخ، وما يلون به صورته من مزاعم بمنجزات خارقة، وانتصارات وبطولات وأمجاد ومكاسب استثنائية في حروبه ومغامراته، وتجاهل لخساراته وهزائمه. تطغى في هذه النصوص عبارات، تمتزج فيها أحلام المجتمعات بتوهم تفوقها المبهر، وتطرحها وكأنها حقائق نهائية لا تناقش، من دون أن تستند إلى أية أدلة أو معطيات ووثائق تؤكدها.

السرديات بما هي نصوص أدبية استطاعت حفظ اللغة والدين والهوية والذاكرة، لأنها لم تكن مجرد نصوص تُروى، بل كانت أنساقًا رمزية حيّة تستعاد في التعليم والمسرح والاحتفالات، وأحيانًا في الطقوس، وبمرور الزمن اكتسبت هذه النصوص سلطة رمزية في الوعي الجمعي. حفظت هذه السرديات اللغة، لأنها صاغتها بأجمل أشكال التعبير الشعري والنثري، فصارت معيارًا للبلاغة، ومصدرًا للتداول، ومعجمًا للمفردات. أمّا الهوية والذاكرة فقد حفظتهما النصوص، لأنها قدمت سرديات تأسيسية تعرف الجماعة بذاتها، وتعيد إنتاج أمجادها، وترسخ صورتها عن الأصل والمصير. اللغة، بوصفها وعاءً للمعنى، لم تحفظ النصوص من النسيان فحسب، بل حولتها إلى نص سردي متجدد، يستأنف حضوره في كل جيل، ويعاد تأويله، فغدت نصوصًا خالدة، لأن اللغة التي حملتها قادرة على تحديث معجمها، وعلى حماية الذاكرة من زمن إلى آخر دون أن تفقد دلالاتها الرمزية. اللغة التي احتضنتها هذه السرديات لم تكن وعاءً عابرًا، بل صارت قوة تصونها من التبدد، وتحرسها من النسيان، وتعيد بعثها في كل جيل، لتغدو نصوصًا أبدية تحيا بحياة اللغة، وتحيا بها اللغة أيضًا. وبذلك لم تكن السرديات حكايات بطولية فقط، بل مرايا لهوية المجتمعات وذاكراتها، تحفظ انتصاراتها، وتمحو من الذاكرة إخفاقاتها وهزائمها وانكساراتها، وتمنحها المعنى الذي يعزز ثقتها بذاتها، وشعورها بالتفوق والانتصار المستمر.

الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار هو من صاغ مصطلح السرديات في سياق نقده للحداثة، مؤكدًا أن مرحلة ما بعد الحداثة تتسم بفقدان الثقة بهذه السرديات. لا أتحدث هنا عن السرديات بما هي أيديولوجيات تفسيرية شمولية، تدعي تفسير التاريخ والواقع وفق منطق حديث، مثل: الماركسية والقومية والتنوير والليبرالية وغيرها، إنما أتحدث عن السرديات بما هي نصوص أدبية كبرى، تمثل صوتًا فريدًا لمجتمعها، وتشترك في تقديم إطار شامل يفسر الوجود الإنساني ويمنحه معنى، مثل: ملحمة جلجامش التي تعود أصولها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ودونت ألواحها المسمارية في الألف الثاني قبل الميلاد في حضارة سومر وأكد، وحفظتها لنا النسخة البابلية التي جمعها الكاتب البابلي “سين-لقي-أونيني” بين القرنين الثالث عشر والعاشر قبل الميلاد، وتتألف من اثني عشر لوحًا طينيًا، وهي النسخة الأشمل مقارنة بالنسخة الأكدية المدونة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، التي تعد أول محاولة لصياغة الملحمة بشكل موحد، لكنها لم تصلنا كاملة. تقدم هذه الملحمة صورة إنسان بلاد الرافدين الباحث عن الخلاص من قلق الموت، وتعكس تأملاته في اكتشاف معنى الموت والخلود، حيث يسعى جلجامش لفهم مصيره بعد فقدان صديقه أنكيدو، ليصبح النص رمزًا للبحث الإنساني عن معنى وجود الإنسان وموته.

الإلياذة والأوديسة، المنسوبتان إلى هوميروس، والمدونتان في القرن الثامن قبل الميلاد، تمثلان ذروة التعبير الملحمي في الحضارة اليونانية، حيث صاغتا الوعي الجمعي، عبر سرد بطولي يلتقي فيه الإنسان مع الآلهة والمصير. تتألف كل منهما من أربعة وعشرين نشيدًا مكتوبًا في الوزن السداسي، وتتناولان موضوعات الحرب والبطولة والعودة والحنين، وقد بلغ عدد أبيات الإلياذة نحو 15693 بيتًا، بينما تضم الأوديسة حوالي 12110 أبيات، وفق أكثر الإصدارات النقدية اعتمادًا، مما جعلهما نموذجين تأسيسيين للملحمة بوصفها نصًا كونيًا يعيد تشكيل الذاكرة والهوية الجمعية.

وتمثل المهابهاراتا والرامايانا ذروة التعبير الملحمي في الهند، حيث تتداخل فيهما الأسطورة مع الفلسفة والسرد البطولي بالتأمل الروحي، في نسيج لغوي وثقافي وديني، جمع لهجات الهند ومفاهيمها الدينية في نصين تأسيسيين للوعي الهندوسي. المهابهاراتا، المنسوبة إلى الحكيم فياسا، تروي صراعًا ملحميًا بين قبيلتين ملكيتين، وتُعيد إنتاج مفاهيم الكارما والدارما ضمن رؤية كونية للواجب والقدر. بدأ تدوينها في القرن الرابع قبل الميلاد واستمر حتى الرابع الميلادي، لتغدو أوسع ملاحم الهند وأطولها، بأكثر من مئة ألف بيت شعري، موزعة على ثمانية عشر كتابًا. أما الرامايانا، المنسوبة إلى فالميكي، فتسرد رحلة الأمير راما لاستعادة زوجته سيتا من ملك الشياطين رافانا، وتعبر عن التجلي الإلهي في قالب سردي طقوسي، يستخدم حتى اليوم في المسرحيات والاحتفالات الدينية. هاتان الملحمتان، رغم طابعهما السردي، تعيدان تشكيل البنية الاجتماعية والروحية للهند، وتخلدان مفاهيم التضحية والبطولة في فضاء رمزي ارتقى إلى مرتبة المقدس. ولدى الرومان كتب فرجيل “الإنيادة”، الذي عاش بين 70 و19 قبل الميلاد، وهي واحدة من السرديات الكبرى التي صاغت الأساس الرمزي والخيالي لفكرة روما الأبدية، حتى غدت بمثابة نص مؤسس لهوية الرومان. دوّن فرجيل رحلة البطل الطروادي إينياس، وهو بطل أسطوري من بقايا طروادة المدمَّرة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريبًا، مصورًا مسيره من دمار الماضي إلى تأسيس لافينيوم[1] ثم روما بوصفه رمزًا لولادة أمة جديدة من رحم المأساة. جعل فرجيل من إينياس الجد الأسطوري للرومان، فكرس نسبًا متصلًا يربط الطرواديين باللاتينيين وينتهي إلى رومولوس مؤسس روما سنة 753 قبل الميلاد، بما يمنح المدينة قدرًا سماويًا وشرعية تاريخية. لم تكن الإنيادة مجرد قصيدة شعرية بل نصًا وظيفيًا ارتقى إلى مستوى السردية المقدسة، إذ رسخت قيم الوفاء للأسرة والآلهة والوطن في مواجهة الهياج والعنف، وقدمت للرومان وعيًا جماعيًا بأصولهم وقدرهم في التاريخ. كتبت الملحمة في ظل الإمبراطور أوغسطس، الذي حكم بين 27 قبل الميلاد و14 للميلاد، فجاءت أداة أيديولوجية لترسيخ شرعية الحكم الجديد بعد الحروب الأهلية، إذ ربطت بين إينياس والسلالة اليولية، وهي سلالة يوليوس قيصر الذي عاش بين 100 و44 قبل الميلاد واغتيل في روما، وأوغسطس، بوصفهم ورثة القدر الطروادي وحملة رسالة الآلهة. أعيد إنشادها وتدريسها في المدارس، وتحوّلت إلى كتاب هوية جمعية وتعليم يتلقاه الناشئة جيلًا بعد جيل، حتى ارتقت في وعي الرومان إلى مقام النص المقدس الذي يمنح أصلًا ومعنى ورسالة، ويمدهم بإحساس بأن روما ليست مجرد قوة عسكرية محلية، بل قدرًا كونيًا مرسومًا لها رسالة هيمنة سياسية وعسكرية وتمدينية على الشعوب الأخرى. وظيفة روما نقل القانون والنظام والثقافة الرومانية إلى هذه الشعوب الخاضعة لها، وهي لم تكن توسع عدواني، بل إرادة الآلهة، أي أن رسالة الإمبراطورية الرومانية ليست خيارًا سياسيًا بل مصيرًا مقدرًا. هكذا صارت الإنيادة سياسيًا هوياتيًا لترسيخ الإمبراطورية. الرومانية نصًا جامعًا يخلد الذاكرة ويحفظ اللغة ويؤسس لهوية راسخة.

الشاهنامه هي الملحمة الفارسية الكبرى التي أنشدها أبو القاسم الفردوسي بين عامي 977 و1010م، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل، تعد من أعظم القصائد الملحمية في الأدب العالمي. يقال إنها تتألف من ستين ألف بيت شعري بالفارسية القديمة، غير أن النسخ المتداولة، كالنسخة التي صححها جلال خالقي مطلق، تضم نحو 49,530 بيتًا، وتكشف مقارنات الخبراء المتخصصين أن أقدم المخطوطات الكاملة القريبة من تلك النسخة، مثل مخطوطة لندن المؤرخة بسنة 675هـ، تحتوي 49,618 بيتًا، وهذا يعني أن التقدير الشائع بأنها مؤلفة من نحو ستين ألف بيت لا تؤيده الأصول الموثوقة. تستند الشاهنامه إلى مصادر زرادشتية وتاريخية أبرزها: “خداي نامه”، الذي جمع الروايات الأسطورية للملوك الإيرانيين قبل الإسلام. جاءت هذه الملحمة بعد قرون من الفتح الإسلامي، في لحظة فارقة من التاريخ الإيراني، لتعيد تشكيل الوعي القومي، وتبعث اللغة الفارسية بوصفها لغة ثقافة وأدب وهوية مشتركة، وترمم الذاكرة الجمعية، عبر سرد بطولي يمتد من خلق العالم إلى الفتح الإسلامي، يعمل على إحياء كلمات الفارسية القديمة، قبل تشبع هذه اللغة بالمفردات العربية بعد الإسلام. سألت الدكتور حسين علي محفوظ[2]، الخبير في اللغة الفارسية، عن نسبة المفردات العربية في الفارسية الحديثة، فأجاب: “تبلغ في المعاجم نحو 60% تقريبًا”، ويقول المتخصصون في هذه اللغة: إن المفردات العربية في الاستعمال اليومي لا تتجاوز عادة 25 إلى 30%. في الشاهنامه حاول الفردوسي أن يعيد للفارسية معجمها القديم قبل تغلغل العربية فيها، فلم يستخدم من المفردات العربية سوى 800 إلى 1000 كلمة تقريبًا، ضمن نص شعري يناهز 60 ألف بيت. بغية حفظ المفردات الفارسية من الاندثار، مما جعل الشاهنامة رمزًا للمقاومة الثقافية وإحياء الهوية القومية. لذلك ارتقت هذه الملحمة إلى رتبة المقدس الرمزي، فصارت تقرأ بوصفها نصًا مؤسسًا للذات الإيرانية.

لدى اليابان الكوجيكي، الذي دوّن سنة 712م، ونيهون شوكي، الذي دوّن سنة 720م. وهما نصّان أسطوريان تاريخيان دوِّنا في فترة نارا لتأسيس سردية يابانية جامعة. جمع الكوجيكي، الذي دوّنه العالِم أونو نو ياسومارو (توفي 723م)، أساطير نشأة الكون بحسب الشنتو، وقصص ولادة الآلهة، ونزول الإلهة الشمسية آماتيراسو (إلهة أسطورية)، وربط نسب الأباطرة بها ليمنح العائلة الإمبراطورية قدسية. أما نيهون شوكي، فقد أشرف على تدوينه الأمير تونِري (676–735م)، فجاء أكثر تفصيلًا وتوثيقًا بالصينية الكلاسيكية، جامعًا بين الأسطورة والتاريخ، وموثقًا أصول اليابان وأحداثها السياسية المبكرة. وقد ارتقيا في الوجدان الياباني إلى مقام النصوص المقدسة، إذ لم يُعاملا ككتب تاريخية فقط، بل كنصوص طقسية تُقرأ في الشعائر الشنتوية، ويُستعاد مضمونها في الاحتفالات الإمبراطورية، وتُلقَّن للأجيال بوصفها رواية الأصل ومعنى الوجود الجماعي، وبذلك تحوّلا إلى ذاكرة مقدسة تحفظ هوية اليابان وتمنح الدولة والأباطرة هالة تتجاوز السياسة إلى المصير الأسطوري.

وفي إيطاليا كتب الكوميديا الإلهية دانتي أليغييري بين عامي 1308 -1321، وهي تعد من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ الأوروبي، إذ جسدت رحلة رمزية للروح من الجحيم إلى الفردوس، ورسمت خريطة كونية للمصير الأخروي في الوعي المسيحي الوسيط. تتألف الكوميديا الإلهية من ثلاثة أقسام: الجحيم، والمطهر، والفردوس، ويضم كل منها ثلاثًا وثلاثين نشيدًا، إضافة إلى نشيد افتتاحي، ليبلغ مجموعها مئة نشيد مكتوبة باللسان الفلورنسي، في الوزن الثلاثي المقفى المعروف بالتيرزا. في هذا العمل، يدمج دانتي اللاهوت المدرسي بعلم الفلك الأرسطي والخيال الشعري، ليقدم سردية كونية شاملة، تتداخل فيها: الفلسفة، والسياسة، والتاريخ، والشعر، وتعكس رؤية مسيحية للخلاص والعدالة والنعيم الأبدي. ارتقت الكوميديا الإلهية إلى رتبة المقدس الرمزي، فغدت نصًا مؤسسًا للهوية الروحية والثقافية للغرب اللاتيني، واستخدمت في التعليم والوعظ والتأمل، وظلت تستعاد بوصفها تأويلًا شعريًا للاهوت، وتجسيدًا سرديًا للعدالة الإلهية. لم يقتصر أثر الكوميديا الإلهية على الفكر الديني والأدبي، بل امتد إلى الفنون التشكيلية والموسيقى، فألهمت أعمال بيوتشيلي، ودوريه، وميكيل انجلو، ورودان، كما غذت موسيقى ليستش وتشايكوفسكي، لتغدو علامة كبرى على تلاحم الفن بالمقدس في المخيال الأوروبي.

في الصين برزت سرديتان كبريان صارتا جزءًا من ذاكرة الأمة ووجدانها الجمعي. الأولى: رومانسية الممالك الثلاث التي دوِّنت بين القرن الرابع عشر والقرن السادس عشر الميلادي، ونسبت إلى لوه قوان تشونغ “توفي نحو 1400م”، وهي ملحمة تاريخية سياسية تسرد وقائع انهيار أسرة هان وصراعات الممالك الثلاث “220–280م”، وتصور الصراع على السلطة، والدهاء السياسي، وقيم الولاء والبطولة، فصارت من أهم نصوص الهوية القومية الصينية ومصدرًا للأمثال والحِكم الشعبية. والثانية: رحلة إلى الغرب، فقد ظهرت في القرن السادس عشر الميلادي على يد وو تشنغ إن “1500–1582م تقريبًا”، وهي ملحمة روائية دينية رمزية تروي رحلة الراهب البوذي شوانزانغ إلى الهند في القرن السابع الميلادي. في ملحمة “رحلة إلى الغرب”، الشخصية الأبرز والأكثر شعبية هي سون ووكونغ، المعروف بـ “ملك القردة أو القرد الملك”. وقد مزجت هذه الملحمة بين البوذية والطاوية والميثولوجيا الشعبية، لتصبح من أبرز نصوص المخيال الصيني. ومعًا شكّلتا سرديتين كبريين: الأولى سياسية تاريخية تعلي من قيمة التخطيط والوفاء، والثانية دينية رمزية تعكس البحث عن التنوير الروحي، وكلاهما ارتقى إلى نص مقدس يختزن هوية الصين ويغذي خيالها الثقافي عبر القرون.

دون كيخوتي دي لا مانتشا، هي الرواية التي كتبها ميغيل دي ثيربانتس، ونشرت بجزئيها عامي 1605 و1615. هذا العمل يعد نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأدب الأوروبي، إذ دشن الميلاد الأول للرواية الحديثة، وأعاد قراءة البطولة والأسطورة بوعي ساخر يفكك يقين السرديات القديمة. في هذه الرواية، تتحول شخصية الفارس الحالم إلى مرآة للإنسان الذي يسعى نحو العدالة والخير، وسط عالم ساخر لا يعترف بالمثال، فتغدو رحلته نوعًا من الرحلة الداخلية، تتجاور فيه البطولة مع الجنون، والحلم مع الخيبة، والنية الطيبة مع النتائج المأساوية. وعلى الرغم من أن الرواية لا تنتمي إلى الأدب الديني، إلا أنها تلامس المقدس من جهة الرمز، إذ تجسد مفارقة الإنسان بين المثال والواقع، وتعيد تشكيل صورة الذات بوصفها كائنًا سرديًا، يبحث عن معنىً يتجاوز حدود التجربة اليومية. بهذا المعنى، ترتقي دون كيخوتي إلى رتبة المقدس الرمزي، وتضاهي في وظيفتها بعض النصوص الدينية، لأنها تمنح الإنسان تعريفًا متخيلًا عن ذاته، وتضفي على حياته معنىً يتجاوز الزمان والمكان.

الملاحم الكبرى لم تخلد لأنها نصوص أدبية مطولة فحسب، بل لأنها ارتقت إلى مكانة النصوص المؤسسة التي حفظت اللغة والدين والهوية والذاكرة معًا. فقد تحولت اللغة فيها إلى مستودع للمعاني والرموز، فغدت الإلياذة والأوديسة حافظتين للروح اليونانية، والمهابهاراتا والرامايانا معينًا للسنسكريتية، والشاهنامة حصنًا للسان الفارسي القديم بعد أن تهدده الزوال، والكوميديا الإلهية جسرًا أعاد للفلورنسية قوتها فكانت منبع الإيطالية الحديثة، ودون كيخوتي نصًا جامعًا وحارسًا للإسبانية. في هذه النصوص يظهر كيف تحرس الملحمة الدين وتعيد إنتاج المقدس في صور بلاغية ورمزية، فالبهاغافاد غيتا في قلب المهابهاراتا نص ديني حيّ، والكوميديا الإلهية رسمت الجغرافيا الأخروية في اللاهوت المسيحي، وملحمة جلجامش حملت السؤال الأول عن الموت والخلود، بما هو سؤال أنطولوجي مهّد الطريق للوعي الديني.

لم نقرأ في اللغة العربية نصوصًا أدبية مدونة طويلة تتناول الحكايات والأساطير، قبل ظهور الإسلام أو بعده، يمكن أن ينطبق عليها وصف “السرديات الكبرى”. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من أبرزها: غياب الإمبراطورية أو الدولة المركزية في الجزيرة العربية، وتنوع القبائل وحياتها البدوية في الصحراء، والتنافس القبلي الذي يقوم على التفاخر والارتجال، لا على البناء التراكمي للنصوص؛ فكل شاعر أو راوٍ كان يسعى لتمييز نفسه وقبيلته، لا لبناء سردية مشتركة، مما أعاق نشوء سرديات طويلة ذات طابع جماعي تأسيسي. يضاف إلى ذلك قلة المدن وضعف الحياة المدينية في الجزيرة العربية، وسيادة الشفاهية، مما حال دون تراكم سردي موسع قبل الإسلام يمكن تدوينه لاحقًا، بسبب شح التدوين أو ندرته. لذلك كانت الذاكرة مستودعا يستوعب الشعر والقصص والأساطير، دون أن يتحول ذلك إلى سرد طويل مدون يحمل وظيفة تأسيسية مرجعية. وقد أدت هذه العوامل إلى عدم تشكل هوية جامعة تعبر عن أحلام قومية تلتقي حولها تطلعات أمة واحدة، تصاغ فيها رؤيتها للعالم، وتتخذ مرجعية معرفية وثقافية محورية.

هذا ما كان عليه العرب قبل ظهور الإسلام، أما بعد نزول القرآن الكريم فأصبح هذا الكتاب هو المرجعية، لا فقط مرجعية دينية، بل معرفية وثقافية وجمالية، وأضحى هو المعيار المركزي لمشروعية ما ينتجه التفكير والمتخيل، والثقافة والآداب، وللذائقة الفنية والجمالية، فغدا نصًا مؤسسًا للوعي، ومنبعًا لإعادة تشكيل اللغة والخيال والرؤية للعالم. حتى اللغة خضعت لهذا المعيار في تدوين معجمها، وصياغة أساليبها البيانية، بحيث جرى تجاهل لهجات القبائل العربية المتنوعة، واعتمدت لهجة وحيدة، وفي سياقها تم بناء قواعد الكلام والكتابة فيها. في فضاء هذا الواقع لم تجترح المخيلة الملاحم المليئة بالقصص الأسطورية سواء أكانت شعرية أو نثرية، لأن “أساطير الأولين” وردت في سياق الذم في آيات عديدة. وأمسى الشعر، الذي كان “ديوان العرب”، خاضعًا لمرجعية القرآن، فلم يعد الشعراء يقولون ما تجترحه مخيلتهم بلا معايير محددة.

تشكلت في الثقافة العربية بعض القصص، مثل قصة عنترة التي تعود جذورها إلى ما قبل الإسلام، وامتزج فيها التاريخ بالأسطورة، وتحولت لاحقًا إلى سيرة شعبية مدونة. ومن القصص التي ظهرت بعد الإسلام، سيرة بني هلال، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذي يزن، وهي نصوص سردية، جمعت بين البطولة الشعبية والخيال الرمزي، وتناقلتها الأجيال شفاهة قبل أن تدون في مراحل متأخرة. وكانت أوسع هذه السرديات وأكثرها تنوعًا: “ألف ليلة وليلة”، التي جاءت بوصفها نتاجًا لتراكم سردي ممتد، تم تدوينه عبر قرون، من دون أن نعرف بشكل دقيق من ألّفها أو جمعها أو صاغ بنيتها النهائية. ورغم غناها الرمزي وتعدد مصادرها الثقافية، فإن هذه النصوص لم ترتق إلى مستوى السرديات الأدبية الكبرى التي شكّلت مرجعيات في حضارات أخرى، ولم تحتل المكانة المماثلة لها في الوعي الجمعي العربي، بل ظلت في إطار الحكاية الشعبية، ولم تعامل كنصوص تأسيسية للهوية أو الوعي الجمعي، ولم تدمج في مشروع أدبي أو معرفي يعيد تعريق الذات والهوية والرؤية للعالم، كما فعلت الملاحم الكبرى في الثقافات والحضارات: الرافدينية، واليونانية، والهندية، والفارسية، والأوروبية، التي ارتقت إلى رتبة المقدس الرمزي، وحفظت اللغة والدين والذاكرة والهوية معًا.

[1] لافينيوم مدينة قديمة في لاتيوم بإيطاليا ، على الساحل الجنوبي من روما، تبعد 30 كيلومترًا جنوب روما ، وتعد المركز الديني للشعوب اللاتينية المبكرة.

[2] حسين علي محفوظ (1926–2009) عُرف في الأوساط الأكاديمية العراقية والعربية بوصفه واحدًا من أكبر الخبراء في اللغة الفارسية وآدابها. نال الدكتوراه في الأدب الفارسي من جامعة طهران سنة 1955، وكان أول عراقي يحصل على هذه الدرجة من طهران.

في الفلسفة كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده

في الفلسفة كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده[1]

     د. عبد الجبار الرفاعي

الدهشة بصيرة الفلاسفة، يندهش الفيلسوفُ بالأشياء التي تحسّها هامشيةً وبسيطة وعابرة، ليغوص فيها ولا يخرج منها إلا بأسئلةٍ مجهولة وإجابات ذكية. تنبعث الفلسفةُ لحظةَ إيقاظ العقل وانبعاثِ الأسئلةِ العميقة في الوعي. ‏الإنسان الذي يندهش، وينقد، ويتأمل، ويتساءل أسئلةً كبرى، لديه استعداد لأن يكون فيلسوفًا. لا معنى للفلسفة من دون الأسئلة الكبرى والنقد العميق، الفيلسوف يمارس النقد العقلي بلا قيود وحدود، تتوالد أسئلتُه في سياق النقد،كما يتوالد نقدُه في سياق أسئلته. يلبث الفيلسوفُ يفكّر في جواب لا ينتهي إليه إلا بعد تأمل، وتمحيص، ونقض الإجابات المتهافتة المختلفة. النقد بوابةُ الدخول للتفكير الفلسفي، نشر فيلسوفُ الأنوار كانط أعمالَه الأساسية، وهو يصدّرها بكلمة نقد: “نقد العقل الخالص” 1781، و”نقد العقل العملي” 1788، و”نقد ملكة الحكم” 1790 ، على التوالي، وخلص من هذه الأسفار العقلية الصبورة إلى نشر كتابه الثمين: “الدين في حدود العقل” 1793.

الفلسفةُ إيقاظٌ متواصل للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والخرافات، والأوهام، والسلطات بأنماطها المتنوعة. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والبداهات غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.

كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى تصنيفَ وتوصيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.

عمليةُ التفكير وظيفةُ العقل، العقلُ لا غير هو الحاكمُ على صوابِ أو خطأ نتائجِ أيِّ تفكير. لا العلم ولا اللاهوت ولا الأدب ولا الفن يضع حدودًا للعقل، لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقل، إن كانت للعقل حدود. أيةُ محاولةِ نفي للفلسفة تتضمن التدليلَ على حضورِ الفلسفة في النفي مثلما تحضر في الإثبات. نفيُ الفلسفة ضربٌ من التفلسف، حتى الغزالي الذي حاول في “تهافت الفلاسفة” نفيَ الفلسفة أخفق،كما اعترف تلميذه أبو بكر ابن العربي بقوله: “شيخنا أبو حامد بلع الفلسفة، وأراد أن يتقيأها فما استطاع”. الفلسفةُ لا تموت ولن تموت مادام هناك إنسانٌ يتساءل الأسئلةَ الكبرى حول المبدأ والغاية والمصير، ولا يجد جوابًا نهائيًا لها.

الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. ‏هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام. تنحسر مرجعيةُ العقل في مجتمعاتٍ غير متعلمة تتفشى فيها العبوديةُ الطوعية، واستعبادُ الوعي، والانقيادُ الأعمى، وتخديرُ الضمير الأخلاقي. العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعود سوءُ الفهم بين الفلاسفة وطرائق فهمهم إلى تأثير الذات والعاطفة والروح في تفسيرات العقل وأحكامه، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتمادِ العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفتَه، ويكتشف مصادرَ معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.

العقلُ الفلسفي هو الذي أولدَ العقلَ الحديث، تَوالدَ هذا العقلُ وتشكّل في فلسفة فرنسيس بيكون وديكارت وكانط وغيرهم من الفلاسفة، فكان العقلُ الفلسفي الحديث باعثًا أساسيًّا على وضع التاريخ البشري في مسارٍ جديد، غادر فيه حالتَه الرتيبة التكرارية الطويلة، بعد أن لبثت البشريةُ آلاف السنين لم تحقّق المكاسبَ العلمية من الاكتشافات والاختراعات والتكنولوجيات المنجزَة في القرون الثلاثة الأخيرة، وتحول عبرها الإنسانُ من الآلات اليدوية إلى المحرِّكات الحديثة، ومن وسائل النقل البدائية إلى القطار والسيارة والطائرة ووسائل النقل المتطورة. وهكذا تواصلت هذه المكاسبُ بقفزات على شكل منعطفات، إلى أن وصلنا إلى هندسة الجينات، وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.

كانت الفلسفةُ وستبقى تتفاعل مع النظريات العلمية والاكتشافات، تؤثر وتتأثر بها، تستجيبُ لما يستجدّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء والأحياء وغيرهما من العلوم. لعلم الفلك الحديث، الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده، وهكذا تأثر هذا التفكيرُ بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، والنظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955)، وقبل ذلك تأثر بنظرية التطور لتشارلز داروين (1809 – 1882).

الفلسفة لا تنتهي ولن تتوقفَ مادام الإنسانُ يندهش، ويفكّر، ويتساءل، ويشكّك، ‏ ويناقش، ويتحاور، ويختلف. لا تمثل الفلسفةُ مرحلةً من مراحل تطور الوعي، الفلسفةُ تواكبُ الوعيَ ولا تتخلّف عنه، حتى لو سادَ العلمُ الحياةَ. العلمُ يطرح على الفلسفة أسئلتَه ومشكلاتِه العويصة، وما يعجزُ عن اكتشافِ طرق الخلاص منه في فضاء المادة والمحسوس والتجربة، الفلسفةُ لا سواها مَنْ يجيب عن ذلك. لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة، ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلات، ومشاكلَ معقدة، وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية ومعرفية، سواء أكانت هذه المشكلات والأزمات فرديةً أم مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغني عن الفلسفة، مهما بلغ تقدُّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه. حين يفكر الفيلسوفُ يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطحَ الأشياء والظواهر، يحاول أن يفسّر حقيقةَ العلم وماهيته، ويقدم إجابات لمشكلات العلم وأسئلته العميقة خارجَ حدوده. الفيزياء والكيمياء والعلوم المختلفة تنشغل باكتشافِ قوانين الطبيعة ومعادلاتِها، ولا تعرف حقيقةَ ذاتها، ولا تعرف حقيقةَ العلم وماهيته. الفيلسوف يحاول أن يفسّر حقيقةَ الوجود والظواهر والأشياء والعلوم وماهيتَها، مما هو خارج حدود العلم.

إيقاعُ التقدّم المتسارع للذكاء الاصطناعي والروبوتات، والتكنولوجيات المتعدّدة التي تتحدث لغةَ الذكاء الاصطناعي وبرمجياته، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، يخلقُ طورًا وجوديًّا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء في المحيط الذي يعيش فيه، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدّمُ المتسارِع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقداتِ، والثقافاتِ، والاقتصاداتِ، والنظمَ السياسية، والسياساتِ المحلية والإقليمية، والعلاقاتِ الدولية، والعلاقاتِ الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخّم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى، وأزماتُ العقل والروح والعاطفة ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

التشديدُ على العلم، واختزالُ العقل والمعقولات والتفكير بحدوده، يشاكس العقلَ الفلسفي، وينتهي إلى افتقار العلم إلى إجاباتٍ لأسئلته الحائرة ومشكلاته العويصة، وكلِّ ما لا يجد له حلًّا في فضائه وسياقاته وحدوده. تختنق المعرفةُ حين توضع في الفضاء الذي يخضع لحدود العلم الطبيعي ومجاله الحسّي خاصة، وحين تعتمد مقاييسَه وأدواته التجريبية ووسائله ومنطقه ولغته وأحكامه. تلك هي أدلجة العلم عندما يتحول العلمُ إلى “أيديولوجيا علموية” تعطّل العقلَ الفلسفي. حدود العلم الطبيعي وحقله يتمثلان في كلّ شيء في الطبيعة والكون المادي، الفلسفة لا حدودَ لها، بوصفها فعلَ تفكير عقلي يتجاوز الظواهر للبحث في حقيقة العلم وماهية المعارف والموجودات.

الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‏‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالدها المتواصل من الإجابات.

من مظاهر افتقار الفلسفة لمعناها البدايةُ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية، بغيةَ ترسيخ اليقين بمسلمات لاهوتية. الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي خارج اللاهوت، لغةُ الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةُ حدوده. لا تلتهم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغةَ ومفاهيمَ اللاهوت والمتخيَّل والمثيولوجيا واللامعقول. العقلُ معيارٌ وسلطةٌ على كلِّ ضربٍ من أنشطةِ الذهن مهما كان. واحدةٌ من مشكلاتِ التفكير الديني التفكيرُ بالفلسفة ضدّ الفلسفة، والتحدث والكتابة بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة إلا أنها ضدّ الفلسفة. يجري توظيفُ التصوف واللاهوت في الفلسفة، والتفكيرُ في فلسفة الدين بعقلٍ كلاميّ من شأنه أن ينقض كونها فلسفة،كما نقرأ لدى مَن يفكرون في التعدّدية الدينية بعقل متكلم، أو فقيه. يتسيّد تفكيرٌ لاهوتي بالعربية يكتب الفلسفةَ برؤية علم الكلام للعالم ومقولاته، وذوقٌ صوفي يكتب الفلسفةَ بمرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعة جماعة من المفكرين الذين نحتوا لهم أسماء كبيرة، أُغرم بهم شبابٌ عرب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتاباتُ هؤلاء المفكرين مواقعَ متقدّمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون في الفلسفة بعقلٍ كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصدرون مقولات كلامية وفتاوى فقهية لا صلة لها ‏بالتفكير الفلسفي، وإن تدثرت بلغة الفلاسفة. هذه المحاولات المتنوعة تسعى لخلع غطاء ديني على الفلسفة وتعمل على أسلمتها. أسلمة الفلسفة ضربٌ من التفلسف ضد الفلسفة، وإن كان مَن يدعو لذلك عبقريًّا. وهذا ليس غريبًا، فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا فذًّا في مجالٍ يقظٍ من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في مجالٍ نائمٍ من عقله. يتراجعُ العقل وينزاح بالتدريج أحيانًا، بعد أن تتسعَ المساحة النائمة للعقل فتعطّل ما هو يقظ. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. هذا هو السرّ الذي يجعل هؤلاء يبدؤون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة[2].

على الرغم من أن الفلسفةَ تستعمل العقل خارجَ الوصايات، إلا أن العقلَ وقع تحت وصاية علم الكلام، حين أجهضت المقولاتُ المغلقة لبعض المتكلمين العقلَ الفلسفي في الإسلام. وتسيّد عمليةَ التفكير بكلِّ شيء هاجسُ الحرام، فصار سؤال المسلم عن كلّ صغيرة وكبيرة في كلِّ شؤون حياته، حتى في نوع العلوم والمعارف والثقافة، وفي أيّ شأن كان، عن كونه حرامًا أو ليس بحرام، وانتهى هذا المسار إلى تحريم الفلسفة. صدرت فتاوى من مختلف فقهاء المذاهب بتحريم تعاطي الفلسفة، أشهرها فتوى ابن الصلاح الشهرزوري (577 – 643 هـ/ 1181م – 1245م) التي جاء فيها: “الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرتُه عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليمًا وتعلمًا قارنه الخذلانُ والحرمانُ، واستحوذ عليه الشيطان… وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخلُ الشرِّ شرٌّ، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر مَن يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية”[3]. عندما وقع العقلُ تحت وصاية فتاوى الشهرزوري وأمثاله، انغلق على نفسه، واستنزف التفكيرَ الديني في الإسلام التكرارُ والاجترار المملُّ، ونامت الأسئلةُ الكبرى، واضمحل حضورُ العقل النقدي الخلّاق.

يصعب جدًّا فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية،كلُّ محاولةٍ للفهم تفكر في إطارٍ معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الحديثة تفضي إلى نتائجَ تفرضها مقدماتٌ تصورية وبراهين وأشكال قياسات المنطق الأرسطي. وهو ما سقطتْ فيه محاولاتُ جماعة من المهتمين بهذه الفلسفة في معاهد التعليم الديني وغيرها من مؤسّسات التعليم التقليدي والحديث، ممن أتقنوا المنطقَ الأرسطي وتشبّع ذهنُهم بمقدّماته التصورية وبراهينِه وأشكالِ قياساته، وتمرّسوا في استعمالِ أدواتِه في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. هناك خبراءُ ممن يمتلكون تكوينًا أكاديميًّا جادًّا في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفةٌ جيدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، يتسيّدون المشهدَ الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيون متديِّنون، غير أنهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءاتٍ موهِمةً ومضلّلة للفلسفة الحديثة، تُلوّنها بألوان مشوّهة، وتُقَوِّلها ما لا تقول، القارئُ الخبير يدرك أنهم يتفلسفون ضدَّ الفلسفة.

الفلسفةُ تتطلب مَن يمتلكُ موهبةَ التفلسف، التفلسفُ وعيٌ عقلي تأملي عميق، لا يجيده كلُّ عقل، يحتاج التفلسفُ عقلًا ذكيًّا فطنًا مندهشًا متسائلًا. الموهبةُ لا تكفي وحدَها، يتطلب التفلسفُ إنفاقَ سنوات طويلة في التعلُّمِ، وترويضِ الذهن وتدريبه على التفكير الصبور، والشكِّ، ومساءلةِ المسلّمات وغربلتها، وتمحيصِ ما تَسَالم الناسُ على أنه من البداهات،كما يحتاج كلُّ علم ومعرفة وفنّ إلى التعلّم، والتفكير، والمران المتواصل. مَنْ يريد تعلّمَ التفلسف عليه أن يصغي لأحد المعلّمين الماهرين للفلسفة.

تعليم الفلسفة تعليم التفكير الفلسفي، لا يتفلسفُ الإنسانُ بتعلم تاريخ الفلسفة. التفلسف يتطلب التعرفَ إلى مفاهيم وآراء الفلاسفة الكبار في العصور المتوالية، بغضّ النظر عن اتجاهاتهم، ومواطنهم، ومسائلتها، والحوار معها. تراكم المعلومات وتكديس الإجابات لا يوقظ بالضرورة العقل، غير أن سؤالًا عميقًا واحدًا يمكن أن يوقظه، إن كان العقلُ نابهًا. تدريب التلميذ على النقد والتساؤل ضروري لبناء مَلَكة النقد والتفكير الإبداعي. تَعلُّمُ التلميذِ التفلسفَ هو تعلُّمُ التساؤل والتفكير النقدي، وليس استِظهار النصوص، والمزيد من حفظ آراء الفلاسفة وتكرار أسمائهم. طريقة تعليم التفلسف تعني تدريبَ الذهن على التأمل العميق والتريث في التفكير، والتوقفَ عن إصدار الأحكام المتعجّلة قبل الفهم والتفسير والتحليل والتمحيص، والنظرَ للفلسفة بوصفها إيقاظًا للعقل بالتساؤل والنقد، وغربلةً للوثوقيات والجزميات.

العقلُ الفلسفي ينبغي أن تكون آفاقُه رحبة، يفكّر خارجَ المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة. الأُطر المقيِّدة للتفكير العقلي الحرّ تمارس تَمْويهًا بعنوانات مراوغة عبر الأدب والفن والدين، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقداتُ والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامَها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. العقلُ الفلسفي قلَّما يتوطن في بيئة الثقافة الشعرية، الفلسفة تعكس أعمقَ تجليات العقل البرهاني، الشعر يتوالد ويزدهر في فضاء المخيّلة، ويعاند العقلَ البرهاني. إن كانت البيئةُ فلسفيةً بالأصل، كما في ألمانيا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، تصبح بيئةً خصبة لظهور شعراء يبدعون شعرًا مشبعًا برؤيا فلسفية، على غرار هولدرلين (1770 – 1843) في ألمانيا. وإن كانت بيئةُ الثقافة شعريةً بالأصل فنادرًا ما نرى فيها ولادةَ فيلسوف، كما في تمركز الثقافة العربية على الشعر قبل الإسلام. الإنتاج الثقافي للبيئة يشبهها، في البيئة الفقيرة عقليًّا تسود ثقافةٌ تخيّلية، في البيئة الخصبة عقليًّا، تزدهر المعرفةُ المركبة العميقة. بعد عصر البعثة توالد التساؤل والنقد والتفلسف في التفكير الديني لدى المسلمين في سياق تأويلهم لآيات القرآن الكريم الاعتقادية، وما ولد في آفاقها من أسئلةٍ حول القضاء والقدر، وغير ذلك من المعتقدات. إثر ذلك ظهرت المدارس الكلامية المعروفة في القرون الأولى، وظهرت الفلسفة، فكان الكندي (185 هـ/805 – 256 هـ/873)، والفارابي (260 هـ/874 – 339 هـ/950)، وابن سينا (370 هـ /980 – 427 هـ /1037)، وغيرهم من الفلاسفة في الإسلام.

‏‏ ما ينقل الذهنَ للتفكير الحرّ خارجَ الأسوار المغلقة هي الكتابةُ الفلسفية التي تدعو للتفكير ضدّ المألوف والسائد بلا دليل. لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفية بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ مكرّرة، قيمة هذه الكتابة بقدرتها على تحريض العقل على توليد أسئلةٍ عميقة، يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والتفكير غير المتعجِّل. لم تشهد المكتبةُ الفلسفية العربية غزارةً في الإصدارات كما يحدثُ في السنوات الأخيرة نتيجةَ تعدّدِ المؤسسات الراعية للترجمة، والمبادراتِ الفردية والجماعية في التأليف، واتساعِ التعليم العالي وكثافةِ وتنوع رسائل الماجستير والدكتوراه في الدراسات العليا للفلسفة، والنشرِ الورقي والإلكتروني.

غزارةُ المطبوعات الفلسفية وتنوّعُها بقدر ما يثري المكتبةَ الفلسفية كميًّا، إلا أنه قلّما يكشف عن عمق التفكير الفلسفي والخروجِ من تكرار الشروح، وشروح الشروح، والتعليقات الانطباعية، وأحيانًا العبثية، على أقوال الفلاسفة. لا يدلّنا رواجُ سوق كتابٍ على فرادته وقوة مضمونه، ولا تعني غزارةُ الكتابة وكثافةُ الإصدارات القدرةَ على التأملِ والتفكيرِ المتمهل، وامتلاكِ البصيرة الثاقبة. أعرفُ مَنْ يتحدث ويكتب بغزارة في الفلسفة من دون أن يدرسَ أو يقرأ أيَّ نصٍّ فلسفي، وكأن الكتابةَ والحديثَ في الفلسفة أمست مهنةَ مَنْ لا مهنةَ له. يتفلسف بعضُ هواة الفلسفة بحفظ النصوص، وهو لا يدري أن الحفظَ شيءٌ والتساؤلَ والتفكير النقدي والإبداع شيءُ آخر. الكتابةُ والحديث في الفلسفة يمارسها مثل هؤلاء من دون أيّ تأهيل أكاديمي، ولا قراءات معمّقة لتراثنا الفلسفي والفلسفة الحديثة. لستُ ضدّ تبسيط الفلسفة وتيسيرها للقراء، غير أن لغةَ الكتابة يفرضها نوعُ مفاهيمها، وغايةُ تفهيمها. تبسيطُ المعارف والعلوم الذي يتولاه خبراء في كلِّ حقل ضرورةٌ لفهمها وتنمية الوعي المجتمعي. ‏التدريس مثلًا ضربٌ من التبسيط، إشاعةُ المعرفة تتطلب تبسيطًا يتولاه المتخصِّصُ في كلِّ حقل معرفي، تبسيطُ غير المتخصِّص لأيّ علم ومعرفة يزيّفها.                                           إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عنوانات فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها يتحدث لغةَ الفلسفة. عندما يصادفني كتابٌ أو مقال فلسفي يتحدث لغةَ الفلسفة وينقد ويتساءل أشعر كأني عثرتُ على كنز مفقود. يبهرني العقلُ اليقظ البارع بمحاكمته لآراء فلاسفة كبار وتقويضه لها، مثلما تبهرني براعتُه ببناء رؤىً فلسفية ينفرد بها، وإن كنتُ لا أتفق مع كلِّ نقاشاته وأدلته ورؤاه وآرائه ونتائجه. ليس المهمّ أن نتفق أو نختلف مع طريقة تفكير مَنْ يتفلسف ومحاججاته وتقويضاته ونتائجه، المهم أن نقرأ عقلًا يفكِّر فلسفيًّا بطريقته الخاصة، ويكتب الفلسفةَ بلغة الفلسفة. الفيلسوف يفرض على قارئ الفلسفة المتمرّس الاعترافَ بعبقريته الفلسفية. عبقريته يعكسها خروجُه على طريقة التفكير المتداولة، ولأكثر مَنْ نقرأ لهم من كتّاب اليوم.

بعض مَن يكتبون تحت عنوانات فلسفية يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، يكتبون موضوعاتٍ عويصة، وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية. تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّط في دلالتها ولا تفصح عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّف على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجد أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّره لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعلّم الفلسفة وتعليمها، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشد لنفسها إيقاظَ العقل.

كتابُ: “الدرس الفلسفي في المدارس الدينية” وُلد في سياق مخاضٍ طويل لكاتبه في دراسة الفلسفة وتدريسها لمدة طويلة تجاوزت الأربعة عقود من حياته. تمخَّضت هذه الممارسةُ بتعليم الفلسفة عن رؤيةٍ تقدم للقارئ تقويمًا لواقع الدرس الفلسفي في الحوزة وآفاق انتظاره، وقراءةً تواكب الدورَ الذي اضطلع به العلامة محمد حسين الطباطبائي ببعث الفلسفة في معاهد التعليم الديني، وتنمية نطاق تدريسها والكتابة فيها، وحضورها اللافت عبر مؤلفاته، وما نسجه تلامذتُه من تعليقات وشروح لتلك المؤلفات، وأثرهم في تعليم الفلسفة داخل معاهد التعليم الديني والجامعات.

 

[1]  مقدمة كتابي: “الدرس الفلسفي في المدارس الدينية”، صدر الكتاب حديثا عن منشورات تكوين الكويتية، ودار الرافدين بيروت – بغداد.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

[3] فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ – ٢١٢) .

 

https://altanweeri.net/12970/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8E/

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

د. عبد الجبار الرفاعي

تتواصل الولاداتُ المتوالية للدين في فضاء المتخيَّل، بعد الخضوع لظروف إنتاج المتخيَّل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية، وما تفرضه الولاداتُ المتسلسلة للدين بتضخم المقدّس فيه مع كلّ ولادة. مفهوم الدين غير مفهوم المقدس، وإن تطابقت كثيرٌ من مصاديق المقدس مع ما يتوالد للدين في المتخيَّل بأزمان لاحقة لزمن المؤسِّس. الدينُ حياةٌ في أُفُق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياته الفردية والمجتمعية. المقدَّسُ سـر غامض، كنهُهُ مجهول. للمقدَّسِ سحرٌ وهالةٌ، يشعرُ معها الإنسانُ الذي يعتقدُ به بهيبةٍ وسطوة، وصمتٍ ودهشة وذهول أحياناً. المقدَّسُ قريبٌ بعيد، المقدَّسُ قريبٌ يشعرُ معه الإنسانُ كأنه حاضرٌ بمعيته، المقدَّسُ بعيدٌ لا يمكن أن يقبضَ عليه الإنسانُ أو يراه أو يتلمس وجوده، لا يتجلّى المقدَّسُ إلا عبرَ آثاره[1]. تغوّل المقدَّسُ يستنزف الدين ويستهلك طاقاته الخلاقة في منح حياة الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي تسعى لحصاده من الدين.

الدين في عصر المؤسِّس لا يتقدّس فيه إنسانٌ أو أيُّ شيء، كما نلاحظ في البوذية وغيرها. بوذا “563 ق.م – 483 ق.م”[2] كان بشرًا، انخرط في حياة التأمل والزهد ليستنير روحيًا، لم يعلن عن أن شخصيتَه مقدّسة، ولم يُشِر إلى تقديس أتباعه المعاصرين له، ولا أية كائنات حيّة أو غيرها. بعد غياب مؤسِّس الدين البوذي نشطت فاعليةُ متخيَّل الأتباع، فصار بالتدريج بوذا مقدّسًا، ونُحتت له تماثيل من الذهب والجواهر النفيسة، وبُنيت معابدُ بأنماط معمارية مدهشة، وبدأ تقديسُ أشياء متنوعة، وتراكمت واتسعت عملياتُ التقديس بفاعلية مكثّفة. وبموازة ذلك اضمحلت تعاليمُ بوذا، وأُعيد إنتاجُها في فضاء التقديس، واختُرعت تقاليدُ صارمة لارتياضِ الرهبان وتكريسِ النفس لخدمة بوذا، وخِيطت أزياء لهم، واقترنت تلك التقاليدُ بطقوس خاصة في معابد مهيبة. في فضاء الجغرافيا المقدّسة للبوذية ينبغي أن تُبنى المعابدُ في أماكن تعدّ مقدّسة. فاعليةُ التقديس في هذه الديانة تسري على غيرها، وفقًا لما يتشاكل مع كلّ ديانة وبيئتها. في الديانة البوذية لم يقدّس مؤسُّسها ذاتَه، ولم يقدّس أيَّ شخص ممَن أتبعه، بعد وفاته مارس البوذيون عمليات التقديس للأشياء والأشخاص والأزمنة والأماكن، ووصلوا هذه الديانةَ الأرضية بآلهة لم ينصّ عليهم بوذا أو تشِر إليهم تعاليمُه.

في المتخيَّل تتعاظم قوةُ التقديس وفاعلياتُها المذهلة، ‏وتتمدّد وتنتشر بسرعة، فيبصم على أشخاص وكائنات وأشياء وأزمان وأماكن ذات صلة بالديانة، فيصير إنسانٌ عاش في زمان مؤسِّس الديانة مقدّسًا، وتتسع الجغرافيا المقدّسة لتستوعب أماكنَ مختلفة بمرور الزمان، ويتمدّد الزمان المقدّس ليضيف على الدوام أيامًا جديدة، وهكذا يتقدّس أشخاصٌ وكائنات وأشياء لم ينصّ عليها كتابُ الديانة.كلما اتسعت مساحةُ المقدّس نضبت قدرة الدين وعجز عن توليه المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الضروري لسلام الإنسان وسكينته، وبناء علاقات إنسانية تضامنية في المجتمع. كما يصادر المقدَّسُ فضاءَ الحرية تبعًا لتضييق مساحة الدنيوي، وينعكس ذلك على رؤية الفرد والمجتمع للعالَم، وعلاقات الإنسان، واقتصاده ونمط عيشه، وثقافته، وسائر شؤونه. ويشتدّ ذلك إن كانت المجتمعاتُ التي تحتضن المقدّس أميّةً فقيرة تخضع لتراتبية طبقية، واستعملته السلطةُ السياسية في منحها المشروعية، ووظّفت إمكانات الدولة ومؤسسات المجتمع للتبشير به وتغذيته وتكريسه.

مقولة الإنسان الكامل في التصوف مثلًا وُلدت وتضخمت في المتخيَّل، بوصف هذا الكامل كائنًا مقدّسًا. ومادام الإنسانُ بطبيعة نقصه غير كامل، يظل يبحث عن صورة إنسانية للكمال الاستثنائي، فيسعفه المتخيَّل بنحتها ورسم صورتها في ضوء احتياجاته النفسية والروحية والعقلية، وما يفرضه شعورُه بالهشاشة، وحاجتُه للحماية بكائنات ميتافيزيقية محايثة للإلهي، وقادرة على الإتحاد بشيء من أسمائه وصفاته اللامحدودة. تشبّع في الصورة المتخيَّلة للحلاج وأمثاله اللاشعورُ الجمعي، وانعكست على آثار المتصوفة المختلفة وغيرهم. صورة الحلاج المتخيَّلة وأمثاله، وإن وُلدت وتضخمت في متخيَّل المتصوفة، وإن أدرك العقلُ النقدي كونَها صورةً غير واقعية، تتنكر لها الطبيعة الإنسانية الناقصة، لكن قلبَ الإنسان يعشق مثل هذه الصورة المجردة العابرة للزمان والمكان والواقع الذي عاشت فيه، الحلاج المتخيَّل وأمثاله يحتاجه القلبُ، وإن كان العقلُ يكذّب وجودَه بوصفه كائنا أرضيا.

الأسئلة اللاهوتية الكبرى على الرغم من أنها أيقظت العقلَ إلا أنها لا جواب نهائي لها، هذه الأسئلة واحدة في بواعثها ومضمونها، لا تختلف جوهريًّا إلا في تعبير الإنسان عنها وصياغتها تبعا للُّغات، والثقافات، والتطور الحضاري، والعصور، وأنماط العيش وظروف الإنسان المتغيرة. تعدّدت وتنوعت الإجاباتُ عن هذه الأسئلة، وتكاثرت الأديانُ بشكل لافت إثر تعدّد وتنوّع تلك الإجابات، وتظلّ الولاداتُ المتواصلة داخل الدين الواحد للفرق والمذاهب والجماعات، مادامت هذه الأسئلةُ داخل الأديان مفتوحة، لذلك تلجأ الأديانُ لإسكاتها في وقتٍ مبكر بعد صياغة إجابات أخيرة لها، ثم غلقها وإصدار أمر تُلزِم فيه السلطاتُ السياسية والروحية أتباعَ الديانة بالكفّ عن تداولها، ومَن يتورط فيطرحها مجدّدًا، أو يتحدث بجواب لها خارج الأسوار المغلقة لمجموعة الإجابات الممضاة من المؤسسة الروحية للدين، يعدّ مُبتدِعًا وزنديقًا.‏ الأجوبةُ النهائية عن هذه الأسئلة أغلقتها، وعطّلت السؤالَ اللاهوتي وأقفلت آفاقَ التفكير العقلاني، الذي ينشغل بطرح الأسئلة وإنتاج إجابات لها تتناغم مع إيقاع الحياة المتغيّر. فرضت السلطاتُ اجتهادًا واحدًا وعدّته هو الصواب لا غير، وشطبت كلَّ اجتهاد مغاير مهما كان عقلانيًّا، فانعكس ذلك بشيوعِ القول بانحصار الخلاص في دين خاصّ أو فرقة أو جماعة داخل فرقة، وغلقِ الطريق على ولادة أيّ اجتهاد مخالِف يجيب عن أيّ سؤال لاهوتي أساسي. ولو تورط متكلّمٌ فأعلن موقفًا يخالف الموقف المعلَن للسلطة السياسية والدينية يقدِّم رأسَه قربانًا لموقفه. وهذا ما حدث في العصر الأموي مع الجعد بن درهم الذي كان ضحيةَ اتهامه بالقول بخلق القرآن، فذبحه خالد بن عبد الله القسري والي هشام بن عبد الملك على الكوفة، يوم عيد الأضحى سنة 124 ه. قال خالد وهو يخطب لصلاة العيد، كلامًا عنيفًا جاء فيه: “أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر”[3]. وبعد تولِّيه الخلافة قتل هشامُ بن عبد الملك غَيْلانَ بن مسلم الدمشقي بطريقة شنيعة، لقوله بحريةِ الإرادة، وآراء تخالف ما تقوله سلطةُ الخلافة ومتكلّموها وفقهاؤها. “اعتقل هشامُ غَيْلانَ، وفي مجلس الخلافة زعق فيه: مد يدك، فمدها غيلان، فضربها الخليفة بالسيف فقطعها، ثم قال: مد رجلك، فمدها، فقطعها الخليفةُ بالسيف الباتر .. وبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحي الدمشقي الفقير، والذباب يقع بكثرة على يده المقطوعة، فقال الرجل ساخرًا: يا غيلان، هذا قضاءٌ و قدر! فقال له: كذبتَ، ما هذا قضاء ولا قدر .. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على إحدى أبواب دمشق”[4]. الجهم بن صفوان من المتكلمين الأوائل، وممن صحب الجعد بن درهم،كان يقول بالتنزيه وامتناع رؤية الله، ويحتج بالآية: “لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ”[5]، ويرى بأن كلام الله صفة فعل وهو مخلوق لله، أمر الوالي نصر بن سيار عبد ربه بن سيسن فقتله سنة 128 ه[6].

بعد عصر المأمون الذي احتضن الاعتزالَ ودعمه، أمسى منذ عصر المتوكل، الذي أقصى المعتزلةَ واحتضن أحمدَ بن حنبل والحنابلة،كلُّ متكلّم يدلي بقول خارج عقيدة الخلافة مُبتدِعًا. وظهر أشدُّ هذه المواقف وأكثرها صرامة حين جرى تقنينُ هذا الموقف التسلطي الاحتكاري بنصٍّ معروف كتبه القادرُ بالله “381 – 442هـ” واشتهر باسم “الاعتقاد القادري القائمي”([7]). تَبَنَّى الميثاقُ الاعتقاديُّ رؤيةَ الحنابلة الاعتقادية، وانحاز بإسـراف إلى مواقفهم، في حين استهدف المسلمين الآخرين، واستباح دماءَ بعضهم لمجرد تمسُّكهم بمعتقد يخالف ما جاء فيه، فمثلًا ورد فيه أنَّ “مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه”([8]). وعندما أخرج القائمُ بأمر الله “الاعتقادَ القادري” سنة 432هـ وقُرئ في الديوان بحضور الفقهاء كان “ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر”([9]). وذكر ابنُ الجوزي أنَّ القادرَ بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ “فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطَهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستنَّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام”([10]).

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 193 – 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[2] ذهب بعض المؤرخين إلى أن بوذا شخصية منحولة لا وجود لها، نسج وجودها وديانتها ودورها وتعاليمها متخيّل البوذيين الأوائل.

[3] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ترجمة الجعد بن درهم.

[4] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج:48، ص:186-212.

[5] الأنعام، 103.

[6] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، أحداث سنة ثمان وعشرون ومئة.

([7]) طرابيشي، جورج، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام. بيروت: دار الساقي، 1998، ص95.

([8]) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت: دارصادر، ج8: ص109 – 110.

([9]) المصدر السابق، ج8: ص109.

([10]) المصدر السابق، ج7: ص287.

https://alsabaah.iq/92966-.html

المخيلة منجم الابداع البشري

المخيلة منجم الابداع البشري

د. عبد الجبار الرفاعي

يتنوع الخيالُ بتنوع موضوعه، فهناك الخيالُ العلمي، والخيالُ الأدبي، والخيالُ الشعري، والخيالُ الفني، والخيالُ الجمالي، والخيالُ الديني، والخيالُ الفلسفي، والخيالُ الصوفي، والخيالُ التاريخي، والخيالُ الأسطوري، والخيالُ السياسي، والخيالُ العسكري، والخيالُ المستقبلي… وغيره.كلُّ واحدٍ من هذه الموضوعات يتخذه الخيالُ حقلًا ينتج الصورَ في فضائه، ويعكس تمثلاتِه وكيفيةَ تشكله في الذهن، وآثارَه المختلفة في المعرفة والثقافة والأدب والفن والدين والواقع.

الخيال والمخيال والتخيّل والمتخيَّلُ مصطلحاتٌ تُشتَقّ لفظيًا من كلمةٍ واحدة، إلا أنها تدل على معانٍ غير متطابقة، تتنوع معانيها وتتعدّد بتعدّد حقل المعرفة وزاوية النظر، بل تتنوع وتتعدّد على وفق زوايا النظر المتنوعة بتنوع المدارس والاتجاهات والتيارات والنظريات والرؤى للعالم في داخل الحقل المعرفي ذاته. ففي الفلسفة تُبحث في سياقٍ فلسفي ودلالتُها فلسفية، وفي الميتافيزيقا تُبحث في سياقٍ ميتافيزيقي ودلالتُها ميتافيزيقية، وفي التصوف تُبحث في سياقٍ صوفي ودلالتُها صوفية، وفي علم النفس تُبحث في سياقٍ سيكولوجي ودلالتُها سيكولوجية، وفي علم الاجتماع تُبحث في سياقٍ سوسيولوجي ودلالتُها سوسيولوجية، وفي الأنثربولوجيا تُبحث في سياقٍ أنثروبولوجي ودلالتُها أنثروبولوجية، وفي الألسنيات تُبحث في سياقٍ ألسني ودلالتُها ألسنية. وهكذا في كلِّ حقلٍ معرفي تُبحث هذه المعاني بنحوٍ يتناغم ونوعَ المعرفة وزاويةَ النظر.

الخيالُ ضرورة التربية والتعليم العلمية السليمة، لذلك يختبر نجاحُها بالقدرةِ على بناءِ وإثراءِ مخيّلة التلميذ وتوسيعِها على الدوام، وتدريبِه على التخيّل في العلوم والمعارف والآداب والفنون والمهارات العملية المختلفة. المهمة الأساسية للعملية التربوية والتعليمية هي غرسُ واستنباتُ القدرة على التساؤل والإبداع والابتكار في ذهن التلميذ، وتنميةُ وترسيخُ مخيّلته بممارساتٍ تحفّزه على التخيّل والابتكار، فبدلًا من أن يُلقِّن المعلّمُ التلميذَ كيفيةَ رسم خارطةٍ لأقصر وأسهل طريقة يسلكها مثلًا لحلّ مشكلةٍ معينة ويحثّه على حفظها، عليه أن يطلب منه رسمَ ما يتصوره ويقترحه هو لطريقة يتخيّلها ويراها الأسهلَ لبلوغ الهدف المنشود. على المعلّم الحذرُ من ‏التلقين الذي ينتجُ ببغاوات، وتحفيزُ ذهن التلميذ وحثُّه على استعمالِ خياله، والاعتمادِ على وعيه، وممارسةِ تفكيره الشخصي، وتدريبِ ذهنه على التريث والتأمل طويلًا، وتخيّلِ كلِّ ما يمكنه من مقترحات وفرضيات واحتمالات ترد في ذهنه في أية مسألة. وينبغي ألا يوبخه على أيّ مقترح أو فرضية أو احتمال يقدّمه بصور متنوعة عدة مرات، وإن كان خاطئًا، بل يحثّه على المزيد مما يمكنه تخيّله من تصورات إضافية. المهم هو تنميةُ مساحة الخيال في الذهن وتعزيزُها، وتغذيتُها بما يجعلها رحبةً شاسعةً تتسع بما يثريها من صور باستمرار.

في المخيال يولد الشعرُ والإبداع الأدبي والفني، والعلوم والمعارف والتكنولوجيا. وتولد الأديانُ في المخيال ولادةً ثانية بموازاة ولادتها الأولى على يد المؤسّسين. يتغذّى المتخيَّلُ من شبكةِ الصور الراقدة في اللاوعي الجمعي، المترسّبة مما تنتجه سردياتُ الجماعة، وتأويل الجماعة لكلِّ شيء يتصل بنشأتها وتحولاتها ووقائع تاريخها الديني والدنيوي المختلفة. يتوالد المتخيَّلُ ويتغذّى وينمو ويتجذّر، ويتشعّب كنسيجٍ متشابِكٍ يتراكمُ ويتكثّف على الدوام.

يرسم المخيالُ صورةً للتاريخ في ضوء أفق أحلام وتمنيات الجماعات، لا كما عاشه الناسُ وحدثت الوقائع. تنتج الواقعةُ التاريخية متخيَّلًا بموازاتها، هذا المتخيَّل يعبّر عن تمثلاتٍ للواقعة يرسمها وعيُها ولاوعيُها الجمعي، وأفقُ انتظارها، ورؤيتُها للعالم. يسرد المتخيَّلُ روايتَه للتاريخ، ويرسم صورتَه المُفارِقة للواقع والعابرةَ لحدود الزمان والمكان التاريخي، ويُعاد في هذه الصورة رسمُ ملامح المعتقدات والوقائع والشخصيات والجماعات في فضاء المتخيَّل. طالما انتهى ذلك أخيراً إلى ضياعِ صورة الواقعة كما حدثتْ في الواقع، وإهدارِ معنى التاريخ. هنا يأتي دورُ المؤرِّخ الخبير في علم التاريخ ليمحّص المدونات بحثًا عن وثائق الواقعة وأرشيفِها وآثارِها، فيحاول أن يرسم ملامحَ صورةِ الواقعة كما حدثت، وليس كما تحلم بصورتِها مخيَّلةُ الجماعة.

الهوياتُ المغلقة للجماعات تتلاعب بالذاكرة التاريخية، فتعمل على إعادةِ خلق ذاكرةٍ موازية في ضوء إصطفائها لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خسارات الماضي وإخفاقاته، ولا تتوقف عند ذلك بل تسعى لتشويهِ ماضي الجماعات المنافسة لها، والتكتمِ على مكاسبِها ومنجزاتِها عبر التاريخ. في الهوية المغلقة يعيد متخيَّلُ الجماعة كتابةَ تاريخها، في أفقٍ يتحول فيه الماضي إلى سرديةٍ رومانسية فاتنة، ويصبح العجزُ عن بناءِ الحاضر استعادةً مهووسة بالأمجاد العتيقة، ويجري ضخُّ الذاكرة الجمعية بتاريخٍ يضمحلّ فيه حضورُ وقائع التاريخ الدنيوي، وتُخلَع على شخصياته ورموزه وأحداثه وكلِّ ما يحفل به هالةً أسطورية عابرةً للزمان والمكان ووقائع التاريخ الأرضي.

كما يكون الخيالُ منبعًا للإلهام والعلوم والمعارف والآداب والفنون والطموح والأحلام، وخافضا للقلق الوجودي والملل والسأم والضجر، فإنه منبعٌ للخرافات، وللخوف والقلق، وتقديسِ غير المقدّس، وكلِّ ما يعطّل العقلَ ويعبثُ بالحياة. لا يضع المتخيَّلَ في حدوده إلا يقظةُ العقل ومرجعيتُه في النفي والإثبات والغربلة والتمحيص. مَن يمتلك المنابعَ المغذّية للمتخيَّل الجمعي يتحكم بنظام إنتاج المعنى في حياة الجماعة، ويتحكم بتوجيه حاضرها ومستقبلها.

الأيديولوجي يبرع في تحويل التاريخ إلى أسطورة، ثم يعيد إدراجَ الأسطورة بالتاريخ ويوحّدهما، إلى درجة طمس الحدود الفاصلة بينهما. يخلط الأيديولوجي بأسلوٍب أخّاذ بين التاريخ والأسطورة، فيقوم بترحيل الحياة الواقعية لشخصيات سياسية وعسكرية وأدبية وفنية ودينية عاشتْ في زمان ومكان وبيئة ومحيط تاريخي، وواقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي وديني، كما يعيشها أيُّ إنسان آخر ينتمي إلى ذلك الواقع، ويعيش نمطَ العيش في ذلك العصر، يرحّلها إلى المخيال، ثم يقتبس صورةَ هذه الشخصيات من المخيال المتضخّم عبر العصور، ويعيد توطينَها في التاريخ الأرضي، ويتحدث عنها وكأن هذه الصورة المتخيَّلة كانت متحقّقةً في الواقع بالفعل. لم يتنبه الأيديولوجي إلى أن الهويات والأحلام والأوهام والنرجسيات الجمعية والمطامح الدينية والسياسية والعسكرية تعمل على الدوام على توليد المخيال وتغذيته وتمديده وتوسيعه أفقيًا وعموديًا، وإعادةِ إنتاج صور الشخصيات التاريخية فيه إلى درجةٍ تبتعد فيها كثيرًا عن واقعها، بل تصير بالتدريج مفارقةً لذلك الواقع التاريخي، وربما تتضخمُ هذه الشخصيةُ في المتخيَّل فتنقلب إلى الضدّ منها، بعد توالدِ صورٍ زائفة لمعتقداتها وأفكارها ومواقفها وسلوكها وطريقة عيشها وحياتها.

جيفارا الأسطوري صنعه المتخيَّلُ الشيوعي بوصفه كان ضرورةً لإلهام اليسار الثوري، وهكذا صنع المتخيَّلُ الصوفي الحلاجَ الأسطوري بوصفه كان ضرورةً لإلهام الحياة الروحية في الإسلام، وشخصيات الشاهنامة الأسطورية كان ضرورةً لتجذير الهوية الإيرانية فابتكرها المتخيَّلُ الفارسي. هكذا يصنع المتخيَّلُ الشخصياتِ الأسطوريةَ في الامبراطوريات والدول والمجتمعات والثقافات والأديان والمعتقدات والأيديولوجيات. تنشط المخيِّلةُ وتتضخّم صورُها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتُها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثّل أحداثَ قصصٍ تنتمي إلى ماضٍ اندثرتْ معالمُه الأثرية، ومُحي أرشيفُه، واختفى مكانُه وزمانُه وواقعُه عن الأنظار.

 

https://alsabaah.iq/90958-.html