Category: الأسطورة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

د. عبد الجبار الرفاعي

تتواصل الولاداتُ المتوالية للدين في فضاء المتخيَّل، بعد الخضوع لظروف إنتاج المتخيَّل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية، وما تفرضه الولاداتُ المتسلسلة للدين بتضخم المقدّس فيه مع كلّ ولادة. مفهوم الدين غير مفهوم المقدس، وإن تطابقت كثيرٌ من مصاديق المقدس مع ما يتوالد للدين في المتخيَّل بأزمان لاحقة لزمن المؤسِّس. الدينُ حياةٌ في أُفُق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياته الفردية والمجتمعية. المقدَّسُ سـر غامض، كنهُهُ مجهول. للمقدَّسِ سحرٌ وهالةٌ، يشعرُ معها الإنسانُ الذي يعتقدُ به بهيبةٍ وسطوة، وصمتٍ ودهشة وذهول أحياناً. المقدَّسُ قريبٌ بعيد، المقدَّسُ قريبٌ يشعرُ معه الإنسانُ كأنه حاضرٌ بمعيته، المقدَّسُ بعيدٌ لا يمكن أن يقبضَ عليه الإنسانُ أو يراه أو يتلمس وجوده، لا يتجلّى المقدَّسُ إلا عبرَ آثاره[1]. تغوّل المقدَّسُ يستنزف الدين ويستهلك طاقاته الخلاقة في منح حياة الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي تسعى لحصاده من الدين.

الدين في عصر المؤسِّس لا يتقدّس فيه إنسانٌ أو أيُّ شيء، كما نلاحظ في البوذية وغيرها. بوذا “563 ق.م – 483 ق.م”[2] كان بشرًا، انخرط في حياة التأمل والزهد ليستنير روحيًا، لم يعلن عن أن شخصيتَه مقدّسة، ولم يُشِر إلى تقديس أتباعه المعاصرين له، ولا أية كائنات حيّة أو غيرها. بعد غياب مؤسِّس الدين البوذي نشطت فاعليةُ متخيَّل الأتباع، فصار بالتدريج بوذا مقدّسًا، ونُحتت له تماثيل من الذهب والجواهر النفيسة، وبُنيت معابدُ بأنماط معمارية مدهشة، وبدأ تقديسُ أشياء متنوعة، وتراكمت واتسعت عملياتُ التقديس بفاعلية مكثّفة. وبموازة ذلك اضمحلت تعاليمُ بوذا، وأُعيد إنتاجُها في فضاء التقديس، واختُرعت تقاليدُ صارمة لارتياضِ الرهبان وتكريسِ النفس لخدمة بوذا، وخِيطت أزياء لهم، واقترنت تلك التقاليدُ بطقوس خاصة في معابد مهيبة. في فضاء الجغرافيا المقدّسة للبوذية ينبغي أن تُبنى المعابدُ في أماكن تعدّ مقدّسة. فاعليةُ التقديس في هذه الديانة تسري على غيرها، وفقًا لما يتشاكل مع كلّ ديانة وبيئتها. في الديانة البوذية لم يقدّس مؤسُّسها ذاتَه، ولم يقدّس أيَّ شخص ممَن أتبعه، بعد وفاته مارس البوذيون عمليات التقديس للأشياء والأشخاص والأزمنة والأماكن، ووصلوا هذه الديانةَ الأرضية بآلهة لم ينصّ عليهم بوذا أو تشِر إليهم تعاليمُه.

في المتخيَّل تتعاظم قوةُ التقديس وفاعلياتُها المذهلة، ‏وتتمدّد وتنتشر بسرعة، فيبصم على أشخاص وكائنات وأشياء وأزمان وأماكن ذات صلة بالديانة، فيصير إنسانٌ عاش في زمان مؤسِّس الديانة مقدّسًا، وتتسع الجغرافيا المقدّسة لتستوعب أماكنَ مختلفة بمرور الزمان، ويتمدّد الزمان المقدّس ليضيف على الدوام أيامًا جديدة، وهكذا يتقدّس أشخاصٌ وكائنات وأشياء لم ينصّ عليها كتابُ الديانة.كلما اتسعت مساحةُ المقدّس نضبت قدرة الدين وعجز عن توليه المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الضروري لسلام الإنسان وسكينته، وبناء علاقات إنسانية تضامنية في المجتمع. كما يصادر المقدَّسُ فضاءَ الحرية تبعًا لتضييق مساحة الدنيوي، وينعكس ذلك على رؤية الفرد والمجتمع للعالَم، وعلاقات الإنسان، واقتصاده ونمط عيشه، وثقافته، وسائر شؤونه. ويشتدّ ذلك إن كانت المجتمعاتُ التي تحتضن المقدّس أميّةً فقيرة تخضع لتراتبية طبقية، واستعملته السلطةُ السياسية في منحها المشروعية، ووظّفت إمكانات الدولة ومؤسسات المجتمع للتبشير به وتغذيته وتكريسه.

مقولة الإنسان الكامل في التصوف مثلًا وُلدت وتضخمت في المتخيَّل، بوصف هذا الكامل كائنًا مقدّسًا. ومادام الإنسانُ بطبيعة نقصه غير كامل، يظل يبحث عن صورة إنسانية للكمال الاستثنائي، فيسعفه المتخيَّل بنحتها ورسم صورتها في ضوء احتياجاته النفسية والروحية والعقلية، وما يفرضه شعورُه بالهشاشة، وحاجتُه للحماية بكائنات ميتافيزيقية محايثة للإلهي، وقادرة على الإتحاد بشيء من أسمائه وصفاته اللامحدودة. تشبّع في الصورة المتخيَّلة للحلاج وأمثاله اللاشعورُ الجمعي، وانعكست على آثار المتصوفة المختلفة وغيرهم. صورة الحلاج المتخيَّلة وأمثاله، وإن وُلدت وتضخمت في متخيَّل المتصوفة، وإن أدرك العقلُ النقدي كونَها صورةً غير واقعية، تتنكر لها الطبيعة الإنسانية الناقصة، لكن قلبَ الإنسان يعشق مثل هذه الصورة المجردة العابرة للزمان والمكان والواقع الذي عاشت فيه، الحلاج المتخيَّل وأمثاله يحتاجه القلبُ، وإن كان العقلُ يكذّب وجودَه بوصفه كائنا أرضيا.

الأسئلة اللاهوتية الكبرى على الرغم من أنها أيقظت العقلَ إلا أنها لا جواب نهائي لها، هذه الأسئلة واحدة في بواعثها ومضمونها، لا تختلف جوهريًّا إلا في تعبير الإنسان عنها وصياغتها تبعا للُّغات، والثقافات، والتطور الحضاري، والعصور، وأنماط العيش وظروف الإنسان المتغيرة. تعدّدت وتنوعت الإجاباتُ عن هذه الأسئلة، وتكاثرت الأديانُ بشكل لافت إثر تعدّد وتنوّع تلك الإجابات، وتظلّ الولاداتُ المتواصلة داخل الدين الواحد للفرق والمذاهب والجماعات، مادامت هذه الأسئلةُ داخل الأديان مفتوحة، لذلك تلجأ الأديانُ لإسكاتها في وقتٍ مبكر بعد صياغة إجابات أخيرة لها، ثم غلقها وإصدار أمر تُلزِم فيه السلطاتُ السياسية والروحية أتباعَ الديانة بالكفّ عن تداولها، ومَن يتورط فيطرحها مجدّدًا، أو يتحدث بجواب لها خارج الأسوار المغلقة لمجموعة الإجابات الممضاة من المؤسسة الروحية للدين، يعدّ مُبتدِعًا وزنديقًا.‏ الأجوبةُ النهائية عن هذه الأسئلة أغلقتها، وعطّلت السؤالَ اللاهوتي وأقفلت آفاقَ التفكير العقلاني، الذي ينشغل بطرح الأسئلة وإنتاج إجابات لها تتناغم مع إيقاع الحياة المتغيّر. فرضت السلطاتُ اجتهادًا واحدًا وعدّته هو الصواب لا غير، وشطبت كلَّ اجتهاد مغاير مهما كان عقلانيًّا، فانعكس ذلك بشيوعِ القول بانحصار الخلاص في دين خاصّ أو فرقة أو جماعة داخل فرقة، وغلقِ الطريق على ولادة أيّ اجتهاد مخالِف يجيب عن أيّ سؤال لاهوتي أساسي. ولو تورط متكلّمٌ فأعلن موقفًا يخالف الموقف المعلَن للسلطة السياسية والدينية يقدِّم رأسَه قربانًا لموقفه. وهذا ما حدث في العصر الأموي مع الجعد بن درهم الذي كان ضحيةَ اتهامه بالقول بخلق القرآن، فذبحه خالد بن عبد الله القسري والي هشام بن عبد الملك على الكوفة، يوم عيد الأضحى سنة 124 ه. قال خالد وهو يخطب لصلاة العيد، كلامًا عنيفًا جاء فيه: “أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر”[3]. وبعد تولِّيه الخلافة قتل هشامُ بن عبد الملك غَيْلانَ بن مسلم الدمشقي بطريقة شنيعة، لقوله بحريةِ الإرادة، وآراء تخالف ما تقوله سلطةُ الخلافة ومتكلّموها وفقهاؤها. “اعتقل هشامُ غَيْلانَ، وفي مجلس الخلافة زعق فيه: مد يدك، فمدها غيلان، فضربها الخليفة بالسيف فقطعها، ثم قال: مد رجلك، فمدها، فقطعها الخليفةُ بالسيف الباتر .. وبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحي الدمشقي الفقير، والذباب يقع بكثرة على يده المقطوعة، فقال الرجل ساخرًا: يا غيلان، هذا قضاءٌ و قدر! فقال له: كذبتَ، ما هذا قضاء ولا قدر .. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على إحدى أبواب دمشق”[4]. الجهم بن صفوان من المتكلمين الأوائل، وممن صحب الجعد بن درهم،كان يقول بالتنزيه وامتناع رؤية الله، ويحتج بالآية: “لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ”[5]، ويرى بأن كلام الله صفة فعل وهو مخلوق لله، أمر الوالي نصر بن سيار عبد ربه بن سيسن فقتله سنة 128 ه[6].

بعد عصر المأمون الذي احتضن الاعتزالَ ودعمه، أمسى منذ عصر المتوكل، الذي أقصى المعتزلةَ واحتضن أحمدَ بن حنبل والحنابلة،كلُّ متكلّم يدلي بقول خارج عقيدة الخلافة مُبتدِعًا. وظهر أشدُّ هذه المواقف وأكثرها صرامة حين جرى تقنينُ هذا الموقف التسلطي الاحتكاري بنصٍّ معروف كتبه القادرُ بالله “381 – 442هـ” واشتهر باسم “الاعتقاد القادري القائمي”([7]). تَبَنَّى الميثاقُ الاعتقاديُّ رؤيةَ الحنابلة الاعتقادية، وانحاز بإسـراف إلى مواقفهم، في حين استهدف المسلمين الآخرين، واستباح دماءَ بعضهم لمجرد تمسُّكهم بمعتقد يخالف ما جاء فيه، فمثلًا ورد فيه أنَّ “مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه”([8]). وعندما أخرج القائمُ بأمر الله “الاعتقادَ القادري” سنة 432هـ وقُرئ في الديوان بحضور الفقهاء كان “ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر”([9]). وذكر ابنُ الجوزي أنَّ القادرَ بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ “فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطَهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستنَّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام”([10]).

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 193 – 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[2] ذهب بعض المؤرخين إلى أن بوذا شخصية منحولة لا وجود لها، نسج وجودها وديانتها ودورها وتعاليمها متخيّل البوذيين الأوائل.

[3] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ترجمة الجعد بن درهم.

[4] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج:48، ص:186-212.

[5] الأنعام، 103.

[6] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، أحداث سنة ثمان وعشرون ومئة.

([7]) طرابيشي، جورج، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام. بيروت: دار الساقي، 1998، ص95.

([8]) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت: دارصادر، ج8: ص109 – 110.

([9]) المصدر السابق، ج8: ص109.

([10]) المصدر السابق، ج7: ص287.

https://alsabaah.iq/92966-.html

المخيلة منجم الابداع البشري

المخيلة منجم الابداع البشري

د. عبد الجبار الرفاعي

يتنوع الخيالُ بتنوع موضوعه، فهناك الخيالُ العلمي، والخيالُ الأدبي، والخيالُ الشعري، والخيالُ الفني، والخيالُ الجمالي، والخيالُ الديني، والخيالُ الفلسفي، والخيالُ الصوفي، والخيالُ التاريخي، والخيالُ الأسطوري، والخيالُ السياسي، والخيالُ العسكري، والخيالُ المستقبلي… وغيره.كلُّ واحدٍ من هذه الموضوعات يتخذه الخيالُ حقلًا ينتج الصورَ في فضائه، ويعكس تمثلاتِه وكيفيةَ تشكله في الذهن، وآثارَه المختلفة في المعرفة والثقافة والأدب والفن والدين والواقع.

الخيال والمخيال والتخيّل والمتخيَّلُ مصطلحاتٌ تُشتَقّ لفظيًا من كلمةٍ واحدة، إلا أنها تدل على معانٍ غير متطابقة، تتنوع معانيها وتتعدّد بتعدّد حقل المعرفة وزاوية النظر، بل تتنوع وتتعدّد على وفق زوايا النظر المتنوعة بتنوع المدارس والاتجاهات والتيارات والنظريات والرؤى للعالم في داخل الحقل المعرفي ذاته. ففي الفلسفة تُبحث في سياقٍ فلسفي ودلالتُها فلسفية، وفي الميتافيزيقا تُبحث في سياقٍ ميتافيزيقي ودلالتُها ميتافيزيقية، وفي التصوف تُبحث في سياقٍ صوفي ودلالتُها صوفية، وفي علم النفس تُبحث في سياقٍ سيكولوجي ودلالتُها سيكولوجية، وفي علم الاجتماع تُبحث في سياقٍ سوسيولوجي ودلالتُها سوسيولوجية، وفي الأنثربولوجيا تُبحث في سياقٍ أنثروبولوجي ودلالتُها أنثروبولوجية، وفي الألسنيات تُبحث في سياقٍ ألسني ودلالتُها ألسنية. وهكذا في كلِّ حقلٍ معرفي تُبحث هذه المعاني بنحوٍ يتناغم ونوعَ المعرفة وزاويةَ النظر.

الخيالُ ضرورة التربية والتعليم العلمية السليمة، لذلك يختبر نجاحُها بالقدرةِ على بناءِ وإثراءِ مخيّلة التلميذ وتوسيعِها على الدوام، وتدريبِه على التخيّل في العلوم والمعارف والآداب والفنون والمهارات العملية المختلفة. المهمة الأساسية للعملية التربوية والتعليمية هي غرسُ واستنباتُ القدرة على التساؤل والإبداع والابتكار في ذهن التلميذ، وتنميةُ وترسيخُ مخيّلته بممارساتٍ تحفّزه على التخيّل والابتكار، فبدلًا من أن يُلقِّن المعلّمُ التلميذَ كيفيةَ رسم خارطةٍ لأقصر وأسهل طريقة يسلكها مثلًا لحلّ مشكلةٍ معينة ويحثّه على حفظها، عليه أن يطلب منه رسمَ ما يتصوره ويقترحه هو لطريقة يتخيّلها ويراها الأسهلَ لبلوغ الهدف المنشود. على المعلّم الحذرُ من ‏التلقين الذي ينتجُ ببغاوات، وتحفيزُ ذهن التلميذ وحثُّه على استعمالِ خياله، والاعتمادِ على وعيه، وممارسةِ تفكيره الشخصي، وتدريبِ ذهنه على التريث والتأمل طويلًا، وتخيّلِ كلِّ ما يمكنه من مقترحات وفرضيات واحتمالات ترد في ذهنه في أية مسألة. وينبغي ألا يوبخه على أيّ مقترح أو فرضية أو احتمال يقدّمه بصور متنوعة عدة مرات، وإن كان خاطئًا، بل يحثّه على المزيد مما يمكنه تخيّله من تصورات إضافية. المهم هو تنميةُ مساحة الخيال في الذهن وتعزيزُها، وتغذيتُها بما يجعلها رحبةً شاسعةً تتسع بما يثريها من صور باستمرار.

في المخيال يولد الشعرُ والإبداع الأدبي والفني، والعلوم والمعارف والتكنولوجيا. وتولد الأديانُ في المخيال ولادةً ثانية بموازاة ولادتها الأولى على يد المؤسّسين. يتغذّى المتخيَّلُ من شبكةِ الصور الراقدة في اللاوعي الجمعي، المترسّبة مما تنتجه سردياتُ الجماعة، وتأويل الجماعة لكلِّ شيء يتصل بنشأتها وتحولاتها ووقائع تاريخها الديني والدنيوي المختلفة. يتوالد المتخيَّلُ ويتغذّى وينمو ويتجذّر، ويتشعّب كنسيجٍ متشابِكٍ يتراكمُ ويتكثّف على الدوام.

يرسم المخيالُ صورةً للتاريخ في ضوء أفق أحلام وتمنيات الجماعات، لا كما عاشه الناسُ وحدثت الوقائع. تنتج الواقعةُ التاريخية متخيَّلًا بموازاتها، هذا المتخيَّل يعبّر عن تمثلاتٍ للواقعة يرسمها وعيُها ولاوعيُها الجمعي، وأفقُ انتظارها، ورؤيتُها للعالم. يسرد المتخيَّلُ روايتَه للتاريخ، ويرسم صورتَه المُفارِقة للواقع والعابرةَ لحدود الزمان والمكان التاريخي، ويُعاد في هذه الصورة رسمُ ملامح المعتقدات والوقائع والشخصيات والجماعات في فضاء المتخيَّل. طالما انتهى ذلك أخيراً إلى ضياعِ صورة الواقعة كما حدثتْ في الواقع، وإهدارِ معنى التاريخ. هنا يأتي دورُ المؤرِّخ الخبير في علم التاريخ ليمحّص المدونات بحثًا عن وثائق الواقعة وأرشيفِها وآثارِها، فيحاول أن يرسم ملامحَ صورةِ الواقعة كما حدثت، وليس كما تحلم بصورتِها مخيَّلةُ الجماعة.

الهوياتُ المغلقة للجماعات تتلاعب بالذاكرة التاريخية، فتعمل على إعادةِ خلق ذاكرةٍ موازية في ضوء إصطفائها لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خسارات الماضي وإخفاقاته، ولا تتوقف عند ذلك بل تسعى لتشويهِ ماضي الجماعات المنافسة لها، والتكتمِ على مكاسبِها ومنجزاتِها عبر التاريخ. في الهوية المغلقة يعيد متخيَّلُ الجماعة كتابةَ تاريخها، في أفقٍ يتحول فيه الماضي إلى سرديةٍ رومانسية فاتنة، ويصبح العجزُ عن بناءِ الحاضر استعادةً مهووسة بالأمجاد العتيقة، ويجري ضخُّ الذاكرة الجمعية بتاريخٍ يضمحلّ فيه حضورُ وقائع التاريخ الدنيوي، وتُخلَع على شخصياته ورموزه وأحداثه وكلِّ ما يحفل به هالةً أسطورية عابرةً للزمان والمكان ووقائع التاريخ الأرضي.

كما يكون الخيالُ منبعًا للإلهام والعلوم والمعارف والآداب والفنون والطموح والأحلام، وخافضا للقلق الوجودي والملل والسأم والضجر، فإنه منبعٌ للخرافات، وللخوف والقلق، وتقديسِ غير المقدّس، وكلِّ ما يعطّل العقلَ ويعبثُ بالحياة. لا يضع المتخيَّلَ في حدوده إلا يقظةُ العقل ومرجعيتُه في النفي والإثبات والغربلة والتمحيص. مَن يمتلك المنابعَ المغذّية للمتخيَّل الجمعي يتحكم بنظام إنتاج المعنى في حياة الجماعة، ويتحكم بتوجيه حاضرها ومستقبلها.

الأيديولوجي يبرع في تحويل التاريخ إلى أسطورة، ثم يعيد إدراجَ الأسطورة بالتاريخ ويوحّدهما، إلى درجة طمس الحدود الفاصلة بينهما. يخلط الأيديولوجي بأسلوٍب أخّاذ بين التاريخ والأسطورة، فيقوم بترحيل الحياة الواقعية لشخصيات سياسية وعسكرية وأدبية وفنية ودينية عاشتْ في زمان ومكان وبيئة ومحيط تاريخي، وواقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي وديني، كما يعيشها أيُّ إنسان آخر ينتمي إلى ذلك الواقع، ويعيش نمطَ العيش في ذلك العصر، يرحّلها إلى المخيال، ثم يقتبس صورةَ هذه الشخصيات من المخيال المتضخّم عبر العصور، ويعيد توطينَها في التاريخ الأرضي، ويتحدث عنها وكأن هذه الصورة المتخيَّلة كانت متحقّقةً في الواقع بالفعل. لم يتنبه الأيديولوجي إلى أن الهويات والأحلام والأوهام والنرجسيات الجمعية والمطامح الدينية والسياسية والعسكرية تعمل على الدوام على توليد المخيال وتغذيته وتمديده وتوسيعه أفقيًا وعموديًا، وإعادةِ إنتاج صور الشخصيات التاريخية فيه إلى درجةٍ تبتعد فيها كثيرًا عن واقعها، بل تصير بالتدريج مفارقةً لذلك الواقع التاريخي، وربما تتضخمُ هذه الشخصيةُ في المتخيَّل فتنقلب إلى الضدّ منها، بعد توالدِ صورٍ زائفة لمعتقداتها وأفكارها ومواقفها وسلوكها وطريقة عيشها وحياتها.

جيفارا الأسطوري صنعه المتخيَّلُ الشيوعي بوصفه كان ضرورةً لإلهام اليسار الثوري، وهكذا صنع المتخيَّلُ الصوفي الحلاجَ الأسطوري بوصفه كان ضرورةً لإلهام الحياة الروحية في الإسلام، وشخصيات الشاهنامة الأسطورية كان ضرورةً لتجذير الهوية الإيرانية فابتكرها المتخيَّلُ الفارسي. هكذا يصنع المتخيَّلُ الشخصياتِ الأسطوريةَ في الامبراطوريات والدول والمجتمعات والثقافات والأديان والمعتقدات والأيديولوجيات. تنشط المخيِّلةُ وتتضخّم صورُها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتُها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثّل أحداثَ قصصٍ تنتمي إلى ماضٍ اندثرتْ معالمُه الأثرية، ومُحي أرشيفُه، واختفى مكانُه وزمانُه وواقعُه عن الأنظار.

 

https://alsabaah.iq/90958-.html