Category: الإنسانية الإيمانية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

ميسلون هادي

يقف الدكتور عبد الجبار الرفاعي في الضد من الذين يمزقون النسيج المجتمعي، والعبث بأمنه وسلامته بذريعة الإيديولوجيا، وتقديم المعتقد على الوطنية، وينتقد دفاع حسن حنفي المستميت عن أفكار سيد قطب، التي غرست كراهية عميقة لمجتمعه، ولكل مختلف بمعتقده عنه، بل وصنّفت كل ما حوله على أنه (جاهلية). فدعوة حسن حنفي لتجديد (التراث بالتراث) قد أَهدرتْ، حسب الرفاعي، قرنين من الزمان، لم تحرز فيه نجاحا يذكر. لأن من يحولون الدين إلى أيديولوجيا يختزلونه في قوانين ثابتة وقوالب جامدة لا تلتفت الى الواقع المتحول كشلال متدفق.

يسجل الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المهم وقفات مستفيضة إزاء بوصلات التفكير لمجموعة من المفكرين الذين خاضوا في مسألة نقد الفكر الديني وتجديده:

  1. علي الوردي، وهو أول مثقف ديني نقدي في العراق، حسب الرفاعي، وكان جسوراً في طروحاته، التي مثلت صرخة جريئة مدوية بالنسبة لزمانها، إذ كتب الدكتور علي الوردي بلغة الناس المحكية البسيطة، فوصلت بساطتها إلى فئات مختلفة من القراء، ووجدت لغته الساخرة والحيوية الآذان الصاغية لها، لأنها ظلت بعيدة عن الوعظ المباشر لرجال الدين. غير أن بذرة المثقف الديني النقدي لم تكتمل، وانصرف الوردي تدريجيا عن الدين، واهتم بدراسة وتحليل قضايا مجتمعية أكثر قربا من اختصاصه. يأخذ عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنه كان حماسياً في بعض طروحاته، فثبت على مبدأ التناشر والازدواجية في الشخصية العراقية، مع أن المجتمع قد تغير كثيرا من حوله، كما أنه ركز على جوانب سلبية من الشخصية العراقية، قد يكون وجودها طبيعياً، مثلها مثل باقي البشر، وتجاهل مزايا أخرى تمتعت بها. وقد نقد الوردي نفسه حول ذلك، وقال لاحقا أن النهج العلمي يحتم عليه أن يذكر المحاسن والمساوئ دون مبالغة أو مغالاة.. وأخيراً يتوقف الرفاعي مع الوردي عند مسألة مهمة هي الأخطاء اللغوية التي تعتور كتاباته، وقد اعترف علي الوردي بها، بل ودافع عن تلك الأخطاء، التي يصعب عليه استدراكها، لصعوبة قواعد اللغة العربية ووعورتها. وهنا يعرج الرفاعي إلى ضرورة تيسير اللغة العربية، وتخليصها من القواعد الصعبة التي تؤثر على سلاسة إيصال المعنى، كما يعترف الرفاعي (بتواضع العلماء) أنه يحيل أعماله إلى محرر لغوي، لكي تخرج سليمة من الأخطاء النحوية.
  2. حسن حنفي، الذي نادى باليسار الإسلامي، ويسميه الرفاعي بجامع الفلسفة مع الكهنوت، أي جامع الأشياء المتنافرة مع بعضها البعض، ومع أن كتاباته تخلو من التحريض على المذاهب، واللوثة الطائفية لم تصبها، غير أنه حاول استعارة جلباب التراث وخلعه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، أي أراد تجديد التراث بالتراث، وهذا تناقض بحد ذاته، لأنه يعزل المجتمع عن العلوم والمعارف الحديثة، كما أنه يقدم توفيقا ملفقا بين الفرق والتيارات والاتجاهات والايديولوجيات المختلفة.
  3. داريوش شايغان، الفيلسوف المغمور الذي حذر من أدلجة الدين، لأنه يحوله إلى شأن دنيوي. بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي. يتحمس الرفاعي لشايغان لأن الأيديلوجيا ليست معادية للدين فقط، وإنما معادية للفلسفة.
  4. سيد حسين نصر، وهو من جماعة الحكمة الخالدة، أو المعرفة الأزلية المتعالية على الزمان والمكان، أي أن العالم كله وطنها. وهو أيضا صاحب فرضية العلم المقدس، التي يأخذ عليها الرفاعي هجاء الفكر الغربي، ورفض الحداثة الغربية لأنها مادية.
  5. أحمد فرديد، الفيلسوف الشفاهي، أو الفيلسوف ضد الفلسفة. أي أنه يبدأ بمقدمات منطقية وينتهي بنتائج لاهوتية. ويخلط أيضا بين صوفية مجردة وفكرة فلسفية، فينتزع مفاهيم ابن عربي مثلا من فضائها الروحي، ويقحمها في مجال التاريخ البشري. كما نحت مصطلح (وباء الغرب) أو (الغرب زدكي) ويعني أن الغرب وباء أصاب العالم منذ الحضارة اليونانية وحتى اليوم. ويأخذ عليه الرفاعي هذا الدمج اللامنطقي بين العرفان والفلسفة.
  6. محمد عمارة، المتحول في رحلته الطويلة من الماركسية إلى السلفية، وكيف أصبحت آثاره المتأخرة تنفض آثاره المبكرة، ومن الطبيعي أن يحدث هذا التغيير، كما دافع عن ذلك عالم الاجتماع علي الوردي في تغير مواقفه، عند تحديث المعطيات الاجتماعية المحيطة بنا، لكن عمارة، الذي يعتبر واحدا من رواد النهضة المجددين والعقلانيين، لا ينطبق عليه هذا الحراك الفكري في محطته الاخيرة، أو كيف تحكمت هذه الانتقالات في بوصلته الفكرية، فكان أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد واستباحة دمه. يأسف الرفاعي لظاهرة الهروب للماضي كلما تقدم العمر ببعض مفكري اليسار الاسلامي أو الفكر العربي المعاصر بشكل عام، فنراهم بعد حياة فكرية تسودها العقلانية النقدية يحتمون بكهف الماضي من قلق الموت الوشيك، ويعودون إلى الأصولية، وكأنها توبة من إثم عقلي ارتكبوه في شبابهم.
  7. مالك بن نبي، مفكر جزائري أصابه ذعر ضياع الهوية بسبب الاستعمار الفرنسي، وبالتالي تنفجر الهوية عنده إلى شقين متلازمين: المقاومة أولا من أجل التحرير، والانغلاق ثانيا على زمن الانتصارات والأمجاد في العصر الاسلامي الأول. لم يخرج ابن نبي كثيرا عن آراء ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب، ولكن الرفاعي يأخذ عليه تورطه بالتعميم، فيختفي عنده التمايز الواضح داخل طيف واسع من التدين التركي والإيراني والعربي والاندونيسي.. الخ. كما أن انتهاك الاستعمار لهويته وهوية أهله في الجزائر وضع ذهنه داخل إطار مغلق لم يتحرر منه، فأصبح التفسير التآمري هو الأداة الوحيدة لتشخيص الفشل في بلاده.
  8. جودت سعيد، رجل دين سوري يتصرف كفلاح، مولع بسقي النباتات وتربية النحل ورعاية الخضرة، وكان صديقا للأرض نابذا للعنف، ومن عاداته كتابة آيات القران على الورق، ويعلل ذلك بقوله : كل نص نفهمه أكثر حين نعيد كتابته بأيدينا. نشر بيانا استثنائيا للسلام في كتابه (مذهب ابن ادم الأول)، فهو يرى أن تهمة الملائكة للبشر في سفك الدماء، لا تزال قائمة في جميع التيارات اليمينية واليسارية، أما تفسيره للجهاد الأكبر فهو تحصيل العلم والمعرفة. وهنا يتساءل الرفاعي: هل يمكن الخلاص من العنف بالنوايا الطيبة، أو بكلمتين فقط هما (موت الحرب)، وهو شعار رومانسي متخيل تبناه جودت سعيد في كتاباته الاخيرة؟. كيف يمكن ذلك والعنف هو من الثوابت الأبدية في الطبيعة الانسانية، كما يقول علم النفس وعلم الأعصاب المعرفي.

هذا السؤال نوجهه بدورنا إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي ينطلق في كتاباته من مبدأ رومانسي أيضاً هو الرحمة، ويشدد على مفهوم روحاني في فهم الدين، فيقول بأن الدين كي يحقق وظيفته في حياتنا اليوم لا بد أن نفهمه بوصفه نظاما لانتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. صحيح أنه يخص النفس المتزمتة بهذه البراءة في نظرتها إلى الدين، ويعلن إنها تحتاج إلى القلب بموزاة العقل لكشف الابعاد الروحية والجمالية العميقة في جوهر الدين، ولكن أين من عيني أولاء الرحماء قبل أن يكونوا عباقرة ومنظرين؟ وما هي المعجزة التي ستجعلهم يغيرون نهجهم هذا؟

الرفاعي أيضا يجمع نقيضين في جملة واحدة وهما اللاهوت والحرية، ويضعهما في مبدأ واحد هو لاهوت الحرية، وفهمت منه دعوة مثالية تجمع بين توحيد الله وتحرير الإنسان من كل أشكال العبوديات. فهو يشدد على أن الايمان بالله والتوحيد هو حجر الزاوية في بناء الحياة الرحيمة في الاسلام، وهذا اليقين الروحاني لم نجد له تمثلات راسخة في عالم الشهادة، بل اعترضته جدران متسلسلة من التزمت والتمذهب والانغلاق، هاجمها المفكر الجزائري أركون وأسماها (الجهل المؤسس). يعزو الدكتور عبد الجبار الرفاعي ذلك إلى عدم تدبر هذا الحضور المكثف لله في القرآن، وما يحيل اليه هذا الحضور من دلالات روحية لا تنضب.

هنا يخالف الرفاعي أغلب المفكرين العلمانيين الذين قرأت لهم، فهم برأيي الشخصي يتحدثون عن الدين، وهم في منطقة الشك أو الإلحاد، لكنهم لا يجاهرون بذلك خشية خدش مشروعهم التنويري وتعريضه لتداعيات اخرى، بينما يُفصح الرفاعي دائما عن إيمانه العميق بالله، ويعتبر هذا الايمان منبعا ملهما للحق والعدل والسلام والخير والمحبة، بل هو المنقذ للانسان من اغترابه الوجودي الذي يمزق سلامه وسكينته الداخلية. وبهذا يكون الدين أوسع بكثير من الكتب المقدسة، ويمتد ليشمل سلوك الانسان وتكريس مواقفه المشرقة من الحياة، وإيقاظ المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في حياته.

لم يصل الرفاعي الى هذه النتيجة بقفزة فكرية مفاجئة، وإنما مر خلال حياته بمراحل متعددة اعتنق فيها مدارس دينية مختلفة وتبنى أفكارها، ثم مع كل بوصلة يتوقف عندها يكتشف أن هناك دائما من يحول الدين إلى أيدولوجيا، وهذا هو أشد ما يعارضه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المؤثر والمهم.

 

https://www.almadapaper.net/view.php?cat=313715&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR2BlX7_STyjxQJYxCnyowbyzy0aMdVCOB1V8kyROvpg-m7qc76zQXmYLzY_aem_AYsGCqaR7jai6VNe8p-_QNG7QahiiRTDZHu4MKQfqtkN0Ve1kqOvFdnqjmHsB9X2_zqekkObRx4AB6n6DqFCa2fy

الولاء والبراء ‏في ضوء الإنسانية الإيمانية

الولاء والبراء ‏في ضوء الإنسانية الإيمانية

د. عبد الجبار الرفاعي

 

1

فعلُ الخير ليس مشروطًا

‏الإنسانيةُ غيرُ المشروطة منبعُ كلِّ خير يقدمه الإنسان لكلِّ مخلوق. ‏طاقةُ الإنسانية غيرُ المشروطة تضيء العالَم بأجمل ما يمتلكه الانسان. ‏الإنسانيةُ غير المشروطة على الضد من ‏إنسانية مشروطة تحصرها بهوية أو معتقد أو دين أو أيديولوجيا أو قومية أو جغرافيا أو ثقافة محلية، وأمثالها من شروط وقيود وأوصاف تسجنُ استعدادَ الإنسان لفعل الخير وتضعه في حدودها. مَنْ هو محتاجٌ للإغاثة والحماية والدعم والرعاية والرحمة يستحقها، بغض النظر عما تفرضه الهويات الاعتقادية من حصر فعل الخير ووضع أسوار تحدده في اطارها. في ‏الإنسانية غير المشروطة يُنظَر إلى حاجة المخلوق ويغاث تلهفه، ولا ينظر إلى مَنْ هو المخلوق ولا إلى هويته.

مَنْ يعتنقُ عقيدةً انحصارية، تحصرُ النجاةَ في الدنيا والآخرة بمعتقده، ولا ينجو من النار ويدخل الجنة في الآخرة أيُّ إنسانٍ لا يعتقدُ بعقيدته، يكون لديه فعلُ الخير مشروطًا، بنحو لا يصدقُ عنوانُه وفقًا لمعتقده إلا على ‏مَنْ ينتمي إلى هويته الاعتقادية. هذا الإنسانُ الذي لا يصدق عنوانُ فعل الخير لديه على أيِّ إنسان ‏لا يعتقدُ بعقيدته، لا يجدُ حافزًا دينيًا يدعوه لفعل الخير من أجل إنسان مختلف في المعتقد. فعلُ الخير في نظره يصدقُ على عنوان الهوية الاعتقادية لا غير، لا على الإنسان بوصفه إنسانًا. العقيدةُ الانحصاريةُ تفرض على كلِّ مَنْ يعتقدُ فيها أن يعيشَ وذهنُه وضميرُه الأخلاقي ومشاعرُه مسجونةٌ داخلَ هويته الاعتقادية. لا يكون الإنسانُ في هذه العقيدة إلا أداة تُستخدم لأجل العقيدة، كما تُستخدم الأشياء أداة لتحقيق غرض معين.

مَنْ يتمسك بمعتقد انحصاري يجعل ‏الغايةَ معتقده، الإنسانُ ليس غايةً، الإنسانُ أداةٌ لتحقيق ما تفرضه عليه هويتُه الاعتقادية، لذلك لا يفعل خيرًا من أجل الإنسان بما هو إنسان، وإنما يفعل الخير من أجل المعتقد الذي يحدد له مَنْ ينطبق عليهم عنوانُ فعل الخير من البشر، وهم كلُّ مَنْ يعتقد بمعتقده خاصة من دون غيره من الناس.كلُّ شيء يفعله لا يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا موضوعًا للتكريم والاهتمام والاحترام، وإنما يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا يعتقدُ بمعتقدٍ معين موضوعًا، فالتكريم والاهتمام والاحترام يبدأ بالإنسانِ الذي يشترك معه بمعتقده، وينتهي عندما لا يكون الإنسانُ مشتركًا معه في الهوية الاعتقادية. يكتب ابن تيمية: (وأمّا الكفار فلم يأذن الله لهم في أكل أي شيء، ولا أحلّ لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا”، فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالًا، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمنين به، فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا، ولهذا لم تكن أموالُهم مملوكةً لهم ملكًا شرعيًا، لأنّ الملك الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم، والشارع لم يبح لهم تصرفًا في الأموال إلا بشرط الإيمان.. والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها ملكوها شرعًا، لأنّ الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)[1]. الغريبُ أن الخطابَ في الآية القرآنية التي استدل بها “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا” يشمل كلَّ الناس، ولم يختصّ بالذين آمنوا، فكيف يُستدلّ بها ويحصرها بالمؤمنين خاصة. الاستدلالات من هذا النوع الغريب الذي يقرأ الآيات في ضوء معتقد المفسّر والفقيه في مدونة التفسير والفقه لمختلف المذاهب ليست قليلة.

في ضوء مفهومي لـ “الإنسانية الإيمانية” يصدق فعلُ الخير على كلِّ عملٍ يساهمُ في حماية كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا بغض النظر عن معتقده ورعايته وإسعاده، ويحرصُ على حقوق كلِّ فرد، إلى أي جنس، أو أي دين، أو أية ثقافة، أو أية هوية ينتمي. فعلُ الخير هو كل مسعى يعمل على بناء الحياة، باستثمار قيم الخير والحق والعدل والسلام، وتكريس ما يسعد الإنسان ويجعل العالَم أجمل، ويحرص على نفع الناس وحل مشكلاتهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف مع هؤلاء الناس في المعتقد أو الهوية أو الثقافة، وغيرها. عندما تكون الإنسانية هي المنطلق والغاية يصدق حينئذ على كلِّ مسعى من أجل إسعاد الإنسان أنه فعلٌ للخير.

فعلُ الخير في “الإنسانية الإيمانية” موضوعُه الإنسانُ من حيث هويته الإنسانية لا غير، يبدأ بالإنسان وينتهي بالإنسان بوصفه إنسانًا، بلا تصنيفات إضافية أيديولوجية واعتقادية وعرقية وثقافية وجغرافية تتعالى على هويته الإنسانية. الإنسانيةُ وحدها هي مناط التكريم والاحترام، الاهتمام بالإنسان ‏بوصفه إنسانًا بذاته، إنسانًا قبل كل شيء وبعد كل شيء. ‏عندما تكون الغاية هي الإنسان من حيث هو إنسان، وليس الإنسان من حيث هو أداة من أجل عقيدته أو هويته أو إثنيته، حينئذ يكون فعلُ الخير من أجل الإنسان، لا من أجل ‏عقيدة الإنسان. في “الإنسانية الإيمانية” العقيدة هي الأداة والإنسان هو الغاية، العقيدة أداة من أجل احترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه واسعاده. ‏

في “الإنسانية الإيمانية” يقترن الإيمان بالعمل الصالح، فقد وردت كلمة الصالحات 180 مرّة في القرآن الكريم، وجاء العمل الصالح ملازمًا للإيمان في 75 موردًا في القرآن، وذلك يشي بأن الأثر الطبيعي للإيمان هو العمل الصالح، ففي “المواضع التي يذكر فيها القرآن الذين آمنوا يقرن بينهم وبين العمل الصالح بشكل صريح، فيما يقرن الإيمان بألوان من الرؤى‏ والقصد والسلوك في المواضع الأخرى‏، يجسد العمل الصالح روحها، ويمثل مادتها التي تتقوم بها، فإن أركان الايمان، وثمراته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، كلـها تأتلف مع العمل الصالح متواشجة في منظومة واحدة، يكتسي ظاهرها وباطنها بالعمل الصالح. ويتجلى‏ لنا ذلك بوضوح عندما نتأمل الآيات التي اقترن فيها الإيمان بالله بالعمل الصالح، فقد ارتبط العمل الصالح ارتباطًا عضويًّا بالإيمان، وبدا العمل الصالح كمعطى للإيمان”[2]. الإنسان يكون صالحًا بقدر جهوده وأثره وثمراته الطيبة في الحياة، وبما يقدمه من عطاء يجعل العالَم أجمل. العمل الصالح معنى عام يصدق على كل جهد يعمل على بناء الحياة، وكل ما ينفع الناس ويحل مشكلاتهم ويسعدهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف معهم في المعتقد والهوية والثقافة، “وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، الرعد، 17.

 

2

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

مفهوم فعل الخير والعمل الصالح اللامشروط يتنافى مع مفهوم فعل الخير والعمل الصالح في ضوء مقولة الولاء والبراء، إذ لا يصدق فعلُ الخير والعمل الصالح فيها على المختلف في المعتقد. في إطار مقولة “الولاء والبراء” لا يكون فعلُ الخير خيريًّا أو العمل الصالح صالحًا بذاته، وبوصفه فعلًا يُسعِد الإنسان المتلقي له والمبادر به، وإنما يستمدُ فعلُ الخير قيمتَه من كونه متصفًا بالخيرية بحسب المعايير والحدود المرسومة في مقولة “الولاء والبراء”، وهذه الصفة لا تتحقّقُ إلا عندما يكون ذلك الفعلُ من أجل المشتركين في العقيدة، فيكتسب قيمتَه الخيرية وصلاحه من حكم العقيدة بأنه فعلُ خير وعملٌ صالحٌ، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الحكمُ مطابقًا في كل الحالات لحكم العقل الأخلاقي “العقل العملي”، لأن أحكامَ العقل الأخلاقي لا تقبلُ التقييد بهوية اعتقادية أو سواها من الهويات القومية وغيرها. أحكامُ العقل الأخلاقي لا تقبل التقييد، فالكذبُ قبيحٌ والصدقُ حَسَنٌ مع كل الناس، والظلمُ قبيحٌ والعدل حَسَنٌ مع كل الناس، والأمانةُ حَسَنةٌ والخيانة قبيحةٌ مع كل الناس، بغض النظر عن معتقداهم الدينية وهوياتهم المجتمعية وغيرها.

عندما يشدّدُ من يتبنى “الولاء والبراء” على أن أيَّ فعلِ خيرٍ وعملٍ صالح يجب أن يكون لله، ولا يُشرك به أحدًا من الخلق، يريد بذلك أنّ كلَّ فعل لا يتصف بالخيرية إلا إن كانت تنطبق عليه المعايير والقيود والشروط المنصوص عليها في العقيدة كما يفهمها ويفسّرها هو، وهي تعني ألا يفعل فعلًا من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا، بل يفعله لمن ينتمي إلى معتقده خاصة[3]. وإن كان المقصودُ هو الإنسان في بعض الحالات فإنه مقصودٌ لسبب ما، وليس لكونه إنسانًا فقط، وهو ما تحيلُ إليه الرؤية التوحيدية السلفية الذي تتفرع عنها مقولةُ “الولاء والبراء”. لذلك لا يبادر مَنْ يعتنقون هذا المعتقدَ إلى فعل الخير للناس من دون نظر لعقيدتهم، يختص فعلُ الخير لمن يشترك معهم في المعتقد دون سواه، بمعنى أن التديّنَ الذي يبتني على هذه الرؤية يرى أن الصلةَ بالله لا تتحقّق إلا من خلال ميثاقٍ خاص للاعتقاد، وما يرسمه هذا الميثاق من حدود تفصيلية دقيقة لمعتقداتِ المتديّن وسلوكِه. الميثاقُ يتضمن مقولاتٍ اعتقاديةً تمنع فعلَ الخير لمن يعتقد بمعتقد آخر في بعض الحالات، وترسم بوصلةً ترشد لخارطة الخيرية التي حدودها أهل المعتقد، داخل هذه الحدود تكون للفعل قيمة دينية تجعله مصداقًا لعنوان كونه خيريًا وصالحًا.

إن مقولة “الولاء والبراء” وغيرَها من مقولات اعتقادية ترسم حدودًا صارمةً لفعل الخير الذي الذي ترى أنه يُرضى الله، وهو كلُّ فعلٍ مشروعٍ بالمعنى الذي تضع حدودَه مدونة الاعتقاد، وكلُّ ما لا يرضى اللهُ عنه على وفق هذا المعنى لا يكون مصداقًا لفعل الخير. وعلى هذا لا يكون الإنسانُ الذي ينطبق عليه عنوانُ ديني أو مذهبي آخر موضوعًا لفعل الخير والعمل الصالح. ولا ينظر إليه من أجل كونه شريكًا في الإنسانية أو محتاجًا لفعل الخير، لأن مثلَ هذا الفعل ليس مطلوبًا لله من منظور أكثر متكلمي الفرق.

إن العملَ الخيري لأجل الإنسانِ بما هو إنسان ليس مصداقًا لفعل الخير لدى أتباع مَنْ يحرّم حتى المبادرةَ بتهنئة مَنْ ينتمي لدين آخر في أعياده، ويحرّم تحيتَه والسلامَ عليه. يقول ابن القيّم: “وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب… وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك”[4]، بل يحرّم بعضُهم أكلَ ذبيحة مَنْ لا يصلي، ودعوته لأية مناسبة، ويفرض مقاطعةً شاملةً عليه. فقد “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[5]، “البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[6]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته. هذا هو الصواب… إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[7]. وقد بلغ الأمر لدى ابن تيمية أقصى مدياته عندما منعَ الإفادةَ من خبرات ومعارف غير المسلم ومنعَ تقليدَه حتى في ما فيه مصلحة للمسلم، إذ يقول: “لا تقلدهم حتى في ما فيه مصلحة لنا، لأن اللهَ إما أن يعطينا في الدنيا مثله أو خيرًا منه، وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة”[8]. وهذا يعني مقاطعةَ المسلمِ للعالَم غير المسلم كلِّه، وذلك متعذر، لأن العالَم اليوم متداخلٌ ومتفاعل ومتشابك كنسيج مترابط في تواصله وتبادله وتفاعله في مختلف مجالات الحياة، وليس بوسع مجتمع يريد أن يحضر في العالَم العيش وكأنه في جزيرة يغلقها على نفسه.

تورّطت أكثرُ الأديان المعروفة بالتكفير في مرحلة من مراحل تاريخها، ولم ينفرد فيه دينٌ واحد فقط، على تباين في درجة التكفير واختلاف في أنواعه وآثاره وحدوده. التكفيرُ مأزق الأديان، التكفيرُ يُفشِّل كلَّ محاولة جادّة للحوارٍ والتعايش بين الأديان. يتنكّر أكثرُ أتباع الأديان للتكفير في أديانهم وتراثهم وتاريخهم، وينزعج كثيرون من الحديث عن التكفير لدى الفرق والمذاهب في تراثنا، وعادة ما يُتهَم مَنْ يكشف ذلك بأنه يُشهِّر بالدين والمذهب الذي ينتمي إليه. وكأنهم لا يعلمون أن التكفيرَ يتفشى في مقولات علم الكلام القديم لكل الفرق.

تحولت مقولةُ “الولاء والبراء” بوصفها رديفة للتكفير إلى سلطة تغلغلت في ضمير المسلم المعتنق لها، بنحو كان معه ومازال المسلمُ الذي يتبناها عاجزًا عن بناء ضمير أخلاقي إنساني حرّ، يسمح له ببناء علاقات إنسانية إيجابية مع أتباع الأديان الأخرى، بل كثيرًا ما عجز المسلم المعتنِق لها عن بناء علاقات ثقة مع المسلم الذي ينتمي لمذهب آخر، لأن عقيدة “الولاء والبراء” تفرض عليه أن يتخذ موقفًا عدائيًّا مع الغير، وهو ما يشدّد عليه بعضُهم بقوله: “واعلم أنه لا يستقيم للمرء إسلامٌ ولو وحّد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين”[9].

الاقتصارُ على إيراد الأقوال والفتاوى السلفية هذه لا يعني شذوذَها ولا أنها الوحيدةُ التي تشدّدُ على ذلك في تراثنا، بل لأنها مازالت مؤثّرة وفاعلة في مواقف أكثر مَنْ يعتقد بها. الواقعُ الذي يعيشه أكثرُ المسلمين غير السلفيين فرض عليهم تجاوزَ تلك المقولات والأحكام في تعاملهم مع المختلِف في المعتقد. تفرض قوةُ الواقع منطقَها لتتغلب على حجج الذين يعاندون صيرورةَ التاريخ مهما كانت. تحدّثنا صيرورةُ التاريخ عن أنَّ مَنْ يمكث في خصومةٍ حادة مع الواقع لن يلبث طويلا في مواقفه ولن يستطيع الصمودَ في مواقعه مهما فعل،كما رأينا ذلك يتكرّر في كلّ الأديان والمعتقدات والهويات والثقافات.

التكفير يمزق أواصرَ العيش المشترك في المجتمع، ويزجّ المجتمع الواحد في حروب مفتوحة. فضحُ أرشيف التكفير ضرورة لاستئناف حضور قيم القرآن الكريم الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم، وتحرير ضمير المسلم من التراث التكفيري المظلم.

 

-3-

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

التديّن الذي يتأسّس على “الولاء والبراء” لا يكون سبيلُ الإنسان فيه متحدًا مع سبيل الله، ولا يمرُّ الطريقُ إلى الله فيه عبر الإنسان، ولا ينطبق على بعضٍ من أفعال الخير فيه عنوانُ “في سبيل الله”، إن كانت من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا. سبيلُ الله على وفق هذا النوع من التديّن لا يتّحد دائمًا مع سبيل الإنسان، أي لا يصدق على فعلِ الخير والعمل الصالح للإنسان أحيانًا أنه في سبيل الله إلا عندما يكون ذلك الإنسانُ متحدًا معه في المعتقد، ومعنى ذلك أن الإنسانَ بوصفه إنسانًا لا غير لا يستحقّ أن يتعامل معه كما يتعامل مع من ينتمي إلى معتقده، ولا ينطبق عنوانُ فعل الخير على ما يفعله من أجله بوصفه إنسانًا إلا في بعض المواقف الخاصة.

تتكرّر في القرآن آياتٌ عديدة تحثّ على إقراض الله، وفي هذا السياق آياتٌ تتحدث عن قضايا أخرى مماثلة يطلب فيها اللهُ أن يقدّمَ الإنسانُ له شيئًا وهو يريد بذلك أن يقدّمه الإنسانُ للإنسان، من هذه الآيات: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” ، “إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ الله”، “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”. اللهُ غنيٌ عن العالمين غير محتاج لأحد، إقراضُ الله إقراضُ الإنسان، تكريمُ الله تكريمُ الإنسان، حُبُّ الله حُبُّ الإنسان، كلُّ خيرٍ وعملٍ صالح يقدّمُه الإنسانُ للإنسان يقدّمُه لله. ليس هناك طريقٌ إلى الله خارجَ طريق رعاية الإنسان واحترامه وتكريمه. يكتب محيي الدين بن عربي: “فقلتُ له: فأين حظي من ذاتك؟ قال: في إيثارك بأقواتك؛ ألم تعلم يا بُنيّ أنّه لولا الجود ما ظهر الوجود”[10].

عندما لا يتطابق سبيلُ الإنسان وسبيلَ الله لا تُصان حقوق الإنسان بما هو إنسان، ويمكن أن تُصادر حرياتُه في حالات متعدّدة بذريعة حماية حقوق الله، على الرغم من أن اللهَ يعفو عن الإنسان لو عصاه وفرّط بحقوقه حين يستغفر. الله يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، ولا يتنازل عن العدوانِ على أيّ إنسان، وانتهاكِ كرامته وتضييع حقوقه. ذلك حقّ ‏للإنسان، ‏له أن يتنازل عنه، وله ألا يتنازل عنه. يتحدث القرآنُ الكريم عن المغفرة والتوبة والعفو واليسر، فقد وردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها 234 مرةً في القرآن، تكرّر ذكر كلمة الجزاء 117 مرة، والمغفرة ضعف هذا العدد أي 234 مرة، وكلمةُ التوبة ومشتقاتُها 87 مرة، وكلمةُ العفو ومشتقاتُها 27 مرة، وكلمةُ اليسر 3 أضعاف كلمة العسر، فذكر اليسر 36 مرة والعسر 12 مرة. عدلُ الله يقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر لانتهاك كرامة الإنسان، ويعاقب من ضيّع حقوقَه عقابًا أليمًا، ويقتصّ ممن سرق أموالَه ويعاقب مَن أهدرَ كرامته، ويكون العقابُ على شاكلة الفعل.

في ضوء مفهومي للإنسانية الإيمانية يتّحد سبيلُ الإنسان بسبيل الله، سبيلُ الإنسان هو سبيلُ الله، ومفهومُ سبيل الله المنفصل عن سبيل الإنسان لا يوصل إلى الله. سبيلُ الإنسان وسبيلُ الله يتحقّقان معًا، وأن نفيَ سبيل الإنسان يعني نفيَ سبيل الله، كلاهما وجهان لحقيقةٍ واحدة. ذلك هو المضمونُ الإنساني للتوحيد، الذي تنعكس أجلى تعبيراته بالمحبّة والتراحم والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة. أسرع مَن يصلون في سفرهم إلى الله ويحضرون في ملكوته أولئك الذين يجعلون همَّهم الدائم إسعافَ المكروب وإدخالَ السرور على قلبه الكئيب ولو بكلمة محبة صادقة.

مأزقُ التديّن الذي يتأسس على “الولاء والبراء” يكمن في أن الضميرَ الديني يتغلّبُ فيه على الضمير الأخلاقي، وأعني بالضمير الديني ما هو غاطسٌ في البنية اللاشعوريّة، وما تفرضه عليه مقولةُ “الولاء والبراء” ومرجعياتُها الكلامية. يتساءل الضميرُ الديني دائمًا عن تكليفه لحظةَ الإقدام على فعل شيءٍ ما، أو عند ترك شيءٍ ما، يريد معرفةَ موقفه في ضوء معتقده الكلامي، كي يتحدّد موقفُه العملي. أعني بالضمير الأخلاقي ما يحكم به العقلُ الأخلاقي “العقل العملي” بشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ عنوان اعتقادي أو ديني أو هوياتي أو أيديولوجي، ففعلُ الخير على وفق منطق العقل الأخلاقي هو ما تقدّمه للإنسان المحتاج بعنوان كونه إنسانًا لا غير، من دون أيّ توصيفٍ إضافي، سواء كان هذا التوصيفُ الإضافي دينيًا أم هوياتيًا أم ثقافيًا أم عرقيًا أم جغرافيًا أم غيره.

عندما يبتني الضميرُ الديني على الأخلاق يكون هو ‏ذاته الضمير الأخلاقي، ‏وهو يختلف عن الضمير الديني الذي يبتني على مقولة “الولاء والبراء”. في سياق مقولة “الولاء والبراء” يوجدُ الضميرُ الديني عندما يوجدُ التكليفُ بمدلوله في علم الكلام القديم، وينتفي هذا الضمير عندما ينتفي التكليفُ. فعلُ الخير على وفق مفهوم “الولاء والبراء”، هو ما تقدّمه للإنسان بتوصيفه وعوانه الإضافي، وهو عنوانُ كونه من دينك أو من مذهبك، لذلك لا يجد المُعتقِد بذلك، في أكثر الحالات، حافزًا لأن يفعلَ خيرًا ويعمل صالحًا للإنسان بعنوان كونه إنسانًا، لأنه غيرُ مكلّفٍ بذلك، فينحصر فعلُ الخير والعمل الصالح في ضميره الديني بما يقدّمه للإنسان بعنوان كونه من مذهبه أو دينه، انطلاقًا مما ينغرس في ضمير المتديّن من أن مفهومَ الخير لا يصدق على أيِّ فعلٍ مالم يكن خيرًا بالمعنى المكلَّف فيه المتديّن. هذا المنطق لا يختصّ بدين خاص أو معتقد معين، هذا المنطق يفرض على كلِّ صاحبّ عقيدة دينية من أيّ دين أن يكون فعلُ الخير مختصًا بدينه، إن كان فعلُ الخير في عقيدته مشروطًا بأتباع دينه ولا ينطبق على غيرهم.كما يتسلّط هذا المنطقُ ويأسر كلَّ إنسان ينطلق في فعل الخير من عنوانٍ للإنسان مُقيَّدٍ بتوصيفٍ إضافي مهما كان، سواء كان ذلك القيدُ دينيًا أو هوياتيًا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو جغرافيًا أو حزبيًا أو غيره. خلافًا لمن ينطلقُ في فعل الخير من الضمير الذي يحكمُ به العقلُ الأخلاقي، فهو يتألمُ لآلامِ الناس بوصفه شريكًا لهم في إنسانيتهم، ويشعرُ باحتياجاتهم وآلامهم بغضّ النظر عن كونِهم شركاء في ملته أو خارجها، أو اتفاقِهم معه بأيّ توصيف آخر خارج عنوان كونهم شركاء في الإنسانية.

الضميرُ الأخلاقي يفسد إن كان مشروطًا، لأن الضميرَ الأخلاقي حرٌّ بطبيعته لا يقبل أيَّ قيد، بمعنى أن التعاملَ بصدق وأمانة وعدل حسنٌ مع كلَّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضّ النظر عن دينه ومعتقده وجنسه وثقافته، والتعاملَ بالكذب والخيانة والظلم والتمييز بين الناس قبيحٌ مع كلّ إنسان بوصفه إنسانًا. التربيةُ على “الولاء والبراء” وغيرها من المقولات الاعتقادية المماثِلة تفرض سلسلةً من الشروط لتصنيفِ البشر على مراتب، وعدمِ إنصاف الناس، والتمييزِ بينهم في المعاملة على أساس معتقداتهم، فمن تتطابق معتقداتُه معك يستحقّ أن تعامله كنفسك، في حين لا يستحقّ المختلِفُ عنك في الدين الحقوقَ التي يستحقّها الشركاءُ في معتقداتك.

لا يمكن بناءُ حياة روحية وأخلاقية أصيلة في مجتمع تتفشّى فيه ثقافةٌ يتسلط فيها التكفيرُ على الضمير الديني ويُلزِم المتديّنَ بمقاطعة المختلِف في المعتقد. لا يستطيع قلبٌ يمتلئ بكراهية الإنسان المختلِف في المعتقد، وروحٌ لا تشعر بالانتماء للعالَم، وعقلٌ ينهكه التشاؤمُ والاغترابُ والارتيابُ من الآخر، أن يؤسّس لحياة روحية وأخلاقية حقيقية، تشفق على المعذّبين، وتتضامن مع الضحايا، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وإثنياتهم، وتتصالح مع العقل وقيم الحق والخير والسلام والجمال في الحياة.  يمنع أحد رجال الدين السلفيين تداول “كل عام وأنتم بخير” حتى بين المسلمين بذريعة أنها مستعمَلة عند غير المسلم، إذ يقول: (أمَّا “كل عام وأنتم بخير”؛ هذه تحية الكُّفَّار، سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا)[11]. العقل السلفي يستفزّه التحدّثُ أيام المسرات والأعياد بأية عبارة لم تكن متداولة في مدونات الحديث، وكأن اللغة ولدت في هذه المدونات واكتفت إلى الأبد بمعجمها، ولا مشروعيةَ خارج هذه المدونات لأية كلمة عند الاحتفاء بالإنسان الذي نشترك معه في الإنسانية بالأعياد وغيرها من المناسبات السارة.

في ضوءِ ذلك نفهمُ لماذا يشحّ حضور عطاء مَن يعتقد بذلك في قائمةِ أعظمِ المتبرعين بثرواتهم من أجل الإنسانية ككل. لا نرى حضورًا لأصحاب الثروات ممن يعملون بـمقولة “الولاء والبراء” بما يتناسب مع نسبتهم من سكان الأرض، ونفهم السببَ الذي لا يجد معه رجالُ الأعمال دافعًا للعطاء من أجل إسعاد الإنسان بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن دينه،كما يفعلُ أصحابُ الضمائر الأخلاقية اليقظة، الذين ينصتون لنداء العقلِ الأخلاقي، من مالكي الثروات الهائلة في العالم، الذين لا ينظرون إلا لاحتياجات الناس الذين يستحقون الرعاية، ولا يهتمون بمعتقداتهم وهوياتهم الإثنية، فينفقون في أعمال الخير مليارات الدولارات، ولا تختصّ مشاريعُهم بصنفٍ من البشر دون غيرهم.

أخلاقُ الإنسان مرآةُ إنسانيته. خلصت من كلِّ تجارب حياتي إلى أن الإنسانَ الوحيد الذي يمكنُ أن أراهن عليه هو مَن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا غير مشروط، بغضِّ النظرِ عن دينه وهويته وقوميته وثقافته وجنسه ولونه وموطنه، وبغضِّ النظرِ عن مقامه الاجتماعي والسياسي والمالي والثقافي.

هوامش:

السمهوري، رائد، نقد الخطاب السلفي، ابن تيمية نموذجًا، ص 34 – 35، ط 1، ٢٠١٠، طوى للثقافة والنشر.  [1]

 الرفاعي، عبد الجبار، تحديث الدرس الكلامي والفلسفي في الحوزة، بيروت، دار المدى، 2010، ص 76. [2]

 وردت كلمة “خير” في 109 من الآيات القرآنية، وسياق أكثر الآيات فيها يشير إلى عنوان عام لفعل الخير يشمل الكل. كما جاء “العملُ الصالح” مقترنًا بالايمان في سياق يتحدث عن عنوان عام يشمل كل فعل حَسَن يفعله المؤمن لأجل الناس جميعًا.   [3]

   أحكام أهل الذمة 1، 205.[4]

 الولاء والبراء، 1، 18، “المكتبة الشاملة”. [5]

 ابن عثيمين، فتاوى متفرقة، 13، 28، “المكتبة الشاملة”. [6]

   مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274، “المكتبة الشاملة”. [7]

   ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 172، “المكتبة الشاملة”.[8]

 إنجاح حاجة السائل، فصل في بيان حقيقة الإسلام والشرك، ج1، ص 10، “المكتبة الشاملة”.[9]

 ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى.  [10]

https://www.al-albany.com/audios/content/4586/%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%82%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%AA%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B1  منشورة بصوته على الرابط التالي في الأنترنيت: [11]

رابط النشر:

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.

هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها[1].

الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ[2].

الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.

لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: “الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء… وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء”[3]. ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: “افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام… افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة”[4]. نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.

لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير. التكفيرُ يصادر كلَّ هذه الحقوق ويتنكّر لها، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا يعتقد إلا بوجود صورةٍ واحدةٍ لله، وتصورٍ واحد لصفاته، وطريقٍ واحد إليه، وقوالبَ جزميةٍ للاعتقاد به، وكلماتٍ أبديةٍ في التعبير عنه.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟

إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.

[1]الرفاعي، عبدالجبار، الحب والايمان عند كيركغورد، ص 12، 2016، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

[2] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 119 – 120، ط 2، 2019، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

 كنت، إيمانويل، الأخلاق عند كنت، ص 58، 1979، وكالة المطبوعات، الكويت. [3]

[4]  كنت، إيمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، ص 11، ط1، 2002، منشورات الجمل، كولونيا – ألمانيا.

 

رابط النشر:

 

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

التديّن الذي يتأسّس على “الولاء والبراء” لا يكون سبيلُ الإنسان فيه متحدًا مع سبيل الله، ولا يمرُّ الطريقُ إلى الله فيه عبر الإنسان، ولا ينطبق على بعضٍ من أفعال الخير فيه عنوانُ “في سبيل الله”، إن كانت من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا. سبيلُ الله على وفق هذا النوع من التديّن لا يتّحد دائمًا مع سبيل الإنسان، أي لا يصدق على فعلِ الخير والعمل الصالح للإنسان أحيانًا أنه في سبيل الله إلا عندما يكون ذلك الإنسانُ متحدًا معه في المعتقد، ومعنى ذلك أن الإنسانَ بوصفه إنسانًا لا غير لا يستحقّ أن يتعامل معه كما يتعامل مع من ينتمي إلى معتقده، ولا ينطبق عنوانُ فعل الخير على ما يفعله من أجله بوصفه إنسانًا إلا في بعض المواقف الخاصة.

تتكرّر في القرآن آياتٌ عديدة تحثّ على إقراض الله، وفي هذا السياق آياتٌ تتحدث عن قضايا أخرى مماثلة يطلب فيها اللهُ أن يقدّمَ الإنسانُ له شيئًا وهو يريد بذلك أن يقدّمه الإنسانُ للإنسان، من هذه الآيات: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” ، “إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ الله”، “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”. اللهُ غنيٌ عن العالمين غير محتاج لأحد، إقراضُ الله إقراضُ الإنسان، تكريمُ الله تكريمُ الإنسان، حُبُّ الله حُبُّ الإنسان، كلُّ خيرٍ وعملٍ صالح يقدّمُه الإنسانُ للإنسان يقدّمُه لله. ليس هناك طريقٌ إلى الله خارجَ طريق رعاية الإنسان واحترامه وتكريمه. يكتب محيي الدين بن عربي: “فقلتُ له: فأين حظي من ذاتك؟ قال: في إيثارك بأقواتك؛ ألم تعلم يا بُنيّ أنّه لولا الجود ما ظهر الوجود”[1].

عندما لا يتطابق سبيلُ الله وسبيلَ الله لا تُصان حقوق الإنسان بما هو إنسان، ويمكن أن تُصادر حرياتُه في حالات متعدّدة بذريعة حماية حقوق الله، على الرغم من أن اللهَ يعفو عن الإنسان لو عصاه وفرّط بحقوقه حين يستغفر. الله يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، ولا يتنازل عن العدوانِ على أيّ إنسان، وانتهاكِ كرامته وتضييع حقوقه. ذلك حقّ ‏للإنسان، ‏له أن يتنازل عنه، وله ألا يتنازل عنه. يتحدث القرآنُ الكريم عن المغفرة والتوبة والعفو واليسر، فقد وردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها 234 مرةً في القرآن، تكرّر ذكر كلمة الجزاء 117 مرة، والمغفرة ضعف هذا العدد أي 234 مرة، وكلمةُ التوبة ومشتقاتُها 87 مرة، وكلمةُ العفو ومشتقاتُها 27 مرة، وكلمةُ اليسر 3 أضعاف كلمة العسر، فذكر اليسر 36 مرة والعسر 12 مرة. عدلُ الله يقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر لانتهاك كرامة الإنسان، ويعاقب من ضيّع حقوقَه عقابًا أليمًا، ويقتصّ ممن سرق أموالَه ويعاقب مَن أهدرَ كرامته، ويكون العقابُ على شاكلة الفعل.

في ضوء مفهومي للإنسانية الإيمانية يتّحد سبيلُ الإنسان بسبيل الله، سبيلُ الإنسان هو سبيلُ الله، ومفهومُ سبيل الله المنفصل عن سبيل الإنسان لا يوصل إلى الله. سبيلُ الإنسان وسبيلُ الله يتحقّقان معًا، وأن نفيَ سبيل الإنسان يعني نفيَ سبيل الله، كلاهما وجهان لحقيقةٍ واحدة. ذلك هو المضمونُ الإنساني للتوحيد، الذي تنعكس أجلى تعبيراته بالمحبّة والتراحم والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة. أسرع مَن يصلون في سفرهم إلى الله ويحضرون في ملكوته أولئك الذين يجعلون همَّهم الدائم إسعافَ المكروب وإدخالَ السرور على قلبه الكئيب ولو بكلمة محبة صادقة.

مأزقُ التديّن الذي يتأسس على “الولاء والبراء” يكمن في أن الضميرَ الديني يتغلّبُ فيه على الضمير الأخلاقي، وأعني بالضمير الديني ما هو غاطسٌ في البنية اللاشعوريّة، وما تفرضه عليه مقولةُ “الولاء والبراء” ومرجعياتُها الكلامية. يتساءل الضميرُ الديني دائمًا عن تكليفه لحظةَ الإقدام على فعل شيءٍ ما، أو عند ترك شيءٍ ما، يريد معرفةَ موقفه في ضوء معتقده الكلامي، كي يتحدّد موقفُه العملي. أعني بالضمير الأخلاقي ما يحكم به العقلُ الأخلاقي “العقل العملي” بشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ عنوان اعتقادي أو ديني أو هوياتي أو أيديولوجي، ففعلُ الخير على وفق منطق العقل الأخلاقي هو ما تقدّمه للإنسان المحتاج بعنوان كونه إنسانًا لا غير، من دون أيّ توصيفٍ إضافي، سواء كان هذا التوصيفُ الإضافي دينيًا أم هوياتيًا أم ثقافيًا أم عرقيًا أم جغرافيًا أم غيره.

عندما يبتني الضميرُ الديني على الأخلاق يكون هو ‏ذاته الضمير الأخلاقي، ‏وهو يختلف عن الضمير الديني الذي يبتني على مقولة “الولاء والبراء”. في سياق مقولة “الولاء والبراء” يوجدُ الضميرُ الديني عندما يوجدُ التكليفُ بمدلوله في علم الكلام القديم، وينتفي هذا الضمير عندما ينتفي التكليفُ. فعلُ الخير على وفق مفهوم “الولاء والبراء”، هو ما تقدّمه للإنسان بتوصيفه وعوانه الإضافي، وهو عنوانُ كونه من دينك أو من مذهبك، لذلك لا يجد المُعتقِد بذلك، في أكثر الحالات، حافزًا لأن يفعلَ خيرًا ويعمل صالحًا للإنسان بعنوان كونه إنسانًا، لأنه غيرُ مكلّفٍ بذلك، فينحصر فعلُ الخير والعمل الصالح في ضميره الديني بما يقدّمه للإنسان بعنوان كونه من مذهبه أو دينه، انطلاقًا مما ينغرس في ضمير المتديّن من أن مفهومَ الخير لا يصدق على أيِّ فعلٍ مالم يكن خيرًا بالمعنى المكلَّف فيه المتديّن. هذا المنطق لا يختصّ بدين خاص أو معتقد معين، هذا المنطق يفرض على كلِّ صاحبّ عقيدة دينية من أيّ دين أن يكون فعلُ الخير مختصًا بدينه، إن كان فعلُ الخير في عقيدته مشروطًا بأتباع دينه ولا ينطبق على غيرهم.كما يتسلّط هذا المنطقُ ويأسر كلَّ إنسان ينطلق في فعل الخير من عنوانٍ للإنسان مُقيَّدٍ بتوصيفٍ إضافي مهما كان، سواء كان ذلك القيدُ دينيًا أو هوياتيًا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو جغرافيًا أو حزبيًا أو غيره. خلافًا لمن ينطلقُ في فعل الخير من الضمير الذي يحكمُ به العقلُ الأخلاقي، فهو يتألمُ لآلامِ الناس بوصفه شريكًا لهم في إنسانيتهم، ويشعرُ باحتياجاتهم وآلامهم بغضّ النظر عن كونِهم شركاء في ملته أو خارجها، أو اتفاقِهم معه بأيّ توصيف آخر خارج عنوان كونهم شركاء في الإنسانية.

الضميرُ الأخلاقي يفسد إن كان مشروطًا، لأن الضميرَ الأخلاقي حرٌّ بطبيعته لا يقبل أيَّ قيد، بمعنى أن التعاملَ بصدق وأمانة وعدل حسنٌ مع كلَّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضّ النظر عن دينه ومعتقده وجنسه وثقافته، والتعاملَ بالكذب والخيانة والظلم والتمييز بين الناس قبيحٌ مع كلّ إنسان بوصفه إنسانًا. التربيةُ على “الولاء والبراء” وغيرها من المقولات الاعتقادية المماثِلة تفرض سلسلةً من الشروط لتصنيفِ البشر على مراتب، وعدمِ إنصاف الناس، والتمييزِ بينهم في المعاملة على أساس معتقداتهم، فمن تتطابق معتقداتُه معك يستحقّ أن تعامله كنفسك، في حين لا يستحقّ المختلِفُ عنك في الدين الحقوقَ التي يستحقّها الشركاءُ في معتقداتك.

لا يمكن بناءُ حياة روحية وأخلاقية أصيلة في مجتمع تتفشّى فيه ثقافةٌ يتسلط فيها التكفيرُ على الضمير الديني ويُلزِم المتديّنَ بمقاطعة المختلِف في المعتقد. لا يستطيع قلبٌ يمتلئ بكراهية الإنسان المختلِف في المعتقد، وروحٌ لا تشعر بالانتماء للعالَم، وعقلٌ ينهكه التشاؤمُ والاغترابُ والارتيابُ من الآخر، أن يؤسّس لحياة روحية وأخلاقية حقيقية، تشفق على المعذّبين، وتتضامن مع الضحايا، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وإثنياتهم، وتتصالح مع العقل وقيم الحق والخير والسلام والجمال في الحياة.  يمنع أحد رجال الدين السلفيين تداول “كل عام وأنتم بخير” حتى بين المسلمين بذريعة أنها مستعمَلة عند غير المسلم، إذ يقول: (أمَّا “كل عام وأنتم بخير”؛ هذه تحية الكُّفَّار، سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا)[2]. العقل السلفي يستفزّه التحدّثُ أيام المسرات والأعياد بأية عبارة لم تكن متداولة في مدونات الحديث، وكأن اللغة ولدت في هذه المدونات واكتفت إلى الأبد بمعجمها، ولا مشروعيةَ خارج هذه المدونات لأية كلمة عند الاحتفاء بالإنسان الذي نشترك معه في الإنسانية بالأعياد وغيرها من المناسبات السارة.

في ضوءِ ذلك نفهمُ لماذا يشحّ حضور عطاء مَن يعتقد بذلك في قائمةِ أعظمِ المتبرعين بثرواتهم من أجل الإنسانية ككل. لا نرى حضورًا لأصحاب الثروات ممن يعملون بـمقولة “الولاء والبراء” بما يتناسب مع نسبتهم من سكان الأرض، ونفهم السببَ الذي لا يجد معه رجالُ الأعمال دافعًا للعطاء من أجل إسعاد الإنسان بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن دينه،كما يفعلُ أصحابُ الضمائر الأخلاقية اليقظة، الذين ينصتون لنداء العقلِ الأخلاقي، من مالكي الثروات الهائلة في العالم، الذين لا ينظرون إلا لاحتياجات الناس الذين يستحقون الرعاية، ولا يهتمون بمعتقداتهم وهوياتهم الإثنية، فينفقون في أعمال الخير مليارات الدولارات، ولا تختصّ مشاريعُهم بصنفٍ من البشر دون غيرهم.

أخلاقُ الإنسان مرآةُ إنسانيته. خلصت من كلِّ تجارب حياتي إلى أن الإنسانَ الوحيد الذي يمكنُ أن أراهن عليه هو مَن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا غير مشروط، بغضِّ النظرِ عن دينه وهويته وقوميته وثقافته وجنسه ولونه وموطنه، وبغضِّ النظرِ عن مقامه الاجتماعي والسياسي والمالي والثقافي.

 

 ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى.  [1]

https://www.al-albany.com/audios/content/4586/%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%82%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%AA%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B1  منشورة بصوته على الرابط التالي في الأنترنيت: [2]

فعلُ الخير ليس مشروطًا

فعلُ الخير ليس مشروطًا

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الإنسانيةُ غيرُ المشروطة منبعُ كلِّ خير يقدمه الإنسان لكلِّ مخلوق. ‏طاقةُ الإنسانية غيرُ المشروطة تضيء العالَم بأجمل ما يمتلكه الانسان. ‏الإنسانيةُ غير المشروطة على الضد من ‏إنسانية مشروطة تحصرها بهوية أو معتقد أو دين أو أيديولوجيا أو قومية أو جغرافيا أو ثقافة محلية، وأمثالها من شروط وقيود وأوصاف تسجنُ استعدادَ الإنسان لفعل الخير وتضعه في حدودها. مَنْ هو محتاجٌ للإغاثة والحماية والدعم والرعاية والرحمة يستحقها، بغض النظر عما تفرضه الهويات الاعتقادية من حصر فعل الخير ووضع أسوار تحدده في اطارها. في ‏الإنسانية غير المشروطة يُنظَر إلى حاجة المخلوق ويغاث تلهفه، ولا ينظر إلى مَنْ هو المخلوق ولا إلى هويته.

مَنْ يعتنقُ عقيدةً انحصارية، تحصرُ النجاةَ في الدنيا والآخرة بمعتقده، ولا ينجو من النار ويدخل الجنة في الآخرة أيُّ إنسانٍ لا يعتقدُ بعقيدته، يكون لديه فعلُ الخير مشروطًا، بنحو لا يصدقُ عنوانُه وفقًا لمعتقده إلا على ‏مَنْ ينتمي إلى هويته الاعتقادية. هذا الإنسانُ الذي لا يصدق عنوانُ فعل الخير لديه على أيِّ إنسان ‏لا يعتقدُ بعقيدته، لا يجدُ حافزًا دينيًا يدعوه لفعل الخير من أجل إنسان مختلف في المعتقد. فعلُ الخير في نظره يصدقُ على عنوان الهوية الاعتقادية لا غير، لا على الإنسان بوصفه إنسانًا. العقيدةُ الانحصاريةُ تفرض على كلِّ مَنْ يعتقدُ فيها أن يعيشَ وذهنُه وضميرُه الأخلاقي ومشاعرُه مسجونةٌ داخلَ هويته الاعتقادية. لا يكون الإنسانُ في هذه العقيدة إلا أداة تُستخدم لأجل العقيدة، كما تُستخدم الأشياء أداة لتحقيق غرض معين.

مَنْ يتمسك بمعتقد انحصاري يجعل ‏الغايةَ معتقده، الإنسانُ ليس غايةً، الإنسانُ أداةٌ لتحقيق ما تفرضه عليه هويتُه الاعتقادية، لذلك لا يفعل خيرًا من أجل الإنسان بما هو إنسان، وإنما يفعل الخير من أجل المعتقد الذي يحدد له مَنْ ينطبق عليهم عنوانُ فعل الخير من البشر، وهم كلُّ مَنْ يعتقد بمعتقده خاصة من دون غيره من الناس.كلُّ شيء يفعله لا يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا موضوعًا للتكريم والاهتمام والاحترام، وإنما يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا يعتقدُ بمعتقدٍ معين موضوعًا، فالتكريم والاهتمام والاحترام يبدأ بالإنسانِ الذي يشترك معه بمعتقده، وينتهي عندما لا يكون الإنسانُ مشتركًا معه في الهوية الاعتقادية. يكتب ابن تيمية: (وأمّا الكفار فلم يأذن الله لهم في أكل أي شيء، ولا أحلّ لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا”، فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالًا، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمنين به، فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا، ولهذا لم تكن أموالُهم مملوكةً لهم ملكًا شرعيًا، لأنّ الملك الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم، والشارع لم يبح لهم تصرفًا في الأموال إلا بشرط الإيمان.. والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها ملكوها شرعًا، لأنّ الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)[1]. الغريبُ أن الخطابَ في الآية القرآنية التي استدل بها “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا” يشمل كلَّ الناس، ولم يختصّ بالذين آمنوا، فكيف يُستدلّ بها ويحصرها بالمؤمنين خاصة. الاستدلالات من هذا النوع الغريب الذي يقرأ الآيات في ضوء معتقد المفسّر والفقيه في مدونة التفسير والفقه لمختلف المذاهب ليست قليلة.

في ضوء مفهومي لـ “الإنسانية الإيمانية” يصدق فعلُ الخير على كلِّ عملٍ يساهمُ في حماية كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا بغض النظر عن معتقده ورعايته وإسعاده، ويحرصُ على حقوق كلِّ فرد، إلى أي جنس، أو أي دين، أو أية ثقافة، أو أية هوية ينتمي. فعلُ الخير هو كل مسعى يعمل على بناء الحياة، باستثمار قيم الخير والحق والعدل والسلام، وتكريس ما يسعد الإنسان ويجعل العالَم أجمل، ويحرص على نفع الناس وحل مشكلاتهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف مع هؤلاء الناس في المعتقد أو الهوية أو الثقافة، وغيرها. عندما تكون الإنسانية هي المنطلق والغاية يصدق حينئذ على كلِّ مسعى من أجل إسعاد الإنسان أنه فعلٌ للخير.

فعلُ الخير في “الإنسانية الإيمانية” موضوعُه الإنسانُ من حيث هويته الإنسانية لا غير، يبدأ بالإنسان وينتهي بالإنسان بوصفه إنسانًا، بلا تصنيفات إضافية أيديولوجية واعتقادية وعرقية وثقافية وجغرافية تتعالى على هويته الإنسانية. الإنسانيةُ وحدها هي مناط التكريم والاحترام، الاهتمام بالإنسان ‏بوصفه إنسانًا بذاته، إنسانًا قبل كل شيء وبعد كل شيء. ‏عندما تكون الغاية هي الإنسان من حيث هو إنسان، وليس الإنسان من حيث هو أداة من أجل عقيدته أو هويته أو إثنيته، حينئذ يكون فعلُ الخير من أجل الإنسان، لا من أجل ‏عقيدة الإنسان. في “الإنسانية الإيمانية” العقيدة هي الأداة والإنسان هو الغاية، العقيدة أداة من أجل احترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه واسعاده. ‏

في “الإنسانية الإيمانية” يقترن الإيمان بالعمل الصالح، فقد وردت كلمة الصالحات 180 مرّة في القرآن الكريم، وجاء العمل الصالح ملازمًا للإيمان في 75 موردًا في القرآن، وذلك يشي بأن الأثر الطبيعي للإيمان هو العمل الصالح، ففي “المواضع التي يذكر فيها القرآن الذين آمنوا يقرن بينهم وبين العمل الصالح بشكل صريح، فيما يقرن الإيمان بألوان من الرؤى‏ والقصد والسلوك في المواضع الأخرى‏، يجسد العمل الصالح روحها، ويمثل مادتها التي تتقوم بها، فإن أركان الايمان، وثمراته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، كلـها تأتلف مع العمل الصالح متواشجة في منظومة واحدة، يكتسي ظاهرها وباطنها بالعمل الصالح. ويتجلى‏ لنا ذلك بوضوح عندما نتأمل الآيات التي اقترن فيها الإيمان بالله بالعمل الصالح، فقد ارتبط العمل الصالح ارتباطًا عضويًّا بالإيمان، وبدا العمل الصالح كمعطى للإيمان”[2]. الإنسان يكون صالحًا بقدر جهوده وأثره وثمراته الطيبة في الحياة، وبما يقدمه من عطاء يجعل العالَم أجمل. العمل الصالح معنى عام يصدق على كل جهد يعمل على بناء الحياة، وكل ما ينفع الناس ويحل مشكلاتهم ويسعدهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف معهم في المعتقد والهوية والثقافة، “وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، الرعد، 17.

 

السمهوري، رائد، نقد الخطاب السلفي، ابن تيمية نموذجًا، ص 34 – 35، ط 1، ٢٠١٠، طوى للثقافة والنشر.  [1]

 الرفاعي، عبد الجبار، تحديث الدرس الكلامي والفلسفي في الحوزة، بيروت، دار المدى، 2010، ص 76. [2]

ايقاظ النزعة الإنسانية في الدين

ايقاظ النزعة الإنسانية في الدين

د. عبد الجبار الرفاعي

الإنسانُ بوصفه خليفةً لله نورُ الله في العالَم، لو اختفى الإنسانُ الخليفةُ يحتجبُ نورُ الله ويختنقُ العالَمُ بالظلام. النزعةُ الإنسانية في الدين في كتاباتي هي “الإنسانيةُ الإيمانية”، مفهومُ الدين فيها غيرُ الدين المستلَبةُ فيه إنسانيةُ الإنسان. الإيمانُ في الإنسانيةِ الإيمانية هو الإيمانُ الذي يقترنُ دائمًا بالحرية، يكونُ الإيمانُ حيث تكونُ الحرية. الصلةُ بالله في الإنسانيةِ الإيمانية صلةٌ حيّةٌ يقظة، لا تتأسّسُ على الرضوخِ والاستعباد والانسحاق وإهدار الكرامة، بل تتأسّسُ على الحرياتِ والحقوق. الصلةُ باللهِ لا تأخذُ نصابَها في تشييدِ حياةٍ روحية وأخلاقية إلا إن كانت مبنيةً على حريةٍ واختيار، لا على اكراهٍ وتخويف واستعباد واسترقاق وامتهان واذلال. الدفاعُ عن الله في الإنسانيةِ الإيمانية يبدأ بالدفاعِ عن كرامةِ الإنسان، وصيانةِ حقوقه، وحمايةِ حرياته، إذ لا يمرّ الطريقُ إلى الله إلا من خلال احترامِ الإنسانِ ورعايتِه وتكريمه. لا ترادف “الإنسانيةُ الإيمانية” المصطلحَ الذي ظهر في العصر الحديث تمامًا، وإن كانت تلتقي معه في أكثر دلالاته؛ كالتشديدِ على مرجعيَّةِ العقل، وإعادةِ الاعتبار للآدابِ والفنون والعلومِ والمعارفِ البشرية ومُهِمَّتِها العُظْمَى في بناء الحياةِ وتطوُّرها، واحترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه.

كان مصطلحُ «الإنسانية» قد نشأ في العصر الحديث إثر احتكارِ الكنيسة للعلوم والمعارف ورفضِها للعقل ودوره في اكتشاف الطبيعة والتعرّف على العالم، وموقفِها السلبيّ من توظيف الخبرةِ التي راكمتْها البشريةُ في مختلف مجالاتِ الحياة. فدعا ذلك بعضَ الأدباء والمفكرين الغربيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر للعودة إلى تعلُّمِ لغات المجتمعات القديمة والإفادةِ منها في التنقيبِ عن آداب وثقافات تلك المجتمعات، وكسرِ احتكارِ الكنيسة والخروجِ على موقفها المُتَمَثِّل في رفضِ الاعتراف بكلِّ عِلْمٍ ومعرفة يُنْتِجُهَا الإنسانُ خارج إطار النّصوص الدينية وتفكيرِ رجال الكنيسة ورؤيتِهم المُغْلَقَة. لم تنشغل موضوعاتُ كتاب “النزعة الإنسانية في الدين” بدراسة مصطلحِ «الإنسانية» وتاريخِه وتطورِ دلالته وما واكبها من تحوُّلات حتى اليوم، لأنَّ كثيرًا من الكتابات درستْه في أبعادِه المتنوِّعة، بل حاول الكتابُ أنْ يتناوَلَ الدّينَ ومدياتِ تأثيره في المجال الشخصيّ والمُجتمعيّ، والإفصاحَ عن القِيَمِ الإنسانيَّة التي يمكن أن يمنحها لحياةِ الكائن البشري، ونوعِ الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجماليَّة التي يلبِّيها لهذا الكائن.

اهتمَّتْ موضوعاتُ هذا الكتاب بالتدليل على أنَّ الدِّينَ لا يمثِّل مرحلةً من مراحلِ تطوُّر الوعي البشري، لأنَّه كان موجودًا بوجود الإنسان الأول وسيلبث حتى الإنسان الأخير. وشدّد الكتابُ، على وفق المفهوم الذي شرحه لإنسانية الدين، على ضرورةِ العمل بالعقل واعتمادِه مرجعيةً في كلّ شيء، واستعمالِه في تفسير مختلف الظواهر الدينية والدنيوية، والبرهنةِ على كلِّ قضية مهما كانتْ إثباتًا أو نفيًا، والثقةِ بالعقل في فهم الدين ورسم خارطةٍ تحدِّد المجالَ الذي يشغله في الحياة ويحقِّق فيه وعودَه، والكيفيةَ التي يتجلّى فيه أثرُ الدين الفاعلُ في بناءِ الحياة الروحية وإثراءِ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة وإيقاظِ العقل وترسيخ الإرادة، والكشفِ عن أنَّ تجاوُزَ الدِّين لحدودِه لا يُفْقِدُه وظيفتَه البنّاءةَ فقط، بل يُمسي معها أداةً لتعطيلِ العقل، وإغراقِ حياة الفرد والمجتمع بمشكلات تتوالدُ عنها على الدوام مشكلاتٌ لا حصر لها.

وشرحتْ موضوعاتُ الكتاب المتنوّعةُ كيف تمكَّنَ الإنسانُ من تجديد مناهج فهمه للدين، وتجديدِ أدوات تفسير نصوصِه، والأهميةَ الكبيرةَ لتوظيف تلك المناهج والأدوات في الدراسات الدينية اليوم. وحثّتْ على ضرورة التمسُّك بالتفكير النَّقدي لاختبار قيمة كلِّ فكرةٍ سواء كانتْ تَتَّصِلُ بفهمِ الدين وتفسيرِ نصوصه أو غير ذلك، والكشفِ عمّا هو حقيقي وتمييزه عمّا هو زائف. وأوضحتْ موضوعاتُ الكتاب أنَّ النقدَ ضربٌ من الاختلاف وليس المحاكاة، وأنَّ النقدَ العلمي للأفكار احتفاءٌ بها وتكريمٌ لكاتبها. وأنَّ النقدَ ضرورةٌ يفرضها تجديدُ حياة الدين وإثراءُ حضوره الحيويّ في الحياة الروحيَّة والأخلاقية والجماليَّة. وأنَّ النَّقْدَ هو الأداةُ العقليَّةُ الوحيدةُ لتصويبِ الأفكار وإنضاجِها. وأنَّ الفِكْرَ الدينيَّ الذي لا يُنقَد يُنسى ويخرج أخيرًا عن التَّدَاوُل.

الدعوةُ إلى إنقاذِ النزعةِ الإنسانية في الدين تعنى بناءَ فهمٍ آخرَ للدين، وتفسيرًا مضيئًا مواكبًا للواقعِ للنصوصِ الدينية، تفسيرًا لا يبوحُ به إلا عبورُ المنظومةِ المغلقةِ للفهمِ السلفي، وتوظيفُ منهجياتِ وأدواتِ ومعطياتِ المعرفةِ الحديثة والعلومِ الإنسانية. إنه تفسيرٌ لا يختزُل الدينَ في المدونةِ الكلاميةِ والفقهية، ولا يقومُ بترحيلِه من حقلِه الروحي والأخلاقي والجمالي إلى حقلٍ يتغلّبُ فيه القانونُ على القيم، ولا يتحوّلُ الدينُ فيه إلى أيديولوجيا صراعية، أيديولوجيا تهدرُ المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي. يسعى هذا التفسيرُ إلى اكتشافِ وظيفةِ الدين الأصيلة في إنتاجِ معنىً لحياةِ الإنسان. وهي وظيفةٌ عجزت معظمُ الجماعاتِ الدينية اليومَ عن إدراكِها، وأغرقت نفسَها ومجتمعاتِها في نزاعاتٍ ومعارك، يمكن أن ترى فيها كلَّ شيء إلا الأخلاقَ وقيمَ التراحمِ والمحبة والسلام والسّكينة.

يتساءلُ بعضُ قُرَّاءِ هذا الكتاب عن الإحالات المتكرّرة على نصوص التصوّف المعرفي في مواضع متنوعة فيه وفي بعض كتاباتي، ولتوضيح ذلك أودُّ التذكير بأني باحثٌ حرٌّ أتوكَّأ على العقلِ النقدي. أنا لستُ متصوِّفًا، وإن كنتُ أتفاعلُ مع شيء من مقولات التصوُّف المعرفي، وأوظِّفُ في كتاباتي بعضَ الآراءِ الحيَّة للمتصوّفة. أنا ناقدٌ لتراثِ المتصوّفة كما أنقد غيره من حقول التراث، وقد أعلنتُ موقفي بصراحة أكثر من مرة في سلوك المتصوّفة، وشرحتُ رأيي بقيمة آثارِهم، وشدَّدْتُ على أنَّها تعبّرُ عن اجتهادات بشرية وليست نصوصًا مقدَّسة، لكن يمكننا الإفادةُ مما هو حيٌّ ويتطلبُه زمانُنا منها.

وأشير هنا بإيجاز إلى أني ضدّ كلّ أشكال توثين المعتقدات، والأفكار، والأشخاص مهما كانوا، سواء فعل ذلك التوثينَ المتصوّفةُ أو غيرُهم، فأيَّةُ فكرة تستمدُّ قيمتَها من تعبيرها عن الحقيقة، وأيَّةُ شخصية تستمدُّ مكانتَها من تمسُّكِها بالحقّ، وانحيازِها للإنسان ودفاعها عن كرامته وحقوقه وحريَّاته وقضاياه العادلة. إنَّ المتصوّفةَ بشرٌ تورّطَ أكثرُهم في توثين شيوخهم وأقطابهم، وتمادَى «المريدُ» منهم في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيَّةٍ لشيخِه، وتعالَتْ تعاليمُ الشيخ في وجدانهم فصارتْ مُقَدَّسَةً يرضخُ لها الأتباعُ حدَّ الاستعباد، بنحوٍ تكبّلهم وتشلّ حركتَهم.

بموازاة ذلك وجدتُ بعضَ آثارِ التصوّف المعرفي تغتني بما هو شحيحٌ في آثار علم الكلام وغيره. فقد أعادَ هذا النمطُ من تراث التصوّف بناءَ الصلة بالله فجعلها تتكلمُ لغةَ المحبَّة وتبتهجُ بالوصال مع معشوق جميل. وفاضتْ مدوَّنتُه بمعاني الرحمة والشفقة والرأفة والعطف والتضامُن مع البؤساء والمنكوبين، ويُعلي بعضُ المتصوّفةِ من هذه المعاني بالشكل الذي تصبح فيه مقصدًا محوريًّا للدين برأيهم. مضافًا إلى أنَّ أعلامًا للتصوّفَ المعرفي لا يرفضون العقل، بل يعتمدونه ويتمسَّكون ببراهينه في بناءِ نظامهم المعرفي ورسمِ رؤيتهم للعالَم. وهذا ما نجده في أعمال محيي الدين بن عربي وبعض العرفاء الذين يبتكرون طريقتَهم العقليَّة في الاستدلالِ على مقولاتهم ونقضِ حجج خصومهم.

كما يسودُ آثارَ بعض أعلام التصوّف كجلال الدين الرومي تبجيلٌ للعشق الإلهيّ، ونظرةٌ متفائلةٌ للحياة، واحتفاءٌ بالفن، وكشفٌ عن تجلِّيات جمال الوجود، ودعوةٌ للفرح، وجعلُ المحبَّة مادَّةً الدين، بحيث صار تطهيرُ القلب من الحقد مفتاحًا لطهارة الإنسان، كما ينص على ذلك جلالُ الدين الرومي بقوله: «توضَّأ بالمحبَّة قبل الماء، فإنَّ الصلاةَ بقلبٍ حاقد لا تجوز». وتمكّن بعضُهم من صياغة سلسلة مفاهيم تعمل على تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي، وإرشادِه لتعاليم تحثُّه على التَّصالُح مع العالَم الذي يعيش فيه. ونعثر في آثارهم على فهمٍ للدين وتفسيرٍ لنصوصه يذهب للتَّعامل مع المختلف بوصفه إنسانًا بغضِّ النَّظر عن معتقده. وتخلو أكثرُ آثار المتصوِّفة من الأحكامِ السلبية حيال المختلف في الدين التي نجدها في آثارٍ أخرى، ولا نجد لدى أعلامهم مفاهيمَ تغرسُ كراهيةَ الأديان الأخرى، وتحظر التعاملَ مع أتباعها، وترسِّخ النفورَ منهم. وبعضُ أعلامهم ينفردون في مقولاتٍ تكسر احتكارَ الرَّحمة الإلهية وتوسّع دائرةَ الخلاص، وتصوغ فهمًا للنجاة في الآخرة لا يجعلها حقًّا حصريًّا لمن يعتنق معتقدًا خاصًّا.

قبلَ أكثر من عشر سنوات صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب بعنوان: “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ رابعة مزيدة ومنقحة. عند كلِّ نشرة جديدة لأعمالي تفرضُ عليّ المسؤولية الأخلاقية أمام القراء الكرام أن أعيدَ النظرَ فيها، أقرأها قراءةً ناقدة في ضوء ما يستجد في ذهني، وأعملُ على تحريرها وغربلتها وتمحيصها وتهذيبها.

 

مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب: النزعة الإنسانية في الدين، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين. هذه الطبعة مزيدة ومنقحة في 378 صفحة.

رابط النشر: