Category: الإيمان

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

حُبُّ الإنسان طريقٌ لحُبّ الله

حُبُّ الإنسان طريقٌ لحُبّ الله

د. عبد الجبار الرفاعي

إن صار ‏الحُبّ نمطًا لوجود الإنسان يغيّره، ويمنحه قدراتٍ إضافية لتذوق أجمل ما في الوجود، وينعكس ذلك التغييرُ على مَن يحُبّه، مادام أحدُ المحبّيَن يتغيّر يتغيّر أيضًا مَن يحبّه. ‏الحُبّ الذي يحميه ضميرٌ أخلاقي حالةٌ وجودية، لها تأثيرٌ سحري متبادَل في السلامة النفسية وتكريس الأمن العاطفي. يغدو العيشُ مريرًا من دون تذوق هذا النمط للحياة.كلُّ إنسان يحتاج ‏الحُبّ، لو اكتشف الإنسانُ طريقَ ‏الحُبّ في الوصول إلى الله لتشبّعت حياتُه بالسكينة، وتوطّن السلامُ حياتَه وحياةَ مَن حوله. مَن يتذوق ‏الحُبّ بوصفه نمطَ وجود يكتشفُ أقربَ الطرق إلى الله. يكتشفُ الطريقَ إلى حُبّ الله مَن يكتشفُ الطريقَ إلى حُبّ الإنسان. حُبّ الله ليس كلمة نكرّرها، الحُبّ سلوك ومواقف وأفعال وعطاء، الحُبّ لا يتحقّق إلا برعايةِ حقوق الإنسان واحترامِ حرياته، وإسعافِ جروح قلبه، وتدريبِ النفس على العطاء المعنوي والعطاء المادي.

هناك سرٌّ يختبئ في ‏الحُبّ والرحمة والإيمان والجمال. يتحدث محيي الدين بن عربي عن الجمال فيقول: “فأوجد الله العالم في غاية الجمال والكمال خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحُبّ الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحبّ نفسه، ثم أحبّ أن يرى نفسه في غيره، فخلق العالم على صورة جماله، ونظر إليه فأحبّه حُبّ من قيده النظر، فما خلق الله العالم إلا على صورته، فالعالم كله جميل، وهو سبحانه يحُبّ الجمال”[1]، ويقول أيضًا: “فمن أحبّ العالم لجماله فإنه أحبّ الله، فإنه ليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالم، فإنه أوجده على صورته، فالعالم كله جماله ذاتي، وحسنه عين نفسه، إذ صنعه صانعه عليه”[2]. لا ينكشف من الله إلا تجلياتُ جماله وجلاله في الوجود، وإشراقاتُه في قلب المؤمن، لا يتجلى كلُّ ما هو مودَع في الجميل من أسرار الجمال، تأسر الرحمةُ القلبَ مهما كان قاسيًا، ويظلّ ‏الحُبّ عصيًا على أن يستحوذ على سرّه الإنسانُ مهما كان. يتمنّع كلٌّ من الإيمان و‏الحُبّ والجمال من البوح بكلِّ أسراره،كلٌّ منها يتلفّع بسرّ، وكلُّ ما هو متلفّع بسرّ لا حدودَ لشغف الإنسان باستكناه حقيقته، لذلك يلبث الإنسانُ في ظمأ أبدي إليه، لا يرتوي منه ما دام حيًا. في الإيمان يشعر المؤمنُ أن اللهَ يتحدثُ إليه شخصيًا، في ‏الحُبّ يشعر المحُبّ أن المحبّوبَ يتحدث إليه بلغةٍ لا يتذوقها إلا قلبُه، مثلما يشعر متذوقُ الجمال وكأن الجميلَ يبوح إليه بسرِّه.

الرؤية لله في الكلام القديم قلما تراه بوصفه نورًا. الرؤية لله في علم الكلام الجديد تتمحور حول صورة الله بوصفها نورًا، كما صوّرها الله في القرآن الكريم. تراه نورًا بذاته: “نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ” (النور 40، وتراه نورَ السموات والأرض: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور 40)، وترى نورَه يتجلى بكل شيء في الأرض: “وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا” (الزمر 69). وردت كلمة النور في القرآن 49 مرة، بوصفها إشارة للهداية: “يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ” (النور 35)، أو توصيفًا للكتاب: “قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ” (المائدة 15)، “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا” (النساء 174)، أو توصيفًا للإنجيل: “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (٤٦ المائدة)، أو بوصفها حالةَ لانشراح الصدر بالإسلام: “فَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ” (الزمر 22)، ووردة الكلمة دلالة على النور بوصفه ظاهرة فيزيائية، كضوء القمر: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا” (يونس 5). وغير ذلك من الآيات الواردة فيها كلمةُ النور.

تتحدثُ الآيةُ 54 من سورة المائدة عن بناءِ صلةٍ بالله تتأسّس على المحبّة المُتبادلَة: “يُحُبّهُمْ وَيُحُبّونَهُ”. ترسمُ الآيةُ صورةً تفاعلية للصلة بالله، ثنائيةُ الاتجاه لا أُحادية، من الله إلى الإنسان ومن الإنسان إلى الله. يبدأ اللهُ الإنسانَ بالحُبّ، فيتفاعل معه ويبادله الإنسانُ ‏الحُبّ. الصلةُ في الآية ليست عموديةً تسلُّطية استعبادية باتجاهٍ واحد. ‏الحُبّ فيها مُتبادَل، لا تتحدثُ الآيةُ عن الله بوصفه فاعلاً، وعن الإنسان بوصفه منفعلًا سلبيًّا في ‏الحُبّ. عندما يفيض اللهُ ‏الحُبّ على عباده يتَّخذ ‏الحُبّ قلوبَهم موطنًا له، يهدأ قلقُهم الوجوديُّ، ويعيشون سلامًا باطنيًّا، وتنشـرح صدورُهم بالاستنارة الروحية. الاستنارةُ الروحية أجملُ ما منحته الأديانُ لحياة الإنسان، في الإسلام كانت الاستنارةُ الروحيَّة منبعًا مُلِهمًا لتحويل الصلة بالله من علاقةٍ مسكونة بالخوف والرعب إلى صلةٍ مشبَعة بسكينة الروح وطمأنينة القلب.

الحُبّ ضد الإستعباد، حتى حُبّ الله إن تحوّلَ إلى استعبادٍ تام فإنه يمسخ شخصية الإنسان. منطق الحُبّ الحرية، ومنطق الاستعباد الاسترقاق، وهما متضادان. الاسترقاق هوانٌ وذلّ وشقاء وهتك للكرامة، الحُبّ ارتواء وحرية وتكريم. الله لا يحتاج رقيقًا، الله لا يريد إهانةَ الإنسان، بل يريد تكريمَه وإرواءَ ظمئه الأنطولوجي.

الإنسان بطبيعته كائن يصعب أن يحُبّه الإنسانُ الخبير بأعماق النفس البشرية، وحده حُبّ الله يجعلنا نرى الإنسانَ بنور الله. حُبّ الله نحتاجه لتوجيه نمط الصلة بالله ولحياتنا الإيمانية ولبناء علاقات اجتماعية راسخة. يبدأ الإنسانُ الحُبَّ لله بحُبّ الذات وقبولها، وحُبّ الإنسان الآخر، من دون حُبّ الله وتذوق بؤر الضوء في الإنسان تنضب الطاقةُ على حُبّه. ‏الحُبّ لا يطيقه قلبُ كلِّ إنسان، من أعذب تجليات الجمال الإلهي على قلب الإنسان أن يفيض عليه القدرةَ على حُبّ الإنسان. ‏الإنسان الذي يمنح ‏الحُبّ لغيره من الكائنات يصبح قلبُه كمرآةٍ ساطعة تشهد تجلياتِ الأنوار الإلهية. المحبّة من أثرى وأجمل النعم الإلهية. الله يفيض محبّتَه على خلقه بلا حدود وشروط وقيود،كالضوء يضيء كلَّ شيء بنوره. حُبّ الله لا يمكن أن يصل إليه إلا إنسان يبرع بترويض نفسه على حُبّ الإنسان، حُبّ الله لن نصل إليه إلا من خلال تدريب النفس على تحمل الإنسان المختلِف في معتقداته وأفكاره ورؤيته للعالم. وإكرم الإنسان جريح القلب، الذي يتطلع إلى أن نسعفه ولو بكلمة محبّة صادقة. لو أحبّ الإنسانُ اللهَ ينزله منازلَ خاصته المقربين، ويجعل الحُبّ حالةً وجودية يتحقّق بها الإنسان، وتصير مكوّنًا للكينونته الذاتية، بنحوٍ يغتسل فيه قلبُ الإنسان فيه بالحُبّ كلَّ يوم، متطهّرًا من الكراهيات والضغائن والأحقاد. القلوبُ المضيئة بحُبّ الله يهتدي بنورها ذوو البصائر إلى منبع النور الأبدي.

لا تنخفض وتيرةُ الألم وصراع الأقطاب المتضادّة داخل الإنسان إلا أن يتذوق الإنسانُ الحُبَّ والإيمانَ والجمال، ويعيشها بوصفها نمطًا لوجوده، وقتئذٍ يكتشف مفتاحَ الأسرار الإلهية المودَعة في الروح. الحُبّ الإلهي يفيض علينا نورًا نرى فيه مكامنَ النور الذي يمكن أن ينبثق من داخلنا وداخل كلّ إنسان.

الحُبّ ليس حاجةً ثانوية، الحُبّ إن كان صادقًا محميًا بضمير أخلاقي يقظ؛ يعني الاعتراف، والثقةَ بالذات، وتذوقَ جماليات العالم، والقدرةَ على مقاومة ما يفرضه علينا الواقعُ من قسوة وإنهاك نعجز عن تحمله. ‏الحُبّ يجدّد حياةَ الإنسان ويوقد كلَّ طاقاته الخلّاقة. الحُبّ كنز الحياة، وأثمن الممتلكات، لا يضيّع الحكيمُ كنزًا أفاضه الله على قلبه، يعيش فيه أبهجَ حالاته وأعذبها. التفريط بالحُبّ الأصيل سفاهة، مهما كانت الأسبابُ ينبغي ألا يفعل الحكيمُ ذلك. الحُبّ أنفس كنوز الحياة، العبث بالحُبّ يقود الإنسانَ إلى ضربٍ من الانتحارِ العاطفي والروحي، وتمزيقِ القلب، وتعاسةِ العيش.

ليس كلُّ شيءٍ يحدث في حياتنا يمكن تفسيره، أحيانًا تحدث للإنسان حالاتٌ غامضة يعجز عن اكتشاف أسبابها، سواء أكانت هذه الحالات مريحة أو مزعجة. الحُبّ عصيّ على التفسير، منطق ‏الحُبّ الأصيل هو اللامنطق، قانونه خارج القانون، لغته خارج اللغات. الإيمان والحُبّ والسكينة والسلام الباطني حالات وجودية يعيشها الإنسان، ويعرفها جيدًا بتذوقها، ويتعذّر عليه تعريفُها بوضوح ٍكما يعيشها ويتذوقها غيره. الحالات الوجودية لا يمكن الحديثُ عنها بلغةٍ مباشرة، إلا بالكنايات والمجازات والتشبيهات والإشارات.

عندما أكتب عن الحُبّ أو الإيمان، لا أدعي بناء رؤية علمية أو فلسفية تفسّر مضمون هذه الحالات الوجودية وتكتشف أسرارها. أحاول أكتب عن الخبرة الذاتية بتذوقها وعيشها والتحقّق لها، تذوق الحالات الوجودية غير معرفتها فلسفيًا أو علميًا. عشت مغتربُا عن وطني سنوات طويلة، بعد عودتي وجدتُ نفسي مغتربًا في وطني. أعيش مشاعرًا متضادّة في الوطن، أشعر أحيانًا كأني انتقلتُ من منفىً إلى منفى، وأشعر أحيانًا ألا سماءَ كسماء وطني في كلّ سماوات العالم. في المنفى والوطن أعيش الإيمانَ والحُبَّ بوصفهما وطنًا حيث لا يجد الإنسانُ وطنًا يأويه. بالحُبّ المؤطر بضميرٍ أخلاقي ينتصر الإنسانُ على الأنانية والقلق والخوف واليأس والضجر. الحُبّ الذي يكرّسه الإيمانُ يثري الروحَ بالسكينة والقلبَ بالطمأنينة.

[1] ابن عربي، محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ح ٢ / ٣٤٥ – ح ٤ / ٢٦٩.

[2] ابن عربي، محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ح ٣ / ٤٥٠.

 

https://alsabaah.iq/96987-.html

 

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

د. عبد الجبار الرفاعي

يولع بعضُ المثقفين والكتّاب العرب بشذرات النفّري في “المواقف والمخاطبات” وأمثالِها من نصوص العرفاء، ذاتِ الكثافة الدلالية والاستبصارات المضيئة، ويستشهدون بها وينشرونها ويكتبون عنها، ويتعطّش بعضُهم لحياة العرفاء الروحية وصلتِهم العميقة بالله، المؤسَّسة على المحبة والتراحم وتذوّق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. يحاولون أن يتصيدوا تجربةَ النفّري والحياة الروحية لأمثاله، بالتقاط كلماتهم، غير أنههم يفشلون في تذوّق بهجة الروح باستبصارات أولئك الروحانيين الحاذقة. لم يدرك هؤلاء أن الحياةَ الروحية حالةٌ وجودية معيشة لا يتحقّق فيها الإنسانُ ما لم يبني صلةً حيّة بالله. هذه الصلة لا طريقَ لها سوى العبادة بكيفياتها المتعارَفة في الأديان، إن كان مسلمًا عليه أن يؤدي الصلاة، وإن كان يدين بديانةٍ أخرى عليه أن يؤدي الطقسَ على وفق تكريس الحياة الروحية فيها.كلامي هنا في سياق مناقشة بعض الذين يدعون للاكتفاءِ بالتأمل والتفكير الواعي اقتباسا من بعض الأديان الآسيوية، والاستغناءِ عن الحاجة للصلاة والعبادات في الأديان. التأمل والتفكير الواعي ضروري، لكنه ليس بديلًا عن الصلاة والعبادات. لا يتكرّس الإيمانُ ويلبث حيًّا فاعلًا في البناء والعمل الصالح إلا بعبادةٍ يومية في إطار ديانة الإنسان.

أعرف محققًّا تخصّص في إحياء تراث العرفاء وشغف بآثارهم كلَّ حياته، وبذل جهودًا مضنية في تحقيق نصوص ثمينة لهم. لبث سنوات طويلة ينقِّب في خزائن المخطوطات، وينهك نفسَه في البحث عن رسالة أو كتاب غير منشور، واستطاع بمهارةٍ فائقة اكتشافَ نصوص نفيسة منسية أو مجهولة، وتحقيقَها باحتراف خبيرٍ، وإخراجَها للنور من ظلام أقبية خزائن المخطوطات.كان يتوهم بإمكانية بناء صلةٍ حيّة بالله بلا عبادة، بل كان يعوّض العبادةَ بالكحول، وجد نفسَه كلّما شرب افتقر للمعنى الروحي الذي يتذوق قراءته بتلذّذ في آثار العرفاء.كان يشتدُّ ظمؤه الأنطولوجي، وتنطفيء شعلةُ حياته الروحية، ويتفاقم اغترابُه الوجودي، فيسرع لإرواء ظمئه ومداواة اغترابه بالكحول. تراه كأنه يهرول وراء سرابٍ يحسبه ماء، حتى تاه متسكعًا في حالة من الغثيان والسأم المضجر، وهو يلهث بغيةَ أن يقبض على شيءٍ من سكينة الروح وطمأنية القلب. في غفلةٍ منه وجد نفسَه مدمنًا، لا يمكنه الإفلاتُ من البئر المظلم الذي غطس فيه، فمضي دون جدوى يغوص في طبقاته، وصار كلّما غرق في الكحول أشد تعاظمت غربتُه واغترابُه في العالَم، وأكلته وحشةُ الوجود، ونضب أيُّ منبعٍ للمعنى في حياته. بعد أن ضاع هو، ضيّع عائلتَه، وتزلزل وانهار بيتُه، وفقد وعيَه، وانطفأت بصيرتُه، وعجز عن التوقف للحظة ومراجعة مسيرته، والنظر بهدوء إلى عبثه بنفسه وخسارته لذاته، ولكل ِّشيء ثمين في حياته. أخيرًا ساقه هذا الطريقُ المظلم لمغادرة الحياة عاجلًا، بعد أن أحرق الكحول أحشاءه.

لا أتحدث عن الحياة الروحية بوصفها تديّنًا شكليًّا، الذي هو نمط تديّن سطحي دعائي مجوّف، لا تغذيه صلة حيّة بالله، ولا يحضر فيه شيءٌ من روح الدين ومقاصده في مواقف وسلوك المتديّن، ولا يشعر صاحبة بسكينة وسلام باطني. ويستعملُ هذا التديّنُ بوصفه قناعًا لأغراض الوجاهة، ولتسويقِ شخصيات لا تتصف بالحدِّ الأدنى من طهارة القلب واليد واللسان. إنه تديّنٌ مفرّغٌ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي. تديّنٌ يضعُ معاييرَ ظاهريةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الروحي والأخلاقي للإنسان. ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّن زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّن إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًّا لنفور الناس من الدين.

أتحدث عن الحياة الروحية والإيمان بوصفه كائنًا حيًّا يقظًا فوّارًا، وبوصفه أمرًا وجوديًّا، لا يتحقّق ويزدهر من دون روافد يستقي منها وجودَه، وتتجدّد بها حياتُه. إنه جذوةٌ مشتعِلة، وهذه الجذوةُ بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئًا فشيئًا حتى تنطفئ. مالم تتكرّر الطقوسُ والصلاةُ في سياقِ تقليدٍ عباديٍّ مرسومٍ، يذبل الإيمانُ ويذوي حتى يصير حطامًا. الإيمانُ بمثابة حديقة الأزهار، مالم نواظب على سقيها تذبل وتموت وتندثر. الصلاةُ والطقوسُ كأنها ينابيعُ مياه عذبة صافية تسقي حديقةَ الإيمان، لولاها لاندثر وأصبح هشيمًا تذروه الرياح. ينعكس تكريسُ الروح وإرواءُ ظمئها على بناءِ الإرادة وترسيخِها على الدوام، وهذه من الأغراض الأساسية للعبادة في الأديان، ‏وإن كانت هذه العبادةُ تنحرف عن غايتها الأصلية، وتُستعمل أحيانًا في وظيفةٍ مضادة.

اهتمَ كلُّ دينٍ معروف اهتمامًا واضحًا بالعبادة، وحرصتْ كلُّ الأديان على رسم تفاصيلها بجلاء، وحذّرت مَنْ يتّبع الدينَ من أدائها كيفما يشاء خارج رَسمها المحدّد، لأنه يهدر وظيفتَها ويمسخ هويتَها. القولُ بأن لكلِّ شخص عبادته وصلاته الخاصة كلامٌ غريبٌ على منطق الأديان وروحها، وما ترمي إليه العبادةُ فيها، وأغربُ منه محاولاتُ بعض الناس ترقيعَ والتقاطَ عناصر متضاربة من أديان مختلفة في عباداتها وطقوسها وشعائرها، وخلطَ بعضها ببعضها الآخر، ولصقَها بصورة متناشزة مشوّهة، وممارستَها بشكلٍ يمحقُ الدينَ، وينتحلُ حالةً مشوهة للإيمان.

إن تاريخ الأديان الطويل ينبؤنا بأن العبادات تشكِّل رافدًا يغذّي الصلةَ الوجودية الحيّة بالوجود المطلق، الذي يتجلى في كلِّ دين على شاكلة شريعة أتباعه. وأن ما تتميز به العباداتُ يكمن في اشتراك ماهيتها وصورتها بين أتباع الدين الواحد. ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا عباداتهم خارج إطار شريعتهم، أو يلتقطوا عناصرها من أديان متنوعة كيفما يشاؤون.

في ضوء هذا المفهوم للعبادة في الأديان، نجد الهندوسي يؤدي طقسَه وعبادتَه الخاصة في معبده، وفي المسيحية يؤدي المسيحي قدّاسَه في كنيسته، وفي الإسلام يؤدي المسلمُ صلاتَه في مسجده. كيفيةُ القدّاس الذي يؤديه المسيحي في الكنيسة، تختلفُ عن كيفيةِ طقس الهندوسي في معبده، وتختلفُ عن كيفيةِ صلاة المسلم في مسجده، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. لا ننكر التشابهَ في بعض عناصر العبادات والطقوس والشعائر في الأديان، الذي يعبّر عن مشتركات الأديان والثقافات في المجتمعات المختلفة، إلا أننا لم نجد تطابقًا وتماثلًا كليًا بينها، لكلِّ عبادة بصمتُها الخاصة ولونُها الذي يعكس صورةَ الديانة المشتقة منها. لكلِّ إنسان حياتُه الروحية، روحُ الإنسان تتغذّى من العبادات المشترَكة في ديانته. صلاةُ الحلاج والبسطامي والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي ومحمد حسين الطباطبائي، وغيرهم من العرفاء، هي صلاةُ الإسلام ذاتها، غير أنهم تهذّبوا وتسامت أروحُهم بنور الله، وابتهجوا بمحُبّته[1]. الحياةُ الروحية تتحقّق في سياق شريعةٍ محدّدة، الحياةُ الروحية تتطلب أن تستقي على الدوام من العبادة الخاصة بهذه الشريعة، بوصفها من سنخها وترتسم فيها صورةُ الديانة، وينعكس فيها شيءٌ من عناصر البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان. فلو ركّبَ الإنسانُ على ديانته تقليدًا عباديًّا مستعارًا من ديانةٍ أخرى،كما لو أن مسلمًا كان يمارس تقليدًا طقوسيًّا هندوسيًّا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين طقسٍ ترتسم فيه صورةُ ديانةٍ غير ديانته، وبين الحياة الروحية في أفق ديانته. لكلِّ ديانةٍ طقسٌ خاص من جنسها، بمعنى أنه مشتقٌّ من طبيعة البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان، وكيفية رؤيتها للعالَم، وبصمة الحياة الروحية فيها[2].

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين الظمأ الأنطولوجي، ص 72، ط 3، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار التنوير، بيروت.[1]

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 63-64، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.[2]

 

https://alsabaah.iq/94527-.html?fbclid=IwAR1t9g3ADIAFOA1_Gpg5WY9y2M_WzsE4kD-ggq_RjjTn9zI2FYkCVL1yVhE_aem_Aa1opZqmQtqu5LMt361QvaqUGKyNucnYCpwIv3bTGZyfwt9mrT6xVf77E-TAA2B4249CXb6IX5Z-Pdyfag4LzQUO

مفهوم الاغتراب الميتافيزيقي

مفهوم الاغتراب الميتافيزيقي

د. عبد الجبار الرفاعي

“الاغتراب الميتافيزيقيّ” كما أصطلحُ عليه، هو اغتراب وجودي عن العالَم الميتافيزيقي. وهو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاغتراب الاجتماعي والاغتراب النفسي والاغتراب السياسي. ينشأ هذا الاغتراب عندما يحبس الإنسانُ وجودَه بالوجود المادي الضيق، فيختنق باغترابه عن الوجود الميتافيزيقي. وينتج عن ذلك تمزق الكينونة الوجودية للإنسان وضياعها بتشرّدها عن الأصل الوجودي لكلِّ موجود في عالَم الامكان. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتّصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتّصال الوجوديّ يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقيّ. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أنَّ وجودَ الذَّات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي.

الاغترابُ الميتافيزيقي ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ جورج ويلهم فردريك هيغل (1770 – 1831) الذي يرى أنَّ الاغترابَ ينشأ من وعي الإنسان بالهوّة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية “الروح المطلقة” أو العالم المثالي، فالإنسانُ يكون مغتربًا عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ لودفيغ فويرباخ (1804 – 1872) الذي يرى أن خيالَ الإنسان هو من اخترع فكرةَ الإله وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الانسانُ مُستلَبًا، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء في حين سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ كارل ماركس (1818 – 1883) الذي جعل سببَ الاغتراب استغلالَ الرأسماليّ للعامل، واستلابَ قيمة عمله، الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، واغترابِه عن عملية الإنتاج، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي كإنسان، واغترابِ العمال بعضِهم عن بعضِهم الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ سيغموند فرويد (1856 – 1939)، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجودِ الحضارة واستلابِها لغرائز الإنسان، إثر ما يحدث من تعارُض بين متطلّبات بناء الحضارة وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلّبات مضادّة.

أعني بـ “الاغتراب الميتافيزيقي” أنَّ الانسانَ هو الكائنُ الوحيدُ في هذا العالم الذي لا يَكتفي بوجودِ ذاته، فيشعر على الدّوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفّ عن الاتصال بمنبع مطلق للوجود، يتكرّس به وجودُه الشخصي، ويظلّ يعمل كلّ حياته على توسعة وجودِه وإغنائه، من خلال السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإنْ عجز عن الاتصال بالمطلق عاش حالةَ ضياعٍ واغترابٍ ميتافيزيقي.

ولمَّا كان كلُّ شخصٍ يحتاجُ لما يتخطَّى وجودَ ذاتِه المحدود، فإنْ لم يصل إلى المُطلق يحاول أن يعوِّض حاجتَه بما يعتقد به من مطلق، بقطع النَّظر عن نوع ما يعتقد به، سواء أكان أيديولوجيًّا، أو ميثولوجيًّا، أو فكرةً، أو أمةً، أو إثنيةً، أو بطلًا، أو وطنًا، أو ملحمةً، أو سرديَّةً، أو غيرها، وكلها تنتمي إلى المتخيَّل الذي ينسجه كلُّ مجتمع لنفسه. كلُّ مجتمع يحتاج أنْ يرسم صورةً متخيلة لهويّته، تصير مرآة يرى ذاتَه فيها مركزَ العالَم، ويرى إنتاجه الماديّ وغير الماديّ أغنى وأثمن إنتاج أنجزه مجتمع يعيش على الأرض، كأنَّ كلَّ المجتمعات خارج حدودِه كانتْ صدىً لما قدَّمه هذا المجتمعُ للبشريّة. هذه الصورة المتخيَّلة لهويته يتحقّق فيها حضورُها، وشكلٌ من أشكال حضورِ كلِّ فرد ينتمي إليها، وشعوره بالاتصال بوجودٍ مطلق يكتفي به دون غيرِه.

عندما يستفيق الإنسانُ متأخِّرًا يجد ذاتَه مقذوفةً في متاهة، كأنه يهرول وراء سراب، لإدراكه بأنّ كلَّ ذلك لا يشعره بأنَّ وجودَه الفرديَّ يتكرّس بمزيدٍ من الوجود. بمعنى أنَّ لدى كلِّ فرد حاجةً إضافيَّةً في ذاته لوجود واسع غنيّ بلا حدود، حاجةً عابرةً لوجوده الشخصيّ الفقير الضيّق المحدود، وهذا الوجودُ لا يفيضه سوى الاتصال الحيوي بالوجود المطلق. إذ يتّسع وجودُ الإنسان بمدى قدرتِه على تحقيق ضربٍ من الاتِّصال الوجوديّ بذلك الوجود اللامحدود.

وجودُنا الفقيرُ يبحثُ عن وجودٍ يتَّسِعُ له ويتحرَّرُ به من كلِّ حدود وقيود الوجود الضيّق. الزمانُ والمكانُ واللغةُ والثقافةُ والأيديولوجيا والهويةُ قيودٌ وحدودٌ تُفقِر الوجودَ، وتغرقه في اللامعنى أحيانًا، لذلك يبحث الإنسانُ عن لغةٍ بديلةٍ للغتِه؛ تتَّسع لاستيعابِ ما يتوالد في مخيَّلته وأحلامه وأوهامه وقلقه وآلامِه، فينتقل للرمزِ الذي يتسعُ لما لا تتسعُ له أيةُ لغةٍ. الرمزُ يتكفَّل بتزويدِ الإنسانِ بمعانٍ تختنقُ بها اللغةُ، الرمزُ لغةُ الأديانِ والفنون، لذلك كانت الأديانُ والفنونُ من أثرى منابعِ المعنى في حياة الإنسان.

كلُّ وجودٍ يقترنُ بالمادة فقيرٌ، لأنَّ الوجودَ الماديَّ للكائنِ البشري يفرضُ عليه أن يقترنَ بزمانٍ ومكانٍ ولغةٍ، أي يفرضُ عليه الافتقارَ والاحتياجَ إلى غيره. الزمانُ والمكانُ واللغةُ قيودٌ تقيِّدُ الوجودَ وحدودٌ تحدّه، وكلُّ قيدٍ وحدٍّ نهايةٌ، والنهايةُ افتقارٌ، وكلُّ افتقارٍ ضربٌ من الظّلامِ. لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ كينونتَه إلا عندما يتحرَّرُ من حدودِ الزَّمانِ والمكانِ واللغةِ. الزمانُ الذي هو غطاءٌ من الظلامِ يحتجبُ به الوجودُ، فيغترب عن ذاته. الصلةُ الوجوديَّةُ بالوجود المطلق وهو الله، هي ما يحرّرُ الوجودَ المحدود من اغترابه، أي من فقرهِ الناتج عن قيوده وحدوده، التي عندما يتخلَّصُ منها يمتلكُ كينونتَه، فيكتمل وجودُه، وتُمحى غربتُه عن ذاته. لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ ذاتَه إلا بصلته الوجودية بالوجود المكتفي بذاته. هذا هو المعنى الذي أفهمه من آية النور: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)، النور، 36. (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا)، الزمر، 69. هذا النور هو الوجود الغني المكتفي بذاته، الذي يخرج به الوجودُ المحدودُ للإنسان بعد أن يلتقيَ فيه من فقره، أي من ظلمته واغترابه، ويشرق وجودُه بنورٍ على نور.

الدينُ هو ما يخلِّص الإنسانَ من الاغتراب الميتافيزيقي من خلال الاتِّصال الوجوديّ بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيمية، والإله أو الروح الكلّي في أديان أخرى. والمطلقُ يمثّل أغزرَ منبع يستقي منه الكائنُ البشري مزيدًا من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدِّد كيفيةَ حضور الذَّات في العالَم، لأن الإنسانَ يتحقّقُ فيه بمرتبةٍ أكمل من الوجود.

الاغترابُ الميتافيزيقي حالةٌ أنطولوجيّة، تُستلَب فيها كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منها الإنسانُ إلّا ببناءِ صلةٍ ديناميكيّةٍ يقظةٍ بالمطلق، تتحقّق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود الأوسع من المادي، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحوَّل هذا الوجودُ الواسع إلى مَسكَنٍ يقيم فيه، وحيث يسكن الإنسانُ الوجودَ يجدُ ذاتَه، وعندما يجدُ ذاتَه يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقتِه بإلهِهِ، فيتحوّل من عَدَاءٍ إلى حُبٍّ، بل قد يتسامى الحُبّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحَبِيبُ هو الأنا.

على الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاصَ من أنواع الاغترابِ هذه لا يعني الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الإنسان عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الميتافيزيقي، إذ بعد أن تنقطعَ صلتُه الوجودية بإلهه، يفتقدُ ذاتَه، وعندما يفتقد الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظِّي، وربما يتردَّى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزِّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانيّةَ.

الصلة الوجودية بالله لم أقرأْها في مدوَّنة علم الكلام القديم، الذي أنتجَ غُرْبَةَ المُسْلِم عن ذاتِه وعالَمه. نشأ اغترابُ الإنسان الميتافيزيقي عن إسقاطِ المتكلِّمين لصورة الإنسان على الله. تورّط المتكلّمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة توحيدِ الله وصفاتِه وأفعالهِ، كان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمطَ علاقةِ الله بالإنسان. ووُلدتْ الرؤيةُ التوحيديّة الكلاميّة في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق هذه الرؤية، وتبعًا لذلك أنتجت فقهًا يشرعن بعضِ أشكال العنف. بل تغلغلتْ رؤيةُ المتكلّمين في معارفِ الدِّين المختلفة، وظهر أثرُها في كثير مما استلهمه المسلمون من النصوص الدينية.

لم أقرأ ‏مصطلحَ “الاغتراب الميتافيزيقي” في آثار متنوعة طالعتُها لفلاسفة ولاهوتيين ومتصوفة وعرفاء وغيرهم. هذا ‏المصطلحُ اقترحتُه في كتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، ‏وهو أحدُ المحاور المركزية في هذا الكتاب. وعلى أساسِ مفهومَي: الظمأ الأنطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي يبتني القولُ بأن: “الدينَ حاجةٌ وجودية للإنسان”، ‏وفي ضوءِ ذلك اقترحتُ تعريفًا للدين بوصفِه: “حياةً في أُفق المعنى، ‏تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. لا ترادفَ بين مصطلحِ الاغتراب الميتافيزيقي ومصطلحِ الظمأ الأنطولوجي، وإن كان كلٌّ منهما يعكس الحاجةَ الأنطولوجية للدين.

 

رابط النشر:

انهضْ فهناك من يفهم ما تعيشهُ في وجدانِك وعقلِك

انهضْ فهناك من يفهم ما تعيشهُ في وجدانِك وعقلِك

خليل المرخي[1] 

منذ أن اطّلعت على سيرة د. عبد الجبار الرفاعي من خلال العدد الخاص لمجلّة (الموسم) الفصلية التي تعنى بالآثار والتراث، في كتابها التذكاري لسنة ٢٠١٤م الجزء (١٠٥)، تولّد لديَّ الشغف بمتابعة نتاجه الفكري. وقد وجدتُ فيه الفكرة الجديرة بالترويج، واللغة المُنقِذة من التيهان بين صراعات أصحاب التيارات المتناحرة باسم الدين سياسيةً كانت أو حوزوية.

له المنّة علينا بهذا الطرح الذي وجدتُني غيرَ متردد بالإشارة إليه، وإرشاد الباحثين عن الرؤية المُقنِعة للفهم الديني، بروحٍ سمحةٍ، وعقلٍ خبيرٍ في الفصل بينَ ذاتيّة أصحاب الخطاب الديني وما تحويهِ من خصوصياتٍ نفسية، وتأثيراتٍ بيئية وتاريخية وبينَ الجوهر المجرّد للفكرة الدينية الصافية للاطلاع عليه بمحبةٍ وانفتاح.

ولله الحمد فقد وجدتُ في كل من دللتهم على النتاج الفكري للدكتور الرفاعي امتنانًا بالغًا لهذه النصيحة، فصاروا يتابعون ما يصدر عنه قدر الإمكان، فأمثاله يختصرون من خلال تجاربهم الكثيرة الثرية طريقًا طويلًا على الباحثين عن منهجية متوازنة في فهم الدين والحياة.

ممّا تولّد في ذهني وأنا أقرأ تجربته الشخصية من خلال السيرة الذاتية التي دوّنها في (الدين والظمأ الأنطولوجي)، أنّ هذه التجربة الثرية وما خرج عنها من نتائج يمكن أن تمثّل طوق نجاةٍ للكثيرين الذين لا يزالون في صراعاتهم الداخلية بين التراث الذي نشؤوا عليه منذ الطفولة، والواقع المتضارب الذي يعانون أجواءَه، والمستقبل المنظور الذي يخافون من عدم قدرتهم على بلوغهِ.

شكّلتْ كتابات الدكتور الرفاعي بالنسبةِ لي، صدًى كنتُ أترّقب أن يطرُق سمعي في وقتٍ اختلطتْ فيه الأصوات الناطِقة باسم الدين، وكان هذا الصدى الذي لا يزال يتردد: “انهض فهناك من يفهم ما تعيشه في وجدانك وعقلك”. وأن تغتربَ عن الانسجام مع واقعٍ مشوّهٍ، خيرٌ من أن تغتربَ عن الانسجام مع نفسكَ وعقلك.

كان أحد أعز أصدقائنا من حملة الدكتوراه يعيش حالةً نفسيّة صعبة بسبب الإحباط من الطرح التقليدي للخطاب الديني (المسموع والمقروء)، فاقترحتُ عليه كتاب (الدين والظمأ الأنطولوجي..) فصار بعدها (متخصصًا في شرح عباراته)، حتى أنّ ملاحقته لما يصدر باسم الدكتور الرفاعي سبقتني بمراحل.

مشكلة الواقع عند شبابنا في مجتمعاتنا الدينية المحافِظة، أنهم بسبب تكثيف الخطاب الديني التقليدي، فضلًا عن المتوحّش، صاروا بين خياراتٍ صعبة:

إمّا التماهي مع هذا الخطاب، والتحوّل لجنودٍ مغسولي الأدمغة يدافعون عنه بشراسة أكثر من شراسة أصحابه، وكأنهم كالذي يخمشُ وجههُ بأظافرهِ، ولا يستطيعُ أحدٌ إنقاذه من خطر نفسهِ على نفسهِ وعلى غيرهِ، أو التنكّر الكامل للتديّن، والتمرد على الحالة الدينية الشائعة بكل جرأة ودون مبالاة، حتى صار التحدي لكل المظاهر الدينية هو العنوان الذي يتفاخرون بهِ، رغمَ معاناتهم الروحية بينهم وبين أنفسهم! أو حياة التناقض بين القناعات المُضمَرة، والقناعات المُعلنة. وهي حالة المعاناة بصمتٍ، والمجاهدة للبحث عن الثغرات التي يعبّرون فيها عن هذه المعاناة رغم الحذر، وتقديم رِجل وتأخير أخرى.

أمّا خطاب عبد الجبار الرفاعي، فعلى الرغم من قدرته الفائقة على تقديم الحل لخصوص أتباع الخيار الثالث، إلّا أنّه لا يزال في دائرة المحرّمات عندَ أتباع الخيار الأوّل الذين يشكّلون القوة صاحبة الصوت الأعلى، والأدوات الأمضى في فرض حضورها الاجتماعي، باعتماد آليات الإرهاب الفكري، ومنها تفعيل أداة (الحرمان الديني) التي يخشاها أغلب أبناء المجتمع؛ لأنها تعني، ببساطة، النبذ من المحيط الذي لا مناص من التعايش مع سلبياتهِ، باعتباره البيئة التي ينتمون إليها.

غير أنّ التجربة أثبتت أنّ صوتًا كصوته يمكنه أنْ يجد الآذان الصاغية عند شريحة مهمّة؛ لذلك يشكل قلقًا للمتوحّشين. وهذا ما يؤكّد على أصحاب الطرح التنويري المتوازن أنْ يقوموا بدورهم في تقديم الصورة الجميلة للإسلام، كي لا تكونَ الحاكمية في الإعلام للنموذج المُعاق الذي لا عنوان له إلا: الخرافات، والتزمّت، والسوداوية، واختلاق المعارك والصراعات.

[1] كاتب من البحرين. نشر في صحيفة العالم الجديد، يوم اﻷحد 19 تموز 2020.

 

رابط النشر:

لاهوتيّ يتكلم لغة الإيمان والحب والرجاء

لاهوتيّ يتكلم لغة الإيمان والحب والرجاء[1]

 الكاردينال الدكتور لويس ساكو[2]

لقد قرأتُ بتمعُّن وشغف كتاب د. عبد الجبار الرفاعي: «الدين والظمأ الانطولوجي» ط2، والذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد ودار التنوير ببيروت 2017. بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبتُ الى قراءةِ الكتاب بالكامل. إنه سفرٌ مشوّق يحمل بين طياتِه قلبًا وجدانيًّا مفعمًا بالحب والإيمان، وفكرًا ناضجًا عميقًا، نيِّرًا صادقًا. كلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وإيمان بكلِّ معنىً الكلمة، وليست اجترارًا للسلف، ولا ترديدًا لطقوسٍ جامدة، ولا تديُّنًا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كل رجل دين مسلم ومسيحي، وكل إنسان مؤمن، لأنه في النهاية باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله «بالروح والحق»، كما يقول السيد المسيح «إنجيل يوحنا 4/13». لأن من يقرؤه سيزداد معرفة وتنويرًا وحقًّا وحبًّا لله… أقول ومن دون مجاملة وجدتُ الكتاب سفرًا غير معتاد من مسلم، يتحدَّى الجمود «الإكليروساني- الإسلامي» عن معرفة وخبر، فجاء مبدعًا ومحرِّكًا. عبد الجبار الرفاعي «ابن الحوزة العلمية»، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الإيمان وليس بأسلوب فلسفي – ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، «عود أبدي»، كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصَّص عن سيرته والمعنون «نسيان الإنسان». استمتعتُ بسيرته الذاتية جدًّا، والتي أتمنى أن تتحوَّل إلى فيلم أو مسلسل؛ يُعَلِّم الجيلَ الجديدَ كيف يكون عصاميًّا بجهد شخصي “بعرق الجبين”، وليس بطريقة أخرى سهلة!

الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عمومًا، بل يريد الإبحار إلى العمق إلى الجوهر؛ ليكشف ما فيه من جديدِ اللهِ في جديدِ الإنسانِ، وجديدِ الزمن، كما يروي في الفصل المخصَّص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة إيمانية عن إنسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله، فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح يقظة، وليس ممارسات جوفاء. يتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. يتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الانسانُ بكلِّ جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة، الحياة مشوار إلى القيامة. مَنْ ليس قائما منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت. الإيمان «وليس التدين»، الفكر، الحب، خدمة الإنسان هي الخلود.

إنه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل «الأصالة والمعاصرة»، وألا تتخشب المعطيات فلا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم، كما فعل المسيح مع الفريسيين، علماء الشريعة والذين سماهم: “القبور المكلسة” «متى، 23/27».

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق لها، فيكتب: «الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعاتُ الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلا بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافلة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الأديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الأخطاء المتراكمة في فهم أتباع ديانة أو مذهب لمقولات أتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية إقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان أنها تنشد تكريس وإثراء الجوهر الروحاني للانسان».

استفهم بشأن: «احتكار الأيديولوجيا لنظام إنتاج المعنى الديني»، وأوضح الرفاعي أن الأسئلة العُظمى للدين تتلخص في: «معنى الوجود والخلود والأخلاق والطقوس…».  ويسعى بشجاعة لتجديد الفكر الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

الدين خلق وإبداع وليس جمود وتحنيط، سفر دائم إلى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرك وتغير. الدين يدعو إلى تخطِّي عالَم الكلمات إلى عالَم المعاني.

كتاب عبد الجبار الرفاعي يتكلَّم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله، كي نولد في قلب الله… أليس هذا هو الإيمان؟

لا يدعو الرفاعي للحب بأسلوب مبسط، وإنما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقّق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: «الإنسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الإنسان؛ ذلك أن الكائن البشري كثيرًا ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وإنما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلا بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الإنسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكِّنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضًا لو صدر منه. الإنسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمنًا عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإن ما يصبح مألوفًا في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحًا. الإنسان ليس كائنًا آليًّا، بل هو بطبيعته أسيرُ ضعفه البشريّ، لذلك لا تجفّ منابعُ الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعاتُ الشر في أعماقه، ولا يكفّ عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الإنسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته».

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كلُّ رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الإيمان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، إنه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضًا: أن يجد صدىً ما في حياتنا.

أتمنى ألا يستمر صوت د. الرفاعي وحده حتى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسةً من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد إلى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

هوامش:

[1] نشر المقال في صحيفة العالم الجديد «بغداد»، الصادرة في 21 كانون الثاني 2017.

[2] مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقًا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربورن سنة 1986. ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالًا، و20 كتابًا في مجالات اللاهوت والدين.

 

رابط النشر: