Category: الاعتراف

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان

الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الوجهُ نافذة الدخول الأولى إلى الإنسان، وهو من أهم نوافذ الدخول إلى مشاعره وقلبه. نرى إنسانًا للوهلة الأولى وكأن وجهَه مصباحٌ يضيء باطنَه، أو نرى وجهَ إنسانٍ مُلتبِسًا مبهمًا غامضًا. الوجه مفتاح بوابة شخصية الإنسان، يأخذنا الوجهُ في رحلة اكتشاف شيءٍ من اللامرئي في الإنسان. الوجه بوصلة التفاعل الإنساني والتواصل الأخلاقي بين إنسان وإنسان، الوجه مرآة يرتسم فيها شيءٌ من فرادة كلِّ فردٍ وتميزِه عن غيره. ‏في الوجه يتكشف شيءٌ من المعنى الأخلاقي والروحي الذي يمكن أن يمنحه كلُّ إنسان لغيره، في الوجه نقرأ ما يرشدنا لكيفية التواصلِ الإنساني وإدارةِ العلاقة مع البشر. عندما نلتقي إنسانًا أول ما نلتقي وجهَه قبلَ كلّ شيء، الوجهُ ضوءٌ غالبًا ما يكون الأوضحَ تعبيرًا، والأشدَّ تأثيرًا في العلاقات الإنسانية. الوجهُ مرآةٌ لا يمكن رؤيةُ الإنسان والتوغلُ إلى عالمه الجواني إلا من خلالها. العلاقاتُ الإنسانية العميقة الوجهُ من أسرع مفاتيحها، ‏الحُبّ الذي هو أعذبُ وأغنى علاقة إنسانية الوجه من مفاتيحه الأساسية.

الوجهُ بقدر ما هو قناعٌ يحجب شخصيةَ الإنسان، هو مصباحٌ يضيء ما في داخل الإنسان، التمييز بين الحالتين يتطلب فراسةً وحدسًا وخبرةً لتمييز الوجهِ المخادع المتصنِّع والوجهِ العفوي الصافي الصادق. تعبيرات الوجه تؤثر في قراراتنا حيال مَن نتعامل معه، أحيانًا يكون أثرُها حاسمًا في نوع الموقف الذي نتخذه بالإقدام أو الإحجام. تعبيرات الوجه مختلفة، أحيانًا يعكس تعبيرُ الوجه الفعلَ وأخرى يعكس الترك، أحيانًا يعكس النورَ وأخرى يعكس الظلام، أحيانًا يعكس القبولَ وأخرى يعكس الرفض، أحيانًا يعكس الإعجابَ وأخرى يعكس النفور، أحيانًا يعكس الإقبالَ وأخرى يعكس الإدبار، أحيانًا يعكس السكينةَ وأخرى يعكس القلق، أحيانًا يعكس الطمأنينةَ وأخرى يعكس الفزع، أحيانًا يعكس الوجومَ وأخرى يعكس الإفصاح.

الوجه هو الأفق الأخلاقي للتواصل في رأي الفيلسوف الفرنسي من أصل لتواني (1906-1995) إيمانويل ليفيناس. الأخلاق محور فلسفة ليفيناس، تبدأ فلسفتُه بالأخلاق، فهي الفلسفة الأولى قبل الأنطولوجيا. أعلى من وظيفةِ الأخلاق بنحوٍ احتلت مكانةً تتفوق فيها على كلِّ شيء. جعل الوجهَ مفتاحَها، من ملامحِ الوجه يمكن التعرّفُ على الإنسان واكتشافُ شخصيته وفهمُ كيفية التواصل معه، بنحوٍ صار “شاغله الأساسي هو ترسيم علاقة (الوجه-لوجه) الأخلاقية بالآخر”[1]. يركز ليفيناس على الوجه لفهم العلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعي، إذ يقول: “فالوجه هو الذي يبدأ كل خطاب، وكل إمكانية للخطاب، بما فيه ذلك الذي يعبر عن المسؤولية التي ستقوم عليها العلاقة الأساسية بين الأنا والآخر”[2].

بعض الناس الباطنيين العاجزين عن التعبير عن مشاعرهم يبدو أحيانًا وجهُهم كأنه ممحوٌ لا تظهر عليه أيةُ ملامح، أو يبدو مظلمًا، أو يبدو كأنه شبحٌ مخيف، لا يعرف هذا الوجهُ الابتسامة، وغالبًا لا تظهر عليه آثارُ التعجب والدهشة والانفعال والتفاعل. الوجه العاجز عن التعبير عن عواطف صادقة يعجز عن بناء علاقات عميقة. العلاقات منبعُها الأساسي العواطف، العواطف الصادقة تنبعث وتتغذى من الكلمات المبهجة وتعبيرات الوجه بالبشرى والابتسامة. ابتسامةُ الوجه من شأنها أن تضىءَ قلبَ مَن تتعامل معه، وتجعل حضورَنا وتأثيرَنا أسرع في حياة مَن نتواصل معه. في: “دراسة أعدتها جامعة تينيسي الأميركية، ونشرت في 2019، أظهرت أن الابتسامة يمكن أن تجعلنا نشعر بالسعادة. حيث قام الباحثون بتحليل نتائج 138 دراسة شملت 11 ألف شخص، وأجريت على مدار 50 عاما الماضية، وتوصلوا إلى أن الابتسامة -وإن لم تكن تلقائية – تولد قدرا من السعادة والفرح أو البهجة. ولا يعني ذلك -حسب المجلة – أن الابتسامة وحدها يمكن أن تخرجنا من حالات الاكتئاب والحزن، إلا أنها خطوة جيدة كمرحلة أولى نحو التخلص من المشاعر السلبية”[3]. و “نشر آلان كوينِ وداشر كيلتنر وكلاهما بجامعة كاليفورنيا في بيركلي بحثاً عام 2018 في مجلة (أميركان سايكولوجست)، خلص إلى أن إشارات الوجه والجسم معا يمكن أن تؤشر على ما لا يقل عن 28 صفة مميزة من المشاعر اليومية على الأقل في البالغين الغربيين. وهذه تشتمل على الكبرياء والخجل والرغبة والتسلية. ويقولان، إن هناك الكثير من أنواع الابتسامة المتنوعة التي تظهر على حالات أكثر تحديداً، مثل التسلية، والرغبة، والحب، والاهتمام، والرهبة، والتعاطف”[4].

يشكو لي إنسانٌ عاطفي من صديق له، يبخل عليه دائمًا بكلمة طيبة، ويستخفّ بمنجزه ولا يكترث به، وعندما يتحدث إليه ينظر إليه بوجهٍ متجهم يشي باستخفاف واستفهامات إنكارية، وينشغل بإظهار تفوقه عليه. يتكلم بنبرةٍ حادة ولغةٍ تسلطية متعالية كالذي يصدر أوامرَ عسكرية، يستعمل كلماتٍ قاسية بلا أن يكترث بمشاعر مَن يصغي إليه. يقول إذا أهديتُ له كتابًا ظهرتْ على وجهه حالةُ سخرية وقرف، ولا يترك هذه الفرصةَ قبل أن يسمعني كلماتِ ازدراء، تشعرني بتفاهة كتابتي وهزالتها وبؤس تفكيري. هذا الإنسان دائم الحديث عن كتاباته وذاته المتورمة، يترقب من الكلِّ تبجيلَ منجزه والاحتفاءَ به من دون أن يبجّل منجزَ أحدٍ أو يحتفي به.

لفراط إعجابي عند قراءتي كتاباتِ كاتبٍ تورطتُ بعلاقةٍ معه في مرحلةٍ مبكرة من عمري، كان الرجلُ غريبَ الأطوار، نادرًا ما يبتسم. وجهُه مظلم مكفهر مكتئب حانق طوال الوقت الذي تجلس معه، لا تسمع منه إلا الشكوى من تضييع مكانته، وتجاهلَ القراء لكتاباته، وتقديمَهم لغيره على الرغم من أنه هو الأعمق والأكفأ والأشد انتماءً لوطنه. لم أسمع منه ذكرًا لإنسانٍ بخير إلا في حالات نادرة، ولو ذكر أحدًا مرة بخيرٍ يعود لينتقم منه بمناسبة وغير مناسبة في مرات لاحقة. يسلق لسانُه كلَّ اسمٍ يرد بخاطره، مسكونٌ بملاحقة الناس بالاتهامات والازدراء، لا يكفّ عن ممارسة تبخيس الناس حقوقهم، كأنه مصابٌ بالإدمان على هجاء الناس، لا يستطيع الخلاصَ من الانشغال بالحديث الممقوت عن غيره مادمتُ جالسًا معه. حين تحتفي به لا تصدر منه أيةُ اشارةٍ للاحتفاء بك، لا يبادلك أيةَ مشاعر تعكس الودَّ والامتنان. متى جلستَ معه لا يعطيك فرصةً للتحدث، وإن قاطعته ينزعج وربما يتصرف بلا تهذيب. بعد مدة غادرتُ هذه العلاقةَ المنهِكة، لم أتخذ موقفًا سلبيًا من الرجل، ولم أعد أذكرُه لا بلساني ولا حتى بذهني، إلا أن يذكرني به غيري. شطبتُه من ذاكرتي إلى الأبد، عندما وجدتُ نفسي متى جلستُ معه أخرج وأنا حزين متذمّر، غاضب من هجائه المبتذل. ينطلق هذا الإنسانُ من مديونيةٍ متوَّهمة له في أعناق الناس، يحسب أن وظيفة الناس اكرامه واحترامه من دون أن يكرم أحدًا بشيءٍ أو يحترمه. لم يعرف عنه يومًا أنه بادر بكلمةٍ طيبة أو موقفٍ جميل. الحياة مديونيات متبادلة، الإنسان محكومٌ باحتياجاته المتنوعة، احتياجُه للمعنى عميق، يترقب كلُّ إنسان من الصلات خارج إطار العمل المهني والوظيفي والتجاري، أن تشبع الصلةُ بغيرة شيئًا من حاجته الأبدية للمعنى. أولئك الذين يحسبون أن لهم مديونيةً على الخلق من دون أن يقدّموا لهم شيئًا ماديًا، ولم يضيفوا لحياتهم أيَّ معنى روحي أو أخلاقي أو جمالي، تجفُّ روافدُ علاقاتهم بغيرهم ويهجرهم أقربُ الناس إليهم بالتدريج.

هناك فرقٌ بين التعاملِ الاجتماعي مع الإنسان، وبين فهمِ الإنسان وتفسيرِ سلوكه وتناقضاته بعمق. فهمُ الإنسان يجب أن يكون في ضوء الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتربية، ومعطيات العلوم والمعارف الحديثة المختلفة. التعامل الاجتماعي مع الإنسان يجب أن ينضبط بالمعايير الأخلاقية، الضمير الأخلاقي يفرض علينا أن نعامل الناسَ بالحسنى، حتى لو كان مَن نتعامل معه لا ينضبط سلوكُه بمعايير أخلاقية، إن كان كاذبًا فكنْ أنت صادقًا، إن كان خائنًا فكنْ أنت أمينًا، إن كان مراوغًا فكنْ أنت مستقيمًا، إن كان مدلسًا فكنْ أنت واضحًا. أعرف أن الصبرَ الطويل لا يطاق على معاملة بعض الناس المصابين بأمراض نفسية وأخلاقية حادة. جربتُ ذلك مرارًا، لكن في خاتمة المطاف تعبتُ، لحظة اكتشفت إصابةَ هذا الإنسان بمرضٍ نفسي حاد، وأحيانًا تكون الإصابةُ مضاعفةً بملازمة المرض الأخلاقي للمرض النفسي.

 

[1] تِد هُنْدرتُش “محرر”، دليل أكسفورد الفلسفي، ترجمة: د. نجيب الحصادي، مراجعة: د. منير الطيباوي، 2021، ج2: ص 1314، هيئة البحرين للثقافة والآثار.

[2] المصري، وفيقة، “وجهًا لوجه أم قناعًا لقناع: ليفيناس والعلاقة الأخلاقية مع الآخر”، معنى، 8 نوفمبر، 2020.

[3] موقع قناة الجزيرة، 11/10/2020.

[4] صحيفة الشرق الأوسط، 2 مارس 2020.

 

https://alsabaah.iq/90160-.html

 

لا قيمة لكتابة تتنكر للاعتراف

لا قيمة لكتابة تتنكر للاعتراف

د. عبد الجبار الرفاعي

القارئُ يبحثُ عن ذاته فيما يقرأ، أعذبُ كتابةٍ هي ما يرى فيها القارئُ محطاتِ حياته، وتتكشف فيها ملامحُ صورته، ‏ويتجلى فيها شيءٌ من الأعماق المختبئة في نفسه، وتفضح العقدَ الكامنة بداخله، ‏وتعلن أسئلتَه ومعتقداته المخيف ‏إعلانها. القارئُ يفتش في الكتابة عن شخصيةِ الكاتب، وأحوالِه وانفعالاته وحساسياته وهشاشته وضعفه البشري، ويدقّق في كلِّ ما يسعى الكاتبُ لإخفائه. يريد القارئُ تمزيقَ ما يحجبُ شخصيةَ الكاتب من أقنعة، وما يتوارى خلفه وجهُه. لا يبحث القارئُ عن المكشوف الذي يعرفه الكلُّ عن الكاتب. أصدقُ سيرة ذاتية قرأتُها وتعلّمت منها ما كانت مرآةً لذات كاتبها، وما اعترفَ كاتبُها فيها بطبيعته بوصفه بشرًا لا ملاكًا، وتحدث عن شيء من ثغرات شخصيته، وأعلن عن شيء من وهنه وعجزه، وندمه على بعض أفعاله وآرائه الخطأ، بموازاةِ حديثه عن مزاياه ومنجزاته ومكاسبه ومواهبه.

لا نسمع من البشر إلا كلماتهم، ولا نرى إلا وجوهَهم، ولا نتحسّس إلا ما هو مُعلَن من مواقفهم وسلوكهم. يستعمل كثيرٌ من الناس مختلفَ الأقنعة لتغطية وجوههم، وتمويه كلماتهم، والمراوغة في مواقفهم. ‏نقع في الذهول أحيانًا حين ينكشف لنا شيءٌ مختزَنٌ في أعماق مَن نعرفه منذ سنوات وتربطنا به صداقةٌ قديمة، مما تفضحه المواقفُ الصادمة عند الغضب والانفعال الشديد، ومواقفُ الكيد والغدر والخيانة. مَن أراد تطهيرَ ذاته من أكثر العقد المترسبة في باطنها ينبغي أن يكون شجاعًا في الإعلان عن أخطائه وعثراته وإخفاقات مسيرة حياته، كما يقول علمُ النفس الحديث.

لا تكون الكتابةُ صادقةً إلا بالتحرّر من الوصايات، ومن أشدِّها وصايةً جماعةٌ أيديولوجية تُلزِم أفرادَها بالرضوخ لمعتقداتها وقناعاتها وشعاراتها، وتقحم أقلامَهم في صراعاتها ومعاركها. بعضُ الكتّاب يتنقل في محطات أيديولوجية واعتقادية وسياسية متنوعة، ويواصل الكتابةَ كلَّ حياته، من دون أن نعثرَ على جملةٍ واحدة تشير إلى أنه أخطأ يومًا ما في اعتناق واحدةٍ من أيديولوجياته، أو أخطأ في عناده وتشبّثه بآراء ومواقف قادته وغيرَه لعواقب مريرة، أو أنه كان لا يعلم شيئًا من قرارته، أو كان جاهلًا ببعض أفعاله وسلوكه. بعضُهم تراه في كلِّ محطةٍ يقع تحت وصاية جماعة أيديولوجية، لتصبح وجهتُها هي البوصلة المتحكّمة بمواقفه وغايات كتاباته.‏ أتحدث عن أولئك الذين يهرولون دائمًا نحو مَن يضمن لهم المزيدَ من المكاسب العاجلة، ومَن يعمل على تسويق كتاباتهم جماهيريًا، ويوفر لهم غطاءً وسلطةً تحميهم من أية ضريبة للكتابة. لا أتحدث عن أولئك الأحرار الذين تنشأ تحولاتُهم عن ذكاء، وضمير أخلاقي يقظ، ورؤية واعية، واستبصارات عميقة، وقدرة على تمحيص تجارب الحياة المتنوعة وغربلتها، والخلاص مما يتكشّف فيها من أكاذيب وأوهام زائفة. ‏

لا يمكن الوثوقُ بكتابةٍ يعجز فيها الإنسانُ عن الاعتراف بأخطائه، ومراجعة قناعاته، ونقد أفكاره. بعض الأشخاص تراه يقفز من أيديولوجيا إلى أخرى مضادة لها، من دون أن تقرأ له عبارةً واحدة يعترف فيها بخطأ في أفكاره أو مواقفه أو سلوكه،كأنه لا يدري أن كلَّ مَن يفكر يخطئ. الخطأ ضرورةٌ تفرضها طبيعةُ الإنسان بوصفه إنسانًا، لا يتحرّرُ الإنسانُ من الخطأ غالبًا إلا بعد أن يقعَ فيه، ويعترفَ بكونه خطأ، ويمتلك إرادةً جريئة تعمل بإصرار على الخلاص منه. مَن يمتلك شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلك القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير.

تحدثُ تحولاتٌ في القناعات الفكرية والأيديولوجية والسياسية لمَنْ يمتلك عقلًا نقديًا، غير أن الإعلان عنها يتطلب ضميرًا أخلاقيًا حيًّا، ‏وإرادةً جريئة. يخاف أكثرُ الكتّاب الذين يعيشون في مجتمعات تقليدية مغلقة من البوح والاعتراف، عندما يكتبون يكرّرون ما يقوله غيرُهم بألفاظ أخرى. يعمد بعضُهم إلى عبارات زئبقية مموّهة، يريد أن تتنوع المواقفُ منها، تبعا لتعدّد تأويلات القراء وخلفياتهم.

طالما كانت الكتابةُ حجابا يخفي عاهات بعض الكتّاب الأخلاقية وعقدَهم النفسية. التجربةُ وحدها كفيلةٌ بتمحيصِ البشر، وفضحِ ما يحجبونه من عاهات بمهارتهم الحاذقة. الكاتبُ الأمين لغتُه صافية، بصمتُه واضحة في تعبيره وتفكيره. الكاتبُ الذي يعاند لغتَه، ويتمرّد على طريقة تفكيره وتعبيره ليس أمينًا.كلُّ كاتب يستنسخ توقيعَ غيره ويتلبّس قناعات تكذِّب قناعاتِه ليس وفيًا لمهنته. الكتابةُ هي الهويةُ المعرفية والأخلاقية للكاتب،كل ُّكتابةٍ تعاند لغةَ كاتبها وتغرق بلغةٍ مستأجرة كتابةٌ تخون قارئها وكاتبها. الكاتب الصادق مَن ترتسم سيرتُه الفكرية والأخلاقية في كتاباته، مَنْ تستمع بوضوح لإيقاع صوته، وترى بصمتَه الخاصة في الكتابة.

لا يحمي الكتابةَ والكاتبَ والقراء إلا يقظةُ الضمير الأخلاقي، الكاتبُ تحت الطلب لن يكون كاتبًا حقيقيًا. تسليعُ الكتابة يفتك بالقارئ، يخونُ الكاتبُ ضميرَه الأخلاقي عندما يزوّر قناعاته، ويظلّ قلمُه معروضًا للبيع يكتب لمن يدفع أكثر. أسوأ كاتبٍ ‏مَن يعمل كما يعمل البائعُ المتجول، البائع هدفُه بيعُ بضاعته والظفرُ بربحٍ عاجل من أيّ مصدرٍ كان. الكتابةُ الحقيقية هي تلك التي تثير نقاشًا جديًا (مع/ضد). يُكلّفُ الكاتبَ الإصرارُ على هذا اللون من الكتابة الكثيرَ من الإزعاجات، وهو موقفٌ يتكرّر مع كلِّ تفكيرٍ حر. باهضةٌ في مجتمعنا ضريبةُ كلّ تفكيرٍ ينشد الحرية، ويشتغل خارج إطار الأيديولوجيات والمفاهيم والقوالب المتداولة الجاهزة. لا جديدَ في كتابة لا تخرج على إجاباتٍ مكررّة وقناعاتٍ جاهزة. لا يشترط في الكتابة أن تنال إعجابَ الكلِّ وإجماعَهم، ‏الكتابةُ الذكية كتابةٌ خلافية، تثيرُ من الأسئلة أكثر مما تقدّم من الأجوبة، وتتمردُ على الكلمات والاجابات المملة. قوة الكتابة في اختلافِها، وفاعليتِها في إيقاظ الوعي، وتكريسِ الروح، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، وتهذيبِ الذائقة الفنية.

ليس هناك كتابةً جيدة لا تصطبغ بشيء من ذات الكاتب. الكتابةُ الجيدةُ يتكشفُ فيها شيءٌ من أعماق الكاتب، وتنهلُ من تجاربه الشخصية.كلُّ كتابة تعبر عن تجربة معاشة للكاتب ثريةٌ ومؤثرةٌ جدًا. الكتابةُ مفتاحُ قراءة شخصية الكاتب، كان أرسطو يقول: “تكلم لأراك”، ويمكننا أن نضيف لهذا الكلام: “اكتب لأراك”. هناك صلةٌ وجودية بين الأثر وصاحب الأثر، الإبداع أعمق أثر تتجلّى فيه كينونةُ الإنسان الوجودية، الكتابة الجادة من أوضح أشكال الإبداع، وهكذا الشعرُ والرسمُ والنحتُ والموسيقى وأنواعُ الفنون السمعية والبصرية، يمكننا قراءةُ شخصية الكاتب واكتشافُ ما يرمي إليه عبر نصوصه، مثلما يمكننا قراءةُ شخصية المبدع عبر إبداعه.