Category: الاغتراب الاجتماعي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

د. عبد الجبار الرفاعي

يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.

تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.

تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.

تنتزع الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على نحو متدرج، السلطة بأشكالها المختلفة من الإنسان، ولا يقتصر هذا الانتزاع على البيئات التي تنشأ فيها هذه الشركات، وإنما يمتد إلى العالم كله. هذه السلطة الجديدة، المنبثقة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تقف عند حدود الأدوات، وإنما تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته ورؤيته للعالم، فتزيحه عن مركز وجوده، وتضعف قدرته على إدارة حياته والتحكم بعلاقته بالطبيعة وأخيه الإنسان. نشهد اليوم نمطًا مموهًا من نزع الكرامة والحرية والمساواة، يتخفى وراء خطاب التقدم التكنولوجي، ويعيد إنتاج الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للاستبدال، تتحول إنسانيته إلى بيانات، وتُختزل فرادته في خوارزميات. كل تحول تكنولوجي لا ينبثق من مركزية الإنسان يفضي إلى هدر الكرامة، بوصفها المبدأ الأعلى في بناء القيم، كما تحدثت عنها في كتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”، حيث يغدو التقدم منفصلًا عن المعنى، وتتحول التقنية من أفق لخدمة الإنسان إلى قوة تفرغه من إنسانيته.

إن تغوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي، واستحواذه المتسارع على سلطة الإنسان، لا يفتح أفقًا للرفاه وحده، وإنما يولّد شكلًا جديدًا من الاغتراب، يعمق الظمأ للمعنى المتفشي في حياة الإنسان اليوم. يجد الإنسان نفسه اليوم مهددًا بفقدان صلته العميقة بالمعنى، ويتحول إلى كائن غريب داخل منظومة خوارزميات لا تنصت لروحه، ولا تستجيب لحنينه إلى الامتلاء الروحي. يتجلى هذا الاغتراب في تفكك صلة الإنسان بذاته، وفي انقطاعه عن منابع المعنى التي تمنحه السلام، كما يظهر في خفوت حضوره الداخلي وضمور إحساسه بالقيمة. حين يغدو الإنسان أسير عالم لا يلبّي شوقه إلى المعنى، ولا يداوي اغترابه الوجودي، تتكرّس حالة فراغ وجودي تزداد معها هشاشته، وتتوارى ذاته في عالم يضمحل فيه المعنى، وتنحسر فيه القيم التي تصون إنسانيته وتمنحه سببًا لجودة الحياة.

من نتائج الحضور المتعجل للذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية والدولية، أن يتعرض العقل البشري لسبات بطيء يضعف قدرته على التفكير العميق. في هذا الواقع تخفت ملكات التأمل والخيال والابتكار، ويضمر الحس النقدي، وتتراجع قدرة الإنسان على توليد المعنى من رحم التجربة والمعاناة. بالاعتماد المتزايد على الآلة يضعف حضور العقل، ويغدو التفكير أقرب إلى استهلاك جاهز للمعطيات، لا مغامرة وجودية تبحث عن المعنى. هكذا يتهدد الإنسان بفقدان صلته الحيّة بسؤاله الوجودي، حين تستبدل معاناة التفكير بيسر الإجابة، ويختزل العقل إلى وظيفة أداتية لا تعرف قلقه، ولا تحتمل مشقة السؤال والتفكير التأملي العميق.

حين يناط التفكير بالآلة، ويستبدل اشتغال العقل الحي باستجابات خوارزمية جاهزة، تتعطل الوظيفة الوجودية للإنسان في صياغة ذاته وفهم عالمه، ويتوارى وعيه أمام سيل من الإجابات المصنّعة التي لا تمر بتجربة السؤال، ولا تمحصها مشقة البحث. العقل لا يحيا إلا في بيئة تستفزه بالتحديات، وتوقظه بالأسئلة، وتربكه بالمفارقات، وتغذيه بقلق معرفي يدفعه إلى التأمل والابداع. أمّا حين يبتعد الإنسان من عناء التفكير، بسبب غواية سهولة الإجابة، يخبو حضوره الداخلي، ويتراجع حسه النقدي، ويتحول الوعي إلى صدى لما تنتجه الآلة، لا إلى صوت يصنع المعنى من التجربة والاختبار والمعاناة.

حتى التفكير بالأفعال والمواقف المؤذية، كالمكر والخداع والشر والحروب، فهي على ما تخلّفه من مآسٍ وخراب، تغدو محفزًا لإيقاظ التفكير العميق، وامتحانًا لوعي الإنسان، وتنشيطًا لقدراته المعرفية الكامنة. الحياة التي تفلت من الألم والامتحان تفقد جانبًا واسعًا من طاقتها على توليد الأفكار، وتغدو أقرب إلى حركة آلية صمّاء لا تنتج شيئًا ثمينًا. حين يختزل تفكير الإنسان في خوارزميات مبرمجة، ويقاس وعيه بمدى تكيفه معها، يتلاشى حضور عقله، ويغدو عيشه آليًا، خاليًا من المعنى الذي يولد من المعاناة والأسئلة والمكابدة. العقل طاقة وجودية تتجاوز الحساب والتشغيل، ولا تزدهر إلا في مناخ الحرية والخيال والقلق الخلّاق، وفي بحث لا يكتفي بمعطيات الآلة، ولا ينغلق في منطق الربح والسرعة والكفاءة والجدوى الاقتصادية، وإنما ينفتح على أفق أوسع للمعنى والكرامة والإنسانية.

لا أعرف على وجه الدقة إلى أين تمضي بوصلة الذكاء الاصطناعي، غير أننا نعيش وكأننا في قلب زلازل متلاحقة، يتغير فيها كل شيء من غير تمهيد وبلا استئذان. بعصفه المتسارع يطيح الذكاء الاصطناعي بما كان عصيًا على التحول، ويقوض ما بدا راسخًا لا تهزه العواصف، فيحول الثابت إلى متغير، والمألوف إلى غريب، والمستقر إلى مهدد. هكذا يعاد تشكيل العالم على نحو لم تألفه البشرية من قبل، ويدفع الإنسان إلى مراجعة تصوراته للوجود والعقل والمعرفة والمعنى والمستقبل، في لحظة تاريخية يتقدم فيها السؤال أسرع من الجواب، ويتعاظم فيها القلق الوجودي بقدر ما تتسارع القدرة التقنية.

لم يعد الإنسان مركز العالم ولا المعيار الأعلى للحقيقة، بعدما اقتحمت الآلة أعمق وظائف التفكير، ونازعت العقل في ميادين طالما ظنها امتدادًا طبيعيًا لخصوصيته. نعيش اليوم عصر اللايقين والمفاجآت، عصرًا انقلب فيه المستحيل ممكنًا، وتراجع فيه يقين قديم، وانكسر النسق الواحد للمعنى. في هذا الواقع يغدو الإنسان مطالبًا بأن يعيد اكتشاف ذاته كل يوم، وإلا توارى خلف آلة تتقدم عليه، وتعيد تعريف ما يسمى عقلًا وإدراكًا وحقيقة. الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من قفزات تقنية غير مسبوقة، لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل أنماط العيش والعمل والتواصل، وإنما ينفذ عميقًا إلى بنية الوعي الإنساني، ويهزّ التصورات المستقرة عن الذات، والعقل، والمعنى. إنه يوقظ أسئلة وجودية ظلت زمنًا طويلًا في سبات، ويدفع الإنسان إلى مساءلة موقعه في الكون، ومعنى أن يكون إنسانًا في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصنوع، والبيولوجي والاصطناعي.

في هذا الواقع تلوح إرهاصات ما يسمى بعصر “ما بعد الإنسان”، حيث لا يعود الإنسان مركز العالم ولا معيار القيمة، وحيث تختزل الكينونة في الكفاءة التقنية، ويقاس الوجود بالوظيفة، ويعاد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية قابلة للاستبدال. في هذا السياق يصبح المعنى ذاته موضع امتحان قاس، وتغدو الإنسانية مهددة بالذوبان في منظومات تقنية صمّاء، لا تعرف الرحمة ولا تختبر القلق ولا تحسّ بظمأ الإنسان لمعنى وجوده وحياته الذي يشكّل جوهر التجربة البشرية. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدفاع عن الإنسان لا بوصفه أداة إنتاج أو كمية بيانات، وإنما بوصفه قيمة أخلاقية وروحية وجمالية، بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مفتقرًا إلى المعنى، لا تكتمل إنسانيته إلا بالحب، والحرية، والمسؤولية، وبصلة حيّة تتجاوز المنفعة إلى الكرامة والحقوق والحريات، وتتجاوز الذكاء إلى الحكمة. في زمن ما بعد الإنسان، لا يكون الرهان الحقيقي على ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما على ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه كي لا يفقد ذاته وإنسانيته.

https://alsabaah.iq/126046-.html

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها

اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها

                                                                                 د. عبد الجبار الرفاعي

الوجود الإنساني يتشكل في أفق اللغة، اللغة مرآة تتكشف فيها رؤية الإنسان للعالم، ولا تنفصل هذه الرؤية عن القواعد والأدوات والكلمات التي تتجلى بها وتعبّر عنها. اغتراب اللغة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان يعني اغتراب الإنسان عنها. حين تتيسر قواعد اللغة، ويجري تحديث أدواتها، وتواكب مفرداتها صيرورة الواقع والتحولات المتنوعة فيه، يتسع أفق الإنسان الناطق بها لرؤية العالم وإعادة تشكيله في وعيه.

يواجه دارسو العربية اليوم صعوبة بالغة في إتقان النحو وضبط حركات الكلمات عند التعبير بالفصحى، وهذه الصعوبة لا تنشأ من قصور في الفهم، أو ضعف في الذكاء، أو نفور من اللغة التي تمثل مكونًا عميقًا للهوية، أو افتقار إلى الجدية والمثابرة، وإنما تعود إلى قصور قواعد النطق عن الوفاء بمتطلبات التحدث بالعربية في العصر الراهن. هذه القواعد ما زالت أسيرة رؤية التراث للعالم، بينما يفرض وعي دارس اللغة أن ينتمي إلى الواقع الذي يعيش فيه، بكل ما يعج به من متغيرات هائلة في المجالات المختلفة. النحو لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة والمعرفة، ولا على استيعاب التطور الهائل في العلوم والتقنيات. الفلسفة والعلوم الإنسانية واللسانيات والتأويل وعلوم اللغة تطورت في العصر الحديث تطورًا واسعًا، وتفاعلت علوم اللغة مع منجزات العلوم والمعارف المتنوعة، فشكّل هذا التطور منعطفًا كبيرًا في مسار المعرفة، وترك أثرًا بيّنًا على اللغات الحية والثقافات وطرائق رؤية العالم، كما توضحه فلسفة العلم الحديثة. مع ذلك، ما زال النحو وعلوم اللغة العربية أسيرين لرؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج الإنسان العربي اليوم إلى رؤية حيّة للعالم، تواكب إيقاع العصر، وتتناغم مع شروط الواقع الذي يحياه.

حين تغترب اللغة عن الواقع يغترب الإنسان عنها، الإنسان العربي اليوم يعيش اغترابًا عن لغته لأن لغته غريبة عن واقعه، بعد أن انسلخت تدريجيًا عن إيقاع حياته وأسئلته واحتياجاته المعرفية انسلخ هو عنها. تتجلى هذه الغربة في ابتعاد قواعد العربية وأساليب تعبيرها عن واقعه، إذ ما زالت أسيرة قوالب تشكلت في سياق رؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج واقعه اليوم إلى لغة تتنفس من نبض الحاضر، وتستجيب لتحولات وعيه، وتحتضن حاجاته المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية. في زمن يتغير بإيقاع متسارع، يستحث الإنسانُ اللغةَ على أن تواكبه،كي تظل قادرة على ايصال المعنى الذي تنشده حياته، وتتناغم مع الواقع الذي يعيشه، وتسهم في صياغة رؤيته للعالم، بما يمكّنه من التعرف على ذاته في سياق صلاته المتنوعة بما حوله، وإعادة تعريفها في أفق الحاضر والمستقبل.

حضرت قبل سنوات مناقشة دكتوراه في تخصص اللغة العربية، وكان المناقشون خمسة يحملون لقب أستاذ دكتور في هذا التخصص. جلست نصف ساعة، فضجرت من كثرة الأخطاء النحوية في نطق بعضهم، حتى كاد الانتباه إلى مضمون الكلام يتلاشى تحت وطأة زلات اللسان. عندما غادرت القاعة، رأيت أحد المؤلفين المعروفين يخرج قبلي، وقد ارتسم على ملامحه تبرم شديد، لانزعاجه البالغ من أحد المناقشين الذي بدت على لسانه حروف الجر وكأنها تعطلت وظيفتها في كلامه. إذا كان هذا حال بعض المتخصصين بالعربية، فماذا ننتظر من غيرهم، كالإعلاميين وعموم الناطقين بها، أن يضبطوا قواعدها وأساليب بيانها، وهي ما زالت مثقلة بقيود تراثية تجعل النطق بها عبئًا، بدل أن تكون أداة حيّة للتواصل والتعبير عن المعنى. يقول علي الطنطاوى: “أصبح النحو علمًا عقيمًا، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عامًا، ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعللوا، وأثبتوا فيه ودللوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كل مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولا يقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول”[1].

وهذا يفرض تيسير قواعد النطق بالعربية، وتحديث أساليب التعبير فيها، واستثمار ما أبدعته الحداثة الشعرية العربية من طاقة لغوية خلاقة، وما راكمه السرد العربي الحديث من ثراء في المعجم، وابتكار في أساليب البيان، أتاح للعربية أن تنفتح على نبض الحياة اليومية، وتقترب من اللغة المحكية في أحاديث وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ونصوص الصحافة، فتغدو أكثر مرونة في التواصل، وأقدر على التعبير عن التحولات الجارية في الواقع والوعي والفكر والثقافة.

أدرك جماعة من علماء العربية في العصر الحديث هذا المأزق، فألّفوا كتبًا، وكتبوا بحوثًا متعددة، تدعو إلى تيسير النحو وتطوير أساليب التعبير بالعربية، وشكلت دعوتهم موجة لافتة في القرن العشرين، لكنها لبثت عند السطح، ولم تنفذ إلى الجذور العميقة للمشكلة، أو تستكشف العوامل المتشابكة التي صنعتها، ولم تبحث عن حلول جدية في ضوء المكاسب الحديثة لعلوم اللغة. لم تتحول هذه الدعوة إلى مشروع عملي تتبناه المجامع اللغوية ومراكز البحوث والكليات المختصة، بل أُوصدت أمامها الأبواب، فتوقف تطورها، وانحسر مداها قبل أن يبلغ آفاقًا أرحب وأعمق. مع صعود تيار العودة إلى التراث واستئنافه على صورته الموروثة كما كان، الذي قاده التيار السلفي، ورسّخه صعود الإسلام السياسي، جرى التصدي للحداثة الفلسفية والمعرفية والعلمية والأدبية، ورفض ما أبدعته العقلانية النقدية الحديثة، وحُجب صوت دعاة التجديد، وتعرضوا للملاحقة والتضييق، حتى خفتت موجة الداعين إلى تيسير النحو وتحديث أساليب التعبير بالعربية، وزُرع الخوف في نفوس تلامذتهم من مواصلة هذا الطريق.

كان من دعاة التيسير: إبراهيم مصطفى في كتابه: “إحياء النحو”[2]، وأمين الخولي في بحثه: “هذا النحو”[3]، ومهدي المخزومي في كتابه: “في النحو العربي نقد وتوجيه”[4]، وأحمد عبد الستار الجواري في كتابه: “نحو التيسير”[5]. ذكرنا هؤلاء الأعلام الأربعة بوصفهم نماذج لدعوة التيسير، مع العلم أن هناك عشرات الكتابات لغيرهم في هذا المجال. وبغض النظر عن اختلافهم في نوع التيسير وكيفيته وحدوده، لاحظتُ أن كتاباتهم تفتقر إلى الحفر في البنية العميقة للتراث التي أنتجت سلطة الفصاحة والنحو، وكرست ممانعة اللغة عن قبول أية محاولة للتحديث وتيسير النحو. البحث العلمي يتطلب اكتشاف كيفية تشكّل هذه السلطة وتغلغلها ورسوخها، بفعل تأثير لغة القرآن الكريم وتجذرها في الشعور واللاشعور الفردي والجمعي، وبفعل السلطة المعرفية والروحية التي امتدت عبر تاريخ العربية للمؤسسات الدينية ومعاهد التعليم الديني التقليدية واستحواذها على اللغة، وتأثير الرؤية التراثية للعالم على إجهاض كل محاولة للتيسير والتحديث، وتغييب معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية وعلوم اللغة الحديثة والألسنيات عن الدرس اللغوي في كثير من كليات اللغة العربية والآداب في الجامعات العربية، فضلًا عن عوامل أخرى عمّقت الهوة بين الدرس اللغوي التراثي وحاجات الواقع الحي.

العربية اليوم أحوج ما تكون إلى إعادة بناء الرؤية التي تصوغ حضورها، في أفق تتحرر فيه من القوالب التراثية المغلقة، وتنفتح على إيقاع الحياة المتجدد، بنهضة لغوية علمية، تعتمد على المكاسب الجديدة للعلوم والمعارف، وتقودها مؤسسات علمية متبصّرة بما أنجزته الفلسفة والعلوم الإنسانية والألسنيات وعلوم اللغة والشعر والأدب الحديث، وما راكمته هذه الحقول من منجزات كبرى. من دون مؤسسات تمتلك وعيًا عميقًا بالمكانة الفائقة للعربية، ودورها الحاسم في صياغة رؤية العربي للعالم، وفي بناء هويته المواكبة لمستجدات حياته، وتستجيب لتحولات واقعه، ستبقى العربية عاجزة عن التعبير عن تعقيدات الحياة التي يحياها أبناؤها في زمن الذكاء الاصطناعي. ينبغي أن تتأسس هذه النهضة اللغوية على استراتيجيات علمية شاملة، تضع نصب أعينها تطوير اللغة، وتجديد أساليب التعبير بها، وتيسير قواعدها، بما يهيئها لاحتضان المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية والنفسية والعاطفية والروحية المتسارعة، ومواكبة ما يفرضه العصر الرقمي من تحولات عميقة في الوعي والمعرفة.

من دون هذا الجهد ستظل العربية عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الإنسان العربي لغويًا ومعرفيًا وثقافيًا، كما يفرضها على كل لغة في العالم. وحين تفقد اللغة قدرتها على التفاعل مع أسئلة الحاضر وتحدياته، يبدأ مسار تهميشها تدريجيًا، ويتراجع حضورها في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء الهوية وترسيخها. لذلك ينبغي أن تنهض المؤسسات الأكاديمية الرصينة، والمجامع اللغوية، والأدبية، بمسؤولية دعم البحث اللغوي الجاد، وتعزيز حركة الترجمة، وتطوير المعجمات، وتشجيع الإبداع ومراكز الدراسات الأدبية والفكرية للغة العربية، وتعمل في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة على حضور العربية بفاعلية في الفضاء الرقمي، من خلال إنتاج محتوى ثري يعكس متطلبات العصر وتحدياته، ويجعلها حاضرة في ميادين المعرفة والتواصل الحديثة. إذا لم تتحقق هذه النهضة، ستواجه العربية خطر الانغلاق والسكون، مما سيقيد قدرتها على الإسهام في تشكيل الوعي العربي والإنساني، ويختزل دورها كأداة للتفكير الإبداعي والنقدي في التعامل مع قضايا العصر والإجابة عن أسئلته المتنوعة، ويحرمها من أن تكون لغة حيّة قادرة على مواكبة التحولات، وصياغة المعنى في عالم يتغير بإيقاع متسارع.

اللغة التي تنكفئ عن مواكبة تحولات الحياة، وتغفل الاستجابة لتغيرات الواقع ومستجداته، تفقد حيويتها، وتضعف قدرتها على توصيل المعنى، فتغدو عاجزة عن ملامسة نبض العصر، واستيعاب تحولات الواقع والفكر والشعور. في اللغة الحية تولد مفردات جديدة، ويتوارى حضور أخرى عجزت عن التعبير عن المعنى الذي يطلبه الواقع، وفقدت قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية والرمزية للمجتمع الناطق بها.كلما اتسعت خبرات الإنسان وتعمق وعيه، تجددت أدوات التعبير، وتطورت أساليب البيان، واتسعت اللغة لاحتضان مفردات تعكس تحولات المعنى في الفكر والعاطفة والسلوك. انغلاق اللغة لا يمثل اكتمالها، وإنما يعكس انفصالها عن الواقع ومنابع الحياة، وانقطاعها عن إيقاع العصر. مرونة اللغة وقدرتها على التكيّف مع تحولات الواقع، وإثراء مفرداتها وصقل أساليبها، هو البرهان الأصدق على بقائها كائنًا حيًا يواكب تطلعات الإنسان، ويغني وعيه، ويفتح له آفاقًا أرحب لرؤية العالم، والتفاعل مع معناه، وإعادة ابتكار صورته في ضوء ما يتكشف له من تجارب ومعارف متجددة.

[1] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 13، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[2] مصطفى، إبراهيم، إحياء النحو، 1959، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.

[3] الخولي، أمين، “هذا النحو”، مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، مج 7، “يوليو 1944”.

[4] المخزومي، مهدي، في النحو العربي: نقد وتوجيه، 1964، المكتبة العصرية، صيدا -بيروت.

[5] الجواري، أحمد عبد الستار، نحو التيسير، 1984، المجمع العلمي العراقي.

 

https://alsabaah.iq/119601-.html

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

  د. عبد الجبار الرفاعي

أضعفت وسائلُ التواصل كثيرًا دورَ العائلة في التنشئة الاجتماعية، إلى درجةٍ أصبح الصغارُ يعيشون ويتفاعلون مع اليوتيوب وأمثاله أكثر من حياتهم وتفاعلهم وأحاديثهم مع الأبوين والأهل. الناشئة يحتاجون التسليةَ واكتشافَ كلّ شيء في الحياة، تغويهم وسائلُ اللعب المسلّية أكثر من أيّ شيء آخر. في وسائل التواصل المرئية يمكن التعرّفُ على الأشياء بسهولة بالصور ووسائل الإيضاح الجذّابة، وتوفر لهم طرائقَ للاندهاش واللعب، وعروضًا كوميدية ضاحكة لا يرونها خارجها، وغالبًا لا تتوفر في بيت العائلة والمدرسة.

أمضيتُ أسبوعين قبل مدة في بيت ابنتي د. تُقى وابنتها سميراميس، سميراميس بعمر عشر سنوات، حادة الذكاء ومتفوقة كأمها، لم تجلس معنا إلا وقتَ الطعام،كانت تستهلك وقتَها منذ تستفيق صباحًا بمشاهدةِ الأفلام والسياحةِ في وسائل التواصل المرئية والمسموعة، والتواصلِ مع ألينا بنت ابنتي أبرار في استراليا لعدة ساعات. سميراميس وألينا تتحدثان الإنجليزيةَ كأنها لغتُهما الأم، تتبادلان المعلومات عن: الأفلام، واكتشاف ثقافات العالم، والطبيعة، والحياة في البحار والمحيطات والأنهار، والمدن وتقاليد المجتمعات، وآخر معطيات العلوم والمعارف والذكاء الاصطناعي. تدهشني سميراميس حين تتحدث بما تعلمته من اليوتيوب ووسائل التواصل، تعرف أشياء مازلتُ أجهل كثيرًا منها.

يمكن إعادةُ بناء التربية والتعليم من خلال تطوير مناهج تواكب إيقاعَ الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة في وسائل التواصل، وإيقاظُ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية الضرورية لتحصين الجيل الجديد، وحمايته من الآثار السلبية لوسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لكن ذلك يتطلب خبراءَ مؤهلين أكاديميًا وقيميًا للنهوض بهذه المهمة الجسيمة. في أغلب البلاد العربية ينتمي العقلُ الذي يدير العمليةَ التربوية والتعليمية إلى عصرٍ لم تظهر فيه وسائلُ التواصل ولا الذكاء الاصطناعي، أعرف بعضَ مَن يديرون مؤسسات التربية والتعليم لا يمتلكون مهارات بسيطة للتعامل مع وسائل التواصل. في استطلاعٍ نُشر قبل سنوات قريبة رأيتُ بعضَ المسؤولين في الدولة لا يمتلكون بريدًا إلكترونيًا.

التربيةُ السليمة تعتمدُ الحصانةَ لا المنع، الأبناءُ ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذرُ علينا إرجاعَ الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا.كنتُ لا أمنعُ أولادي من اللعبِ في الشارع والاندماجِ بجيلهم، والتعرّفِ على الواقع ميدانيًا. أساعدهم على اكتشافِ ذواتهم، والتنقيبِ في خرائط دروبِ الحياة المتشعبة بأنفسهم، لئلا يعيشوا مغتربين عن عصرهم وجيلهم. أرشدهم، وأراقب سلوكَهم من بعيد، ولا أتدخل كثيرًا في حياتهم الخاصة وخصوصياتهم. حرصتُ على أن يكونَ أولادي كما هم لا كما أنا،كلٌّ منهم يشبه ذاته، ما أكرهتُهم على محاكاتي، ولم أحثّهم يومًا على استنساخ صورتي. تطورت شخصياتُهم في سياق طبيعتِهم البشرية وبنيتِهم النفسية وزمانِهم، فصاروا يعبّرون عن ذواتهم ورؤيتهم للعالَم وأحلامهم قبل تعبيرهم عني ورؤيتي للعالَم وأحلامي، وهذا سرّ النجاح في حياتهم.

لحظةَ تختفي الحياةُ العائلية لإنسانٍ تفرض وسائلُ التواصل حضورَها بالتدريج بوصفها عائلةً بديلة، يمكن أن توفِّر للإنسان تواصلًا يوميًا مع مَن يحتاج أو يشتاق للتواصل معه.كثيرٌ من العوائل اليوم، خاصةً الأفراد الذين يقيمون في بلاد متعدّدة، يلتقون بتواصلٍ يومي داخل مجموعة واحدة، تحضرُ فيها أخبارُهم وكلماتُهم وكتاباتهم وصورهم وأفراحهم وأحزانهم، ولا تغيب فيها أكثرُ مواقفهم ونشاطاتهم، يفيض بعضُهم على بعض المودةَ والأشواقَ وترقبَ اللقاء والتطلعَ إلى كلِّ ما يجعلهم أشدّ قربًا وتلاحمًا. ولا تخلو من متاعبهم ومواجعهم ومشكلاتهم وأحزانهم، يتعاونون معًا للتغلّب عليها، ويدعمون مَن يمرّ بظروفٍ قاهرة من أفراد العائلة.

تسهم وسائلُ التواصل في خفض معاناة كبار السن، وتخفض شيئًا من عزلتهم الموحشة. الشيخوخة منفىً موحش، أكثر الجيل الذي عاش معه الإنسانُ يغادر الحياة، أو تفرض عليه الأمراضُ ووهنُ البدن العزلة، الأبناء يذهب كلٌّ منهم إلى حياته الخاصة وشؤونها وشجونها. لا يحمي الإنسانَ من وحشة تقدّم العمر إلا تكثيفُ التواصل مع مَن يحب. الاستعمال الذكي لوسائل التواصل يحمي كبارَ السن من منفى العزلة. تجاوز عمرُ أحد الأصدقاء 90 عامًا، أمثالُه من المعمرين تفرض عليه الشيخوخةُ عزلةً مريرة، وأكثرُهم يضطرّ للعيش في دور العجزة، عندما لا يجد أحدًا من العائلة يواكبه في هذه المرحلة العمرية، ويؤمّن له متطلبات العيش الأساسية. صديقي إنسانٌ عالِم حكيم وواقعي اكتشف في وسائل التواصل عائلةً يعوّض فيها شيئًا من الافتقار للعائلة، ويكسر شيئًا من عزلة تقدّم العمر الكئيبة، فصار يكثّف تواصلَه اليومي بكلِّ إنسان تعرّف عليه يومًا في حياته في أيّ بلد كان. لم أرَه يومًا يضجر من تكرار مهاتفة بعض الأشخاص، الذين لا يجيبونه إلا مرة واحدة لو هاتفهم عدة مرات لكثافة وتراكم أعمالهم.

عويلُ الضحايا وصرخاتُ المعذبين كانت تموت داخل جدران الزنزانات الحزينة والكهوف المظلمة، تتمزق جلودُهم من أنواع التعذيب الشنيعة، ويمارس الجلادون كلَّ أساليب القهر وانتهاك الكرامة الفظيعة معهم ويسحقون شخصياتِهم بوسائل قذرة من دون أن يسمع بذلك أحدٌ خارج هذه الأقبية المظلمة الحزينة. في أكثر الدول لم يعد هؤلاء الجلادون يمارسون شناعاتِهم بعيدًا عن الافتضاح عبر الإنترنت وتطبيقات وسائل التواصل. لم يلبث عويلُهم يختنق وينطفئ في تلك الأقبية، بل أضحى بالإمكان أن يتردّد صدى عويلهم في أنحاء العالم المختلفة. المنظمات والهيئات والجماعات المدافعة عن الحقوق والحريات تستثمر تطبيقات وسائل التواصل بمهارة، وتحرص على تحشيدِ الأصوات وتعبئةِ المواقف المتضامنة مع الضحايا وتكثّف شعاراتِها ومطالبَها وما تذيعه من وثائق لفضح جرائم التعذيب والبطش في دول متعدّدة.

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا، بوصفي طالبًا للعلم وقارئًا شغوفًا كلّ حياتي، تعلمتُ كثيرًا مما يُنشر في وسائل التواصل. وبوصفي كاتبًا تعلمتُ أكثر منها، وقفتُ فيها على شيءٍ مما هو غاطسٌ داخل الإنسان، وما تعلنه بعضُ كلماته وما تضمره هفواتُه. اكتشافُ شيءٍ مما يختبئ داخل الإنسان أثمنُ اكتشافات حياتنا، لأنه يمكّننا من حماية أنفسنا من شروره. اكتشفتُ عبر وسائل التواصل شيئًا من التعصبات والكراهيات والشرور المختبئة في أعماق بعض الأشخاص، الذين يحاولون الاختباءَ خلف أقنعة يظهرون فيها بصورةٍ مضادّة لما يختبئ في داخلهم. رأيتُ المخيالَ والرغبات والعقد النفسية والأوهامَ تحضر في وسائل التواصل أكثر من الواقع، تتحدّث فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم وأوهامُهم وعقدُهم المكبوتة وأمراضُهم النفسية والأخلاقية بوضوحٍ لافت. لم تعد الحياةُ الخاصة مستودعًا للأسرار، كثرةُ ما ينشره بعضُ المدمنين على النشر ينضب فيها الواقع، ويتدفق شلّالُ المخيال والأوهام بفيض التمنيات والأحلام والأسرار المدفونة في الأعماق.

لا يتسع وقتي للذهاب إلى الأسواق والمناسبات الاجتماعية والمقاهي. السوقُ الذي أحتاج التسوقَ منه أحضر فيه عبر الإنترنت، الشارع أزوره بتطبيقات وسائل التواصل، كأن الفيس بك والتطبيقات المشابهة له أصبحت هي الشارع والسوق والمجال العام الحقيقي لا الافتراضي. أقرأ فيها واستمع وأرى كلَّ ما يزدحم في الواقع من ضجيج وضوضاء وصخب الأصوات العنيفة وغيرها. تعرفتُ بحضوري في تطبيقات وسائل التواصل على كثيرٍ من تفاصيل حياة المجتمع، وعاداته، وتقاليده، وثقافته، والقيم السائدة فيه، وعاهاته، وكثيرٍ من أمراضه الأخلاقية والنفسية،كما تعكسها منشوراتُ بعض الأشخاص وأحاديثُهم. لا أزهد بما تعلمته من الهامشي والتهكمي والغرائبي والتافه الذي يتفشى فيها، الذي تتجلّى فيه ثقافةُ المجتمع واهتماماتُه واحتياجاته وتمنياته وأوهامه. دعاني ذلك أيضًا لإعادةِ النظر بإصدار أحكام قِيْمة، تصف كلَّ ما يُنشر بأنه: هامشي أو تافه أو رديء أو عبثي. إن ما يتكشف في هذا النوع من الكتابات المتنوعة لا نراه أحيانًا في نصوص جادة.

ينبغي أن نعيد النظرَ بمثل هذه الأحكام الكلية الشاملة، في مثل هذه الحالات لا يتفق منطقُ البحث العلمي مع التعميم. يجدر بمن يحكم على تسمية الواقع الذي نعيشه اليوم بـ “التفاهة”، ويحكم بذلك على نمط وجود الإنسان الجديد الذي فرضه الإنترنت ووسائلُ التواصل أن يعيد النظرَ بهذا الحكم الكلي المتعجّل. يدهشني التسرعُ والتكرار بإطلاق كلمة “التفاهة”، بنحوٍ أضحت هذه التسميةُ فيه أحدَ الأحكام المبتذلة على كلِّ شيء جديد في الحياة الراهنة، على لسان كثيرٍ من المتحدثين.

وسائلُ التواصل قَدَر وجود الإنسان في عصر الإنترنت ووسائل التواصل، نادرًا ما نرى أحدًا من البشر اليوم غيرَ منخرط فيها، أو تخرج نشاطاتُه وما يمارسه في حياته عن الإنترنت. البشر جميعًا نقلهم الإنترنت ووسائلُ التواصل إلى نمطِ وجود مختلف شاؤوا أم أبوا. نمطُ الوجود هذا فرضته صيرورةٌ أبدية لن تتعطل ولن تعود للوراء إلا بانهيار هذه التكنولوجيا. ذلك ما يجعل الإنسانَ لا يرى بحضوره في الإنترنت ووسائل التواصل حرجًا قيميًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بوصف حياته صارتْ لا تتحقّق إلا في فضاء هذا الواقع الذي وجد ذاتَه تعيش فيه، ويجري تسيير ُكثيرٍ من معاملاته وعلاقاته وإدارة حياته في فضائه.

https://alsabaah.iq/89408-.html

 

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

د. عبد الجبار الرفاعي

بعضُ الأدباء والمثقفين العراقيين يظن أن المتدينَ لا يمكن أن يكون مثقفًا، ‏والمثقفَ لا يمكن أن يكون متدينًا. في الشهر السادس سنة 2003 دعاني المعهدُ الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت لمؤتمرٍ لدراسة تداعيات الاحتلال وآثاره على العراق.كنا جماعةً من المدعوين العراقيين جالسين في الاستقبال مع لزلي ترامونتيني معاونة رئيس المعهد. حلَّ وقتُ آذان المغرب، فقلت: استأذنكم أصعد للغرفة أصلي، أجابني مثقف معروف قائلًا: أنت رجل مثقف عقلاني، إلا أن الغريب أنك تصلي، وهذا لا يليق بمثقف. رددتُ غاضبًا: رجاء لا تجرح ضميري الديني، أنا إنسان مؤمن أصلي منذ البلوغ، ولن أترك الصلاةَ مادمتُ حيًّا. الصلاة معراجي إلى الله الذي يطمئن به قلبي، ويملأ روحي سكينةً وسلامًا. لماذا تشترط على المثقف العقلاني ألا يكون مؤمنًا، وينبغي ألا يصلي؟ عددٌ من الفلاسفة مثل “امانويل كانت” فيلسوف التنوير كانوا مؤمنين بالله، كيركغورد كان مؤمنًا عارفًا، محيي الدين بن عربي أعظم حكيم عارف ظهر في الإسلام كانت استبصاراتُ روحه ساطعة. فوجئ الرجلُ بهذا الجواب الصريح، فاعتذر بكلماتٍ مرتعشة، ماتتْ في شفاهه.

الدينُ حاضرٌ في كلِّ شيء في حياتنا، تجاهلُ آثاره الإيجابية والسلبية كليًا، انتهى إلى اغتراب ثقافتنا ومثقفنا عن مجتمعه. يذهب بعضُ المثقفين إلى استفزاز الضمير الديني لك لو علم أنك تؤمن بالدين، يتحدث معك بكلماتٍ جارحة أحيانًا بلا مقدّمات. قبل سنة قابلتُ شخصًا كان يسأل عني ويريد أن يتعرف عليّ، حييته باحترام واهتمام واحتفاء، بعد التحية مباشرة، لم أكن أفكر بالحديث معه عن أيِّ شأن يتصل بالدين، غير أنه استبقني وهو يقول بتوتر وانفعال: “أنا لا أؤمن بكل شيء ينتمي للدين جملة وتفصيلًا، ولا أطيق أن أقرأ أو أستمع أي كلام من أي إنسان يتحدث عن ذلك”، فانصرفتُ مباشرة.

الثقافةُ العراقية اليوم مغتربة عن محيطها، والمثقفُ العراقي مغترب عن مجتمعه. يعرف المثقفُ والأديب الأدبَ والشعرَ اليوناني أكثر مما يعرف الجاحظَ والتوحيدي والمعري، ويستشهد بالميثيولوجيا والآلهة اليونانية أكثر مما يستشهد بآلهة الحضارات العراقية القديمة الراسخة الجذور في حضارات وادي النهرين. يهتمّ بقراءة الكتب المقدّسة الوحيانية وغير الوحيانية للأديان المختلفة وتراثها الديني، وقلّما يعود للقرآن الكريم، ولو حاول أن يلتقط نصًا من التراث الإسلامي، كأن يستشهد بشذرةٍ للحلاج أو النفّري أو ابن عربي أو جلال الدين الرومي لا ينظر للنهر الذي استقتْ ونبتتْ في تربته هذه الشذرة. عندما يقتطف ثمرةً لا يرى الشجرةَ العظيمة المثمرة ولا جذورَها، ولا الأرضَ المغروسة فيها. يحتفي بأفراح وأحزان أديان متنوعة، ويمتنع أو يتردّد كثيرًا وأحيانًا يخجل من الاحتفاء بأفراح وأحزان أمه وأبيه وأهله ومجتمعه. أعرف أن الثقافةَ والأدب والفن العراقي الحديث ولدت في أحضان أيديولوجيا اليسار الأممي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتغذّت لاحقًا من أيديولوجيا اليسار القومي، غير أنها بعد مضيّ نحو قرن من الزمان مازالت أسيرةَ آباء اليسار، وتلبث حتى اليوم في رعاية أبناء وأحفاد أولئك الآباء.

الغريب أن تبجيلَ شعر الحلاج وشذرات النفري وأمثالهما من العرفاء يرادفه تجاهلُ العرفان ونصوصه لدى أكثر المثقفين العراقيين. نادرًا ما أرى ومضاتٍ مضيئة في النثر والأدب العراقي الحديث مرآةً لرؤية فيلسوف وذوق عارف في الأدب العراقي. يكتب فتغنشتاين: ‏”إن الشعور بالعالم ككل هو الشعور الصوفي”. إن ثقافةً لا تتشبّع بالفلسفة ولا تتذوق العرفانَ تظلّ فقيرة، تحاول أن تغطي فقرَها بفائض الألفاظ. مثلُ هذه الثقافةِ تجهل الحاجةَ للدين، وتعجز عن رؤية أعماق الحياة الروحية.

في العراق موقف المثقف من الدين والتدين ملتبِس، أحيانًا يبلغ الموقفُ حدَّ النفور والاشمئزاز من كلِّ ما يمتّ للدين بصلة، من دون نظرٍ وتأملٍ في الدين بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة البشرية، ومن دون نظر وتدبر بتنوع قراءات النصوص الدينية، واختلافِ تأويلها عند المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والعرفاء، ومن دون تمييزٍ بين أنماطِ التدين وتعبيراتِه المتنوعة في الحياة.كلُّ شيء يتصل بالدين والتديّن يوضع في سلةٍ واحدة. المشكلة في العراق أنك نادرًا ما تجد في الوسط الثقافي، الذي يحتكره اليسارُ تاريخيًا، مَن يكتب في الدين، أو يقدم تفسيرًا علميًا لقوة حضورِه وتأثيرِه الواسع في حياة الفرد والمجتمع، بل تجد من يهزأ بالكتابة في الدين ويسخر من الحديث عنه. أحدُ حاملي الدكتوراه، بدلًا من أن يتجنب الخوضَ خارج تخصّصه، يقول: كيف يمكن أن يكون الإنسان مثقفًا وهو يعتقد بـ “‏ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”[1]، لو قرأ هذا الدكتور شيئًا من الدراسات الحديثة في لغة الدين لأدرك أن لغةَ الكتب المقدّسة لا تُقرأ من دون أدواتها الخاصة. ترسّخت عقدةُ ازدراءٍ للدين والتديّن في الثقافة العراقية الحديثة، إلى الحدّ الذي يمكن أن نجد المثقفَ عقلانيًا في أكثر كتاباته، إلا أنه لحظةَ يكتب عن الله والدين والتدين يتحول إلى كاتبٍ لا عقلاني ولا منطقي، وأحيانًا يصير شتّامًا، يكتب بتهكّم وسخرية.

‏ لم أجد مثقفًا جادًا أو أديبًا مبدعًا من أصدقائي خارج وطني إلا وتكوّن تكوينًا فلسفيًا رصينًا.كلُّ ثقافة فاعلة تتأسّس على أرضيةٍ فلسفية، ورؤيةٍ جمالية للعالَم، ولا تفتقر لنكهةٍ عرفانية، ترى ذلك يتجلّى في: الدين، والميثولوجيا، والشعر، والفنون السمعية والبصرية. لولا ابن رشد وابن عربي وابن طفيل وابن سبعين، وغيرهم من الفلاسفة والعرفاء، لنُسي الوجهُ الثقافي المضيء للأندلس.

المثقف الحقيقي يتبنى العقلانيةَ النقدية، يرى في النقد حياةَ العقل، يتعلّم من النقد العلمي، ويتعلّم من المتعلمين، وحتى من غير المتعلمين. في الثقافة العراقية الحديثة مفهومُ النقد مضلّل، نادرًا ما تقرأ في وسائل التواصل نقدًا عقلانيًا، بعضُهم يتهجّم ويستهزىء بمؤلفات ثمينة من دون أن يقرأها. وأحيانًا يهجو غيرَه، لا لسببٍ إلا لأنّ مزاجَه لا يقبله، وربما يلجأ للعنف اللفظي، وإذا سألته: لماذا تكتب هكذا، يجيبك: هذا نقدٌ، وكأن النقدَ ازدراءُ الأشخاص والسخرية منهم، وليس محاكمةَ الأفكار وغربلتَها وتمحيصَها. هذا مأزق مستحكِم في الثقافة العراقية الحديثة، وهو في ظني أعمقُ عامل للطلاق البائن بين المثقف والمجتمع.

عشتُ في بلدان متعدّدة وتعرّفت على نخب ثقافية عربية وغير عربية، قلّما رأيتُ مفكرين معروفين جادّين يفهمون الدينَ بتبسيطٍ مريع، وحانقين على التديّن إلى الدرجة التي عليها بعضُ مثقفينا. محمد عابد الجابري ختم حياتَه بتفسيرٍ للقرآن الكريم، وهكذا كان إنتاجُ خريف عمر عبد الرحمن بدوي كتابَ “دفاع عن القرآن”، و” دفاع عن محمد”، وأصدر عبد الله العروي كتاب “الإصلاح والسنة” في خاتمة رحلته الطويلة، وكرّس حسن حنفي السنوات الأخيرة من حياته لتفسير القرآن. ورأينا أمثالَهم مفكرين كبارًا منتمين إلى مجتمعات عالَم الإسلام وغيرها يختمون إنتاجَهم الفكري بكتابات دينية. لا أدعو لأن يفعل الشعراءُ والأدباء والفنانين ذلك في مجتمعنا، ولا أريد أن يتحول المثقفُ إلى مبشِّر ديني، وليس هدفي تقييمُ تلك الكتابات لمفكرين معروفين لا يعنيهم الشأنُ الديني قبل نهاية مشوارهم في التأليف، والتنقيبُ عن الدوافع الخفية في خريف العمر، مثل قلق اقتراب الموت والشعور الحزين بوحشة القبر، التي تحفزّهم لمثل هذا النوع من الكتابات. أردتُ فقط التنبيه إلى وعي مفكرين عرب كبار، وإن كان متأخرًا، للحضور الفاعل للدين والتديّن في مجتمعاتنا.

الغريبُ أن بعضَ المثقفين كثيرًا ما يكرّر الدعوةَ لنبذ العنف والدعوة للـ “السلام”، ويراكم مقالات متنوعة حول ذلك، غير أنه ينفر من كلمة “السلام” حين تقترن بتحية الإسلام. من حقِّ كلّ إنسان أن يحيّي الناسَ بما يحلو له وبما تربى عليه، إلا أن بعضَهم يرفض حقَّك في استعمال تحيتك المعبِّرة عن ذوقك وتربيتك وأخلاقك ودينك. لا يطيق آخرون الترحّمَ المتعارف على الميّت والدعوةَ له أن تشمله رحمةُ الله الواسعة، فلو ترحمتَ عليه ودعوتَ له، يعاندك بلغةٍ مباشرة تشي بإنكارِ الحياة الأخرى، وكأن عزاءَه لك في إنكارها. رثيتُ قبل مدة أحدَ علماء الدين من الأصدقاء الأعزاء الذين تمتدّ صلتي بهم إلى نصف قرن، عرفته بمواقفِه العنيدة المناهِضة لفاشية صدام، وجهودِه الدينية والاجتماعية والثقافية، ومشاريعِه الخيرية باحتضان الأيتام ورعاية الفقراء، ارتبطتُ بعلاقة احترام متبادل معه، وتربطني علاقاتٌ ودية بأبنائه الكرام وعائلته. عندما استيقظتُ صباحًا قرأتُ في التعليقات كلامًا مستهجنًا يزدري رثائي، ويتهجم على الميت بلغة حانقة مبتذلة، وكأن هناك ثأرًا مكبوتًا حانتْ لحظةُ استيفائه، مما اضطرني لحذفِ الرثاء، وحظرِ كل مَن يكتب بهذه اللغة الهابطة.

كلُّ مثقف مسؤول يزعجه مَن يجرح الضميرَ الديني للمختلِف في دينه ومعتقده وتفكيره، لا يليق أخلاقيًا وذوقيًا أن نتهكم على الطاوية أمام إنسان طاوي، أو نلعن بوذا أمام إنسان بوذي، أو نتهجم على زرادشت أمام إنسان زرادشتي، أو نزدري نبي أي ديانة أو مؤسّسها أمام إنسان يختلف عنّا في ديانته. ينبغي أن نحترم معتقدات المختلِف في الدين،كما ينبغي له أن يحترم معتقداتنا، وألا يتّهم النبيَّ الكريم “ص” الذي نؤمن بنبوته ووحيه ورسالته السماوية، مثلما يحترم المختلِفين عنه في معتقداتهم من غربيين وشرقيين.

أعني بالثقافة في العراق الشعرَ والأدبَ كما هي مختزلة بذلك، وأخصُّ به الشعرَ المفرّغ من أيّ مضمون فلسفي ورؤية معرفية، ومن أية بصيرة حاذقة، ومن أية كثافة دلالية. مركزية الشعر في الثقافة العراقية عملت على إسقاط أو تهميش كلِّ ما هو خارج الشعر والأدب، فلا ينصرف مفهومُ الإبداع إلا لها، ولا ينصرف مفهومُ مثقف إلا للشاعر، بل حصرت معنى الثقافة بالشعر والأدب والفن. هُمشّت الفلسفةُ وعلومُ الانسان والمجتمع وعلوم الدين، قلّما نلتقي بها في أنشطة وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والكتاب ومؤتمراتهم وندواتهم ومطبوعاتهم. غالبًا لا تكترث الوزارةُ واتحادات الكتّاب والأدباء وغيرها من منتديات ثقافية عراقية بالإنتاج الفكري في حقل العلوم الإنسانية والفلسفة والعرفان والدين، أو تمنح الباحثين الجادّين في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والدين منصاتها، أو تكرمهم. ‏جوائز وزارة الثقافة وغيرها من المؤسّسات ودور النشر تختصّ غالبًا بالشعر والرواية والسرد. ولا تحتفي اتحاداتُ الأدباء والكتاب في العراق بأية جائزة كبيرة تمنح خارج الوطن لمنجز فكري عراقي، إن كانت لا تقع ضمن هذا الضرب من الكتابة.

‏ الثقافة في العراق تعيش خارج الوسط الأكاديمي، الأكاديميا في وطننا لا تهتمّ كثيرًا بالثقافة بمعناها الأشمل إلا في حالات قليلة، حتى لو بادر بعضُ الأكاديميين للكتابة خارج تخصّصه فإنه لا يتجاوز الشعر والرواية والنقد. ‏الأكاديمي حبسته ‏قراراتُ وزارة التعليم العالي والجامعة ‏في الانشغال بأبحاثٍ لأغراض الترقية واللقب العلمي، وهي في الغالب أبحاث شكلية، وأغرقته في أعمال لجان وإدارة تعليمية أكثرها ينبغي أن ينجزه موظفون إداريون خارج مهنة التعليم العالي والبحث العلمي. تقوقع الأكاديمي على نفسه، ودخل حالةَ غياب عن الثقافة هو ‏وإنتاجُه الفكري، بعد أن سجنت عقلَه القوالبُ الأكاديمية المهنية الصارمة، وعجز عن التفكير خارج اطارها المغلق.

ربما ينشأ الموقفُ السلبي من الدين من الخلط وعدم التمييز بين الإيمان من جهة والدين من جهة أخرى، وبين تمثلات الدين وأنماط التديّن في حياة الفرد والمجتمع من جهة ثالثة. الإيمان يعبّر عن تجربةٍ روحية ووصالٍ مع الله يعيشه المؤمن، وهي حالةٌ للروح لا تتحقّق إلا فرديًا،كلُّ إنسان يعيشها على وفق وعاء روحه وقدرتها الوجودية على الانبساط والاتساع. ينعكس الإيمانُ في يقظة الروح واستبصاراتها، ويؤثر في نمطِ رؤية الإنسان للعالَم، وقدرتِه على تذوق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. أما الدينُ وتمثلاتُه وأنماطُ التديّن في حياة الفرد والمجتمع فهو ظاهرة فردية ومجتمعية، تعبّر عن حضورها في أخلاق الإنسان وثقافته ومواقفه وسلوكه ومختلف أحواله، تؤثر هذه الظاهرة وتتأثر بطبيعةِ الفرد وظروفِ عيشه، ونمطِ حياة المجتمع، والمؤسساتِ المسؤولة عن تدبير الشؤون الدينية، والسلطات السياسية. أسوأ ما يجري فيه توظيفُ الدين هو استثمارُه في استعبادِ الإنسان، والصراعِ على السلطة والثروة، والسعي للاستحواذ على المجال الخاص بالعقل والعلم والمعرفة، وإخضاعُ الآداب والفنون والثقافة لمنطقه اللاهوتي، ورفضُ استعمال المنطق العلمي، واستعمالُ الدين في إدارة الاقتصاد والمال والإدارة وبناء الدولة وصياغة نظمها، وتجاهلُ معطيات الخبرات البشرية المتراكمة عبر عشرات آلاف السنين، ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة.

من الظواهر المثيرة اليوم تفشي ظاهرة الحكواتيين، وطغيانُ حضورهم في الفضائيات ووسائل التواصل، يتحدثون بتكهنات وافتراضات في الدين وعلومه والميثيولوجيا والآثار، من دون تأهيلٍ أكاديمي تخصّصي في علوم الدين والميثيولوجيا والآثار، ولا معرفةٍ بقراءة الخط المسماري ولغات الحضارات العراقية القديمة مثلا، وبلا مطالعاتٍ عميقة للمراجع الأساسية في هذه التخصّصات العلمية الدقيقة.

لهذه الأسباب وغيرها تظل الثقافةُ العراقية مغتربةً غيرَ فاعلة بمجتمعها، منفصلةً عن واقعه وصيرورته وتحولاته، قاصرةً عن التعبير عن آلام الناس وآمالهم، وبؤسهم وأحزانهم وهمومهم وواقعهم المرير الذي يعيشون فيه ويحلمون بتغييره،كأن الثقافة غيرُ معنية بالإنسان العراقي.

[1]  البقرة، 2

https://alsabaah.iq/88442-.html?fbclid=IwAR3VIHfRmz0p3_WqZAxu0DylpCNCLUBuABzkwIDetNfkRquYLKdV1U2zmeY