Category: الاغتراب الاجتماعي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

  د. عبد الجبار الرفاعي

أضعفت وسائلُ التواصل كثيرًا دورَ العائلة في التنشئة الاجتماعية، إلى درجةٍ أصبح الصغارُ يعيشون ويتفاعلون مع اليوتيوب وأمثاله أكثر من حياتهم وتفاعلهم وأحاديثهم مع الأبوين والأهل. الناشئة يحتاجون التسليةَ واكتشافَ كلّ شيء في الحياة، تغويهم وسائلُ اللعب المسلّية أكثر من أيّ شيء آخر. في وسائل التواصل المرئية يمكن التعرّفُ على الأشياء بسهولة بالصور ووسائل الإيضاح الجذّابة، وتوفر لهم طرائقَ للاندهاش واللعب، وعروضًا كوميدية ضاحكة لا يرونها خارجها، وغالبًا لا تتوفر في بيت العائلة والمدرسة.

أمضيتُ أسبوعين قبل مدة في بيت ابنتي د. تُقى وابنتها سميراميس، سميراميس بعمر عشر سنوات، حادة الذكاء ومتفوقة كأمها، لم تجلس معنا إلا وقتَ الطعام،كانت تستهلك وقتَها منذ تستفيق صباحًا بمشاهدةِ الأفلام والسياحةِ في وسائل التواصل المرئية والمسموعة، والتواصلِ مع ألينا بنت ابنتي أبرار في استراليا لعدة ساعات. سميراميس وألينا تتحدثان الإنجليزيةَ كأنها لغتُهما الأم، تتبادلان المعلومات عن: الأفلام، واكتشاف ثقافات العالم، والطبيعة، والحياة في البحار والمحيطات والأنهار، والمدن وتقاليد المجتمعات، وآخر معطيات العلوم والمعارف والذكاء الاصطناعي. تدهشني سميراميس حين تتحدث بما تعلمته من اليوتيوب ووسائل التواصل، تعرف أشياء مازلتُ أجهل كثيرًا منها.

يمكن إعادةُ بناء التربية والتعليم من خلال تطوير مناهج تواكب إيقاعَ الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة في وسائل التواصل، وإيقاظُ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية الضرورية لتحصين الجيل الجديد، وحمايته من الآثار السلبية لوسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لكن ذلك يتطلب خبراءَ مؤهلين أكاديميًا وقيميًا للنهوض بهذه المهمة الجسيمة. في أغلب البلاد العربية ينتمي العقلُ الذي يدير العمليةَ التربوية والتعليمية إلى عصرٍ لم تظهر فيه وسائلُ التواصل ولا الذكاء الاصطناعي، أعرف بعضَ مَن يديرون مؤسسات التربية والتعليم لا يمتلكون مهارات بسيطة للتعامل مع وسائل التواصل. في استطلاعٍ نُشر قبل سنوات قريبة رأيتُ بعضَ المسؤولين في الدولة لا يمتلكون بريدًا إلكترونيًا.

التربيةُ السليمة تعتمدُ الحصانةَ لا المنع، الأبناءُ ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذرُ علينا إرجاعَ الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا.كنتُ لا أمنعُ أولادي من اللعبِ في الشارع والاندماجِ بجيلهم، والتعرّفِ على الواقع ميدانيًا. أساعدهم على اكتشافِ ذواتهم، والتنقيبِ في خرائط دروبِ الحياة المتشعبة بأنفسهم، لئلا يعيشوا مغتربين عن عصرهم وجيلهم. أرشدهم، وأراقب سلوكَهم من بعيد، ولا أتدخل كثيرًا في حياتهم الخاصة وخصوصياتهم. حرصتُ على أن يكونَ أولادي كما هم لا كما أنا،كلٌّ منهم يشبه ذاته، ما أكرهتُهم على محاكاتي، ولم أحثّهم يومًا على استنساخ صورتي. تطورت شخصياتُهم في سياق طبيعتِهم البشرية وبنيتِهم النفسية وزمانِهم، فصاروا يعبّرون عن ذواتهم ورؤيتهم للعالَم وأحلامهم قبل تعبيرهم عني ورؤيتي للعالَم وأحلامي، وهذا سرّ النجاح في حياتهم.

لحظةَ تختفي الحياةُ العائلية لإنسانٍ تفرض وسائلُ التواصل حضورَها بالتدريج بوصفها عائلةً بديلة، يمكن أن توفِّر للإنسان تواصلًا يوميًا مع مَن يحتاج أو يشتاق للتواصل معه.كثيرٌ من العوائل اليوم، خاصةً الأفراد الذين يقيمون في بلاد متعدّدة، يلتقون بتواصلٍ يومي داخل مجموعة واحدة، تحضرُ فيها أخبارُهم وكلماتُهم وكتاباتهم وصورهم وأفراحهم وأحزانهم، ولا تغيب فيها أكثرُ مواقفهم ونشاطاتهم، يفيض بعضُهم على بعض المودةَ والأشواقَ وترقبَ اللقاء والتطلعَ إلى كلِّ ما يجعلهم أشدّ قربًا وتلاحمًا. ولا تخلو من متاعبهم ومواجعهم ومشكلاتهم وأحزانهم، يتعاونون معًا للتغلّب عليها، ويدعمون مَن يمرّ بظروفٍ قاهرة من أفراد العائلة.

تسهم وسائلُ التواصل في خفض معاناة كبار السن، وتخفض شيئًا من عزلتهم الموحشة. الشيخوخة منفىً موحش، أكثر الجيل الذي عاش معه الإنسانُ يغادر الحياة، أو تفرض عليه الأمراضُ ووهنُ البدن العزلة، الأبناء يذهب كلٌّ منهم إلى حياته الخاصة وشؤونها وشجونها. لا يحمي الإنسانَ من وحشة تقدّم العمر إلا تكثيفُ التواصل مع مَن يحب. الاستعمال الذكي لوسائل التواصل يحمي كبارَ السن من منفى العزلة. تجاوز عمرُ أحد الأصدقاء 90 عامًا، أمثالُه من المعمرين تفرض عليه الشيخوخةُ عزلةً مريرة، وأكثرُهم يضطرّ للعيش في دور العجزة، عندما لا يجد أحدًا من العائلة يواكبه في هذه المرحلة العمرية، ويؤمّن له متطلبات العيش الأساسية. صديقي إنسانٌ عالِم حكيم وواقعي اكتشف في وسائل التواصل عائلةً يعوّض فيها شيئًا من الافتقار للعائلة، ويكسر شيئًا من عزلة تقدّم العمر الكئيبة، فصار يكثّف تواصلَه اليومي بكلِّ إنسان تعرّف عليه يومًا في حياته في أيّ بلد كان. لم أرَه يومًا يضجر من تكرار مهاتفة بعض الأشخاص، الذين لا يجيبونه إلا مرة واحدة لو هاتفهم عدة مرات لكثافة وتراكم أعمالهم.

عويلُ الضحايا وصرخاتُ المعذبين كانت تموت داخل جدران الزنزانات الحزينة والكهوف المظلمة، تتمزق جلودُهم من أنواع التعذيب الشنيعة، ويمارس الجلادون كلَّ أساليب القهر وانتهاك الكرامة الفظيعة معهم ويسحقون شخصياتِهم بوسائل قذرة من دون أن يسمع بذلك أحدٌ خارج هذه الأقبية المظلمة الحزينة. في أكثر الدول لم يعد هؤلاء الجلادون يمارسون شناعاتِهم بعيدًا عن الافتضاح عبر الإنترنت وتطبيقات وسائل التواصل. لم يلبث عويلُهم يختنق وينطفئ في تلك الأقبية، بل أضحى بالإمكان أن يتردّد صدى عويلهم في أنحاء العالم المختلفة. المنظمات والهيئات والجماعات المدافعة عن الحقوق والحريات تستثمر تطبيقات وسائل التواصل بمهارة، وتحرص على تحشيدِ الأصوات وتعبئةِ المواقف المتضامنة مع الضحايا وتكثّف شعاراتِها ومطالبَها وما تذيعه من وثائق لفضح جرائم التعذيب والبطش في دول متعدّدة.

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا، بوصفي طالبًا للعلم وقارئًا شغوفًا كلّ حياتي، تعلمتُ كثيرًا مما يُنشر في وسائل التواصل. وبوصفي كاتبًا تعلمتُ أكثر منها، وقفتُ فيها على شيءٍ مما هو غاطسٌ داخل الإنسان، وما تعلنه بعضُ كلماته وما تضمره هفواتُه. اكتشافُ شيءٍ مما يختبئ داخل الإنسان أثمنُ اكتشافات حياتنا، لأنه يمكّننا من حماية أنفسنا من شروره. اكتشفتُ عبر وسائل التواصل شيئًا من التعصبات والكراهيات والشرور المختبئة في أعماق بعض الأشخاص، الذين يحاولون الاختباءَ خلف أقنعة يظهرون فيها بصورةٍ مضادّة لما يختبئ في داخلهم. رأيتُ المخيالَ والرغبات والعقد النفسية والأوهامَ تحضر في وسائل التواصل أكثر من الواقع، تتحدّث فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم وأوهامُهم وعقدُهم المكبوتة وأمراضُهم النفسية والأخلاقية بوضوحٍ لافت. لم تعد الحياةُ الخاصة مستودعًا للأسرار، كثرةُ ما ينشره بعضُ المدمنين على النشر ينضب فيها الواقع، ويتدفق شلّالُ المخيال والأوهام بفيض التمنيات والأحلام والأسرار المدفونة في الأعماق.

لا يتسع وقتي للذهاب إلى الأسواق والمناسبات الاجتماعية والمقاهي. السوقُ الذي أحتاج التسوقَ منه أحضر فيه عبر الإنترنت، الشارع أزوره بتطبيقات وسائل التواصل، كأن الفيس بك والتطبيقات المشابهة له أصبحت هي الشارع والسوق والمجال العام الحقيقي لا الافتراضي. أقرأ فيها واستمع وأرى كلَّ ما يزدحم في الواقع من ضجيج وضوضاء وصخب الأصوات العنيفة وغيرها. تعرفتُ بحضوري في تطبيقات وسائل التواصل على كثيرٍ من تفاصيل حياة المجتمع، وعاداته، وتقاليده، وثقافته، والقيم السائدة فيه، وعاهاته، وكثيرٍ من أمراضه الأخلاقية والنفسية،كما تعكسها منشوراتُ بعض الأشخاص وأحاديثُهم. لا أزهد بما تعلمته من الهامشي والتهكمي والغرائبي والتافه الذي يتفشى فيها، الذي تتجلّى فيه ثقافةُ المجتمع واهتماماتُه واحتياجاته وتمنياته وأوهامه. دعاني ذلك أيضًا لإعادةِ النظر بإصدار أحكام قِيْمة، تصف كلَّ ما يُنشر بأنه: هامشي أو تافه أو رديء أو عبثي. إن ما يتكشف في هذا النوع من الكتابات المتنوعة لا نراه أحيانًا في نصوص جادة.

ينبغي أن نعيد النظرَ بمثل هذه الأحكام الكلية الشاملة، في مثل هذه الحالات لا يتفق منطقُ البحث العلمي مع التعميم. يجدر بمن يحكم على تسمية الواقع الذي نعيشه اليوم بـ “التفاهة”، ويحكم بذلك على نمط وجود الإنسان الجديد الذي فرضه الإنترنت ووسائلُ التواصل أن يعيد النظرَ بهذا الحكم الكلي المتعجّل. يدهشني التسرعُ والتكرار بإطلاق كلمة “التفاهة”، بنحوٍ أضحت هذه التسميةُ فيه أحدَ الأحكام المبتذلة على كلِّ شيء جديد في الحياة الراهنة، على لسان كثيرٍ من المتحدثين.

وسائلُ التواصل قَدَر وجود الإنسان في عصر الإنترنت ووسائل التواصل، نادرًا ما نرى أحدًا من البشر اليوم غيرَ منخرط فيها، أو تخرج نشاطاتُه وما يمارسه في حياته عن الإنترنت. البشر جميعًا نقلهم الإنترنت ووسائلُ التواصل إلى نمطِ وجود مختلف شاؤوا أم أبوا. نمطُ الوجود هذا فرضته صيرورةٌ أبدية لن تتعطل ولن تعود للوراء إلا بانهيار هذه التكنولوجيا. ذلك ما يجعل الإنسانَ لا يرى بحضوره في الإنترنت ووسائل التواصل حرجًا قيميًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بوصف حياته صارتْ لا تتحقّق إلا في فضاء هذا الواقع الذي وجد ذاتَه تعيش فيه، ويجري تسيير ُكثيرٍ من معاملاته وعلاقاته وإدارة حياته في فضائه.

https://alsabaah.iq/89408-.html

 

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

د. عبد الجبار الرفاعي

بعضُ الأدباء والمثقفين العراقيين يظن أن المتدينَ لا يمكن أن يكون مثقفًا، ‏والمثقفَ لا يمكن أن يكون متدينًا. في الشهر السادس سنة 2003 دعاني المعهدُ الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت لمؤتمرٍ لدراسة تداعيات الاحتلال وآثاره على العراق.كنا جماعةً من المدعوين العراقيين جالسين في الاستقبال مع لزلي ترامونتيني معاونة رئيس المعهد. حلَّ وقتُ آذان المغرب، فقلت: استأذنكم أصعد للغرفة أصلي، أجابني مثقف معروف قائلًا: أنت رجل مثقف عقلاني، إلا أن الغريب أنك تصلي، وهذا لا يليق بمثقف. رددتُ غاضبًا: رجاء لا تجرح ضميري الديني، أنا إنسان مؤمن أصلي منذ البلوغ، ولن أترك الصلاةَ مادمتُ حيًّا. الصلاة معراجي إلى الله الذي يطمئن به قلبي، ويملأ روحي سكينةً وسلامًا. لماذا تشترط على المثقف العقلاني ألا يكون مؤمنًا، وينبغي ألا يصلي؟ عددٌ من الفلاسفة مثل “امانويل كانت” فيلسوف التنوير كانوا مؤمنين بالله، كيركغورد كان مؤمنًا عارفًا، محيي الدين بن عربي أعظم حكيم عارف ظهر في الإسلام كانت استبصاراتُ روحه ساطعة. فوجئ الرجلُ بهذا الجواب الصريح، فاعتذر بكلماتٍ مرتعشة، ماتتْ في شفاهه.

الدينُ حاضرٌ في كلِّ شيء في حياتنا، تجاهلُ آثاره الإيجابية والسلبية كليًا، انتهى إلى اغتراب ثقافتنا ومثقفنا عن مجتمعه. يذهب بعضُ المثقفين إلى استفزاز الضمير الديني لك لو علم أنك تؤمن بالدين، يتحدث معك بكلماتٍ جارحة أحيانًا بلا مقدّمات. قبل سنة قابلتُ شخصًا كان يسأل عني ويريد أن يتعرف عليّ، حييته باحترام واهتمام واحتفاء، بعد التحية مباشرة، لم أكن أفكر بالحديث معه عن أيِّ شأن يتصل بالدين، غير أنه استبقني وهو يقول بتوتر وانفعال: “أنا لا أؤمن بكل شيء ينتمي للدين جملة وتفصيلًا، ولا أطيق أن أقرأ أو أستمع أي كلام من أي إنسان يتحدث عن ذلك”، فانصرفتُ مباشرة.

الثقافةُ العراقية اليوم مغتربة عن محيطها، والمثقفُ العراقي مغترب عن مجتمعه. يعرف المثقفُ والأديب الأدبَ والشعرَ اليوناني أكثر مما يعرف الجاحظَ والتوحيدي والمعري، ويستشهد بالميثيولوجيا والآلهة اليونانية أكثر مما يستشهد بآلهة الحضارات العراقية القديمة الراسخة الجذور في حضارات وادي النهرين. يهتمّ بقراءة الكتب المقدّسة الوحيانية وغير الوحيانية للأديان المختلفة وتراثها الديني، وقلّما يعود للقرآن الكريم، ولو حاول أن يلتقط نصًا من التراث الإسلامي، كأن يستشهد بشذرةٍ للحلاج أو النفّري أو ابن عربي أو جلال الدين الرومي لا ينظر للنهر الذي استقتْ ونبتتْ في تربته هذه الشذرة. عندما يقتطف ثمرةً لا يرى الشجرةَ العظيمة المثمرة ولا جذورَها، ولا الأرضَ المغروسة فيها. يحتفي بأفراح وأحزان أديان متنوعة، ويمتنع أو يتردّد كثيرًا وأحيانًا يخجل من الاحتفاء بأفراح وأحزان أمه وأبيه وأهله ومجتمعه. أعرف أن الثقافةَ والأدب والفن العراقي الحديث ولدت في أحضان أيديولوجيا اليسار الأممي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتغذّت لاحقًا من أيديولوجيا اليسار القومي، غير أنها بعد مضيّ نحو قرن من الزمان مازالت أسيرةَ آباء اليسار، وتلبث حتى اليوم في رعاية أبناء وأحفاد أولئك الآباء.

الغريب أن تبجيلَ شعر الحلاج وشذرات النفري وأمثالهما من العرفاء يرادفه تجاهلُ العرفان ونصوصه لدى أكثر المثقفين العراقيين. نادرًا ما أرى ومضاتٍ مضيئة في النثر والأدب العراقي الحديث مرآةً لرؤية فيلسوف وذوق عارف في الأدب العراقي. يكتب فتغنشتاين: ‏”إن الشعور بالعالم ككل هو الشعور الصوفي”. إن ثقافةً لا تتشبّع بالفلسفة ولا تتذوق العرفانَ تظلّ فقيرة، تحاول أن تغطي فقرَها بفائض الألفاظ. مثلُ هذه الثقافةِ تجهل الحاجةَ للدين، وتعجز عن رؤية أعماق الحياة الروحية.

في العراق موقف المثقف من الدين والتدين ملتبِس، أحيانًا يبلغ الموقفُ حدَّ النفور والاشمئزاز من كلِّ ما يمتّ للدين بصلة، من دون نظرٍ وتأملٍ في الدين بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة البشرية، ومن دون نظر وتدبر بتنوع قراءات النصوص الدينية، واختلافِ تأويلها عند المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والعرفاء، ومن دون تمييزٍ بين أنماطِ التدين وتعبيراتِه المتنوعة في الحياة.كلُّ شيء يتصل بالدين والتديّن يوضع في سلةٍ واحدة. المشكلة في العراق أنك نادرًا ما تجد في الوسط الثقافي، الذي يحتكره اليسارُ تاريخيًا، مَن يكتب في الدين، أو يقدم تفسيرًا علميًا لقوة حضورِه وتأثيرِه الواسع في حياة الفرد والمجتمع، بل تجد من يهزأ بالكتابة في الدين ويسخر من الحديث عنه. أحدُ حاملي الدكتوراه، بدلًا من أن يتجنب الخوضَ خارج تخصّصه، يقول: كيف يمكن أن يكون الإنسان مثقفًا وهو يعتقد بـ “‏ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”[1]، لو قرأ هذا الدكتور شيئًا من الدراسات الحديثة في لغة الدين لأدرك أن لغةَ الكتب المقدّسة لا تُقرأ من دون أدواتها الخاصة. ترسّخت عقدةُ ازدراءٍ للدين والتديّن في الثقافة العراقية الحديثة، إلى الحدّ الذي يمكن أن نجد المثقفَ عقلانيًا في أكثر كتاباته، إلا أنه لحظةَ يكتب عن الله والدين والتدين يتحول إلى كاتبٍ لا عقلاني ولا منطقي، وأحيانًا يصير شتّامًا، يكتب بتهكّم وسخرية.

‏ لم أجد مثقفًا جادًا أو أديبًا مبدعًا من أصدقائي خارج وطني إلا وتكوّن تكوينًا فلسفيًا رصينًا.كلُّ ثقافة فاعلة تتأسّس على أرضيةٍ فلسفية، ورؤيةٍ جمالية للعالَم، ولا تفتقر لنكهةٍ عرفانية، ترى ذلك يتجلّى في: الدين، والميثولوجيا، والشعر، والفنون السمعية والبصرية. لولا ابن رشد وابن عربي وابن طفيل وابن سبعين، وغيرهم من الفلاسفة والعرفاء، لنُسي الوجهُ الثقافي المضيء للأندلس.

المثقف الحقيقي يتبنى العقلانيةَ النقدية، يرى في النقد حياةَ العقل، يتعلّم من النقد العلمي، ويتعلّم من المتعلمين، وحتى من غير المتعلمين. في الثقافة العراقية الحديثة مفهومُ النقد مضلّل، نادرًا ما تقرأ في وسائل التواصل نقدًا عقلانيًا، بعضُهم يتهجّم ويستهزىء بمؤلفات ثمينة من دون أن يقرأها. وأحيانًا يهجو غيرَه، لا لسببٍ إلا لأنّ مزاجَه لا يقبله، وربما يلجأ للعنف اللفظي، وإذا سألته: لماذا تكتب هكذا، يجيبك: هذا نقدٌ، وكأن النقدَ ازدراءُ الأشخاص والسخرية منهم، وليس محاكمةَ الأفكار وغربلتَها وتمحيصَها. هذا مأزق مستحكِم في الثقافة العراقية الحديثة، وهو في ظني أعمقُ عامل للطلاق البائن بين المثقف والمجتمع.

عشتُ في بلدان متعدّدة وتعرّفت على نخب ثقافية عربية وغير عربية، قلّما رأيتُ مفكرين معروفين جادّين يفهمون الدينَ بتبسيطٍ مريع، وحانقين على التديّن إلى الدرجة التي عليها بعضُ مثقفينا. محمد عابد الجابري ختم حياتَه بتفسيرٍ للقرآن الكريم، وهكذا كان إنتاجُ خريف عمر عبد الرحمن بدوي كتابَ “دفاع عن القرآن”، و” دفاع عن محمد”، وأصدر عبد الله العروي كتاب “الإصلاح والسنة” في خاتمة رحلته الطويلة، وكرّس حسن حنفي السنوات الأخيرة من حياته لتفسير القرآن. ورأينا أمثالَهم مفكرين كبارًا منتمين إلى مجتمعات عالَم الإسلام وغيرها يختمون إنتاجَهم الفكري بكتابات دينية. لا أدعو لأن يفعل الشعراءُ والأدباء والفنانين ذلك في مجتمعنا، ولا أريد أن يتحول المثقفُ إلى مبشِّر ديني، وليس هدفي تقييمُ تلك الكتابات لمفكرين معروفين لا يعنيهم الشأنُ الديني قبل نهاية مشوارهم في التأليف، والتنقيبُ عن الدوافع الخفية في خريف العمر، مثل قلق اقتراب الموت والشعور الحزين بوحشة القبر، التي تحفزّهم لمثل هذا النوع من الكتابات. أردتُ فقط التنبيه إلى وعي مفكرين عرب كبار، وإن كان متأخرًا، للحضور الفاعل للدين والتديّن في مجتمعاتنا.

الغريبُ أن بعضَ المثقفين كثيرًا ما يكرّر الدعوةَ لنبذ العنف والدعوة للـ “السلام”، ويراكم مقالات متنوعة حول ذلك، غير أنه ينفر من كلمة “السلام” حين تقترن بتحية الإسلام. من حقِّ كلّ إنسان أن يحيّي الناسَ بما يحلو له وبما تربى عليه، إلا أن بعضَهم يرفض حقَّك في استعمال تحيتك المعبِّرة عن ذوقك وتربيتك وأخلاقك ودينك. لا يطيق آخرون الترحّمَ المتعارف على الميّت والدعوةَ له أن تشمله رحمةُ الله الواسعة، فلو ترحمتَ عليه ودعوتَ له، يعاندك بلغةٍ مباشرة تشي بإنكارِ الحياة الأخرى، وكأن عزاءَه لك في إنكارها. رثيتُ قبل مدة أحدَ علماء الدين من الأصدقاء الأعزاء الذين تمتدّ صلتي بهم إلى نصف قرن، عرفته بمواقفِه العنيدة المناهِضة لفاشية صدام، وجهودِه الدينية والاجتماعية والثقافية، ومشاريعِه الخيرية باحتضان الأيتام ورعاية الفقراء، ارتبطتُ بعلاقة احترام متبادل معه، وتربطني علاقاتٌ ودية بأبنائه الكرام وعائلته. عندما استيقظتُ صباحًا قرأتُ في التعليقات كلامًا مستهجنًا يزدري رثائي، ويتهجم على الميت بلغة حانقة مبتذلة، وكأن هناك ثأرًا مكبوتًا حانتْ لحظةُ استيفائه، مما اضطرني لحذفِ الرثاء، وحظرِ كل مَن يكتب بهذه اللغة الهابطة.

كلُّ مثقف مسؤول يزعجه مَن يجرح الضميرَ الديني للمختلِف في دينه ومعتقده وتفكيره، لا يليق أخلاقيًا وذوقيًا أن نتهكم على الطاوية أمام إنسان طاوي، أو نلعن بوذا أمام إنسان بوذي، أو نتهجم على زرادشت أمام إنسان زرادشتي، أو نزدري نبي أي ديانة أو مؤسّسها أمام إنسان يختلف عنّا في ديانته. ينبغي أن نحترم معتقدات المختلِف في الدين،كما ينبغي له أن يحترم معتقداتنا، وألا يتّهم النبيَّ الكريم “ص” الذي نؤمن بنبوته ووحيه ورسالته السماوية، مثلما يحترم المختلِفين عنه في معتقداتهم من غربيين وشرقيين.

أعني بالثقافة في العراق الشعرَ والأدبَ كما هي مختزلة بذلك، وأخصُّ به الشعرَ المفرّغ من أيّ مضمون فلسفي ورؤية معرفية، ومن أية بصيرة حاذقة، ومن أية كثافة دلالية. مركزية الشعر في الثقافة العراقية عملت على إسقاط أو تهميش كلِّ ما هو خارج الشعر والأدب، فلا ينصرف مفهومُ الإبداع إلا لها، ولا ينصرف مفهومُ مثقف إلا للشاعر، بل حصرت معنى الثقافة بالشعر والأدب والفن. هُمشّت الفلسفةُ وعلومُ الانسان والمجتمع وعلوم الدين، قلّما نلتقي بها في أنشطة وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والكتاب ومؤتمراتهم وندواتهم ومطبوعاتهم. غالبًا لا تكترث الوزارةُ واتحادات الكتّاب والأدباء وغيرها من منتديات ثقافية عراقية بالإنتاج الفكري في حقل العلوم الإنسانية والفلسفة والعرفان والدين، أو تمنح الباحثين الجادّين في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والدين منصاتها، أو تكرمهم. ‏جوائز وزارة الثقافة وغيرها من المؤسّسات ودور النشر تختصّ غالبًا بالشعر والرواية والسرد. ولا تحتفي اتحاداتُ الأدباء والكتاب في العراق بأية جائزة كبيرة تمنح خارج الوطن لمنجز فكري عراقي، إن كانت لا تقع ضمن هذا الضرب من الكتابة.

‏ الثقافة في العراق تعيش خارج الوسط الأكاديمي، الأكاديميا في وطننا لا تهتمّ كثيرًا بالثقافة بمعناها الأشمل إلا في حالات قليلة، حتى لو بادر بعضُ الأكاديميين للكتابة خارج تخصّصه فإنه لا يتجاوز الشعر والرواية والنقد. ‏الأكاديمي حبسته ‏قراراتُ وزارة التعليم العالي والجامعة ‏في الانشغال بأبحاثٍ لأغراض الترقية واللقب العلمي، وهي في الغالب أبحاث شكلية، وأغرقته في أعمال لجان وإدارة تعليمية أكثرها ينبغي أن ينجزه موظفون إداريون خارج مهنة التعليم العالي والبحث العلمي. تقوقع الأكاديمي على نفسه، ودخل حالةَ غياب عن الثقافة هو ‏وإنتاجُه الفكري، بعد أن سجنت عقلَه القوالبُ الأكاديمية المهنية الصارمة، وعجز عن التفكير خارج اطارها المغلق.

ربما ينشأ الموقفُ السلبي من الدين من الخلط وعدم التمييز بين الإيمان من جهة والدين من جهة أخرى، وبين تمثلات الدين وأنماط التديّن في حياة الفرد والمجتمع من جهة ثالثة. الإيمان يعبّر عن تجربةٍ روحية ووصالٍ مع الله يعيشه المؤمن، وهي حالةٌ للروح لا تتحقّق إلا فرديًا،كلُّ إنسان يعيشها على وفق وعاء روحه وقدرتها الوجودية على الانبساط والاتساع. ينعكس الإيمانُ في يقظة الروح واستبصاراتها، ويؤثر في نمطِ رؤية الإنسان للعالَم، وقدرتِه على تذوق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. أما الدينُ وتمثلاتُه وأنماطُ التديّن في حياة الفرد والمجتمع فهو ظاهرة فردية ومجتمعية، تعبّر عن حضورها في أخلاق الإنسان وثقافته ومواقفه وسلوكه ومختلف أحواله، تؤثر هذه الظاهرة وتتأثر بطبيعةِ الفرد وظروفِ عيشه، ونمطِ حياة المجتمع، والمؤسساتِ المسؤولة عن تدبير الشؤون الدينية، والسلطات السياسية. أسوأ ما يجري فيه توظيفُ الدين هو استثمارُه في استعبادِ الإنسان، والصراعِ على السلطة والثروة، والسعي للاستحواذ على المجال الخاص بالعقل والعلم والمعرفة، وإخضاعُ الآداب والفنون والثقافة لمنطقه اللاهوتي، ورفضُ استعمال المنطق العلمي، واستعمالُ الدين في إدارة الاقتصاد والمال والإدارة وبناء الدولة وصياغة نظمها، وتجاهلُ معطيات الخبرات البشرية المتراكمة عبر عشرات آلاف السنين، ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة.

من الظواهر المثيرة اليوم تفشي ظاهرة الحكواتيين، وطغيانُ حضورهم في الفضائيات ووسائل التواصل، يتحدثون بتكهنات وافتراضات في الدين وعلومه والميثيولوجيا والآثار، من دون تأهيلٍ أكاديمي تخصّصي في علوم الدين والميثيولوجيا والآثار، ولا معرفةٍ بقراءة الخط المسماري ولغات الحضارات العراقية القديمة مثلا، وبلا مطالعاتٍ عميقة للمراجع الأساسية في هذه التخصّصات العلمية الدقيقة.

لهذه الأسباب وغيرها تظل الثقافةُ العراقية مغتربةً غيرَ فاعلة بمجتمعها، منفصلةً عن واقعه وصيرورته وتحولاته، قاصرةً عن التعبير عن آلام الناس وآمالهم، وبؤسهم وأحزانهم وهمومهم وواقعهم المرير الذي يعيشون فيه ويحلمون بتغييره،كأن الثقافة غيرُ معنية بالإنسان العراقي.

[1]  البقرة، 2

https://alsabaah.iq/88442-.html?fbclid=IwAR3VIHfRmz0p3_WqZAxu0DylpCNCLUBuABzkwIDetNfkRquYLKdV1U2zmeY