Category: الاغتراب الميتافيزيقي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة

عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة

أ. د. محمود محمد علي[1]

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “،‏”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف على وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: “ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدًا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم الإنسان” بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس. لكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفًا جامعًا مانعًا بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. المفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته.

وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي: المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل على شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة واضحة تدل على معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلى تقدم المعرفة عند ربطها بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلى سواء السبيل عندما يسلك المرء على أساسه. أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطًا غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكًا لشخص أضله لأنه لا يهدي إلى شيء ولا يدل على شيء. علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة” لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضاريًا وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة… وللحديث بقية.

[1] مفكر مصري.

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية

د. عبد الجبار الرفاعي

في الزمن الذي تتحكم فيه الخوارزميات سيتسارع إيقاع التغيير بشكل مثير، وتضمحل المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية، في هذا الزمن يغدو الإنسان ضائعًا في متاهة لا تمنحه أمانًا. يعيش في تقلب دائم، لا يمكث طويلًا في علاقة، ولا يصبر على صداقة، ولا يتورط في صلة تستدعي الانتظار. ملول حد الضجر، حتى في علاقاته العاطفية سريع الانسحاب من كل ما لا يشبع رغباته المتقلبة، وما لا يحقق له لذة آنية. ينكفئ على ذاته، ويعيش فردانية مغلقة لا يرى فيها إلا نفسه، فيشتد اغترابه، ويتضاءل شعوره بالمسؤولية حيال مَن حوله حتى يكاد يتلاشى.

إثر ذلك تتآكل مشاعر الأُلفة في العائلة، ويتبلد الشعور الحميمي داخلها، ويتصدع الانتماء بمحتواه العاطفي، فيغدو البيت مأوى لأجساد لا قلوب، وسقفًا يظلل جماعة كأنهم غرباء لا يربطهم ود، ولا تنعيش قلوبهم المحبة، ولا يجمعهم حوار. في كثير من البيوت ترى الأبناء غارقين في هواتفهم وأجهزتهم اللوحية، منصرفين إلى تطبيقات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لا يكادون يصغون إلى آهات مَن يعيشون معهم، ولا يتواصلون بحميمية مع آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم. حتى في الأوقات القليلة التي يلتقون فيها أحيانًا على مائدة الطعام، لا يكادون ينطقون بكلمات تعرب عن حنانهم وامتنانهم للأمهات والآباء والعائلة، ولا يتكشف ما يدل على ذلك في وجوههم أو لغة أجسادهم. كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص منغلقًا عليه، يحيط أسراره بأسوار من الصمت، كأن حياته لا تخص أحدًا، وكأن مَن في البيت لا صلة عاطفية لهم به. في هذا الواقع يتفكك النسيج العضوي للعائلة بالتدريج، حين يفقد البيت نبضه العاطفي، وتمسي الحياة المشتركة عاجزة عن إنتاج معنى للحياة، ويتوارى الحنان خلف شاشات باردة لا دفء فيها ولا بوح. تختبئ في هذا الواقع المرير صرخة الإنسان الوجودية، المنطلقة من هشاشته وخوفه، ومن وعيه باغترابه، ومن ظمأه الأنطولوجي إلى معنى يمنحه طمأنينة الحضور في العالم. تتوالد هذه الصرخة في عمق التجربة الوجودية للذات، في موضع سابق على السلوك الظاهر، وأبعد من أن تدركه المؤشرات القابلة للقياس. تلتقط الخوارزميات الأفعال كما تظهر على السطح، وتتعامل مع الإنسان بوصفه مجموعة أنماط قابلة للتوقع، بينما تعجز عن النفاذ إلى الألم الداخلي، وعن الإصغاء إلى الأنين الصامت الذي يتولد في أعماق الكائن البشري حين يفتقد المعنى. تقرأ الآلة ما يختاره الإنسان، وتستبق قراراته، غير أنها لا تلامس القلق الذي يفزعه، ولا تعرف مشاعره، ولا ترى أنين قلبه، ولا تدرك الاغتراب الذي يدفعه إلى البحث عن صلة تتجاوز العالم المحسوس.

في هذا العجز التقني عن ملامسة باطن الإنسان يتفاقم الاغتراب الميتافيزيقي، إذ يشعر الإنسان أن العالم الذي تديره الخوارزميات لا يعترف بحاجته للمعنى، ولا يرى وحشته، ولا يمنحه أفقًا يتسع لأسئلته الوجودية. تتسع هذه الغربة كلما جرى التعامل مع الإنسان بوصفه معطى رقميًا، لا ككائن يشعر، ويتألم، ويحنّ، ويخاف، ويبحث عن خلاص، ويتوق إلى حضور إلهي يروي ظمأه. في هذا الانكسار الوجودي تلوح الإنسانية الإيمانية بوصفها استعادة للإنسان من اغترابه، إذ تعيد وصل الإنسان بذاته، وتفتح أفقًا لمعنى يتجاوز جسده، وتؤسس لصلة حية بالله تتجلى في الرحمة، والرفق، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها ثمرة لإيمان يشبع الحاجة الوجودية، لا من الإكراه أو البرمجة.

كل مشروع تنموي يتجاهل صرخة الإنسان الوجودية، ولا يعي حاجته العميقة إلى المعنى والمحبة والرحمة، ينقلب إلى مشروع لا إنساني، مهما تضخمت أرقامه، وتكاثرت منتجاته، وانخفضت كلفته المادية، وارتفعت أرباحه، ومهما تحدث عن الرفاه. تفقد التنمية معناها الإنساني حين لا تنبع من مركزية الإنسان وسلطته الأخلاقية على الأرض، وحين تنفصل عن حاجته العميقة إلى المعنى والحرية والكرامة. عندئذ تسير التنمية في مسار آلي، وتعمل بوصفها حالة صمّاء لتراكم الأشياء وتكثير الإنتاج، والتسويق، والاستهلاك، من غير اكتراث بما تخلّفه في قلب الإنسان من وجع. تستهلك هذه التنمية طاقة الروح، وتُنهك القلب، وتبلد المشاعر، وتدفع الإنسان إلى حياة مزدحمة بالأشياء وفقيرة بالمعاني. في هذا السياق يتراجع الإنسان من كائن يبحث عن معنى وجوده إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه سوى مهنة وظيفية ورقم. هكذا يتسع الاغتراب، ويغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، لأن التنمية التي لا تصون إنسانيته ولا تحرس كرامته وحريته وحقوقه لا تؤسس لحياة جيدة، وإنما تعمّق القطيعة بين الإنسان ومعنى وجوده، وتدفعه إلى اغتراب موجع يفقد فيه الشعور بالحضور والجدوى.

الاستثمار الحقيقي لا يقف عند توسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح، وإنما يتحقق حين ينقذ الإنسان من التحول إلى شيء، ويعيد الاعتبار إلى قلبه وروحه ومشاعره، ويحرره من اختزاله رقمًا في خوارزمية، ومعطى إحصائيًا في تقرير. هناك فقط تستعيد التنمية معناها، حين تصير فعل رعاية، ومسؤولية أخلاقية، وطريقًا لصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا وسيلة لتكريس اغترابه وتجفيف منابع المعنى في حياته.

التنمية التي تنفصل عن مركزية الإنسان تفرغ وجوده من قيمته، وتحيل حياته إلى فراغ لا يشبع حاجته العميقة إلى المعنى، مهما تضاعف الإنتاج المادي. التكنولوجيا حين تخلو من القيم، ولا تحضر فيها الأخلاق، تنقلب سريعًا من أداة رفاه إلى آلة قهر، ويغدو العالم مصنعًا واسعًا يبتلع معنى إنسانية الإنسان، ويعيد تشكيله كشيء لا يختلف عن الأشياء التي يصنعها ويستهلكها. أمّا التنمية التي تستحق اسمها فتنبع من وعي باحتياجات الإنسان الوجودية والمعنوية، وتستمد معناها من صون الكرامة الإنسانية وترسيخها، ولا تختزل الإنسان في أداة إنتاج أو رقم استهلاك، وتحتضنه بوصفه كائنًا يعيش عطشًا أبديًا إلى المعنى، ويبحث عن حياة تنصت لظمأ روحه وأشواق قلبه، كما تلبي حاجاته المادية.

تعمل الرأسمالية على احتكار الذكاء الاصطناعي، وإذا نجحت في ذلك تتسيد على الأرض وتهيمن حتى على الإنسان، وتنكشف همجيتها كوحش كاسر يمتلك قدرات تتفوق على القدرات المتنوعة للإنسان في حقول الحياة كلها، من غير أن تمنع توحشها قوانين عادلة صارمة، أو تكبحها قيم راسخة. حينئذ تصبح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أداة استلاب واستعباد وقمع، ووسيلة فتاكة في الحروب، إذا افتقرت البيئة التشريعية والأخلاقية إلى ما يضبط انفلاتها ويكبح استغلالها ضد الإنسان وحقوقه وحرياته بوصفه سيد الأرض.

ليس كل ما يعد به التقدم التكنولوجي يعد نعمة خالصة، ما لم يكن مصحوبًا بتنمية الوعي الإنساني، وتجذير قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، والحد من جشع السوق الرأسمالية، ومقاومة تحول الإنسان إلى مادة خام لصناعة الأرباح. وفرة السلع والخدمات لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى، ولا تكفل سعادة الإنسان أو أمنه الوجودي وسلامه الروحي. إنسان العصر الرقمي يعيش اغترابًا وجوديًا واجتماعيًا عميقًا، لأن ذاته تتآكل تحت وطأة تسارع الأحداث وتحولات الواقع التي لا هوادة فيها. هذا الاغتراب لا يقتصر على تشييء الهوية، بل يمتد إلى ذوبان العلاقات الاجتماعية، حيث تذوي العلاقات الإنسانية العاطفية وسط صخب الانشغال بتطبيقات العالم الرقمي، وما يفرضه من واقع لم يألفه الإنسان من قبل. نرى الإنسان منفصلًا عن ذاته ومن حوله، فاقدًا للألفة الاجتماعية التي تمنحه الاعتراف والثقة والمودة، لا ذاته منكشفة له بجلاء، ولا تواصله مع الآخرين يتسم بالثقة والدفء.

https://alsabaah.iq/127858-.html

اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

د. عبد الجبار الرفاعي

يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.

تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.

تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.

تنتزع الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على نحو متدرج، السلطة بأشكالها المختلفة من الإنسان، ولا يقتصر هذا الانتزاع على البيئات التي تنشأ فيها هذه الشركات، وإنما يمتد إلى العالم كله. هذه السلطة الجديدة، المنبثقة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تقف عند حدود الأدوات، وإنما تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته ورؤيته للعالم، فتزيحه عن مركز وجوده، وتضعف قدرته على إدارة حياته والتحكم بعلاقته بالطبيعة وأخيه الإنسان. نشهد اليوم نمطًا مموهًا من نزع الكرامة والحرية والمساواة، يتخفى وراء خطاب التقدم التكنولوجي، ويعيد إنتاج الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للاستبدال، تتحول إنسانيته إلى بيانات، وتُختزل فرادته في خوارزميات. كل تحول تكنولوجي لا ينبثق من مركزية الإنسان يفضي إلى هدر الكرامة، بوصفها المبدأ الأعلى في بناء القيم، كما تحدثت عنها في كتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”، حيث يغدو التقدم منفصلًا عن المعنى، وتتحول التقنية من أفق لخدمة الإنسان إلى قوة تفرغه من إنسانيته.

إن تغوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي، واستحواذه المتسارع على سلطة الإنسان، لا يفتح أفقًا للرفاه وحده، وإنما يولّد شكلًا جديدًا من الاغتراب، يعمق الظمأ للمعنى المتفشي في حياة الإنسان اليوم. يجد الإنسان نفسه اليوم مهددًا بفقدان صلته العميقة بالمعنى، ويتحول إلى كائن غريب داخل منظومة خوارزميات لا تنصت لروحه، ولا تستجيب لحنينه إلى الامتلاء الروحي. يتجلى هذا الاغتراب في تفكك صلة الإنسان بذاته، وفي انقطاعه عن منابع المعنى التي تمنحه السلام، كما يظهر في خفوت حضوره الداخلي وضمور إحساسه بالقيمة. حين يغدو الإنسان أسير عالم لا يلبّي شوقه إلى المعنى، ولا يداوي اغترابه الوجودي، تتكرّس حالة فراغ وجودي تزداد معها هشاشته، وتتوارى ذاته في عالم يضمحل فيه المعنى، وتنحسر فيه القيم التي تصون إنسانيته وتمنحه سببًا لجودة الحياة.

من نتائج الحضور المتعجل للذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية والدولية، أن يتعرض العقل البشري لسبات بطيء يضعف قدرته على التفكير العميق. في هذا الواقع تخفت ملكات التأمل والخيال والابتكار، ويضمر الحس النقدي، وتتراجع قدرة الإنسان على توليد المعنى من رحم التجربة والمعاناة. بالاعتماد المتزايد على الآلة يضعف حضور العقل، ويغدو التفكير أقرب إلى استهلاك جاهز للمعطيات، لا مغامرة وجودية تبحث عن المعنى. هكذا يتهدد الإنسان بفقدان صلته الحيّة بسؤاله الوجودي، حين تستبدل معاناة التفكير بيسر الإجابة، ويختزل العقل إلى وظيفة أداتية لا تعرف قلقه، ولا تحتمل مشقة السؤال والتفكير التأملي العميق.

حين يناط التفكير بالآلة، ويستبدل اشتغال العقل الحي باستجابات خوارزمية جاهزة، تتعطل الوظيفة الوجودية للإنسان في صياغة ذاته وفهم عالمه، ويتوارى وعيه أمام سيل من الإجابات المصنّعة التي لا تمر بتجربة السؤال، ولا تمحصها مشقة البحث. العقل لا يحيا إلا في بيئة تستفزه بالتحديات، وتوقظه بالأسئلة، وتربكه بالمفارقات، وتغذيه بقلق معرفي يدفعه إلى التأمل والابداع. أمّا حين يبتعد الإنسان من عناء التفكير، بسبب غواية سهولة الإجابة، يخبو حضوره الداخلي، ويتراجع حسه النقدي، ويتحول الوعي إلى صدى لما تنتجه الآلة، لا إلى صوت يصنع المعنى من التجربة والاختبار والمعاناة.

حتى التفكير بالأفعال والمواقف المؤذية، كالمكر والخداع والشر والحروب، فهي على ما تخلّفه من مآسٍ وخراب، تغدو محفزًا لإيقاظ التفكير العميق، وامتحانًا لوعي الإنسان، وتنشيطًا لقدراته المعرفية الكامنة. الحياة التي تفلت من الألم والامتحان تفقد جانبًا واسعًا من طاقتها على توليد الأفكار، وتغدو أقرب إلى حركة آلية صمّاء لا تنتج شيئًا ثمينًا. حين يختزل تفكير الإنسان في خوارزميات مبرمجة، ويقاس وعيه بمدى تكيفه معها، يتلاشى حضور عقله، ويغدو عيشه آليًا، خاليًا من المعنى الذي يولد من المعاناة والأسئلة والمكابدة. العقل طاقة وجودية تتجاوز الحساب والتشغيل، ولا تزدهر إلا في مناخ الحرية والخيال والقلق الخلّاق، وفي بحث لا يكتفي بمعطيات الآلة، ولا ينغلق في منطق الربح والسرعة والكفاءة والجدوى الاقتصادية، وإنما ينفتح على أفق أوسع للمعنى والكرامة والإنسانية.

لا أعرف على وجه الدقة إلى أين تمضي بوصلة الذكاء الاصطناعي، غير أننا نعيش وكأننا في قلب زلازل متلاحقة، يتغير فيها كل شيء من غير تمهيد وبلا استئذان. بعصفه المتسارع يطيح الذكاء الاصطناعي بما كان عصيًا على التحول، ويقوض ما بدا راسخًا لا تهزه العواصف، فيحول الثابت إلى متغير، والمألوف إلى غريب، والمستقر إلى مهدد. هكذا يعاد تشكيل العالم على نحو لم تألفه البشرية من قبل، ويدفع الإنسان إلى مراجعة تصوراته للوجود والعقل والمعرفة والمعنى والمستقبل، في لحظة تاريخية يتقدم فيها السؤال أسرع من الجواب، ويتعاظم فيها القلق الوجودي بقدر ما تتسارع القدرة التقنية.

لم يعد الإنسان مركز العالم ولا المعيار الأعلى للحقيقة، بعدما اقتحمت الآلة أعمق وظائف التفكير، ونازعت العقل في ميادين طالما ظنها امتدادًا طبيعيًا لخصوصيته. نعيش اليوم عصر اللايقين والمفاجآت، عصرًا انقلب فيه المستحيل ممكنًا، وتراجع فيه يقين قديم، وانكسر النسق الواحد للمعنى. في هذا الواقع يغدو الإنسان مطالبًا بأن يعيد اكتشاف ذاته كل يوم، وإلا توارى خلف آلة تتقدم عليه، وتعيد تعريف ما يسمى عقلًا وإدراكًا وحقيقة. الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من قفزات تقنية غير مسبوقة، لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل أنماط العيش والعمل والتواصل، وإنما ينفذ عميقًا إلى بنية الوعي الإنساني، ويهزّ التصورات المستقرة عن الذات، والعقل، والمعنى. إنه يوقظ أسئلة وجودية ظلت زمنًا طويلًا في سبات، ويدفع الإنسان إلى مساءلة موقعه في الكون، ومعنى أن يكون إنسانًا في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصنوع، والبيولوجي والاصطناعي.

في هذا الواقع تلوح إرهاصات ما يسمى بعصر “ما بعد الإنسان”، حيث لا يعود الإنسان مركز العالم ولا معيار القيمة، وحيث تختزل الكينونة في الكفاءة التقنية، ويقاس الوجود بالوظيفة، ويعاد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية قابلة للاستبدال. في هذا السياق يصبح المعنى ذاته موضع امتحان قاس، وتغدو الإنسانية مهددة بالذوبان في منظومات تقنية صمّاء، لا تعرف الرحمة ولا تختبر القلق ولا تحسّ بظمأ الإنسان لمعنى وجوده وحياته الذي يشكّل جوهر التجربة البشرية. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدفاع عن الإنسان لا بوصفه أداة إنتاج أو كمية بيانات، وإنما بوصفه قيمة أخلاقية وروحية وجمالية، بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مفتقرًا إلى المعنى، لا تكتمل إنسانيته إلا بالحب، والحرية، والمسؤولية، وبصلة حيّة تتجاوز المنفعة إلى الكرامة والحقوق والحريات، وتتجاوز الذكاء إلى الحكمة. في زمن ما بعد الإنسان، لا يكون الرهان الحقيقي على ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما على ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه كي لا يفقد ذاته وإنسانيته.

https://alsabaah.iq/126046-.html

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سيرة المعنى في الدين والظمأ الأنطولوجي

سيرة المعنى في الدين والظمأ الأنطولوجي

قراءة فلسفية في رحلة الإنسان إلى الله

ليلى تبّاني[1]

في زمن يغمر فيه الفراغ الوجوديّ روح الإنسان المعاصر، وفي وقت تهيمن فيه التكنولوجيات المعاصرة على عقل الانسان وعلى وجدانه وكيانه، يعود صوت عبد الجبار الرفاعي في كتابه ” الدين والظمأ الأنطولوجي ” (دار الرافدين، الطبعة الرابعة، 2023، 312 صفحة) ، ليذكّر فيه ، بأنّ ما فينا ليس عطشا إلى معرفةٍ عابرة ، بل ظمأ أنطولوجيٌّ إلى المعنى، إلى ما يتجاوزنا دون أن يفارقنا، إلى الله بوصفه الأفق الأسمى للكينونة. الدين عند الرفاعي ليس نسقا فقهيا ولا منظومة لاهوتية، بل هو حركة الوجود في الإنسان، تَوْقُه الأزليّ إلى ما يمنحه السكينة والاكتمال، وإلى ما يملأ الصدع الخفيّ بين الكائن وظله. يقول الرفاعي: “الظمأ الأنطولوجي هو حنين الكائن إلى المطلق، وتوقه إلى ما يثري وجوده ويمنحه سكينة لا تنضب” (صـ113).

هذا الظمأ لا ننشد منه ترفا روحيا، بقدر ما هو ضرورة وجودية تبرز أنّ الموت حقيقة وجودية؛ فحيث يوجد الموت، تنبثق الحاجة إلى الدين. الدين، كما يقول الرفاعي، هو الجواب الأنطولوجي الوحيد على تحدّي الفناء، لأنّه يمنح الوجود معنًى لا تقدر المادة على صياغته، ولا الفلسفة على استنفاده، يقول في هذا السياق: “ما دام هناك موت، فهناك حاجة إلى الدين، لأن الدين هو الجواب الوحيد لتحدي الفناء” (صـ114). هكذا يصبح الدين عنده جوابا أنطولوجيا على سؤال الكينونة، لا وعدا لاهوتيا مؤجّلا. وهو إذ يستعيد جوهر الدين كصوت في القلب قبل أن يكون خطابا في السلطة، يحفر عميقا في التجربة الداخلية للإنسان حين يفقد ذاته في ضجيج الجماعة، ليعيد تعريف الإيمان لا كيقينٍ جامد، بل كقلق مقدّس يطلع الكائن على سرّ الوجود: “الإيمان ليس يقينا جامدا، بل قلق مقدّس، بحث دائم عن الله في عمق الإنسان (صـ88)، الإيمان إذن ليس انغلاقا، بل انفتاح مستمر على اللانهائي. في مقابل هذا الظمأ الوجودي، يرى الرفاعي أن أخطر ما يهدّد الدين هو اختزاله في الإيديولوجيا حين يُحتكر المعنى في خطاب واحد، يُقدَّم بوصفه الحقيقة المطلقة ويغلق باب الاجتهاد وباب التفكير التأملي الناقد، إذ يقول: حين يُحتكر المعنى يُقتل الدين (صـ85). بهذا يضع يده على جرح الإنسان الحديث، لا في انحسار الإيمان بل في اغترابه داخل تديّنٍ بلا روح، تدين يغلق الأبواب بين الله والإنسان باسم الله ذاته، تديّن بمقاسات معيّنة كما أرادوه بعض حراس النوايا. من هنا تتخذ الحرية عند الرفاعي بعدا لاهوتيا، فهي ليست فعلا سياسيا بل استعادة للكرامة الوجودية: “الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بشجاعة الإرادة ومغامرة العقل” (صـ215). الحرية شرط الإيمان الحقّ، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنا ما لم يكن حرّا، لأنّ الإيمان القسري عبودية لصورة الله في أذهان الآخرين، لا لله ذاته. الحرية هنا ليست نقيض الدين، بل جوهره الخفيّ الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يقول “نعم” لله وهو واع بقدرته على أن يقول “لا”. في هذه المسافة بين الحرية والإيمان، يلتقي الرفاعي بهايدغر والغزالي معا، فهايدغر في الوجود والزمان يرى أنّ الإنسان كائن قلق، منفيّ في العالم، لا يكتشف ذاته إلا في مواجهة العدم، أمّا الغزالي في” المنقذ من الضلال” فقد عاش قلقا مماثلا، حين تهاوت أمامه يقينات الحواس والعقل، حتى وجد الحقيقة في النور الذي أشرق في قلبه بإيمانية متعالية.

نخلص للقول بأنّ كليهما انطلق من القلق بحثا عن الحقيقة وانتهج سبيلا رآها مناسبة. الرفاعي يعيد هذا القلق إلى موضعه الوجودي كعطش أنطولوجي لا يُروى إلا بصلة بالإلهيّ. فإذا كان هايدغر يرى القلق طريقًا إلى الكشف عن الوجود، والغزالي يجعله طريقا إلى الكشف عن الله، فإنّ الرفاعي يجعل القلق طريقا إلى الإنسان ذاته، لأنه لا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان. لذلك، حين يتحدث الرفاعي عن الإنسان، فإنّه لا يتحدّث عن الكائن البيولوجي أو الاجتماعي، بل عن كائن يُولد وحيدا ويموت وحيدا، يعيش تجربته الوجودية منفردا: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30). إنّها تجربة العزلة الأنطولوجية التي لا يبدّدها إلا حضور المعنى، فالإيمان لا يُستعار من الجماعة، بل يُكتشف في صمت الذات وهي تواجه وجودها العاري أمام الله. غير أنّ هذا الإيمان ليس انفصالا عن العالم، بل انخراط فيه بعين ترى الجمال والرحمة في كلّ شيء. ففي فقرة من أجمل فقرات الكتاب، يكتب الرفاعي : “الفن يهب العالم جماله، والدين يهب العالم معناه” (صـ116). بهذا القول يجمع بين هايدغر الذي رأى في اللغة بيت الوجود، والغزالي الذي رأى في الجمال مظهر الحقّ، ليؤكد أنّ الدين والفن توأمان في رحم المعنى، كلاهما طريق إلى الخلود، أحدهما عبر الجمال، والآخر عبر الصلة بالله. من جوهر هذا الجمال ينبثق تصوّره لله، لا كإله الحرب والانتقام، بل كإله الرحمة والحياة: “الله ليس إله الحرب بل إله الحياة، وليس المنتقم بل الرحيم الذي يتجلى في جوهر الرحمة والمحبة” (صـ116). بهذا الانفتاح يدعو مفكرنا صريحا الى الرحمة والمحبّة، ويطهّر صورة الله من شوائب الإيديولوجيا، ليعيدها إلى أفقها الرحماني، حيث الله ليس فكرة بل حضور، ليس سلطانا بل نورا في الكينونة. يبدو ـــ وفي هذا الإطارــــ مفكّرنا وريثا فلسفيا لهايدغر حين يتحدّث عن نسيان الكينونة، وللغزالي حين يتحدّث عن ظلمة الحواس والعقل، لكنّه يتجاوزهما معا حين يجعل الله ليس فقط جوابا للقلق، بل شرطا للمعنى نفسه، إذ يدمج قلق هايدغر وطمأنينة الغزالي في وحدة أنطولوجية واحدة يرى فيها الإنسان كائنا في طريقٍ دائم إلى الله، لا يصل أبدا، لكنّه لا يكفّ عن المسير.

من الناحية المنهجية، يستعيد الرفاعي مفردات الفلسفة الحديثة، لكنه يعيد تأويلها بلغة القلب، فالوجود عنده ليس مفهوما مجرّدا بل خبرة تُعاش، والعقل ليس نقيض الروح بل بوابتها إلى النور. يقول الرفاعي: “الحرية الجوانية هي أن تحيا بإيمانك دون وصاية، أن ترى الله بعينك لا بعين الآخرين” (استنباط من فكر الرفاعي). هذا النداء الداخلي هو ذاته ما يسميه الغزالي “الذوق”، ويسميه هايدغر “الإنصات للوجود”. حين نقرأ الرفاعي من هذا الأفق، نكتشف أن الدين عنده ليس موضوعا للإيمان فحسب، بل طريقة في الوجود، هو سيرة المعنى في الكائن البشري، منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على العدم إلى اللحظة التي يغمضهما على الرجاء، هو الرحلة التي يعبر فيها الإنسان من الظل إلى النور، من الخوف إلى الحب، من القشرة إلى العمق. يرى الرفاعي أن فقدان المعنى هو الخطيئة الأصلية لعصرنا الحديث، فالعالم الذي امتلأ بالعلوم والتقنيات خسر الإحساس بالقداسة، فصار الإنسان مريضا باللاجدوى. لهذا يعود الرفاعي ليقول إن الدين ليس نقيض العلم، بل دواؤه الأنطولوجي، لأنّه يردّ للوجود “هالته” كما قال فالتر بنجامين، أي ذلك البريق الذي يجعل الأشياء أكثر من مادتها . الدين بهذا المعنى ليس هروبا من الواقع، بل إدراكا لعمقه الغائب.

في فصل “نسيان الذات” يقدّم الرفاعي نقدا للشمولية بكلّ أشكالها مثل نقد الفلاسفة الأوروبيين ما بعد الحداثة، خاصة فرانسوا ليوتار وميشيل فوكو. يرى الرفاعي أن الإنسان فقد ذاته حين ذاب في الجماعة والأيديولوجيا، تماما كما قال ليوتار إنّ “السرديات الكبرى” ألغت صوت الفرد باسم الحقيقة المطلقة. عنده، ونسيان الذات هو الوجه الديني للشمولية، حيث تُحتكر الحقيقة باسم الله وتُصادر حرية الإنسان في الإيمان والتفكير. لذلك يقول: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30) إعلان أنّ الإيمان تجربة شخصية لا تُستعار من الجماعة، وليس للإيمان وصاية ولا وشاية ولا مصادرة. بخلاف فلاسفة ما بعد الحداثة الذين انتهوا إلى نسبية وعدمية، يقترح الرفاعي بديلا رحمانيا: العودة إلى المعنى الداخلي للدين كحاجة وجودية تُحرّر الإنسان ولا تسجنه. الرفاعي يلتقي مع ليوتار في نقد الشمولية، ويخالفه في النتيجة، فبينما انتهت الفلسفة الغربية إلى العدم، يدعو هو إلى إحياء المعنى والرحمة والمحبة داخل الذات. ويلتقي مع فوكو في نقد السلطة الدينية والمعرفية، إذ يقول: “احتكار إنتاج المعنى الدينيّ يعني احتكار الله” (صـ171). لكنّه يتجاوز فوكو إلى أفق روحي، فبينما فوكو يفكّك السلطة، يعيد الرفاعي بناء الذات المؤمنة الحرّة التي تواجه الله مباشرة دون وسائط مؤسسية، يلغي الأوصياء على الدين. أما نيتشه، الذي أعلن “موت الإله”، فقد أراد بذلك نهاية الإله الأخلاقي الذي صنعته المؤسسات لا نهاية الله الوجودي، فيردّ الرفاعي بعمق حين يقول: “حين يتحوّل الدين إلى نصوصٍ جامدة، ويختفي فيه البعدُ التجريبيُّ، يغيب اللهُ من حياة الإنسان” (صـ157). فهو يحيي الله الذي أَماتَه نيتشه، لا في السماء، بل في قلب الإنسان الذي يستعيد التجربة. هكذا يلتقي الرفاعي مع نيتشه في نقد الإله الميتافيزيقي السلطوي ويخالفه في النتيجة، فبينما رأى نيتشه الخلاص في الإنسان المتعالي، يرى الرفاعي الخلاص في الإنسان العارف. في فكر الرفاعي، الدين هو ما يملأ الفجوة بين وجود الإنسان وحدوده، وما يعيد له المعنى بعد أن فرّ من الإله المؤدلج إلى الفراغ.

في هذا الامتداد، يصبح الغزالي أصلا روحيا، وهايدغر مرشدا أنطولوجيا، وفوكو ناقدا للسلطة، وليوتار محلّلا للتفكك، ونيتشه صرخة إنذار ضد موت الروح. أما الرفاعي، فيوحّد هذه الأصوات في نغمة واحدة بأن لا خلاص من العدم إلا بالمعنى، ولا معنى بلا إله، ولا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان ذاته. لذلك حسب ما ورد: “التديّن الذي لا يُنقذ الإنسانَ من خوائه الوجوديّ، ولا يروي عطشَه إلى المعنى، هو تديّنٌ يطفئُ الروحَ لا يُحييها” (صـ165). في نهاية رحلتي القرائية التأملية الممتعة لكتاب ” الدين والظمأ الأنطلوجي”، انجلى عنّي اللبس كما للقارئ، بأنّ الدين عند الرفاعي ليس لاهوتا، بل أنطولوجيا للرحمة، وسيرة للمعنى في صحراء الوجود. الإنسان فيها لا يطلب الله لينجو، بل ليكون؛ لأن الله، في فكره، ليس الغاية التي تُدرك، بل الطريق الذي لا يُفارقنا ونحن نسير فيه إلى ذواتنا، إلى المعنى الذي يسكننا منذ الأزل، للننجو بواسطة ذواتنا في طريقنا إلى الله.

[1] كاتبة من الجزائر.

https://al-aalem.com/%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC/

الحريّة منزعًا أصيلاً في فكر الرفاعي

الحريّة منزعًا أصيلاً في فكر الرفاعي

د. وسام حسين العبيدي[1]

الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين

لا يخرج قارئ عبد الجبار الرفاعي في كتاباته التي تخصُّ حقل الدين والتفكير في قضاياه وإشكالياته، إلا بكلِّ ما يُعزِّز الجانب الإنساني، وأعني بالجانب الإنساني، ذلك الذي ينتصر للإنسان بوصفه القيمة العليا في هذا الوجود، وهو الهدف والغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين، وبهذا لا بدّ من أنْ يكون النصُّ الديني في خدمة القيم الإنسانية لدى الإنسان، وليس العكس، بما وجدناه عند كثير من الذين أرادوا قلب المعادلة، عبر تأويلات تعسّفت بالنص الديني، وأبعدته عن غايته الأساس، بما آل إليه حال كثير من الجماعات والمذاهب والتيارات على مدى التاريخ، كان لأصحابها قراءاتهم للمدوّنة الدينية، بما ينسجم وتطلّعات تلك الجماعة أو ذلك المذهب، وكانت النتيجة أنْ صُودِر النص الديني من غايته الأساس في رفع مناسيب القيم الأخلاقية لدى البشر، والارتقاء بنزعاتهم لما فيه خير الإنسان بغضِّ النظر عن انتماءاتهم أو توجّهاتهم، وهنا يطرق الرفاعي نواقيس الخطر في كتابه المهم “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” بالتحذير من هذه القضية، عبر منافذ عدّة، كان أولها في مبحثٍ بعنوان: (الرحمة الإلهية مفتاح فهم القرآن) بادئًا بالقول فيه: “الرحمةُ صوتُ الله، ومعيار إنسانية الدين. لا يُؤتي الدينُ ثمارَهُ ما لم يكن تجربةً إيمانيةً تنبضُ فيها روح المؤمن بالرحمة. الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين، فكلُّ دينٍ مفرغٍ من الرحمة يفتقد رسالته الإنسانية” (ص: 17) وهذه الخلاصة التي يُقدمها لنا الرفاعي تُمثِّل الأساس الذي يُعوِّل عليه في تحريك المشهد المُلبّد بغيوم التباغض المُعلن عنها أو المخفيّ في قراءات ممثِّلي الجماعات الدينية والمذهبيّة – أيًّا كان ذلك الدين أو المذهب – ومن خلال تلك القراءات الأحادية، يتخندق كلُّ جماعةٍ بما لديهم من متاريس خطابيّة تؤثِّل وجودهم على حساب نسف المختلف عنهم، من دون مراعاة لأثر التجربة الفرديّة في تلقّي التعاليم الدينية، وبعبارةٍ أخرى: إنَّ إقصاء “الرحمة” وتمثّلاتها الدلالية: التسامح، التعايش، السِلْم، قبول الآخر، محدودية فهم الإنسان، ونسبية الوعي، على مستوى خطاب ممثِّلي الجماعات والمذاهب في المجال الديني، سببٌ في بقاء الدين غير فاعلٍ على المستوى التطبيقي عند هذه الجماعات، وجعله محدود المجال، الأمر الذي آل إليه حال كثير من المجتمعات المتديّنة، من تفشّي الأمراض الأخلاقية من كذبٍ ونفاق، وشهادة زور، ومن دجل، ومن طائفية وتعصّب مذهبي مقيت عند الأعم الأغلب من أتباع الأديان والمذاهب؛ لتجرُّد الدين من أهمِّ رسالة يُبشِّر بها ويدعو الناس إلى اعتناقها متمثِّلةً بالرحمة، وبافتقادها يخبرنا الرفاعي، أنَّ الدين يفتقد رسالته الإنسانية، التي من دونها لا يكون سوى خطابٍ يدعو إلى الكراهية وإلى العنف، وإلى نبذ الآخر المختلف، وإلى الانكماش حول الفهم السلفي للمتن الديني لقرونٍ خلت، بوصفه الأصل وما عداه فهو الخروج والضلال..! ومن هذا المنطلق، تناول الرفاعي بإسهابٍ وتفصيلٍ منطق “الفرقة الناجية” بوصفه أحد أبرز إفرازات إقصاء الرحمة وتمثّلاته الدلالية في الخطاب الديني، هذا المنطق الذي استدعاه وتبنّاه الأصوليون – لا بالمعنى الفقهي – المتشدِّدون، واعتاشوا على فتاته، وغيّبوا في طيّاته كلَّ موردٍ يُتيح فرصةً للآخر المختلف عنهم بشرعية الوجود قبالتهم، وذلك بعودة الرفاعي إلى المتن الأصل متمثّلا بالقرآن الكريم، بالدرجة الأساس، وهذه الإحالة تضمن لصاحبها عدم الوقوع “في شباك التفسيرات والمرويّات المتراكمة، وأنْ يعتمد القرآن مرجعيةً يستكشف في هديها صورة الله، ومنطق الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها” (ص: 28) وهذه العودة لا يُفهم منها الانكفاء على أدوات التفسير التي تبنّاها السلف من المفسِّرين، وسار على نهجهم كثير من المعاصرين، وإلا لم تكن النتيجة بأفضل مما توصّل إليه السلف، من غلبة “لغة العنف على لغة الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسري القرآن وفقهاء الإسلام كل هذا الرصيد الدلالي المكثّف للرحمة، وصارت فاعلية دلالة آية السيف في القرآن مضافًا إلى ما تتسع له مصنّفات الحديث من روايات تعضِّد مضمونها، هي الأشد أثرًا والأوسع حضورًا في القول والفعل في الحياة السياسية لمجتمعات عالم الإسلام” (ص: 28) بل العودة بفهم لا يُشيح النظر عن المعارف الإنسانية التي أخذت حيّزها في ساحة الفكر، إيمانًا منه بأنَّ الخطاب الديني خطابٌ ينتمي لكل عصر، من حيث الفهم والتلقّي، ولا ينتهي فهمه عند من نزل عليهم ذلك الخطاب، وإلا عاش غريبًا بعيدًا عن هموم الناس وإيقاع الحياة المتطوِّر.

الحرية المعرفية في فهم الدين

من هذا المنطلق، دعا الرفاعي إلى التحرُّر من غلالة الفهم السلفي للخطاب الديني، مؤمنًا بقدرة المعارف الإنسانية وأثرها – فيما لو اضطلع الحكماء من الباحثين الذين قتلوا القديم فهمًا وانطلقوا منه لفهم المعاصر من المعارف والعلوم الحديثة – في استيلاد دلالات أُخَر لم يلتفت إليها السلف، وهذه الرغبة تكرّرت لدى الرفاعي في أكثر من مواطن من كتابه سالف الذكر. هذه الحرية المعرفية في فهم الدين لدى الرفاعي، لم تتأتَّ لديه إلا بعد قطعه شوطًا طويلاً مع المعارف التراثية في فهم الخطاب الديني وتلقّيه مثّلت حاضنته الأولى الحوزة، وبعد سبره تلك المعارف، لم يقف مكتوفَ الأيدي، بل انطلق يباشر ما جدَّ من معارف حديثة في ميدان الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والفكر العربي وتطبيقها في المجال الديني، منطلقًا في رؤيته تلك، أنَّ “أبديّة أيِّ نصٍّ مقدّسٍ تعني أنَّه نصٌّ ذو كثافةٍ دلالية، إذ تتعدَّدُ وتتنوَّعُ دلالاته تبعًا لتنوُّعِ ظروف الإنسان وأنماط حياته، وتبعًا لتنوُّع وتعدُّد سياقات التلقّي في العصور المختلفة. وإنَّ الخلطَ بين سياقات عصر البعثة وعصرنا يُخرِج القرآنَ من حياتنا، ذلك أنَّ سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات إنسان الأمس في عصر البعثة، وهي تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مُجدَّدًا على الحياة، لتلبية احتياجات إنسان اليوم للمعنى الديني” (ص213) وإذ يُقرِّر الرفاعيُّ لنا هذه الحقيقة التي يؤمن بها، فهو في الوقت نفسه لا ينسى الضريبة التي تعرَّض لها أولئك الباحثون ممّن تناولوا النصَّ الدينيّ، عبر أدوات البحث التي استجدّت بفعل تطوُّر المعارف الإنسانية وتشعُّبها وتعمُّق مباحثها، فقد “واجهت مقاومة عنيفة، إذ نعتَها بعضهم بالعدوان على أمجاد الأمّة، ومحاولة طمس ماضيها المُشرِق، وجرى التشهير بكلِّ باحثٍ عَمَد إلى إفشاء أسرار عمليّات سوء فهم وتحريف وتزوير مفاهيم ومقولات ووقائع الماضي، أو حاول الكشف عن محاولات حذف وإقصاء معتقدات لا تتناغم مع الآيديولوجيا التبجيلية التسلّطية المهيمنة، أو سعى لإشهار المهمّش والمسكوت عنه، أو فضح سطوة وقمع السائد والمتغلِّب في التراث، وهكذا فإنَّ كلَّ قراءةٍ للنصِّ الديني تتخطّى التفسيرات المُغلقة القديمة لا تمرُّ من دون ضريبة” (ص212). ولا يخفى ما نتحصّله عبر هذا المقتبس من احتجاجٍ بليغ يضعه الرفاعي بين يدينا، على أولئك الذين تمثّلوا موقف الدفاع الأعمى عن التراث، بما تسبّبَ في هدر مساحة العقل والتفكير العقلاني في النص الديني، في الوقت نفسه يكون مثل هذا الموقف “المتزمِّت” سببًا لقطع أوردة سيرورة النص وإدامة تفاعله مع المتلقّي، بحكم ما أُحيطَ به من قراءات احتكرت دلالته دون سواها، وهي في كل الأحوال تبقى قراءاتٍ مرتهنة لظرفها التاريخي.

وإذا أردنا القبض على فكرة الكتاب الرئيسة من بحوثه التي تعدّدت، بمقتضى كون بعضها تمّ نشره فيما سبق منفردًا بوصفها أوراق مؤتمرات، فإنَّ فكرة الحرّية/ التحرُّر لم تُغادر مبحثًا واحدًا من مباحث هذا الكتاب، إذ نجدها تلوحُ لنا في كل مبحثٍ عبر تمثُّلاتٍ متنوّعة، يظهر بعضها بصورة مباشرة عبر دعوته إلى ضرورة “الرحمة الإلهية بوصفها مفتاح فهم القرآن” ولا يخفى أنَّ تبنّي هذه الفكرة يدعو للتحرُّر من العصبية التي تحيط كل جماعة من الجماعات الدينية، فالرحمة في حال تبنّيها تكسح ما تكلّسَ من قراءة ضيّقة للنصِّ الديني، وحصر دلالته الرحيبة بهذه الجماعة أو تلك، بإبطال الأحكام التي تفوِّض الحقّ والأولوية بفهم النص الديني، وإحلال الآخر المختلف مقامًا يليق بإنسانيته على أقل تقدير.

تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة

أما المبحث الذي يليه، فكان بعنوان: “تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة” فهو أيضًا يتحرّر من التصورات السلفية لمفهوم الدولة، مستفيدًا من توصّلات المعارف الحديثة، وفي مقدمتها علم الاجتماع السياسي، بأن الدولة “ظاهرة حيّة، تنمو وتتطوّر مفاهيمها، ويُعاد تكوينها تبعًا لتراكم تجربتها وتنوُّعها عبر الزمان” (ص: 46)، بما يفرض على الباحث إعادة النظر في المُسلّمات، وإخضاعها لمشرط البحث وأداوته الإجرائية، بعيدًا عن النظرة الطوباوية التي انطلق منها كبار فقهاء العصر الحديث في تصدِّيهم لعرض هذا المفهوم، ولما كانت الدولة لدى الرفاعي “ظاهرة اجتماعية مركّبة، إنها أهم وأعمق وأعقد مؤسسة ابتكرها الإنسان، فقد احتاجت البشرية، من خلال مسيرتها الطويلة في تاريخها، إلى آلاف التجارب الفاشلة، حتى استطاعت أن تبتكر ظاهرة الدولة” (ص: 45)، وهو تصوُّرٌ ينطلق من حيثيات التاريخ ووقائعه، وما أدلى به علم الاجتماع بهذا الشأن، في حين تجد التصور التوفيقي المخالف لهذا الطرح ينطلق من قامة شامخة متمثّلة بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر في حديثه عن مفهوم الدولة، بأنها “ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء واتّخذت صيغتها السويّة ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال” (الإسلام يقود الحياة: 3- 4)، بما يفرض على الباحث المنصف عبر هذا التصوُّر، التوصل لما استنتجه الراحل فالح عبد الجبار، بأن “منشأ الدولة ليس اجتماعيًّا، بل سماويًّا، وأنّها ليست أصيلة، بل مستحدثة” (المادية والفكر الديني – نظرة نقدية: 40)، وهذا الاستنتاج بعيدٌ كل البعد عن الواقع التاريخي أو ما يقرّه علم الاجتماع في هذا الشأن.  ولو لم يكن الرفاعي متحرّرًا في وعيه، وفي اطّلاعه المعرفي خارج أروقة الدرس الديني التقليدي، لما كان له أنْ يُغادر تصوّر مدرسة الصدر الفكرية، بما له من ثقلٍ معرفيٍّ في هذا الوسط، ناهيك عن خارجه، ولكان له أنْ يكتفي بترديد مقولاته، إن لم نفترض ترسيخ تلك المقولات والتدليل على صوابها لا أكثر.

في الحاجة إلى إنسانية إيمانية

في المبحث الذي يليه، كان العنوان: (في الحاجة إلى إنسانية إيمانية) لم يُغادر الرفاعي تلك النزعة – الحُرّية الفكرية – في استجلاء قراءةٍ جديدة لـ “أنسنة الدين” تختلف عن سابقيه الذين تناولوا الدين كأيّة ظاهرة بشريّة مقطوعة الصلة عن طبيعة وجود البشر، وتنصيب الإنسان بديلاً لله في كل شيء، في قبال الطرف الذي ينسى قيمة الإنسان ويُقصي كينونته ومتطلّبات تلك الكينونة البشرية على حساب الدين، تتمثّل قراءته لهذا المفهوم، بإنقاذ/ تحرير “المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد ضياعه في دينٍ سياسيٍّ لا يعرف الكثير عن هذا المعنى ولا يسعى لامتلاكه، ودينٍ فقهيٍّ يختزل الدين في مدوّنة أحكام قانونيةٍ تنسى الكثير من معانيه الروحية والأخلاقية والجمالية، ودينٍ كلاميٍّ يتيه فيه الدين في ظلام جداليات لا تنتهي لعلماء الكلام، ومُحاججات عقيمة تُميت القلب وتُطفئ شعلة الروح” (ص: 74) ونظرةُ الرفاعي في استجلاء هذا المفهوم – أنسنة الدين – تحاول أنْ توازن بين الطرفين، بأنْ تنشد دينًا لا يقطع الصلة بالله، مثلما لا يجهل الطبيعة البشرية، وهو في ذلك البحث يقف منتقدًا “النزعة الاستصحابية” لدى الكثير من دارسي القرآن الكريم، ممّن انشغل بالتفسيرات والتأويلات القديمة له، على حساب الرجوع للنص القرآني، بما صار استيعابها وهضمها الهمَّ الأساسي لأولئك الدارسين، متناسين “أنَّ كل هذه القراءات هي هوامشٌ وشروحٌ واجتهادات الآباء في فهم النص وتفسيره، وهي ليست إلا تمثّلات بشريةً للقرآن تنتمي لأفقها التاريخي، حدودُها الزمان والمكان واللغة وثقافة المجتمع، وكلُّ ما كان يسود العصر الذي أُنتِجت في فضائه” (ص: 78) بما أدى ذلك المآل – بحسب تعبيره- إلى نسيان الإنسان، بإنتاج قراءة مغلقة للنصوص الدينية، لم تكتف بنفي الإنسان وإقصائه باسم الله، بل أقصت مكانة الحياة الدنيا والتمتع بها باسم الآخرة، ونفت العمران البشري باسم العبادة، والذات باسم التكليف، والاخلاق باسم الفقه، والحريّات باسم العبودية لله، وحقوق الإنسان باسم حقوق الله، منتهيًا ذلك النفي بمحو الصورة الروحانية والرحمانية لله باسم التمسُّك بدين السَلَف ومُحاربة البِدَع والمستحدثات.

وهكذا شأن المباحث الأخرى من هذا الكتاب، لم يكن الرفاعي فيها إلا صاحب قراءةٍ تنبع من فهمه الإنساني للدين، مُتحرِّرًا فيها من غلالة الفهم السلفي لتلك المقولات والمفاهيم والقضايا الإشكالية التي عالجها السابقون، وكأنَّه أراد أنْ يقول لنا في كلِّ مباحث كتابه الجليل في فكرته، أنَّ اغتراب الدين لم يكن من أصل الدين، بل من الفهم الأحادي للدين، عبر مقولاتٍ لا تخرج من ظرفها التاريخي، ولا تصمد لتكون متراسًا لصدِّ كلِّ قراءةٍ تغاير ذلك التوجُّه السَلفي، لبُعدها عن روح النصِّ، بما شكّلت تلك القراءات حاجزًا يحول بين الدين والغاية التي ينبغي له أنْ يؤدّيها، ونتج عنها ذلك الاغتراب، فحاول مؤلِّف الكتاب أنْ يؤسِّسَ فهمًا للدين لا يُكرِّر ما تداولته الدراسات الحديثة “الناقمة” على الدين، ورؤيتها له بأنّه “وهم” أو “مُخدِّر” أو “تراث” أو “مرحلة من مراحل الوعي البشري” في الوقت الذي لا يُعيد تبني المقولات الوثوقية للسلف في فهم الدين، باحتكارهم تمثيل الله في الأرض، وأنّهم المخوّلون الحصريّون للتحدّث باسمه، ومن هذا المنطلق يُطلق الرفاعي دعوته لهؤلاء “إلى أنْ يكفّوا عن مطاردة الناس باسم الله، وانتهاك كراماتهم، والتضحية بحقوقهم وحرياتهم، باسم الدفاع عن الله، وحماية الدين والتديّن (فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين) وقد خلق الناس أحرارًا، والحرّية ضرورةٌ دينية، يفرضها انبعاث حياة روحية وأخلاقية صادقة لا يُلوِّثها نفاق، وهي شرطٌ لكل تديُّنٍ حر” (ص: 14) وبهذا يتأكّد للقارئ أنَّ الحرّية الفكريّة كانت الرائد الأساس في فهم الرفاعي للدين وبيان غاياته وأهدافه، بما ينسجم وتطلّعات الإنسان ومحدودية فهمه، وارتهانه لظرف الزمان والمكان، وما يُمثِّل وجوده الإنساني والفكري، من خلال الانفتاح على المناهج الحديثة في العلوم والمعارف الإنسانية والاجتماعية وتطبيقها على فهم الدين وقراءة النصوص الدينية، وهذا بحسب رأيي ما كان يدعو الرفاعي لتحقيقه في فهمنا للدين وإنقاذه من غربته التي تزداد يومًا بعد آخر، بفعل سوء فهم التعامل البشري معه بين إفراطٍ وتفريط.

[1] أستاذ في كلية الامام الكاظم في بابل / العراق.

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%B2%D8%B9%D9%8B%D8%A7-%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/

الاغتراب والقلق الوجودي

الاغتراب والقلق الوجودي

حسن الكعبي[1]

مفهوم (الظمأ الأنطولوجي) من المفاهيم التي اجترحها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي للتعبير عن ظمأ الانسان الى ما يثري وجوده، وهو بتعبيره “الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، لأنه ظمأ الكينونة البشرية، باعتبار أن وجود الإنسان وجود يحتاج إلى ما يثريه. فظمأ الانسان في بعده الانطولوجي متجذر فيه ومهمين على وجوده بالكامل، وهو المفهوم الوحيد الذي بإمكانه أن يجيب عن تساؤلاتنا حول سيادة ظاهرة الإرهاب وتفشيها بين الشباب في الغرب وغيره، ممَّن هم في كفاية معاشية، وبعضهم يعيش ترفاً مادياً، وفي هذا الإطار يتساءل “فما الذي يدفعهم للهجرة إلى ولائم الذبح، وحفلات الرقص على أشلاء الضحايا في بلادنا. والتسابق على الانخراط في وحشيّة عبثيّة، تتلذَّذ بالدم المسفوح، وتتهافت على مغامرات مهووسة في العمليات الانتحاريّة؟”. ويجيب “إنَّ ذلك يعود إلى ما يعانونه من ظمأ أنطولوجي للمقدَّس، وبسبب رتابة الحياة، وذبولها وانطفاء المتعة التي تمنحها لهم الملذَّات الحسِّية”.

والظمأ بما هو تعبير عن الحاجة والنقصان والفقر، فهو ينطلق بالأساس من مفهوم الاستلاب والاغتراب بأنواعه والتي تنبع بالأساس من الاغتراب الميتافيزيقي – الديني، لكن بمنظور يغاير تصورات فيورباخ الذي يرى “أنه لا يوجد تباين واختلاف بين الطبيعة الإلهيّة والطبيعة البشريّة أي أنّ الإنسان نزع عن نفسه صفاته وتنازل عنها لله – أي أن الله أنموذج ذهني من تصورات الانسان ذاته – ونتج عن ذلك اغترابه وضعفه وعجزه واستلابه وقد ربط فيورباخ الاغتراب بالدين واعتبره المصدر الأساس للاغتراب، حيث أن فكرة الله تسلب الإنسان ذاته وذلك لاعتقاده بوجود قوة مفارقة له متميزة ومختلفة، وبذلك فالاغتراب الميتافزيقي هو غير أشكال الاغتراب الأخرى. يقول الرفاعي: “الاغتراب الميتافزيقي كما أصطلحُ عليه، هو اغتراب وجودي عن العالَم الميتافيزيقي. وهو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاغتراب الاجتماعي والاغتراب النفسي والاغتراب السياسي. ينشأ هذا الاغتراب عندما يحبس الإنسانُ وجودَه بالوجود المادي الضيق، فيختنق باغترابه عن الوجود الميتافيزيقي. وينتج عن ذلك تمزق الكينونة الوجودية للإنسان وضياعها بتشرّدها عن الأصل الوجودي لكلِّ موجود في عالَم الامكان. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتّصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتّصال الوجوديّ يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقيّ. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أنَّ وجودَ الذَّات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي”.

نقطة الاختلاف تكمن في أن الخلاص من الاغتراب في الأنواع الأخرى لا يعني الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي، والى هذا يشير الرفاعي: “على الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاص من الاغتراب في هذه الأنواع لا يعني الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي”. ويرجع الرفاعي أسباب عدم القدرة من الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي “لأن الاغتراب الميتافزيقي اغتراب لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالة من الاغتراب تنتج القلق الوجودي إذ بعد أن يفتقد صلته بإلهه يفتقد ذاته”. بمعنى أن الكائن البشري لا يمكنه الخلاص من اساس اغترابه، الا إذا استطاع ان يجد تلك الصلة بينه وبين إلهه فيصل الى حالة من التسامي والتصالح مع الذات وحبها. وطبعاً قد تختلف رؤية الانسان للإله فقد يكون الإله عند البعض هو المال او المادة المشبعة لأنواع الغرائز أو هو شخص ما أو عقيدة ما أو رمز ما، لكن ما يقصده الرفاعي بالإله هنا هو الله تعالى كحقيقة مطلقة يصعب إدراكها؛ لذلك فإن البحث عنها يظل دائماً هو الهدف من خلق الانسان للارتقاء بذاته وتساميها في رحلة البحث هذه، ولذلك فهو يقول بخلاص الانسان من أنواع الاغتراب من دون التمكن من الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي إلا في حالة الاقتراب من الحقيقة المطلقة حيث يتحول المنظور”الى الإله من منظور عدائي الى منظور قائم على الحب” بمعنى أن الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي يكمن في الدين بتجلياته الروحية والأخلاقية والجماليّة.

الإنسان كما يشير الرفاعي “كائنٌ متعطِّشٌ على الدوام إلى ما يرتوي به، ومن خلال البعد الأنطولوجي في تصوراته: يمكنه العبور إلى جوهر الدين، وبه يرتوي الظمأ للمقدَّس، وبه يتذوَّق الأبعاد الجماليّة، ويدرك ما يفيضه الدينُ على مشاعر المتديِّن في عالمنا، من جمال”، ومحبة وتسامح نابعة من منظومة تيولوجية مترشّحة عن الدين كحقيقة انطولوجية لها تجلياتها الجماليّة التي تروي ظمأ الانسان الى الكمال، وهي بذلك تختلف عن حقيقة الدين في طابعها الايديولوجي الذي يسيس وجودنا دون أن يثريه.

[1] كاتب عراقي.

 

https://altanweeri.net/12790/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A/

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

د. عبد الجبار الرفاعي

يولع بعضُ المثقفين والكتّاب العرب بشذرات النفّري في “المواقف والمخاطبات” وأمثالِها من نصوص العرفاء، ذاتِ الكثافة الدلالية والاستبصارات المضيئة، ويستشهدون بها وينشرونها ويكتبون عنها، ويتعطّش بعضُهم لحياة العرفاء الروحية وصلتِهم العميقة بالله، المؤسَّسة على المحبة والتراحم وتذوّق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. يحاولون أن يتصيدوا تجربةَ النفّري والحياة الروحية لأمثاله، بالتقاط كلماتهم، غير أنههم يفشلون في تذوّق بهجة الروح باستبصارات أولئك الروحانيين الحاذقة. لم يدرك هؤلاء أن الحياةَ الروحية حالةٌ وجودية معيشة لا يتحقّق فيها الإنسانُ ما لم يبني صلةً حيّة بالله. هذه الصلة لا طريقَ لها سوى العبادة بكيفياتها المتعارَفة في الأديان، إن كان مسلمًا عليه أن يؤدي الصلاة، وإن كان يدين بديانةٍ أخرى عليه أن يؤدي الطقسَ على وفق تكريس الحياة الروحية فيها.كلامي هنا في سياق مناقشة بعض الذين يدعون للاكتفاءِ بالتأمل والتفكير الواعي اقتباسا من بعض الأديان الآسيوية، والاستغناءِ عن الحاجة للصلاة والعبادات في الأديان. التأمل والتفكير الواعي ضروري، لكنه ليس بديلًا عن الصلاة والعبادات. لا يتكرّس الإيمانُ ويلبث حيًّا فاعلًا في البناء والعمل الصالح إلا بعبادةٍ يومية في إطار ديانة الإنسان.

أعرف محققًّا تخصّص في إحياء تراث العرفاء وشغف بآثارهم كلَّ حياته، وبذل جهودًا مضنية في تحقيق نصوص ثمينة لهم. لبث سنوات طويلة ينقِّب في خزائن المخطوطات، وينهك نفسَه في البحث عن رسالة أو كتاب غير منشور، واستطاع بمهارةٍ فائقة اكتشافَ نصوص نفيسة منسية أو مجهولة، وتحقيقَها باحتراف خبيرٍ، وإخراجَها للنور من ظلام أقبية خزائن المخطوطات.كان يتوهم بإمكانية بناء صلةٍ حيّة بالله بلا عبادة، بل كان يعوّض العبادةَ بالكحول، وجد نفسَه كلّما شرب افتقر للمعنى الروحي الذي يتذوق قراءته بتلذّذ في آثار العرفاء.كان يشتدُّ ظمؤه الأنطولوجي، وتنطفيء شعلةُ حياته الروحية، ويتفاقم اغترابُه الوجودي، فيسرع لإرواء ظمئه ومداواة اغترابه بالكحول. تراه كأنه يهرول وراء سرابٍ يحسبه ماء، حتى تاه متسكعًا في حالة من الغثيان والسأم المضجر، وهو يلهث بغيةَ أن يقبض على شيءٍ من سكينة الروح وطمأنية القلب. في غفلةٍ منه وجد نفسَه مدمنًا، لا يمكنه الإفلاتُ من البئر المظلم الذي غطس فيه، فمضي دون جدوى يغوص في طبقاته، وصار كلّما غرق في الكحول أشد تعاظمت غربتُه واغترابُه في العالَم، وأكلته وحشةُ الوجود، ونضب أيُّ منبعٍ للمعنى في حياته. بعد أن ضاع هو، ضيّع عائلتَه، وتزلزل وانهار بيتُه، وفقد وعيَه، وانطفأت بصيرتُه، وعجز عن التوقف للحظة ومراجعة مسيرته، والنظر بهدوء إلى عبثه بنفسه وخسارته لذاته، ولكل ِّشيء ثمين في حياته. أخيرًا ساقه هذا الطريقُ المظلم لمغادرة الحياة عاجلًا، بعد أن أحرق الكحول أحشاءه.

لا أتحدث عن الحياة الروحية بوصفها تديّنًا شكليًّا، الذي هو نمط تديّن سطحي دعائي مجوّف، لا تغذيه صلة حيّة بالله، ولا يحضر فيه شيءٌ من روح الدين ومقاصده في مواقف وسلوك المتديّن، ولا يشعر صاحبة بسكينة وسلام باطني. ويستعملُ هذا التديّنُ بوصفه قناعًا لأغراض الوجاهة، ولتسويقِ شخصيات لا تتصف بالحدِّ الأدنى من طهارة القلب واليد واللسان. إنه تديّنٌ مفرّغٌ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي. تديّنٌ يضعُ معاييرَ ظاهريةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الروحي والأخلاقي للإنسان. ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّن زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّن إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًّا لنفور الناس من الدين.

أتحدث عن الحياة الروحية والإيمان بوصفه كائنًا حيًّا يقظًا فوّارًا، وبوصفه أمرًا وجوديًّا، لا يتحقّق ويزدهر من دون روافد يستقي منها وجودَه، وتتجدّد بها حياتُه. إنه جذوةٌ مشتعِلة، وهذه الجذوةُ بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئًا فشيئًا حتى تنطفئ. مالم تتكرّر الطقوسُ والصلاةُ في سياقِ تقليدٍ عباديٍّ مرسومٍ، يذبل الإيمانُ ويذوي حتى يصير حطامًا. الإيمانُ بمثابة حديقة الأزهار، مالم نواظب على سقيها تذبل وتموت وتندثر. الصلاةُ والطقوسُ كأنها ينابيعُ مياه عذبة صافية تسقي حديقةَ الإيمان، لولاها لاندثر وأصبح هشيمًا تذروه الرياح. ينعكس تكريسُ الروح وإرواءُ ظمئها على بناءِ الإرادة وترسيخِها على الدوام، وهذه من الأغراض الأساسية للعبادة في الأديان، ‏وإن كانت هذه العبادةُ تنحرف عن غايتها الأصلية، وتُستعمل أحيانًا في وظيفةٍ مضادة.

اهتمَ كلُّ دينٍ معروف اهتمامًا واضحًا بالعبادة، وحرصتْ كلُّ الأديان على رسم تفاصيلها بجلاء، وحذّرت مَنْ يتّبع الدينَ من أدائها كيفما يشاء خارج رَسمها المحدّد، لأنه يهدر وظيفتَها ويمسخ هويتَها. القولُ بأن لكلِّ شخص عبادته وصلاته الخاصة كلامٌ غريبٌ على منطق الأديان وروحها، وما ترمي إليه العبادةُ فيها، وأغربُ منه محاولاتُ بعض الناس ترقيعَ والتقاطَ عناصر متضاربة من أديان مختلفة في عباداتها وطقوسها وشعائرها، وخلطَ بعضها ببعضها الآخر، ولصقَها بصورة متناشزة مشوّهة، وممارستَها بشكلٍ يمحقُ الدينَ، وينتحلُ حالةً مشوهة للإيمان.

إن تاريخ الأديان الطويل ينبؤنا بأن العبادات تشكِّل رافدًا يغذّي الصلةَ الوجودية الحيّة بالوجود المطلق، الذي يتجلى في كلِّ دين على شاكلة شريعة أتباعه. وأن ما تتميز به العباداتُ يكمن في اشتراك ماهيتها وصورتها بين أتباع الدين الواحد. ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا عباداتهم خارج إطار شريعتهم، أو يلتقطوا عناصرها من أديان متنوعة كيفما يشاؤون.

في ضوء هذا المفهوم للعبادة في الأديان، نجد الهندوسي يؤدي طقسَه وعبادتَه الخاصة في معبده، وفي المسيحية يؤدي المسيحي قدّاسَه في كنيسته، وفي الإسلام يؤدي المسلمُ صلاتَه في مسجده. كيفيةُ القدّاس الذي يؤديه المسيحي في الكنيسة، تختلفُ عن كيفيةِ طقس الهندوسي في معبده، وتختلفُ عن كيفيةِ صلاة المسلم في مسجده، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. لا ننكر التشابهَ في بعض عناصر العبادات والطقوس والشعائر في الأديان، الذي يعبّر عن مشتركات الأديان والثقافات في المجتمعات المختلفة، إلا أننا لم نجد تطابقًا وتماثلًا كليًا بينها، لكلِّ عبادة بصمتُها الخاصة ولونُها الذي يعكس صورةَ الديانة المشتقة منها. لكلِّ إنسان حياتُه الروحية، روحُ الإنسان تتغذّى من العبادات المشترَكة في ديانته. صلاةُ الحلاج والبسطامي والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي ومحمد حسين الطباطبائي، وغيرهم من العرفاء، هي صلاةُ الإسلام ذاتها، غير أنهم تهذّبوا وتسامت أروحُهم بنور الله، وابتهجوا بمحُبّته[1]. الحياةُ الروحية تتحقّق في سياق شريعةٍ محدّدة، الحياةُ الروحية تتطلب أن تستقي على الدوام من العبادة الخاصة بهذه الشريعة، بوصفها من سنخها وترتسم فيها صورةُ الديانة، وينعكس فيها شيءٌ من عناصر البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان. فلو ركّبَ الإنسانُ على ديانته تقليدًا عباديًّا مستعارًا من ديانةٍ أخرى،كما لو أن مسلمًا كان يمارس تقليدًا طقوسيًّا هندوسيًّا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين طقسٍ ترتسم فيه صورةُ ديانةٍ غير ديانته، وبين الحياة الروحية في أفق ديانته. لكلِّ ديانةٍ طقسٌ خاص من جنسها، بمعنى أنه مشتقٌّ من طبيعة البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان، وكيفية رؤيتها للعالَم، وبصمة الحياة الروحية فيها[2].

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين الظمأ الأنطولوجي، ص 72، ط 3، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار التنوير، بيروت.[1]

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 63-64، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.[2]

 

https://alsabaah.iq/94527-.html?fbclid=IwAR1t9g3ADIAFOA1_Gpg5WY9y2M_WzsE4kD-ggq_RjjTn9zI2FYkCVL1yVhE_aem_Aa1opZqmQtqu5LMt361QvaqUGKyNucnYCpwIv3bTGZyfwt9mrT6xVf77E-TAA2B4249CXb6IX5Z-Pdyfag4LzQUO

عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

د. أحمد سالم، مدير الندوة أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا بمصر

بعد فترة انقطاع طويلة عن المشاركة فى أنشطة معرض القاهرة الدولى للكتاب، أعود لإدارة جلسة المفكر العراقى الكبير عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: “الدنيوي والديني في ضوء #علم_الكلام_الجديد“… وهو أحد أبرز الأسماء فى العالم العربى. وهو المفكر الذى إرتقي فى رؤيته للدين من الحدود المذهبية الضيقة إلى الأفق الإنسانى الرحب. وهو المفكر الذى رأى المقدس فى الأفق الإنسانى المتعدد الفهم. وهو يؤمن بأن الدين هو معين القيم الأخلاقية الكبرى كالحرية والرحمة والمحبة. عبر العين العرفانية كانت اجتهادات عبدالجبار الرفاعى فى فلسفة الدين. وأهمية الدين فى حياة الإنسان. قبل الندوة التقيت بالمستشار عبد الجواد ياسين وبعض الأصدقاء على كافيه “مقهى” أبو عوف فى معرض الكتاب .. فى الساعة السادسة أدرت حوارا جميلا مع القامة الكبيرة الدكتور عبد الجبار الرفاعى عن رؤيته الإنسانية لتجديد الفكر الدينى. وكان حضور الجمهور ممتازا بالقاعة ..كما شرفت  سفيرة العراق بمصر بحضور الندوة … وسفير اندونسيا بتونس مع مجموعة من التلامذة الأندونيسيين بجامعة الأزهر. وكان أجمل ماسمعت بالأمس هو كلام سفير اندونسيا للدكتور عبد الجبار الرفاعي عن سعي السفير الدؤوب لنقل كل ما يكتبه باللغة العربية إلى اللغة الاندونسيه، لأنه يدرك بعمق قيم التسامح التى يدعو لها فى مؤلفاته، وأهمية دور القيم الأخلاقية فى مشروعه الفكرى. ولقد حضر جمع من التلامذة الاندونسيين الذين يدرسون بالأزهر بصحبة السفير. وكم تشعر بجمال الدين مع مسلمى جنوب شرق آسيا. أدركت كيف أن المفكر ينكفي على عمله سنوات لكى يخرجه مكتوبا بين دفتى كتاب، ولكنه لايدرك حجم تأثير مايكتبه، الا حينما يرى أفكاره قد طارت عبر المكان والزمان لتصل إلى قراءه…حقيقى كنت فخور جدا برؤيتى لمدى تأثير ما يكتبه عبد الجبار الرفاعى فى أناس يختلفون عنه فى العرق واللغة، ويتوافقون معه  فى الدين بروحه المتسامحة … كم هى رسالة الكاتب مؤثرة، حين يكتب بصدق يصل صدق ما يكتبه إلى قلوب الآخرين …نورت مصر دكتور #عبدالجبار_الرفاعي.

https://www.almothaqaf.com/e2/973633-%D8%B9%D9%86-%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

 

من الفهم الى الأنطولوجيا .. في سوسيولوجيا الدين: قراءة للدين والظمأ الأنطولوجي

من الفهم الى الأنطولوجيا .. في سوسيولوجيا الدين

قراءة للدين والظمأ الأنطولوجي

 

د. فاطمة الثابت[1]

لكي نقبل هذا العالم يجب أن نرفض هذا العالم، فالوجود أستُهلك إلى درجة الأضمحلال، وهناك تناقض فعلي بين تأمل العالم وبين تحويل العالم، ومن هنا تبرز ضرورة توظيف الفهم الحقيقي للدين ليرتوي “الظمأ الأنطولوجي”.

من منظور اجتماعي، تتضمن أنطولوجيا الدين دراسة طبيعة الكيانات والتجارب والظواهر الدينية في إطار الهياكل والمؤسسات والتفاعلات الاجتماعية. يدرس علماء الاجتماع كيف يشكل الدين المجتمع ويهيكله، وينظرون إلى البناء الاجتماعي للواقع الديني. من أهم القراءات السوسيولوجية للدين قراءة إميل دوركهايم، عالم الاجتماع الرائد، الذي تناول دراسة الدين من منظور وجودي، لا سيما في عمله الأساسي: “الأشكال الأولية للحياة الدينية” الذي نشر عام 1912، كان دوركهايم مهتمًا بفهم الطبيعة الأساسية وجوهر الدين داخل المجتمعات البشرية.

كما قدم ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني، مساهمات كبيرة في الفهم الاجتماعي للدين من خلال كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية “، بينما ركز إميل دوركهايم على التكامل الاجتماعي والجوانب الجماعية للدين، كان نهج فيبر أكثر دقة وشمل باستكشاف تجربة الفرد الذاتية، وتأثير الأفكار الدينية على التغيير الاقتصادي والاجتماعي، حيث وظّف (الفهم). كان نهج فيبر في فهم الظواهر الاجتماعية، بما في ذلك الدين، يرتكز على مفهوم “Verstehen”، وهو ما يعني الفهم باللغة الألمانية، وشدد على أهمية فهم المعاني الذاتية التي يعلقها الأفراد على أفعالهم ومعتقداتهم وتجاربهم. في دراسة الدين كان هذا يعني الاهتمام بالتجارب الحياتية للأفراد والمعاني التي ينسبونها إلى الممارسات الدينية.

وبغض النظر عن السياقات التاريخية التي ميزت بداية وجهات النظر الحداثية وتأثيرها الدائم، فضلاً عن الظهور اللاحق لاتجاهات ما بعد الحداثة، التي كشفت عن نقاط الضعف في العديد من الأيديولوجيات الحداثية، أو من زاوية مختلفة، النظر في إعادة تشكيل المشهد الفكري عالميًا، إن الحاجة ملحة إلى فهم جديد خاصة في العصر الحالي، بعد تراجع الهيمنة الأيديولوجية للفكر الغربي، أصبح من الضروري بالنسبة لنا أن نفهم فهمًا جديدًا واقعنا.

هذا الفهم يبدأ من تشخيص دقيق لأزمة التديّن، حيث يبين د. عبد الجبار الرفاعي: “إن ما وضع الدين اليوم في مأزق تأريخي، هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي الى المجال الأيديولوجي هذا من جهة، ومن جهة أخرى ازدراء بعض النخب للدين واحتقارهم للتديّن، أثر الفهم الساذج المبتذل لحقيقة الدين في فهمهم، والصدور في أحكامهم من نمط التديّن الأيديولوجي الشائع”.

في رحلة عميقة من الذات ينتقل بنا الرفاعي الى الوجود الإنساني، حيث يعتبر “الإيمان تجربة ذاتية، خلافًا للفهم والمعرفة، لا يتحقق الإيمان بالنيابة، بوصفه تجربة تنبعث من الداخل، وصيرورة تتحقق بها الروح وتتكامل، ونمط وجود يرتوي به الظمأ الأنطولوجي للكائن البشري”. مَن يقرأ الفصول الأولى للكتاب وما بعدها يفهم هذا النص بتجلياته، يبدأ كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي” بنسيان الذات، ثم نسيان الأنسان، ليصل الى التجربة الدينية وأزمة الظمأ الأنطولوجي، وبعدها يقف على الاحتكار الأيديولوجي لإنتاج المعنى الديني، ويخرجنا من هذه الأزمات الى ضرورة تجديد الفكر الديني. مما يؤدي في النهاية إلى استكشاف التجارب الدينية والتعطش الوجودي للمعنى، فهو يدقق في أزمة الشوق الوجودي، ويواجه احتكار الأيديولوجيات لإنتاج المعنى الديني. وبذلك ترشدنا رحلة الرفاعي إلى الخروج من هذه التحديات الوجودية، وترسم خارطة طريق لتجديد الفكر الديني.

وفي تنمية هذا الفهم والانغماس في الأعماق الروحية لهذه المعاني، هناك تجنب متعمد للابتعاد والازدراء تجاه الذات أو نقيضها، وبدلًا من ذلك، يبدأ الاستكشاف من الذات، ويمتد نحو الوجود، ويرسم صورة متكاملة للوجود الإنساني.

[1] أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة بابل في العراق.

حدود الديني والدنيوي

حدود الديني والدنيوي

د. عبد الجبار الرفاعي

كلُّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة. وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه.

نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يُعادُ فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

 

يجدُ القارئ في موضوعات كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”،كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى، التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف وتراكم الخبرات البشرية، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًّا للحاجة الروحية والأخلاقية إلى مشكلة تهدِّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا.كثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرُّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الإنسان، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية.

في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشفَ في كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجال الدنيوي الموازي له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج تطبيقية متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي. يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية “إنسانية إيمانية”، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً، تتجلّى فيها أعذبُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

يأتي هذا الكتابُ رديفًا لغيره من كتاباتي، وهو يتوخَّى الغايةَ ذاتها، وما تنشده موضوعاتُما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الكتب هي “لاهوتُ الرحمة”، من أجل تخفيفِ وطأة “لاهوت السيف” الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم. إذ كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية، لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع الفكرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب “لاهوتُ السيف” على “لاهوت الرحمة”، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًّا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسِّري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان: “الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن”، والفصلِ الثاني الذي جاء بعنوان: “التصوّف المعرفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد”، وتناول بالشرح والتحليل كيف يغتربُ الإنسانُ وجوديًّا عن الله في لاهوتِ المتكلّمين، لأنّ ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكِي علاقةَ السيِّد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في علم الكلام القديم تَسَلُّطِيّ كالملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، يمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وُلدت عقيدةُ الجبر في أُفُقِ هذه الرؤية مبكِّرًا، وأصبحتْ منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. كما تناولت بالشرح والتحليل ما يمكن أن يقدمه التصوُّفُ المعرفي في تراثنا من تأمين الحاجة للمعنى الديني اليوم، بوصفه مَنْجَمًا ثمينًا للمعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ، وإن كان اكتشاف ما تزخر به طبقاتُ هذا المنجم يتطلّب وجود مُكْتَشِفٍ بارع يغوص في تلك الطبقات، فيصطاد الجواهرَ الغاطسة في ركام مَنْجَم فحم، مدون بلغة ضبابية أحيانًا، ولا يخلو من فائض أقوال وعبارات وشروح مملَّة في بعض المؤلفات، مشوبة أحيانًا بالحثِّ للانصراف والتفرغ لتطبيق توصيات شيخ الطريقة، التي تروّض الإنسان على تصوُّف الاستعباد.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة،كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة. أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًّا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

صدرت الطبعةُ الأولى لهذا الكتاب منتصف عام 2018، وقبلَ نهاية ذلك العام نُشِرَ في طبعة ثانية، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ ثالثة مزيدة ومنقحة. ككلِّ أعمالي، عندما أعود إليها بعد سنوات من صدورها، كأني أقوم بتأليفها مجددًا، مرة أشطب، وأخرى أختزل وأكثّف، وثالثة أشرح وأوضّح، ورابعة أعيد بناء العبارات وانتقاء ما هو أجمل من الكلمات.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، صدر عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

رابط النشر: