Category: التخيل

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

تقديسُ المتخيّل للحيوان إهدارٌ لحقوق الإنسان

تقديسُ المتخيّل للحيوان إهدارٌ لحقوق الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الاحتفاء بالحياة والأحياء والطبيعة وحمايتها شيء، وتقديسُ الأحجار والأشياء والحيوانات شيءٌ آخر. الأول يعكس موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا عظيمًا، والثاني يعكس تضحيةً بالإنسان وإهدارًا لكرامته. عندما يغالي الإنسانُ بقيمة أيِّ شيء غيره ويقدّسه يقدّم منزلتَه قربانًا للشيء الذي قدّسه. أنا شخصيًا من المدافعين عن حقّ الكائنات الحيّة في العيش، وأدرك ضرورةَ حمايتها لحفظ التوازن الحيوي الخلّاق في الطبيعة، وأحترم الأبعادَ القيمية في الأديان الحريصة على حماية حقِّ الكائنات في العيش في الطبيعة والرفق بالحيوان. أتألم من صيد الحيوان، أرى الصيدَ يقترن بالإكراه والمطاردة وتعذيب الحيوان، من أجل أن يلهو الصيادُ ويستمتع بمأساة هذا الكائن الذي يسلبه الحقَّ في الحياة.كذلك تؤلمني مشاهدُ الحيوانات المحنّطة، عندما تُعرض في بعض المحلات أو البيوت كديكور يكتمل به تجميلُ المكان. ‏التحنيط يتمّ بعد القتل العدواني، ‏يثير هذا النوعُ من القتل للحيوانات في داخلي فجيعةَ نهايات الحياة بالعنف.

الإعلاءُ من مكانة الأحجار والأشياء والحيوانات وتقديسُها ينتهي إلى التضحيةِ بمكانة الإنسان والحطِّ من قيمته وإهدارِ كرامته وحقوقه.كانت الحيواناتُ ترمز للآلهة في مجتمعات عديدة في العالم القديم، ففي مصر ارتبطت القططُ بالآلهة “باستت Bastet”، وباستت هى ربّة المرح والسعادة والراحة، والخصوبة والولادة في مصر القديمة. وفي مصر والهند واليونان وروما إلى المكسيك،كان يُنظر للكلاب كـآلهة، ففي الحضارة المصرية يظهر “أنوبيس” على شكل رجل برأس كلب سلوقي، أو برأس وجسم ابن آوى. وهو الاسم اليوناني لإله الموتى القديم، الذي يصّور بمهام متنوعة، فتارةً بوصفه “حارسًا للمقابر”، ودليلًا للموتى المؤخرين وحارس الدنيا السفلى، وأخرى “مرشدًا للأرواح في الحياة”، وثالثة “مسؤولًا عن التحنيط”، وغير ذلك. واتخذت تماثيلُ بعض الآلهة رأسَ البقرة رمزًا لها، “بات “Bat كانت إلهةٌ بقرةً في الديانة المصرية القديمة، تُصوَّر بوجه آدميّ وأذنَي بقرة وقرنيها[1]. ولم يعد يُنظر للبقرة أو غيرها اليوم كحيوان مقدّس إلا في الديانة الهندوسية، فقد “ارتبطت البقرة بأفكار عدة؛ مثل عدم الإيذاء، والنقاء والطهر، والطيبة، والأمومة في وهبها ورعايتها، ليس فقط لِعِجْلِها وإنما للجميع. وفي الفترة الفيدية، كانت تُقدَّم البقرة أحيانًا كقربان، لكن صار أكْلُها جريمة لاحقًا… وأشيرَ إلى الأبقار والنساء – على حدٍّ سواء – على أنهما إلآهات، وإن كانت للأبقار على ما يبدو مكانة أعلى بسبب طهرها وقيمتها كمصدر للعطاء. وفي القرن التاسع عشر … وفي ظل زيادة الوعي الذاتي الديني بين الجماعات الإصلاحية، صارت حماية البقرة رمزًا للهوية الهندوسية. وأصبحت البقرة، شأنها شأن المرأة الهندوسية، تُعرَّف بأنها أم الأمة. وكتب كلٌّ من داياناندا ساراسواتي، مؤسس حركة آريا ساماج، وغاندي عن الأهمية القومية لحماية البقر، وتأسست جمعيات محلية بجميع أنحاء الهند لإشراك عامة الهندوس في الحفاظ على هذا الرمز العظيم… مكانة البقرة في الهندوسية كانت موضع شك أيضًا من الهندوس أنفسهم، وذلك بوصفها رمزًا لهيمنة كبار رجال الدين، ولِمَا تحمله من إشارات ضمنية إشكالية عن المنبوذين الذين تأكدت مكانتهم المتدنية بتمثيل البقرة للطهر”[2].

تقديسُ البقرة في الهندوسية مثلًا، مهما كانت التأويلاتُ لهذا النوع من التقديس، أراه يصادر كرامةَ الإنسان، وينتهك حقوقَه، ويرهق عيشَه بأعباء لا طاقةَ له على تحملها، ويهدّد البيئةَ باستهلاكِ الغطاء الأخضر، ويغرقها بفضلات الأبقار، وما يتسرب من تلك الفضلات للمياه الجوفية ويلوثها. وانبعاثِ غاز الميثان والغازات الدفيئة، الناتجة أثناء عملية هضمها، مما يؤدي إلى تغيّر المناخ وارتفاع درجات الحرارة، إذ يعدّ غاز الميثان أكثر فاعلية بحوالي 25 مرة من ثاني أكسيد الكربون في الاحتباس الحراري، وإن كان يتحلّل أسرع منه[3].كذلك يؤدي الاستيلاءُ على مساحات شاسعة من الأراضي إلى حرمانِ الإنسان والحيوانات الأخرى من استهلاك إنتاجها الزراعي، وتعطيلِ التربة واستنزافِ خصوبتها في المراعي الواسعة للأبقار، وتبذيرِ الموارد المائية، لأن الأبقار تشرب كمياتٍ كبيرة من المياه، وتحتاج مراعيها إلى كميات أكبر. والعبث بالتنوع البيولوجي للطبيعة، ومصادرة الحيز الخاص بالإنسان في المجال العام. وبسبب ذلك ظهرت دعواتٌ في الهند أخيرًا لاستهلاك روث الأبقار في توليد الطاقة.

وفي تقريرٍ لصحيفة لوفيغارو يقول الصحفي إمانويل ديرفيل: إنه التقى بمجموعة من الفلاحين الغاضبين في قرية مارجوبور على بعد تسعين كيلومترا شرق نيودلهي، لأن الأبقار السائبة أفسدت حقولهم. ويضيف أن هذه الأبقار يمكن أن تبتلع في ليلة واحدة محصولا كاملًا، مشيرًا إلى أن بالهند 190 مليون رأس من الأبقار، على وفق إحصاء 2012، وقد تتسيب منها 13 إلى 15 مليون بقرة كلَّ عام، استنادا إلى بيانات صادرة عن ذي إنديان إكسبريس. ويروي أحدُ المسنين في المنطقة أن هذه القطعان تسبّبت في الكثير من حوادث السير الدامية. وفي مارغو بوبور التي تقطنها غالبيةُ مسلمة، تفرض الشرطةُ غرامةَ 50 ألف روبية (630 دولارا) على من قتل بقرة، وتقوم مليشياتٌ متشدّدة بأعمال عنف ضدّ من لا يحترم البقر، ما أثر سلبًا على اقتصاد هذه المنطقة التي تعدّ مركزًا للدباغة والجزارين. وأوضح الكاتبُ أن بعضَ المنظمات الهندوسية تقتل من يعتدي على البقر، مشيرا إلى أن مركزا هنديا أحصى 46 جريمة قتل بين 2014-2018، غالبية ضحاياها من المسلمين والمنبوذين[4].

هوس المتخيَّل الديني وانفلاته من حاكمية العقل النقدي يجعل الإنسانَ يقدّس حيوانات تهدّد عيشَ الإنسان وأمنَه ومحيطَه ومنشآته في الأرض، ففي ولاية “راجستان” بالهند مثلًا يضم معبد “كارني ماتا” أكثر من 20 ألف فأر أسود. “كارني ماتا” امرأة هندوسية عبدها أتباعُها في القرن الرابع عشر الميلادي. يعتقد أتباعُ هذا المعبد بأن الفئران تجسيدٌ حيّ لهذه الإلهة، ويقدّم أتباعُ المعبد الحليبَ والجبن والأطعمة المطبوخة وأنواع الحلوى لها. وتحظى الفئرانُ بالحماية والرعاية وتمنع أذيتَها، ويعاقب مَن يقتل أحدَها في المعبد[5].

ويشيع في الهندوسية تقديسُ حيوانات مؤذية أخرى غير الفئران، إذ يجري الاحتفاءُ بها ورعايتُها على حساب الإنسان وعيشه وأمنه وسلامه وصحته. من الأعياد المعروفة في هذه الديانة مثلًا الاحتفالُ بـعيد “الأفاعي المقدّسة”. يحتفل “الهندوسُ في الهند والنيبال ودول أخرى بمهرجان الأفاعي سنويًا، أو ما يعرف بالـ “ناغا بانشامي”، وهو عيدٌ مخصّص منذ مئات السنين لتكريم الـ “ناغا” وتعني الأفاعي باللغة السنسكريتية. هذا اليوم هو يوم عطلة رسمية في الهند… يُحتفل بهذا المهرجان كلّ سنة، في اليوم الخامس من شهر شرافان الهندوسي القمري، ويحلّ عادةً بين شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، وهو الشهر المخصّص لتكريم أحد أكبر آلهة الهند شيفا. من تقاليد العيد، أن يحتلّ مروّضو الأفاعي زوايا في الساحات العامّة، فيتحلّق الناسُ حولهم لتقديم الحليب لثعابين الكوبرا كي تشربه. وتشمل الطقوسُ أيضًا الصومَ، والامتناعَ عن حراثة الأرض، خشية مُضايقة الأفاعي. وفي هذا المهرجان أيضًا، يرتِّل الناسُ أسامي عددٍ من آلهة الأفاعي المعروفة، طالبين منها الزواجَ والوفرَ المادي والحمايةَ من لدغاتها القاتلة. وتنتشر كذلك تماثيلُ صغيرة لأفاعي الكوبرا، في البيوت والشوارع، وتُضاء لها الشموع.كما يسعى الناسُ لاقتناء رسومات ملونة لبعض أشهر الأفاعي المقدّسة… في رمزيته، يعدّ مهرجانُ ناغا بانشامي، طريقةً للتأكيد على عدمِ الخوف من الموت. تمثّل الأفاعي اللانهايةَ والرغبةَ والطاقةَ والحكمةَ والثراءَ، وترتبط بالأنهر والبحيرات والينابيع. لذلك يقدّم المصلون في هذا اليوم زهرةَ لوتس، ويتركونها تطوف فوق مياه نهر الغانج… ملك الثعابين فاسوكي، رمز مقدس في العديد من ديانات الشرق الأقصى، وليس فقط في الهندوسية. وتقول الأسطورة إنّ الآلهة استخدموه لخضّ محيط الحليب، لاستخراج إكسير الحياة الخالدة، لذلك تُبجَّل الأفاعي بتقديم الحليب لها (مع أنها لا تشربه)”[6].

[1] موسوعة معرفة، نسخة على الإنترنت.

 

[2] نوت، كيم، الهندوسية: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة: أميرة علي عبد الصادق، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد، ص 120، 2017، مؤسسة هنداوي.

[3] محمد سناجلة، “زيادة درجة حرارة كوكب الأرض .. ما دور الأبقار في ذلك؟”، موقع فضائية الجزيرة، 15/9/2022.

[4] “لوفيغارو: البقرة المقدسة تعرقل اقتصاد الهند”، قناة الجزيرة الفضائية، (28/1/2019).

[5] صحيفة “الوطن” الكويتية اليوم الأحد (3 يوليو / تموز 2016). وراجع ويكيبيديا، ” معبد كارني ماتا”.

[6] موقع B.B.C NEWS عربي، “الأفاعي المقدسة في الهند: ما رمزيتها وحكاية مهرجانها؟”، بتاريخ 24 يوليو/ تموز 2020.

 

https://alsabaah.iq/94092-.html

بعد تمثلها تخييليًّا تتقدّس الأشياء

بعد تمثلها تخييليًّا تتقدّس الأشياء

د. عبد الجبار الرفاعي

كما أن المتخيَّل هو الحقل الخصب لولادة الأسئلة الوجودية الكبرى، هو حقلُ توالد الأجوبة، والأساطير، والتقديس. تجيب الأساطيرُ في شيء منها عن هذه الأسئلة، لتُطمئن الإنسانَ، الذي لا يفكر بعقلٍ نقدي، وتُشعره بالثقة عندما تصنع له ماضيًا بمقاسات رغباته وأمانيه وأحلامه، وتوهمه بقدرته على امتلاك ما يفتقر إليه في الواقع الذي يعيش فيه،كما كان أسلافُه في الأزمنة البعيدة يمتلكون كلَّ شيء يتمناه اليوم. في الأساطير ينشط المتخيَّلُ لينسج حكاياتٍ مقدّسة، تتكشف فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم بوضوح لافت. عندما ينضب الواقعُ يتدفق شلّال المتخيَّل بما يفيض فيه من أسرار مدفونة في الأعماق. المتخيَّل أرشيف يختزن أحلامَ الإنسان وطموحاته ومثله العليا، وتتوطن فيه ذكرياتُه بعد إعادة إنتاجها وتمثلها تخييليًّا.

لا يتقدّس الشيء إلا بعد تمثله تخييليًّا. ربما لا يستغني عن المقدّس إنسانٌ، حتى الملحد أحيانًا لديه مقدّساتُه الخاصة، قد يراه في شخصيات استثنائية، يعتقدُ أنَّها خارقةٌ تتجاوز تناهي الكائنِ البشـري وقدراتِه المحدودة وقصوره، ويتخيّلُ أنها عابرةٌ لحدود الطاقة البشـرية. يتخيّلُ رموزًا وأشياء متنوعة يحسبها تعبيراتٍ للمقدّس، وإن كان يُعلِن تنكّره لذلك. لا يقع المقدّس موضوعًا للعقل النقدي، أو موضوعًا للعلم، لأن المقدّس خارج حدود العلم وأدوات كشفه، ولا يخضع لـ “معيار قابلية التكذيب”، فكلّ فكرة لا تقبل الدحضَ والإبطالَ والتكذيبَ لا ينطبق عليها عنوانُ العلم، على وفق “منطق الكشف العلمي” لكارل بوبر[1].

يبدأ التقدّيس عندما يتنكّر المتخيَّلُ لحقيقة الأشياء والأشخاص والكائنات، ويخلع عليها جلبابَ القداسة، بعد سلخِها من كينونتها وغايتها الوجودية، وافتعالِ غايةٍ مقدّسة لها تعطّل غايتَها الحقيقية. التنكّر لطبيعة الحجارة وتكوينها وقدراتها ووظيفتها يمكن أن يحولّها إلى مقدّسة، التنكّر لطبيعة الحيوان وماهيته ووظيفته يمكن أن يحولّه إلى مقدّس،كما في الهندوسية وغيرها من الأديان.

من نتائج تقديس البشر فرضُ تراتبيةٍ هرمية في الهندوسية وأديان أخرى، إذ يجري تكريسُ طبقةٍ نبيلة عليا تتفوق على سواها، وطبقةِ منبوذين سفلى في أحطّ منزلة من أتباع الديانة الهندوسية. الاعتقاد بالتناسخ وحضور الروح في عالَم يسبق هذا العالم في هذه الديانة، هو الذي يعطي الإنسانَ المكانةَ في عالمنا، فيجعله كبيرًا أو صغيرًا. تصنيف السلالات البشرية محفوظ في ذلك العالم قبل الولادة حسب معتقدات الهندوسية. يولد الإنسانُ وتولد معه تلك الروحُ النبيلة أو الوضيعة وترسم له أقدارَه ومصائرَه الأبدية، ويظلّ مسجونًا حتى موته في هذا القدر الوجودي الذي يستلب كرامتَه وحقوقَه كما في طبقة المنبوذين، أو يمنحه كرامةً وحرياتٍ وحقوقًا وامتيازات فائضة، يتفوق فيها على كلِّ إنسان ينتمي لطبقة أدنى منه، من دون أن يبذل أيَّ جهد لينالها،كما تستحق ذلك بالولادة طبقةُ البراهمة.

تصنيفات البشر إلى طبقات في سلّم هرمي، فرضتها الهوياتُ الدينية والإثنية المغلقة، وهي من بقايا ترسبات عصور الاستعباد المريرة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل خلقت هذه التراتبية. حتى لدى المتصوّفة والعرفاء، كان ومازال مفهومُ الشيخ والمريد مفهوما طبقيًا استعباديًا بقناعٍ ديني. الكرامة مقام وجودي، ليس من حقّ الإنسان أن يتنازل عن كرامته لصالح حجر أو كائن حيّ أو إنسان أو أيّ شيء آخر، بمعنى أن الإنسانَ يولد مكرّمًا، ولا يكتسب الكرامةَ بعد ولادته من الانتماء: لدينه أو جنسه أو إثنيته أو ثقافته أو جغرافيته. الكرامة والمساواة والحرية، يحتاجها كلُّ إنسان بما هو إنسان، بغضّ النظر عن جنسه وعرقه وموطنه وثقافته ودينه. هذه قيم كونية واحدة أبدية لا يستغني عنها أيُّ إنسان، ولا تخضع للأديان والطوائف والهويات والخصوصيات والأزمنة والأمكنة والثقافات والاختلافات مهما كانت[2].

في المتخيل الإسلامي ‏المتخيل الصوفي والشيعى هما الأشد قوة ونشاطًا وفاعلية، ‏يتضخم في هذا النوع من المتخيل تقديسُ الأشخاص والأشياء والأماكن، بشكل يستنزف روحَ الدين وأهدافه الكلية الروحية والأخلاقية والجمالية. التنكّر لطبيعة الإنسان جعل المتصّوفةَ وغيرَهم لا يقبلون بتفسير سلوك شيوخهم بما يتناغم وكونهم بشرًا.كان محيي الدين بن عربي مثلًا إنسانًا كأيِّ إنسان، لديه احتياجاتٌ تفرضها طبيعتُه البشرية العاطفية والجسدية، ويتذوق الجمال كأي إنسان سليم الذوق، ديوانه يكشف عن هذه الطبيعة، المريدون لا يقبلون أن يكون أمثالُ هؤلاء بشرًا. “ترجمان الأشواق” ديوان كتبه محيي الدين حين أحبَّ النظام، وتلقب بـ “قرة العين”، وهي بنت أستاذه في مكة، أنشدَ هذا الديوانَ في عشقها والتغزّل بها. المتصوّفة من أتباعه يعتقدون أن هذا شعرٌ لا علاقة له بعشق المرأة بوصفها جسدًا وجمالًا وعاطفة، يؤولون ما ورد فيه بأنه ضربٌ من التغزّل الصوفي بالله. إلا أن محيي الدين بن عربي يتحدث بوضوح عن تجربة عشقه لهذه الفتاة بقوله: “فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولًا بنفسه، مشغوفًا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نزيل مكة البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه الله … وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام؛ تلقب بعين الشمس، وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم. ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه … ثم إني عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف … ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض السيّئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفى خُلُقها الذي هو روضةُ المزنِ، شمسٌ بين العلماء، بستان بين الأدباء، حُقَّةٌ مختومة، واسطة عقدٍ منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها .. مسكنُها جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه … عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ … فقلّدناها من نظمنا في هذا الكتاب (ترجمان الأشواق) أحسن القلائد، بلسانِ النسيبِ الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس من كريم ودِّها وقديم عهدِها … إذ هي السُّؤْلُ والمأمول، والعذراءُ البتول، ولكن نظمنا فيها بعضَ خاطر الاشتياق، من تلك الذخائرِ والأعلاق … فكلُّ اسمٍ أذكرُه في هذا الجزء فعنها أكنِّي، وكل دارٍ أندبها فدارها أعني”[3].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ط 2، ص 231-232، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[3] ابن عربي، ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، ص 1 – 3، 2006، دار الكتب العلمية، بيروت.

https://alsabaah.iq/93332-.html

مَنْ يمتلك وسائلَ إنتاج المتخيَّل يمتلك السلطة

مَنْ يمتلك وسائلَ إنتاج المتخيَّل يمتلك السلطة

د. عبد الجبار الرفاعي

كلّما ابتعد الدينُ عن لحظة التأسيس لم يعد الواقعُ كافيًا لإشباع مخيِّلة الأتباع؛ لأنهم يرون الواقعَ ضحلًا واضحًا، لا لغز فيه، ولا يبوحُ بسرّ. الإنسانُ الديني مولعٌ بالمقدّس، ينجذب لما ينطوي عليه من حيرة وغموض وإبهام وسحر وأسرار، وينتهي ذلك إلى تضخّمِ المقدّس في المتخيَّل، وقوةِ حضوره في الحياة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل تتشكل فيه الأديان على شاكلته. في المتخيَّلِ الديني يتشكّل المكانُ والزمان المقدّسان، وتتشكل صورةُ الشخصيات المقدّسة على وفق ما يختزنه المخيال، المكان والزمان المقدّسان يتوالدان ويتسعان ويتضخمان في المتخيَّل، وهما غير المكان المادي والزمان الفيزيائي، الخاضعين لكلِّ مشروطياتِ التاريخ الأرضية، وعواملِ إنتاجه وتوالده وصيرورته.

المتخيَّل موطنُ صناعة المعنى الديني، تتسع آفاقُ هذا المعنى ويتمدّد ويشتدّ، بنحوٍ يتجاوز آفاقَ وحدودَ ولادة الدين الأولى بكثير، وبالتدريج تطغى الصورةُ اللاحقة للدين الذي تشكّل في المتخيَّل وتتقلص صورتُه الأولى. قوةُ الفرد والجماعة بقوةِ الحضورِ في الواقع، والتطلعِ للمستقبل بوعيٍ علمي ورؤيةٍ مُلهِمة، وبقدرةِ المتخّيل على توليد المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في الحياة. المتخّيلُ المقيمُ في الماضي يأسرُ الإنسانَ بتشديده على مغادرة الواقع واتخاذ الماضي موطنًا. المتخّيلُ الذي ينسى الحاضرَ يجعل الإنسانَ يعيش حالةَ غفلة عن واقعه ويصادر عليه مستقبلَه.

مَنْ يمتلكُ وسائلَ إنتاج المتخيَّل يمتلكُ السلطةَ سواء أكانت روحية أو زمنية، ويمتلكُ التحكّمَ بحاضر الناس ومستقبلهم ومصائرهم في مجتمعاتنا. المتخيَّلُ الديني يُستغَل لإضفاء المشروعية على السلطة السياسية، ويعمل على تضخُّمِ هيمنتها وتغوّلها، ويُستثمَر لترسيخ السلطة الروحية وتمدّدها. في المتخيَّل يتوالد المقدّس ويتمدد، وينعكس مباشرة على حياة الإنسان ومواقفه وسلوكه وطريقة عيشه. المتخيَّلُ مؤثر بفاعلية قوية في بناء ثقافة الأفراد والمجتمعات، وتجذّرِ البُنى اللاشعورية في الوعي الفردي والجمعي، وتوجيه بوصلة مصائر المجتمعات وأقدارها التاريخية. للمتخيَّل الديني سلطةٌ واسعة على العقل في مجتمعاتنا. المتخيَّلُ الديني فضاء بلا أسوار، لا يصنع له الأسوارَ إلا العقلُ، فإذا نام العقلُ ينشط هذا المتخيَّلُ بفاعلياته القصوى، ويظل يضيف ويراكم ويكرّس ويجذّر المقدّسَ باستمرار، وربما ينتهي تغوّلُ سلطته إلى تغييب العقل وتعطيله نهائيًا. وحدَه العقل يستطيع معاندةَ المتخيَّل وعصيانه والتغلب على سلطته، لا يستردّ سلطةَ العقل إلا التفكيرُ النقدي الذي يعيد المتخيَّلَ إلى مجاله ويضعه في حدوده، ويعمل على توظيفه بشكلٍ فاعل في إنتاج العلوم والمعارف والثقافة والفنون والآداب والبناء والتنمية والتطلع للغد. إلا أن تمادي العقل بسطوته وطغيانه يمكن أن يُهمِّشَ المتخيَّل، وربما ينتهي إلى إسكات صوته، ويصادر على الإنسان منبعَ إلهام أساسي لآدابه وفنونه وثقافته ومعارفه وعلومه،كما حاولت ذلك تياراتُ العقلانية الصارمة والاتجاهاتُ العلموية والمادية في القرن التاسع عشر وما قبله.

تنشط المخيِّلةُ وتتضخم صورُها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتُها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثّل أحداثَ قصصٍ تنتمي إلى ماضٍ اندثرتْ معالمُه الأثرية، واختفى مكانُه وزمانُه وصورُه عن الأنظار. تعيد المخيِّلةُ ابتكارَ الصور في فضائها، وهو فضاءٌ رحب يتعاظم باستمرار، فتولِّد المخيِّلةُ الأحلامَ والأماني والرغباتِ المختلفة وحتى الأوهام، وما يصدر عن نرجسيات الهوية المتجذّرة في البُنى اللاشعورية، وما تختزنه من أوهام تفوّق هذه الهويةَ واصطفائها وقدراتها الاستثنائية الفذّة، وإن كانت تعيش واقعًا بائسًا يضجّ بالأمية والفقر والمرض، غير أنها تلجأ للذاكرة العتيقة والأمجاد الامبراطورية لأسلافها. تكرّر هذه الهوية بلا جدوى، لسنواتٍ طويلة تجنيدَ الإنسان، وما يمكن توظيفُه من طاقات في المجتمع، لإيقاد رمادِ نرجسية امبراطورية مندثرة، من دون أن تكترثَ هذه الهويةُ بهزائمها، ولا تقف عندها وتدرس أسبابَها وتكتشف ثغراتها، ولا تسعى أن تجرّب طريقةً بديلة في توكيد حضورها في الواقع وصناعة حاضرها ومستقبلها.

التمثلاتُ البشرية للأديان لا تقتصر على التعاطي مع الشخصيات الدينية في إطارها التاريخي، بل تحاول أن تتخطى ذلك لتخرجَها من عالمِها الأرضي وخصائصِها البشرية،كما يفعل أكثرُ مريدي المتصوفة وغيرُهم، الذين يغالون بشيوخهم فيخرجونهم من الزمان التاريخي الأرضي إلى زمانٍ مقدّس لاتاريخي. جلال الدين الرومي وأمثاله من الشخصيات الروحية عاشوا في الواقع كما يعيش غيرُهم من البشر في زمانهم، كانت لديهم احتياجاتُ كلِّ إنسان طبيعي.كانوا يأكلون ويشربون، ويفرحون ويحزنون، ويغضبون، ويضحكون ويبكون، ويصابون بالأمراض ويموتون. جلال الدين في متخيَّل المولوية والمتصوفة كائنٌ أسطوري، كلُّ كلماته لا نقاشَ فيها، تاريخُه يعلو على تاريخ الإنسان، آثارُه لا تصحّ إعادةُ غربلتها وتمحيصها، الحكايات المنحولة حول حياته الشخصية ومواقفه وسلوكه ينبغي التسليمُ بها وقبولُها كما هي، ولو كان المنطقُ العلمي يرفضها، ولا تقبلها بداهات العقل السليم. وهذه ظاهرةٌ موجودة في الأديان والمعتقدات المختلفة،كلُّ دين ينتج ذلك على شاكلة مجتمعه، وطريقة عيش ذلك المجتمع، وثقافته، ورؤيته للعالم.

الأنبياء والأولياء والصحابة والتابعون الذين عاشوا في الارض كانوا يمارسون حياتَهم واحتياجاتهم كما يفعل كلُّ إنسان. لا يكتفي بعضُ الناس بهذه الصورة للنبي “ص” بوصفه إنسانا يعيش مثل بقية البشر، يمتاز على غيره بالاتصال بالله عبر الوحي. هؤلاء تنتج أذهانُهم صورًا غير بشرية للنبي، فهو في نظرهم لا يأكل ولا يشرب، ولا يمشي في الأسواق، ولا يعيش مثل الناس، وغير ذلك. هذه الصورة تتضخم بمرور التاريخ، حتى يتم تجريد النبي بوصفه بشرًا من طبيعته، فيرونه ينتمي إلى ملكوت السماء، مقطوع الصلة تمامًا بالأرض، لا يشبه البشرَ في شيء، ولا يخضع للزمان والمكان والبيئة والتاريخ والثقافة، يتحول إلى كائنٍ مجرد لا يشبه الإنسانَ الأرضي، ولا يشبه ذلك النبيُّ الإنسانَ الذي كان بشرًا عاش في عصره مثل غيره. هذه أحدُ فاعليات المتخيَّل الديني في الأديان السماوية والأرضية المتنوعة.

في الدين غطاءٌ ميثولوجي، لكن حين يستهلك الغطاءُ المضمونَ، تخسر الأديانُ غاياتِها الروحية والأخلاقية والجمالية وتتبدّد أهدافُها القيمية والإنسانية. عبورُ أيِّ شخصيةٍ دينية من الواقعي إلى الميثولوجي، بل انقلابِها من كونِها حقيقةً إلى خيالٍ محض، لا حضورَ له في الواقع الذي عاشت فيه. وقتئذٍ تصير هذه الشخصيةُ مُنوِّمة بعد أن كان مُلهِمةً، مُخدِّرةً بعد أن كان مُوقِظة. وتنقلب أهداف الأديان بعد هربها إلى عالمٍ غير عالمها، عالم تخسر فيه رسالتَها.

 

https://alsabaah.iq/91720-.html

ينفرد الإنسان بالعقل وبملكة الخيال

ينفرد الإنسان بالعقل وبملكة الخيال

د. عبد الجبار الرفاعي

لا يمكن تصورُ إنسان يعيش في الأرض بلا خيال، لا ينفرد الإنسان بالعقل وحده، بل ينفرد بملكة الخيال أيضًا. في الخيال يعيد الإنسانُ بناءَ صورة العالم، ينتج هذه الصورةَ بوصفها ضرورةً لإمكان العيش في عالمٍ يستطيع تمثّلَه بلا خوفٍ منه واغترابٍ فيه. يرى الإنسانُ العالمَ في ضوء ما صنعه خيالُه، ليجعل إيقاعَ حياته متناغمًا والصورةَ المتخيَّلةَ له في ذهنه، فينخفض شعورُه بالخوف والاغتراب. تنعكس الصورةُ المتخيَّلةُ للعالم على لغةِ الإنسان وثقافتِه وفنونِه السمعية والبصرية، وعلى علاقاته ومؤسساته المختلفة، وحياته الفردية والمجتمعية.

الخيال وما ينتجه من الصور والرموز والإشارات والعلامات والخطوط والشعارات والكلمات يعيد إنتاجَ كيفية تذوق الإنسان للعيش في الأرض ويحدِّد نمطَ وجوده. ينشد الإنسانُ في كلِّ أنشطته وأعماله وإبداعاته واكتشافاته وثقافاته وفنونه وكتاباته رسمَ صورةٍ في خياله لعالَمٍ يستطيع العيشَ فيه، ويظلّ يغذّي هذه الصورةَ على الدوام ويرسّخها في ضوءِ ما تصنعه مخيلتُه من لغةٍ ورموز وثقافة وألوان وجغرافيا وحدود لهذا العالم.

المخيلةُ منجمُ الإبداعِ البشري،كلُّ شيءٍ يضيقُ فيه الواقعُ يتمكنُ الإنسانُ من تخيّله. بواسطة التخيُّل أصبح الإنسانُ كائنًا يتطلع للمستقبل، ويرسم خارطةً لتطويرِ أحواله وتحسينِ ظروف عيشه والتقدّمِ للأمام. لولا الخيالُ للبث الإنسانُ يكرّر كلَّ شيءٍ، في طريقة عيشه وطعامه ولباسه وتأمين احتياجاته المتنوعةكما يفعل الحيوان، ولم يتمكن من إنتاج العلوم والمعارف والتكنولوجيا والثقافة والآداب والفنون والحضارات. الاختراعات والاكتشافات العلمية يحتضنها ويولّدها المخيال، لذلك يشدّد غاستون باشلار على “أهمية المخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي”[1]. التخيّل غير التوهم، والمخيال غير الوهم، المخيال واسعٌ لا حدودَ له، يسمح لحضور الأحلام والتطلعات المختلفة بغدٍ أجمل. الواقع ضيّقٌ محدود جدًا بحدوده المحسوسة، يعجز الإنسانُ عن فرض صورةٍ عليه لا تشبهه، الواقع يتنكر لتغطيته بصور ذهنية لا تتطابق وفضاءَه المحدود. الواقعُ ضحلٌ المخيال عميقٌ، الواقعُ فقير المخيال غنيٌ، الواقع ضيقٌ المخيال واسع جدًا.  لا يستوعب أحلامَ الإنسان، ومختلفَ ما يتطلع إليه من صور لعالم يتمناه ويرغب أن يعيش فيه إلا المخيال. أكثر عمر الإنسان يعيشه في متخيَّله لا في الواقع اليومي، يهرب الإنسانُ باستمرار من الألم والاكتئاب والحزن والأسى إلى الخيال. عجزُ الواقعِ المحسوس عن إشباع احتياجات الإنسان المتنوعة يدعوه للاستعانة بالتخيّل لتعزيزِ الأمن النفسي، وخلقِ تناغم مع ايقاع وجوده في العالم، والشعورِ بإمكانية تأمين تلك الاحتياجات مما هو خارج الواقع.

إن كان الواقعُ مظلمًا يستطيع خيال الإنسان أن يشعره بفضاءٍ مضيء رحب خارج اختناقه بالواقع. السعادة المفقودة في الواقع يمكن أن يشعر الإنسانُ بأنه يتذوق شيئًا منها في المتخيَّل، مباهج الحياة المفقودة في الواقع يمكن أن يشعر الإنسانُ بأنه يتذوق شيئًا منها في المتخيَّل. الواقع لا يطاق، الواقع شديد عنيف موحش، لولا الخيال لمات الإنسانُ مفجوعًا. ما يحمي الإنسانَ هو الخيال الذي يصنع له عالما رحبًا يعيش في فضائه، لا بما يفرضه عليه الواقع، ولا طاقةَ له على تغييره. الواقع مفروض على الإنسان، الخيال يمكن أن يتصرّف فيه الإنسانُ بالخلق والإبداع كيف يشاء. ‏عالم الخيال هو الأوسع والأثرى، يتسع الخيال لما يضيق فيه الواقع. هو موطنُ تشكّل ما يحتاجه الإنسان من المعاني لحياته. المعاني العذبة من صنائع الخيال، لا من صناعة الواقع الموحش.

أفلاطون تحدّثَ عن الخيال بمدلوله الماورائي في عالم المُثُل، وهو عالم يسبق العالم المادي في نظره. باستثناء أفلاطون كان الاتجاهُ العقلي السائد في الفلسفة اليونانية ينظر للخيال بوصفه: “الجانب الخادع في النفس الذي يقود إلى الخطأ والزلل”[2]، كأنه يرادف اللاعقلاني والتوهم. منذ ذلك الوقت ظل الخيال منسيًّا، وكان يحذّر منه الفلاسفةُ بوصفه ضدَّ التفكير العقلي. عزّزت فلسفةُ ديكارت مركزيةَ العقل وكرّست تغييبَ التخيُّل، وتضييقَ آفاق المعرفة وحصرَها في حدود العقل بالمعنى الذي حدّده ديكارت في مؤلفاته وكتابه الأثير: “مقال عن المنهج”. إيمانويل كانط (1724-1804) أعاد للتخيُّل نصابَه، وأخرجه من مدلوله الماورائي عند أفلاطون، واستوعبه في المعرفة، وتنبّه إلى فاعلياته الخصبة في توليد المعرفة وإثرائها. لم يعد التخيُّلُ ضدًّا ولا حتى رديفًا للعقل، بل اتسع به فضاءُ العقل. مع كانط اتسعت مملكةُ العقل لاستيعابِ ملكة الخيال، واكتشافِ مصدرٍ غزير لإنتاج المعرفة، لم تمنحه الفلسفةُ اهتمامًا يتناسب وأهميتَه قبل ذلك. بعد كانط اهتمّ الفلاسفةُ الألمان بالمتخيَّل، وذلك ما نقرأه في أعمال: شيلنغ، وشوبنهاور، وهيغل، ونيتشه، وإدموند هوسرل، وهايدغر، وغادامير، ومعهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت.

كما اهتمّ بالمخيال في فرنسا، هنري برغسون، وسارتر، وميرلوبونتي، وكامو. وجاك لاكان، الذي ألّف كتاب: “اللغة الخيالي والرمزي”[3] وغيره، لدراسة المخيال في سياق قراءة جديدة للتحليل النفسي ومناهجه. وغاستون باشلار، الذي درس الخيال الشعري في كتابه: “شاعرية أحلام اليقظة”[4] وغيره. ودرس اليوناني الفرنسي كورنيليوس كاستورياديس تأسيس المجتمع في المخيال في كتاب “تأسيس المجتمع تخيليًا”[5]. مضافًا إلى الأعمالِه المتعدّدة لبول ريكور حول المخيال والذاكرة والسرد، مثل كتابه: “الذاكرة، التاريخ، النسيان”[6]، الذي درس فيه “تاريخ التمثّلات” في سياق نقده لـ “تاريخ العقليات”، وقبل ريكور نقد ميشيلُ فوكو “تاريخ العقليات” في كتابه “حفريات المعرفة”. وأسس غيلبرت دوراند عام 1966 في جامعة غرينوبل بفرنسا “مركز البحوث الخاص بدراسات الخيال”[7]. وكتب موريس غودلييه: “المتخيل المخيال والرمزي”[8]، وغيره من المؤلفات حول المخيال. ودرس بيير بورديو رأس المال الاجتماعي والثقافي والرمزي في عدة مؤلفات، وكشف عن أساليب الهيمنة الرمزية، وأدوات العنف الرمزي وكيفية توظيفها في انتاج السلطة[9].

وأصدر أندرسون كتابه: “المجتمعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها” عام 1983[10]. وكانت مساهمة الأمريكي رايت ميلز في كتابه: “المخيال السوسيولوجي” الصادر عام 1959، من الأعمال الرائدة في اعتماد المخيال بوصفه مفتاحًا لتفسير كيفيةِ تشكّل المجتمع وصيرورته، وفهمِ نمط إنتاج تصوراته ومعتقداته وثقافته وهويته ورؤيته للعالم في فضاء الخيال المجتمعي. وألّفت فالنتينا غراسي أستاذة علم الاجتماع في جامعة بارثينوب في نابولي بإيطاليا كتابها: “مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية”[11]. وأصدر الكندي تشارلز تايلور كتابه: “المتخيلات الاجتماعية الحديثة”[12].

وقبل ذلك فتح سيغموند فرويد في مدرسة التحليل النفسي آفاقًا جديدة للكشف عن جذور تشكّل المخيال في اللاوعي، وجاء كارل غوستاف يونغ واكتشف منابعَ المتخيَّل في اللاوعي الجمعي، ودرس الصورةَ والرمزَ والأسطورةَ والأنموذجَ الأصلي. واتخذت دراسةُ الخيال مكانةً مركزية في الفلسفة الفينومينولوجية منذ إدموند هوسرل، وحضرت الصورةُ والتخيُّل والمتخيَّل والخيال بكثافة في الفينومينولوجيا وتفسيرِها للوعي ومفهومِها الفلسفي للعالم. ألّف سارتر كتابين، درس فيهما ما يمنحه الخيالُ للذهن، وكيفيةَ تحقّق الوعي وتمثّل العالم بالخيال في ضوء الفلسفة الفينومينولوجية. أصدر الكتابَ الأول سنة 1936 بعنوان: “الخيال L’imagination”، والكتابَ الثاني سنة 1940 بعنوان “الخيالي “L’imaginaire”. يقول سارتر: ” إن المخيلة ليست سلطة تجريبية أو مضافة إلى الوعي، بل إنها الوعي بأكمله حين يتحقق، فكل وضعية عينية وواقعية للوعي في العالم تكون مشحونة بالمتخيل حين تتقدم دائما باعتبارها تجاوزًا للواقع”[13].

اتسعت دراسةُ المخيال وتنوعت مجالاتُها في الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، وتحليل الخطاب، والألسنيات، والتاريخ، واتخذت مدرسةُ الحوليات الشهيرة في فرنسا من “تاريخ العقليات/تاريخ الأفكار” موضوعًا يدرس البنيةَ الذهنية ونسيجَ الأفكار المولّدة لروح المجتمعات، وأثرَها في تشكّلها وصياغة هويتها، وكيف تصير بوصلةً لمسيرتها التاريخية. البنية الذهنية الجمعية منجم ثريّ يختزن الرؤيةَ للعالم وما هو غاطسٌ ولاواعٍ في الدين، والثقافةَ والفن، وروافدَ السلطة وشبكاتها وأنماطها، في ضوء ذلك أضحى البحثُ التاريخي في مدرسة الحوليات يذهب لتمحيصِ ودراسة مكونات هذا المنجم، وتفحّصِ ديناميكيته الداخلية، واكتشافِ فاعليته في بناء الجماعة، وبيانِ الأفق الذي تسترشد به الجماعةُ وتتطلع في ضوئه لصورة مستقبلها.

وأضحت دراسةُ المخيال وفاعلياته الأساسية في إنتاج المعرفة حقلًا أساسيًّا في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والألسنيات وعلم اللغة والميثولوجيا. وتطورت دراساتُ علم اجتماع المخيال، وظهرت أبحاثٌ ثمينة حول الكشف عن أثره في ‏تشكّل الأديان والفرق والمذاهب ‏والجماعات وتوالدها.

[1] الخولي، يمنى طريف، مشكلة العلوم الإنسانية تقنينها وإمكانية حلها، ص 16، 2014، مؤسسة هنداوي للثقافة والعلوم، القاهرة.

[2] هلال، محمد غنيمي، الرومانتيكية، ص15، 1955، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة.

[3] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن منشورات الاختلاف في الجزائر، سنة 2006.

[4] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ببيروت، سنة 1993.

[5] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن دار المدى للطباعة والنشر التوزيع، سنة 2003.

[6] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن دار الكتاب الجديد المتحدة ببيروت، سنة 2009.

[7] صدرت الترجمة العربية لكتابه: “الخيال الرمزي” عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر في بيروت عام 1991.

[8] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب سنة 2019 عن دار الفارابي ببيروت.

[9] صدرت الترجمة العربية لكتابه: “الرمز والسلطة” عن دار توبقال في الدار البيضاء بالمغرب، سنة 2007.

[10] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب سنة 2009 عن شركة قدمس للنشر بدمشق.

[11] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2018.

[12] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2015.

[13] توفيق، سعيد، الخبرة الجمالية، دار الثقافة، القاهرة، 2002، ص 156.

 

https://alsabaah.iq/90528-.html