Category: التراث والتجديد

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

مشتاق الحلو[1]

أتهيب الكتابة عن عبد الجبار الرفاعي؛ لأني أؤمن بأن التأريخ له تأريخ لمرحلة وحقبة وتجربة ومسيرة، مرحلة طالما تمنيت أن اكتب عنها بإسهاب، وأبين كل تفاصيلها التي شهدتها وعشتها، فأخشى أن اظلمها، أو أجانب الحقيقة في تقييم مستعجل لها. والآن، بمناسبة تسجيل شهادتي عن الرفاعي لا أرى مفرا من الانطلاق منها، والتحدث قليلا عنها، على أمل أن أعود لها ثانية بشكل أكثر تفصيلا وتحليلا.كما أؤمن بأن الاحتفاء بالرفاعي، والاهتمام به، هو اهتمام بمشروع وفكر وتفسير للدين، وعمل على تحرير مجتمعاتنا من “ثقافة هجاء الحياة وتمجيد الموت”، وهو واجب بالنسبة لي يحتّمه الضمير.

قد يلاحظ القارئ ان الحديث في البداية يتمحور حولي / الشاهد، لا حوله/ المشهود له. فللأمر اسباب قد يكون من اهمها: اني حينما أكون عند الرفاعي أحسّ بأني كبير ومحترم، لهذا حينما أتكلم عنه أيضا ينشط عندي الإحساس نفسه.

محطات في اكتشاف الرفاعي

 

المحطة الأولى: 1984 – 1991

في نهاية العقد الأول من عمري جرت أحداث مؤسفة في الكويت، وعلى أثرها هجّر أو هاجر اغلب العراقيين الذين اتخذوا من الكويت مأوى لهم. وكنا في قم في استقبال حصتنا من الشتات العراقي الذي كان يتقاذفه القدر في البراري.

كان الرفاعي أحد العراقيين الذين هاجروا من الكويت إلى إيران، اثر هذه الأحداث. في الأيام الأولى لدخول الرفاعي مدينة قم تعرفت عليه، بوصفه صديقا لبعض الأقرباء، ثم صديقا لوالدي، فكنت أراه في بعض الولائم والاجتماعات العامة.

كنت اسمع والدي يتكلم عنه فيقول: انه أستاذ حوزوي مثقف، لكنهم يضطهدونه، لأنه عراقي، ومن أصول عربية.كان هذا الكلام غريبا بالنسبة لي؛ إن كان أستاذا حوزويا، فلماذا هو حليق اللحية “مقارنة بمن أراهم حولي”، ويرتدي البدلة الغربية، التي لم تكن مرحبا بها في تلك الحقبة بالذات؟!

أما ثقافته فكنت امتلك شاهدا عليها، وهو أني كنت اسمعه يتكلم في الاجتماعات العامة بلهجة مختلفة عن الآخرين، بعربية قريبة من الفصحى، لكن تشوبها لهجة عراقية، لا يمكن تمييز – على الأقل بالنسبة لي آنذاك – المدينة التي ينتسب إليها. غير أن ما هو واضح تماما انه عراقي بامتياز.

كنت أتساءل حين أراه: ماذا يريد أن يقول بحلق لحيته؟ لماذا يتجاهر بخرق الشريعة؟ ولكن في الوقت نفسه كنت اكبر فيه هذه الشجاعة، وهذا الصدق، كونه لا يتظاهر بمظهر لا يحبه، في بيئة ما كان أي إنسان من وسطنا العراقي آنذاك يجرؤ على حلق لحيته فيها.

هذه الشخصية للرفاعي امتزجت في ذهني بشخصية ثانية؛ وهي انه من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة. وان كان لأهلي ووالدي انتماءات سابقة لهذا الحزب، إذ أعدم عمي على يد النظام الصدامي بجريمة انتمائه للدعوة، إلا أني كنت أمتلئ كراهية للمعارضة مع الوقت والنضج… معارضة صدام بكل فصائلها. المعارضة التي كنت أرى رموزها أناسا متكبرين علينا، مستبدين معنا، مستأثرين بخيراتنا، متاجرين بدموعنا ودمائنا، جهلاء بالعلم والمعرفة إلى درجة يصعب تصورها…

وبمرور الأيام حاولت جاهدا أن افصل نفسي، مهما استطعت، عن كل من ينتمي للمعارضة، حتى أصبحت أتمنى أن لا يعرف أحد منهم أني عراقي؛ لأني لا أحب الانتساب لهم. وكبديل عن هذا الفضاء ارمي بنفسي في الفضاءات الإيرانية، وابدأ حربا مستميتة لإثبات ذاتي وفرض نفسي عليهم. كان أكثر ما يستفزني من قبل الإيرانيين سؤالهم عن الجماعة التي أنتمي إليها من المعارضة. فأجيب بانفعال لا يفهم الإيراني سببه: أنا عراقي، لكني لا أنتمي إلى المعارضة.

 

المحطة الثانية: 1991 – 2002

انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وبالنسبة لي بدأت مرحلة فقدان الأمل بالخلاص من دكتاتور العراق. وإذا به يقتحم الكويت، فبعث أمل فينا بأن أميركا سوف تخلصنا منه. وجاءت الانتفاضة الشعبانية نذر خير بأن الشعب العراقي بنفسه سوف يطهّر العراق من دنس الدكتاتورية. فهرعت للمشاركة في الانتفاضة، وتركت امتحانات الثلث الثاني من العام الدراسي “حسب النظام الدراسي الإيراني”، وما كانت إلا أيام وانجلت الغبرة وبانت الخيبة.

فعدت أدراجي مثقلا بالحزن، فاقدا للأمل، وبدأت كراهية _ ما تسمى _ معارضة صدام تتصاعد عندي، حتى وصلت إلى الحقد والازدراء الذي لا يمكن وصفه. لأني توصلت إلى قناعة بأن سبب فشل الانتفاضة، ودمار البلد، وإبادة الشعب هو أداء المعارضة. وبشكل تدريجي صرت أؤمن بأن جميع فصائل المعارضة لا يريدون سقوط دكتاتور بغداد قبل تصفية فرقائهم، أي يجب أن يبقى هو البديل الوحيد لصدام، ثم ينتقل لمرحلة التفكير بالتخلص منه.

عدت لإكمال الإعدادية، لكنني حزين على بلدي وشعبي وقد يكون حزني في الحقيقة على نفسي ومستقبلي وكرامتي المهدورة في المنفى الاختياري الذي اختارته الأسرة لي. والنفق المظلم الذي أسرنا فيه.

عشت طفولة من دون طفولة، ومراهقة من دون مراهقة، في بلد وبين أناس لا انتمي لهم ولا ينتمون لي، بلا ذكريات ولا حلم ولا أمل. ثم قررت أن ادخل الحوزة. ولا اعلم لم اتخذت هذا القرار. قد يكون السبب أن نموذج القائد المنقذ الذي كان يحضر في ذهني آنذاك، تجسد في السيد الخميني والسيد محمد باقر الصدر، وهما رجلا دين.

كنت ادرس ثانوية في الفرع العلمي، وأهتم بدروس الحوزة مساء، مستعينا بالأشرطة. فسمعت عددا من الأساتذة، واستقرّ رأيي في نهاية المطاف على اختيار دروس الرفاعي. أشرطة ضبط الصوت التي سجّل بعضها والدي، حين تتلمذ على الرفاعي، فطلب منه وحفّزه على تسجيلها، وما زلت اذكر عبارة الرفاعي الوجلة – في حينها -: “كيف توضع أشرطتي إلى جانب أشرطة أساتذتي؟” انسجمت مع اللغة والأسلوب، ومستوى الشرح المعتدل، لا المسهب، ولا المطنب.

وان كان الرفاعي جزءا من “معارضة صدام”، لكن التربية التي تلقيتها من بيئتي الإيرانية، علمتني أن أتجاوز هذا الحب والكره، واجعل الهدف نصب عيني. فاستمعت لأشرطة كتاب “المنطق” لمحمد رضا المظفر، ثم الحلقة الأولى من “دروس في علم الأصول” لمحمد باقر الصدر، وكتبت كل شاردة وواردة ذكرها الرفاعي، وما زلت احتفظ بها إلى يومي هذا.

في المرحلة التالية، دخلت الحوزة للدراسة المباشرة. لكن رفضي لـ”معارضة صدام” حال دون دخولي الحوزة العراقية، لأن الحوزة العراقية مجموعة مدارس، كل واحدة منها تابعة، أما لشيخ فلان أو سيد فلان، وجميعهم من أقطاب “معارضة صدام”. سألني في حينها أحدهم: كأنك تكره المعارضة أكثر من صدام؟ قلت: نعم! صدام أهانك، لكن معارضته أهانتني.

وان كنت ازدري رؤوس المعارضة، لكني كنت أتابع جميع خلجاتهم لسببين: كنت أفكر أن أثبّته للتاريخ، وأحاول أن أستفيد من كل ما يصدر عنهم، للتعرف على بلدي، واكتشاف ثقافتي العربية، كي أتسلح بها مقابل الآخر الذي يحتقرني، ولم أر أمامي نافذة مطلّة على العراق سوى هؤلاء؛ لأنه لم يتوفر بديل. لم أكن اسمع يومها بكائن اسمه النت أو الفضائيات، وكنا نعاني شحّة المصادر العربية، والمعاصرة منها خاصة. لهذا كنت أحاول رصد كل ما يصدر عن الجالية العراقية،كي اقوي لغتي العربية بها. أنا الذي أمضيت كل حياتي في البيئة الفارسية. لكن الرفاعي كان غائبا بالنسبة لي في هذه السنوات، فهو لا يرتاد الحسينيات العراقية، ولا يلقي الخطب الرنانة فيها.

حتى دخلت كلية العلوم السياسية عام 1995. وحين بدأت بكتابة البحوث، عثرت على كتاب “مصادر الدراسة عن الدولة والسياسة في الإسلام”، 1986. ثم “معجم ما كُتب عن الرسول وأهل البيت”، وهو موسوعة تقع في اثني عشر مجلدا، 1991-1995. ومجلة “قضايا إسلامية”، التي أصدرها عام 1994، وموسوعة “مصادر النظام الإسلامي”، تقع في عشرة مجلدات، 1996. هنا أحسست بأني أمام معجمي عراقي مختلف. موسوعي ببليوغرافي، بينما في الغالب ـ في حدود اطلاعي ـ الإيرانيون هم الببليوغرافيون والموسوعيون.

سرعان ما فوجئت بتوقف مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1997، وصدور مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” في السنة ذاتها. أثار استغرابي هذا الأمر، فسألت عنه. عرفت أشياء عن علاقته بحزبه السابق. فاكتشفت أن الرجل قطع ارتباطه التنظيمي بحزب الدعوة سنة 1984، أي خرج من “معارضة صدام”. واعتزل السياسة وتفرغ لتجديد الفكر الديني. في الحقيقة كان هذا الخبر بشرى بالنسبة لي. لكنني في حينها كنت أصنّف الخارجين من حزب الدعوة على أصناف ثلاثة:

صنف لم يحصل على الموقع الذي يطمع فيه، لهذا يكتب ويتخذ مواقف مناقضة لما كتبه بالأمس. والشواهد على ذلك ليست قليلة.

والصنف الثاني من يُصدم من الدكتاتورية والاستبداد والاستحواذ والاستفراد والاستئثار لدى قادة المعارضة، ويقرف من سلوكياتهم فيخرج من الحزب.

والصنف الثالث من تتوالد أسئلة في ذهنه، من يتمكن أن لا يبقى في مثل هذه الحركات الدوغمائية، حسب تقديري آنذاك. وهؤلاء أيضا لا يستطيعون التحرر من الدوغمائية الفكرية والبنية الصلبة الداخلية والحنين للماضي. ويبقون يقدسون وثن الحزب. فحسبت الرفاعي من الصنف الثالث وهو أشرفها وأوعاها عندي.

ثم كانت اللحظة “الخاتمية” في إيران، وجيلنا خاتمي الفكر والتوجه… مسلماتي انهارت أمام أسئلة أساتذتي في العلوم السياسية، وأهمهم الدكتور حسين سيف زاده.كنت كالغريق أتشبث بكل قشة، والتفّت نحو كل حدب وصوب، ابحث عن ناصر ومعين يعينني على الوصول إلى إجابة عن الأسئلة الجديدة، ومنجّ يخلّصني من قلق المعرفة. في هذا الوقت، نهاية عام 1997 صدرت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، واكتشفتها منذ عددها الأول، لأنها كانت ضالتي…المجلة عرّفت نفسها بأنها: “مجلة فصلية فكرية تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر”.

أحسست بأنها هي التي اطلبها، وإنها صدرت بالضبط في الوقت الذي احتاجها فيه، وفي الموضوع الذي اطلبه. حملة خاتمي كانت تحت عنوان “المجتمع المدني الديني” حفّزتني كطالب حوزة يدرس العلوم السياسية، أن اكتب في الفكر السياسي الإسلامي، ووفّرت لي هذه المجلة المادة العربية الكافية، لأنها خصّصت عددها الأول والثاني للفكر السياسي الإسلامي. لغة المجلة عربية معاصرة سليمة، التعاطي معها يقوّي عربيتي. كنت أحسّ بأني أقرأ شيئا مميزا، ما كان أقراني من طلبة الحوزة العراقيين في الغالب يقرؤون مثله.

محور العدد الثالث هو “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على أسماء من قبيل: محمد عابد الجابري، برهان غليون، محمد أركون، هشام شرابي، علي حرب، طه جابر العلواني، حسن حنفي، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي… وغيرهم، من خلال هذه المجلة. القراء العرب اكتشفوا الساحة الثقافية الإيرانية التجديدية، من خلال النافذة التي فتحتها هذه المجلة، لكنني اكتشفت المشهد الثقافي العربي من خلالها.كان المصدر الوحيد للمنشورات العربية بالنسبة لنا هو معرض طهران الدولي للكتاب. وعادة ما اكتشف أسماء المفكرين من خلال هذه المجلة، وأقتني الكتب من المعرض.

توالت محاور المجلة: “اتجاهات جديدة في التفسير: التفسير الاجتماعي والتوحيدي والبنائي والسُنني 1998” و”إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا إسلامية المعرفة والمرأة 1999″…وغيرها. في العام نفسه سجلت رسالة ماجستير في العلوم السياسية عن الحركة النسوية والفمنزم، وشكّل لي ملف المرأة مادة مرجعية غنية للمطالعة حول التوجهات الجديدة للمثقفين الدينيين في خصوص قضية المرأة.كنت انتظر صدور المجلة بفارغ الصبر، لتفتح علي آفاقا وعوالم جديدة من المعرفة. وان كانت أصبحت لا تطبع ولا توزع ولا تباع في قم، لكنني احصل عليها بالوسائط.

كنت أتفاعل مع كل محور يصدر فيها: “منهج التعامل مع القرآن،  1999″، “فلسفة الفقه 1999″، “مقاصد الشريعة 1999 -2000″، و”قراءات في فكر الشهيد الصدر 2000″… كلها تشكّل لي مادة للمطالعة والتدبّر، وبعض الأحيان الكتابة باللغة الفارسية.

في العام نفسه (2000) صدر كتاب الرفاعي: “محاضرات في أصول الفقه”، وهو شرح للحلقة الثانية لأصول الشهيد الصدر في مجلدين، وعلى الرغم من أني أنهيت دراسة الحلقة الثالثة، لكنني اقتنيته وقرأته بدقة، واستفدت منه كثيرا، وعرفت أن صاحبي فقيه كلاسيكي أيضا. في العام التالي (2001) صدر له: “مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وهو شرح “بداية الحكمة” للعلاّمة الطباطبائي في مجلدين، وكنت في حينها قد فرغت من دراسة “نهاية الحكمة”، اقتنيته وقرأته بدقة، أما مقدمة الكتاب فصرت أعيد مطالعتها، حتى حاولت حفظ معلوماتها ومعطياتها. في العام نفسه، فتحت المجلة محورا جديدا وتوقفت عنده كثيرا، إذ صدرت الأعداد من الرابع عشر إلى الثامن عشر، جميعا تحت عنوان: “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” 2001 – 2002.

حتى ذلك الحين كنت مهتمّا بالفقه والأصول والسياسة والفكر النسوي. ومقتنعا بأن إصلاح المجتمع يتم من خلال إصلاح وضع المرأة، وهو يتم من خلال الفكر النسوي. لكن أستاذتي حميراء مشير زاده، التي كانت تشرف على أطروحتي في الفمنزم، ومن خلال حوارات طويلة أقنعتني أن وضع المرأة ليس منفكّا عن وضع الرجل والمجتمع. ولا يصلح وضعها إلا من خلال تنمية المجتمع. وإذا صلح المجتمع يصلح وضعها تلقائيا. فصارت أولويتي الأولى الاهتمام بفكر التنمية ونظرياتها.

كنت مستغرقا في دراسة الفقه وأصوله والعلوم السياسية، إلا أن معرفتي بأبحاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد متواضعة، ولأول مرة ومن خلال هذه المجلة، اكتشفت فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفي مرحلة لاحقة توصلت إلى انه لا تقوم لمجتمعاتنا قائمة إلا من خلال إصلاح الفكر اللاهوتي. ما دام لاهوتنا باقٍ على ما قرّره لنا الأسلاف، الأشعري بالذات، نبقى ندور في الدوامة نفسها، ولا ينفعنا فكر التنمية، ولا الفكر النسوي. حتى المفكرين الإيرانيين الذين كنت احضر في حينها محاضراتهم بشكل مباشر، صرت استرشد آراءهم من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

لم يكن بوسعي قراءة كل ما يكتبون. فكنت أتابع المجلة، وأقرأ الأصل الفارسي لأي من مواضيعهم التي ترجمت إلى العربية، لأني اكتشفت أن انتخاب الرفاعي للموضوعات انتخاب حكيم متفحّص. وأنا حتى هذه اللحظة أتابع المشهد الثقافي الإيراني من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وما زلت إلى الآن اكتشف كتّابا إيرانيين هامين من خلالها، مثل: “أبو القاسم فنائي”. حين تابعت ملف “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” أحسست بشكل تدريجي بانبثاق فكر جديد، وتفسير جديد للدين، على الأقل في قم وفي ساحتنا العراقية.

قبل ذلك كان هناك تياران ومدرستان يتجاذبان ساحة الفكر الديني آنذاك في قم:

التيار الأول: هو تيار الحوزة والمرجعية التقليدية، التي تتبنى التفسير الكلاسيكي للدين، ويمكن اعتباره ممثلا للتوجه “السلفي” في المذهب الشيعي.

التيار الآخر: الأحزاب الإسلامية وأصحاب مشروع الدولة الدينية، وهم أشبه ما يكون بـ”الأصولية الشيعية”، وهو يستلهم أفكاره من تراث سيد قطب، التيار الذي تربع على عرش السلطة منذ 2005 في العراق، وقدّم أتعس نموذج للحكم.

التيار الأول كان يعدّ الثاني مارقا وابنا عاقا له. لكن الثاني ما تعلّم درسا من قمع الأول له، بل هو بدوره مارس قمعا أبشع بحق كل من يفهم الدين بصورة مختلفة عنه.

ومنذ هذا العام بدأت ارصد بزوغ تفسير ثالث وقراءة ثالثة وفهم ثالث للدين – في وسطنا العراقي في حوزة قم – لا هو كلاسيكي أو تسامحا “سلفي”، ولا هو “أصولي”، بل “تيار التنوير الديني”، وهي ظاهرة كنت ارصدها عند الإيرانيين فقط. فظاهرة المثقف الديني التي نمت نواتها الأولى عند الإيرانيين منذ عقود من الزمن، ويمكننا عدّ: نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي…وغيرهم من أعلامها على ساحتنا العربية. لكني لم اكتشف عراقيا في هذا الوادي.

لا أريد أن اظلم الآخرين فكان لأساتذة آخرين دور محترم وجهود مشكورة وكتابات مفيدة في هذا الخصوص، لكن لم أر أحداً يرفع راية التنوير الديني ويتبنى مشروعها غير الرفاعي ومجلته.

تناغم هذا التفسير مع روحي وفطرتي وعقلي أكثر من التفسيرين الآخرين، ذلك أني وجدته أكثر احتراما للإنسان وإنسانيته، وهو أكثر إجلالا وإعظاما وإكبارا لله. لهذا رفعت الحجاب بيني وبينه وقصدته، وكانت بداية علاقتي المباشرة معه، بعد ما استمرت علاقتي الغير مباشرة به ثمانية عشر حولا.

 

المحطة الثالثة: 2002 فما بعد

سجّلت في عام 2002 رسالة ماجستير في أصول الفقه، واخترت الرفاعي مشرفا عليها، وبدأت علاقتي المباشرة به…كان يتحفني بكل غال وثمين من مكتبته، ويجمعني منزله بنخبة المثقفين الإيرانيين والعراقيين…بيته، مكتبته، صدره…كان مفتوحا لي، ولكل طالب علم ومعرفة.

بعد أن انتهيت من الرسالة وناقشتها، توقعت أني سأخفّف عن الأستاذ ولا أتجاوز على وقته، لأن السبب الحقيقي للتواصل المستمر قد انتهى. فوجئت باتصاله بي ودعوتي، وظل يحثني على استمرار الصداقة والتواصل. وهذا الأمر لم أعهده من أي استاذ آخر. لأنه لم يكن بحاجة لي أبدا، بل العكس تماما، أنا كنت محتاجا لأخلاقه وروحه وعقله وعلمه وعلاقاته.

وبالفعل نشطت علاقتنا أكثر، وأصبحنا مقربين أكثر، حتى دخل هو الوظيفة ببغداد عام 2005، وتصدى للعمل الوظيفي “مستشارا ثقافيا في رئاسة الجمهورية”. مرة أخرى انسحبت قليلا إلى الوراء، كي اترك للرجل حريته في اختيار علاقاته الجديدة، كما هو المعهود من اغلب من عرفتهم ودخلوا السلطة. لكن هذه المرة أيضا فاجأني بأنه هو هو. لم يتغير فيه شيء…فشخصيته التي صاغها عبر عمر من التجربة وكسب المعرفة، وتهذيب النفس، ما كانت تتأثر بهذه المتغيرات العابرة.

ومنذ ذلك الحين غير الأمسيات التي كنا نقضيها في منزله بصحبة ثلّة من أهل العلم والمعرفة،كان كثيرا ما يدعونا لتناول العشاء في أفضل مطاعم قم، وتتحول مآدب العشاء إلى حواريات ثقافية، تستمر أربع أو خمس ساعات. وكانت لنا أنا وإياه جولات رياضية. نخرج في مشي سريع نجوب شوارع قم،كنشاط ضروري لحفظ توازن الصحة، وخلالها نتحاور بما هو مسموح وممنوع، وكانت أفضل حواراتي العلمية وأكثرها حرية، أمضينا مئات الساعات معا خلال العقد الماضي، نناقش مختلف القضايا الفكرية والحياتية مشيا. ربما شكّلنا معا نواة المشّائين الجدد من حيث لا نعلم.

مثّل لنا الرفاعي البديل الديني عن الحوزة والإسلام السياسي في قم، وهو ما كان مفقودا عراقيا، لكن فوجئت حينما سافرت إلى العراق بعد تغيير النظام، أن المهتمين بالفكر الديني الحديث كانوا يعرفونه منذ عهد الحكم السابق، وكانوا يتعاطون المجلة ومؤلفاته، من خلال استنساخها في سوق “المتنبي” للكتب، وتداولها بينهم… رأيت أن مشروعه حمل راية التنوير الديني في العراق، حتى قبل عودته للعراق. الرفاعي لم يبق مثقفا دينيا وحسب، بل رفع راية للمثقف الديني، نتفيأ ظلها.

في هذه المرحلة لم تكن علاقتي بالرفاعي من خلال المجلة أو الكتب، بل التعايش والتعامل المباشر. اما المجلة التي واكبتها منذ عددها الأول، فواكبتني وساهمت في صناعة لغتي وثقافتي، حتى تمكنت أن أكون مساهما فيها من خلال الترجمة منذ مطلع عامها التاسع في العدد الواحد والثلاثين (2007) حتى اليوم.

في الحقيقة كنت انهل من علمه في العقد الثاني من تعرّفي عليه، ولكن في هذه المرحلة إضافة للعلم والمعرفة صرت أنهل من شخصه، واكتسب نهج الحياة أكثر من اكتساب المعلومات. أحاول هنا أن أسجّل أهم ملامح الرفاعي الذي اكتشفته خلال هذا العقد الأخير من التعامل المباشر معه.

الرفاعي الإنسان والمشروع

کنت اريد التحدث عن الرفاعي كإنسان، ثم عن مشروعه. لكن كلما فكرت وجدت أن كل صفة فيه منعكسة في مشروعه، وكل ميزة لمشروعه فيه، هو مشروعه ومشروعه هو… يبدو انه حمل هذا المشروع في أحشائه، وغذّاه من روحه، وأنجبه نسخة منه، واستمرارا لوجوده. بحيث يبدو لي كأن الاثنين واحد. لهذا لا أرى التفكيك بينهما سهل، وليس بوسعي إلا أن أتكلم عن الاثنين في آن واحد. فسماتهما واحدة، وخير دليل لفهم مشروعه قراءته هو.

هدف الرفاعي الإنسان والمشروع

هدف الرفاعي ـ الإنسان والمشروع ـ كما يبينه هو في كتاباته: “فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير. ومن الواضح أن تحديث التفكير اللاهوتي يتطلب تساؤلات واستفهامات جديدة، ومراجعات نقدية للتراث الكلامي، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب. والسعي لترسيخ صورة للإله، تستوحي صفات الرحمة والمحبة والسلام، ونحوها من صفات الرحمن، وتستلهم ما يتحلى به الله تعالى من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب، العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد، الصبور،…الخ”.

البنية الصلبة

قد يتصور البعض أن الرفاعي الذي يتحمل الآخر، ويتيح الفرصة له لطرح آرائه، تحلّلت البنية الصلبة داخله وتحرر منها. إذا كانت البنية الصلبة هي الإيديولوجية فهذا الكلام صحيح، ولكنه ما زال مسكونا ببنية صلبة، وهي القيم الأخلاقية والمعايير القيمية… محبة الآخر، الصدق، الأمانة، الوفاء للصداقة، الكرم، مساعدة الناس، احترام الناس… قيم وأخلاقيات محكوم بها الرفاعي، نتيجة البنية الصلبة التي تسكنه.كذلك هو مشروعه، يتوافر على بنية صلبة، هي التي ساعدته على أن يسلك خطاً واضحا وثابتا منذ العدد الأول والى آخر عدد صدر من مجلته.

فقيه غير معمم

اعتقد بأن دراستي مدة عقدين للعلوم الدينية، العقد الثاني منها (2001 -2011) عند ابرز أساتذة البحث الخارج، وأشهر الفقهاء في حوزة قم، تؤهلني لأن أميز بين المجتهد وغيره. وعليه يحقّ لي أن اشهد لأستاذي بالاجتهاد، حسب التعريف الكلاسيكي للاجتهاد في الحوزة العلمية. فإحدى ميزات الرفاعي التي ساندت مشروعه هو بلوغه درجة الاجتهاد فقهيا، وهذا من النوادر جدا بين الذين ارتادوا هذه الساحة، واهتموا بهذا النهج الفكري. هو فقيه حوزوي، وان لم يعتمر عمامة، فمما يميزه عن المثقفين المهتمين بالبحث والكتابة في الدين في العراق والبلاد العربية انه فقيه محترف.

لقد تكوّن، بشكل تدريجي، تيار من تلامذة وأساتذة الحوزة غير معممين في وسطنا العراقي. بحيث أصبح اليوم وجودا معترفا به داخل الحوزة. رائد هؤلاء وأبرزهم وأشهرهم هو الرفاعي. يمكنني وصف هذا التيار “تسامحا” بـ”الرهبنة الجديدة الشيعية”، بمعنى انه نمط جديد من رجال الدين الشيعة، بزيّ جديد ووظائف مختلفة. انه غير مستعد للتنازل عن هويته الدينية، ولا التخلي عن بيان فهمه المعاصر للدين. حتى لو اختلف اجتهاده وفهمه مع الفقهاء الكلاسيكيين. هذا التيار، الذي اعدّ نفسي احد أفراده، غير موجود على الساحة العربية. فالمثقف المهتم بالبحث والكتابة الدينية في بلادنا في الغالب لم يتخرج من الحوزة أو العلوم الدينية الكلاسيكية بشكل محترف، وحتى الحوزويون منهم وهم قلائل،لم يبلغوا في دراستهم درجة الرفاعي. امتاز مشروع الرفاعي أيضا بالخبرة التراثية، فلا ترى فيه الشطحات التي غالبا ما تسقط فيها سائر مشاريع الحداثة الدينية، نتيجة قلة خبرتها بالعلوم الدينية الكلاسيكية والتراث.

إحدى وجوه أهمية مشروعه أنه تكلم وهو في قلب الحوزة، وطرح فهمه وتفسيره ومشروعه من داخلها، ولم يخرج منها أو يبتعد عنها أو يصطف مع مناهضيها ودعاة القضاء عليها وتقويضها.

العطاء

لطالما شاهدته وهو ينشد المحتاج، ويطلب الصداقة ممن هو أحوج لصداقته منه… إن اكبر رصيد يملكه الرفاعي هو شبكة علاقاته الفريدة. الشبكة التي بذل في سبيلها الغالي والنفيس من روحه وعقله وعلمه ووقته وماله… حتى بناها، يقدّمها بكل كرم وسخاء لأصدقائه. يعرّف هذا على ذاك، ويُقرّب ذاك من هذا. يتوسط لأحدهم عند الآخر، ويحصل على دعم من شخص لثانٍ، ويشغّل بعضهم عند البعض الآخر. ينجز هذه المهمة بحنكة وحكمة واتزان…لا يبسط يده كل البسط، فيندم بعدها، ولا يقبضها.

وطبيعي إن من يعطي أعز ما يملك لأصدقائه، لا يبخل على مشروعه الذي هو ابنه الروحي ووليد نفسه، لذلك أعطى كل وجوده وسخّر ما لديه، حتى تضافرت جهود الأسرة بمجموعها، خاصة زوجته الكريمة الأستاذة انتزال الجبوري لانبثاق هذا المشروع واستمراره.

والمشروع بدوره معطاء أيضا، معطاء للقارئ الذي ينهل منه المعرفة وللمشارك. فكانت تجربة المشاركة فيه معطاءة لكثير ممن شاركوا فيه، إذ ساهم في صناعة اسمهم، وواضح كم هذا الأمر مهم بالنسبة للكاتب غير المعروف.

النظرة الايجابية والأمل

تمتع الرفاعي بنظرة ايجابية للحياة ولأصدقائه، وما يحيط به. ومديحه السريع لأصدقائه بمجرد أن يأتي ذكر أحدهم، نتيجة هذه النظرة الايجابية. تنعكس هذه النظرة على مشروعه بشكل أمل بالإصلاح. ما كان للمشروع أن يصمد لعقد ونصف من الزمن ضمن هذا الواقع الذي نراه، لولا هذه النظرة الايجابية والأمل بالمستقبل.

أسّس الرفاعي مركز “دراسات فلسفة الدين” في بغداد سنة 2003، في ظل ظروف يصعب التفكير بمشروع كهذا فيها، وأعلن أن أهداف المركز هي:

1ـ الدعوة للتسامح، وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر.

2- إشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات.

3- ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

4- الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة.

5- تعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث كافة، واستبعاد العناصر القاتلة والميتة، واستدعاء العناصر الحية منه ودمجها بالواقع.

6- تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها.

7-  تدريس وتعليم ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية.

8- تطهير التدين من الكراهية والإكراه.

9- تحــريـر فهم الــدين من المقــولات والأفكار والمــواقــف التعصبيــة والعدوانية.

10- الكشف عن الأثر الايجابي للفهم العقلاني الإنساني للدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

11- تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه.

12- بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك.

13- التثقيف على الحريات وحقوق الإنسان، وتجفيف المنابع التي ترسّخ مفاهيم الاستبداد، وتعمل على صياغة نفسية العبيد في المجتمع.

14- تجلية الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والجمالية والمعنوية المضيئة في الدين والتراث.

15- تنمية التفكير والتدريس والتعليم والبحث والاجتهاد في فلسفة الدين وعلم الكلام.

وأدى المركز من خلال نشاطاته ومنشوراته دورا هاما في هذا الحقل، وما زال يسعى  لتأسيس كلية (فلسفة الدين) بعد تأمين المتطلبات والإمكانات المادية والعلمية.

الدعوة للنقد وتقبله

نظريا يقول الرفاعي: “النقد مصدر التطور الفكري والاجتماعي، والنقد أساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها، للثقافة والتجربة والتاريخ والتراث والاجتماع الإسلامي. ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف إلا بتجذير ملكة النقد وتكريسها”. وعمليا نراه على صعيد مشروعه سنّ سنة “نقد العدد الماضي” في مجلته والتزم به. وكذلك حاول من خلال مشروعه وما نشر، “الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة” في آن واحد.

هذا الرفاعي المشروع، أما الرفاعي الإنسان، فهو أيضا يتقبل النقد بكل رحابة صدر، وإن كان من اصغر تلامذته.

التدين

يعتقد الرفاعي أن: “الإنسان كائن متدين، والحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأً انطولوجيا لا يُروى، إلا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن أن تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام للتراحم والمحبة والجمال في العالم، … وليس بوسعنا بناء بلادنا إلا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية”.

لا يسمح المقام هنا للدخول في الحديث عن معنى الدين والتدين. ولكن أرى من المناسب أن أقدم شهادتي من خلال مواكبتي للرفاعي، أنّ الرجل يعيش جوهر الدين في باطنه، وله تجاربه الروحية الفريدة. روى إحداها للقارئ فيما كتبه عن زيارته لمولانا جلال الدين الرومي، أو ما كتبه عن بعض سفراته للحج. وملتزم عمليا بحذافير الشريعة في سلوكه، لا يفارق دينه في مختلف حالاته وسلوكه، وهذه حالة نادرة عند التنويريين.

ومشروعه أيضا لم نره يوماً يهاجم الفكر الديني الكلاسيكي، أو يقدح به ويجرح أتباعه، ويحتفظ بعلاقات طيّبة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل يحاول أن يطرح ما يراه ، من دون هجوم على الآخر وعلى التدين التقليدي.

نبذ التعصب والعدوانية والاستغلال

يعتقد الرفاعي، مثلما ورد في بيانه: “إن السلام هو سبيل الأمن الاجتماعي والعيش سويا، ولا نجاة للعالم إلا بالتشبث بالوسائل السلمية لحل المنازعات، والتخلص من بواعث العنف والحروب. تشدد رسالة الدين ومقاصده الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب.”

وفي مشروعه لا يدّعي احتكار تمثيل الفكر الديني. لكن يحاول إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية.

فلا نرى في مشروعه ما يمسّ الآخرين أو يجرحهم أو يتجاوز عليهم. ولا يمارس سياسة التهكم على مقدس للناس، ويحذّر من “جرح الضمير الديني للغير”.

كذلك هو كشخص في حياته، لم يشهد له موقف عدائي من سائر التوجهات الفكرية أو أتباعها. ولهذا يجمع بين أصدقائه بين المتدين التقليدي، والمتنور، وغير المتدين، واللاّديني.

لم يدّع التنزه والفوقية

يقول الرفاعي: “لا يعني التدين الذي ننشده اختزال الإنسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيّره كائنا سماويا مجردا منسلخا عن عالمه الأرضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني هذا التدين إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع إيقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها.”

وعلى الصعيد العملي لم نرَه يوما ادّعى تنزيه ذاته، وإعلان تفوقه على سواه، أو ادّعى التجرد والمثالية، بل يؤكد دائما على ضعفه، وعمق احتياجاته البشرية، كذلك مشروعه الفكري،لم يعدّه سوى محاولة على سبيل الرشاد. ولم يتصور أو يدّعي يوما أنّ مشروعه سوف يغيّر العالم.

ولم نسمعه يوما يتكلم بلغة التكليف الشرعي، والمتاجرة بالدين، والمزايدة بالوطنية، وإدّعاء التضحية في سبيل الناس، والتنكّر للطبيعة البشرية.

التسامح

يدعو الرفاعي: “للتعددية والتسامح، وإرساء قيم الاختلاف واحترام الآخر. وإشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات. تحرير فهم الدين من المقولات والأفكار والمواقف التعصبية والعدوانية. تطهير التدين من الكراهية والإكراهات”.

أي شخص يعرف الرفاعي يشهد له أن التسامح من سماته الأخلاقية، وشهدنا مواقف كثيرة من تسامحه وسعة صدره، حتى مع من تجاوز عليه أو حتى خانه، خلال مواكبتنا له، لكنّ المقام لا يسمح بسرد القصص، أو ذكر الأسماء بسوء، فهذا خلاف نهجه التسامحي.

كما إن مشروعه منذ عشرين عاما تقريبا، لم يصطدم بأي مشروع آخر، بل نأى بنفسه عن الصراع والتنافس الذي لا يليق بالعمل العلمي الرصين.

مثلا في بعض الأحيان، يعدّ ملفا للنشر، وينفق عليه العمر والمال، لكن قد يسمع بمؤسسة أخرى تعدّ عملا مشابها، أو قريبا منه، فيتخلى عنه على الرغم من أنه بدأ به قبلهم.

يعلن الرفاعي تبرّمه وأسفه وانزعاجه من أن شطحات بعض طلابه يحسبها بعضهم عليه، على الرغم من رفضه لها، لكنه لم يفرض رأيه يوما عليهم، أو يكرههم على تغيير قناعاتهم، أو سلوكياتهم، أو تصريحاتهم، أو كتاباتهم.

المعاصرة

يعبّر الرفاعي كفرد من خلال سلوكه، وحتى ملبسه، وكمشروع، يعبّر عن: “روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: (الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها). وتبنّي الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزّز المصالحة بين المتديّن والمحيط الذي يعيش فيه”.

 

الدعوة للمحبة

يدعو دائما للمحبة، والى العفو والمغفرة، والى التجاوز عن الناس، والتسامح معهم… ومن خلال مشروعه حاول: “التثقيف على نفي الإكراه في الدين، وتعميم مبدأ (لا إكراه في الدين)، والاستناد إليه كمرجعية ومعيار قيمي في التعاطي مع الآخر، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، واحترام الآخر، والعيش المشترك…وتجذير المفاهيم والشعارات التي تمجد الحياة، وتعمل على تحرير الناس من المقولات الداعية إلى عدّ (الموت أسمى الأماني)”.

يسير مع الجميع لكن لم يتبع أحداً

يعلن على الدوام المبدأ الذي يلخص رؤاه ومواقفه وسلوكه بمقولته: “أسير مع الجميع وخطوتي وحدي .. أتفق مع الجميع وأختلف عن الجميع” . فهو (يتفق مع الجميع)، من دون أن يقلّد، أو يتماهى، أو يحاكي أحدا… و(يختلف عن الجمع)، ذلك أن خطواته مستقلة، ويحاول باستمرار أن  يجترح نموذجه الخاص به.

صادَقَ الرفاعي الجميع، واحتفظ بعلاقات صادقة جادة مع الجميع، وسار مع الجميع، لا لأنه لا لون له، بل لأن له لونه وطعمه وبصمته المتميزة، فالكل يعرفه على أنه الرفاعي ويصادقه. فإذا سار مع أحد لا يصبح تابعا له، بل تبقى خطواته مستقلة.

كذلك هو مشروعه، لا يخاف أن يحمل أفكار المدارس المختلفة، ويبقى على خطه ونهجه.

المشروع من وحي حاجتنا

قد لا يدرك الكثيرون _ وأنا منهم _ أهمية مشروع الرفاعي، وضرورة تأكيده على التسامح والتساهل والتراحم وتحمل الآخر في بادئ الأمر. لأن الاستبداد والدكتاتوريات في بلداننا كانت تمثل قشرة متصلبة غطّت ما تحتها في مجتمعاتنا، لكن اليوم وبعد ما تمزّقت هذه القشرة نتيجة “الفوضى الخلاقة”، وتكشّفت حقيقة ما تحتوي عليه مجتمعاتنا من تناقضات، نرى فائدة التفسير الإنساني للدين الذي دعا له الرفاعي. ففي الزمن الذي كان فيه الذبح علی الهوية أمر غير مستقبح من أية جماعة، حينما لا يتطابق مع الآخر، أصدر في هذا الزمن سلسلة كتاب “ثقافة التسامح” ببغداد عام 2004، صدر منها حتى الآن 20 كتابا، وعرّفها بأنها: “سلسلة كتاب ثقافية شهرية تصدر في بغداد. وتهتم بالتثقيف على: التسامح، ونفي الإكراه والكراهية في الدين، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، والاعتراف بالآخر، واحترام الآخر، والعيش المشترك. ونقد منابع التعصب، ونفي الآخر، والعنف، والتحجر، والقراءة الفاشستية للدين، واكتشاف الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والمعنوية السامية في الدين”.

ولطالما شدّد على أن: “الحاجة ملحة إلى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخاطئ للدين، والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه”.

ولكن من الطبيعي أن لا يسمع صوته، لأن الكلمة أصبحت للمحرّض طائفيا، سواء كان رجل دين، أو سياسة. بينما لو كانت القوى الفاعلة في المجتمع تتبنى هذا الفهم والتفسير للدين لما وصلنا لهذا النفق المظلم الذي سقطنا فيه اليوم ولا يعلم آخره إلا الله.

المجهولية

صحيح أن علاقات الرفاعي النوعية بالنخبة الثقافية في العالم العربي وإيران مميزة جدا، ربما لا يمتلك غيره من أقرانه مثل هذا الرصيد، لكن هذه العلاقات والمكانة مجهولة في بلده، لذلك لم يتبوأ موقعه الفكري الذي يستحقه…ولم يزل يواصل مراكمة جهوده الفكرية ومشروعه التحديثي الرائد وحده. فضلا على أن مشروعه والمجلة بشكل خاص لم تنل حقها من الاهتمام في الدراسات الإسلامية، ولا نجد توظيفا لمحاورها، يتناسب مع عمق وتجديد مضمونها، وكثافة وأهمية موضوعاتها.

لعل ذلك يعود إلى عدم توافر المناخات المطلوبة في بلدنا والعالم العربي لهذا النمط من التفكير الديني. وان كانت هناك آثار غير معلنة، تشي بانطلاقة واعدة في هذا الحقل، وتؤشر إلى تأثير غير منظور لمشروع الرفاعي وكتاباته ومجلته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، فمثلا قررت وزارة التعليم العالي العراقية فرض مادة “فلسفة الدين” كمقرر دراسي في أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية كافة، كما سُجلت ونوقشت أطروحات عديدة تناولت هذا الموضوع. بينما لم يعرف من قبل حقل في الدراسات الدينية عنوانه “فلسفة الدين” في العراق. كان الجميع يسأل عندما يطلع على المجلة ويقرأ “يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين” ما المقصود بفلسفة الدين؟ وكل منهم كان يحسبها ما يسمى بـ”الفلسفة الإسلامية”.

يبدو أن المركز ومطبوعاته ومجلته أدى دوراً هاماً في توجيه الدراسات الدينية في العراق وغيره.

لكن الرفاعي ومشروعه تنبهت له مؤسسات ومنتديات ونخب هامة خارج بلده…فقد وقع الاختيار على مجلة قضايا إسلامية معاصرة دون سواها، بوصفها دورية فكرية جادة ومتميزة ورائدة في تحديث التفكير الديني في الإسلام، في العقدين الأخيرين. حين خصّص “المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية” في روما كتابه السنوي للعام 2012 لإصدار ترجمات ايطالية وانجليزية وفرنسية لنصوص منتخبة مما نشر في المجلة في مختلف محاورها، وعنون الكتاب بـ”الإشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا إسلامية معاصرة”.

ثم تلته مبادرة “حركة أنطلياس الثقافية” بلبنان في تكريم عبد الجبار الرفاعي، وقد كانت محفزاً لمؤسسات إعلامية عراقية للانضمام إلى المبادرة، فأصدرت صحيفة المدى ملحق “عراقيون” حول الرفاعي، وخصّصت احتفالية في المتنبي للمناسبة نفسها. تلاها ملحق صحيفة العالم، ثم احتفالية في النجف وأماكن أخرى داخل العراق. والذي شجّع بعض أصدقائه وتلامذته على القيام بمشروع الكتاب التذكاري.

كان لهذه الجهود دور هام في التعريف بالمشروع، لكنها ما زالت تحتاج للمواصلة كي ترسّخ دعائم هذا الفكر التحديثي في مجتمعاتنا.

“ماركة” الرفاعي

قال لي صديق مثقف خبير: “لو كانت حكومة من حكوماتنا تريد إخراج مجلة بمستوى قضايا إسلامية معاصرة، لاحتاجوا إلى عمارة من ستة عشر طابقا… وفي النهاية ربما لا تخرج بهذا المستوى”. بعد عدة عقود من العمل المضني نحت الرفاعي من اسمه “ماركة” دليل على جودة المنتج الفكري. لهذا اختاره العشرات من طلاب الدراسات العليا كي يكون مشرفا على أطاريحهم.

متصوف خارج التصوف الطرقي لم يكتشف بعد

الكثير من أصدقائه لم يكتشف بعد النزعة الصوفية في شخصيته وجنوحه للفكر العرفاني. صورة ضريح مولانا الرومي، التي وضعها غلافاً للطبعة الأخيرة من كتابه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، تشير لهذا التوجه. فهو متصوف في رؤيته النورانية للوجود وروحه وأخلاقه، لكنه لا ينكّل الجسد، ولا يحرم نفسه من مباهج الحياة، ولا يتظاهر بالقداسة، ولا يمارس الدروشة، ولا يقدّس شيخ طريقة…انه يغرق في تجربة روحية باطنية، تشي بتصوف فلسفي أخلاقي، لا تصوف طُرُقي.

ما زلت اكتشفه

بعد هذه المسيرة الطويلة لي بمعايشة الرفاعي، والتي شارفت على دخول عقدها الرابع، ما زلت اكتشف الرجل. صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنه يضع كلا منها في موقعها…شغفه واطلاعه بالأحجار الكريمة، اهتمامه باقتناء المحابس والسبح، ضحكته الصاخبة، عفويته، براءته، عراقيته، بكاؤه، إهتمامه بهندامه وملبسه ومظهره، ذوقه الفني، شغفه بالجمال، هوايته بجمع اللوحات الفنية، زيارته للمتاحف الأثرية والفنية في كل مدينة يزورها، ولعه بالكتب والمكتبات، مشاعره وعواطفه الجيّاشة حيال من يرتبط به بعلاقة، إلحاحه في قضاء الحاجات، الصديق الوفي، فحين يحتاجه احد أصدقائه أو تلامذته يجده بجواره… ربما متحمسا أكثر منه…منضبط بالوقت والمواعيد، مستشار أمين، يذكر أصدقاءه دائما بخير…على الرغم من خبرته الدقيقة بأمزجة البشر وسجاياهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، من خلال خبرة واسعة متراكمة عشرات السنين بعلاقات متنوعة مع الناس، وتكوين علمي جيد في العلوم الإنسانية وعلم النفس. وان كان هو يميز بين مراحل مرّت بها مسيرته الفكرية، لكنني في الحقيقة لا اعدها مراحل، بل تدرج وتطور وتكامل، كتلميذ الطب الذي يصبح جراحا حاذقا… الطريق نفسه لكنه تقدم فيه أكثر وتعمق أكثر.

الرفاعي الذي كان صاحب التفسير الثالث والبديل الديني بالنسبة لي، المختلف (عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين)، في الحقيقة علّمني نهج الحياة أكثر من ما علمني دروسا في الفلسفة أو اللاهوت.

كلمة الختام: كانت بجواره وليست خلفه

لا أطيل أكثر، وأنهي انطباعاتي ببيان حقيقة وهي: أن الرفاعي لم يكن وحيدا في هذه المسيرة وما حققه…أصبح تقليدا أن يقال عن كل رجل ناجح “وراء كل رجل عظيم  امرأة”، ولكن ليس مجاملة كانت السيدة انتزال الجبوري بجواره والى جنبه في هذه المسيرة الطويلة وليست وراءه… وذلك:

حينما تنازلت عن دراستها الجامعية، لرفد مسيرته الحياتية، في الحركة الإسلامية، والحوزة، في المرحلة الأولى من حياته…

حينما تنازلت عن عيشها الرغيد، لتواكب مسيرة شاب مغامر، متهور، حالم، مشرد…

حينما تركت الأهل، واختارت الغربة والمنفى…

حينما تحملت تقشف العيش وقساوة المنفى، واستضافت وخدمت وطبخت للـ”الشباب العراقيين المشردين في المنفى”…

حينما تحملت أعباء المنزل، وحينما أنجبت وربّت وعلّمت أبناءً تفوّقوا في مسيرتهم الأكاديمية والثقافية…ومنهم مدير تحرير المجلة اليوم، الحبيب “محمد حسين الرفاعي”…

حينما قامت بالتصحيح والطباعة والتنقيح اللغوي والتحرير لمجلة فصلية تصدر بحدود 400 صفحة، فضلا على أكثر من 200 كتاب، أصدرها مركز دراسات فلسفة الدين…كانت حوله وبجواره وعضده طوال الطريق، ولم تكن خلفه.

[1] ماجستير شريعة، وماجستير علوم سياسية.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً «تراث» المثقفين النقديين

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً تراث المثقفين النقديين

تغريد عبد العال

غابت الثقافة العربية عن جذورها طويلاً، ويبدو أن تواصلها مع الفكر الغربي قد جعل روابطها تضعف تدريجياً بالتراث العربي، ولأن مفهوم الحداثة مولع بأسئلة الغرب ومقولاته، فنادراً ما يشق الفكر العربي درب الفلسفات العربية والشرقية، في الهند واليابان والصين، ولا سيما الفكر الإيراني. وهذا يحيلنا إلى قضية أساسية يبحر فيها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، في كتابه «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» (منشورات تكوين) هي موضوع العلاقة بين الدين والثقافة عبر تناوله مفكرين نقديين وفقاً لما أسماهم. لم يقطع هؤلاء المثقفون النقديون تلك العلاقة بالدين، بل كانوا نقديين تجاهه ومتمسكين بجذورهم وأصالتهم كالعراقي علي الوردي (1913- 1995). تعرّض فكر الأخير لنوع من الجفاء، ولم تهتم به البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم تتبنَ دور النشر في بيروت إصدار أعماله. كما ذهب الكاتب في عرض رؤية المصري حسن حنفي (1935 – 2021) وفكره، الذي أعاد إنتاج التراث بلغته الخاصة التي تبدأ بالتراث وتنتهي به. واتسع الكتاب لثلاثة مفكرين إيرانيين لم تُدرس تجربتهم وفكرهم كثيراً هم داريوس شايغان الذي تميزت رحلته الفكرية بإعادة النظر في مسلماته وقناعاته وأحلامه، وأحمد فرديد الذي لم ينشر شيئاً في حياته رغم أنه شغل النخبة الإيرانية في زمانه. وفي الفصل الأخير، ناقش الكاتب ظاهرة ثقافية ليست غريبة في الفكر العربي، هي الانتقال من الماركسية إلى السلفية.

يذهب الكاتب عميقاً في سبر الثقافة العربية ونقدها عبر عرضه ومناقشته لفكر هؤلاء المفكرين العرب والإيرانيين. يناقش فكر علي الوردي، الذي يسمّيه المثقف الديني النقدي الأول في العراق الذي خرج من سجون الأيديولوجيات السياسية عبر قراءته للنصوص الدينية، لأنّ البحث في الدين كان مغيباً في الثقافة العراقية، وانحصر فقط في المؤسسات الدينية. وينوه الكاتب بأنّ مفهوم «المثقف» غامض ومشوّش في العراق، فيسارع كثيرون إلى نفي صفة التدين عن المثقف، وهناك عوامل كثيرة لذلك أولها مركزية الشعر في الثقافة العراقية، وارتباط صفة المثقف بالشاعر. والعامل الثاني هو حضور اليسار الأممي والقومي، الذي اتخذ موقفاً من الدين، معلناً القطيعة بين الجامعات والمؤسسات الدينية، ومحذّراً هذه المؤسسات من الانفتاح على الثقافة، والآداب والفنون.

ولأن المثقف العضوي ــ بحسب الكاتب ــ تناغم مع الأيديولوجيات النضالية، خصوصاً اليسارية، أصبح مشغولاً بتغيير العالم من حوله، وهذا المثقف مسكون بالأيديولوجيا أكثر، من دون أن يأخذ في الحسبان أنّ كل رؤية مختلفة للعالم هي فكرة ينبغي له أن يحترمها ولذلك يقوم بمهمة المفتش. وربما لم يركّز الكاتب هنا على قلة من «المثقفين العضويين» الذين آمنوا بالتغيير، وفي الوقت نفسه لم يأسرهم الجمود العقائدي، لذلك انتقدوا الغرب ولم ينظّروا كثيراً لأيديولوجياتهم بقدر ما اهتموا بكل التراث الفكري، أمثال إدوارد سعيد، الذي كان ناقداً للفكر الغربي الاستشراقي وللإمبريالية الفكرية والثقافية. وقد انتقد أيضاً نظرة الغرب للإسلام. ولكن ربما هنا يعطي الكاتب أولوية للمثقف الذي نهل من التراث وفي الوقت نفسه غيّب كثيراً إلى درجة أننا نجهل أعماله البحثية والفكرية، خصوصاً أنّه ركّز أيضاً على شجاعة علي الوردي بالاعتراف بأخطائه، ومراجعته المستمرة لأفكاره، إذ قال: “ما كتبته بالأمس لا يصلح اليوم، كما أن ما أكتبه اليوم قد لا يصلح غداً”.

أما المفكر الثاني الذي تأمّل الكاتب في فكره، فهو المصري حسن حنفي، الذي انتقد الأصولية. كما أن تأويلاته للتراث نهلت من منابع متنوعة، وتخلو كتاباته من التحريض ضد المذاهب. وهو الشغوف بالتراث والتجديد، وكان يتمنى أن ينجز كتاباً عن الثوار في كتابات أميركا اللاتينية، كما أخبر الكاتب حين التقاه. لكن المختلف هنا عن علي الوردي، أن حسن حنفي مثقف رسولي وثائر أيضاً، فقد كان يعتبر نفسه فقيهاً ولكنه في الوقت نفسه، كان يحلم بتغيير العالم بأفكاره. وحين تحدث حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه، قال: «كانت صورتي في الإخوان أنّي شيوعي وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني». لقد كان حنفي مسكوناً بيوتوبيا اليسار الإسلامي حيث يلتقي الإسلام بالشيوعية وفقاً لرؤيته، ومن هنا تكمن ثوريته. فهو يصرّ بتساؤل إنكاري: وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ ويسأل: هل ينفع تدريس العلم من دون أيديولوجيا؟ وما العيب في أن تؤدي الأيديولوجيا إلى العمل السياسي؟ وما العيب أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدل أن يحفظ كتاباً مقرراً؟ وكان حنفي أيضاً من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان المسلمين، فوصف ما تعرضت له الجماعة من اضطهاد، وبرّر نشوء فكر إسلامي معاد للواقع. هكذا، تضمّن تحليله لفكر الإخوان اعترافاً برؤيتهم المغلقة للعالم. ويتحدث أيضاً عن علاقته بسيد قطب الذي تعرّف إليه حين دخل حركة الإخوان المسلمين عام 1951. وسيد قطب أيضاً ـــ في رأي حنفي ـــ هو الذي بدأ ما يسمّى باليسار الإسلامي، فوضع حنفي مشروعه في سياق مشروع قطب، ودافع عن فكره وبرر أخطاءه بإحالتها إلى موضوع السجن والاضطهاد. لكن حنفي يمتلك ــ بحسب الكاتب ـــ مهارة التوظيف البراغماتي للتراث، فقد حاول أن يركب التراث على الواقع والواقع على التراث. وقد تأثر حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي ولد سنة 1929 وقتل مناضلاً سنة 1966. ورؤية توريس الثورية هو لاهوت التحرير الذي هو أيديولوجيا تختلط فيها المسيحية والماركسية، وهكذا كان القرآن بالنسبة إلى حنفي مانيفستو للثورة والتحرير.

وعن المفكر الإيراني داريوش شايغان ( 1935 ـــــ 2018)، يأخذنا الكاتب في رحلة لمعرفة سيرته وميزات فكره. التحق بجامعة «السوربون» ودرس التصوف والديانة الهندوسية، وأصبح أستاذاً مساعداً للأساطير. لعل ما تميز به هذا المفكر هو دراسته للتيارات الفكرية الغربية في موازاة دراسات الأديان والثقافات الآسيوية. عمل شايغان على تطوير ثقافته وتحديث أفكاره، ولم يخجل من المراجعة النقدية، وقد لاحظ أيضاً أن معظم المفكرين الإيرانيين هم شعراء، كجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي. واعتقد شايغان أن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن نظيره الغربي. وتنوعت إحالاته المرجعية، وأمسى قادراً على استبصار تشوهات المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء.

وكذلك كان المفكر الإيراني حسين نصر (1933) الذي نهل من شعراء الفارسية، كحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي، وندد بالحداثة الغربية، مشدّداً على أنّ الشرق هو رمز النور والعقل والروحانية. أما المفكر الإيراني أحمد فرديد (1909 ــ 1994)، فقد أعجب بغوستاف لوبون، وانخرط في محفل المثقفين الذين تمحوروا حول القاص الشهير صادق هدايت الذي كان صديقاً له. درس فرديد في «السوربون»، وعاد إلى طهران، ليدرس في جامعتها تاريخ الفلسفة وامتدت مطامحه للحياة السياسية، فاقترب من حزب السلطة وأعلن تأييده للثورة الإسلامية بعد انتصارها. كان هاجس أحمد فرديد هو الهوية والعودة إلى الذات الإيرانية. بعد انتصار الثورة الإيرانية، حرص على ابتكار تفسير ثوري إسلامي لهايدغر، فوجد أن لا تناقض مع تفكير هايدغر والثورة الإسلامية. ويرى فرديد أن الغرب وباء أصاب اليونان القديمة ومصطلح «الإصابة بالغرب» هو وصف لهذا الوباء المتفشي في الشرق المسكون بعقائد الغرب. وعن ظاهرة التحول من الماركسية إلى السلفية، يشير الكاتب إلى فكر المصري محمد عمارة (1931 ــ 2020)، الذي كان ماركسياً ومكث طويلاً في الماركسية ودخل السجن في أيام جمال عبد الناصر. وبعد صعود موجة الصحوة الإسلامية، انتقل إلى السلفية، وتخلى عن وظيفته كأستاذ جامعي، لأنه أراد التفرغ لمهمته الفكرية، فصار يفكر بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث. ومع أنه باحث متمرس في التراث، ويكتب بأسلوب ذكي، إلا أن الدين جاء ليحمي الإنسان من الكراهية والعنف والسلفية وفقاً لما يقوله المؤلّف. وهكذا كان جودت سعيد الذي دعا إلى اللاعنف، لكن الكاتب انتقد أيضاً كتاباته التي تفتقر إلى «تفكير متأمل صبور يستخلص رؤية نظرية من النصوص الدينية». أما مالك بن نبي (1905 ـــ 1973)، فكتاباته تنبض بالغيرة على وطنه الجزائر، وتحريره من الاستعمار الفرنسي، والدفاع عن هويته من الاستلاب وحماية دينه وثقافته الإسلامية ويرى القارئ الفطن جروح الاستعمار الفرنسي نازفة في كتاباته التي تمثل الخلفية الفكرية للمقاومة الجزائرية في حرب التحرير. قدّم بن نبي تفسيراً للتخلف والانحطاط في عالم الإسلام في سلسلة «مشكلات الحضارة»، فصاغ معادلة الحضارة من مراحل هي الروح والعقل والغريزة. وكان دقيقاً في توصيف «القابلية للاستعمار»، حيث تكمن مشكلة الإنسان المستعمر.

ولعلّ الأجمل أنّ الكتاب ينتهي بمالك بن نبي الذي ركز على الهوية والمقاومة كأنها دعوة للتفكير في ثورية الإسلام. وهنا نلاحظ أن الواقع وما نعيشه يجعلنا نعيد النظر في فكر الإسلام التحرري المناهض للاستعمار والاحتلال والمقاوم الذي وضع فكره وأيديولوجيته في سبيل مواجهة ذلك الاستعمار. يشكل الكتاب دعوة لإعادة النظر في التراث والفكر الشرقي وعدم الوقوع في فخ الاستلاب الغربي.

 

تغريد عبد العال، كاتبة وشاعرة فلسطينية مقيمة في لبنان  

 

https://al-akhbar.com/Kalimat/382031

 

 

علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أقرأ لعالم اجتماع باللغة المتداوَلة في كلام الناس ومحادثاتهم اليومية في مختلف القضايا كعلي الوردي، يكتب بهذه اللغة وهو لا يكفّ عن الإثارة والتحرّش بتابوات الدين والأيديولوجيا والعشيرة والسلطة ومؤسساتها المتنوعة. ويتحرش حتى في انتخاب عناوين كتبه، التي يختارها وكأنها لافتاتٌ تحريضية، مثل: “وعّاظ السلاطين”، “أسطورة الأدب الرفيع”، و”مهزلة العقل البشري”.

علي الوردي يتقن مهارةً إنشائية ينفرد بها، فهو يكتب في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والسيكولوجيا، يصف ويحلّل وينقد مختلفَ الظواهر في المجتمع العراقي بأسلوبٍ مباشر، يفهمه كلُّ الناس، بما يسوقه من أمثال وحكايات وفلكلور، بلغةٍ لا تخلو من تهكّم وسخرية لاذعة أحيانًا،كأنه يتحدث في مقهى قديم يدمن روادُه الإصغاءَ له بوصفه قصاصًا. يختتم الوردي مقدمتَه لكتابه “أسطورة الأدب الرفيع” متهكمًا بقوله: “وصف أحد الأدباء كتبي السابقة كجبة الدرويش ليس فيها سوى الرقع. وأظن أنه سيصف كتابي هذا بمثل ذلك. ولست أرى في ذلك بأسًا، فخير لي أن أكون رقّاعًا أخدم الناس بالملابس المهلهلة، من أن أكون خياطًا ممتازًا أصنع الملابس المزركشة، التي لا تلائم الأجساد ولا ينتفع بها أحد”[1].

لبث الوردي غريبًا، يرفضه المجتمعُ، ولم تتفاعل أيديولوجيات اليسار الأممي والقومي والأصولي مع أفكاره في وطنه. تجلّت غربةُ علي الوردي الأقسى بحضوره في هذا اللون من الثقافة العراقية، ثقافةٌ يتمركز كلُّ شيء فيها حول الشعر، ثقافةٌ متيمةٌ بالشعر إلى الحدِّ الذي قلّما تحتفي فيه بمعرفةٍ أو فكرٍ أو ثقافةٍ لم يمسسها الشعر، ولا يندرج في اهتماماتها أيُّ صاحب منجز فكري إن لم يكن أديبًا وشاعرًا، وغالبًا ما لا تصنّفه على الثقافة، وربما تبخل عليه حتى بعنوان “مثقف”، ولا يدخل في اهتمامها وندواتها ومنتدياتها ومهرجاناتها من لم يكن شاعرًا، أو عاشقًا أو صديقًا أو متذوقًا للشعر والأدب، حتى صار احتكارُ عنوان المثقف في العراق بالشاعر كاحتكار الخلاص في الفرقة الناجية.

لم يكن علي الوردي شاعرًا، ولم يُعرف عنه ارتيادُ منتديات الشعراء، ولم يكتب مديحًا لشعر أو شاعر، حتى تعاطي الشواهد الشعرية شحيحٌ جدًا في كتاباته،كان على الضدِّ من توثين الشعر والأدب وتسيده في الثقافة العراقية. الوردي سبق من قبله، ولم أقرأ لأحد جاء بعده في الثقافة العراقية، مَن يتجرأ على نقد الشعر بأسلوبٍ تهكمي في: “أسطورة الأدب الرفيع”، إذ يكتب تصديرًا لكتابه هذا بقوله: “أهدي كتابي هذا إلى أولئك الأدباء الذين يخاطبون بأدبهم أهل العصور الذهبية الماضية، عسى أن يحفزهم الكتاب على أن يهتموا قليلًا بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه، ويخاطبونهم بما يفهمون، فلقد ذهب عهد الذهب، واستعاض عنه الناس بالحديد!”[2]. لا يكفّ الوردي عن نقدِ الشعر القديم والدعوةِ لتجاوزه، بوصفه مرآةَ العصر الذي أنتجه بكلِّ ما يحفل فيه. بلغت الجرأةُ به أن يزدري “طريقة الاستجداء لكسب العيش”، وطريقة تكسّب بعض الشعراء، ويعلن بصراحة: “إنهم شحاذون، ويدّعون بأنهم ينطقون بالحق الذي لا مراء فيه، والويل لمن يجرأ على مصارحتهم بالحقيقة المرة أو تكذيبهم فيما يقولون”[3].

لم ينشغل الوردي بنقاشاتِ وردودِ التهم المُثارة ضدّه، وثرثراتِ الوعّاظ الذين أغاظهم كتابُه “وعّاظ السلاطين” وكتاباتُه الأخرى، ولم يكترث بهذر بعض الأدباء والشعراء الذين امتعضوا من كتاباتِه المثيرة عن الشعر، وسخريتِه بـ “الأدب الرفيع”. في حالات استثنائية كان يصغي لبعض الباحثين الجادّين، كما فعل مع عبد الرزاق محيي الدين، الذي كتب نقدًا لآراء الوردي في الأدب، فأجابه بسلسلة مقالات نشرها في كتابه: “أسطورة الأدب الرفيع”. يشير الوردي إلى قصة تأليفه كتابه “أسطورة الأدب الرفيع” فيقول: “بدأت القصة منذ بضعة أشهر، حيث كنت قد نشرت في جريدة الحرية بعض المقالات، نعيت فيها على الأدباء تمسكهم بالتقاليد الأدبية القديمة، وقلة اهتمامهم بما يحدث في هذا العصر من انقلاب اجتماعي وفكري عظيم. فهب الأدباء من جراء ذلك هبة واحدة، وأخذوا ينتقدونني ويتهجمون، ويصولون ويجولون. فلم أجد بدًا من الرد عليهم بمناقشة الآراء التي جاءوا بها… ولسوف أقتصر في هذا الكتاب على إعادة نشر مقالات الدكتور محيي الدين وحدها، تلك التي نشرتها في جريدة البلاد، وكان لها صدى بين القراء لا يستهان به. ومقالات الدكتور هذه، والحق يقال، من خير ما كتب في الموضوع. فهي تمثل وجهة نظر جديرة بالدرس والعناية. وأحسبها لا تخلو من أصالة”[4].

كلُّ شيء في الثقافة العراقية متمركزٌ حول الشعر. سرق اغواءُ الشعر أثمن المواهب في جيلنا، ومازال مقبرة للأذكياء، فجيل الأبناء لم يتحرر كليًا من غوايته. لا نحتاج إلى المزيد من هذا اللون الزائف والكتابة الغزيرة فيه وعنه، الذي يسمى خطأ بـ “الشعر”، وهو ضربٌ من الهذيان اللفظي. أغلبُ ما يُكتب ويُنشر عن الشعر تكديسُ كلامٍ على كلام، وليس شعرًا بالمعنى الذي تتكشّف فيه رؤيا مبدِعة، ومعرفةٌ مكتنزة، وبصيرةٌ مُلهمة. نادرًا ما نقرأ اليوم شعرًا يلوح لنا فيه أنه يختصر معرفةً في جملة، وصورةً في عبارة، وجمالًا في لوحة.

بلغ اغواءُ الشعر أن تتمركزَ الثقافة العراقية حوله، وأن تستندَ إليه كمرجعية ومعيار في خلع لقب “مثقف” على كلِّ مَن ينشر شعرًا، بنحو استنزف عقولَ ومواهب شباب مؤهلين للعطاء الثمين في مجالات أخرى. أوقع إغواءُ الشعر هؤلاء الشباب، ممن يفتقرون لموهبة الشاعر، في محاولات للتجريب المتواصل للقصيدة بلا جدوى، من أجل أن تسجل اسماؤهم في لائحة الشعراء. حتى اليوم لم يسجل الشعرُ العربي، فضلًا عن الشعر العالمي اسما لأحد من هؤلاء، على الرغم من ضياع أعمارهم في اللهاث وراء صنعة “شاعر”.كان يمكن لهؤلاء أن يبدعوا في الرياضيات أو العلوم الطبيعية أو الفلسفة والعلوم الإنسانية أو الآداب والفنون الأخرى.

“مركزية الشعر في الثقافة العراقية” الحديثة رسخها الدورُ الطليعي للعراق في تدشين الحداثة الشعرية، بولادة الشعر الحر في أربعينيات القرن الماضي في قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وغيرهما؛ ما عزّز اختزالَ الثقافة بالأدب خاصة، والمثقف بالشاعر.كلُّ مَن يحلم أن يكون مثقفًا ينبغي أن يكون شاعرًا أولًا وقبل كلِّ شيء. اتسع فضاءُ الكتابة الشعرية لمن لا يمتلكون موهبةً، وأغوى الأذكياء الذين يمتلكون مواهبَ في غير الشعر، ممن تعِدُ مواهبُهم بولادة مثقف كبير، لو شاؤوا أن يتكونوا تكوينًا علميًّا صبورًا. طغيان الشعر في ثقافتنا انتهى إلى تسيّد الكلام وضمور الأفكار، واختباء العقل والغرق في الإنشاء وتكديس الألفاظ. الكلام سلطة، غالبًا ما يوظّف بديلًا لبراهين العقل وحججه في الاقناع والوثوق. الشاعر يمتلك مهارة استثمار هذه السلطة لتسويق وترسيخ أية عقيدة أو أيديولوجيا أو مقولة أو اسطورة، وإن كانت مناهضة لأحكام وأدلة العقل، وحتى بداهاته أحيانًا.

انشغلت الثقافةُ العراقيةُ ببعضِ شعراء القصيدة العمودية إلى الحدّ الذي صارَ فيه كلُّ من يطمح أن يكتسبَ عنوانَ مثقف عليه أن يحفظَ بعضَ قصائدهم المحاكية لشعر العصر العباسي، ويكتبَ عنهم. لم يحضر بدر شاكر السياب كحضور هؤلاء الشعراء، وكأن السيابَ عوقب لأنه تجرّأ على التمرّد على ميكانيكية القصيدة العمودية فكسر تصلبها، ولأنه انتقل بالشعر العربي إلى أفقِ العصر، وذوقِه الفني، ولغتِه الرمزية، وكثافةِ معانيه، واتساعِ رؤيته. الإصرار على القصيدة العمودية يعكس ميكانيكيةَ العقل وتصلبه، وعجزَه عن الإصغاء لديناميكيةِ شعر السياب وأنسي الحاج، وأمثالهما، والعجز عن تذوق تناغم إيقاع هذا الشعر مع لغة ورؤية العصر. تسيّدُ الرؤية التراثية وتسلطُها على اللاشعور الفردي والجمعي هو الذي يجعلنا لا نتذوق إلا قصيدةَ الأزمنة القديمة الغريبة على زماننا.

لا أتبنى كلَّ ما يراه الوردي في الشعر، وليست لدي مخاصمةٌ مع ما هو حقيقي منه، ولا تصفيةُ حسابٍ مع شاعر، وأنا المولع بذلك اللون من الشعر، الذي وصفه هايدغر بقوله: “إن الشعرَ تسميةٌ مؤسِّسة للوجود ولجوهر كلِّ شيء، وليس مجردَ قول يقال كيفما اتفق”[5].

أخيرًا بدأت الثقافةُ العراقيةُ تنفتحُ على الرواية بجدّية وغزارة، وهو تحوّل في الاتجاه الصحيح. ‏الروايةُ الحقيقية تتسع لكلِّ الأجناس الكتابية، وتتغذّى من مختلف المعارف البشرية، الروايةُ الخالدة هي ما تكشف للقارئ أعماقَ الإنسان، وتفضح تناقضاتِه الداخلية. الروايةُ تُفتضح فيها تابواتُ المجتمع، وما تخفيه الأعرافُ والتقاليد والثقافة المحلية، وتفسّر فاعليةَ الهويات المغلقة وتسلطَها، وأثرَها في الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وأثرَ المخيال في الثقافةِ الجمعية، وأنماطِ التدين وتمثلاتِ الدين المتنوعة في حياة الفرد والجماعة، وينقِّب الروائي الحقيقي في أرشيف اللاشعور الجمعي، والمستور الذي يتكتم عليه ظاهرُ العلاقات في العائلة والمجتمع والدولة، والأهداف المضمَرة للسلطات السياسية والدينية والحزبية والعشائرية.

[1] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، دار كوفان، ط 2، ص 13.

 

[2] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 5.

[3] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 9 – 11.

[4] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 7، ط 2، 1994، دار كوفان، لندن.

[5] هيدغر، مارتن، إنشاد المنادي: قراءة في شعر هولدرلن وتراكل، تلخيص وترجمة: بسام حجار، ص 62، ط1، 1994، المركز الثقافي العربي، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/86449-.html?fbclid=IwAR1YhP3aXhxPeLhkJr-lxwhLHUM_z4AcF2mr9kJHipMAbfi6eJK5uIo3nuk

غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن

غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن

د. عبد الجبار الرفاعي

تميز أحمد فرديد[1] بموهبةٍ وذكاء نادر، وتكوينٍ وخبرةٍ ممتازة في اللسانيات والفيلولوجيا، وبراعةٍ في ابتكارِ ونحتِ المصطلحات، والتقاطِ ألفاظ من مجالٍ تداولي وزجّها في مجال مغاير. هذا ما منح خطابَه وأحاديثَه حساسيةً لغوية فائقة، وجاذبيةً فريدة وقع في شراكها كثيرٌ ممن أصغوا إليها. تحررتْ مصطلحاتُه من الألفاظ والكلمات المستنزَفة بالاستعمال المكرّر المبتذل حدّ الإنهاك. غواية لغته بهرت أبرزَ مثقفي عصره، وأغوتهم بالإنصاتِ لصوته المميز والتلقي منه، والإدمانِ على حضور ندوته الأسبوعية “الحلقة الفرديدية”.

غوايةُ اللغة الناتجة عن توترها وإبهامها وضبابيتها، عمّقت سطوتَه في الحياة الفكرية الإيرانية، وأثارت الكثيرَ من النقاشات والجدل حول أفكاره؛ فضلا عن موقفِه الجذري الرافض للغرب، وهجائِه للفلاسفة والمفكرين، في زمنٍ كانت النخبةُ المفتونة بالثقافة الغربية متهمة، واتهاماتُه العنيفة للمثقفين الإيرانيين. لا يرى فرديد الغرب، منذ العصر اليوناني حتى اليوم، مفهومًا جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو ثقافيًّا، بل مفهومُه للغرب أنطولوجي ميتافيزيقي، تبعًا لهايدغر.

يختبئ بعضُ المفكرين وراء الألفاظ، فيشتقون مصطلحاتٍ بالعودة إلى جذورها اللغوية، أو يزاوجون ويركبون مصطلحاتٍ أخرى باستعارتها من معجمٍ تراثي، ويسقطونها على مفهومٍ مستعار من الفلسفة والعلوم الإنسانية الغربية الحديثة بطريقة متنكرة. ذلك ما فعله فرديد، حين أسقط المعجمَ الاصطلاحي لمحيي الدين بن عربي على فلسفة هايدغر، فأنتج مخلوقاتٍ لغويةً هجينة تثير الدهشة، لا تعبّر عن هايدغر، مثلما لا تتجلى فيها رؤيا ابن عربي واستبصاراتُه المضيئة الرحبة.

غواية اللغة الفرديدية وإبهامها قريبان من غواية لغة المفكر المغربي طه عبد الرحمن وإبهامها، الذي يعمد إلى نحتِ مصطلحات بديلة لما هو شائع ومتعارَف عليه بالعربية. تلك المصطلحات صاغها في ضوء خبرته وتكوينه المتميز بفلسفة اللغة والمنطق الحديث، يحاول في سياق هذه المصطلحات إعادةَ إنتاج التراث، وتلوينَه بآرائه ومواقفه التراثية. كما اصطادت غوايةُ لغة فرديد أبرزَ المثقفين الإيرانيين، اصطادت غوايةُ لغة طه أكثرَ شباب الحركة الإسلامية العرب وفي وطنه قبل ذلك، من ذوي التكوين الأكاديمي الحديث، الذين سئموا من تبسيطِ أدبيات هذه الحركة، وسطحيتِها المضجرة وشعاراتِها المملة. شبابٌ قادهم الحنين إلى الهوية والبحث عن الجذور، للانبهار بكتابات طه. معظم هؤلاء لم يكتشفوا أبعادَ التراث المتنوعة، ويجهلون منزلقاتِه ومسالَكه ودروبَه، التي لا يفضي بعضُها إلا إلى المزيد من المتاهات، لمن لا يعرف مسالكَه جيدًا.

التكوين الأكاديمي والبيئة الثقافية والمناهل الموروثة لطه عبد الرحمن لا تتطابق بتمامها مع سياقاتِ تكوين أحمد فرديد وبيئتِه وثقافتِه. فرديد تمحور تفكيرُه حول هايدغر ومدرسةِ ابن عربي وتلامذتِه وشراحِه، والتصوفِ الفلسفي والعرفان النظري، وطه عبد الرحمن استند في اشتقاقاته إلى القاموسِ اللغوي، والمقولاتِ الاعتقادية للأشعري، والتصوفِ الطرقي، ومعجمِ التراث الأخلاقي. لكنهما يعمدان معًا إلى تلوينِ التراث وإلباسِه رداء اصطلاحيًّا جديدًا، يشبه ارتداءَ عجوزٍ طاعنة في السنّ لثيابِ عروس، وطلاءِ وجهها بمساحيق تجميلية صاخبة.

لا يصدق على كتابات طه أنها فلسفة، وهكذا لا يصدق على أقوال فرديد مفهومُ الفلسفة. الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي المستقل، لغةُ ومصطلحاتُ الفلسفة تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةٌ حدوده. لا تلتهم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغةَ ومفاهيمَ اللاهوت والمتخيَّل والمثيولوجيا واللامعقول. العقلُ مرجعيتُه العقل لا مرجعيةَ له خارجه، العقلُ مرجعيةٌ ومعيارٌ وسلطةٌ على كلِّ ضربٍ من أفعالِ الذهن وإبداعِه مهما كان. العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ وحدودِ ما هو خارجه مما ينتجه المتخيَّلُ وغيرُه. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، يكون هو مرجعيةُ تمحيصِ تفكيره، ومرجعيةُ تمحيصِ ما سواه مما ينتجه الذهن، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقل تدخل الروح والقلب والعاطفة في متاهات أبدية. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارج حدوده. الفيلسوف يحاول أن يفسّر حقيقةَ الظواهر والأشياء وماهيتَها، يفسّر حقيقةَ العلم وماهيتَه، الفيزياء والكيمياء ومختلفُ العلوم تنشغل باكتشافِ قوانين الطبيعة ومعادلاتِها، ولا تعرف حقيقةَ ذاتها وماهيتها.

أحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظة من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمة من عقله. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية. ذلك ما يجعل بعضَ ‏الفلاسفة يبدأون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة. الفيلسوف ينشغل بفعلِ التفلسف، يفكّر تفكيرًا عميقًا بالأسئلة والأجوبة الوجودية، يبدأ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية وينتهي بنتائج فلسفية ومنطقية. تفلسفُ الفيلسوف يعني أنه يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطحَ الأشياء والظواهر ويبحث عن حقيقتها. لا يُنكَر أن طه عبد الرحمن مثقفٌ موسوعي خبيرٌ بالتراث والحداثة، يمتلك موهبةً فذّة وذكاءً فريدًا، وتكوينًا بالفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة جادًّا، وخبرةً واسعة بالتراث، غير أن كتاباتِه الفلسفية والمنطقية تبدأ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية وتنتهي بنتائجَ لاهوتية.

برع طه في إعادةِ انتاج شيءٍ من مقولات الغزالي والفخر الرازي وابن تيمية الاعتقادية بأسلوبٍ مراوغ لغويًّا. طه تراثي برداءِ منحوتاتٍ لغوية جديدة، التراثيةُ بنيةٌ ذهنية ونفسية وعاطفية، كأنها وعاءٌ يمكن أن تملأه بأيِّ معتقد، سواء كان قوميًّا او ماركسيًّا أو دينيًّا. طه عبد الرحمن مقلِّدٌ للأشعريةِ في علم الكلام، وللمالكيةِ في الفقه، وللطريقةِ القادرية البودشيشية[2] في التصوف. يتعاطى مع مقولاتِ الأشعري وأتباعه وإجاباتِهم للأسئلة الميتافيزيقية الكبرى على أنها مسلماتٌ نهائية لا تقبل النقاش. طه متكلم يختبئ بجلباب “فيلسوف”، وفي ضوء ذلك يمكن تصنيفُه، كما يُصنّف فرديد، بـ “فيلسوف ضد الفلسفة”. يتحدث طه بلغةِ الحداثة الفلسفية والمنطقية واللغوية، إلا أنه ضدّ الحداثة، يبرع بتوليد مصطلحاتٍ غائمة لتقويضِ كلِّ شيء ينتمي للحداثة. ذلك ما يدعوني أن أصنف كتاباتِه الفلسفية بوصفها محاولةً متنكرة لـ “أسلمة الفلسفة”.

لا يمكن إنكارُ ذكاء طه عبد الرحمن، ولا علم طه وموهبته الفذة. المفكر الديني يحتاج القلبَ بموازاة العقل، يحتاج النظرَ للإنسان المختلِف في معتقده بنور الله، وأن تحضر رحمةُ الله بكتابات هذا المفكر وكلماته، ويرى الإنسانَ بوصفه إنسانًا بمرآة الرحمة، بغضِّ النظر عن دينِ الإنسان وهويتِه الاعتقادية والقومية والثقافية والجغرافية. الرحمة صوت الله، وعنوانُ رحمانية كلِّ دين وإنسانيتِه وأخلاقيته. الدين لا يحتاج عباقرةً فقط، الدين يحتاج رحماءَ قبل أن يكونوا عباقرة.

الفيلسوفُ عندما يكتبُ مرجعيتُه العقل لا غير، الروائي عندما يكتبُ يتوغل في أعماق الطبيعة الإنسانية وتناقضاتها، ويُعلِن عن نزعات الشرّ الكامنة داخل الإنسان، ويفضحُ الصراعاتِ المختلفة في الواقع على السلطة والثروة. مَن يكتبُ في الدين عليه الكشفُ عن الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية العميقة في جوهر الدين، وذلك لا يتحقّق إلا بأن يحضرَ في كتابته القلبُ بموازاة العقل. الذكاءُ والعبقريةُ والموهبةُ الاستثنائية لا تكفي وحدها لمن يفكّر ويكتب ويتحدث في الدين. يحتاجُ المفكّرُ الديني لضميرٍ أخلاقي يقظ، والتسلحِ بنزعةٍ إنسانية في كتاباته، ترى الإنسانَ كما يراهُ الله. مَن كان ضميرُه الأخلاقي يقظًا ويكتبُ في الدين، ليس بوسعه أن يقفَ متفرّجًا وهو يرى التلاعبَ بفهم الدين، وطغيانَ القراءة المغلقة المتشدّدة للنصوص الدينية، وهي تفترسُ واقعَنا.

[1] في عام 1910 أو 1912 ولد السيد أحمد مهيني يزدي في يزد، وتوفي في طهران عام 1994.

[2] الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية، يوجد مقرها في قرية مداغ بإقليم بركان شرق المغرب في منطقة قبائل بني يزناسن. تنتسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي ظهر في القرن الخامس الهجري. أما لقب البودشيشية، فقد اكتسبه بواسطة الشيخ علي بن محمد الذي حمل لقب «سيدي علي بودشيش» لكونه كان يطعم الناس أيام المجاعة طعام الدشيشة  بزاويته. “ويكيبديا”.

 

https://alsabaah.iq/83381-.html?fbclid=IwAR0QaxzS-wuk9MizDpJr9wr7bA-KZyyzIGg8i2HJgeHBVL4f_bgjXZSrTmU

عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب

عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب

 

د. محمد همام[1]

 

1-  تقديم لابد منه

قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب بعنوان: “قضايا إسلامية” منذ مايقرب من عشرين  سنة؛ تحولت بعد ذلك إلى “قضايا إسلاميةمعاصرة”.أثارتني مواضيعها واستفزني الحس النقدي البارز الذي يسكن مقالاتها. كما أغرتني المقدمات النقدية التي يكتبها مديرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، أو يقدم بها لملفاتها الغنية والخطيرة والمتعلقة  بتجديد التفكير الديني. وأصبحت مداوما على اقتنائها والاطلاع على أغلب دراساتها.

وفي سنة 2003م قدر لي أن أذهب إلى الحج، وقدر أن ألتقي بالدكتور عبد الجبار الرفاعي، في رحاب الحرم المكي، وعلى هامش ندوة الحج، التي تنظمها سنويا وزارة الحج السعودية، فاكتشفت أنه مفكر عراقي عاش بين العراق وايران ولبنان. ورافقته  قرابة شهر، فاكتشفت فيه عالما متضلعا ومفكر ناقدا ومثقفا عضويا استثنائيا. وجدت الرجل صاحب شبكة علاقات متنوعة وغنية تربطه بكل ألوان الطيف الفكري في العالم العربي والإسلامي. والعجيب في هذا الرجل أنه انفتح علي من دون حواجز، واصطحبني معه إلى جل الملتقيات الفكرية التي يحضرها في الحج،وهي كثيرة بالمناسبة. ورافقته في زيارة استثنائية للعلامة محمد حسين فضل الله، رحمه الله، وقضينا معه لحظات فكرية ممتعة ومتنوعة، رفقة صديقي الدكتور فريد شكري، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، والدكتور سعيد شبار، الأستاذ بجامعة “مولاي سليمان ببني ملال، المغرب.

وخلال مدة شهر، اكتشفت عبد الجبار الإنسان والعالم؛ رجل هادئ الطباع وغني من حيث الاطلاع الإسلامي، صاحب قدرة فكرية ومنهجية على تركيب أفكار نقدية واجتهادية، وبروح نقدية عميقة، وسعة صدر رحبة ومثيرة. باحث ومفكر مطلع على التراث ومستوعب بشكل متعمق لثقافة العصر، ومدارسه الفلسفية والفكرية  والنقدية.رجل متخلق وعميق التدين؛ رأيته يرتعش ويبكي أمام الكعبة، كما رأيته بحسه النقدي الصارم، وشجاعته الفكرية عند النزال المعرفي والمقاربة التحليلية للفكر الديني، فاكتشفت فلسفته الفكرية والتي عبر لي عنها، وكتبها أكثر من مرة، وهي أن الدين أبدي في الحياة البشرية، وأن نزعة التدين كما يعيشها تمثل بالنسبة له ظمأ أنطولوجيا لا يروى، وهو الذي كان يقول لي في مكة، ونحن في الفندق، في العزيزية بمكة، في منتصف الليل، هيا بنا إلى الحرم لنرتوي بالنظر إلى الكعبة والصلاة ! فظمؤه الديني يروى بالتواصل مع المطلق، والذي يتجسد عنده في الإيمان والأخلاق والنزعة الإنسانية.

ومن خلال هذه “الصحبة” لهذا العالم المتخلق، ازددت يقينا بقيمة النقد من داخل الفضاء الديني، وبقدرة الفكر النقدي على بناء معمار ديني مملوء بالإنسانية والأخلاقية والإيمان، قادر على  إرواء ظمأ الإنسان المعاصر الحائر.

وعند عودتي إلى المغرب تمتنت اتصالاتي بعبد الجبار عبر الإنترنيت، وأخبرت زملائي الباحثين بعلاقاتي به، وعرفت بفكره، وبمجلته وسط أصدقائي في أكادير أولا، ثم في المغرب ثانيا، وعند بعض أصدقائي في بلاد أخرى. وكنا ننتظر، بشوق كبير، صدور عدد جديد  من المجلة التي كان لها الأثر الكبير على الشباب الديني في أكادير وفي المغرب، وكنا عندها حديثي عهد بمغادرة التنظيم، والبحث عن آفاق جديدة ورحبة، لا تضيق بالسؤال وبالنقد.

2- دور مجلة قضايا إسلامية معاصرة في تعزيز مسار التجديد الديني في المغرب:

عرفت من خلال ملازمتي وصحبتي للدكتور عبد الجبار الرفاعي في مكة خبايا هذه المجلة – الظاهرة الفكرية ! فقد تأسست أولا سنة 1994 تحت اسم ” قضايا إسلامية”،ثم أصبحت “قضايا إسلامية معاصرة”،   تحمل رسالة طموحة وعنيدة وأحلاما عريضة بتجديد الفكر الديني وتحديثه بروح اجتهادية متوثبة وحس نقدي شجاع. فأخرجت بذلك المجلة نقاشات المثقفين الدينيين، ذوي النزوع النقدي، من الحلقات المغلقة والجلسات المحدودة في الحوزة العلمية  في قم، لتلتحم بالنقاشات النقدية في الفضاء السني، في مجال التداول العام. وكأني بالمجلة تعيد الدور الذي قام به المفكر القلق أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، لما أخرج مناقشات “إخوان الصفا”، إلى العلن وضمنها كتابه “المقابسات”! ودعمت المجلة خطها الفكري بسلاسل كتب تجاوزت اليوم المائة، وبمركز يسمى: “مركز دراسات فلسفة الدين” في بغداد، في إطار فلسفة فكرية تقوم على النقد والطموح الجامح للتجديد والاجتهاد وإعادة بناء النظام الفكري والديني للأمة.

ومما زادنا ارتباطا بهذه المجلة الظاهرة الفكرية، أنها تقوم، في جميع مراحلها الفكرية والتحريرية والفنية، على عمل تطوعي شريف وغير مسبوق؛ إذ لا تتوفر لها ميزانية، كما تحرر مواضيعها في أكثر من بلد، ويقود فريق تحريرها عائلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بتدبير مقتدر من المناضلة (أم محمد)، الأم والزوجة، ويتولى الابن الإخراج والتنظيم، ويشرف الدكتور الرفاعي على العلاقات العامة، وعلى التواصل مع الكتاب، وعلى اقتراح المحاور، وعلى الإشراف العلمي على التحرير. فبهذا المجهود العائلي الاستثنائي، مازالت هذه المجلة مستمرة، لم تفرط لحظة في جودة المادة الفكرية التي تقدمها لقرائها على طول العالم  العربي والإسلامي.

ومن خلال هذه المجلة – الظاهرة الفكرية، انفتحت أمام الشباب المغربي، في أكادير وغيره، آفاق جديدة للتفكير الديني؛ فاقتنعنا بأن التاريخ لم يعد يصنعه الأبطال ولا الأيديولوجيات، في هذا الزمن الإفتراضي الذي سطت فيه على الإنسان تكنولوجيا المعلوميات. كما لم يعد ممكنا التفكير المغلق داخل إطار المفاهيم والآراء الموروثة، بل لابد من تدشين حالة فكرية جديدة، تقوم على السؤال الذي ينسل منه سؤال وأسئلة، والخروج من دائرة الجزمية في المجال اللاهوتي، وصياغة رؤى تقوم على النقد والنقاش، خارج أي منطق تبشيري أو دعائي،ظاهر أو متستر، لمفكر أو لمركز أو لدولة أو لطائفة.

وظلت المجلة وفية لموضوعها الرئيس، أي “المعرفة الدينية”؛ من منطلق أصالة الدين في حياة الإنسان، الدين مجسدا في السلوك والشعائر والطقوس والممارسات، من خلال تمثلات متنوعة تغشى الاجتماع البشري كله. فالدين ليس هامشيا في حياة الإنسان، كما تدعي بعض المقاربات المتحيزة والعدوانية ضد الدين وضد المتدينين، بل هو الحاسم في مراحل ومنعطفات هامة في التاريخ. فعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي ترتبط، بشكل جدلي معقد ومتين، مع تحولات المقدس وتمثلاته وتوظيفه. حتى إن هابرماس اعتبر كل ماعدا الدين “ثرثرة ما بعد الحداثة”. وسعت المجلة من خلال دراستها والمقدمات التوجيهية لمديرها عبد الجبار الرفاعي إلى التأكيد على أن أبدية الدين لا تعني سكونه وجموده وثباته، بل هو متحرك ومتغير؛ فهو موجود باستمرار، لكن تجلياته متنوعة، كما أنه يتعرض لتوظيف الناس وتلاعباتهم؛ إذ يوظف في المعارك السياسية والصراعات الاجتماعية، كما يخضع لأنماط من التفسير والتأويل تستجيب لمتطلبات الفضاء البشري المتغير.

ورغم الطابع المعاصر والسجالي للقضايا الفكرية التي تطرقها المجلة، وكذا التداعيات السياسية لتلك القضايا، ظلت المجلة ذات منحى تخصصي، مما يعوق تداولها وانتشارها وسط عامة المثقفين والمهتمين. كما ظلت وفية لسقف الحرية المرتفع والواسع، وظلت أقدر من غيرها على استيعاب الأفكار والأفكار المضادة، سواء صدرت عن الحداثيين أو عن المحافظين. كما أخرجت، بأسلوبها الاستيعابي، القارئ من تقاطبات “الطائفية الثقافية والفكرية”، التي ترسخها بعض المنابر والمجلات والمراكز مما يغذي الاستقطاب الطائفي، ويزكي الصراع المذهبي المدمر على صعيد الأمة، من خلال الترويج لمذهبيات سياسية ميتة أو قاتلة، ومغلقة ومعادية للإنسان، ولحرياته وحقوقه.

وفتحت المجلة آفاق البحث الديني في المغرب، من خلال نشر أبحاث ودراسات معمقة في الفكر الديني لنخبة من الكتاب والباحثين والمفكرين المتخصصين، من خلال استثمار العلوم الاجتماعية والإنسانية في تحليل الظواهر الدينية. كما حملت تلك الأبحاث والدراسات والمقدمات نفسا شجاعا في المراجعات النقدية والحوارات والنقاش لمختلف المقولات والمفاهيم والرؤى المتداولة في المعرفة الدينية.

وتميزت المجلة بموضوعية التعامل مع الباحثين؛ إذ لم تتحيز لفئة دون أخرى، ولم تروج لمقولات مفكر دون غيره، وعادة ما تنشر الرأي والرأي النقيض، في القضية الواحدة، في إطار الاستيعاب النقدي للمعرفة الدينية وللتراث. وكان مساهمة، بذلك، في مساعدة القارئ على بناء عقلية نقدية وتركيبية، تنحاز لمطلب المعرفة على مطلب الأيديولوجيا. فالمجلة تعمق الفهم النقدي التركيبي للموروث الديني، وتدعو إلى التحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، باعتباره كما من النصوص يلزم حفظها واجترارها خارج عمليات التحليل والتدبر والنقد والتركيب. كما رسخت المجلة أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة في دراسة المعرفة الدينية، خاصة فلسفة العلم (الإبستمولوجيا)، وعلم النفس (السيكولوجيا)، وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، والقانون، والعلوم السياسية، واللسانيات، والتأويليات (الهيرمينوطيقا)؛ استثمار أدواتها التحليلية والتفسيرية والإجرائية في قراءة النص الديني، ودراسة أنماط التجارب الدينية، والخبرات السلوكية المؤسسة على الإيمان الديني.

3- أطروحة عبد الجبار الرفاعي الفكرية:

إن المتأمل في المنجز الفكري الواسع للدكتور عبد الجبار الرفاعي، يمكن أن يلخصه في فكرتين أساسيتين ومنطلق منهجي، مما كان له الأثر الواسع على البحث الديني الحديث، ليس في المغرب وحسب، بل في العالم الإسلامي برمته؛ والفكرتان هما: إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وتحديث التفكير الديني، والمنطلق المنهجي هو: المنطلق الذاتي للتحديث.

ويتجلى مطلب إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، عند عبد الجبار الرفاعي، في سعيه إلى تحرير الدين مما يسميه بـ “الفهم المتوحش”؛ فهم يحول الدين إلى منبع للعدوان والتعصب والكراهية. ويكون التحرير والإنقاذ بكشف النزعة الإنسانية العميقة في الدين والمتمثلة في الجوانب التنزيهية السامية، والتي تصطفي الإنسان، وترفع مكانته ،وتلح على تكريمه، حيا وميتا، وأن حياته هي مناط الاستخلاف والتكليف، وموطن المسؤولية والأمانة التي يحملها.

ويقتضي إبراز النزعة الإنسانية في الدين، بنظر عبد الجبار الرفاعي، تخليصه من التوظيفات البغيضة التي زجت به في حروب دموية “مقدسة”، واستعماله للتحريض على الموت، وتعبئة الأتباع وإلقائهم في معارك تنتهك كافة المحرمات. كما تقتضي هذه الوظيفة الإنقاذية تجاوز الأطروحات التحديثية المقلدة، خصوصا في العالم العربي، والتي تربط النزعة الإنسانية بسياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غربية، تشكلت في القرن الثامن عشر في أوربا بعد القطيعة مع اللاهوت الديني الوسيطي؛ أي أن النزعة الإنسانية، وفق هذه المقاربة المحدودة، لا يمكن أن تتمحور حول “الاله”، وإنما حول “الإنسان”، وهو ما لم يحصل في الماضي ويحصل اليوم ! لكن القراءة النقدية للتاريخ، والقراءة التحليلية للنصوص الدينية،والتقويم النقدي للموروث الديني الإسلامي، هذا العمل الذي أنجزه عبد الجبار الرفاعي وينجزه، هو الذي يمكننا، بنظره ، من النفاذ إلى البؤر المضيئة في النصوص، والتراث المتنوع الذي يحمله؛ من منطلقات أساسية، وأهداف عامة، ومقاصد كلية، بعيدا عن الإسقاطات الأيديولوجية الإقصائية والمعتقدات القمعية. عندها نستطيع، بنظر الرفاعي، التخلص من نزعات الهيمنة بالدين، وإخضاع الناس، ومراقبة الضمائر، وتفتيش العقائد.

إن إحياء النزعة الإنسانية في الدين، من منظور الرفاعي، يقوض الطاغوت، ويفضح المشروعيات الزائفة القائمة على تأويل متوحش للدين. والنزعة الإنسانية لا تنتعش إلا في أجواء الحرية والديمقراطية، وسيادة قيم التعدد والاختلاف المؤسسة للمجتمع المتمدن.

ولا يخفي عبد الجبار الرفاعي أن مجهود إحياء النزعة الإنسانية في الدين سيتعرض  لمقاومة اللاهوت الكلاسيكي القائم على التفسيرات المتعسفة والقمعية للنصوص، وعلى الصورة النمطية “للإله” المستلب لحالات ذهنية ومصالح اجتماعية للاهوتيين أو السياسيين.فالنزعة الإنسانية في الدين تستلهم الصفات الجمالية للاله وأسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، البارئ، المصور، الوهاب، الرزاق، البصير، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم… وهذا الاستحضارالإنساني والجمالي للإله، يعاكس المقاربات السلفية التي تتكتم عن المعاني الإنسانية في الدين، لتنحت دينا خاصا بها، وتشكله في إطار وعيها وخلفياتها وتحيزاتها وافتراضاتها الذهنية؛ دين غريب عن الدين المؤسس؛ أو قل بتعبيرعلي شريعتي: “دين ضد الدين”، أو بتعبير الصادق النيهوم: “إسلام ضد الإسلام”  ! دين مشبع بالإكراه والقيود والإصر والأغلال؛ أي مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة التي تستنزف الطاقة الحيوية والإبداعية والإنسانية لرسالة الدين، وتحوله إلى ركام من الأعباء ينوء الناس بحملها؛ دين مملوء بقيم بدوية رديئة.

إن إنقاذ النزعة الإنسانية للدين، من منظور الأطروحة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي، تعني استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين، وإحياء التجارب الإيمانية المتنوعة، للعيش في عالم ممتلئ بالمعنى، يتخلق فيه الإنسان بأخلاق الله، وفي مقدمتها حب الآخرين، وتمني الخير لهم. فالحب هو منبع إلهام الحياة الروحية، ومصدر الانجذاب إلى الله تعالى. والحب رحمة، وهو الابتعاد عن مظاهر الكراهية والإكراه.

أما فكرة تحديث التفكير الديني، في المشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي، فيمكن تلمس معالمه في المقدمات التي يضعها الرفاعي بين يدي الملفات المتخصصة للمحلة؛ وكذا في الدراسات التي ينشرها في أكثر من منبر؛ فقد تعرضت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” بالنقد والدراسة والتحليل للمؤسسات الدينية، باعتبارها نمطا من التمثلات الاجتماعية للدين، وبحكم تأطيرها داخل سوسيولوجيا الجماعة ومطامعها وأغراضها وانتظاراتها ونماذجها المعرفية. فالمؤسسة، سواء كانت دينية أو سياسية، هي تعبير عن المصالح، الظاهرة والخفية، في المجتمع. لذلك تتم دراسة الظاهرة الدينية كظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة عابرة للمجتمع والتاريخ، كما تريد أن تقنعنا به التيارات الدوغمائية والمثالية. ولكن، رغم ذلك، فالمؤسسة الدينية، وهي منطلق التحديث الديني بنظر الرفاعي، تتمتع بسلطة معنوية ورمزية رهيبة؛ إذ تخضع، بشكل طوعي، أتباعها، وتوفر  لذاتها من خلالهم إمكانيات ضخمة مادية ومعنوية. لذا فإن التحديث الديني لابد أن يمس المؤسسة الدينية لدورها الخطير في المجتمعات التقليدية. وتحديث هذه المؤسسة، بنظر الرفاعي، له ارتباط جدلي وثيق بتحديث المجتمع الذي يحضنها وتنمو فيه وتتحرك وتؤثر. وعليه، لابد من إقناع المؤسسة الدينية بضرورة التحديث، من منطلق أن المعرفة الدينية جزء من المعرفة البشرية المتداخلة والمتشابكة، من منظور فلسفة العلم، مما يقتضي استجابة المعرفة الدينية في بناها التحتية العميقة للتحولات التي تعرفها المعرفة البشرية، وإلا ستبقى خارج التاريخ وخارج التطور وخارج الأجندة الإنسانية المعاصرة.

ويحدد الرفاعي منطلقا منهجيا أساسيا لإنجاز هذه المهمات التجديدية في المعرفة الدينية، وهو ما يسميه ب “المنطق الذاتي للتحديث”؛ أي المراهنة على التحديث من داخل الفضاء الديني، وتجاوز المنطق الخارجي في التحديث الذي رفع لواءه رفاعة رافع الطهطاوي، والذي وصل إلى الباب المسدود، وعمق التقاطب الجذري بين الإسلاميين والعلمانيين؛ كتجل سياسي اليوم لفشل مشروع التحديث الديني من الخارج.

إن تحديث التفكير الديني من خارج المؤسسة الدينية، ومن خارج الفضاء الديني، بنظر عبد الجبار الرفاعي، عملية محدودة وفاشلة، في غياب الاستيعاب الداخلي للمنطق الديني، واستئناف وتركيب المعارف الإسلامية. ولهذا السبب يكون تجديد الفقهاء وعلماء الدين، على الرغم من محدوديته من حيث السعة العقلية والفكرية، أكثر أثرا ممن يحملون لواء التحديث من خارج الفضاء الديني. ولنا عبرة في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر. فتحديث المسجد لا ينبثق إلا من داخل المسجد، عندها يتوفر التحديث على المشروعية، كما يتوفر له حامل اجتماعي، الشيء الذي تفتقده الدعوات التحديثية من خارج الفضاء الديني، فتبقى معزولة بدون أثر، لأنها تقدم نماذج تحديثية هجينة ومغتربة بل وممسوخة، غير قادرة على التأثير على الحركات الاجتماعية والسياسية، عكس عمليات التحديث الذاتي بمنطق داخلي، مدعمة بمشروعية ذات عمق سوسيولوجي وأنثروبولوجي، وليس عمقا ميتافيزيقيا أو فقهيا وحسب. ويعمق من هذه المفارقة ركوب النماذج التحديثية من خارج الفضاء الديني على مقاربات ضحلة للدين والمقدس بعامة، تفتقد إلى التعمق في الدين ودراسة التراث الديني، والمعرفة الدقيقة بمسالكه ودروبه، فتقتصر تلك المقاربات التحديثية من خارج، على الشعارات، وسرعان ما تتحول إلى مدونات في السباب والتهجم على الدين وعلى المتدينين بعناوين هجائية صاخبة وعصابية، ومقولات جارحة للضمير الديني للناس؛ هجاء لمقدساته ورموزه بعبارات قاسية وصادمة، مما يولد ردود فعل عنيفة من الناس، الذين تنتابهم حالة نفسية دفاعية وطبيعية بسبب خشيتهم على مقدساتهم ورموزهم الدينية، وهي عندهم ممتلكات رمزية وروحية ثمينة، مما يزيد يكرس حالة من التدين ذي البعد الواحد، والذي تنادي به الجماعات السلفية فتهدر، بذلك، مضامين الدين الروحانية والمعنوية والإنسانية.

إن عبد الجبار الرفاعي،المفكر العراقي الرحالة، لم يكن مدير مجلة وحسب، كما أن المجلة لم تكن منبرا إعلاميا وحسب، بل أبدع مجلة  هي في حد ذاتها ظاهرة ثقافية معاصرة، حاملة لروح التجديد الديني بمنطق ذاتي، وكان بمثابة منسق لخطوط فكرية تبدو متباعدة، لكنه استطاع تقريبها وخلق التكامل بينها بحكم خبرته الفكرية الواسعة، من أجل تجديد ديني ذاتي ينزع نزوعا إنسانيا خارج المذهب وخارج الطائفة. لذا لن يستغرب قارئ المجلة وجود عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان ومجتهد شبستري إلى جانب محمد أركون ومحمد سبيلا وعبد المجيد الشرفي، إلى جانب طه عبد الرحمن وأبي القاسم حاج محمد وطه جابر العلواني، وكوكبة من المفكرين والباحثين الشباب المسكونين بهم الإبداع والنقد والتجديد، مما كان له الأثر على الحاسة النقدية والتحليلية للشباب الديني في المغرب. فشكرا عبد الجبار الرفاعي وشكرا مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”

[1] د. محمد همام أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة ابن زهر بأكادير في المغرب.

 

رابط النشر:

فكر الدكتور حسن حنفي ملتقى الأضداد

                     فكر الدكتور حسن حنفي ملتقى الأضداد

 

                                                                  د. عبد الجبار الرفاعي

 

                                                     – 1

                         نداء الحياة يهتف بالروح رغم وهن الجسد

رحل الدكتور حسن حنفي يوم الخميس 21-10-2021 عن عالمنا بعمر 86 سنة (1935 – 2021). ‏برحيله فقد العربُ مفكرًا غزيز الإنتاج، وخسرت الفلسفةُ معلِّمًا أفنى حياتَه في التعليم، وباحثًا كرّس عمرَه للبحث والكتابة. مشاعرُ فقدان الأصدقاء القريبين موجعةٌ، احتجتُ مدةً طويلة لتبرد مشاعري وأعيد ‏تحريرَ هذا النص وأنا هادئ. أحاول أن أكتبَ عنه وأنا متخفف من مشاعرِ فقدان صديق عزيز، ولئلا يقع تفكيري أسيرَ عواطفي عند الحديث عن أفكاره.

كنا معًا على المنصة في الجلسة الافتتاحية آخر مرة التقينا بمؤتمر النهضة العربية سنة 2018 في الأردن، كان مُقْعَدًا على كرسيٍّ، لكنَّ همَّته وعزيمته وحماسته لم تهدأ، وتوقُّد ذهنه لم ينطفئ.‏ أحترمُ حسن حنفي وأعتزّ بصداقته، ويعجبُني منجزَه الواسع، وأهتمُ بمتابعة ومطالعة كتاباته المتدفقة الغزيرة. تربطنا صداقةٌ تواصلت سنوات طويلة، كان مهذبًا دافئًا ودودًا معي، أحبُّ صوتَ الإنسان الغيور الشهم داخلَه، وإن كنتُ أختلفُ مع تعريفه للدين وقراءته لنصوصه.

تعودُ علاقتي بفكر حسن حنفي إلى أكثر من أربعين عامًا، قرأتُ سلسلةَ مقالاته في نقد الأصولية بجريدة “الوطن” الكويتيَّة بعد مقتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات. في نقده للأصولية للمرة الأولى أقرأ نقدًا بجرأة لم أعرفها في أدبيات الجماعات الدينية. لم تألف هذه الجماعاتُ غربلةً وتمحيصًا في داخلها لشعاراتها ومفاهيمها وقراراتها. كلُّ ما قرأتُه في تقويمها ومراجعتِها ونقدها لكتّاب خرجوا عليها وغادروا تفكيرها، أو كتّاب ينتمون للجبهة المقابلة لها. انتقل حسن حنفي في نقده للأصولية إلى آفاق أوسع من ضيق أفق تفكيرها ومفاهيمها المبسّطة، ونظرتها الأُحادية لواقع شديد التركيب ومتعدّد الأبعاد ومتنوّع الوجوه.

بادرتُ إلى قراءة ما أعثر عليه من مقالات حنفي ومؤلفاته. أرسلتُ له رسالةً بريدية. لم أكن واثقًا من وصولها، فوجئتُ بعد مدة طويلة برسالة جوابية مرفقةً بطرد يحمل مجلة «اليسار الإسلامي» وغيرها، هذه المجلةُ أصدرَ حنفي العددَ اليتيم منها ولم يردفه بعدد آخر. ضمّت «اليسار الإسلامي» مقالاتٍ بعضُها منشور من قبل، منها مقالةٌ للدكتور علي شريعتي مترجمة للعربية. كانت المجلةُ أشبه ببيان تأسيسي لحزب أيديولوجي ثوري. قرأتُ مقدمتَه المسهبة للمجلة أكثرَ من مرة، رأيتها مقالةً تحتشدُ فيها أصواتٌ متنوعةٌ للثوار في تاريخ الإسلام المبكر، تحتشدُ هذه الأصواتُ بموازاة مقولاتِ العدل والحرية في علم الكلام المعتزلي، ومفاهيمَ إنسانية منتقاة من التراث. لم أقرأ من قبل كتابات تتجاور فيها كلُّ هذه التوليفة المركبة من أضداد، يحاول حنفي أن يسكبَ أضدادًا في كأس واحد. بقدر ما أعجبتني براعةُ حسن حنفي في الصياغة اللغوية لشعارات تنادي بأحلام اليسار والحركات الثورية بمختلف تعبيراتها، وخبرتُه الواسعة بحقول التراث المتنوعة، تساءلتُ عن كيفية جمع ثورات تنطلق من مواقف اعتقادية متعارضة وأحيانًا متصارعة، ودمجها بمقولات كلامية تعكس كلُّ واحدة منها رؤيةَ أحد الفرق الكلامية المتنازعة. بدأ ينمو ويتراكم هذا التساؤلُ وأمثالُه بمرور الزمن كلما قرأتُ جديدًا لحنفي، إلى درجة اكتشفتُ فيها عقلًا يدمجُ عناصرَ غريبة وأحيانًا متضادة تنتمي لفلسفات متنوعة وعقائد متصارعة، يدعوها لتنادي بصوته لا صوتها، وتعلنُ غاياتِه لا غاياتها، وتنشدُ أحلامَه لا أحلامها. وقفتُ على بوصلةَ تفكير حنفي منذ أول قراءة لكتاباتِه وتكشّفَ لي بوضوح كيف يجعل الشرقَ يقول ما قاله الغربُ والغربَ يقول ما قاله الشرق، والماركسيةَ تقول ما قاله الإسلامُ والإسلامَ يقول ما قالته الماركسية، والتراثَ يقول ما قاله التنويرُ والتنويرَ يقول ما قاله التراث.

تفرضُ عليك جهودُ حسن حنفي الاهتمامَ بها، سواء كنتَ تتفق أو تختلف مع أفكارِه، أو تثيرك تأويلاتُه للتراث، ومحاكاتُه للاهوت التحرير، وشغفُه باشتقاق الثورة من العقيدة. كتاباتُه وعباراتُه كأنها شعاراتُ ثوار بالغة التأثير على مشاعر مَنْ يقرأها بتعجّل، تراها لأول وهلة كأنها نسيجٌ ينهل من منابع متنوعة، تحيلُ إلى الموروثِ بحقوله الواسعة، وتتكلمُ مصطلحاتِ الفلسفةِ وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة بتياراتها واتجاهاتها المتنوعة، وإن كانت قراءتُها بتريُّث ترى فيها ما لا تقوله قراءتُها المتعجّلة. لا تفتقرُ كتاباتُه إلى إطلالة على الماضي وإن كانت مشدودة بالواقع، تقرأ إعلاناتِه المكررة عن ضرورة الاهتمامِ بالواقع ومتطلباته واستحضارها في التفكير والتعبير. تخلو كتاباتُه من التحريض ضدّ المذاهب، لا تشوبها لوثةٌ طائفية، لم يكن مع مذهب ضدّ مذهب، ولا مع جماعة ضدّ جماعة، ولا مع حزب ضدّ حزب. تشعرك كأنها مع الجميع، في الوقت الذي لا تراه إلا وحده، يحرص على التوفيق بين مختلف التيارات والاتجاهات والفرق والمذاهب والأيديولوجيات، الذي يصلُ حدَّ التلفيق المكشوف بتأليف ما لا يأتلف.

كنتُ مدعوًّا لمؤتمر نظّمه الأزهرُ في القاهرة ربيع سنة 2017، لا أتذكر زيارةً للقاهرة إلا وأبدأها بمهاتفة حسن حنفي، وأقتطع وقتًا مناسبًا لزيارته في بيته مهما كانت الزيارةُ قصيرة، كما هي عادتي في كلِّ مرة أصلُ مصر، وعندما يتسعُ وقتي أزوره أكثرَ من مرة. لم تتجاوز زيارتي الأخيرة أيام المؤتمر الثلاثة، ولم يتسع وقتي للقاء أصدقاء كرام في هذه الزيارة، إلا لزيارة الأخ حسن حنفي إذ فرضتها ضرورةُ الصداقة الأخلاقية. هاتفته فأجابني مرافقُه، وفور إخباره أعرب عن سعادته ورغب بشوق أن أصلَ إلى بيته القريب من منطقة الفندق الذي أقيم فيه. اكتريت سيارةً إلى مدينة نصر حيثُ منزله، وطلبتُ من السائق أن ينتظرني ربع ساعة كي أعودَ لأعمال المؤتمر. عندما دخلتُ عليه رأيتُه مُقْعَدًا واهنَ القوى والحواسّ، أسرع إنهاكُ الأمراض والشيخوخة إلى الفتك بجسده، استنزفتْ طاقةَ عينيه المطالعةُ والكتابةُ حتى كادَ يفقدُ بصره، رأيتُه يكتبُ الكلماتِ بقلم عريض لا تستوعب الورقةُ من حروفه إلا عباراتٍ قليلة، يستعينُ بالبصيص الضعيف لعينيه باستخدام عدسة مكبرة جدًا للقراءة والكتابة. حزنتُ لما رأيتُ جسده بهذه الحالة. على الرغم من وهن جسده وضعف صوته لم ينطفئ حماسُه ولم تمُت أحلامُه. تألَّمتُ كثيرًا للوهن الذي نهش جسدَه، كان مُقعَدًا على كرسي، لا يقوى على القيام. المفاجئ أن الفتور الذي استولى على جسده، لم يعبث كثيرًا بعقله، ولم ينخر مشاعرَه، ولم يطفئ حماسته المتَّقدة، ولم يصيِّر جمرةَ شعاراته رمادًا. استمعتُ إلى نداء الحياة يهتفُ في روحه بصوت يهزمُ نداءَ الموت في جسده. مكثتُ ساعة ونصف تقريبًا، أسأله عن صحته وجديد مشروعه الذي نذر له عمرَه وضحَّى براحتِه وصحته من أجل إكماله، كان يحدثني بثقة العاشق المتيَّم الذي تحقّقت كلُّ أحلامه، وهو يقول جذلًا: تمكنتُ من إنجاز آخر حلقة في مشروع “التراث والتجديد”. ويضيف: لم يعد لديّ ما أحلمُ بكتابته إلا تدوين ذكرياتي، وأتمنى لو أسعفني العمرُ أن أنجزَ كتابًا جديدًا عن الثورة والثوَّار في كتابات مفكِّري أمريكا اللاتينية. سألني ما إذا كانت حقيبةُ سفري تستوعبُ آخرَ أعماله، فقلتُ له: سفرتي سريعة لحضور مؤتمر، وحقيبتي الخاصة بالكتب سأعودُ بها لبغداد فارغة؛ لم يسعفني الوقتُ للذهاب للهيئةِ المصرية للكتاب والمركز القومي للترجمة ودورِ النشر الغنية بإصداراتها المتنوعة في القاهرة. أهداني ما صدرَ من الحلقات النهائية لمشروعه، وهي عدة مجلَّدات في التفسير، تغطِّي الحلقةَ الخاتمة في مشروعه الواسع الطموح. أحبطَ تفسيرُه أَمَلِي مرةً أخرى، تفسيرُه تبهرك عناوينه، وهو الخبيرُ بصياغة العناوين بلغةٍ كأنها لافتات شِعرية، وحين تقرؤه لا تجد مضمونَه يتناغمُ والإيقاع المعلن لعناوينه، يسهبُ في الحديث ويراكمُ كلماتِه وعباراته وشعاراته المعروفة في كتاباته، يفسِّر الآياتِ القرآنية في ضوء رؤيته المهيمنة على كتاباته منذ البدايات المبكرة، إلا أن لغتَه أضحت سائلةً، تفيضُ بالألفاظ وتشحُّ بالمعاني. تألَّمتُ لحظةَ رأيتُ لغتَه تفتقرُ إلى طاقتها ووهجها المعروف في كتاباته السابقة، وكأنّ الوهنَ الذي أدرك جسدَه أدركها هي أيضًا.

 

                                        – 2

                                 كاهن الفلسفة

كنتُ ألتقي الدكتور حسن حنفي، فنذكر في سياق حديثنا آراءَ مفكرين معروفين، ويجري نقاشٌ حول مرجعيَّات رؤيتهم للعالَم، ومواقفهم المتنوعة من ثنائيات: الماضي والحاضر والأصالة والمعاصرة والتراث والحداثة، وتصوُّراتِهم المتعددة لدراسة أسباب التخلف والانحطاط وشروط النهضة، والإحياء والإصلاح والتجديد، وأثرِ فهم الدين وتفسير نصوصه وأنماط التدين في النهضة والبناء والتنمية. حين نتحدث عن كتاباتهم ومواقفهم كان لسانُ حسن حنفي لا يستغرق في ذكر غيره بسوء، وأحيانًا يحاول التهرُّب من الحديث، إذا كان الحديث يتطلب رأيًا سلبيًّا صريحًا، وربما يصمت وينقل الكلامَ إلى شأن آخر، على الرغم من أن هذا الموقف لم ينعكس على كتاباته، خاصة سيرته “ذكريات”.

نشر حسن حنفي فصلًا في أحد أجزاء مؤلفاته كَسِيرةٍ أوَّلية، وأعاد كتابةَ فصل آخر تناول فيه محطات متنوعة من حياته. في كتابه الأخير «ذكريات» وهي المرة الثالثة والأخيرة لكتابة سيرته الشخصية، حاول أن يتحدث عن رحلة حياته ومنعطفاتها المتنوعة من المرحلة الأولى إلى ما انتهت إليه قبيل وفاته. كان فيها أكثرَ تعبيرًا عن ذاته وانفعالاته ومواقفه الصادمة، صوتُه أشد وحديثُه أصرح، وهو يحكي للقرّاء ما تعرّض له من مواجع الحياة ومراراتها، وما كابده من تشرّدٍ وجوعٍ عند وصوله إلى باريس وبؤسٍ لا يطيقه إلا الصَّبور. كان في بداية المشوار يتساءل على الدوام حتى عن البداهات أحيانًا، متمرِّدًا لا يكترث بالممنوعات الاجتماعية ولا تهمُّه البروتوكولات الحكومية، عنيدًا لا يرضخ للترويض، تعيش معه ويعيش لها أحلامُه الكبرى الصادمة لأساتذته وزملائه، ولا يتردّد في إعلانها على الملأ. عند وصوله باريس لإكمال دراساته العليا خريف 1956 لم يكن في جيبه شيءٌ من المال، ذهب إلى بواب السفارة المصرية وطلب منه أن يُؤويه ليلًا ريثما يعثر على سكن، يقول حنفي: «فاستغربت، ألَّا يقبل بوابُ السفارة طالبًا سيغير العالَم بأفكاره»[1]. حين لم يجد مكانًا ذهب إلى مسجد باريس ولم يسمح له بالمبيت فيه، أرشده إمامُ المسجد «إلى أحد الجزائريين، كي ينام معه. وكانت غرفة في فندق في الحي العشرين الذي يقطنه العمال الجزائريون. ستة على سرير واحد»[2]. يتحدث حسن حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه قائلًا: «كانت صورتي في الإخوان أني شيوعي، وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني. وصورتي في أجهزة الأمن أني إخواني شيوعي. ولم يكن اليسار الإسلامي قد انتشر بعد، ليحل التناقض بين الإسلام والشيوعية أو الاشتراكية أو الأيديولوجيات العلمانية كالليبرالية والقومية»[3]. حسن حنفي كان مسكونًا بيوتوبيا اليسار الإسلامي، مفهوم اليسار الإسلامي لديه يلتقي فيه الإسلامُ بالشيوعية، وتجتمع الأضدادُ في كأسٍ واحد، بتوظيفٍ براغماتي مكشوف للتراثِ واستعمالِه في إثبات الشيء ونفيه.

حسن حنفي ثائرٌ بالفطرة، لم تتوقف أحلامُ الثورة وشعاراتُها بعد تجاوزه مرحلة الشباب. حسن حنفي كعلي شريعتي مثقّف رسوليّ، وأعني بمصطلح المثقّف الرسوليّ المثقّفَ النبويَّ الذي يرى نفسَه بمثابة النبي المُرسَل إلى أمته لهدايتهم، يشعرُ بمسؤوليته عن معتقدات الناس وأفكارهم. كان حنفي يعلن مرةً أنه مسؤولٌ عن تغيير العالَم بأفكاره، ومرةً أخرى يعلن فيها أنه «إنسان صاحب رسالة، أُعِدّ مشروعًا قد ينقذ الأمة من كبوتها، وذلك يقتضي الجلوس على المكتب طيلة العمر، لا زيارات لأقارب أو أصدقاء، فوقتي كله للعلم ولأداء الرسالة»[4]. واصل إعلانَ مهمته الرسولية في أحاديثه وكتاباته… مثلًا يكتب في مقدمة كتابه «من العقيدة إلى الثورة»: «أنا فقيه من فقهاء المسلمين أجدد لهم دينهم وأرعى مصالح الناس. ليس لنا ألقاب، بل نحن من علماء الأمة، ورثة الأنبياء، والمحافظون على الشرع، كما كان فقهاء الأمة من قبل»[5]. يصنّف حسن حنفي نفسَه فقيهًا من الفقهاء وإن كان يجتهد خارجَ أصولِ الفقه وقواعدِه في المذاهب المعروفة، متكلّمًا من المتكلمين وإن كان يحاول الخروجَ على تراث المقولات والفرق المعروفة للمتكلمين، فيلسوفًا مع الفلاسفة وإن كان يتفلسف خارجَ العقل الفلسفي الذي لا يخضع لمعتقد أو أيديولوجيا أو حكم سابق، يتفلسف حنفي بعقلٍ مشبَع بأيديولوجيا اليسار الإسلامي. ويصرُّ بتساؤلٍ إنكاري: «وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ وهل ينفـع تـدريس العلـوم الإنسانية كالاجتمـاع والقـانون والفلسفة دون أيديولوجيا؟ ومـا العـيـب إذا ما أدت الأيديولوجيا إلى العمـل السياسي؟ ومـا الـعيـب فـي أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدلًا من أن يحفظ كتابًا مقررًا؟»[6]. اتسعت اهتماماتُه وتنوّعت أعمالُه بنحوٍ استوعبت مختلفَ حقول التراث، تبدو كتاباتُه للقارئ مؤتلفةً مع كلِّ شيء في الوقت الذي لا يألفها شيءٌ، ويصعبُ تصنيفُها بقراءة متعجلة تحت أيِّ شيء، لا يصدق عليها إلا أنها كتاباتٌ توظِّف التراثَ والفلسفةَ وعلومَ الإنسان والمجتمع أيديولوجيًّا نفعيًا.

كان حسن حنفي أشدَّ توتُّرًا وانفعالًا وحنقًا في ذكرياته وهو يتحدثُ عن بعض تلامذته وزملائه. تسود الشكوى والضجر والألمُ مواردَ متعدّدة من كتاب «ذكريات». عندما يورد موقفًا أو يتحدّث عن زميل أو تلميذ كأنه يستأنف سيرةَ الدكتور عبد الرحمن بدوي التي نشرها في مجلدين، وكان فيها شديدًا على أكثر من عاصرهم، ولم يستثن إلا القليلَ من نقده اللاذع الذي يتمادى فيه أحيانًا إلى الاتهام بلا دليل.

خصّص حسن حنفي نحو 30 صفحة في نهاية ذكرياته لكتابةٍ قاسية عن بعض أساتذة الفلسفة وتلامذته، مثلًا يصف أحدَ أبرز أساتذة الفلسفة المصريين المعروفين عالميًا بقوله: «يعيش على قضيتين: أن ابن رشد ليس مثله من قبل ولا من بعد، وهو ممثل العقلانية. والثانيـة الهـجـوم على الأصولية، والدفاع عـن العلمانيـة الغربيـة. ارتبط بالدوائر الفلسفية الغربيـة أكثـر مـن العربية. ويكتب أسبوعيا في الأهرام ويكرر نفسه. لم يحصل على أي جائزة. وهو الآن مفكر الجامعة للهجوم على الإسلاميين»[7].

يقسو حسن حنفي على أحد تلامذته الأذكياء ويتبرّم منه قائلًا: «كـان يريد الشهرة بسرعة، فالتصق بتلميذي الآخر نصر حـامـد أبو زيد، لأنـه لم يعترض على الشهرة السريعة أو مخاطبـة الإعلام. وبدأ الخروج إلى الإعلام، وكتابة أفكاره في الصحف…كـان القسم يعتبره خير من يخلفني، ولكني اكتشفت باطنه كما عرفت ظاهره، فـقـد كـان يُبدى إخلاصًا لي في الظاهر، ويبطن عداوةً في الباطن. ثـم تـوفي بعـدهـا رحمه الله دون أن ينـال لـقـب باحث أو مفكـر… وتكوّنت حلقة معادية لي من تلاميذي الذين أصبحوا أساتذة بأنني السبب في إجهاضـه بـل ومـوتـه شـهـيدًا للفلسفة بسبب كراهيـة القسـم لـه”[8].

تلميذُه الصديق الراحل د. علي مبروك ظلَّ يشكو بمرارة في رسائله لي من مواقفه الموجعة معه حتى الأيام الأخيرة من حياته، كان مبروك يصفُ أستاذه بـ «كاهن الفلسفة»، وهكذا سمعتُ شكوى من غير مبروك من تلامذة حنفي. أظن علي مبروك يريد من توصيف «كاهن الفلسفة» فضحَ المفارقة المكشوفة في كتابات أستاذه وسلوكه معه وغيره من تلامذته. مبروك يغمز أستاذَه الذي يريد أن يكون فيلسوفًا كاهنًا وكاهنًا فيلسوفًا، وربما يريد أن ينبّهَ القراءَ إلى أن أستاذَه يجمعُ الأضدادَ في كأسٍ واحد، وهذا ضرب من جمع الأشياء المتباينة. الإنسانُ إن كان كاهنًا لن يكون فيلسوفًا، وإن كان فيلسوفًا لن يكون كاهنًا. كلُّ مجتمعٍ يتضاعفُ فيه حضورُ الكهنة ويتضخمُ تأثيرُهم يتضاءل حضورُ الفلاسفة ويضمحلُّ تأثيرُهم.

 

                                                – 3

                                   الدين قربانًا للأيديولوجيا

دعاني الدكتور حسن حنفي للحديث في ندوة الجمعية الفلسفية المصرية مساء الأحد 16 يناير 2011، بحضور نخبةٍ من الأستاذات والأساتذة المعروفين أعضاء الجمعية. أدار هو الندوة، وعقّب عليها الصديقُ المرحوم الدكتور علي مبروك. قدّمتُ في الندوة ورقةً نقديةً لفكرِ د. حسن حنفي وفكرِ د. علي شريعتي، بعنوان: «اختزال الدين في الأيديولوجيا: نقد لاهوت التحرير عند حسن حنفي وعلي شريعتي». لم يظهر الانزعاجُ عليه على الرغم من النقدِ الصريح الذي وجّهتُه لفكرِه. أحترم موقفَه وأعتزّ به في دعوتي وتقديمي للحديث في هذه الجمعية العريقة. أكبرتُ سعةَ صدره في تقبُّل النقد في الندوة، وموقفَه الجدير بالاحترام والتبجيل والثناء، وإعرابَه عن استعداده لاستضافتي في الجمعية أيّ وقتٍ أزور القاهرة. لم يعلن استنكارَه على الرغم من الاختلافِ مع طريقةِ تفكيرِه وفهمِه للدين وعلم الكلام الجديد وتأويلِه للتراث، واختلافِ ‏رؤيتي لعلم الكلام الجديد عن رؤيته، والمعيارِ الذي حدّدتُه لتمييز المتكلم والكلام الجديد، كما ‏شرحتُ ذلك في كتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». ‏علمُ الكلام الجديد عند حسن حنفي يعني لاهوتَ التحرير، وعلمُ الكلام الجديد في نظري يعني لاهوتَ الحرية. الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، ينشدُ إيقاظَ وتكريسَ المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة الإنسان.

قدّمني الدكتور حنفي في الندوة، وفي سياق حديثه الحماسي المستفيض أشار إلى أني أمثّل «اليسار الإسلامي» في العراق. أظنّه كان يريد أن يبلِّغ الحضورَ من أستاذات وأساتذة الفلسفة الكرام، اتِّساعَ الرقعة الجغرافية لليسار الإسلامي في البلاد العربية، وأن دعوتَه هذه تحولت إلى تيارٍ واسع، كما أشار في غير مرة لهذه الأمنية. بعد فراغه من التقديم بدأتُ الحديثَ بالقول: مع احترامي وامتناني للصديق د. حسن حنفي، أودّ أن أوضح: أنا لا يسار إسلامي ولا أيّ يسار آخر، لا يمين إسلامي ولا أيّ يمين آخر، أنا مسلمٌ وكفى. لم يكتم حنفي امتعاضَه وشعورَه بالإحباط للنَّفي الصريح لما وصفني به.

الرجلُ عالمٌ ذكي موهوب، متعددُ اللغات، مثابرٌ صبور، يستحقُ التبجيلَ والثناء. كتبَ وترجمَ وحقَّقَ آلافَ الصفحات، ربما لم يكتب أحدٌ من المفكرين من مواطنيه بغزارة وسعة ما كتبه. كتاباتُ حنفي حول التراث متنكرةٌ بلغةٍ لا تخلو من حماسٍ توقده شعاراتٌ ثورية، ومتنكرةٌ بتوظيفاتٍ كما يشاء لمناهج وأدوات ومفاهيم ومصطلحات مستعارَة من الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

كان محورُ حديثي في الندوة يدور حول ترحيل الأيديولوجيا للدين من وظيفته الأصيلة، بوصفه يروي الظمأَ الأنطولوجي للمقدّس، وكيف تغفل الأيديولوجيا الواقع، وتضع الفردَ والمجتمعَ في مواجهة العالَم، وتفقر الروحَ والقلبَ والضميرَ والعقل. تحدّثتُ عن تشديدِه المتواصلِ على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، وإعلانِه عن أن ذلك هو الهدفُ المحوري الذي بدأ به مشروعَه وواصل ترسيخَه في كتاباته المتنوعة والغزيرة حتى آخر حياته. يستعملُ حنفي الأيديولوجيا كالملح الذي يستعمل في كلِّ طعام.

لفرط إغواء الأيديولوجيا وتسلُّطها على وعي حسن حنفي، وتسيّدها في تفكيره، واعتمادها معيارًا في أحكامه على أية جماعة دينية أو سياسية، يصرّحُ في كتاباته بأن جماعةَ الإخوان المسلمين هي «الحزبُ النظيف» الفاعلُ والمؤثرُ الذي عمل على تحقيقِ هذا الهدف منذ نشأته. ويكرّرُ هذا الكلامَ بأساليب متنوعة في موارد متعدّدة من كتاباته، فمثلًا يقول: «لقد عرضت الجماعةُ لأول مرة في تاريخنا الإصلاحي الحديث الدينَ باعتباره أيديولوجية. وتربى شبابُ مصر تربيةً فكرية على أساس أيديولوجي، مما جعله معتزًا بما لديه، وقادرًا على الوقوف أمام الأيديولوجيات المعاصرة، وعلى رأسها الماركسية والليبرالية، وظهر الإسلامُ ليس فقط كعقيدة وشريعة، وهما ما ورثناها من القديم، بل كأيديولوجية على مستوى أيديولوجيات العصر. وعرضت على المستوى النظري نظريات الإسلام الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والفنية التي كانت تسد حاجة العصر النظرية… ‏فكانت لدينا أيديولوجية وطنية، من طراز الأفغاني من أجل مقاومة المحتل، والقضاء على الإقطاع، ومن طراز السلفية المستنيرة عند ابن تيمية: الدين في مواجهة الصليبيين…كانت جماعة الإخوان تمثل صورة أخرى، وهي “الحزب النظيف”، وقد بقيت الجماعة لهذا السبب حتى بعد قانون حلّ الأحزاب، لأنها ليست حزبًا ككل الأحزاب: “أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”»[9].

لا يكترثُ حنفي كثيرًا بالوظيفة المحوريّة للدين في إثراءِ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريسِ صلة الإنسان الوجودية بالله. يشدِّدُ باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، بين الواقع والأيديولوجيا في فكره وفكر غيره تناشزٌ مكشوف. الأيديولوجيا قوالبُ ساكنة تلبث على الدوام كما هي، الواقعُ سيَّالٌ في صيرورةٍ مُزْمِنَة، متحولٌ كشلالٍ متدفق لا يتوقفُ ولا يلبثُ كما هو أبدًا. الدينُ أعمقُ من الأيديولوجيا، تحويلُ الدين إلى أيديولوجيا يعني: اختزالَ الإنسان في أحد أبعاده، واختزالَ الروح في القانون، والعقيدةَ في الثورة، واللهَ في الإنسان، والسماءَ في الأرض، والغيبَ في الشهادة، والميتافيزيقا في الطبيعة، والآخرةَ في الدنيا، والروحَ في الجسد، والرّمَز في الحرف، والرؤيا في المحسوس، والمعادَ في المعاش، والعبادةَ في الجسد، والديني في الدنيوي[10].

مَنْ يقرأ حسن حنفي يندهشُ من الحضورِ الطاغي لتأويله الأيديولوجي للدين، وإفراطِه في تطبيق آياتِ القرآن الكريم والنصوصِ الدينية والتراثِ بمنطق أيديولوجي على الواقع بمختلف ظواهره ومتغيراته. بموازاة ذلك يرى القارئ إهمالًا للميتافيزيقا في كتاباته، وكأنَّ القرآنَ كتابٌ لا صلةَ له بالغيب، كأنه كتابٌ أنزله اللهُ ليتحدّثَ عن كلِّ شيء ويستثني اللهَ وعالَمَ الغيب. يحيلُ حنفي الميتافيزيقا إلى الفيزيقا، والغيبَ إلى الشهادة، والسماويَّ إلى الأرضي، يفسّرُ ما هو ميتافيزيقي بالطبيعي، ويرى ما هو أنطولوجي أيديولوجيًّا، وما هو قلبيّ ذهنيًّا، وما هو فردي مجتمعيًّا. لا يرى في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجوديّ تتسامَى فيه، لا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه الطبقي في عالمه الأرضي.

حسن حنفي مولعٌ بمحاكاةِ التراث للواقع وترحيلِ الواقع للتراث، حريصٌ على استعارةِ جلباب التراث وخلعِه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، ينتخب مثلًا مقولاتِ الكلام المعتزلي في العدل والحرية والمنزلة بين المنزلتين، وينتقي بعضَ الأحكام الفقهية من المذاهب، ويجعلها تنطق لغتَه لا لغتَها، وترتسم فيها صورةُ مفاهيمه لا صورتُها. تبدو المفاهيمُ في لغته مقطوعةَ الجذور من تربةٍ نبتت فيها، ومقتلَعةً من ظروف وعوامل وسياقات نشأتها وتطوّرها في التراث، مغروسةً في تربة غريبة عليها، محاكيةً لواقع متغيّر يتنكرُ لها، لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليها. يحاول حنفي الاتِّكاءَ عليها في معالجة المشكلات السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويسعى لحلّ مشكلةِ التفاوت الطبقي وغيرِها في ضوئها.

كتاباتُ حسن حنفي في الوقت الذي تظن أنها تخرجك من المقولاتِ الأصولية وشعاراتِها، تصنع لك من التراث أيديولوجيا تدعوك لاعتناق مقولاتها. يخيّل إليك أنه يخرجك من طوبى التراث، غير أنه يرسم لك طوبى متخيَّلة، شديدةَ الإغواء فاتنةً على وفق رؤيته. يصنّفُ التراثَ على وفق أيديولوجيات ومذاهب ورؤى تصل حدَّ التضادّ أحيانًا. التراثُ لديه يختزن ما يحتاجه الواقعُ اليوم، محترِفٌ في توظيفه بلغته وأسلوبه الخاص، بنحوٍ يجعل التراثَ مصدرًا للعقلانية، مصدرًا للتجديد، مصدرًا للحداثة، مصدرًا للأنوار، مصدرًا للديموقراطية، مصدرًا للاشتراكية وغير ذلك، كأن التراثَ علبٌ فارغة ما عليه إلا إعادةَ قراءته وملئه بما يحسبه دواءً لأمراض الواقع. القراءةُ المتأنية لأعماله يتكشّفُ في طبقاتها ما ينشده الإسلامُ السياسي وما يدعو إليه من إحياءِ التراث وأسلمةِ العلوم والمعارف الحديثة.

                                              –4

              أدلجة الدين تنهك وظيفته الروحية والأخلاقية

حسن حنفي ‏مفكرٌ مدهش، لا يُخرِجُ القارئَ من متاهةٍ إلا ويدخله ‏في متاهات عويصة، ربما يتعذر عليه الخروجُ منها كلَّ حياته. يستطيعُ أن يكتبَ عن معتقدَين متعارضَين بلغةٍ تصالحية توحّدهما، وأحيانًا يكتبُ رأيَين متضاربين عن معتقَد واحد. كتاباتُه متنوعةٌ غزيرة، الجملُ قصيرةٌ، الإيقاعُ سريعٌ، يكتبُ بلغةٍ عاطفية متوترة، بقدرةٍ فذَّةٍ على إيقاد المشاعر قبل إيقاظ العقل، واستعمالِ الدين في إذكاء العواطف وتحريض الضمير، قبل توظيفه في مجاله الروحي والأخلاقي. بالرغم من أن حسن حنفي خبيرٌ متمرّس في التراث، يمتلك تكوينًا ممتازًا في أصول الفقه، واطلاعًا واسعًا على علم الكلام، ‏مضافًا إلى خبرته الجيدة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، إلا أن عقلَه لبث حتى وفاته يرى الماضي والحاضر في أفق قراءته الأيديولوجية.

تحويلُ الدين والمعتقد والتراث إلى أيديولوجيا ‏يستنزفها ويعبث بها، كلُّ فكرة ومعتقد ودين وتراث يمكن أن تصيّرها أيديولوجيا. ‏أدلجة الدين تنهك وظيفتَه الروحية والأخلاقية، تفرضُ هذه الوظيفةُ حمايةَ الدين من أن يتحولَ إلى أيديولوجيا، وإلا يمكن أن يصيرَ الدينُ أداةً لممارسة العنف ضد المختلف في المعتقد، كما تفعل الجماعاتُ المقاتلة باسم الله.

الأيديولوجيا مغلقة على نفسها ترى كلَّ شيء وفقًا لمنظورها لا غير. القراءةُ الأيديولوجية تتلاعب بالدين والتراث وتسقِط عليهما رؤيتَها وأحلامَها الرومانسية. الأيديولوجيا تمارس حجْبًا مزدوجًا للماضي والحاضر، ترى الماضي في الخيال كما تتمنى أن تراه، ترى الحاضرَ في الأماني كما ترغب أن تراها. في الأيديولوجيا يقع التفكيرُ أسيرًا للعواطف وتتحكَّم فيه المشاعرُ والانفعالاتُ أكثر مما يتحكمٌ فيه العقل. التفكيرُ عندما يستمدُّ طاقتَه من الخيال فقط من دون أن يمحّصَه العقل، يعجزُ عن رؤية الأشياء بوضوح خارجَ مملكة الخيال الغزيرة المشحونة بالمسلّمات والأحكام والإجابات الجاهزة. الأيديولوجيا تستمدُّ قوةَ تأثيرها من الحماس والعواطف والأمنيات وليس من العقل. الحماسُ متعجّلٌ متحيّز متّقد، لا يلامس الحماسُ شيئًا إلا وأوقده. العقلُ باردٌ متمهل، يتفحّصُ الأشياءَ ويغربلُ الأفكارَ، ويدرسُ المعتقداتِ بتأمل وهدوء وروية. تستمدُّ الأيديولوجيا فاعليتَها من قوة وكثافة الشعارات وإيقاعها السريع وتكرارها المتواصل. عندما تتسيّد الأيديولوجيا، يغرق الذهنُ بالشعارات والأحكام المسبقة والإجابات الجاهزة، ولا تعود للتفسيرِ العميق والتحليلِ العقلي الدقيق حاجةٌ، وقلّما نعثرُ في لغة الأيديولوجيا على أدلة علمية وحجج منطقية وبراهين عقلية.

في تحويله للدين إلى أيديولوجيا، حاول أن يحوّل كلَّ ديني إلى دنيوي حتى اختلطت الحدودُ بينهما، فجري تعميمُ الفهم الدينيّ لكافَّة حقول المعارف البشرية، وتديين المعرفة في خاتمة المطاف الذي ينتهي إلى التَّضحية بالعَقْلِ والخبرة البشرية خارج ما هو ديني.

حسن حنفي بارعٌ في القراءةِ الأيديولوجية للدين والتراث، وتوظيفِها بتلفيقِ مقولات الفِرَق المتصارِعة، ودمجِ الماضي بالحاضر في خلطةٍ غريبة، يخرجُها لفظيًا ببيان آسر أحيانًا، يستطيع أن يحوّل مقولةً واحدةً إلى كوميديا مضحكة مرة، وتراجيديا سوداء مرة أخرى، وربما يجمعهما معًا في مشهد أخَّاذ. لا يغفل القارئُ المتمهِّل عن التلاعب والتمويه الذي تمارسه قراءتُه الأيديولوجية. في بعض المواقف يعلن نواياه وما يعمل عليه، وإن كانت تتضمَّن تهافتًا عمليًا مكشوفًا يتنكر إليه الواقع، فهو يعمل في مصر كما يقول على: «‏الجمع بين شرعية ثورة يوليو، وشرعية الإخوان. بين شرعية الماضي، وشرعية الحاضر… ‏صيغة توحّدُ بين صيغة الخطاب السلفي والخطاب العلماني، فكلاهما ناقص. صيغة يجعل بها الوطن وطنًا للفقير مثلما هو وطن للغني”[11].

كتبَ حسن حنفي عن تجربته في الانتماء للإخوان المسلمين، وتحدّث عن تأسيس هذه الجماعة ودرس أدبياتِها وتاريخَها. قرأتُ كلَّ ما نشره حول الجماعة، رأيتُه منحازًا لا يكفُّ عن تبجيلِها وامتداحِ رجالها والاعتذارِ لمواقفهم الخاطئة، وتوجيهِ دلالات ما تتضمنه أدبياتُها إلى غير وجهتها، وتأويلِ مقاصدها بعكس ما ترنو إليه. يسرف خيالُه في رسمِ صورٍ بديلة للأشخاص والأفكار والكتابات لهذه الجماعة، لا يرى القارئُ الذكي شيئًا من ملامح هذه الصورة في غير كلماته العاطفية.

‏مواقفُ حسن حنفي وكتاباتُه عن جماعة الإخوان المسلمين تكشف عن تواطؤٍ واضح ومراوغةٍ مكشوفة. ‏يكيل لهم المديحَ بمناسبة وغير مناسبة، ويتغافل عن التبسيط في رؤيتهم للعالَم، ووهنِ تفكيرهم السياسي، وعجزهِم النظري عن فهمِ الدولة، ومناهضتِهم للدولة الحديثة ونظمِها، ولا يقف طويلًا عند أحلامَهم باستئناف الخلافة والدولة السلطانية في تاريخنا. لا يُنكَر أن حسن حنفي متعدّدُ المواهب، متنوّعُ التكوين الأكاديمي واللغوي، ولا أظن مفكرًا موهوبًا بقامته تخفى عليه هشاشةُ أدبيات الإخوان المسلمين وسطحيةُ أفكارهم، وأوهامُهم عن الدولة والمجتمع، وعجزُهم عن اكتشاف طبقات الواقع المركب الشائك العميق. لا يحتاج القارئُ إلى الاستقراءِ الواسع والغوصِ في مؤلفات حنفي كي يرى غضَّ نظره وتواطئه المكشوف مع مواقف الإخوان السلبية من العلوم والمعارف والآداب والفنون الحديثة، وتغافلِه عن كتاباتهم التحريضية ضدّ الأدباء والمفكرين الأحرار. يتجاهل حسن حنفي الآثارَ العاصفة لأجهزتِهم المختلفة ومؤسساتِهم العديدة على حياة المجتمع المصري، وكثافةَ تأثير ما يمتلكونه من أجهزةِ تربيةٍ وتعليم وتثقيف ودعوة وإعلام ودعاية، مثل المدارس بمختلف مراحلها، وأئمة الجماعة وخطباء الجمعة من أعضاء الجماعة، والمؤسسات الدعوية، وأخطبوط الشبكات المالية في مصر وخارجها.

يمتدح حنفي هذه الجماعةَ ويشيرُ إلى ما يفتقرُ إليه المجتمعُ المصري بغيابها، قائلًا: «كانت جماعة الإخوان تمثل تيارًا أصيلًا في مجتمعنا. وكانت على وعي بقضايا التراث والتجديد. وكانت تأخذ مواقفَ حاسمة بالنسبة للتراث الغربي، والتبعية للآخرين، وتقليد مظاهر المدنية الغربية، والافتتان بقشور الحضارة… ‏ومنذ توقف نشاط الجماعة والافتتان بالغرب يزداد، والتقليدُ للآخرين يقوى، والتهافتُ على البضائع المستوردة، وعلى البيع والشراء بالعملات الحرّة، والجريُ وراء أنماط الاستهلاك… نشأ الشباب فلم يعرف إلا تقليد الغرب في غياب حركة أصيلة تأخذ موقفًا نقديًا منه، كما كانت تفعل جماعة الإخوان المسلمين»[12]. ويمضي في الحديث عن التأثير الهائل للجماعة في المجتمع المصري، بوصفها ناطقةً باسم «التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل»، وما أنجزته من مكاسب استثنائية لمصر، من أن يذكر أثر هذه المكاسب في البناء والتنمية الشاملة، ويلوم أخيرًا من يحاول أن يجهِض مسيرتَها. يلخصُ ذلك بقوله: «‏تحوّل الدين من عقيدة إلى حركة جماهيرية، وأصبح الإسلامُ غذاء الجماهير اليومي، ولأول مرة في عصرنا الحاضر يجند الإسلام الجماهير بهذه القوة، وهذا الاتساع… أصبح الدين لمصلحة الجماهير، وأصبح الإسلام دين الشعب، ووجد الإسلام في الشارع، فوق الحصير، وعلى المصطبة. وأصبحت الجماهير وريثة العناية الإلهية في القدرة على العمل والحركة… كانت الجماعة دليلًا ومؤشرًا على أن التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل ما زال مستمرًا، وكانت بؤرة يلتف حولها كلُّ مسلم يود جَعْلَ إسلامِه نظامَه في الحياة. وكانت مدرسةً يتخرجُ فيها الدعاة، وكانت جريدةً يتطورُ فيها الفكرُ الإسلامي، وكانت محطًّا لكلَّ زائر إسلامي. كانت معلمًا من معالم مصر، وعلامةً على طريق مستقبلها وماضيها، ومحورًا تدور حوله كلُّ قوانا الإسلامية المبعثره كما هو الحال الآن. لقد كسبت مصر كثيرًا فلماذا تفرط فيما كسبت؟»[13]. يعلنُ حسن حنفي أسفَه على ما خسره الفكرُ الإسلامي عندما: «وقف التطور الفكري للجماعة، وهي خسارة كبيرة على مستوى الفكر الإسلامي الحديث، فقد كان الإخوان المسلمون حركة إصلاحية أصيلة، نابعة من فكرنا الإصلاحي الحديث منذ ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، والمدرسة السلفية بوجه عام… ‏وامتاز فكرُ الشهيد حسن البناء بالوضوح والإيجاز والتركيز، كما امتاز أسلوبُه بالإقناع. ثم تطوَّر فكرُ الجماعة على يد المفكر الشهيد سيد قطب، وتحول الإسلام إلى: نظرية في العدالة الاجتماعية، والسلام العالمي، والتحرر الإنساني، كما أصبح أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًّا للعالم، ونظرية في الفن، ومنهجًا في التفسير. ولسوء الحظ توقف هذا التطور الفكري باستشهاد مفكرنا الأخير. ومن يدري ماذا يدور في عقول مفكرة الإسلام الآن»[14].

يسكتُ حنفي عن نمط التديُّن السياسي المغلق الذي صنعته الجماعة، وجعلته في صدام مع إسلام المجتمع المسالم، وأحدث انقسامًا حادًّا في المجتمع والعائلة الواحدة، ووضعت الجماعةُ هذا النمطَ من التديّن في مواجهة المؤسسات الدينية التقليدية العريقة كالأزهر، ووجهت أعضاءها للانشغال بهموم الغير قبل هموم المواطن المصري، لأن «جنسية المسلم عقيدته» كما يشدِّدُ سيد قطب، وليس وطنه. نشر حسن حنفي «الدين والثورة في مصر» في ثمانية أجزاء في ثمانينيات القرن الماضي، وكتب كثيرًا عن الموضوع بعد هذا الكتاب وقبله. لم أقرأ له بحثًا علميًّا ناقدًا، يستعملُ فيه مناهجَ العلوم الإنسانية الحديثة الملمّ فيها، ويدرسُ في ضوئها الآثارَ السلبية لمنابرِ جماعة الإخوان وأدبياتِهم ومواقفِهم على التربية والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد والتنمية والهوية الوطنية في مصر، وما أحدثتْه منابرُهم ودعايتُهم من استقطابٍ طائفي حادّ، تفجَّرَ في حوادث عنف مؤسفة، إثر إثارة بعض منابرهم لإحياء أحكام أهل الذمة المنسية وأمثالها، وتصدّع مكونات المجتمع الذي توحّده المواطنةُ والانتماءُ لأرضه وهويته المصرية.

كتاباتُ حسن حنفي تعلن أن هاجسَها تغييرُ الواقع، لكنها تعبّر عن أحلام تغوي مراهقَ التفكير بحديثِها المكرَّر عن العدالة والحقوق، وإعلانِها عن أنها صوتُ المهمّشين والمحرومين، وكلِّ أولئك المعذّبين في الأرض الذين يتجرّعون العلقم، وهي مولعة بأحلام رومانسية بعيدة عن الواقع.

 

                                               – 5

                       اليسار الإسلامي بدأ مع سيد قطب

الإخوان المسلمون هم الجماعة السياسية الأطول عمرًا، والأوسع حضورًا والأشدّ تأثيرًا في مصر والبلاد العربية. حسن حنفي من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان وخبرةً بنشأتهم وأدبياتهم ومواقفهم ومسيرتهم العملية، وهو الأغزر كتابةً عن الحالة الدينية في مصر، ربما لا نجد كتابًا له إلا ويتطرق للدين والتديّن وأحيانًا يكتب عن ذلك بشكل مستفيض. في كلِّ ما قرأتُ من كتاباته عن الإخوان كان يتحدث بلغة اعتذارية، تحاول بأساليب ذكية تبريرَ مواقفهم، وإدانةَ خصومهم، وتكرارَ الكلام عن «سيكولوجية الاضطهاد» التي تعرضوا لها كحركةٍ سياسية جماهيرية، شديدةِ الإيقاع واسعةِ الحضور في مؤسسات المجتمع المتنوعة. يصف حسن حنفي تأثيرَ السجن والتعنيف والغبن الذي تعرضتْ له الجماعةُ بقوله: «‏وغلب على فكرها سيكولوجية الاضطهاد، فنشأ فكر إسلامي معادٍ للواقع، غاضب، يبغى الانتقام. يستعمل الإرادة الإلهية، كالسيف على رقاب الناس. وانقسم العالم عندهم إلى أبيض وأسود، إلى إسلام وجاهلية، لا يتعايشان بل يدمر أحدهما الآخر. وتقود هذه العملية الصفوة المؤمنة، عن طريق تغيير السلطة»[15]. هذا الكلام يتضمن اعترافًا صريحًا لحنفي برؤيةِ الجماعة المغلقة للعالَم، والنزعةِ الحادة المتطرّفة في تفكيرهم، وتصنيفِهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى «إسلام وجاهلية»، لكنَّ حنفي يعود في موارد كثيرة من كتاباته ليبجلَهم، ويفتعلَ دورًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا استثنائيًّا اضطلعوا به في مصر. لا يتحدّث حسن حنفي عن استنزافِ الجماعة للتديّن التقليدي وإنهاكِ الحياة الروحية والأخلاقية في المجتمعات المسلمة، وما أحدثته هذه الجماعةُ من ثغرات بنيوية في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وهيمنتِها على الجمعيات الخيرية والمساجد ومختلف المؤسسات المجتمعية. تديّنُ الإخوان عمل على تجفيف منابع التديّنِ الشعبي الموروثِ منذ عصر الرسالة، والمتجذّرِ في المجتمعات الإسلامية، والذي استطاعت بنيتُه الراسخة أن تمنح حياةَ الأفراد والمجتمعات معنىً روحيًّا وأخلاقيًّا للدين يواكب إيقاعَ تطور المجتمعات والهويات المحلية، ويتناغم والواقعَ المتغير. تديّن الإخوان ينطلق من عقيدةٍ ترسختْ في وعيهم نشأتْ من آراء سيد قطب الصريحة بـ: «أنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي»[16]. والحكم بأنه قد: «ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله»[17]. في هذه السياق يخترع سيد قطب مفهومًا لكلٍّ من المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي، حتى ما نراه مجتمعًا مسلمًا يرى سيد قطب أنه: «يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخصَّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها”[18]. هذه العقيدة دفعت الإخوانَ للعمل على استبدال التديُّن الشعبي الرحيم بتديّن مصطنع، تديّنٌ غطاؤه سياسي مضمونُه سلفي، تديّنٌ أحدث تناشُزًا مع البيئة المجتمعية، واغترابًا للمسلم العضو في هذه الجماعة عن عائلته ومجتمعه وبيئته، تديّنٌ كلامي مغلَق وفقهي متشدّد أفقرَ حياةَ المسلم للمعنى الروحي والأخلاقي، وغاب به المعنى الديني المُتآلف مع اختلافِ المجتمعات وتنوعِ طرائق عيشها وهوياتها الثقافية والإثنية.

لا يقف حسن حنفي طويلًا عند ما أحدثته جماعةُ الإخوان من تشظٍّ في البنية الدينية لمصر ومجتمعات أخرى مسلمة، وتصادم تديّنُهم المصطنع بغطائه السياسي ومضمونه السلفي والتديّن الشعبي التقليدي، والانقسام المجتمعي الذي خلقه هذا النمطُ من التديّن. يتغافل حنفي عن الآثار الموجعة لدعوةِ الجماعة وفكرِهم وانتشارِهم الواسع في مصر وعالم الإسلام، كأنه لا يدري أن المدارسَ ومعاهدَ التعليم والجامعات، من الروضة إلى الدراسات العليا، في السعودية ودول الخليج، وقبل ذلك في مصر وغيرها من الدول العربية، لبثت أكثرَ من نصف قرن خططُها التربوية والتعليمية أسيرةً للإخوان المسلمين. كانوا هم مَنْ يضع أسسَها، ويرسم خارطتَها، ويؤلّف مقرراتِها، ويحدّد مدخلاتِها ومخرجاتِها. يجري ذلك في أفقِ رؤيتهم للعالَم، وتديّنِهم السياسي الذي يظهر في السلوك ومختلف المواقف بتديّنٍ سلفي مغلَق متشدّد، تشبّع فيه مَنْ أقام منهم في هذه البلاد، بعد تفاعلِهم مع المذهب الحنبلي وانبهارِهم بأفكار ابن تيمية وتقليدِهم لمقولاته الاعتقادية وعملِهم بفتاواه الفقهية.

تنامى عاجلًا حضورُ الإخوان في التربية والتعليم في هذه البلاد، بعد هجرة المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، أيامَ اضطهادهم زمن الرئيس جمال عبد الناصر، بأعداد ليست قليلة، منذ خمسينيات القرن الماضي فصاعدًا إلى السعودية ودول الخليج، وسقوط العملية التربوية والتعلمية في هذه البلاد بأيديهم. في ذلك الوقت كانت هذه البلادُ تفتقر للمعلمين والمدرسين من مواطنيها، فاضطرت لتسليم كلِّ شيء في المدارس بمختلف مراحلها لهم، وتمت صياغةُ كلِّ شيء ليجسّد أمانيهم ويعبِّر عن غاياتهم ويعكس تفكيرَهم. نتج عن ذلك تفشِّي التيار السلفي بشكل سريع في مجتمعات عالَم الإسلام، منطلِقًا من البلاد التي تحكّم فيها الإخوانُ بالتربية والتعليم، ومستثمرًا شيئًا من فائض الثروة الذي تراكم بالتدريج بعد حرب اكتوبر 1973 وارتفاع أسعار البترول.

لا يكترث حنفي بالكشف عن تناسل الجماعات المسلحة من أدبيات الإخوان، وبخاصة كتاب «معالم في الطريق» ومسؤولية أفكار سيد قطب عن ذلك. في أكثر من مناسبة يذكِّر حسن حنفي القراء باقتران لحظة ارتباطه بالإخوان بسيد قطب. يقول: «دخلت الإخوان سنة 1951 ‏في نفس الفترة التي دخلها سيد قطب تقريبًا. وتأثَّرتُ جدًا بـ “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”معركة الإسلام والرأسمالية”»[19]. في كتابه «الحركات الدينية المعاصرة»، الذي هو الجزء الخامس من سلسلة «الدين والثورة في مصر»، جاء الفصل الرابع بعنوان: «أثر الإمام الشهيد سيد قطب على الحركات الدينية المعاصرة»، واحتلَّ أكثر من 130 صفحة من كتاب لا يتجاوز 342 صفحة. لم أقرأ كاتبًا من مُريدي سيد قطب أو خصومِه يخلع عليه لقبَ «الإمام الشهيد» غير حسن حنفي. «الامام» لقبٌ ديني يُطلق في الإسلام على مؤسِّسي المذاهب ومجتهديها، ويُطلق على أئمة أهل البيت. في تاريخنا القريب حدث توسُّعٌ في إطلاقه، لكن لم أقرأ أو أسمع من يطلقه على أمثال سيد قطب، ممَّن لم يتخرجوا في معاهد التعليم الديني التقليدية والحوزات.

اليسارُ الإسلامي هو لافتةُ مشروع حسن حنفي الذي يختصرُ مضمونَ دعوته وتلتقي فيه كتاباتُه، كما يتحدث عن ذلك: «اليسار الإسلامي ربما ليس أفضل المصطلحات. وأنا أريد لفظًا يعطي الشرعيتين معًا… أنا أريد أن أعطي إسلامًا سياسيًّا، اجتماعيًّا للأغلبية الفقيرة المقهورة… واليسار الإسلامي هو أَخْذُ كلِّ هذه الطاقات، وهذه المشروعيات التاريخية، والفكرية، والثقافية، والحضارية من أجل توجيهها إلى التحديات لكي نُسَايِر العصر»[20].

يؤرخ حنفي لولادة اليسار الإسلامي بسيد قطب، كما يصرح بقوله: «وتراجع الفكر الإسلامي خطوات إلى الوراء‏. وضاعت فرصة اليسار الإسلامي الذي بدأ مع سيد قطب. وقضى على النهضة الإسلامية الجديدة التي حاولها حسن البنا للحاق بالمصلحين الأوائل»[21]. وفي فقرة أخرى يرى اليسارَ الإسلاميَّ قد انتهى بنهاية سيد قطب.

ويضع حسن حنفي مشروعه في سياق مشروع سيد قطب، وكتاباته بوصفها مكملة لكتابات سيد قطب. يخبرنا أن المحاور الرئيسية الثلاثة في مشروعه هي ذاتها محاور فكر سيد قطب، وكأن سيد قطب رسم له خارطة الطريق وجاء هو ليكملها، وفقًا لما جاء في قوله: «‏ظهر سيد قطب معبرًا عن أماني الحركة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو 1952، ‏وزاد عليها انبثاقه عن الإسلام، وخروجه من تراث الأمة، وقدرته أن ينشئ تيارًا جديدًا في الفكر الديني عن الإسلام الاجتماعي أو الإسلام السياسي أو الإسلام الاشتراكي أو اليسار الإسلامي… ‏ومن ثم جمع سيد قطب في موقفه المحاور الرئيسية الثلاثة: الموقف من التراث القديم، من أجل إعادة تنقيته وتصويبه نحو حاضر المسلمين وقضاياهم الكبرى، الموقف من التراث الغربي ناقدًا له ومحجمًا إياه وحاميًا لحاضرنا من آثار التقليد والتبعية، والموقف من الواقع الحالي، ونقد النظم القائمة، من أجل المساهمة في قضايا التغيير الاجتماعي وإقامة نظام أفضل. وهي المواقف الثلاثة التي تعبر عن الموقف الحاضر لجيلنا كله… ‏وكان لا يهتم إلا بالجانب الفكري للدعوة، محاولًا صياغة أيديولوجية إسلامية ثورية، بما امتاز به من وضوح الرؤية ودقة الأسلوب»[22].

يقرأ حسن حنفي فكرَ سيد قطب بوصفه تطوَّر في أربعة مراحل، فيقول: «ويمكن التعرف على أربعة مراحل في فكر الإمام الشهيد، تعبِّر عن تطوُّره الروحي: المرحلة الأدبية، والمرحلة الاجتماعية، المرحلة الفلسفية، والمرحلة السياسية»[23]. لم يكن حنفي دقيقًا عندما خلعَ على بعض كتابات سيد قطب عنوانَ فلسفة، ووصف كاتبها بفيلسوف. لم يكن سيد قطب في أيّ كتابٍ أو مقالةٍ فيلسوفًا، كي يصطلحَ حنفي على مرحلة من مراحل إنتاجه الفكري بـ «المرحلة الفلسفية». قرأتُ أكثرَ أعمال سيد قطب قبل نصف قرن تقريبًا، وكنتُ أعود إلى بعضها عندما أناقش أفكارَه، وقرأتُ بموازاتها الكتاباتِ معه أو ضدّه، عن حياته وفكره وسجنه ونهايته المأساوية، ولم أقرأ في أعماله رؤيةً فلسفيةً أو نقاشًا فلسفيًّا أو تداولًا لمصطلح فلسفي. سيد قطب كان أديبًا موهوبًا، وناقدًا ذكيًّا، ومفسّرًا للقرآن الكريم، ومنظّرًا حَرَكِيًّا، ومفكرًا سياسيًا، وكاتبًا يتقن اللغةَ العاطفية الحماسية الآسرة. سيد قطب بوصفه مفكرًا لا يستحق الإعدامَ مهما كانت أفكارُه وكتاباتُه، ومهما كان غريبَ الأطوار. الأفكار تُناقَش وتُنقَد وتُنقَض، ولا تُقاضَى في المحاكم، أو يُسجن صاحبُها ويعذّب، أو يُعدم.

 

                                                – 6

                      كتابات سيد قطب تتقن صناعة الغضب

يمتدح حسن حنفي سيد قطب ويدافع عنه، ويبرّر سلوكَه وأفكارَه، ويخلي مسؤوليتَه عن أفكاره ومواقفه بذريعة السجن والشعور بالمظلومية. يكتب حنفي في سياق تبريره لأفكار سيد قطب قائلًا: «نشأ تيار إسلامي آخر تحت تعذيب السجون. وهنا نشأ لون جديد من الإسلام الغاضب، الثائر، المنتقم من: الاشتراكية، والقومية، ومن العلمانية. ومن هنا وفي هذا الجو النفسي المظلم كتب سيد قطب “معالم في الطريق” عام 1963، وقُبِضَ عليه من جديد على أساس أنه مُنَظِّر التنظيم، ثم أُعدم في عام 1966»[24]. يحاول حنفي الدفاعَ عن سيد قطب بتكرار الحديث عن ظروف السجن القاسية لكتابته، ولا يشير إلى أن الحاكميةَ والجاهلية وغيرَهما من أفكار المركزية كانت منبثَّةً في بعض مؤلفاته وأجزاء تفسيره الصادرةِ قبل سجنه. لا يكترث حنفي بضحايا فكر سيد قطب، يلتمس له الأعذارَ حيثما ذكره، ويُعلِّل آراءَه ومواقفَه بعوامل خارجيَّة يرى أنه كان على الدوام هو الضحية، وإن كان حنفي ينقد الحاكميةَ وغيرَها أحيانًا، لكنه يتراجع في موضع آخر فيشيد بما انتقده. كأنَّ الاضطهادَ الذي يتعرض له الكاتبُ يُخْلِي مسؤوليتَه عن أفكاره، حتى لو كانت تحرّض على العنف والقتال، وتكفِّر الدول والمجتمعات، وتستبدل الانتماءَ للوطن والهوية والثقافة بانتماء لأوطان أخرى باسم المعتقد. ربما يستعير حسن حنفي هذا النوع من الدفاع عن سيد قطب من أولئك الذين يدافعون عن شدّة كتابات ابن تيمية وفتاواه بتكفير المختلف في المعتقد، بذريعة سجنه واضطهاده. المفكرُ وأيُّ كاتب مسؤولٌ عن كتاباته المحرِّضة على العنف، الفقيهُ مسؤولٌ عن فتاواه المكفِّرة للغير. ليس من حقِّ حنفي تبرئةُ سيد قطب من آثار آرائه المتشدّدة، وهو يعرف تغلغلَها في أدبيات جماعات الإسلام السياسي، وتوالدَ جماعات عنيفة منها، وتمزيقَها لنسيج المجتمع الواحد وعبثَها بأمنه وعيشه. السجنُ والاضطهاد والتعذيب يسلبُ حريةَ الإنسان على كثير من أفعاله الخارجية، إلا أنه لا يميت ضميرَه الأخلاقي، ولا يصادرُ إرادتَه الخيرة، ولا يسقط عنه المسؤوليةَ الجزائية عن أية جريمة يرتكبها، فلو قام سجينٌ بقتل إنسان آخر، أو مارسَ التأليب ضد شخص والتهييج على قتله داخلَ السجن أو خارجه، لا يحكم العقلُ الأخلاقي والقانونُ العادل بتبرئته، وإن كان القضاء يراعي ألمه ومعاناته في السجن، وأثرها في انفعاله وقراراته ومواقفه الغاضبة.

السجينُ الذي يتعرَّض للتعذيب والتنكيل، وتحدث لديه عاهاتٌ وجروحٌ وأمراض نفسية عميقة بسبب ذلك، ينبغي أن نحمي المجتمعَ من أفكاره الملوثة بعقدٍ نفسية حادة، لا أن نعلي من مكانته، ونبالغ في تبجيل شخصيته، ونشيد بهذه الأفكار ونبشِّر بها. ‏مثل هذه الحالات المرضية تحتاج إلى مصحة نفسانية تعالج المصابَ وتحدُّ من سلوكه العدواني. ‏ليس من حق أحد أن يتوّجَ صاحبَها إمامًا على الناس في حياته، ويحتفي بأفكاره بعد موته. ‏أفكارُ سيد قطب اختطفت خيرة شباب الإسلام الغَيَارَى، ‏وأغرقتْهم بأوهام متخيلة، وغيَّبتهم عن الواقع، وورَّطتهم بمواقف طائشة، وغذَّت أذهانهم بتعاليم تتنكر لها طبيعتهم البشرية، ولا تطيقها عواطفهم ومشاعرهم إلا بتدجين وترويض متواصل، وغرست كراهيةً عميقة بداخلهم لأهلهم وجيلهم ومجتمعهم ولكلِّ مختلف المعتقد عنهم، وحبستهم طوعيًا في أقفاص نفسية موحشة يعتزلون فيها أهلَهم وجيلَهم ومجتمعَهم.

لا يكفُّ حسن حنفي من الإعلاءِ من كتابات سيد قطب والثناءِ عليه، بلغةٍ لا تليق بمفكرٍ ذكيّ واسعِ الاطلاع من أمثاله. يضع حسن حنفي تبرئةَ سيد قطب غايةً، يحاول أن يتهرّب من ذكر المواقف الصادمة في كتاباته، وعندما يمرّ على «معالم في الطريق» يصف هذا الكتابَ بأنه وليدُ الظروف النفسية العنيفة للسجن، ويجعل الاضطهادَ الذي تعرّض له في السجن ذريعةً لهذا النوع من الكتابة الموتورة اللاذعة. لا يقف حنفي طويلًا عند اشتقاقِ الجماعات الدينية المسلحة لرؤيتها الاعتقادية وتقسيمِها العالَم لفسطاطَين وانغلاقِها ورفضِها للمختلِف في المعتقد وإعلانِها الحربَ عليه بفعل آراء سيد قطب وغيره.

مغالطات حنفي يفضحها فكرُ سيد قطب المغلق العنيف ومواقفُه بعد الانتماء للإخوان، خاصة «معالم في الطريق» الذي وصفه أحدُ الباحثين بـ «كراسة الموت»، التي بثّ فيها سيد قطب فوحًا وفحيحًا يخلط الجمال بالخطر”[25].  يحاولُ حنفي أن يخلع على سيد قطب مقامًا فكريًّا وسياسيًّا وثوريًّا يرفعه إلى مقام شخصيات كبيرة أمس واليوم. يكرّر حنفي فرضيةً غير واقعية في موارد متعدّدة من كتاباته، تجعل من سيد قطب ثائرًا نهضويًّا، لولا أنه كان ضحيةَ صراعِ الإخوان وثورة يوليو 1952، إذ يكتب: «لو كان استمر تطوره على نحو طبيعي لانتهى إلى الاشتراكية العلمية كمرادف للإسلام، ولأصبح من ركائز اليسار الإسلامي في مصر، ومن دعائمه الأولى في العالم الإسلامي»[26]… ‏ولأصبح سيد قطب ليس فقط من أمثال الصحابة الأوائل: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، بل أيضا من دعائم الثورة التحريرية العالمية من أمثال: ماركس، وماوتسي تونغ، وهوشي منه، وغرامشي، وجيفارا. ‏ولكان حلقةَ الاتصال بين صور من القدماء والثوار المحدثين… ولكنَّ الإمامَ الشهيد راح ضحيةَ هذا الصراع بين الإخوان والثورة»[27].

لا يتحدث حسن حنفي عن الآثارِ الفتاكة لفكرة «الجاهلية» وموقفِ سيد قطب الصريح بالشطب على كل «ما حولنا» وتصنيفِه بأنه جاهلية، والتشديدِ على رفضه «أنصاف الحلول» في الموقف منها. يكتب سيد قطب: «نحن اليوم نعيش في الجاهلية، كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصّورات النّاس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًّا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية… ليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان، فالإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية، لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور، فإما إسلام وإما جاهلية»[28]. يرسم سيد قطب طريقًا «للعُصْبَة المسلمة» يبدأ بالانفصال «عقيديًّا وشعوريًّا» عن «أهل الجاهلية من قومها». الانفصالُ العقيدي يتضمن الابتعادَ عن المسلم المختلِف في رؤيته الاعتقادية، والانفصالُ الشعوري يعني ضرورةَ الابتعاد عن الأهل والمجتمع على الأقل بالشعور. وذلك يؤسّس للعبثِ بالعواطف داخل العائلة الواحدة، وفرضِ القطيعة العاطفية المريرة بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات والأقارب والأرحام، ومع كلِّ إنسان مختلِف في رؤيته الاعتقادية. يكتب سيد قطب: «لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذابُ إلا بأن تنفصل عقيديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية، وأهل جاهلية»[29]. لا تقتصر دعوةُ سيد قطب على الانفصالِ في العقيدة والشعور، بل تتخطى ذلك إلى الدعوة لاعتزال المجتمع بمكان يبتعد فيه أفرادُ «العصبة المسلمة» حتى عن مساجد المسلمين بوصفها «معابد الجاهلية» ويتخذون بيوتَهم مساجدَ بديلة. يدعو سيد قطب إلى: «اعتزال الجاهلية بنَتَنِها وفسادِها وشرِّها -ما أمكن في ذلك – وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور»[30].

فكرُ سيد قطب تحريضيّ ذو تأثيرٍ موجِع مزدوج، فهو من جهة يُغَذِّي المسلمَ بالنقمةِ والنفورِ الشديد والضجرِ من أهله ومجتمعه ووطنه بوصفه جاهليًّا، ومن جهة أخرى يُشْعِر المسلمَ بالخطيئةِ وعقدةِ الذنب المزمنة والسخطِ الإلهي إن لم يغيِّر الأهلَ والمجتمعَ على وفق معتقده ولو بالقوة، وإلا فمن الضروري أن يعتزلهم إن تعذّر عليه تغييرَهم.

الحاكميةُ أحدُ المقولات المركزية في فكر سيد قطب، وهو وإن كان استعارها من المودودي الذي تلقاها من ابن تيمية، إلا أنه أعاد صياغتَها بلغةٍ مدرسية ميسرة في موارد متنوعة من تفسيرِه ومؤلفاتِه، ولخّصها بقوله: «إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة»[31]. في ضوء الحاكمية يحدّد سيد قطب الموقفَ من المختلِف بقوله: «والذين لا يفردون الله بالحاكمية، في أي زمان وفي أي مكان، هم مشركون، لا يُخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله مجرد اعتقاد، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده»[32]. يشرح ما يعنيه بهذا الشرك: «إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداءً في تلقّي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، [لا عبادة الأصنام تقربًا واستشفاعًا إلى الله]، الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوامٌ يظنون أنهم مسلمون على دين محمد، كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين إبراهيم»[33]. شريعةُ الله على وفق ما تتحدّث عنه كتاباتُه تعني مقولاتِ علم الكلام المتشدّدة وبعضَ أحكام الفقه، ونادرًا ما يحضر في أعمال سيد قطب الإسلامُ بمضمونه الروحي والأخلاقي. يعترف حسن حنفي وهو يتحدّث عن «معالم في الطريق» بأن «‏الحاكمية هي الفكرة الرئيسية المسيطرة على الكتاب كله، وقد تم التركيز عليها بناءً على التجربة النفسية للسجن، ثم الرجوع إلى الوراء وأعاده قراءة كتاباته السابقة وانتقاء نصوص الحاكمية منها، مع أنها كانت موجودة متناثرة من قبل داخل أفكاره الاجتماعية والفلسفية، دون أن تكون بؤرة في تفكيره أو محورًا لتأملاته. كما حدث بعد ذلك وهو في السجن الثاني. لا تمثل هذه المرحلة إذا فكرًا واعيًا شعوريًّا، بل تمثل موقفًا لاشعوريًّا، بناءً على الظروف النفسية والاجتماعية التي عاشتْها جماعة الإخوان المسلمين، والتي عاشها الإمام الشهيد من خلالهم»[34]. بعد كلامه هذا عن مركزيةِ الحاكمية في فكر سيد قطب وانبثاقِها من اللاشعور على وفق رأيه، يعود حسن حنفي بعد عدة صفحات في كتابه هذا لينقض كلامَه السابق فيمجد فكرة الحاكمية، قائلًا: «‏ظهرت الحاكمية عند سيد قطب كإعلان تحرري للإنسان، فالحاكمية حركة انطلاق وتحرير وثورة وتغير. حركة إبداعية شاملة من أجل حرية الاعتقاد وحرية الاختيار… ‏لا يفرق هذا التحرير العام بين مسلم وذمي، بل الحاكمية تحرير للإنسان من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن عقيدته وجنسه»[35]. التهافتُ ليس حالةً شاذةً تختصّ بهذا الموضوع في كتابات حنفي، بل هي سمةٌ تطبع كتاباتِه، وذلك ليس غريبًا على فكرٍ زئبقي تلتقي فيه الأضدادُ، ‏فكر يقول الشيءَ ونقيضَه ‏في مناسبةٍ واحدة وموضوعٍ واحد. لم يمنع ذكاءُ حسن حنفي أن يجتمع الشيءُ ونقيضُه في كتاباته، وكأنه مسكونٌ بجمع الأضداد، وهذا ما نبّه عليه: فؤاد زكريا، وجورج طرابشي، ونصر حامد أبو زيد. يشكّك فؤاد زكريا بإمكانية قارئ كتابات حسن حنفي: «أن يظل محتفظًا بقواه العقلية سليمة، بعد أن يتراقص مع كاتبنا في حلقة المتناقضات الجنونية التي تدور فيها معالجته للموضوع»[36].

 

                                           – 7

                         استعمال التراث بما هو أوعية

يستعملُ د. حسن حنفي التراثَ بما هو أوعية يملؤها كما يشاء، بوصف التراث معتقدات وقيمًا وأحكامًا راسخة في وجدان المجتمع ويختزنها شعورُه الجمعي. تقرأ في كتاباته ما يدلّل على أنه تراثي وإن كان يحاول أن يظهر ضدّ منطق التراث ورؤيته للعالَم، تراه يتحدث بكلامٍ حداثي وإن كان التأملُ الدقيق بكتاباته يكشف بجلاءٍ أن حداثتَه ضدّ منطق الحداثة ورؤيتها للعالَم. طريقةُ تأويله للتراث غريبةٌ على التراث، يحاول باستمرار إخراجَ التراث من إطارِه التاريخي والفضاءِ الذي تكوّن فيه وسياقاتِه والرؤيةِ الكامنة فيه للعالَم.

يمتلكُ حنفي مهارةَ التوظيف البراغماتي للتراث، بنحوٍ يتخذ منه مرايا تنعكس عليها قناعاتُه، التراثُ في مراياه يتجلى يساريًّا اشتراكيًّا، ويساريًّا إسلاميًّا، وديمقراطيًّا ليبراليًّا. كلُّ مرة يحاول تحميلَه ما لا يتحمله، وتقويلَه ما لا يقوله، ويركّبُ عليه ما يتنكر له. متمرّسٌ في التقاطِ مقولاتِ المتكلمين وبخاصة المعتزلة، وبعضِ فتاوى الفقهاء، وآراءِ الفلاسفة، وشذراتِ المتصوفة، ويقوّلها ما يراه ضروريًّا لنهضة الأمة وتقدّمها اليوم، وكأن تلك المقولاتِ والآراء علبٌ تقبل كلَّ أيديولوجيا وقناعة، وإن كانت مفارقةً لها لا تشبهها بشيء. مقولاتُ المتكلمين ومعتقداتُهم وآراؤهم ليست أوعيةً مفرَغة من المضمون. التراثُ نمطُ وجودٍ ينتمي للماضي، التراثُ رؤىً للعالَم، التراثُ مناهجُ فهمٍ متنوعة، التراثُ أدواتُ نظرٍ مختلفة، التراثُ طرائقُ فهمٍ فلسفية وكلامية وأصولية وفقهية وقرآنية وحديثية وصوفية، يعبّر كلٌّ منها عن منطقِه الخاص للفهم ورؤيتِه للعالَم.

يشدد حنفي في مناسبات متنوعة على أهمية تراث المعتزلة وضرورة إيقاظ عقلانيتهم، لكن كتابه العمدة في تجديد علم الكلام «من العقيدة إلى الثورة» لا تنتمي مقدمتُه إلى نتائجه. ما تُعلِنه آمالُه وأمانيه وأحلامُه الرومانسية شيءٌ، وما ينتهي إليه في بحثه شيءٌ ليس من جنسها. مشروعه الذي يقومُ على إعادةِ بناء التراث لا تجد فيه ما يدلِّل على إعادةِ البناء، ولا تكتشفُ في جوهره عقلانيةَ المعتزلة، بل عند تفحُّصه بعمقٍ تجده يستبطن أشعريةً متنكرة. يصرّ على أنه ينطلق من التراث إلى الواقع، غير أن قراءتَه بتأمل دقيق، وتحليلَ بنيته العميقة، تكشف لك أنه يبدأ من التراث لينتهي بالتراث، وكأنه يستأنف شيئًا من الأحلام الطوباوية للدعوات الأصولية، على شاكلة تفكيره وأسلوب تعبيره، وبإيقاع شعاراته المثيرة للمشاعر. يقول د. جابر عصفور: (مشروع حسن حنفي عن التراث والتجديد، هو في حقيقته ضد مشروع تجديد التراث، فحنفي حين سافر إلى باريس لاستكمال دراساته العلمية، كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، وقد التقي هناك بمجموعة من الأساتذة المسيحيين المتأثرين والفاعلين في مشروع لاهوت التحرير المسيحي، وقد حاول استنساخ التجربة فيما يسمى بمشروع اليسار الإسلامي، وأصدر مجلة “اليسار الإسلامي” كمنفيستو لمشروعه الفلسفي، فحنفي يميل إلى المدرسة الظاهرية في قراءة النصوص الدينية والتراثية ليس معتزليًّا يقدم العقل، وإنما أشعريّ أصوليّ)[37].

يشدّد حنفي على أن التراثَ هو الشفاء لو عملنا على إعادةِ بنائه واستئنافِه مجدّدًا. التراث كما يرى يمكنه أن يتحدث لنا بلغةٍ تتكفل دواءَ كلِّ أمراض واقعنا وما نعجز عن معالجته اليوم. إعادةُ البناء التي يعمل عليها، تمثل أحيانًا تلفيقًا مبسَّطًا للتراث مع لغةِ الفلسفة الغربية، ومصطلحاتِ العلوم الإنسانية الحديثة، واللاهوتِ الجديد، والأيديولوجيات الجديدة، والنظمِ السياسية المعروفة اليوم.

يلتقي حسن حنفي وإسلامية المعرفة في التشديد على الهوية المحلية للمعرفة، والتوكيد على ضرورة إنتاج علوم ومعارف تعبر عن ذاكرتنا الحضارية وهويتنا وتراثنا. ليست هناك معرفة مكتفية بذاتها. أمنية حنفي ليست واقعية، إنها أمنية تعكس الحنين للماضي، وانغلاق الهوية على نفسها، والتنكر للتطور التكاملي في العلوم. دائمًا يتغلب المشترك العالمي على بصمة الهوية في التطور التكاملي للعلوم والمعارف، وتتكشف المشتركات كلما نضج العقل وتقدمت المعرفة واتسعت رأسيًّا وأفقيًّا.

إسلاميةُ المعرفة تصرّ على ثنائية ضدّية بين العلوم والمعارف الحديثة والهوية الدينية للمسلمين، وتشدّد على ضرورةِ استدعاءِ التراث وإعادةِ بناء علومٍ ذاتِ هوية دينية مشتقّة من الهوية الإسلامية. حسن حنفي أيضًا يشدّد على ثنائية ضدّية في تصنيفه للعلوم والمعارف والآداب والفنون، فيصنّفها إلى: الأصيل والدخيل، والوافد والموروث، ونظائرهما. هذه الثنائيةُ هي الأساسُ المشتقّة منه إسلاميةُ المعرفة، وهي الباعث للجهود والأموال المهدورة لما يقارب نصفَ قرن، التي بدّدَ فيها المعهدُ العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن وأشباهُه في الدول العربية والإسلامية أموالًا طائلة وطاقاتٍ كثيرة بمحاولات عبثية، لم تنتج حتى اليوم علومًا تجد لها طريقًا إلى الواقع. الأساسُ الذي تبتني عليه مثلُ ثنائيات هوية العلوم والمعارف: إما أن يكون جغرافيًا أو إثنيًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا، في حين تجهل أو تتجاهل تلك الثنائياتُ أن معيارَ قيمة أية معرفةٍ يتمثل في عقلانيتِها، وتعبيرِها عن الحقيقة، ومقدرتِها على الإسهام في إسعادِ الإنسان، وحمايةِ كرامته وحرياته وحقوقه بوصفه إنسانًا.

قراءةُ تاريخ العلم والمعرفة بعقلٍ أيديولوجي قراءةٌ ليست علمية، تاريخُ نشأة العلم والمعرفة وتطورُها يكذّب الادعاءَ بأن التراثَ يتكفل حلَّ مشكلات الواقع وتلبيةَ احتياجاته، ولو كانت هذه القضيةُ عمليةً لاستطعنا امتلاكَ العلوم والمعارف الحديثة منذ زمنٍ بعيد. العلومُ الصـرفة والطبيعية والتطبيقية مُشترَك بشـري كوني، ليست هناك رياضيات وفيزياء وكيمياء وطب وهندسة مسيحية، وأخرى إسلامية، وثالثة بوذية، ورابعة هندوسية.

لا تخلو الفلسفةُ وعلومُ الإنسان والمجتمع من بصمةٍ نسبية تطبعها البيئةُ والثقافةُ المحلية، غير أن تأثيرَها يظلُّ محدودًا، لا يلغي البعدَ الكوني فيها الذي يتمحور على الكشف عمّا هو كلّي مشترَك بين الناس، ويتناغم وطبيعةَ الإنسان ومتطلّباته الأساسية الواحدة التي لا تتخلّف ولا تختلف باختلاف البشـر، ولا تتنوّع بتنوّع ظروفِ عيشهم وأديانِهم وثقافاتِهم.

المنطقُ الأرسطي مثلاً، على الرغم من أنه وُلد في أثينا اليونانية، غير أنه كان وما زال يفرض حضورَه ومرجعيتَه في التفكير على العقل في الإسلام، ومازالت قواعدُ التفكير المرسومة منذ المعلّم الأول، والقوانينُ الكلية للفهم في منطقه متغلغلةً في علوم ومعارف الدين. خضع التفكيرُ الديني في الإسلام منذ عصـر الترجمة لمنطق المعلّم الأول، وتوالدت في إطارِ أشكالِ قياساته، وطرائقِ استدلالاته، وصورِ مقدّماته ونتائجه، مختلفُ علوم الدين، وكلُّ العلوم والمعارف لدينا. ومنذ ذلك العصـر كانت الفلسفةُ اليونانية أيضًا ينبوعًا استقتْ منه كلُّ مدارس التفكير الفلسفي في الإسلام.

منذ القرن التاسع عشـر ونحن نحاول أن نحيي التراثَ ونشتقّ ما يتطلبه الواقعُ من علوم ومعارف منه. بعد نحو مئتي عام، لا نحن أنتجنا العلمَ والمعرفةَ الخاصّين بنا، وتحرّرنا من علوم ومعارف الغرب الممقوتة عند أكثر أنصار تحيّز المعرفة وأسلمتها، ولا استطعنا أن نبرهن عمليًّا على صحة هذه الدعوة المكرّرة، فنبني مناهجَنا النابعة من ديننا وتراثنا وتفكيرنا الخاص. الغريب أن أكثرَ المشتغلين بالتراث مازالوا حتى اليوم يردِّدون هذا الكلامَ المبهم، الذي لم نصل فيه إلا إلى مزيدٍ من التخبط والضياع.

لا يبدأ التجديدُ بالتراث لينتهي بالتراث، كما يريد أكثرُ من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويرتدّ للتراث ليشتقّ منه حلولًا لمشكلات الواقع، كما يصوّر لنا ذلك حسن حنفي وأمثاله، وكأن التراثَ يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع؛ من دون اكتراثٍ بأن أكثرَ ما في التراث يتنكر له الواقعُ، كما برهن على ذلك إهدارُ قرنين من الزمن لم تنجز فيها هذه الدعواتُ أيةَ خطوة ٍعملية جادة تنعكس آثارُها على الواقع. التجديدُ هو إعادةُ التفكير بشكلٍ لا يكرّر التراثَ ويرسّخ حضورَه، ويجتهد في بناء مناهج وأدوات نظر حديثة لفهم الدين وإعادة قراءة نصوصه وتفحّص التراث وغربلته. التجديدُ يتحقّق عندما يتغيّر المجتمعُ كي يخرج من الماضي إلى الحاضر، ومن التمنَّيات والأحلام والأوهام إلى الواقع، ويتصالح مع الزمان والفضاء العالمي الذي يعيش فيه.

ظلَّ حنفي مغرمًا بإعادة بناء كلِّ حقول التراث بمعادلةٍ يغترب فيها التراثُ عن الواقع ويغترب فيها الواقعُ عن التراث. كان يحاول أن يركِّب الواقعَ على التراث والتراثَ على الواقع بشكلٍ غريب، وظل شغوفًا كلَّ حياته بمعادلةٍ طوباوية متهافتة، تعكس وفاءَه للهوية أكثر مما تكشف عن منطقٍ علمي. لا تنتج هذه المعادلةُ ما يرسِّخ أسسَ السلام المجتمعي والعيش المشترك، ولا تبني دولةً حديثة. الدولةُ الديمقراطية الحديثة لا يبنيها إلا عقلٌ يتخلّص من سطوة التراث، كي يستطيع أن يرى الواقعَ قبل أن يرى التراث، ويستفتي متغيرات الحياة قبل أن يستفتي التراث، ويتحدث لغةَ العصر وعلومَه ومعارفَه قبل أن يستعير لغةَ التراث. لا دولة ديمقراطية حديثة من دون تجديد مناهجِ ومقرراتِ وأساليبِ التربية والتعليم، وتجديدِ فهم الدين، وإعادةِ تعريف مهمته في حياة الفرد والجماعة، وتجديدِ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وإعادةِ بناء علم الكلام وتحريره ‏من مقولات الفرقة الناجية وأشباهها.

كي يحقِّق الدينُ وظيفتَه في حياتنا اليوم لابدَّ أن نفهمه بوصفه نظامًا لإنتاج ‏معنىً روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. ‏في ضوءِ هذا الفهم للدينِ ووظيفتِه ينبغي أن يبتني المنهجُ الذي نعتمده في تفسير القرآن والنصوص الدينية. ‏كلُّ ما هو خارج ذلك يستمدّه الإنسانُ مما يقوله العقلُ وإبداعاتُه في العلوم والمعارف، ومما أنجزه تراكمُ خبرات البشر ‏عبر عشرات الآلاف من السنين.

 

                                            – 8

                       الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث

تسارعتْ كتابةُ حسن حنفي في الربع الأخير من حياته، وتضخّم مشروعُه وتكدّست مجلداتُه، بنحوٍ يشعر معه القارئُ الذي واكب كتاباتِه بشغفٍ حنفي بالكمّ وتعلّقِه ببلوغ خاتمة مشروعه الموسوعي. كان وهو يكتب متعجِّلًا كمن يقرأ روايةً بوليسية يترقّب خاتمتَها بلهفة. وعد أن يغطّي مشروعُه كلَّ حقول التراث الواسعة، وبالفعل وفى بوعده أفقيًّا. لم يتورط في مثل هذا العمل الموسوعي مفكرٌ آخرُ غيرُه، لا من جيله، ولا أجيال أساتذته، ولا تلامذته. لا يمكن إنكارُ مواهبه الفذّة، ولا تكوينه الأكاديمي الرصين، ولا خبرته الممتازة في معرفة الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، ولا خبرته الأفقية والعمودية بالتراث، إلا أنه أراد أن يكونَ متكلِّمًا كأئمة الفرق، وفقيهًا كأئمة المذاهب، وأصوليًّا كالإمام الشافعي، ومفسّرًا كأعلام التفسير المعروفين، وعالِمًا بالرجال والحديث كأعلام المحدثين وعلماء الرجال والطبقات، وقبل كلِّ ذلك أراد أن يكون فيلسوفًا كالفارابي وابن سينا وابن رشد وملا صدرا. أظن أن ذلك يتعذّر على إنسان اليوم، مهما كانت عبقريتُه وتكوينُه العلمي ومواهبُه ومعارفُه وصبرُه ومثابرتُه. ضيّع حسن حنفي مواهبَه وطاقاتِه وصبرَه الطويل في متاهات التراث وكهوفه، ولبث في تلك المتاهات ولم يخرج منها بعد أن دفن فيها عقلَه وتكوينَه الأكاديمي الثمين وإمكاناتِه المعرفية. عاش فكرُ حسن حنفي مغترِبًا وسيلبث مغترِبًا، صوتُه لم يكن مألوفًا للكلّ، حاول أن يكونَ إسلاميًّا فتنكّر له الإسلاميون، مثلما حاول أن يكونَ علمانيًّا فتنكّر له العلمانيون.

البيان النظري للمشروع الذي أصدره كخارطة طريق عنوانه: «التراث والتجديد»، لكن مشروعه إحيائي لا تجديدي. الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث، الإحياء إعادة صياغة لفظية تستبدل كلمات بكلمات، وأحيانًا تنحت مصطلحات بديلة لتملأها بالمعاني التراثية ذاتها. الإحياء غير التجديد، التجديد يدرس البنيةَ العميقة لعلوم الدين، ويعمل على اكتشاف مناهجها ومنطقها الخاص ورؤيتها للعالم، ويستوعبها استيعابًا نقديًّا، ويتجاوزها ليجتهد في إنتاج علوم ومعارف الدين بمعطيات ومناهج وأدوات العلوم والمعارف الحديثة. دراسة التراث ضرورة تفرضها الكيفيةُ التي نريد أن نتحرّر بها من وصايته. تبدأ دراسةُ التراث بالكشف عن البنيةِ الأشعرية وغيرِها من مقولات المتكلمين المؤسّسة لرؤية المسلم للعالم في الماضي والحاضر، هذه الرؤيةُ الكلامية التي يستقي منها التفسيرُ والفقه والأخلاق وتصوّف الاستعباد.

كتب حسن حنفي مقدماتِه النظرية بلغةٍ أكثر تماسكًا وبمنهجٍ أكثر تنظيمًا ورصانة، غير أنه أخفق في تطبيقاته. ظهر مبكرًا أدقُّ نصوصه وأوضحُها وأكثرُها تماسكًا نظريًّا، في تقديمه المطول لترجمة «رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا. كان متمكنًا في ترجماته القليلة، لو لبث في هذا الميدان وراكم تجربتَه فيه لربما أنجز للمكتبة العربية ترجمةَ أثمن النصوص الفلسفية وأغناها قبل أن تشيع الترجمةُ أخيرًا. كان متمكنًا أيضًا في بناء الإطار النظري الصادر بعنوان: «التراث والتجديد» الذي كتبه بوصفه المانفيستو لمشروعه، وهكذا صاغ مقدماتِه النظرية لحقول مشروعه. غير أن محاولاتِه في إعادة بناء علوم الدين بالاغتراف من التراث عجزتْ عن الوفاء بوعودها، وأخفقتْ في تمثّل رؤيتِه النظرية وحضورِها. ضاعت في مشروعه المباني، ولم نرَ من الإطار النظري الذي يرسمه في مقدّماته إلا عنواناتِ الكتب والفصول والمباحث، انشغل بالشعارات من دون أن نقرأ في كتاباته إعادةَ بناءٍ أو تجديدًا ينعكس على البنية التحتية لعلوم الدين. إعادة بناء حقول التراث في أعماله تركز على محتويات المدونات التراثية، وتقدّم مستخلصات عاجلة للعنوانات الأساسية والفرعية في مدونات التراث المرجعية، وأحيانًا باستبدال العنوانات بجملٍ مباشرة كأنها شعارات جماهيرية. انشغل أخيرًا في تلخيصٍ متعجَّل لهذه المدونات، تلخيصاته تفتقر لتحليلِ وتفكيكِ النسيج المعرفي الداخلي لمكونات التراث. أخفق في التفكيك مثلما أخفق في إعادة البناء والتركيب. لبث يتغنى بأحلامه، ظلّ مولعًا بصياغة شعارات كأنها لافتات تعبوية، وأسرف في تكرارٍ مملّ لشعاراته ذاتها، ظل ملازمًا لها ولم يغادرها إلى محطة أرحب أفقًا حتى نهاية حياته. مَنْ يقرأ كتاباتِه بتدبّر يراها تبدأ من التراث وتنتهي بما يتمناه على التراث.

لم يتوقف حسنُ حنفي عند حدود إعادة بناء التراث، بل أوقعَ الفكرَ العربي في عدة التباسات ضبابية عندما حاول أن يدرسَ الغربَ وحضارته ومعارفه، واحدة منها الادعاءُ بتأسيس: «علم الاستغراب» الذي يدرسُ فيه الشرقُ الغربَ كما درسَ الغربُ الشرقَ في “الاستشراق”. ذاع صيتُ عنوان «علم الاستغراب» وأضحى موضةً ثقافية، بعد أن نسخ عنوانَه بعضُ الذين يكتبون بلا تكوينٍ علمي رصين، ومن دون تدبرٍ عميق وتفكيرٍ صبور، فعملوا ضجة إصدارات، تكدّست فيها ألفاظٌ فوق ألفاظ بلا مضمونٍ معرفي دقيق، وكلماتٌ يمكن أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول الشيءَ الذي يبحث عنه القراء.

لافتة «علم الاستغراب» أغوت المسكونين بالتفسير التآمُرِيّ لنشأة العلوم والمعارف الحديثة، ممن يعتقدون أن حضورَها في مدارسنا وجامعاتنا وثقافتنا أحدُ أدوات شباك الإمبريالية للهيمنة على العالم، وهذا الكلام تلتقي منه كتاباتٌ يسارية وقومية وأصولية. أشغلنا «علم الاستغراب» بشعاراتٍ فضفاضة وأحلامٍ غريبة، ترسم خارطةً ذهبية لمستقبل الوعي والتنمية العلمية في بلادنا، خارطة افتراضية تضع مسارَ الحضارة الإسلامية في ثلاث مراحل، كلُّ مرحلة سبعة قرون. السبعة الأولى: مرحلة النهوض والازدهار تبدأ بالقرن الأول للهجرة لتنتهي في السابع، الثانية: مرحلة الانحطاط تبدأ بالقرن الثامن وتنتهي في الرابع عشر الهجري، الثالثة: مرحلة النهضة الحضارية الجديدة تبدأ بالقرن الخامس عشر الهجري وتظلّ تتواصل وتتكرّس سبعة قرون. يتراكم فيها -كما يتنبأ حسن حنفي – تقدّمٌ على تقدم، وابتكاراتٌ مبهرة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وبناءُ الدولة المثالية، والتنميةُ الشاملة. إنها المرحلةُ التي يولِّد فيها الإنسانُ المسلم علومَه الخاصة ويستغني عن علوم الآخر ومعارفه. القارئ الذكي يجد هذه السباعيةَ محاكيةً في قالبها للمادية التاريخية شكليًّا، وإن كانت عاجزةً عن البناء النظري للماديةِ التاريخية واشتقاقِها من الرؤية الفلسفية العميقة للمادية الديالكتيكية، بغضّ النظر عن رفضنا للرؤية الفلسفية المادية.

لا معرفةَ مكتفية بذاتها، لا ثقافةَ مكتفية بذاتها، لا حضارةَ حيّة مكتفية بذاتها. كلُّ حضارة حيّة مركب تنصهر فيه عصارةُ حضارات. الحضارة لا تزدهر إلا بولادة تفاعل خلّاق للخبرات الإنسانية العالمية المشتركة، تلتقي هذه الخبراتُ بمركب أكثف لتنتج أثمنَ ما ابتكره وأنجزه الإنسانُ في تطوره الحضاري. موكب الحضارات عالميّ في الوقت الذي هو محلي، ومحلي في الوقت الذي هو عالمي. التكنولوجيا، والعلوم الطبيعية والعلوم الصرفة كونية، العلوم الإنسانية الكوني فيها أكبر بكثير من المحليّ، وإن كانت لا تخلو من بصمةِ ذات العالِم وثقافته وهويته. حين تنغلق الحضارةُ على نفسها تدخل مسارَ انحطاطها وموتها واندثارها. يقول حسن حنفي: «عندما كتبت “موقفنا من التراث الغربي” في يناير 1971، أحدد فيه معالم الاستغراب، رد عليه فؤاد زكريا في نفس العدد بمقال: “دفاع عن الثقافة العالمية”. في حين أنه في ندوة المجلس الأعلى للثقافة عن الكتاب “مقدمة في علم الاستغراب” أتى مهاجمًا إياه مبينًا استحالته. لم يكن من المناقشين، ولكنه حضر خصيصًا، وتكلم من القاعة مع الحضور»[38].

شغلنا حسن حنفي بترويج مصطلح الاستغراب، الذي يدعونا لضرورة الاستغناء عن تفسير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وغيرها على وفق معطيات العلوم والمعارف الحديثة. لافتة الاستغراب ترفض علومَ الفهم والتفسير، ومعطياتِ العلوم المتنوعة في تفسير السلوك الفردي والمجتمعي، وتشدّد على العودةِ إلى التراث والانطلاقِ منه لبناء علومنا المحلية في ضوء هويتنا وذاكرتنا وحضارتنا. استغناء المفكر اليوم عن الثقافة العالمية ومشترَكات الوعي البشري غير ممكن. عجز حنفي نفسه عن الاستغناء عن المعرفة الغربية. استيعابُه للمعرفة الحديثة واسع، وتوظيفُه للغتها ومصطلحاتها وأدواتها كبير، كلُّ مَن قرأ أعمالَه يرى ذلك بوضوح.

الواقع يكذّب فرضيةَ الشروع بالنهضة الجديدة لعالمنا مطلع القرن الخامس عشر الهجري، على وفق مرحلة القرون السبعة الثالثة. الإنسان اليوم يختنق بالواقع المزري للحقوق والحريات في دولنا الهشة، وهكذا تندثر بالتدريج القيمُ الأخلاقية والإنسانية المشترَكة في مجتمعاتنا، وتتفجر هوياتٌ طائفية مخيفة تمزّق مجتماتنا. بلادنا ودولنا في القرن العشرين الميلادي أصلب منها اليوم، وهكذا كان حال مجتمعاتنا ذلك الزمان. نتمنى أن تحدث المعجزةُ وتتحقّق بشرى حنفي.

يسود دعوةَ الاستغراب إفراطٌ في توهم الاستغناء عن الآخر، وإفراطٌ في التفاؤل بمستقبلٍ مجيد لعالم الإسلام في القرون السبعة القادمة. وبدلًا من التدليلِ على ذلك منطقيًّا يكدّس صاحبُها شعاراتٍ ويحشد عباراتٍ تهيّج مشاعرَ القراء الذين يقرؤون بلا تأمل، ويكرّرها بلغةٍ تثير الوجدانَ وتشحذ العواطفَ وتستفزّ الضميرَ وتستنهض الهوية. يخيل إليك وأنت تقرؤه كأنك تقرأ مدونةَ أحدِ الكتاب الأصوليين المتشدّدين، أو أحدِ مشاهير المنجمين المولعين بالتفاؤل. يصف علي حرب ذلك بقوله: «إنها إمبريالية الكلمات والمقولات نحاول فرضها على الواقع، كما يمارسها المثقف الرسولي الداعي إلى الثورة أو القائم بحراسة الهوية والذاكرة. هذا ما فعله حسن حنفي في كتابه حول الاستغراب، خصوصًا في المقدمة والخاتمة، حيث تصرف في تحليله لوقائع العصر كأنه “سيد الحقيقة مالك الوقت”، إلى حد جعله يجزم بأن الحضارة الغربية ستدخل لا محالة في طور من الانحطاط يستغرق سبعة قرون، وأن حضارتنا ستدخل في المقابل في نهضة ستستمر هي الأخرى سبعة قرون . . . ويُخشى أن ينطوي هذا التحليل بل التقدير على وهم كبير، على افتئات على الواقع والتاريخ، ثمرته إما الإحباط واليأس المفضي إلى الدمار الذاتي، وإما افتعال الأشياء وترجمة المقولات على الأرض عنفًا وإرهابًا»[39].

 

                                                 –9

                        نسيان الله في تفسير حسن حنفي

القرآنُ الكريم هو المنبعُ المُلهِم الذي نشأتْ في فضائه علومُ الدين، واستقتْ منه معارفُ التراث. لم نجد أحدًا من المفسِّرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمتصوفة وحتى الفلاسفة في الإسلام يتجاهل الدلالاتِ الميتافيزيقيةَ لعالَم الغيب في القرآن. تبدأ سورةُ البقرة، وهي أولُ سورةٍ بعد الفاتحة في القرآن بالحديث عن الغيب: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»[40]. الإيمانُ بالله هو إيمانُ بالغيب، الله هو «الغيب المطلق»، و«غيب الغيوب» كما يرى العرفاء. «نسيانُ الله» الذي يهيمن حضورُه على القرآن الكريم، والادِّعاءُ بأن «الله هو التاريخ»[41]، محاولةٌ غريبةٌ تورطت فيها كتاباتُ حسن حنفي. القرآنُ يشدّد على الصلة الوجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة. مفهومُ الإنسانية في كتابات حنفي يفرِّغُ عالَم الغيب من الدلالات الميتافيزيقية، ويتجاهل المعنى الغيبيَّ لله ويستبدله حيثما ورد بالإنسانِ وشؤونِه وأحوالِه.

في مجلدٍ كبير للتفسير، أصدره حسن حنفي في السنوات الأخيرة من حياته، يتجاوز 1500 صفحة، يمثّل أحدَ الحلقات الأخيرة لمشروعه، يتحدث عن: الإنسانِ، والواقعِ، والتغييرِ الاجتماعي، والنضال، وحقوقِ الإنسان، والمجتمعِ ومؤسساته، والدولةِ ومؤسساتها، والسلطةِ والحكومة، وكلِّ شيء يتصل بالإنسان و«عالَم الشهادة»، غير أنه ينسى «عالَم الغيب» الذي يفرض هيمنتَه بوضوحٍ في القرآن، بشكل يتنبه إليه كلُّ مَن يستمعُ إلى صوتِ الله ونداءِ الغيب من آياته، فإذا أورد حنفي آياتِ الغيب في سياقِ تفسيره أو أعمالِه الأخرى، فإنه يعمد إلى تأويلها بلغةٍ لا نقرأ فيها للغيب أثرًا. لا نترقب من حنفي أن يغرقَ في تفسير باطني للغيب، أو يرسمَ جغرافيا متخيَّلة له، ولا نريد منه أن يحشدَ في تفسيره لوحاتٍ وصورًا ذهنية لعوالم الربوبية، كما أسرفتْ في ذلك الاتجاهاتُ الباطنية والتفسيرُ الإشاري لأكثر المتصوفة والفرق المغالية، لكن لا يمكن قبولُ هذا النوع من إهدار الغيبِ في القرآن والتنكُّر لحضوره المدهش. اختلت المعادلةُ القرآنية على وفق المنطق الأيديولوجي للتفسير عند حسن حنفي، فحجبَ فيها الإنسانُ حضورَ الله، وأخفى عالَمُ الشهادة عالَمَ الغيب. يحضر في اللغة القرآنية اللهُ بتجلياته وأسمائه وصفاته، مثلما يحضر فيها الإنسانُ بوصفه خليفةً لله.

الغيبُ حاضرٌ في القرآن الكريم بكثافةٍ، غائبٌ في كتابات حسن حنفي بشكلٍ يثير الحيرة. يمارس حسن حنفي عمليةَ إكراهٍ لدلالات آيات الغيب في القرآن، فيحيل ما هو سماوي إلى أرضي، ويفسّر ما وراء المادة بالمادي، وما هو ميتافيزيقي بالدنيوي، ويصرّ على دلالات اجتماعية وسياسية لهذه الآيات لا يشي بها مضمونُها. يغيب الغيبُ في كتاباته، وكأن القرآنَ الكريم عندما يتحدث بكثافةٍ عن الله بوصفه «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[42] لم يقرأه حنفي.

القرآنُ يركزُ على الغيب بشكلٍ مدهش؛ لا تجد سورةً في القرآن حتى القصار تنسى الغيبَ أو لا يحضر فيها اللهُ وأسماؤه وصفاته. يعمل حنفي على تفريغِ القرآن من دلالاته الغيبية، كأنَّ آياتِ الغيب في القرآن تتحدث عن النضال والكفاح والصراع الطبقي، ولا صلةَ لها بمضمونِها الميتافيزيقي.

لا يكترث حنفي أيضًا بالحياة الروحية في القرآن، وكأن القرآنَ كتابٌ يمكن أن يتحدّث عن كلِّ شيء إلا الله وتوحيده وعبادته. القرآنُ كتابٌ محوره الأساسي التوحيد، وغرضُه رسمُ خارطةٍ لبناء صلةٍ وجودية يقظة للإنسان بالله. قلّما يحضر اللهُ في تفسير حنفي بوصفه إلهَ النور والمحبة والجمال الذي أضاء نورُه كلَّ شيء، كما ترسم صورتَه آياتُ القرآن: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… نورٌ عَلَىٰ نُورٍ»[43]، وردت كلمةُ نور في القرآن 45 مرة، كلُّها بصيغة الاسم. حتى في دراسته للتصوف التي أصدرها في مجلدين ضخمين، بعنوان: «من الفناء إلى البقاء»، لا يحضر فيها اللهُ وعالَمُ الغيب، ولم تحضر الخبرةُ الروحية للعرفاء واستبصاراتُهم المضيئةُ في الكشف عن أسرار لغة القلب، كان حنفي يحاول أن يستنطق القلبَ بلغةِ الرفضِ والكفاح والثورة.

تأثر حسن حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي وُلد سنة 1929 وقُتل مناضلًا وهو يقود عملا مسلحا سنة 1966. لاهوتُ التحرير أيديولوجيا توريس الثورية، وهو رؤيةٌ تختلط فيها المسيحيةُ والماركسية بمركبٍ تتنافر داخله رؤيتان متضادتان أنطولوجيًّا. وهكذا كان القرآنُ عند حسن حنفي مانفستو للثورة، ‏وكأنه نسخةٌ بديلةٌ لـ«البيان الشيوعي» لماركس وإنجلز.

تجتمع في شخصية حسن حنفي ‏الموهبةُ، والذهنيةُ المراوِغة، والإرادةُ العنيدة. ‏تجسدتْ صورةُ الله في ضميرِه بشخصيةِ المناضل في الأرض دون سواه. كان ‏مُنْحَازًا لكلِّ ثورةٍ وانتفاضةٍ ورفضٍ، بغضِّ النظر عن هويةِ هذا الرفضِ الأيديولوجية وأهدافِه ووسائلِ تنفيذه وموطنِه. حسن حنفي لم يُعرَف عنه أنه اشترك يومًا من حياته الطويلة في أية ثورةٍ أو حركةِ مقاوَمة، كان بارعًا بصياغةِ شعارات الثورة وتحريضِ الشباب على الموت، وهو قابعٌ ببيته وجامعته بعيدًا عن الميدان، وظلَّ يحتمي بمراوغاته اللفظية من السلطة، فلم يكن يومًا من ضحايا السجن والتعذيب، كما هو مصيرُ المعارضين أمس واليوم، على الرغم من أنه عاصر أنظمة عبد الناصر والسادات ومبارك ومرسي والسيسي. ‏حسن حنفي وأمثاله يعلّمون المتدين كيف يموت ولا يعلّمونه كيف يعيش. ‏في كلِّ كتاباته عن الدين يتقن حنفي فنَّ تحريض الناس على التديّن بدين الحرب، وقلما تراه يعلّمهم كيف يتدينون بدين السلام. يحرّضهم على اتخاذ الأيديولوجيا دينًا، ولا يهتم بالتديّن الأخلاقي الذي يرسخ أسس العيش المشترك في إطار التنوع والاختلاف. ‏

كنت ضيفًا في منزله بالقاهرة أيام ثورة يناير 2011 فكان متحمّسًا جدًا للثورة قبل انتصارها. أخبرني الصديقُ المرحوم علي مبروك أنه كان يمكث كلَّ ليلةٍ مع الثوار في ميدان التحرير، ولم أسمع بحضور حسن حنفي هناك. بعد الانتصارِ واستيلاءِ الإخوان المسلمين على الحكم، لم أقرأ له شيئًا حول إخفاقات حكومتهم، ولم أقرأ له مراجعةً نقديةً لتجربتهم في السلطة. كنت أتابع ما ينشره أسبوعيًا في صحيفة الاتحاد الإماراتية، ‏وما تنشره له بعضُ الصحف المصرية.

لا يرى حسن حنفي في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجودي تتسامى فيه، ولا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه في عالمِه الأرضي. تنبهتُ مبكرًا إلى إنهاكِ كتابات حسن حنفي وأمثالِه للدينِ بتفريغه من مضمونه الميتافيزيقي، وتجاهلِه للأبعاد الغيبية في التوحيد، وانشغالِه بالإنسان بمعزلٍ عن الله. منطقُ فهم الدين والمقدّس غيرُ منطق فهم العلوم الطبيعية، كما ان منطقَ فهم الأدب والفن مختلفٌ عن منطق فهم العلوم الطبيعية. الاختلافُ في الهوية الوجودية يعني الاختلافَ في منطق الفهم وكيفية اكتشاف الأبعاد والتجليات والتمثلات. لغةُ الغيب مُشبَعةٌ بأنطولوجيا ميتافيزيقية، لغةُ الغيب القرآنية رمزيةٌ بوصفها مرآةً لصوت الوحي. تجاهلُ الغيب في القرآن يعني تجاهلَ حضور الله وأسمائه وصفاتِه وأفعاله المتسيّدة في القرآن.

القرآنُ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، عند العودةِ إليه والنظرِ فيه بتدبّرٍ نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه ماثلًا بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر غير القرآن في الأديان. ورد ذكرُ اسمِ «الله» 2699 مرّة في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة «رب» 124 مرّة. لم يشأ حسن حنفي أن يتدبّر الحضورَ المكثّفَ لله في القرآن، وما يحيل إليه هذا الحضورُ من دلالاتٍ روحية لا تنضب، تنفيها قراءتُه اللاغيبية لآيات الغيب.

الكثافةُ اللافتةُ لحضورِ الله وأسمائِه وصفاتِه المتنوّعةِ تدلّل بوضوحٍ على أن القرآنَ يشدّد على الإيمانِ بالله والتوحيد، ويجعله حجرَ الزاوية في بناء الحياة الدينية في الإسلام، ويؤشر إلى وصلِ نظام القيم في الحياة الفردية والمجتمعية بالله، بالمعنى الذي يصير فيه الإنسانُ مسؤولًا أمام الله، والإيمانُ بالله منبعًا مُلهِمًا للحق والعدل والخير والسلام والمحبة والجمال في العالَم. وتظهر القيمةُ العظمى للإيمان في تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي. هذا الاغترابُ يُفضي إلى استلابِ ذات الإنسان، لأنه اغترابٌ لكينونة هذا الكائن عن وجودها، ومن هذا الاغتراب يحدث القلقُ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقدُ الإنسانُ ذاتَه يمسي عُرْضَةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظِّي، وربما يتردّى إلى حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية[44].

نفهمُ من هذه الكثافةِ لحضور الله في القرآن أن هدفَ القرآن يتلخصُ في أن يكونَ اللهُ هو المعبودُ فقط، لا معبودَ سواه، وإن كان ذلك المعبودُ نبيًّا أو صحابيًّا أو وليًّا أو شيخًا أو حاكمًا، أو أيَّ إنسانٍ مهما كان، ومهما كانت مواهبُه وصفاتُه ومكانتُه الدينية والاجتماعية والعلمية. القرآنُ يريدُ تحريرَ الإنسان من كلِّ أشكال العبوديات، ولذلك أصرَّ على محوِ الوثنية بكلِّ أنماطها، وعملَ على خلاصِ المسلم من كلِّ ألوانها، سواء كانت وثنيةَ أحجارٍ أو أشياء أو أفكار أو بشر. اهتمَّ القرآنُ بالقضاء على وثنية البشر خاصة، لذلك تحدّثَ عن أمثلةٍ لأفراد ومجتمعات كانوا ضحيةَ توثين البشر، وذكرَ المتاهاتِ المظلمة التي غرقت فيها حياتُهم، وإنما اهتمَ القرآنُ بها لأنها أشدُّ أنماطِ الوثنية التباسًا، وأكثرُها أقنعةً وحُجُبًا، وأخطرُها على الوعي والروح والضمير. وثنيةُ الحجر منحطةٌ مفضوحة، وقد كانت متفشيةً في الحياة الدينية للعرب عصرَ البعثة النبوية الشريفة، فنزلَ القرآنُ لأجلِ تحرير الإنسان منها ومن غيرها، لكن المؤسفَ أن توثينَ البشر ظهر بالتدريج بعد البعثة في الحياة الدينية عند كثيرٍ من المسلمين، فصارَ في عصورٍ لاحقة جيلٌ بكلِّ أفراده كجيل الصحابة مقدّسًا، لا تجوزُ دراسةُ حياته وتجربته وممارساته ومواقفه بمناهج علم التاريخ، ولا يصحّ الكشفُ عن أخطائهم وخطاياهم وموبقاتهم مهما كانت، على الرغم من أن الصحابةَ تقاتلوا في أكثر من معركة شرسة قُتِلَ فيها عددٌ ليس قليلًا منهم، وقضى ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين الأربعة بالسيف.

تقديسُ البشر والإعلاءُ من مقامهم بما يفوق بشريتَهم ضربٌ من التوثينِ واتخاذِ الأرباب من دون الله. توثينُ البشر ظاهرةٌ نجدها في كلّ الأديان، وقد استنكرها القرآنُ بقوله: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»[45].

تتبدّل أقنعةُ الأوثان وتختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأديان والمجتمعات والأفراد غير أن جوهرَها يظلّ واحدًا. لا تختصّ الأوثانُ بما هو مصنوعٌ من الحجر أو الخشب أو الحديد أو الأشياء المادية؛ الوثنُ كلُّ ما يُعبَد، الوثنُ كلُّ ما يلبث معه الإنسانُ فقيرًا في وجوده، ويكون وجودُه مغترِبًا عن الله، لذلك تصير أحيانًا ديانةٌ أو مذهبٌ أو عقيدةٌ أو فكرةٌ أو أيديولوجيا وثنًا، أو قد تتحوّل كلمةٌ أو شعارٌ أو كتابٌ إلى وثنٍ، أو يصبح زعيمٌ سياسي أو عسكريٌّ أو روحيٌّ وثنًا، وربما تمسي سلطةٌ أو حزبٌ أو جماعةٌ أو طائفةٌ أو قوميّةٌ أو قبيلةٌ أو عائلةٌ وثنًا، أو يغدو طقسٌ أو عبادةٌ أو شعيرةٌ وثنًا.

على الرغم من كثافةِ حضور الله في القرآن، إلا أننا وصلنا مرحلةً نجدُ فيها «إسلامًا ينسى الله»، إذ غابَ اللهُ بمرور الزمن عند كثيرين عن الحياة الدينية باحتلالِ بشرٍ مقامَه، وعندما يحتلّ البشرُ مقامَ الله يحتجبُ اللهُ عن الكلّ، من ينسى اللهَ ينسى نفسَه: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ»[46].

أكثرُ المفكرين العرب الذين اتخذوا القرآنَ محورًا لمشاريعهم الفكرية أهدروا الميتافيزيقا القرآنيةَ ولم يكترثوا بالغيب، حتى لو تناولوا آياتِ الغيب فإنهم يحاولون أن يلتمسوا لها تأويلًا ينزعُ عنها محتواها الميتافيزيقي. أحيانًا يعمدون إلى توظيف مناهجِ استكشاف الطبيعة في التعرّف على ما وراء الطبيعة. القرآنُ يتحدّث عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ آيات الغيب تأويلًا بمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الآياتُ التي تتحدثُ عن الظواهر الطبيعة يمكنُ فهمها في ضوء قوانين الطبيعة، ولا يمكنُ أن تُفهمَ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة كما تُفهمُ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الطبيعة. لدى المفسّر نوعان من اللغة، الأولى تتحدثُ عن قوانين وظواهر وكائنات وأشياء الطبيعة، الثانية تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة، لكلٍّ منهما مفتاحٌ للفهم والتفسير، ما يمكنُ توظيفه في تفسير الأولى لا يمكن توظيفه في تفسير الثانية.

الهوامش:

[1] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 82، 2018، القاهرة.

[2] المصدر السابق، 82.

[3] المصدر السابق، 144.

[4] المصدر السابق، 148.

[5] د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، ج1، ص 40 – 41، 1988، دار التنوير، بيروت.

[6] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 59 – 60، 2018، القاهرة.

[7] المصدر السابق، ص 213.

[8] نفس المصدر، ص 217 – 219.

[9] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 300 – 302، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[10] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانية، الفصل السادس في هذا الكتاب يتضمن ورقة الندوة بعنوان: “اختزال الدِّين في الأيديولوجيا: لاهوت التَّحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي”.

[11] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 320، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[12] المصدر السابق، ص 296 – 297.

[13] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 302 – 303.

[14] حنفي، حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 293 – 294، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[15] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[16] سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص: 4122.

[17] سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص:2009.

[18] سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. القاهرة. ص101-103.

[19] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص323.

[20] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 329-331.

[21] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[22] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 45 – 47.

[23] المصدر السابق، ص 168.

[24] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 324.

[25] هاشمي، محمد، سيد قطب بين لغة الشعر ولغة الشرع: نحو فهم مغاير، مجلة أواصر، ع 3 “2018”.

[26] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج 5: ص 219.

[27] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 169. يكرر حنفي هذه الفرضية في موارد متعددة من كتاباته، لاحظ ص 257 من هذا الكتاب.

[28]  قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 88، مكتبة وهبة، القاهرة.

[29] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 4: ص 2122.

[30] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج3: ص 1816.

[31] قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 43، دار الشروق، القاهرة.

[32] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 2: ص 1492.

[33] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 3: ص 1492.

[34] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 256 – 257.

[35] المصدر نفسه، ص 290.

[36] زكريا، فؤاد، مستقبل الأصولية الإسلامية: بحث نقدي في ضوء دراسة للدكتور حسن حنفي، مجلة فكر، ع 4 “ديسمبر 1984”.

[37] محمد عبد الرحيم، رحيل المفكر المصري حسن حنفي… المأزق بين اليسار والأصولية، جريدة القدس العربي “لندن”، الصادرة في 22 أكتوبر 2021.

[38] د. محمود محمد علي، شهادة المفكر حسن حنفي في حق فؤاد زكريا، ص 15.

[39] حرب، علي، نقد النص، ص 59، 2005، المركز الثقافي العربي، بيروت.

[40] البقرة، 3.

[41] حنفي، حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، ص 223، 1982، دار التنوير، بيروت.

[42] الشورى، 11.

[43] النور، 35.

[44] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 221، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، ودار الرافدين، بيروت.

[45] التوبة، 31.

[46] التوبة، 67.

 

رابط النشر: