Category: التراث

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

د. حسن حنفى[1]

أثناء زيارة قم بعد قيام الثورة، وبالمصادفة تعرفت على شاب عراقى فى مقتبل العمر في حوزة قم، يجتهد ويفكر فى مدينة الاجتهاد والتفكير. حوّل بيته إلى مكتبة، وحصير غرفه إلى منتدى فكري وقاعات للاستقبال والدراسة، على طريقة العلماء القدماء. هو وأسرته يستقبلون الطلاب. لا فرق بين منزل وجامعة، بين طعام الجسد وطعام الروح.

هو فقيه وعالم من علماء التراث، منفتح على قضايا العصر، مثل عديد من العلماء فى قم الذين يحملون همّ نشر التراث، كما تفعل مؤسسة آل البيت لإحياء التراث للعلامة جواد الشهرستانى، التى أسسها وأنفق عليها، ويعمل فيها المححقون الشبان. ومثل أصحاب مكتبات التراث التى تزخر بها شوارع قم، فالدين والعلم قرينان. كما تزخر قم بعديد من مراكز الأبحاث لتربية العلماء الشبان، إقامة ودراسة،كما كان الحال فى تراثنا القديم، حتى أروقة الأزهر القريبة العهد. لا يحتاج العلم إلى دولة ترعاه، أو مؤسسة تسانده، بل يكفى أن يتطوع عالم بمفرده بكل ذلك، على سنة القدماء أو ما يسمى قطّاعا خاصا أو مؤسسات ثقافية للمجتمع المدنى. فالعلم هو الدولة، والدولة صرح يشيده العلماء.

بدأت الأعداد الأولى لمجلته “قضايا إسلامية معاصرة” فى الصدور، تنبئ بمضمونها واتجاهها، الطريق الثالث الذى يتجاوز السلفيين والعلمانيين. وتفتح صفحاتها إلى عديد من المفكرين الجدد الذين يمثلون هذا التيار، فى شكل حوارات معهم أو مقالات منهم، واضحة ومفهومة، وقادرة على إقناع القراء بما تريد. فما كنت أفكر فيه: في إنشاء مجلة فصلية “اليسار الإسلامى” ها هى تصدر فى قم، بصرف النظر عن العنوان. والأفكار تتوالى بصرف النظر عن المكان، قم أم القاهرة، مما يدل على مدى الحاجة إليها وواقعيتها. فقد آن الأوان لتطوير الفكر الإصلاحى، من الخطاب الأخلاقى الوعظى إلى الخطاب العلمى التحليلى.

 

هو عراقى مهاجر إلى حوزة قم، بعد أن حُكم عليه بالإعدام فى بغداد، أيام حكم الاستبداد السابق، ومطاردة العلماء والقادة الوطنيين. لم تكن الهجرة إلى باريس أو لندن للنضال من بُعد، بل كانت إلى قم مدينة العلم والثورة، والقريبة إلى بغداد. واستمر النضال الثقافى كأساس للنضال السياسى فى أيام الثورة الأولى، التى كانت تمثل أملاً للمسلمين جميعا، خاصة فى فلسطين بعد أن تحولت سفارة إسرائيل المفتوحة أيام الشاه إلى سفارة لفلسطين.

وصدرت الأعداد الأولى لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وكأننى أقرأ نفسى، لا فرق بين شيعة وسنة. تحمل نفس الهموم، قضايا “التراث والتجديد”، متجاوزة ما كان يصدر فى العالم الإسلامى، فى الكويت، أو فى ماليزيا. تحمل همومًا ثقافية، وإن لم تشر صراحة إلى العراق أو إيران أو الثورة الإسلامية. وقد تجلى ذلك فى المقابلة مع عبد الجبار الرفاعى، بعنوان “قم تسأل، والقاهرة تجيب”، مما أحزن بعض علماء قم، وكأن قم هى الحائرة، والقاهرة هى التى لديها الخبر اليقين، وهو غير صحيح على الإطلاق.كان يمكن أن يكون العنوان بالعكس “القاهرة تسأل، وقم تجيب”. فالسؤال أحيانا أهم من الجواب.

وفى القاهرة صدر العدد الأول من “اليسار الإسلامى” عام 1980 حاملاً همّ الأمة، فى العراق وفلسطين وكشمير والحجاز. فلماذا لا تتعدد البؤر الثقافية للإسلام التنويرى على مختلف مداخله، فى قم والقاهرة وفى كل مدينة ثقافية إسلامية. فالبحث جار عنه فى أندونيسيا وماليزيا وجنوب أفريقيا، يساهم فى تحرير الشعوب ونهضتها، وإنشاء جيل جديد يشق طريقه بين السلفيين والعلمانيين، بين القدماء والمحدثين، بين التقليديين والتجديديين، مثل “نهضة العلماء” فى أندونيسيا.

وتحويل “قضايا إسلامية معاصرة” من قم إلى بغداد، وعودة مؤسسها إلى موطنه الأصلى، شجاعة كبيرة فى جو العراق بعد نهاية الاستبداد، حيث الاحتلال مازال جاثما بطريقة أو بأخرى، وما يهدد العراق من مخاطر التجزئة. فالتحرر الحقيقى لا يأتى فقط عن طريق المقاومة العسكرية للاحتلال، أو مقاومة التجزئة الطائفية والعرقية، بين الشمال الكردى والوسط السنى والجنوب الشيعى، بل يأتى عن طريق العمل الثقافى على الأمد الطويل، وإعادة تفسير التوحيد بما يحقق وحدة العراق، والعدل بما يحقق العدالة الاجتماعية، والنبوة والمعاد كبعد للتاريخ بين الماضى والمستقبل، والإيمان والعمل هو الحاضر والتأثير فيه. ولا يكفى فقط إعادة قراءة العقائد، بل أيضا الأحكام الشرعية، وإعطاء الأولوية للمعاملات على العبادات. تستطيع “قضايا إسلامية معاصرة”  أن تكون منبرا للحوار الوطنى بين مثقفى العراق وعلمائه، وليس فقط بين ساسته. فالثقافة السياسية لها الأولوية على العمل السياسى.

شارك عبد الجبار الرفاعى فى أعمال الجمعية الفلسفية المصرية فى مؤتمرها بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية، وهو أحد أعضائها البارزين.كان سيقدم هذا العام سيرته الذاتية، لولا أن منعته الظروف من الحضور. وهو يمثل تيارا تنويريا فى العراق وإيران. كما يمثل “اليسار الإسلامى” هذا التيار فى مصر. وقد أصبح هذا التيار شائعًا كموضوع دراسة فى الماجستير والدكتوراه.

ومازالت هناك صعوبات أمام التيار الذى تمثله “قضايا إسلامية معاصرة”، و”اليسار الإسلامى”. كيف يمكن تحويل اجتهادات فردية فى بغداد والقاهرة إلى تيار فكرى، له مفكروه وطلابه وأنصاره وتأثيره؟ فمازال الاستقطاب بين التيارين الكبيرين، الإسلامى والعلمانى شديدًا، لدرجة الخصومة والتناقض، بل والعداوة والعدوان. الإسلاميون يكفّرون المدنيين، والمدنيون يخوّنون الإسلاميين، لدرجة قسمة البلاد إلى فريقين متناحرين متنازعين. ونسى كلاهما العداوة الرئيسية للاستبداد فى الداخل، والعدوان فى الخارج، والتبعية لأمريكا، والاستيطان الإسرائيلى. مازال كل فريق يتسابق نحو السلطة، ظانا أنه إذا حصل عليها استطاع أن يحقق برنامجه الدينى أو المدنى: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

لا تتبنى الرفاعي أية مؤسسة، أو أى حزب، أو أى نظام سياسى. فمازال المنطق السائد هو منطق “إما… أو” على النقيضين، وليس منطق “معًا” أو “سويًا”، تحت تأثير حديث الفرقة الناجية، ووجود الحق من جانب واحد. بل إن الإصلاح الذى حاول التجديد والخروج من مأزق الاستقطاب كبا أكثر من مرة، بسبب اضطهاد الإسلاميين وسجنهم وتعذيبهم، فارتدوا معظمهم سلفيين محافظين.

الكل ينادى بالحل الثالث، وضرورة تجاوز الاستقطاب، لكن الواقع لا أحد يريده أو يفهمه، لأنه لا يطالب بالسلطة مطلب الفريقين المتنازعين. ويعمل على الأمد الطويل، التغيير الثقافى، والانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة. يتهمه العلمانيون بالإسلامية المتخفية، ويتهمه الإسلاميون بالعلمانية المتخفية. ليس له منبر يستطيع التحدث من خلاله. مازال تيارًا فكريًا يتمثله بعض المثقفين. وهو بعيد عن الوسطية التى تنتهجها التيارات الإسلامية المحافظة، لأنه يتطلب أحيانًا الثورة والتطرف فى أخذ حقوق الفقراء من أموال الأغنياء، وحقوق المستضعفين من نهب المستكبرين. لا يتعامل مع نظم سياسية، حتى لا يفقد استقلاله، ويظل تيارًا فكريًا يخاطب المثقفين، لإعادة بناء الثقافة الشعبية. هذا ما تمثله “قضايا إسلامية معاصرة” بإشراف وتوجيه عبد الجبار الرفاعى.

تحتاج المجلة إلى مزيد من التعريف والانتشار خارج العراق. ومازالت فى حاجة إلى تعدد كتّابها، وعدم قصرهم على فئة واحدة. وكل شىء يبدأ صغيرًا وينتهى كبيرًا. و قضايا إسلامية معاصرة بدأت كبيرة ومازالت تكبر، بفضل صاحبها ومؤسسها وراعيها وحاميها من غوائل الزمان عبدالجبار الرفاعي.

نعيد نشر هذه الشهادة تخليدًا لذكرى الصديق العزيز المرحوم الدكتور حسن حنفي، الذي كتبها بمناسبة صدور العدد 60 التذكاري لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. عندما كانت كتاباته حاضرة بكثافة في المجلة، خاصة في موضوع “علم الكلام الجديد”، الذي خصصت له المجلة ستة أعداد في سنواتها الأولى، وغيره من محاور المجلة في سنوات لاحقة.

[1] مفكر مصري.

 

https://tafker.net/2024/07/11/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A8%D9%82%D9%84/

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً «تراث» المثقفين النقديين

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً تراث المثقفين النقديين

تغريد عبد العال

غابت الثقافة العربية عن جذورها طويلاً، ويبدو أن تواصلها مع الفكر الغربي قد جعل روابطها تضعف تدريجياً بالتراث العربي، ولأن مفهوم الحداثة مولع بأسئلة الغرب ومقولاته، فنادراً ما يشق الفكر العربي درب الفلسفات العربية والشرقية، في الهند واليابان والصين، ولا سيما الفكر الإيراني. وهذا يحيلنا إلى قضية أساسية يبحر فيها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، في كتابه «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» (منشورات تكوين) هي موضوع العلاقة بين الدين والثقافة عبر تناوله مفكرين نقديين وفقاً لما أسماهم. لم يقطع هؤلاء المثقفون النقديون تلك العلاقة بالدين، بل كانوا نقديين تجاهه ومتمسكين بجذورهم وأصالتهم كالعراقي علي الوردي (1913- 1995). تعرّض فكر الأخير لنوع من الجفاء، ولم تهتم به البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم تتبنَ دور النشر في بيروت إصدار أعماله. كما ذهب الكاتب في عرض رؤية المصري حسن حنفي (1935 – 2021) وفكره، الذي أعاد إنتاج التراث بلغته الخاصة التي تبدأ بالتراث وتنتهي به. واتسع الكتاب لثلاثة مفكرين إيرانيين لم تُدرس تجربتهم وفكرهم كثيراً هم داريوس شايغان الذي تميزت رحلته الفكرية بإعادة النظر في مسلماته وقناعاته وأحلامه، وأحمد فرديد الذي لم ينشر شيئاً في حياته رغم أنه شغل النخبة الإيرانية في زمانه. وفي الفصل الأخير، ناقش الكاتب ظاهرة ثقافية ليست غريبة في الفكر العربي، هي الانتقال من الماركسية إلى السلفية.

يذهب الكاتب عميقاً في سبر الثقافة العربية ونقدها عبر عرضه ومناقشته لفكر هؤلاء المفكرين العرب والإيرانيين. يناقش فكر علي الوردي، الذي يسمّيه المثقف الديني النقدي الأول في العراق الذي خرج من سجون الأيديولوجيات السياسية عبر قراءته للنصوص الدينية، لأنّ البحث في الدين كان مغيباً في الثقافة العراقية، وانحصر فقط في المؤسسات الدينية. وينوه الكاتب بأنّ مفهوم «المثقف» غامض ومشوّش في العراق، فيسارع كثيرون إلى نفي صفة التدين عن المثقف، وهناك عوامل كثيرة لذلك أولها مركزية الشعر في الثقافة العراقية، وارتباط صفة المثقف بالشاعر. والعامل الثاني هو حضور اليسار الأممي والقومي، الذي اتخذ موقفاً من الدين، معلناً القطيعة بين الجامعات والمؤسسات الدينية، ومحذّراً هذه المؤسسات من الانفتاح على الثقافة، والآداب والفنون.

ولأن المثقف العضوي ــ بحسب الكاتب ــ تناغم مع الأيديولوجيات النضالية، خصوصاً اليسارية، أصبح مشغولاً بتغيير العالم من حوله، وهذا المثقف مسكون بالأيديولوجيا أكثر، من دون أن يأخذ في الحسبان أنّ كل رؤية مختلفة للعالم هي فكرة ينبغي له أن يحترمها ولذلك يقوم بمهمة المفتش. وربما لم يركّز الكاتب هنا على قلة من «المثقفين العضويين» الذين آمنوا بالتغيير، وفي الوقت نفسه لم يأسرهم الجمود العقائدي، لذلك انتقدوا الغرب ولم ينظّروا كثيراً لأيديولوجياتهم بقدر ما اهتموا بكل التراث الفكري، أمثال إدوارد سعيد، الذي كان ناقداً للفكر الغربي الاستشراقي وللإمبريالية الفكرية والثقافية. وقد انتقد أيضاً نظرة الغرب للإسلام. ولكن ربما هنا يعطي الكاتب أولوية للمثقف الذي نهل من التراث وفي الوقت نفسه غيّب كثيراً إلى درجة أننا نجهل أعماله البحثية والفكرية، خصوصاً أنّه ركّز أيضاً على شجاعة علي الوردي بالاعتراف بأخطائه، ومراجعته المستمرة لأفكاره، إذ قال: “ما كتبته بالأمس لا يصلح اليوم، كما أن ما أكتبه اليوم قد لا يصلح غداً”.

أما المفكر الثاني الذي تأمّل الكاتب في فكره، فهو المصري حسن حنفي، الذي انتقد الأصولية. كما أن تأويلاته للتراث نهلت من منابع متنوعة، وتخلو كتاباته من التحريض ضد المذاهب. وهو الشغوف بالتراث والتجديد، وكان يتمنى أن ينجز كتاباً عن الثوار في كتابات أميركا اللاتينية، كما أخبر الكاتب حين التقاه. لكن المختلف هنا عن علي الوردي، أن حسن حنفي مثقف رسولي وثائر أيضاً، فقد كان يعتبر نفسه فقيهاً ولكنه في الوقت نفسه، كان يحلم بتغيير العالم بأفكاره. وحين تحدث حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه، قال: «كانت صورتي في الإخوان أنّي شيوعي وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني». لقد كان حنفي مسكوناً بيوتوبيا اليسار الإسلامي حيث يلتقي الإسلام بالشيوعية وفقاً لرؤيته، ومن هنا تكمن ثوريته. فهو يصرّ بتساؤل إنكاري: وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ ويسأل: هل ينفع تدريس العلم من دون أيديولوجيا؟ وما العيب في أن تؤدي الأيديولوجيا إلى العمل السياسي؟ وما العيب أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدل أن يحفظ كتاباً مقرراً؟ وكان حنفي أيضاً من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان المسلمين، فوصف ما تعرضت له الجماعة من اضطهاد، وبرّر نشوء فكر إسلامي معاد للواقع. هكذا، تضمّن تحليله لفكر الإخوان اعترافاً برؤيتهم المغلقة للعالم. ويتحدث أيضاً عن علاقته بسيد قطب الذي تعرّف إليه حين دخل حركة الإخوان المسلمين عام 1951. وسيد قطب أيضاً ـــ في رأي حنفي ـــ هو الذي بدأ ما يسمّى باليسار الإسلامي، فوضع حنفي مشروعه في سياق مشروع قطب، ودافع عن فكره وبرر أخطاءه بإحالتها إلى موضوع السجن والاضطهاد. لكن حنفي يمتلك ــ بحسب الكاتب ـــ مهارة التوظيف البراغماتي للتراث، فقد حاول أن يركب التراث على الواقع والواقع على التراث. وقد تأثر حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي ولد سنة 1929 وقتل مناضلاً سنة 1966. ورؤية توريس الثورية هو لاهوت التحرير الذي هو أيديولوجيا تختلط فيها المسيحية والماركسية، وهكذا كان القرآن بالنسبة إلى حنفي مانيفستو للثورة والتحرير.

وعن المفكر الإيراني داريوش شايغان ( 1935 ـــــ 2018)، يأخذنا الكاتب في رحلة لمعرفة سيرته وميزات فكره. التحق بجامعة «السوربون» ودرس التصوف والديانة الهندوسية، وأصبح أستاذاً مساعداً للأساطير. لعل ما تميز به هذا المفكر هو دراسته للتيارات الفكرية الغربية في موازاة دراسات الأديان والثقافات الآسيوية. عمل شايغان على تطوير ثقافته وتحديث أفكاره، ولم يخجل من المراجعة النقدية، وقد لاحظ أيضاً أن معظم المفكرين الإيرانيين هم شعراء، كجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي. واعتقد شايغان أن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن نظيره الغربي. وتنوعت إحالاته المرجعية، وأمسى قادراً على استبصار تشوهات المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء.

وكذلك كان المفكر الإيراني حسين نصر (1933) الذي نهل من شعراء الفارسية، كحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي، وندد بالحداثة الغربية، مشدّداً على أنّ الشرق هو رمز النور والعقل والروحانية. أما المفكر الإيراني أحمد فرديد (1909 ــ 1994)، فقد أعجب بغوستاف لوبون، وانخرط في محفل المثقفين الذين تمحوروا حول القاص الشهير صادق هدايت الذي كان صديقاً له. درس فرديد في «السوربون»، وعاد إلى طهران، ليدرس في جامعتها تاريخ الفلسفة وامتدت مطامحه للحياة السياسية، فاقترب من حزب السلطة وأعلن تأييده للثورة الإسلامية بعد انتصارها. كان هاجس أحمد فرديد هو الهوية والعودة إلى الذات الإيرانية. بعد انتصار الثورة الإيرانية، حرص على ابتكار تفسير ثوري إسلامي لهايدغر، فوجد أن لا تناقض مع تفكير هايدغر والثورة الإسلامية. ويرى فرديد أن الغرب وباء أصاب اليونان القديمة ومصطلح «الإصابة بالغرب» هو وصف لهذا الوباء المتفشي في الشرق المسكون بعقائد الغرب. وعن ظاهرة التحول من الماركسية إلى السلفية، يشير الكاتب إلى فكر المصري محمد عمارة (1931 ــ 2020)، الذي كان ماركسياً ومكث طويلاً في الماركسية ودخل السجن في أيام جمال عبد الناصر. وبعد صعود موجة الصحوة الإسلامية، انتقل إلى السلفية، وتخلى عن وظيفته كأستاذ جامعي، لأنه أراد التفرغ لمهمته الفكرية، فصار يفكر بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث. ومع أنه باحث متمرس في التراث، ويكتب بأسلوب ذكي، إلا أن الدين جاء ليحمي الإنسان من الكراهية والعنف والسلفية وفقاً لما يقوله المؤلّف. وهكذا كان جودت سعيد الذي دعا إلى اللاعنف، لكن الكاتب انتقد أيضاً كتاباته التي تفتقر إلى «تفكير متأمل صبور يستخلص رؤية نظرية من النصوص الدينية». أما مالك بن نبي (1905 ـــ 1973)، فكتاباته تنبض بالغيرة على وطنه الجزائر، وتحريره من الاستعمار الفرنسي، والدفاع عن هويته من الاستلاب وحماية دينه وثقافته الإسلامية ويرى القارئ الفطن جروح الاستعمار الفرنسي نازفة في كتاباته التي تمثل الخلفية الفكرية للمقاومة الجزائرية في حرب التحرير. قدّم بن نبي تفسيراً للتخلف والانحطاط في عالم الإسلام في سلسلة «مشكلات الحضارة»، فصاغ معادلة الحضارة من مراحل هي الروح والعقل والغريزة. وكان دقيقاً في توصيف «القابلية للاستعمار»، حيث تكمن مشكلة الإنسان المستعمر.

ولعلّ الأجمل أنّ الكتاب ينتهي بمالك بن نبي الذي ركز على الهوية والمقاومة كأنها دعوة للتفكير في ثورية الإسلام. وهنا نلاحظ أن الواقع وما نعيشه يجعلنا نعيد النظر في فكر الإسلام التحرري المناهض للاستعمار والاحتلال والمقاوم الذي وضع فكره وأيديولوجيته في سبيل مواجهة ذلك الاستعمار. يشكل الكتاب دعوة لإعادة النظر في التراث والفكر الشرقي وعدم الوقوع في فخ الاستلاب الغربي.

 

تغريد عبد العال، كاتبة وشاعرة فلسطينية مقيمة في لبنان  

 

https://al-akhbar.com/Kalimat/382031

 

 

علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أقرأ لعالم اجتماع باللغة المتداوَلة في كلام الناس ومحادثاتهم اليومية في مختلف القضايا كعلي الوردي، يكتب بهذه اللغة وهو لا يكفّ عن الإثارة والتحرّش بتابوات الدين والأيديولوجيا والعشيرة والسلطة ومؤسساتها المتنوعة. ويتحرش حتى في انتخاب عناوين كتبه، التي يختارها وكأنها لافتاتٌ تحريضية، مثل: “وعّاظ السلاطين”، “أسطورة الأدب الرفيع”، و”مهزلة العقل البشري”.

علي الوردي يتقن مهارةً إنشائية ينفرد بها، فهو يكتب في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والسيكولوجيا، يصف ويحلّل وينقد مختلفَ الظواهر في المجتمع العراقي بأسلوبٍ مباشر، يفهمه كلُّ الناس، بما يسوقه من أمثال وحكايات وفلكلور، بلغةٍ لا تخلو من تهكّم وسخرية لاذعة أحيانًا،كأنه يتحدث في مقهى قديم يدمن روادُه الإصغاءَ له بوصفه قصاصًا. يختتم الوردي مقدمتَه لكتابه “أسطورة الأدب الرفيع” متهكمًا بقوله: “وصف أحد الأدباء كتبي السابقة كجبة الدرويش ليس فيها سوى الرقع. وأظن أنه سيصف كتابي هذا بمثل ذلك. ولست أرى في ذلك بأسًا، فخير لي أن أكون رقّاعًا أخدم الناس بالملابس المهلهلة، من أن أكون خياطًا ممتازًا أصنع الملابس المزركشة، التي لا تلائم الأجساد ولا ينتفع بها أحد”[1].

لبث الوردي غريبًا، يرفضه المجتمعُ، ولم تتفاعل أيديولوجيات اليسار الأممي والقومي والأصولي مع أفكاره في وطنه. تجلّت غربةُ علي الوردي الأقسى بحضوره في هذا اللون من الثقافة العراقية، ثقافةٌ يتمركز كلُّ شيء فيها حول الشعر، ثقافةٌ متيمةٌ بالشعر إلى الحدِّ الذي قلّما تحتفي فيه بمعرفةٍ أو فكرٍ أو ثقافةٍ لم يمسسها الشعر، ولا يندرج في اهتماماتها أيُّ صاحب منجز فكري إن لم يكن أديبًا وشاعرًا، وغالبًا ما لا تصنّفه على الثقافة، وربما تبخل عليه حتى بعنوان “مثقف”، ولا يدخل في اهتمامها وندواتها ومنتدياتها ومهرجاناتها من لم يكن شاعرًا، أو عاشقًا أو صديقًا أو متذوقًا للشعر والأدب، حتى صار احتكارُ عنوان المثقف في العراق بالشاعر كاحتكار الخلاص في الفرقة الناجية.

لم يكن علي الوردي شاعرًا، ولم يُعرف عنه ارتيادُ منتديات الشعراء، ولم يكتب مديحًا لشعر أو شاعر، حتى تعاطي الشواهد الشعرية شحيحٌ جدًا في كتاباته،كان على الضدِّ من توثين الشعر والأدب وتسيده في الثقافة العراقية. الوردي سبق من قبله، ولم أقرأ لأحد جاء بعده في الثقافة العراقية، مَن يتجرأ على نقد الشعر بأسلوبٍ تهكمي في: “أسطورة الأدب الرفيع”، إذ يكتب تصديرًا لكتابه هذا بقوله: “أهدي كتابي هذا إلى أولئك الأدباء الذين يخاطبون بأدبهم أهل العصور الذهبية الماضية، عسى أن يحفزهم الكتاب على أن يهتموا قليلًا بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه، ويخاطبونهم بما يفهمون، فلقد ذهب عهد الذهب، واستعاض عنه الناس بالحديد!”[2]. لا يكفّ الوردي عن نقدِ الشعر القديم والدعوةِ لتجاوزه، بوصفه مرآةَ العصر الذي أنتجه بكلِّ ما يحفل فيه. بلغت الجرأةُ به أن يزدري “طريقة الاستجداء لكسب العيش”، وطريقة تكسّب بعض الشعراء، ويعلن بصراحة: “إنهم شحاذون، ويدّعون بأنهم ينطقون بالحق الذي لا مراء فيه، والويل لمن يجرأ على مصارحتهم بالحقيقة المرة أو تكذيبهم فيما يقولون”[3].

لم ينشغل الوردي بنقاشاتِ وردودِ التهم المُثارة ضدّه، وثرثراتِ الوعّاظ الذين أغاظهم كتابُه “وعّاظ السلاطين” وكتاباتُه الأخرى، ولم يكترث بهذر بعض الأدباء والشعراء الذين امتعضوا من كتاباتِه المثيرة عن الشعر، وسخريتِه بـ “الأدب الرفيع”. في حالات استثنائية كان يصغي لبعض الباحثين الجادّين، كما فعل مع عبد الرزاق محيي الدين، الذي كتب نقدًا لآراء الوردي في الأدب، فأجابه بسلسلة مقالات نشرها في كتابه: “أسطورة الأدب الرفيع”. يشير الوردي إلى قصة تأليفه كتابه “أسطورة الأدب الرفيع” فيقول: “بدأت القصة منذ بضعة أشهر، حيث كنت قد نشرت في جريدة الحرية بعض المقالات، نعيت فيها على الأدباء تمسكهم بالتقاليد الأدبية القديمة، وقلة اهتمامهم بما يحدث في هذا العصر من انقلاب اجتماعي وفكري عظيم. فهب الأدباء من جراء ذلك هبة واحدة، وأخذوا ينتقدونني ويتهجمون، ويصولون ويجولون. فلم أجد بدًا من الرد عليهم بمناقشة الآراء التي جاءوا بها… ولسوف أقتصر في هذا الكتاب على إعادة نشر مقالات الدكتور محيي الدين وحدها، تلك التي نشرتها في جريدة البلاد، وكان لها صدى بين القراء لا يستهان به. ومقالات الدكتور هذه، والحق يقال، من خير ما كتب في الموضوع. فهي تمثل وجهة نظر جديرة بالدرس والعناية. وأحسبها لا تخلو من أصالة”[4].

كلُّ شيء في الثقافة العراقية متمركزٌ حول الشعر. سرق اغواءُ الشعر أثمن المواهب في جيلنا، ومازال مقبرة للأذكياء، فجيل الأبناء لم يتحرر كليًا من غوايته. لا نحتاج إلى المزيد من هذا اللون الزائف والكتابة الغزيرة فيه وعنه، الذي يسمى خطأ بـ “الشعر”، وهو ضربٌ من الهذيان اللفظي. أغلبُ ما يُكتب ويُنشر عن الشعر تكديسُ كلامٍ على كلام، وليس شعرًا بالمعنى الذي تتكشّف فيه رؤيا مبدِعة، ومعرفةٌ مكتنزة، وبصيرةٌ مُلهمة. نادرًا ما نقرأ اليوم شعرًا يلوح لنا فيه أنه يختصر معرفةً في جملة، وصورةً في عبارة، وجمالًا في لوحة.

بلغ اغواءُ الشعر أن تتمركزَ الثقافة العراقية حوله، وأن تستندَ إليه كمرجعية ومعيار في خلع لقب “مثقف” على كلِّ مَن ينشر شعرًا، بنحو استنزف عقولَ ومواهب شباب مؤهلين للعطاء الثمين في مجالات أخرى. أوقع إغواءُ الشعر هؤلاء الشباب، ممن يفتقرون لموهبة الشاعر، في محاولات للتجريب المتواصل للقصيدة بلا جدوى، من أجل أن تسجل اسماؤهم في لائحة الشعراء. حتى اليوم لم يسجل الشعرُ العربي، فضلًا عن الشعر العالمي اسما لأحد من هؤلاء، على الرغم من ضياع أعمارهم في اللهاث وراء صنعة “شاعر”.كان يمكن لهؤلاء أن يبدعوا في الرياضيات أو العلوم الطبيعية أو الفلسفة والعلوم الإنسانية أو الآداب والفنون الأخرى.

“مركزية الشعر في الثقافة العراقية” الحديثة رسخها الدورُ الطليعي للعراق في تدشين الحداثة الشعرية، بولادة الشعر الحر في أربعينيات القرن الماضي في قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وغيرهما؛ ما عزّز اختزالَ الثقافة بالأدب خاصة، والمثقف بالشاعر.كلُّ مَن يحلم أن يكون مثقفًا ينبغي أن يكون شاعرًا أولًا وقبل كلِّ شيء. اتسع فضاءُ الكتابة الشعرية لمن لا يمتلكون موهبةً، وأغوى الأذكياء الذين يمتلكون مواهبَ في غير الشعر، ممن تعِدُ مواهبُهم بولادة مثقف كبير، لو شاؤوا أن يتكونوا تكوينًا علميًّا صبورًا. طغيان الشعر في ثقافتنا انتهى إلى تسيّد الكلام وضمور الأفكار، واختباء العقل والغرق في الإنشاء وتكديس الألفاظ. الكلام سلطة، غالبًا ما يوظّف بديلًا لبراهين العقل وحججه في الاقناع والوثوق. الشاعر يمتلك مهارة استثمار هذه السلطة لتسويق وترسيخ أية عقيدة أو أيديولوجيا أو مقولة أو اسطورة، وإن كانت مناهضة لأحكام وأدلة العقل، وحتى بداهاته أحيانًا.

انشغلت الثقافةُ العراقيةُ ببعضِ شعراء القصيدة العمودية إلى الحدّ الذي صارَ فيه كلُّ من يطمح أن يكتسبَ عنوانَ مثقف عليه أن يحفظَ بعضَ قصائدهم المحاكية لشعر العصر العباسي، ويكتبَ عنهم. لم يحضر بدر شاكر السياب كحضور هؤلاء الشعراء، وكأن السيابَ عوقب لأنه تجرّأ على التمرّد على ميكانيكية القصيدة العمودية فكسر تصلبها، ولأنه انتقل بالشعر العربي إلى أفقِ العصر، وذوقِه الفني، ولغتِه الرمزية، وكثافةِ معانيه، واتساعِ رؤيته. الإصرار على القصيدة العمودية يعكس ميكانيكيةَ العقل وتصلبه، وعجزَه عن الإصغاء لديناميكيةِ شعر السياب وأنسي الحاج، وأمثالهما، والعجز عن تذوق تناغم إيقاع هذا الشعر مع لغة ورؤية العصر. تسيّدُ الرؤية التراثية وتسلطُها على اللاشعور الفردي والجمعي هو الذي يجعلنا لا نتذوق إلا قصيدةَ الأزمنة القديمة الغريبة على زماننا.

لا أتبنى كلَّ ما يراه الوردي في الشعر، وليست لدي مخاصمةٌ مع ما هو حقيقي منه، ولا تصفيةُ حسابٍ مع شاعر، وأنا المولع بذلك اللون من الشعر، الذي وصفه هايدغر بقوله: “إن الشعرَ تسميةٌ مؤسِّسة للوجود ولجوهر كلِّ شيء، وليس مجردَ قول يقال كيفما اتفق”[5].

أخيرًا بدأت الثقافةُ العراقيةُ تنفتحُ على الرواية بجدّية وغزارة، وهو تحوّل في الاتجاه الصحيح. ‏الروايةُ الحقيقية تتسع لكلِّ الأجناس الكتابية، وتتغذّى من مختلف المعارف البشرية، الروايةُ الخالدة هي ما تكشف للقارئ أعماقَ الإنسان، وتفضح تناقضاتِه الداخلية. الروايةُ تُفتضح فيها تابواتُ المجتمع، وما تخفيه الأعرافُ والتقاليد والثقافة المحلية، وتفسّر فاعليةَ الهويات المغلقة وتسلطَها، وأثرَها في الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وأثرَ المخيال في الثقافةِ الجمعية، وأنماطِ التدين وتمثلاتِ الدين المتنوعة في حياة الفرد والجماعة، وينقِّب الروائي الحقيقي في أرشيف اللاشعور الجمعي، والمستور الذي يتكتم عليه ظاهرُ العلاقات في العائلة والمجتمع والدولة، والأهداف المضمَرة للسلطات السياسية والدينية والحزبية والعشائرية.

[1] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، دار كوفان، ط 2، ص 13.

 

[2] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 5.

[3] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 9 – 11.

[4] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 7، ط 2، 1994، دار كوفان، لندن.

[5] هيدغر، مارتن، إنشاد المنادي: قراءة في شعر هولدرلن وتراكل، تلخيص وترجمة: بسام حجار، ص 62، ط1، 1994، المركز الثقافي العربي، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/86449-.html?fbclid=IwAR1YhP3aXhxPeLhkJr-lxwhLHUM_z4AcF2mr9kJHipMAbfi6eJK5uIo3nuk

فلسفة التديّن

فلسفة التديّن

د. عبد الجبار الرفاعي

أكثرُ ما يُكتَب تحذفه عاجلًا أو آجلًا ذاكرةُ الكتابة، وتتنكر لحضورِه المكتباتُ الرصينة، ويطارده القراءُ المحترفون، ويفضح النقّاد زيفه. أقرأ كتاباتٍ في الفلسفة والكلام القديم والجديد تتحدّث عن كلّ شيء وتحاول أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا، يكتبها أناسٌ يفتقرون إلى أدنى تكوينٍ تراثي أو أكاديمي أو لغوي، يكدّسون كلماتٍ صاخبةً مقعّرة لا تبوح بدلالاتٍ مفهومة، يورّطون أنفسَهم بحرفةٍ صعبة لا يمتلكون موهبتَها، تغويهم سهولةُ النشر اليوم فيُغرِقون المكتباتِ بأكداسٍ من الورق، تسرقُ أعمارَ القرّاء غير الخبراء، وتعبثُ بذائقتهم، وتهتكُ تقاليدَ الكتابة الجادة.

هذا كتابٌ من النوع الذي يمكث في ذاكرة المكتبة، وأظنّ أن حضورَه سيتجدّد لدى الخبراء مهما تقادم زمانُه. في كتابِ “فلسفة التديّن” استطاع الدكتور حبيب فياض أن يكتب الكثيرَ من سيرته المعرفية والأخلاقية وتجربتِه الروحية. أعرف حبيب منذ ثلاثةِ عقود، وكلّما اختبرت الأيامُ صداقتَنا تجلّى حبيب كأعذب ما يتجلّى فيه إنسانٌ شجاع عاطفي صادق، العاطفةُ المتدفقة غير المشروطة هي ما يغويني في كلِّ صداقاتي. حبيب متصالح مع نفسِه، يقول قناعاتِه الفكرية بجرأة، وإن كانت لا تشدو ما يقوله أكثرُ الناس. ‏أعرف التكوينَ الرصين لحبيب فياض، وتلمذتَه على فلاسفةِ دينٍ ومتكلمين كبار نهلوا من منجمِ التراث الفلسفي والعرفاني ومعطياتِ الفلسفة والعلومِ الإنسانية الحديثة، وأعرف جيدًا الذكاءَ الفائق الذي يلتمع في ذهنِه، ومثابرتَه وجَلَدَه في مراحلِ التكوين الجامعي، وأعرف مواقفَه وشهامتَه وغيرتَه على الإنسان. هذا الكتابُ مرآةٌ مضيئة ارتسمتْ فيها صورةُ حبيب الباحثِ الدقيق، وصورةُ مشروعِ المفكر الذي يحاول أن يبتكر منهجَه ويحدّد خارطةَ تفكيره المرسومةَ بعناية واحتراف، خارطة لا تشبه إلا ذاتَه، وكأنها لوحةُ فنانٍ مزج فيها ألوانًا متناغمة لتكون مرآةً مضيئة لفرادتِه. يحاول حبيب أن يعيد بناءَ أسسِ التفكير الديني في الإسلام في سياقٍ مختلِف، لا يقف كثيرًا عند الدينِ بمفهومِه النظري، لا يذهب إلى الأفكارِ المجردة والتأملاتِ العقلية وقراءاتِ النصوص الدينية، يذهب مباشرةً للواقع يسائل تجلياتِ الدين وحضورَه العملي، يدلّ القارئَ على التديّن الذي هو صوتُ الله في ضميرِ الإنسان، وصورةُ الدين في حياةِ الإنسان ومواقفِه وسلوكِه الفردي والمجتمعي.

عشتُ أيامًا عديدة مع مخطوطةِ هذا الكتاب، كانت رحلتي معه شيّقةً شاقة. شيّقة بوصفها معايشةَ كاتبٍ أعرفه عن قرب، وأعرف تكوينَه العميق في الفلسفةِ ومدرسةِ الحكمة المتعالية خاصة، وفي الإلهياتِ بشكل عام، واطلاعَه الواسع على الفلسفةِ وعلومِ الإنسان والمجتمع وعلومِ الألسنيات ومناهجِ التفسير الحديثة. وشاقة بوصفها كتابةً ابتكرت طريقتَها الخاصة في بناءِ المفاهيم والتعبيرِ عنها وإنتاجِ رؤيتها الاجتهادية، وكلُّ كتابةٍ من هذا النوع لا يمكن أن تستوعبها إلا بقراءةٍ متأنيةٍ متريثة. ربما لا تتفق مع حبيب في شيءٍ من رؤاه وطريقتِه في تركيب الأفكار، وما يسوقه من حجج، وأسلوبِ تعبيره عنها، غير أنه يفرض عليك كقارئٍ أن تنصت بهدوءٍ للمتن الذي ينسجه بإحكامٍ وتأملِ دقيق وتفكيرٍ صبور.كما يعرف تلامذةُ حلقات العلم التراثية أن قراءةَ المتون العرفانية بقدر ما هي شيّقةٌ هي شاقةٌ أيضًا، لا يستسيغها إلا قارئٌ قراءتُه عابرةٌ لأبعد من حدودِ الكلمات وآفاقِها الضيقة، قارئ تخترق استبصاراتُه ما وراء الكلمات.كلّما توغلتُ أكثر شعرتُ بحاجةٍ إلى قراءةِ هذا الكتاب أكثر من مرة. هذا كتابٌ نتعلّم منه كيف نفكر تفكيرا عقليًا في الدين، وهذا النوعُ من الكتب قليلٌ جدا اليوم.

هذا كتابٌ يعلّمنا كيف نتفلسف في الدين والتديّن لا على نموذجٍ متداوَل سابقًا، ولا على رؤيةٍ مقرّرة سلفًا. لم أجد عقلي ينصاع لكلِّ رؤى المؤلِّفِ ومنهجِه، غير أن قوةَ الكتاب فرضتْ عليّ كقارئٍ متخصّص أن أعود لمسائلةِ مناهجِ الكتابات الأخرى في هذا الموضوع، وحججِها وقناعاتِها المفارِقة في كثيرٍ منها لما جاء في الكتاب، واختبارِها في تقويضِ قناعاتِ المؤلف. مادامت الأسئلةُ الميتافيزيقة الكبرى تختبر إجاباتِها وتجّددها على الدوام، فهذا كتابٌ يضعنا أمامَ إعادة النظر في إجابات تعلّمناها أو ابتكرناها، إنه كتابٌ يجعلنا نكرّر طرحَ هذه الأسئلة، ويدعونا أن نفكر مجدّدًا في أجوبتِنا.كلٌّ منا أنا وحبيب يفكِّرُ في الدين ويقرأ نصوصه على شاكلته، إلا أني وجدتُ نفسي وأنا أقرأ هذا الكتابَ بتأملٍ أتعرّف على حبيب مجدّدًا، حبيب الذي ينشد اللحن الروحي والأخلاقي في الدين الذي أنشده، لكن بمنهجَين غير متطابقين، وبرؤىً متوازيةٍ لا تتكرّر معالجاتُها، وإن كنا معًا نعمل على تكريسِ الروح وإيقاظِ الضمير الأخلاقي وتنميةِ الحسِّ الجمالي في التديّن.

بدءًا بعنوانِ الكتاب: “فلسفة التديّن” يثير في عقلِك المؤلِّفُ سؤالًا تحير في جوابه، أنت تعرف أن مصطلحَ “فلسفة الدين” هو المتداوَل حتى اليوم في الفلسفةِ الحديثة، منذ العملِ الرائد “محاضرات في فلسفة الدين” للفيلسوف هيغل “1770 – 1831″، أما “التدين” فهو يحيل إلى العلومِ الإنسانية الحديثة، بما أنه تعبيرٌ عن تمثّلاتِ الدين وانعكاسِه في حياة الفرد والمجتمع، وهو ما يرتسم من صورةِ الدين في حياة الإنسان ووعيه وضميره، وهذا شأنٌ يتصل عضويًا بالواقع، ومداخلُ دراسة التديّن بوصفه واقعةً فردية ومجتمعية هو علومُ النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والميثيولوجيا، وعلومُ الألسنيات والسيميائيات والهرمنيوطيقا الحديثة. حاول حبيب نقلَ التفكير الفلسفي إلى الواقعِ الذي يحقّقه الدين، وسعى إلى أن يشرحَ موقفَه بتمييزٍ دقيق بين: المباحثِ الداخلدينية، والخارجدينية، ومضى نحو تحديدِ مصطلحاتِه وأدواتِه المنهجية بدقّةٍ وصرامةٍ في الفصلِ الأول من الكتاب، وجهد في التدليلِ على ما أثاره من أفكار، لدرايتِه بالأسئلةِ المتنوعة المتوالدة من هذا الضربِ من الكتابةِ المفارِقة للمألوف.

يجادل حبيب فياض في فلسفةِ الدين، ويضع عقولَنا أمامَ أسئلةٍ مختلفة حول “فلسفةِ التديّن”، وهو المصطلحُ الذي يصرّ على تضمينِه عنوانَ كتابه، ويحاول أن يخوض فيه من مداخلَ متنوعة، لا يستوعبها إلا قارئٌ صبور ذو تكوينٍ فلسفي وديني مزدوج. مقارباتُ التديّن المتنوعة تتسع لتوظيفِ علم النفس وعلمِ الإنسان والاجتماع والألسنيات، غير أن حبيب فياض عمل على زحزحةِ التديّن وإدراجِه في حقل الفلسفة، وهي محاولةٌ دلّل عليها منذ بدايةِ الكتاب حتى نهايتِه، محاولةٌ تفرضُ عليك أن تنظرَ فيها بتريث، سواء اقتنعت بها أم لم تقتنع.

لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفية بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا فيما تكرّره من إجاباتٍ جاهزة. قيمةُ هذه الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والتفكير غير المتعجِّل. لم أجد عقلي في بعضِ إجابات المؤلِّف وآرائه، بل وجدتُ لديه ما يحرّضني على التفكيرِ ويستحثّ عقلي على توليدِ أسئلةٍ موازية للأسئلةِ التي شغلتني أكثر من أربعةِ عقود، وحاولتُ أن أكتب إجاباتي عنها في مؤلفاتٍ متعدّدة.

لا أريد أن ألخصّ مادةَ الكتاب الثرية الواسعة، فهذا يتطلب كتابةً موسعة. الكتابُ لا يترك عقلَ القارئ الذي يقرأه بهدوءٍ يهدأ، إنه كتابٌ لا يرضى عنه السلفيون، مثلما لا يرضى عنه بعضُ دعاة الإحياء والإصلاح والتجديد، إنه كتابٌ يشدو لحنَه الخاص، ويبتكر رؤاه، ويعمل على تعزيزِ حججه. قليلٌ من الكتب ذلك الذي يضيف للذهن مادةً جديدة للتفكير، وأقلُّ منها ما يثير لديه الأسئلة، لم يضِف لي هذا الكتابُ معلوماتٍ جديدة في الدين، على الرغم من وفرتِها فيه، بقدر ما حرّض ذهني على إعادةِ طرح أسئلةٍ وتعميقها كنت بحاجةٍ شديدةٍ لمواصلة التفكير فيها. أنا إنسانٌ يتغذّى تفكيري ويتجدّد بالأسئلة، ولا يكفّ ذهني عن العودةِ إلى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى كلّما تقدم بي العمر. لا يستقرّ الذهن لمدةٍ إلا بتقديمِ إجاباتِه لها، ثم سرعان ما يعود إليها كلّما قرأ كتابًا من هذا النوع، أو واجهه موقفٌ لافت، أو رأى شيئًا مثيرًا، أو أنصت بعمقٍ لغابة أسئلة الوجود.

شكرًا دكتور حبيب فياض على هذا الكتابِ الذي استحثّ ذهني على التفكيرِ معه وضدّه. ما ينقل الذهنَ للتفكير خارجَ الأسوار المغلقة على الدوام هو الكتابُ الذي يدعوك للتفكير ضدّه. أتطلع أن يأخذ هذا الكتابُ الثمين مكانتَه المناسبة في الدراسات الجامعية بتخصّصات الفلسفة وعلوم الدين، وأن يحضر في الدراساتِ الدينية في الحوزة ومعاهدِ التعليم الديني التقليدية، وأظنّها الأشدَّ حاجةً لهذا الكتابِ وأمثالِه، والأشدَّ حاجةً إلى تلك الكتب القليلة جدًا المنشغلة بإيقاظِ الذهن وبناءِ الحياة الروحية والأخلاقية.

 

تقديم كتاب فلسفة التديّن، تأليف: د. حبيب فياض، يصدر قريبًا عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار الفارابي ببيروت.

 

رابط النشر: