Category: التربية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التعليم في عصر الهوية الرقمية

التعليم في عصر الهوية الرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة والإعلام في عصر الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والافتقار للإرادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشة، وعدم الحماس للانخراط في العصر الرقمي لدى القيادات، والافتقار للخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًّا لإنجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة لولادتها وتنميتها.

هوية جيل الألفية الجديدة رقمية، هذه الهوية وُلدت في فضاء وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، تواصل الهويةُ الرقمية ولاداتِها باستمرار في فضاء الذكاء الاصطناعي المتدفق كشلالٍ هادر. الهوية الرقمية لا تشبه أيّةَ هوية من الهويات الدينية والعقائدية والأيديولوجية والإثنية الموروثة، ‏الهوية الرقمية سيالة في صيرورة متعجّلة سريعة التحول، لا تستقرّ على حال أبدًا، ولا تلبث في حالةٍ واحدة لسنوات، أو حتى سنة واحدة. هذا يعني أن الجيل الجديد يتفاعل بنحو مختلِف مع الهويات الرقمية وينتمي إليها بطريقته، لا كما كان يجري في الانتماء ‏لهويات العصر ما قبل الرقمي، ما يحدث تناشزًا حادًا تزداد وتيرته وتتسع فجوته بسرعة، بين نظامِ التربية والتعليم التقليدي، والهويةِ الرقمية المتغيّرة والمتواصلةِ الولادات وإعادةِ التشكل. في عصر الهوية الرقمية يتفاقم اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، ويُحدث ذلك تناشزًا يتضخم كلَّ يوم بينهما، وينتهي إلى المزيد من الأمية المعرفية والثقافية والرقمية، التي تنعكس في الآتي:

  1. إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والرقمي، وليس الزمان بمعناه الفيزيائي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو واقع العالَم اليوم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن كلَّ شيء في ذلك الماضي صوابٌ أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ واقع العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي والعيش في الواقع، ووعي نمط وجوده في عصر الهوية الرقمية المتغيرة، واستثمار ما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة والذكاء الاصطناعي من جديد العلوم والمعارف والثقافات يوميًا.

2.كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي المشتقَّ منه والمتناغمَ مع إيقاع صيرورته، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. نمطُ الوجود في عصر الهوية الرقمية يفرض عقلانيتَه ورؤيتَه للعالم وقيمه وثقافته، لا يستطيع الإنسانُ التغلبَ عليه مهما عاند الانخراطَ في هذا العصر، أو الاحتماءَ من آثاره، والتحكمَ الكامل بحضوره الهائل. ذلك ما يدعو الإنسانَ في بلادنا لمواكبته، في سياق رؤية تتسع لاستيعاب مكاسبه، وبناء أخلاقيات تقي الإنسانَ من ارتدادته المربكة والعاصفة.

  1. النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ في عصر الهوية الرقمية، غيرُ النظام التعليمي التقليدي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ عصر الهوية الرقمية، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.
  2. العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوِّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.
  3. عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.
  4. تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بعصر الهوية الرقمية الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.
  5. الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سميراميس بنت ابنتي د. تُقى، عندما كانت بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدٌ طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.
  6. لا يهتم النظامُ التعليمي بالاختلاف بين استعدادت الأطفال ومواهبهم، وما يفرضه موقعهم الطبقي من تفاوت في تكوينهم المبكر. تكوين الأطفال يختلف تبعًا للإمكانات المتاحة لهم، كما كشفت عن ذلك دراسة في أمريكا عن الأثر الذي يحدثه تلقي الأطفال للغة في مرحلة مبكرة من حياتهم في بناء وعيهم ورؤيتهم للعالَم، وكيف يتناسب وعيهم مع ما يتلقونه من اللغة، فتبين وجود تفاوت فاحش في تلقي اللغة تبعًا للتفاوت الطبقي، إذ ان أبناء العوائل الغنية إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم يكونون قد استمعوا إلى 43 مليون كلمة، لكن أبناء العوائل الفقيرة إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم لم يستمعوا إلا إلى 13 مليون كلمة. والمعروف أن نضج الذهن ونموه يتناسب وامتلاك اللغة وحضورها وتفاعل الذهن معها في الصغر، فكلما كانت الحصيلة اللغوية أثرى نضج الذهن أسرع واتسعت آفاق الوعي أكثر.
  7. مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عصر الهوية الرقمية وهو لا يشبه عصرَهم أمس، عصرٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العصرُ مَن لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورُه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العصر، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في وجدانهم، والسطوةِ على مشاعرهم. الماضي مكوّنٌ عميقٌ للاوعي الأساتذة من جيل الآباء، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه.
  8. إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة.كما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا يرتقي بكفاءة أدائها،كذلك هو النظام التعليمي في عصر الهوية الرقمية ، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.
  9. لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين الأكاديمي والثقافي والرقمي في عصر لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في عصر الهوية الرقمية تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.
  10. يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة من التلميذ، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتعليم المستمر، وتنمية التكوين الأكاديمي، والحرص على الحضور في الفضاء الرقمي ومواكبة وتيرة تطوره الفائقة. وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ، ولا يوسّع متخيّله وأحلامه العلمية.

 

 https://alsabaah.iq/99240-.html

 

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم وترسيخها هي حجرُ الزاوية في كل عملية تنمية خلّاقة، النجاحُ فيها علامةُ كلِّ نجاح، والإخفاقُ فيها علامةُ كلِّ إخفاق. تتشكلُ معادلةُ التربيةِ والتعليم من ثلاثة عناصر، هي: المعلّم، التلميذ، المقرر الدراسي. لا تنجز هذه المعادلةُ وعودَها ولا يمكن قطف ثمارها من دون إعادة بناء متوازية لكل عناصرها، وإن أيَّ اختلال في أحد عناصر هذا المثلث يفضي إلى اختلال كلّ المعادلة. التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم هي مأزق التنمية في أوطاننا، ذلك هو السببُ العميق لكلِّ فشل وإخفاق في أية عملية للتنمية الشاملة.

عمليةُ بناءِ الإنسان هي البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ عمليةِ بناءٍ خلّاقة، وما تنشدُه أيةُ تنميةٍ شاملة. رأسُ المالِ البشري المتعلم هو ما يتكفلُ بناءَ دولة مواطنة دستورية حديثة. رأسُ المالِ البشري أثمنُ من كلِّ رأسمال، فمهما امتلكنا من بترولٍ وغيره من مصادر الثروة المادية لن نتفوقَ على مَن يمتلكُ رأسَ المالِ البشري المكوَّن من الخبراء وذوي المهارات المتنوعة. الإنسانُ المتعلم أثمن من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يفوقُ الإنسانَ المتعلم بقيمته في عالَمنا الذي نعيشُ فيه. الاستثمارُ في الإنسان أثمن من كلِّ استثمار، تخلُّفُ البلدان ينشأُ من الفشل في بناء الإنسان، وإدمانِ الكسل. اليابانُ مثلًا تفتقرُ للموارد الطبيعية، لكنها بارعةٌ في بناء الإنسان، تقدّمت اليابانُ بسبب تفوق إنسانها بتكوينه التربوي والقيمي والتعليمي، وتراكم خبراته المهنية، ومثابرتِه على العمل، وارتفاعِ معدل إِنْتاجيَّته كمًّا وكيفًا. سنغافوة أيضًا تفتقر للثروات المادية، لكنها تفوقت على غيرها من البلدان، وقفزت لمعدلات باهرة في التنمية، بسبب أنها وضعت تكوين رأس المال البشري أولويةً في برامجها للتنمية، واعتمدت في ذلك على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، وما أنجزه العقلُ والخبرة البشرية من مكاسبَ مهمة في التربية والتعليم.

تتفشى الأميَّةُ الثقافيةُ والرقمية بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية بشكل مخيف، فقلّما ترى مَن يلاحق ما هو جديدٌ في تخصّصه الأكاديمي، وأقل منه مَن يهتم بمواكبة الإنتاج الفكري بالعربية فضلًا عن غيرِها من اللغات، أو يتعرّف على الأعمال الجادّة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وقليل جدًا مَن يبرع في استعمال التقنيات الرقمية في البحث العلمي وتطوير مهارات التلامذة من جيل الآباء.

منصَّاتُ التواصل الرقمية وتطبيقاتُها المتعدّدةُ والمتنوعةُ تجاوزت دورَ الكتاب التقليدي في التربية والتعليم والتكوين المعرفي، وتغلّبت على مركزيته في البناء الفكري والثقافي. غير أن كثيرًا من التدريسيين من الجيل القديم لا يحضر على منصات التواصل الرقمية، ولا يعرف شيئًا عن معظم تطبيقاتها، وإن حضرَ لا يتخطّى حضورُه الإسهامَ في العلاقات العامة والمناسبات الاجتماعية، ونادرًا ما نعثر على مشاركات نوعية لتدريسيين تعكس ثقافتَهم وتكوينَهم الأكاديمي.

يجهل أغلبُ التدريسيين من جيلي الابتكاراتِ المدهشة للذكاء الاصطناعي، وما يعدُ به من مكاسب عظمى، تتغيرُ بتأثيرها أنماطُ العمل والإنتاج والتسويق، وتختفي مهنٌ مختلفة وتحل محلها مهنٌ بديلة، ويحدث تحول نوعي في وسائل تلقي العلوم والمعارف والفنون والآداب، وتتبدل طرائقُ التدريس ووسائلُ وأساليبُ التعليم، ويطال التغييرُ مختلف مجالات الحياة، فـ “عندما نتحدث عن حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوميّة، فنحن عمليًّا نتحدث عن كلِّ شيء. يشمل ذلك ظهور كومبيوتر قادر على قراءة وثائق مكتوبة بخط اليد، وروبوت يُجري بنفسه عمليات جراحيّة معقدّة وبصورة مستقلة عن التدخّل البشري، وصُنع قاعدة بيانات مكثّفة تتضمن الصفات والسلوكيّات والسجايا الشخصيّة لكل فرد منا، استنادًا إلى كل ما نقرأه أو نكتبه على الإنترنت… ومع التعمّق في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي، ينكشف أمام أعيننا أنه لن يكتفي بمجرد الحلول بدلًا من البشر، بل يستطيع التفكيرَ بطرق يعجز الإنسان عنها. ثمة خوارزميات متطوّرة تستطيع التعامل مع كميّات هائلة من المعلومات، وتتوصّل إلى استنتاج الأنماط الموجودة فيها، ما يجعلها (= الخوارزميات) على أهبة الاستعداد لتغيير المجتمع”[1].

الذكاءُ الاصطناعي معنى جديد لرأسِ المالِ يختلفُ عن المعنى الكلاسيكي له، إنه أثمنُ ثروةٍ يمتلكها الإنسانُ في عالَمنا اليوم، مَنْ يمتلكها يمتلك حاضرَ العالَم، ويتمكن من التحكم بمصائره ومصائر مَن لا يمتلك هذا الذكاء، ومَنْ يفتقدها يفتقد القدرةَ على الحضور في العالَم، مثلما يفتقد القدرةَ على التحكم بمصائره. مهما كانت قيمةُ الثرواتِ المادية فإنها لا تساوي القيمةَ الحقيقيةَ للذكاءِ الاصطناعي، وما يمكن أن ينتجَه من سلعٍ وخدماتٍ ومعطياتٍ معرفيةٍ وماديةٍ متنوعةٍ في مجالاتِ الحياة المختلفة. بلغت القيمة السوقية في 18 – 6 – 2024، لشركة “إنفيديا” المصنعة للرقائق  3.33 تريليون و 333 مليون دولار، بسبب الطلب المتزايد لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الرقائق. وبلغت القيمة السوقية لشركة “مايكروسوفت” 3 تريليونات و 332 مليون دولار، وشركة “أبل” 3 تريليونات و 269 مليون دولار، وشركة “غوغل” 2 تريليون و 186 مليون دولار[2]. وحسب تقديرات خبراء الاقتصاد يُقدَّر أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 إلى 1.8 تريليون دولار، في حين سيبلغ الناتج الاقتصادي للذكاء الاصطناعي 15 تريليون دولار.

تتجلى أميّةُ أساتذة الجامعات بأجلى تمظهراتها بالجهلِ بالذكاء الاصطناعي، وما ينجزه اليوم ويعد به غدًا، والجهلَ بتوظيفِ منصات التواصل وتطبيقاتها المتنوعة، والعجز عن الإفادةِ من ذلك في التكوين المعرفي والثقافي، وعدم استثماره في التنمية العلمية والثقافية والرقمية، والغفلة عن أن مصادرَ المعرفة وطرائقَ تلقِّيها لم تعد كما كانت أمس، ولا أساليب التعليم هي ذاتها. منصاتُ التواصل وتطبيقاتها المتنوعة كسرت احتكارَ الكتاب الورقي، وكلَّ الطرق التقليدية للتكوين المعرفي والثقافي، وتغلبت على وسائل تداولها ونشرها المتعارفة، بل أضحت موازيةً لعملية التكوين الأكاديمي في الجامعات المتوارثة منذ ما يزيد على تسعة قرون، وأراها ستتفوق عليها بعد مدة ليست بعيدة.

ابتكر الذكاءُ الاصطناعي ومنصاتُ التواصل وتطبيقاتُها المتنوعة طرائقَ تدريس بديلةً تعبّر عن هوية عالَمها الوجودية، فصارت من خلالها أدقُّ المباحث وأشدُّها تعقيدًا واضحةً تُفهَم بيسر وسهولة، بأساليب بصرية وسمعية ليست رتيبة أو مملة. أزاحت الأساليبُ الجديدةُ طرائقَ تدريس ميكانيكية توارثتها عدةُ أجيال، وأقعدت معلمين متمرسين فيها عن مهنتهم، لأنها لم تعد مستساغةً للجيل الجديد.

مَن يحرص على التكوين المعرفي والثقافي واللغوي المستمر في أيّ مجال يرغب، يمكنه الظفرُ بمعلمين محترفين متطوعين في مختلف العلوم والمعارف واللغات، ولمختلف المستويات. فمثلًا لا يحتاج مَن يريد تعلّمَ لغة أخرى إلى حضور منتظم في المعاهد المعروفة لتعليم اللغات، لأن بإمكانه العودةَ إلى مواقع متخصّصة في اليوتيوب وغيرِه، تقدّم له تعليمًا ممتازًا مجانيًّا، وهو في بيته، ومن دون أن يتحمّل عناءَ الذهاب إلى مكان آخر، ودون أن ينفق شيئًا من ماله، ويبدّد وقتَه.

بلغ حجمُ الكمية المتدفّقة من البيانات، في مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، حدًّا يفوق قدرةَ الإنسان على مواكبته فضلًا عن استيعابه، لذلك لا يستطيع المتخصِّصون أو الهواة الاطلاعَ إلا على مساحةٍ محدودةٍ جدًّا منه. إذ “ستتجاوز كمية البيانات الرقمية المنتجة خلال السنوات الثماني المقبلة 40 زيتا بايت، وهو ما يعادل 5200 جيجا بايت من البيانات لكلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض. ولوضع الأمور في نصابها 40 زيتا بايت هو 40 تريليون جيجابايت. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية تبلغ 57 ضعفَ عدد كل حبات الرمال على جميع الشواطئ على وجه الأرض. ومن المتوقّع أن تتضاعف جميع البيانات كلّ عامين حتى عام 2020م”[3].

تستثمر اليوم ChatGPT وأمثالُها من تطبيقات الذكاءُ الاصطناعي البياناتِ Data بوصفها منجمًا ثمينًا يجيب عن أسئلة الإنسان ويثري معارفه في مجالات العلوم المتنوعة، والسياسات، والاقتصاد وإدارة الأموال واستثمارها، والحقوق والحريات، والقيم، والأديان، والثقافات والفنون والآداب، وكلِّ شيء. صارت البياناتُ مصدرًا أساسيًا للمعرفة، ولكلِّ شيء في حياة الإنسان ومعاشه، مَن يمتلك كميةً مذهلة من هذه البيانات ويراكمها كلَّ يوم يتفوق غدًا على مَن يفتقر إليها.

النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ اليوم كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في “حالة المابين”، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه إلى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ صيرورة الوجود السيّار المتحرّك لكلِّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه. إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. نمطُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ[4].

 المطيري، غادة، “الذكاء الاصطناعي”، اندبندت عربية 11 يونيو 2019.[1]

 [2]19 جريدة الشرق الأوسط، 19 – 6 – 2024.

أحمد، أبو بكر سلطان، البيانات الضخمة: خصائصها وفرصها وقوتها، الفيصل العلمية، الصادرة بتاريخ 28-11-2017.  [3]

  الرفاعي، د. عبدالجبار، “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير، الطبعة الثانية، 2019، ص 65.[4]

https://alsabaah.iq/98875-.html

 

الهوامل والشوامل في إيقاظ العقلِ الخاملِ بالتَّساؤُل

الهوامل والشوامل

في إيقاظ العقلِ الخاملِ بالتَّساؤُل

د. علي المدَن[1]

افتتاحية العدد الجديد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 79-80، (2024 م- 1445 ه). المجلة تحت الطبع، تصدر عن مركز دراسات الدين في بغداد قريبا. تنشر هذه الافتتاحية بالتزامن مع صدور العدد الجديد للمجلة.

 

1- ثالثة الأثافي

كتبت قبل عشر سنوات مقالًا عن الرفاعي بمناسبة بلوغه الستين وكان عنوان المقال: (من الإسلام السياسي إلى الإيمان النقدي)، تحدَّثتُ فيه عن انتقالة الرفاعي من تجربة “الداعية الأيديولوجي” إلى تجربة “المؤمن النقدي“، حيث يكون الإيمانُ أوسعَ من مجرَّد لفافة عقائدية مغلقة، بل تجربة روحية منفتحة. ثم عدت في افتتاحية العدد المزدوج من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” (59-60) وكتب مقالًا ثانيًا عن محطَّات الوعي لدينا في العراق في دراسة المسألة الدينية، واتخذت من قصة صدور المجلات البحثية حول القضايا المتعلقة بدراسة الدين منطلقًا لتجييل الدراسين الدينيّين عندنا، فذكرت ثلاثَ مجلات، هي: (العلم، والأضواء، وقضايا إسلامية معاصرة)، واعتبرت أن كل مجلة تمثِّل تيارًا في الوَعي بالسُّؤال الديني، له إشكاليته وأسلوبه في دراسة تلك الإشكالية. وها أنا اليوم أعود بمقالٍ ثالث عن الرفاعي وتجربته وهو على بُعد أشهر من إكمالِ عامه السبعين، حيث يجتمع ميلادُه الشخصيُّ بميلاد العددِ “الثمانين” من مجلته/ مجلتنا (قضايا إسلامية معاصرة).

2- التَّداوي بالتفلسف

هناك سؤال كبير حول مهمة الفلسفة وجدواها في الحياة، وقد طُرح هذا السؤالُ بعدة صيغ، منها الشكل الآتي: ماذا تقدم لنا الفلسفة؟ وكيف يمكن لها أن تسهم في تحسين حياتنا البشرية؟ وبنحو أكثر جذرية: هل بقي للفلسفة ما يمكنها الانشغال به أم أن العلوم تكفَّلت بهذه المهمة ولم يعد للفيلسوف مهنة؟ من المتوقع ألا تعجب هذه الأسئلةُ الفلاسفةَ كثيرًا، فلا أحد منهم يقبل أن يكون عاطلًا عن العمل أو عرضةً للاستخفاف والتَّهكُّم! ومن هنا تنوَّعت ردودُ فعل الفلاسفة؛ البعض منهم كان أكثر تواضعًا فقبل الانشغالَ بالموضوعات التي لم يتبلور فيها بعد رأيُ للعلم، والبعض الآخر حاول اختلاقَ مهمة للفيلسوف هي أشبه بالعمل اللغوي، حيث تقتصر وظيفة الفيلسوف على التأكّد من صحة وسلامة استخدامنا للغة في الحياة العلمية والعامة، وفحص دلالات المفردات في مجال التداول البشري بنحو تكون قابلة للتحقّق والاختبار التجريبي. وهناك فئة ثالثة تتحدث عن وظيفة أخرى للفلسفة، وهي اختراع المفاهيم، ودراسة الخيارات الممكنة التي تستحق أن نعيش وفقًا لها، فنحن في النهاية، وهذه هي تجربة الكائن البشري داخل الزمن، مضطرون أن “نختار”، ضمن مساراتٍ محدودةٍ في الغَالب، ما يرسم الباقي من مستقبلنا. إن دراسة الخيار الأفضل، الملائم لأهدافنا، هو عملُ الفيلسوف الحقيقي، هكذا يقول هذا الفريق من الفلاسفة.

مهما يكن، فالشيء الوحيد الذي تجتمع عليه الآراءُ المتقدمة، ويوجد غيرُها بطبيعة الحال، هو أنَّ “التفلسف” قد كفَّ عن الادِّعاءات الضخمة، فلم يعد مسموحًا، لا للفيلسوف ولا غيرِه، الكلام عن المنظومات الفلسفية الشاملة التي تفسّر كلَّ شيء، وتجيب عن كلِّ شيء، وتضع الحلولَ لكلِّ مشكلة. لقد أصيب العقلُ بصَدع كبير، ولم تبق –مبدئيًّا- ثمة فلسفة لكل الناس، ولا ثمة جواب لكل مشكلة. وإذا ما كان للإنسان من “منقذ من الضلال” فهو يتلخص في التركيز المستمر على تحليل “طريقة التفكير السليم” ودرء أكبر قدر ممكن من الأخطاء المحتملة، والتفكير السليم يبدأ أولًا وقبل كلِّ شيء في السّؤال الصحيح.

3- هوامل وشوامل أبي حيان

أنا من القرّاء الذين لا يدقِّقون في أسانيد منقولات التوحيدي؛ لأنني أرى أن المهم في كلامه ليس ما يحكيه بل ما يريد هو قوله. ثم إن التوحيدي، وفي أحيان كثيرة، يضع بلغته الفخمة وبلاغته الفريدة ما يختاره هو على لسان غيره المنقول عنه. من هنا، فإن منقولات التوحيدي تحظى بنفس أهمية آرائه المباشرة، بل وتعبّر عنها في غالب الأحيان. في واحدة من منقولاته يقول على لسان الخليل بن أحمد الفراهيدي: (لا تجزع من السؤال فإنه ينبّهك على علمِ ما لم تعلم). وفي الليلةِ العاشرة من “الإمتاع والمؤانسة” يخصِّص التوحيديُّ حكاياته لـ”نوادر الحيوان“، ويذكر مصدرَه فيقول: إنها جاءت من سماعي و”سؤالي” للعارفين بهذه الموضوعات. وفي الليلة (التاسعة عشرة) نقل عن إبراهيم بن الجنيد قوله: (أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهنّ وإن كان أميرًا)؛ عدَّ منها: (وإن سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول لا أعلم)، ثم كرر النقل نفسه بصيغة أخرى في الليلة (الواحدة والثلاثين)، فقال: (والسؤال عمّا لا يعلم ممن هو أعلم منه). ومن يتتبع كتابات أبي حيان يجده من أكثر الناس شغفًا بالأسئلة، إلى حدِّ أنْ جعل من السؤال شعارَه المفضل ووصيتَه لقرّائه، فقال (اهتكْ سُتورَ الشكِّ بالسّؤال) (البصائر: 6 / 126).

وكما هو معروف فإنَّ خلاصةَ العملِ الكبير الذي قام به أركون في أطروحته (نزعة الأنسنة في الفكر العربي) كانت حول وجود هذه النزعة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وبدل أن تكون كتبُ الفلسفةِ ومصنفاتها التقليدية ميدانَ هذه النزعة والمعبّر عنها؛ رأى أركون أنَّ “الأدب” هو من فعل ذلك، ولهذا اتخذ كتبَ مسكويه والتوحيدي مادةً لبحث وتحليل وملاحقة هذه الفرضية. وبخصوص “الهوامل والشوامل” انتهى أركونُ إلى أنَّ مسكويه لم يكن على نفس المستوى من حساسية ورهافة أسئلة التوحيدي، فبينما كان الأخيرُ قلقًا وإشكاليًّا، يبحث عمن “يعرف الفَحْوَى ويَلْحَق المَرْمَى” من هوامله (انظر المسألة الخامسة) نجد أن مسكويه يبدو واثقًا بعدّته العقليَّة التحليلية ويجيب بوثوقية عالية؛ متوقعًا أنْ يُفْضِيَ التوحيديُّ بـ “شَوَامِلِه” إلَى بَرْدِ اليقين.

لم تكن أسئلةُ التوحيدي خاصةً بعصرها، بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن حاجة إنسان القرن العاشر الميلادي فقط، فحتى نحن، وبعد أكثر من ألف سنة من رحيل التوحيدي، ما زلنا نتساءل معه نفس الأسئلة. وما يميز أسئلةَ أبي حيان أمران:

(الأول) أنه جعل الإنسانَ محورها دون اعتبار لأي دين أو عرق أو منطقة، فتساءل عن أحواله كلِّها؛ في علاقته بالمعرفة (مسألة 62)، وفي انصرافه عمّا يجهل (مسألة ١٥)، وفي حبه للعاجلة (مسألة ٥٥)، وفي شوقه لما مضى (مسألة ٦)، وفي تواصيه بالزهد ثم حرصه على الدنيا (مسألة ٤)، وفي تَحَاثِّه على كتمان الأسرار ثم هتكه لها بالإفشاء (مسألة ٢)، وفي حيائه من القبيح ثم تبجحه به (مسألة ٨) … إلى غير ذلك من حالات الإنسان النفسية والاجتماعية والمعرفية (سياسته، غضبه، فرحه، إلفته، مديحه، تصابيه، خياله، إشمئزازه، حسده، نظافته ووسخه، انقياده وتمرده، خوفه، خبثه، بذاءته، احتياله، عدوانه، جده وهزله، ضجره وقسوته، تشاؤمه وتهكمه، جبنه ورعونته، عفته وخلاعته، وخفته ووقاره …) إلى ما يفوق العد والإحصاء من الحالات التي تناولها أبو حيان حتى قال هو نفسه عن الإنسان في كلمة خالدة: (إن الإنسانَ قد أُشْكِلَ عليه الإنسانُ) (مسألة ٦٨).

والأمر (الثاني) الذي يميز أسئلةَ أبي حيان هو “أشكلتُه” للقضايا التي جعلها موضعًا للتساؤل، فهو لا يعتبر تلك القضايا مجردَ موضوعاتٍ “بحثيَّة” يمكن الإجابة عنها بالمتوفر من معلومات شائعة، بل يضع نفس تلك المعلومات موضع بحث وتحرٍّ فيدعو إلى (تحديد نظر وتجديد اعتبار) (مسألة ٥٥)، وهو يقصد إعادة تعريف المشكلة محلّ السؤال وتجديد أساليب الاستدلال فيها. أما النتيجة، فستكون كما قال: (وإذا تنفَّس الاعتبارُ أدى إلى طرق مختلفة) (مسألة ٤٩) وهذا ما يبحث عنه التوحيدي: (الطرق المختلفة)، لذا كان آخر سؤال له في “هوامله” عن تنقُّل الإنسان بين المذاهب الفكرية وما يعنيه ذلك أو ما يستلزمه من الخروج عنها جميعًا (مسألة ١٧٥).

٤- هواملُ وشواملُ الرفاعي

على مدى أكثر من سبعة وعشرين عامًا (١٩٩٧ – ٢٠٢٤) احتوت مجلةُ “قضايا إسلامية معاصرة” على (١١٣) حوارًا منفردًا (أقصد بـ “المنفرد” غير تلك الحوارات العامة في الندوات النقاشية المشتركة)، كانت حصةُ الرفاعي وَحْدَه منها (٦٢) حوارًا، أي أكثر من نصف الحوارات. امتازت هذه المادة الغزيرة من الأسئلة بأمور، منها:

أولًا: أنها شيَّدت جسرًا من التثاقف بين نخبة كبيرة من المثقفين في العالم العربي وإيران والغرب (من بين الأسماء العربية نذكر: محمد أركون، حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، عبد المعطى بيومي، محمد حسن الأمين، محمد حسين فضل الله، عبد الهادي الفضلي، محمود البستاني، طه عبد الرحمن، عبد الوهاب المسيري، فتحي المسكيني، علي حرب، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي، وجيه كوثراني، هاني فحص، تركي الحمد، محمد أبو القاسم حاج حمد، السيد ولد أباه، محمد عابد الجابري، احميدة النيفر، نادر كاظم، هشام داود، أبو يعرب المرزوقي، برهان غليون، عبدالله إبراهيم، ماجد الغرباوي، غالب الشابندر … إلخ. ومن الأسماء الإيرانية: مصطفى ملكيان، داريوش شايغان، حسين نصر، صادق لاريجاني، محمد مجتهد شبستري، عبد الكريم سروش، محسن كديور، محمد علي التسخيري، عبد الله جوادي آملي … إلخ. ومن الغربيين: يورغن هابرماس، ريتشارد بورك هوفر، ستيفن ايفانز، محمد ليغنهاوزن).

ثانيًا: أنها وضعت جميع الاتجاهات الفكرية في ندِّية متقابلة؛ فيها الكثير من التعارف والهموم البحثية المشتركة دون قطيعة أو رفض مسبّق.

ثالثًا: أنها تشكل سيرةً لتطور الحياة الفكرية عند جيل كبير من المثقفين العراقيين الإسلاميين، وبنحو خاص سيرة الرفاعي الذاتية، في المنفى الإيراني ثم في العراق بعد ٢٠٠٣. يمكن التعامل مع تلك الأسئلة ليس فقط كاشتغال للعقل في موضوعات إشكالية وتحوّلات هذا الاشتغال وتطوراته بل واستجابة للتحديات التي عاشها هذا الجيلُ في سياقٍ خاص داخل الزمان والمكان، وعلى لسان الرفاعي بوصفه أحدَ أهمّ ممثلي هذا الجيل.

٥ – التساؤل بوصفه سيرةً ذاتية

يوضح الرفاعي علاقةَ الأسئلة بالتفكير الأيديولوجي فيقول: (الأيديولوجيا تقوض الأسئلة المفتوحة؛ لذلك لا يبقى في فضائها أيُّ سؤال مفتوح، وتحرص أن تقدم إجاباتٍ جاهزةً لكل سؤال مهما كان). يعتبر الرفاعي فكرةَ الإجابات الجاهزة عن كل سؤال “منطقًا تبسيطيًّا” للتفكير الأيديولوجي الذي يعطل “التفكيرَ التساؤليَّ الحرَّ المغامرَ“، ثم يشير في المقابل إلى دورِ ووظيفةِ التساؤل في الحياة الفكرية، فيكتب: (لا يتطور المجتمع ما لم يكن تفكيره تساؤليًّا على الدوام. التفكير التساؤلي هو الذي يمكِّننا من الوصول إلى ما هو ممنوع التفكير فيه) (التأكيد في النص مني). ويضيف: (وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية: إنها تفتح أفق النقد والمراجعة، وتدعو العقل لفضح الأخطاء، تلك الأخطاء التي كانت لزمن طويل تعد من الحقائق واليقينيات النهائية) (التأكيد في النص مني، راجع “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ط٤: ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥).

بناء على ذلك يحقّ لنا التساؤلُ حول أسئلة الرفاعي نفسها: إلى أي حد يمكن اعتبارُها “مدخلَه الخاصَّ” للوصول إلى “الممنوع من التفكير فيه“؟ “الممنوع” الذي كان الرفاعي، ومِن خلفه الجيل الذي ينتمي إليه، يعيش فيه ويتحرك في دائرتِه؟ وهل كانت أسئلتُه “فاضحةً” للأخطاء؟ وما هي طبيعة تلك الأخطاء ومجالها؟

في موضع آخر يتحدث الرفاعي عن ارتباط علم الكلام الإسلامي بالعصر الذي ولد فيه، فيرى أن هذا العلم هو تعبير عن أسئلة المجتمعات الإسلامية القديمة وما واجهته من تحديات، ثم يصف تلك المقولاتِ والآراءَ المنبثقةَ عن تلك الأسئلةِ بأنها (لا تعرف أسئلة حياتنا الراهنة، الأسئلة المنبثقة من تحديات وهموم ونمط حياة يختلف عن نمط الحياة الذي انبثقت عنه التحدياتُ الماضيةُ اختلافًا تامًّا) (مقدمة في علم الكلام الجديد، ٢٠٢٣: ٤٩).

والسؤال هنا أيضًا: ماذا تكشف أسئلةُ الرفاعي من “تحدياتٍ، وهمومٍ، ونمطِ حياةٍ مختلف” في تجربة مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وخصوصًا في مرحلتَي المنفى الإيراني وما تلاه في تجربة العراق بعد ٢٠٠٣؟

أخيرًا، وفي موضع ثالث غير ما تقدم، يتناول الرفاعيُّ علاقةَ المتكلم الجديد بـ”الحسّ التاريخي“، وبالرغم من إيمانه بوجود نمطٍ من الأسئلة يسميها بـ(الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى) لا يمكن التوصل إلى أجوبة نهائية بشأنها، وهي تحديدًا ما يختص الدينُ بالإجابة عنها (مقدمة، ٢٠٢٣: ٢١، ١٠٤، ١٩٣)، فإنه ينفي عن الشيخ محمد عبده أن يكون “متكلمًا جديدًا”، والسبب في رأيه هو أن عبده يفتقد لهذا “الحسّ”، الذي يعني الوعيَ بالعصر وتحولاته العميقة في المعرفة ومكانة الوحي فيها، وبالتالي فهم وظائف الدين القديمة، ليقول في النهاية: (ولا يمكن أن يتحرر كلُّ فهم للدين ونصوصه من الأفق التاريخي الذي ينبثق فيه) (الدين والظمأ الأنطولوجي، ٢٠٢٣: ١٣١، ١٤٢).

والسؤال هنا: ما هو “التاريخي” في الدين الذي كشفتْه أسئلةُ الرفاعي؟ وهل تنامى فيها هذا الحس التاريخي؟

٦ – المسكوت عنه في الأسئلة

كأيِّ كاتبٍ محترفٍ يبرع الرفاعي في تجريد المشاكل التي يدرسها. يتمثل التجريد هنا بطرح المشكلة (أي مشكلة كانت) كسؤال نظري تتوارى خلفه المشاكلُ التي بعثتْه في أرض الواقع، حتى يبدو الكاتبُ وكأنه مجرد “عقل محض” يفكر ويتساءل ويحلِّل وينظّر بمعزل عن الإكراهات والإلزامات التي دفعت بتلك المشاكل إلى صدارة اهتمامه وعنايته. إن هذا التجريد يعقّد مهمة الباحث الذي يريد إفراغَ تلك الكتابة من طابعها التجريدي وإنزالها موضعَها التاريخي، لأنه سيكون بحاجة إلى دراية دقيقة بذاك الواقعِ المتواري لكي يفهم ما سكت عنه صاحبُ النصّ. فلنلاحظ هذه الجملة كمثال على الجُمل التجريدية: (تطور الفكر الإنساني في كل العصور يقترن دائمًا بالأسئلة الكبرى، الأسئلةِ الحائرة، الأسئلةِ القلقة، الأسئلةِ الصعبة، الأسئلةِ التي تتوالد من الإجابة عنها أسئلةٌ جديدةٌ) (مقدمة، ٢٠٢٣: ١٠٢). إن هذه الجملة الفخمة تبدو لي عاليةَ التجريد، لأنها لا تبوح بالأجواء التي تخلق تلك الأسئلة (الكبرى، الحائرة، القلقة، الصعبة، الولود).

والآن إذا ما أردنا الإجابةَ عن الأسئلة التي أثرناها في الفقرة السابقة حول قضايا (١- الممنوع التفكير فيه، ٢- هموم ونمط الحياة، ٣- الحس التاريخي) كما تكشفه “هواملُ الرفاعي” في مسيرةِ مجلةِ “قضايا إسلامية معاصرة”، فإن هذا يتطلب منا كتابةَ سيرته الفكرية، وبالتبع سيرة الجيل الذي ينتمي إليه، طيلة المدة التي مهّدت لولادة المجلة وفي جميع المراحل التي مرت بها. وهذه وإن كانت مهمةً جليلةً، خصوصًا في ظل النقص الكبير الذي نعاني منه في مجال الدراسات التاريخية المعنية بتجييل المثقفين الدينيين في بلدنا (العراق)، إلا أنني لن أترك الموضوعَ لغيري تمامًا، بل سأثير عدةَ نقاط مجملة في فهم هذه القضية التاريخية راجيًا أن تساعد هذه النقاطُ الباحثين المهتمين بأمثال هذه الأبحاث في تطوير دراسةِ الموضوع.

1-  ذكرتُ سابقًا أنَّ عددَ حواراتِ المجلةِ بلغتْ (١١٣) حوارًا، وأن حصة الرفاعي منها -إذا ما استثنينا تلك الحوارات المترجمة-في حدود (٦٢). وفي تقديري أن تلك الأسئلة والحوارات تكشف عن وجود ثلاث مراحل؛ وهي: ١- مرحلة التفكير بالتراث من داخل التراث، و ٢- مرحلة أشكلة التراث ومساءلته، و ٣- مرحلة تحويل التراث إلى مادةٍ بحثية تخضع للمتاح من المعرفة البشرية، ومن ثمة القطيعة مع المناهج التراثية كافة.

2- كانت المرحلةُ الأولى من أسئلة الرفاعي مخصصةً للفكر السياسي الإسلامي، ومفهومِ الدولة فيه، وشكل النظام السياسي، وحين تَساءل عن الديمقراطية ربطَها بالبيئة الغربية ومجتمعاتها الداخلية، ولكنه مع ذلك أثار قضيةَ انتخاب الحاكم الإسلامي، ومسألة البيعة وتشكيل الأحزاب، وحدود الحريات في النظرية الإسلامية (انظر: حواره مع محمد باقر الحكيم، ومحمد حسن الأمين في العدد الثاني). وهذه الأسئلة وإن كانت جريئة في ظل نظام سياسي ديني يدير الدولةَ الإيرانية، ولكنها تمثل جزءًا مألوفًا من المشهد الثقافي الإيراني، الذي بدأ حينها بطرح هذه الأسئلةِ (يتضح هذا من حواراتِ العدد الأول الثلاثة المترجمة عن الفارسية؛ والتي تحدّث فيها ثلاثةٌ من أبرز الباحثين السياسيين الإيرانيين عن الموضوع، هم: عباس عميد زنجاني، حسين بشيريه، محمد جواد لاريجاني).

3-  في المرحلة ذاتها نجد ثمة انفتاحًا حذرًا على المشاريع الفكرية العربية في قراءة التراث، ومحاولة التعرّف على المشهد الثقافي العربي (كان هذا مرتبطًا بمطلع عقد التسيعنيات بعد انتهاء “الحرب العراقية/ الإيرانية”، وتدفّق الكتاب العربي على إيران واشتهاره في جامعاتها ونواديها الثقافية)، وفيها بداية التساؤل عن إعادة تعريف الغرب: هل هو استعماري فقط أم أن هناك أشكالًا أخرى للغرب يتمايز فيها التاريخيُّ الاستعماريُّ عن “الديمقراطيِّ المعاصر” (حوارات العدد الثالث، وخصوصًا مع محمد حسن الأمين).

4-  كانت مسألةُ فهم النصوص المقدسة حاضرةً في العدد الرابع المخصص لاتجاهات التفسير، والحوار كلّه مع إسلاميين صميمين (محمود البستاني، وجودت سعيد) ولكن السؤال المركزيَّ هو (ما هو الموقف من اتجاهات التفسير الحديثة التي تربط النصَّ بأفقه وبيئته وقارئه؟).

5-  تستمر أسئلةُ الرفاعي في الأعداد التالية عن التراث ونصوصه المقدسة، محاولًا منحَ النقد والمراجعة مشروعة من داخل التراث؛ فتعدُّد القراءات يقابلها انفتاحُ التجربة الإسلامية على النقد، وشرعية الاتجاهات الحديثة في التَّعاطي مع النصّ يأتي في سياق بلورة نظرية إسلامية للنقد، ونقد الممارسة السياسية يتغذى من تجربة الأنبياء في تقوبم سلوك المجتمعات الغابرة (انظر حوارات العدد الخامس، ١٩٩٩).

6-  حظِيت مسائلُ فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة بتغطية موسعة في أسئلة هذه المرحلة (الأعداد ٧ إلى ١٣). ولكن مع العدد ١٤ فصاعدًا يبدأ الانفتاحُ على فئةٍ أخرى من الإسلاميين (حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، محمد حسين فضل الله، طه عبد الرحمن، وغيرهم) حول علم الكلام الجديد والسؤال عن مجاله وإشكاليّاته، والخشية من نزعته “الالتقاطية”. نحتاج أن نصل إلى العدد المزدوج (٢٠-٢١) حتى يبدأ الكلامُ عن (التسامح ومنابع سوء التفاهم) مع محمد أركون، ولكنَّ ذلك لا يمضي دون مساءلةٍ لفكرة “تعدد المناهج” ومخاطر التعمية في التحليل، ومسألة علاقة البحث التاريخي بالتوراة والإنجيل دون القران (تتم الاستعانة هنا بأعمال طه عبد الرحمن)، ونقد التجربة العلمانية، وأمور أخرى كانت بمثابة النقد العنيف لأركون (ينبغي التذكيرُ أن سعيد شبار هو من أجرى الحوار مع أركون، وليس واضحًا مقدار اجتهاده في طرح الأسئلة أو حتى استقلاله الكامل فيها).

7-  تشهد خاتمةُ هذا المرحلة مع الأعداد (٢٣) حيث بقيت الحواراتُ تستضيف المسيري ليتحدث عن “انحيازات المعرفة“، وحديث التحرير (الرفاعي نفسه) عن (استيعاب النقد للتراث والمعرفة الحديثة) والاستيعاب هنا يعني الشمول، وكأن النقد للتراث يصاحبه نقدٌ للمعرفة الحديثة (التي وصفها المسيري بالمنحازة، وفي نفس السياق تأتي الحواراتُ مع عبد الله إبراهيم عن “المركزية الغربية”).

8-  تبدأ المرحلة الثانية من الأسئلة في العدد (٢٤-٢٥) الذي يتزامن مع تغيير النظام السياسي في العراق (صدر العدد في صيف/ خريف عام ٢٠٠٣). تُدشّن هذه المرحلة بالحوار مع الجابري والشرفي (هناك تمييز بين لغة الحوارَين يحملني على تأكيد اجتهادِ سعيد شبار في الحوار مع الجابري، لأنه ما زال يتحدَّث عن “حقيقةِ” الصحوة الإسلامية! وهو ما يختلف تمامًا عن الحوار مع الشرفي الذي أجراه الرفاعي، وينص على نظرة الإسلاميين السكونية ذات الطابع الجدلي، وعدم وجود هويات نقية، ونزعة الأيديولوجيا في تفكير الإسلاميين). أما العدد (٣٣-٣٤) فيصعد بالنقد حدًّا أعلى مع محمد الطالبي حينما يبتدئ في وضع مسألة إمكان حوار المسلم، الساكن داخل ديانته الخاصة، مع الأديان الأخرى موضع تساؤل جذري.

9-  لن تتأخر المرحلة الثالثة من الأسئلة كثيراً، إذ يبدو أن انفجار العنف في العراق قد أتى متزامنًا مع صدور العدد (٣٧-٣٨) الذي حمل حوارًا مع برهان غليون تحت عنوان (حين تنحسر الثقافةُ ينفجر العنف). في هذا الحوار تحديدًا يبدأ الحديثُ عن فشل مشروع التحديث، وعن العنف العدواني الذي نشأ عن هذا الفشل، وضرورة “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين” وأن الموقف التعبوي في التعامل مع الغرب، وثقافته، ومناهجه، وفكره، وقيمه، وفهمه للحقوق والحريات هو الذي أفضى إلى أجواء الاحتراب التي نشهدها.

10- منذ الحوار الأخير مع غليون، ومرورًا بالحوار الغنيّ جدًّا مع محمد أركون في العدد (٤٣-٤٤) (٢٠١١)، ستنتقل أسئلةُ الرفاعي إلى مرحلة الاكتمال والنضج كما تمثلها مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)، وسلسلة مؤلفات الرفاعي حول الدين (الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية … إلخ)؛ تتخلص الأسئلةُ في هذه المرحلة من سطوة التراث ومناهجه (يتزامن هذا مع استقرار الرفاعي في العراق سكنًا ووظيفةً) ولا تتردد في تحويله إلى مادة تاريخية يُعاد تفكيكُها وتحليلها وفقًا للمعرفة البشرية، بل وتتجه المجلةُ إلى نقل حواراتِ الباحثين الغربيين في المسألة الدينية دون غضاضة.

٧ – رحلة استعادة الأسئلة واليقظة العقلية

لقد عكست هذه الأسئلة مراحل شاقة من التفكير والتحرر من ثقل التراث؛ فبعد أن بدأت بالسؤال عن الإصلاح الفكري من داخل التراث وبمناهجه، انتهت المسيرةُ في عام ٢٠٢٤ إلى أن يكتب الرفاعي عن (مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث)؛ الكتاب الذي يمثّل مراجعةً نقديةً للكثير مما كان يتبناه الرفاعي نفسه، بل وتحررًا من الأسئلة القديمة التي كان الرفاعي يطرحها على الأشخاص ذاتهم، الذين ينتقدهم في هذا الكتاب: (حسن حنفي، ومحمد عمارة، وجودت سعيد، وداريوش شايغان، وغيرهم).

يطيب لي أن أختم هذه السطور بثلاثة اقتباسات تختصر تحولاتِ الرفاعي مع الأسئلة، اثنان منهما وردا في الكتاب المذكور، والثالث في آخر مقال كتبه إبان تدويننا هذا البحث؛ في الاقتباس (الأول) يتحدث الرفاعي عن علاقته بـكتابات “سيد قطب” وما تركه كتابُ “معالم في الطريق” في نفسه حول مصير “الأسئلة”، وفي (الثاني) يشير إلى مآلات الرفاعي بعد رحلته مع الأسئلة في المهجر، وكيف استقبله أصدقاؤه القدامى بعد طول انقطاع. أما (الثالث) فيوضح نتيجة هذه الرحلة للرفاعي، وهي الشعورُ العميق بضخامة الكينونة البشرية وضرورة مقابلتها بـ “تواضع” حيث تتحول الأسئلة إلى “مهنة” شخصية تقوم على مهمة “دحض” الأجوبة الخاطئة. ومن الاقتباسات هذه يتضح أن هذه الأسئلة التي سلّطنا الضوء عليها كانت “استعادة” للتفكير النقدي الذي دثرته التنظيرات الأيديولوجية الإسلامية من جهة، ويقظة للعقل السليم وُلدت في أحضان تجربة مؤلمة مع المنفى من جهة ثانية. إنَّ ما يميز انتقالة الرفاعي، التي تحدثت عنها في أول مقال لنا قبل عقد، هو ذاته ما أسميناه حينها بـ “تجربة الإيمان النقدي“، من جهة ثالثة.

وإليكم الاقتباسات الثلاثة:

الاقتباس الأول:

(كنتُ معذبًا محرومًا فاختطفني “معالم في الطريق”. سيد قطب أديب ساحر، يتقن كتابة الأناشيد التعبوية للمراهقين البؤساء أمثالي. أناشيد تذكي العواطف، توقد المشاعر، تعطّل العقل، يتوقف عندها التفكير النقدي، وتموت في كلماتها كلُّ الأسئلة) (مفارقات وأضداد، ٢٠٢٤: ١٦٢).

الاقتباس الثاني:

(في أول زيارة للوطن شهر حزيران ٢٠٠٣، بعد غياب نحو ربع قرن في المنفى، التقيتُ بعد عودتي بأصدقاء من الذين مكثوا مرابطين في العراق. كانوا يسألون كثيرًا في الدين أسئلة متنوعة، فوجئوا بجوابي عن شيء من أسئلتهم، قائلين بأنها لا تتطابق مع ما كنت أقوله لهم سنوات السبعينيات من القرن الماضي. قلت لهم: هذه علامة سلامة عقلية. العقل الذي يواصل إثارة الأسئلة العميقة، ومراجعة القناعات الراسخة، ومساءلة ما يقرأ ويتعلم، هو عقل يَقِظ) (مفارقات وأضداد: 85، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، 2005: 5-6).

الاقتباس الثالث:

(في الكتابة عن هذا الموضوع [يقصد المتخيّل الديني] وغيره أقترح إجابات، لم أراهن يومًا على أنها جزمية أو نهائية. القارئ الذكي يتنبه إلى أن كتابتي تحاول إثارةَ الأسئلة، أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. هذه الأسئلةُ أسئلتي الشخصية، فقد كنت ومازلت مشغولًا بأسئلة الوجود، وأسئلة المعنى. في أسئلتي أفكّر عدة سنوات، وألاحق كلَّ كتاب ومعلومة حولها، وأقرأ كلَّ شيء أظفر به يتناولها، وأسعى لاكتشاف الطرق المتنوعة لتفسيرها والجواب عنها، وأحاول أخيرًا تقديم تفسيري وجوابي. من يراقب سيرتي الفكرية يرى كيف عبرَ عقلي عدةَ محطات ولم يتوقف، بفضل تلك الأسئلة. ليست هذه الرحلة الشيقة عبر المحطات إلا سلسلة دحض للأجوبة الخاطئة عن أسئلة الوجود والمعنى في حياتي). (جريدة الصباح البغدادية، الصادرة بتاريخ 28-4-2024).

[1] كاتب وباحث عراقي متمرس في الفلسفة الإسلامية والدراسات الشيعية.

 

https://alsabaah.iq/95683-.html

الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان

الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الوجهُ نافذة الدخول الأولى إلى الإنسان، وهو من أهم نوافذ الدخول إلى مشاعره وقلبه. نرى إنسانًا للوهلة الأولى وكأن وجهَه مصباحٌ يضيء باطنَه، أو نرى وجهَ إنسانٍ مُلتبِسًا مبهمًا غامضًا. الوجه مفتاح بوابة شخصية الإنسان، يأخذنا الوجهُ في رحلة اكتشاف شيءٍ من اللامرئي في الإنسان. الوجه بوصلة التفاعل الإنساني والتواصل الأخلاقي بين إنسان وإنسان، الوجه مرآة يرتسم فيها شيءٌ من فرادة كلِّ فردٍ وتميزِه عن غيره. ‏في الوجه يتكشف شيءٌ من المعنى الأخلاقي والروحي الذي يمكن أن يمنحه كلُّ إنسان لغيره، في الوجه نقرأ ما يرشدنا لكيفية التواصلِ الإنساني وإدارةِ العلاقة مع البشر. عندما نلتقي إنسانًا أول ما نلتقي وجهَه قبلَ كلّ شيء، الوجهُ ضوءٌ غالبًا ما يكون الأوضحَ تعبيرًا، والأشدَّ تأثيرًا في العلاقات الإنسانية. الوجهُ مرآةٌ لا يمكن رؤيةُ الإنسان والتوغلُ إلى عالمه الجواني إلا من خلالها. العلاقاتُ الإنسانية العميقة الوجهُ من أسرع مفاتيحها، ‏الحُبّ الذي هو أعذبُ وأغنى علاقة إنسانية الوجه من مفاتيحه الأساسية.

الوجهُ بقدر ما هو قناعٌ يحجب شخصيةَ الإنسان، هو مصباحٌ يضيء ما في داخل الإنسان، التمييز بين الحالتين يتطلب فراسةً وحدسًا وخبرةً لتمييز الوجهِ المخادع المتصنِّع والوجهِ العفوي الصافي الصادق. تعبيرات الوجه تؤثر في قراراتنا حيال مَن نتعامل معه، أحيانًا يكون أثرُها حاسمًا في نوع الموقف الذي نتخذه بالإقدام أو الإحجام. تعبيرات الوجه مختلفة، أحيانًا يعكس تعبيرُ الوجه الفعلَ وأخرى يعكس الترك، أحيانًا يعكس النورَ وأخرى يعكس الظلام، أحيانًا يعكس القبولَ وأخرى يعكس الرفض، أحيانًا يعكس الإعجابَ وأخرى يعكس النفور، أحيانًا يعكس الإقبالَ وأخرى يعكس الإدبار، أحيانًا يعكس السكينةَ وأخرى يعكس القلق، أحيانًا يعكس الطمأنينةَ وأخرى يعكس الفزع، أحيانًا يعكس الوجومَ وأخرى يعكس الإفصاح.

الوجه هو الأفق الأخلاقي للتواصل في رأي الفيلسوف الفرنسي من أصل لتواني (1906-1995) إيمانويل ليفيناس. الأخلاق محور فلسفة ليفيناس، تبدأ فلسفتُه بالأخلاق، فهي الفلسفة الأولى قبل الأنطولوجيا. أعلى من وظيفةِ الأخلاق بنحوٍ احتلت مكانةً تتفوق فيها على كلِّ شيء. جعل الوجهَ مفتاحَها، من ملامحِ الوجه يمكن التعرّفُ على الإنسان واكتشافُ شخصيته وفهمُ كيفية التواصل معه، بنحوٍ صار “شاغله الأساسي هو ترسيم علاقة (الوجه-لوجه) الأخلاقية بالآخر”[1]. يركز ليفيناس على الوجه لفهم العلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعي، إذ يقول: “فالوجه هو الذي يبدأ كل خطاب، وكل إمكانية للخطاب، بما فيه ذلك الذي يعبر عن المسؤولية التي ستقوم عليها العلاقة الأساسية بين الأنا والآخر”[2].

بعض الناس الباطنيين العاجزين عن التعبير عن مشاعرهم يبدو أحيانًا وجهُهم كأنه ممحوٌ لا تظهر عليه أيةُ ملامح، أو يبدو مظلمًا، أو يبدو كأنه شبحٌ مخيف، لا يعرف هذا الوجهُ الابتسامة، وغالبًا لا تظهر عليه آثارُ التعجب والدهشة والانفعال والتفاعل. الوجه العاجز عن التعبير عن عواطف صادقة يعجز عن بناء علاقات عميقة. العلاقات منبعُها الأساسي العواطف، العواطف الصادقة تنبعث وتتغذى من الكلمات المبهجة وتعبيرات الوجه بالبشرى والابتسامة. ابتسامةُ الوجه من شأنها أن تضىءَ قلبَ مَن تتعامل معه، وتجعل حضورَنا وتأثيرَنا أسرع في حياة مَن نتواصل معه. في: “دراسة أعدتها جامعة تينيسي الأميركية، ونشرت في 2019، أظهرت أن الابتسامة يمكن أن تجعلنا نشعر بالسعادة. حيث قام الباحثون بتحليل نتائج 138 دراسة شملت 11 ألف شخص، وأجريت على مدار 50 عاما الماضية، وتوصلوا إلى أن الابتسامة -وإن لم تكن تلقائية – تولد قدرا من السعادة والفرح أو البهجة. ولا يعني ذلك -حسب المجلة – أن الابتسامة وحدها يمكن أن تخرجنا من حالات الاكتئاب والحزن، إلا أنها خطوة جيدة كمرحلة أولى نحو التخلص من المشاعر السلبية”[3]. و “نشر آلان كوينِ وداشر كيلتنر وكلاهما بجامعة كاليفورنيا في بيركلي بحثاً عام 2018 في مجلة (أميركان سايكولوجست)، خلص إلى أن إشارات الوجه والجسم معا يمكن أن تؤشر على ما لا يقل عن 28 صفة مميزة من المشاعر اليومية على الأقل في البالغين الغربيين. وهذه تشتمل على الكبرياء والخجل والرغبة والتسلية. ويقولان، إن هناك الكثير من أنواع الابتسامة المتنوعة التي تظهر على حالات أكثر تحديداً، مثل التسلية، والرغبة، والحب، والاهتمام، والرهبة، والتعاطف”[4].

يشكو لي إنسانٌ عاطفي من صديق له، يبخل عليه دائمًا بكلمة طيبة، ويستخفّ بمنجزه ولا يكترث به، وعندما يتحدث إليه ينظر إليه بوجهٍ متجهم يشي باستخفاف واستفهامات إنكارية، وينشغل بإظهار تفوقه عليه. يتكلم بنبرةٍ حادة ولغةٍ تسلطية متعالية كالذي يصدر أوامرَ عسكرية، يستعمل كلماتٍ قاسية بلا أن يكترث بمشاعر مَن يصغي إليه. يقول إذا أهديتُ له كتابًا ظهرتْ على وجهه حالةُ سخرية وقرف، ولا يترك هذه الفرصةَ قبل أن يسمعني كلماتِ ازدراء، تشعرني بتفاهة كتابتي وهزالتها وبؤس تفكيري. هذا الإنسان دائم الحديث عن كتاباته وذاته المتورمة، يترقب من الكلِّ تبجيلَ منجزه والاحتفاءَ به من دون أن يبجّل منجزَ أحدٍ أو يحتفي به.

لفراط إعجابي عند قراءتي كتاباتِ كاتبٍ تورطتُ بعلاقةٍ معه في مرحلةٍ مبكرة من عمري، كان الرجلُ غريبَ الأطوار، نادرًا ما يبتسم. وجهُه مظلم مكفهر مكتئب حانق طوال الوقت الذي تجلس معه، لا تسمع منه إلا الشكوى من تضييع مكانته، وتجاهلَ القراء لكتاباته، وتقديمَهم لغيره على الرغم من أنه هو الأعمق والأكفأ والأشد انتماءً لوطنه. لم أسمع منه ذكرًا لإنسانٍ بخير إلا في حالات نادرة، ولو ذكر أحدًا مرة بخيرٍ يعود لينتقم منه بمناسبة وغير مناسبة في مرات لاحقة. يسلق لسانُه كلَّ اسمٍ يرد بخاطره، مسكونٌ بملاحقة الناس بالاتهامات والازدراء، لا يكفّ عن ممارسة تبخيس الناس حقوقهم، كأنه مصابٌ بالإدمان على هجاء الناس، لا يستطيع الخلاصَ من الانشغال بالحديث الممقوت عن غيره مادمتُ جالسًا معه. حين تحتفي به لا تصدر منه أيةُ اشارةٍ للاحتفاء بك، لا يبادلك أيةَ مشاعر تعكس الودَّ والامتنان. متى جلستَ معه لا يعطيك فرصةً للتحدث، وإن قاطعته ينزعج وربما يتصرف بلا تهذيب. بعد مدة غادرتُ هذه العلاقةَ المنهِكة، لم أتخذ موقفًا سلبيًا من الرجل، ولم أعد أذكرُه لا بلساني ولا حتى بذهني، إلا أن يذكرني به غيري. شطبتُه من ذاكرتي إلى الأبد، عندما وجدتُ نفسي متى جلستُ معه أخرج وأنا حزين متذمّر، غاضب من هجائه المبتذل. ينطلق هذا الإنسانُ من مديونيةٍ متوَّهمة له في أعناق الناس، يحسب أن وظيفة الناس اكرامه واحترامه من دون أن يكرم أحدًا بشيءٍ أو يحترمه. لم يعرف عنه يومًا أنه بادر بكلمةٍ طيبة أو موقفٍ جميل. الحياة مديونيات متبادلة، الإنسان محكومٌ باحتياجاته المتنوعة، احتياجُه للمعنى عميق، يترقب كلُّ إنسان من الصلات خارج إطار العمل المهني والوظيفي والتجاري، أن تشبع الصلةُ بغيرة شيئًا من حاجته الأبدية للمعنى. أولئك الذين يحسبون أن لهم مديونيةً على الخلق من دون أن يقدّموا لهم شيئًا ماديًا، ولم يضيفوا لحياتهم أيَّ معنى روحي أو أخلاقي أو جمالي، تجفُّ روافدُ علاقاتهم بغيرهم ويهجرهم أقربُ الناس إليهم بالتدريج.

هناك فرقٌ بين التعاملِ الاجتماعي مع الإنسان، وبين فهمِ الإنسان وتفسيرِ سلوكه وتناقضاته بعمق. فهمُ الإنسان يجب أن يكون في ضوء الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتربية، ومعطيات العلوم والمعارف الحديثة المختلفة. التعامل الاجتماعي مع الإنسان يجب أن ينضبط بالمعايير الأخلاقية، الضمير الأخلاقي يفرض علينا أن نعامل الناسَ بالحسنى، حتى لو كان مَن نتعامل معه لا ينضبط سلوكُه بمعايير أخلاقية، إن كان كاذبًا فكنْ أنت صادقًا، إن كان خائنًا فكنْ أنت أمينًا، إن كان مراوغًا فكنْ أنت مستقيمًا، إن كان مدلسًا فكنْ أنت واضحًا. أعرف أن الصبرَ الطويل لا يطاق على معاملة بعض الناس المصابين بأمراض نفسية وأخلاقية حادة. جربتُ ذلك مرارًا، لكن في خاتمة المطاف تعبتُ، لحظة اكتشفت إصابةَ هذا الإنسان بمرضٍ نفسي حاد، وأحيانًا تكون الإصابةُ مضاعفةً بملازمة المرض الأخلاقي للمرض النفسي.

 

[1] تِد هُنْدرتُش “محرر”، دليل أكسفورد الفلسفي، ترجمة: د. نجيب الحصادي، مراجعة: د. منير الطيباوي، 2021، ج2: ص 1314، هيئة البحرين للثقافة والآثار.

[2] المصري، وفيقة، “وجهًا لوجه أم قناعًا لقناع: ليفيناس والعلاقة الأخلاقية مع الآخر”، معنى، 8 نوفمبر، 2020.

[3] موقع قناة الجزيرة، 11/10/2020.

[4] صحيفة الشرق الأوسط، 2 مارس 2020.

 

https://alsabaah.iq/90160-.html

 

تديّن السكينة والتديّن الكئيب عند عبد الجبار الرفاعي وبوريس سيرولنيك

 تديّن السكينة والتديّن الكئيب عند عبد الجبار الرفاعي وبوريس سيرولنيك  

د. كوثر فاتح[1]

وأنا أطالع الصفحات الأولى من كتاب عبد الجبار الرفاعي “الدين والكرامة الإنسانية” استوقفتني مطولا عبارة صاغها في الصفحة الرابعة عشرة من الكتاب متحدثا عن: تدين كئيب يغمر الروح بالأسى، وكأني به فقع دمامل الغبن والكآبة[2]. قد لا أبالغ إن قلت إن تلك العبارة لخصت كل ما نعانيه اليوم نحن المسلمون من: تدني شغف ديني، غياب لوعة وجودية، ونضوب سكينة إيمانية:  “في زمن قلما تفرح فيه الروح، كما قال الرفاعي صادقا في الصفحة عينها.

تديننا كئيب وكئيب جدا، واقعنا فقير جدا، على الرغم من أن تراثنا غني جدا. فكيف نفسر عوز تديننا؟ هل هي المادية المتغولة؟ هل هي الفردانية الزاحفة؟ أم هو قصور الفهم الديني؟ أهو عيب دين أم عيب تدين؟

دعونا لا نقفز باتجاه استنتاجات متسرعة قبل ان نسافر في جغرافيا كتابات الرفاعي، وذكريات ماضينا، لنعود لتشخيص واقعنا ثم الأمل في حلول ممكنة. أتذكر هنا ما كتبه الرفاعي عن والدته في كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي“، حيث اعترف بفضل تدين أمه البسيط عليه، وما ألهمه من سكينة إيمانية، (الظمأ الانطولوجي ، ص 47-48)؛ مدافعا عن: “تدين فطري عفوي بريء شفيف، (ص 48)، ومذكرا إيانا ببساطة التديّن الشعبي وتلقائيته.

أعرج على ما سرده في كتابه الأخير “الدين والكرامة الإنسانية” عن قصة موسى النبي مع الراعي، ثم قصة فخر الدين الرازي مع المرأة العجوز، (الدين و الكرامة الإنسانية، ص25-23).

أحيا لدي الرفاعي ذكرى أجدادي، وانتبهت فجأة إلى أن تديني كئيب جدا وجدا.  أذكر أن جدي كان من دراويش زاوية الهادي بنعيسى “الزاوية العيساوية”.كان له ورد صباح وورد مساء. كان ما إن يفرغ من عمله حتى يهرع للزاوية للقاء الأحبة. كانت له طقوسه قبل وبعد الصلاة. حتى أدعيته كانت متميزة ببساطتها وكثافة معناها. ما إن يقترب موسم “الشيخ الكامل” بمكناس حتى يغادرنا جدي “باسيدي” متخليا عن الأهل والزوج. لا تفارقه سبحته ولا ابتسامته. كان محدثا بليغا ورجلا حكيما بشهادة من عاصروه. والأهم من هذا وذاك كان مرحا، لأن تديّنه كان تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

لا أتذكر انه في إحدى حكاياته لنا أو جلسات سمرنا معه قد حدثنا عن جهنم أو نار أو عقاب. لم يكن جدي مهووسا بجهنم، لأنه كان متيقنا من رحمة الله ومن عوضه الجزيل. لم يحدثنا عن الدين، لأنا كنا نراه في أفعاله. لم يفتش كثيرا في عيوب فهم الدين، لأنه سلم بأن دينه يخاطب روحه. أما عقله الصرف فقاصر عن أن يدرك أفق  المعنى الديني. هذه ليست دعوة لتعطيل العقل وإنما اعتراف بحدوده. دون شك ليس في عرفان دراويش الحاضر حل لما نكابده.

جدتي لوالدتي أيضا كانت متدينة مرحة. وأذكر أن أحد أخوالي قد أصابه لفترة ما وباء التطرف الشديد، ومنعها من مشاهدة حفل “سهرة السبت”، الذي تعرضه قناتنا الوطنية الأولى نهاية كل أسبوع، بدعوى حرمة الموسيقى، لكنها انتفضت في وجهه وصرخت: “إن كان الأمر بيني وبين الله فدعني وخالقي، سأخبر الله أني أحب سهرة السبت في التلفاز”. لم تشغل جدتي بالها كثيرا بحلال وحرام، كانت تستمتع بتدينها، لأنها آمنت بالله وسلّمت برحمته. هذه ليست دعوة لتحليل أو تحريم، بل قد يكون الحل في الانعتاق من جدلية حلال وحرام هذه التي أنهكت أفهامنا. هي حكايات كثيرة يمتلكها كل واحد منا لأب، أو أم، أو جد، أو عم وخال، كان تديّنه تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

تخبرنا أمي أن جارات وصويحبات الحي كن يقمن حفلة متى وضعت قطة إحداهن، أو عندما يكسر صغارهم أول كأس، حين يحلقون رؤوسهم أول مرة، وعندما يحفظ طفلهم أول حزب من القرآن … كن يغتنمن كل مناسبة للقاء الفرح والمرح.كانت النسوة تلتقي بشغف،كن يمرحن بسبب وبدونه، أما نحن فأغلب حواراتنا إما شكوى مرض أو زوج أو أبناء أو وطن.كانت النسوة متدينات محتشمات دون مبالغة، والأهم كان تديّنهن تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب. نحن النسوة اليوم نتأرجح بين نقاب، حجاب، وتبرج. وبين هذا وذاك ضاع الحياء.

عدت أيضا إلى سنة مضت، عندما قامت بنيتي بأخذ كتاب زميلتها في الفصل سهوا، ووضعته في حقيبتها وحملته معها إلى المنزل، فجاءتني باكية: “أمي هل هذه سرقة؟ هل سأدخل جهنم لأني اخذت كتاب مريم؟”.

مهلا بنيتي، فلست أذكر يوما أني قلت لك: “إن جهنم بالمرصاد”، بل طالما رددت على مسامع أبنائي :”رحمة ربي وسعت كل شيء”.

لا أذكر أنى أحدث ابنتي ذات السنوات السبع عن جهنم ونارها.كل ما أذكره لأبنائي هو عن رحمة الله ولطفه بعباده. ولا تذكر هي من أغلب فصول حصص التربية الإسلامية إلا العذاب والعقاب.  لا أعيب اجتهاد معلمتها، ولكن أعيب أسلوبها في التربية الدينية. نحن في مدارسنا نعاني “حالة المعلم المبشّر”، الذي تجرفه لوعة النصيحة أحيانا، فيغفل عن أن أطفالنا يقلدون أفعالنا، وأن نصائحنا لابد وأن تظهر في أفعالنا نحن الراشدين أولا. وذلك ما يسمى في سيكولوجيا التربية المعاصرة بـ “Congruence ” ، أي ان أسمع أفعالك وأشاهد أقوالك فاراها فيك .**  هي المطابقة إذن بين القول والفعل. قد نكون نحن اليوم بعيدون جدا عن ذلك .

هو عصاب اجتماعي يتفشى عندما نغرق تربيتنا في خطابات الوعظ والإرشاد والترهيب، ويكون واقع أفعالنا متعارضا كلية مع جميل ما ندعو إليه. لا يعني هذا أن نلغي حضور المقدس في تربيتنا، بل أن نحوله من “مقدس” الى “ممكن بشري”، ونحد من الهوة الشاسعة بين جمال ديننا وكآبة تديننا.

هي المدرسة إذن تثقل عقول الأبناء بخطابات الترهيب. لنتساءل بعد ذلك لم التطرف؟ لم النفور من الدين؟ لم اللاتدين؟

دعونا لا نخوض في الأسباب التاريخية، والاجتماعية، والأنثروبولوجية، والسياسية، لنفصل في علل “خطابات الرعب” حتى لا نوقض حساسيات أيديولوجية تزيغنا عن غرض هذه الاسطر.

كيف نعرف تديّن السكينة؟

قد يكون من باب أولى ان نُعرِّف تديّن السكينة بنقيضه، وهو التديّن الكئيب . يميل الرفاعي لوصف واقعنا بـ: الرتابة المادية، القلق الوجودي، الفقر الانطولوجي، وإنطفاء المتعة“، (الظمأ الانطولوجي، ص22). هو شغف الوجود وقد خمد، والقبح وقد أغرق العالم. هي الفردانية وانغماسنا المبالغ فيها، وفي العقلانية، وانسحاب العرفان والمحبة من حياتنا. نحن قد حققنا  “الكفاية المعيشية “، وأعوزنا  الظمأ الانطولوجي، وإن كان ظمأنا هذا ظمأ جوع بعد شبع. فما أفقرنا!، (الظمأ الانطولوجي ص 20).

يعزي الرفاعي كل هذا إلى: “ان الصياغة الأيديولوجية للدين تخفض طاقته المقدسة، بعد ان تهتك سحر العالم، وتطفئ شعلة الروح التي يلتمسها الانسان فيه، وتجفف منابع ما يولد روح المعنى في مداراته، فيصاب الكائن البشري بالسأم والإحباط والضجر والغثيان، بعد ان يموت كل شيء من حوله، ويفتقر الى ما يلهمه مزيدا من الطاقة“، (الظمأ الأنطولوجي، ص 21).

هو شح المعنى في رأي الرفاعي، ذاك الذي يفسر ما نعانيه من اغتراب عن ذواتنا. يكتب: “انسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني أخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في الحياة، عالم تزداد فيه كآبة الإنسان ويشتد اغترابه”، (الدين والكرامة الإنسانية ص 8) . نحن إذن بحاجة إلى بناء فهم  جديد لتديننا، نحيي معانيه الإيجابية، التي أخمدتها تأويلات تغالي في الترهيب، وشوّهت صورة الله الرحيمة. نحن بحاجة لإعادة تشكيل صورة الله في مخيالنا الديني كما يصر على ذلك الرفاعي، حتى نتحرر من: علاقة مسكونة بالخوف الى صلة تتوطن مقام المحبة“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 40) .**

قد يبدو من السهل اسقاط هذه الدعوى عبر اتهامها بانها أيديولوجيا شغف روحي توجه سهامها ضد أيديولوجيا شغف عقلي. دعونا نتحول إلى قراءة أخرى تلتقي كثيرا وتصور الرفاعي، وان كانت تختلف عنها من حيث الأدوات الابستيمولوجية والمقاربة النظرية.

قراءة لا يعنيها المقدس بقدر ما يعنيها الانسان

لنعرج على كتاب  Psychothérapie de Dieu العلاج النفسي بالله، للطبيب النفسي الفرنسي  المتخصص في علم النفس العصبي Boris Cyrulnik  الذي خصه للحديث عن علاقة الانسان بالله، وعن علاقة العلاج النفسي بإيمان الفرد*** . يستحضر هذا الخبير النفساني في كتابه دور الايمان في تعزيز القدرة على “المثابرة La résilience”، أي الصمود في مواجهة المحن وتخطيها . هو مفهوم مركزي عند سيرولنيك، يحيل على القدرة الإنسانية على تحمل الحياة وتجاوز الاحتضار النفسي،  (سيرولنيك، ص 15). يرى سيريلنيك أن للبعد الإيماني دورا مهما في تعزيز هذه القدرة وتنميتها. إنه يميل الى التأكيد على أن الانسان المعاصر فقير جدا انطولوجيا، وأن حاجته للدين قبلية أساسية؛ منتفضا  ضد كل إقصاء للدين في أدبيات العلاج النفسي.

يستعرض سيرولنيك حالات إكلينيكية واكبها، وساعدها الإيمان على تجاوز محنها النفسية ،ثم يعود لذكريات طفولته القاسية التي عرف فيها اليتم والعنف في أبشع صوره، ليقيم تقابلا بين الإيمان واللا-إيمان، على مستوى مواجهة صعاب الحياة. هكذا يخلص إلى مقاربة الدين بوصفه «un tuteur de développement» أي وصي على التطور يحيل على عالم ميتافيزيقي توجد فيه قوة مطلقة، (سيرولنيك، ص   293- 48). هي قوة رحيمة تغذي الحاجة للشعور بالأمان . أما ذلك العالم الميتافيزيقي فهو عالم يقي الانسان صحراء اللامعنى، ويعطي لأحلامه وأهدافه معاني وغايات.  هو إذن يحمي الانسان من انغلاق عالمه النفسي على ذاته، (ص 51). لذلك يصرح سيرولنيك بضرورة إعادة الصلة بالله، واستثمارها في العلاج النفسي . لكن  سيرولنيك يعترف بأن الدين ينقذ البعض، لكنه قد يكون مسؤولا عن مآسي كبرى بسبب تعصب تأويلي، (سيرولنيك ص 38). لهذا يذكرنا بأننا نحتاج الى صورة إله  “يشعرنا بالأمن يعزز ثقتنا بأنفسنا و يرشدنا لطريق السعادة“، (ص 63). يحدثنا سيرولنيك في كتابه مرة أخرى عن قيمة الطقوس الجماعية في تعزيز الحس الاجتماعي للفرد واحساسه بالانتماء، (ص 84 و96). ليس الدين في نظره للإيمان  فقط ، إنه ايضا للسعادة وللغيرية… هو صلة بين الإنسان والعالم ببعديه المادي والميتافيزيقي. هو مبرر وغاية وجودنا.

بهذا المعنى يتضح لنا كيف تلتقي القراءة الفلسفية للرفاعي مع المقاربة السيكولوجية لسيرولنيك، ولا يبرر هذا التشابه إلا السعي وراء معنى للوجود الإنساني.

يذكرنا الرفاعي بأننا نسينا الإنسان. في حين يذكرنا سيرولنيك بأننا نسينا الله  .ويذكرنا تديننا بأننا نسينا الشغف.

أخيرا ،كيف نتحرر من التديّن الكئيب؟

تحمل لنا رباعية مؤلفات الرفاعي عن الدين: “الدين والظمأ الانطولوجي- الدين والاغتراب الميتافيزيقي  – الدين والنزعة الإنسانية –  الدين والكرامة الإنسانية” تشخيصا لما نعانيه اليوم من أزمة حضارية كأمة إسلامية. نحن في قطيعة مع الإنسان بداخلنا؛ اطفأنا شغف إنسانيته بمادية مفرطة، وعقلانية بخيلة المعنى.

قد يكون الحل في إعادة بناء هويتنا الدينية. لن يتحقق ذلك دون مغامرة تأويلية جديدة لماضينا بشرط المسافة النقدية مع هذا الماضي والجرأة على الاعتراف بالأخطاء التاريخية والنواقص البشرية. ولعلنا أيضا  بحاجة الى هيرمينوطيقا إيجابية للدين .  يقول الرفاعي: الدينُ يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في الهدم، ويعود الاختلافُ في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفيةِ تمثلهم له في حياتهم“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 5).

قد يكون الخلاص كذلك في ان نعترف أولا للماضي بوزر الخطأ، ونسمح للحاضر بالحق في الشغف، ونتصالح مع سحر العالم؛ فنتحرر من شطحات العقلانية، وهلوسات الفردانية، وغرور المادية  .

أخيرا، قد يكون ترياق التديّن الكئيب هو الظفر بجرعة إنسانية زائدة. وذلك ما يدعو إليه الرفاعي في ما يصطلح عليه بـ: “الإنسانيَّة الإيمانية”.

مراجع

-عبد الجبار الرفاعي (2021)  .الدين والكرامة الإنسانية، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

– عبد الجبار الرفاعي (2021). مقدمة في علم الكلام الجديد، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

-عبد الجبار الرفاعي (2018) .الدين والظمأ الانطولوجي، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

B.Cyrulnik (2019).Psychothérapie de Dieu.Odile Jacob. Paris

*يخص عبد الجبار الرفاعي هذا المبحث بجزء مهم في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” حيث يطالب و بإلحاح بضرورة إعادة تشكيل صورة الله والتحرر من صور البطش والترهيب التي اورثتنا إياها مدارس تأويلية بعينها  . وقد لا تكتمل مطالب التخلص من هذا التديّن الكئيب دون التخلص أولا من ارث تأويلي، ومن أدوات ابستيمولوجية انتهت صلاحيتها.

**مفهوم نجده حاضرا بقوة عند كارل روجزCarl Rogers في مقاربته المتمركزة على الشخص ضمن السيكولوجيا الإنسانية التي ينتمي اليها، وفي مدارس التربية الإيجابية التي نهلت كثيرا من مقاربته النفسية .

***هي نقاط تشابه كثيرة بين أطروحة سيرولنيك في هذا الكتاب ومفهومي الظمأ الانطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي عند الرفاعي، وقد يكون الانخراط في قراءة مقارنة لهذين المفكرين مغامرة شيقة. وان كان تدخل سيرولنيك هذا قد قوبل بنوع من الاعتراض في الساحة الفكرية الفرنسية المعاصرة المعروفة بتغليبها للكوجيطو ، الا ان هذا التوجه الروحاني في العلاج النفسي حاضر بقوة في المدارس النفسية الانجلوساكسونية خاصة في علم النفس الإيجابي .

هوامش:

كوثر فاتح دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا – أكاديمية فاس – مكناس، المغرب.[1]

في الفصل الثالث من كتابه الجديد: الدين و الكرامة الإنسانية، تناول عبدالجبار الرفاعي أشكال التديّن، وتمثلات الدين في حياة الفرد والمجتمع، فأورد ثمانية أشكال للتديّن، وكشف عن ملامح كل واحد منها ومنابعها بالتفصيل ، وأشار في أكثر من مورد إلى التديّن الذي ينتج الكآبة، والتديّن الملهم لسكينة الروح وطمأنينة القلب. [2]

 

رابط النشر:

ثناءٌ على الجيلِ الجديدِ

ثناءٌ على الجيلِ الجديدِ

 د. عبد الجبار الرفاعي

يهجو كثيرون الجيلَ الجديد من الشباب بوصفهم “لا يعرفون ماذا يريدون”، لأنهم يعيشون عصرَ تكنولوجيا المعلومات وثورةَ الفيس بك ووسائل التواصل المختلفة التي تضمحل فيه فضائها حدودُ المكان وينبثق فيها عالَمُ مفاهيم مختلف، ويتخذ فيها الزمانُ وهكذا الثقافةُ والمعرفةُ مفهومًا جديدًا. وربما تمادى البعضُ بتوصيف جيل الشباب بالغباء والضياع واللاانتماء واللامسؤولية عن كلّ شيء. ويمتدحون جيلي والأجيالَ الأكبر عمراً، بوصفها “تعرف ما تريد”، لأن خياراتِهم في المُعتقَد والأيديولوجيا والانتماء كلَّها محسومةٌ سلفًا.

وأظن أن هذا التوصيفَ يخطئ مرتين، يخطئ في المرة الأولى عندما يصف الجيلَ الجديدَ بالضياع، وبأنه “لا يعرف ماذا يريد”، لأن عقلَ الشباب اليوم أنضجُ ووعيَهم للحياة أعمقُ منا حين كنا في مرحلتهم العمرية، عالمُهم مركّب وعالمنا بسيط، عالمهم متنوّع وعالمنا أُحادي، عالمهم نسيجٌ معقد تتلاقح فيه الهوياتُ وتتفاعل فيه الثقافات، ويتوحّد في موكبٌ واحد. إنه عالَم تتوارى فيه الحدود، أما عالمنا فيزدحم بالحدود. وعلى الرغم من اتساع الفردية وترسخّها في عالمهم، إلّا ان كلّ فرد منهم بوسعه أن يتحدّث إلى الكلّ، بل بوسع الكلّ أن يتحدث إلى الكلّ.

أسئلتُهم صعبةٌ تشبه عالمَهم، أما أسئلتُنا فكانت مبسطةً تشبه عالمَنا، قناعاتُهم لا تولد بسهولة كما كانت قناعاتُنا، وقلما يصدّقون الأوهامَ مثلما كنا نصدّق كلَّ ما يُكتب ويُقال، لا يتشبّثون بالأحلام كما كنا نتشبّث بقشة، ولا يصلون إلى اليقين بسهولة، خلافاً لما كنا عليه من فهمٍ ساذجٍ يسوقنا لتصديق الكثير من الوعود الزائفة والأخبار الكاذبة، وما تنسجه المخيلةُ من أحلام رومانسية. الانتماءُ لمعتقَد أو أيديولوجيا أو فكرة لا يتطلّب منا غيرَ حديث يتكلّمه محامٍ بارعٌ في صناعة الكلام. لفرط رومانسيتِنا ضعنا وضيّعنا الأوطان، ولفرط واقعيتِهم ما زالوا يفتّشون بعناد عن دروبٍ للخلاص لا تكرّر متاهاتِنا.

ويخطئ هذا التوصيفُ في المرة الثانية عندما ينعتُ جيلَ الآباءِ بأنه “يعرف ما يريد”، إذ كيف يعرف ذلك الجيلُ ما يريد، وهو لم يكتشفْ حتى ذاته الفردية، فقد أنسته الأساطيرُ المؤسِّسةُ لمتخيَّلِه الثوريّ ذاتَه. كان جيلُ الآباء مولعاً بيوتوبياتِ الخلاص للكلّ، والحريةِ للكلّ، وانصهارِ الكلّ في واحد. كان يحسب أن تغييرَ العالَم تنجزه مجموعةُ شعاراتٍ وأناشيدَ تعبويةٍ تنشد تجييشَ الجماهيرَ وخروجَها للشارع تهتف بـ”الروح بالدم نفديك يا…!”. وهذه النزعةُ قادت ذلك الجيلَ لأن تسعبدَه أصنامٌ مختلفة، كلٌّ منها يظهر على المسرح الاجتماعي بقناعه الخاص، فتارة يصير رجلٌ صنمًا، وأخرى تصيرُ أيديولوجيا صنمًا، وثالثة يصير كتابٌ صنمًا. وكلُ صنمٍ منها يستعبدُ من على شاكلته.

الكثيرُ من الآباء مولعٌ بعبادةِ الأصنام البشرية، وإن لم يجد بعضُ الآباء صنمًا في الماضي يخضع له ويستعبده، ينحت من أحد رجال السياسة أو الدين أو الفكر أو الأدب صنمًا. الكثيرُ من الأبناء مولع بتحطيمِ الأصنام البشرية، لذلك يصعب ترويضُهم على العبودية.

الجيلُ الجديد من الشباب اكتشف ذاتَه الفردية مبكرًا، وادرك أن نسيانَ الذات ضربٌ من الضياع في أوهام لا تنتمي للواقع، وذلك ما كرّس النزعةَ الفرديةَ في وعيِه وشعورِه وشخصيتِه. فأصبح عصيًا على استعبادِ الأصنام بمختلف صورها.

الكثيرُ من الآباء مولعٌ بالحزن، لذلك يبحث عن كلِّ ما ترتسم فيه ملامحُ الموت، الكثيرُ من الأبناء مولعٌ بالفرح، لذلك يبحث عن كلِّ ما ترتسم فيه ملامحُ الحياة. الآباءُ أشدُّ خوفًا من الموت، وكلُّ من يخاف الموتَ يحسب أن الموتَ لا يرضيه إلا الحزنُ ونظائرُه. الأبناءُ أقلُّ خوفًا من الموت، وكلُّ من يقلُّ خوفُه من الموت لا يخشى الفرح الذي هو ضربٌ من التشبّثِ بالحياة ورفضِ الموت.

رؤيةُ الآباء للعالَم تقوم على مرتكزات ميتافيزيقية لم تعد تُلهم رؤيةَ الأبناء للعالَم، وتستقي من روافد نضبت منابعُها، وتنتمي لنظام معرفي “بارادايم” يعود الى ما قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي والروبوت والذكاء الصناعي، وهو “بارادايم” ينتمي لعصر لم يعد قادرًا على مواكبة النظام المعرفي لهذا العصر. لذلك كثيرًا ما تفشل لغةُ الآباء في التواصل مع الأبناء، كما تفشل لغةُ الآباء في التواصل مع الأبناء.

عالمان للآباء والأبناء لا عالم واحد، لا يلتقي هذان العالَمان بالكثيرِ من الرؤى والأفكار والأشياء، وأحيانا يتنابذان إذ يقع كلٌّ منهما على الضدّ من الآخر. لكلّ منهما رؤيتُه الخاصة، لكلّ منهما معاييرُه في الثقافة والأدب والفن والجمال والذوق، لكلّ منهما تطلعاتُه للغد، لكلّ منهما مفاهيمُه عن الكون والإنسان والحياة، لكلّ منهما مواهبُه ومهاراتُه وإبداعاتُه وابتكاراتُه، لكلّ منهما منظوماتُ قيمه ومفاهيمُه الأخلاقيةُ وأنماطُ تدينه، متطلباتُ الروح لكلّ منهما غير متطلبات الروح للآخر، مشكلاتُ وأمراضُ كلّ منهما غير الآخر.

جيلُ الأبناء أشدُّ حضورًا في العالَم من جيل الآباء، لأن العالمَ أشدُّ حضورًا في حياتهم، العالَم يحضر في حياتهم بملامحِه وتضاريسِه الجديدة، عبر: اليوتيوب، والفيس بك، وتويتر، والواتس اب، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة. يحضر العالَمُ من خلال العلمِ والتكنولوجيا والذكاءِ الصناعي. في حين كان جيلُ الآباء أشدَّ غياباً عن العالم، لأنهم لا يمتلكون ما يمتلكه الأبناءُ من صلاتٍ نسيجيةٍ ممتدّةٍ بامتداد الجغرافيا السكانية في الأرض. لقد كان العالَمُ غائبًا عنهم، وإن حضر فلا تحضر منه إلّا صورٌ باهتةٌ كأنها أشباح.

جيلُ الأبناءِ لا يسيرُ على خارطةٍ مرسومة سلفًا يهتدي بها مثلما كان جيلُ الآباء، ولا يبحثُ عن بوصلةٍ تحدّدُ وجهتَه. لا يرتبك أو يكترث من قرارِه بالتوقّف المفاجئ، ولو قطع منتصفَ الطريق، من دون أن يبررَ قرارَه بالتوقّف أو يلتمس له عذرًا، مهما كانت خساراتُه. لا يملُّ من أن يجترحَ كلَّ مرة طريقًا لم يسلكها من قبل. لا يوحشه تكرارُ البدايات، ولا يتردّد في هجرِ مَواطنَ ألفها إلى ما لم يألفه، وتجريبِ ما لم يُجرّب من قبل، وكأنه مكتشفٌ أبدي، لا يفتقر لشجاعةِ المغامرة، ولا يتردّد في المجازفة، وإن كانت ضريبةُ المجازفة باهظة.

يمتلك الجيلُ الجديدُ مهاراتٍ متنوعةً في توظيف وسائلِ التواصل الاجتماعي واستخداماتِها المتنوعة في تأمين متطلباتِ حياته المختلفة. وهذه الوسائل هي التي تسهم في إنتاجِ أنماطِ وجودِه وطرائقِ عيشِه وطبيعةِ صلاتِه بما حوله. وسائلُ التواصل اليوم تنتج معاييرَها القيمية الخاصة، وتعمل على صياغةِ العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها في سياق آفاق حياةِ ورغباتِ وأحلامِ الجيل الجديد. إن ادراكَ الآباء وتفهمَهم لما تفرضه وسائلُ التواصل من سلوكٍ مختلف في تكييف علاقاتهم بالأبناء، ضرورةٌ يفرضها تكييفُ العلاقاتِ المختلفة بين جيلَي الآباء والأبناء، في سياقٍ لا يعاند روحَ العصر، ولا يضحّي بما هو أخلاقي إنساني في إعادة بناءِ هذه العلاقات.

كلُّ شيء يكتسب معناه من نمطِ صلاتِه الوجودية بغيرِه من الأشياء. الجيلُ الجديد أكثرُ قدرةً على إدراكِ المعاني الجديدةِ للأشياء، لأن الأشياءَ في عالمنا اكتسبت معانيَ جديدةً أو أُضيفت لمعانيها أبعادٌ لم نكن نعرفها من قبل، ولم تعد تسمياتُها المتداولةُ من قبل تتسع لدلالاتِها الجديدة اليوم. ذلك أن العالمَ يتغير، والرؤيةُ للعالم تتغير، وطريقةُ التفكير تتغير، ومعاني الأشياء تتغير، وقاموسُ التعبير عنها يتغير.

عالمُنا اليوم عالمٌ شبكيّ متداخلٌ كنسيجٍ متشابك، لم يعد التفوّقُ فيه عبر بناءِ كانتونات ومحميات مغلَقة على نفسها، بل معيارُ التفوّق فيه يقاس بمدى كثافةِ الحضور عبر نسيجِ الشبكاتِ الألكترونيةِ العابرةِ للقارات، والقادرةِ على اختراقِ الحدود الجغرافية والديمغرافية والدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية. تتنبأ دراساتُ استشراف المستقبل بأنه حتى سنة 2030 سيختفي ما يقارب المليارين من الوظائف التي كانت تعتمد مهنًا تنتمي لعالم جغرافيات وديمغرافيات الأمس المغلقة، ذلك العالَمُ الذي بدأنا نرى علاماتِ انتهاءِ صلاحيته وانتهاءِ صلاحية تلك المهن والحرف معه، إنهما يغادران معًا العالَم الجديد بالتدريج، العالَم الذي ينخرط في شبكات ألكترونية يحضر فيها كلُّ ما يمتلكه، عالَم ينتجه الذكاءُ الصناعي والروبوتاتُ والطاقةُ البديلةُ وهندسةُ الجينات وتكنولوجيا النانو. فمثلاً (يجري تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس لشبكات الهواتف المحمولة، وفي خلال عامين ستكون هذه الشبكات أسرع بمقدار 50 مرة عما هو متاح لدينا الآن. وهناك علاقة وطيدة بين سرعة شبكات المعلومات والنمو الاقتصادي، ومن التقديرات أن كل زيادة بمقدار 10% من سرعة هذه الشبكات تزيد النمو الاقتصادي بنحو 1,3% وتتزايد تأثيراتها بمدى توسع وشمول هذه الشبكات لشرائح المجتمع وأماكن التعلم والعمل والسكن… يكاد يحاكي مستقبل قطاع النقل والمواصلات في بعض المدن أفلام الخيال العلمي، بين سيارات ذاتية القيادة وحافلات وقطارات سريعة تنقل بشراً بأعداد غفيرة يتم التحكم فيها من خلال نظم معقدة لتكنولوجيا المعلومات، بما جعل رئيس شركة “ليفت” لنقل الركاب، المنافسة لشركة “أوبر”، يتنبأ بأن أغلب السيارات العاملة في شركته ستكون ذاتية القيادة خلال خمس سنوت فقط، وأن ملكية الفرد لسيارة في المدن الأميركية الكبيرة ستكون أمراً نادراً في منتصف العقد القادم. ولا يتوقف الأمر على انتقال الأفراد، بل يمتد وبمعدلات متسارعة لنقل البضائع براً، بعربات نقل متفاوتة الأحجام ذاتية القيادة، وجواً بطائرات من دون طيار تحلّق متفادية ازدحام الطرق ومختصرة الزمن، ناقلة للسلع، بل ومسعفة لمرضى وجرحى في مناطق قريبة وأخرى نائية)[1].

إن كانت هذه صورةُ العالَم غدًا، فكيف يكون حضورُ مجتمعاتنا في مثل هذا العالَم الذي لا يكفُّ عن الصيرورة والتغيّر والانتقال من محطة إلى أخرى بسرعة فائقة. عالَم لم تتخذ هذه المجتمعاتُ حيالَه تدابيرَ تتناسب وحجمَ تحدّياتِه الهائلة.

للشبابِ دورٌ رائدٌ في صناعة هذا العالَم الذي هو عالَمهم. لهم النصيبُ الأوفرُ في ابتكارِ نمطِ حياةِ القرن الحادي والعشرين، فمؤسِّسُ الفيس بك “مارك زوكربيرغ[2]” وزملاؤه كانوا من التلامذة الجامعيين. و”ستيف جوبز” كان في منتصف العقد الثالث من عمره تقريبًا عندما “قام مع شريكيه ستيف وزنياك ومايك ماركيولا، وآخرون بتصميم وتطوير وتسويق واحد من أوائل خطوط إنتاج الحاسب الشخصي التجارية الناجحة، والتي تُعرف باسم سلسلة أبل”، ثم قامت أبل باطلاق الكومبيوتر الشخصي ماكنتوش 1984[3].  وبعد ذلك اخترع الآيبود والآيفون والآيباد وغيرِهما من المراكب التي ننتقل معها بسرعة خاطفة لحضورٍ مختلفٍ في عالَمنا اليوم.

كلُّ معلمي المدارس الابتدائية ومدرّسي الثانويات وأساتذةِ الجامعة يتبرّمون من أن جيلَ الأبناءَ يفتقرون للجديةِ والوفاءِ بمتطلبات الواجباتِ المدرسية، والمثابرةِ على الحضورِ والإصغاء والتلقي في الفصول الدراسية، لذلك تدهور مستوى التلامذة وضعف تكوينُهم، ولم يعد كثيرٌ منهم مؤهلًا للمرحلة المدرسية التي يعبر إليها. وهذه مشكلةٌ صارت مزمنةً في أكثر من بلد، على درجاتٍ تختلف كمًا وتتطابق كيفًا.

النظامُ التعليمي الذي أنتج وعيَ الآباء مازال يعيد إنتاجَ وعي الأبناء، وهو إن كان متناسباً مع ذهنِ الآباء لكنه يعجز اليوم عن إنتاجِ وعيٍ مواكبٍ لحياةِ الأبناء، بل يتفاقم التضادُّ والتناشزُ بين  النظامِ التعليمي وبين قدرةِ الأبناء على التلقي والتعلّم، وكلما مرّت عليه سنةٌ جديدة يغدو متخلّفًا أكثر، لأن وتيرةَ التغيير في زماننا كلَّ سنة فيها تساوي عشراتِ السنين مما مضى، كما تؤشر لذلك الأبحاثُ العلمية في هذا الحقل.

نحن بحاجة للبحث عن جذورِ هذه المشكلة في بنيةِ التربية والتعليمِ الموروثِ منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالَم الأمس المختلف عن عالَم اليوم اختلافًا جوهريًا، فلم يعد الكتابُ وحده رافدًا لتلقّي المعرفة، بعد أن تراجع موقعُه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانوياً – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة، ولم يعد التعليمُ على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائمًا لعالمنا اليوم، بل لم يعد الصفُّ المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائمًا للتعليم، وقبل كلّ ذلك لم تعد ملائمةً اليوم معظمُ المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدّسة بعشوائية في المقرّرات المدرسية المتدوالة، لأن أغلبَ مضامينها لا ينتمي لعالَم الأبناء، ولا يشبه أحلامَهم، ولا يلبي احتياجاتِهم؛ لغربتها عنهم وغربتهم عنها، لذلك يشعر الأبناءُ بالاغترابِ والمرارة عندما تُفرض عليهم هذه المقرّرات، ويشمئزون عندما يجدون أنفسَهم ملزمين أن يمضغوا أشياءَ لا تشبه ذائقتَهم ولا يشبهونها، ويتعلمون علومًا ومعارف لا تنتمي لزمانهم، ولا تعرف منطقَ حياتهم، ولا تتحدّث لغةَ عصرهم.

عالَمُ الأبناء وهبَهم الكثيرَ من الامكاناتِ الجديدة لمراكمةِ المعرفة وإنتاجِ وعي بلحظتهم الراهنة تنعكسُ عليه ملامحُ عصرهم، ويحتفلون بكل ألوانه، تلك الملامح والألوان التي كان يجهلها عالَمُ الآباء.

المشكلةُ ليستْ في الأبناء، وإنما في تفكيرِ الآباءِ المتخشّب، وفهمِهم للعالَم الذي لا يعرف إلّا أن يكرّرَ نفسَه باستمرار، ويعجز عن مغادرةِ ما ألفه إلى أفقٍ جديد. الأبناء ليسوا بلداء كما يظن كثيرٌ من الآباء، إذ ليس هناك إنسانٌ بليدٌ بالطبع، لكن الأبناءَ غيرُ قادرين على تمثّل صورة عالَمٍ مضى وانقضى.

حتى من كان من الأبناء لا يمتلك استعدادًا ذهنيًا جيدًا في مجالٍ معرفي معين، وكانت موهبتُه ضئيلةً فيه، يمكن أن يكون موهوبًا ويمتلك استعدادًا ذهنيًا متميزًا في مجالٍ آخر. يخفق التعليمُ عندما يصرّ على تلميذٍ موهوبٍ أن يتعلّم في مجالٍ معرفي يفتقر للموهبةِ فيه، إذ يكون كمن يزرع الرزَ في الصحراء أو يزرع نباتاتِ الصحراء في الماء.

كذلك يخفق التعليمُ عندما يتشبّث بالمقرّراتِ وطرائقِ التدريس ووسائلِ التعليم التي تعلّمَ في فضائِها جيلُ الآباء، فجمد عليها بكلِّ ما فيها، لأن ما هو قديمٌ في ثقافتِنا يكتسب مشروعيةَ بقائِه واستمراريتِه من كونه موروثًا عن الآباء.

وهكذا يخفق التعليمُ اليومَ عندما ينشد إنتاجَ كائناتٍ بشرية متماثلة،كأنها آلاتٌ مادية تتشابه بكلِّ شيء، وتُلغى فيها فرادةُ الشخص البشري واختلافاتُه الذاتية عن كلِّ أحدٍ في الأرض، تلك الاختلافاتُ الذاتية التي هي منجمُ الإبداعِ والقدرةِ على الخلقِ والابتكار.

الذهن كنظام أو “سيستم” يتألف من ثلاثة عناصر: مُدخَلات، ومُخرَجات، ومُعالِج، لأن كلَّ نظام هو مُدخَلات ومُخرَجات ومُعالِج، وبما أن مُدخَلات ذهن الآباء كان أغلبُها محليًا مغلقًا بسيطًا كان يتكيّف عملُ المُعالِج معها فكانت المُخرَجاتُ من جنس المُدخَلات، لكن مُدخَلات ذهن الأبناء تبدلّت فصار أغلبُها كونيًا، مركبًا أكثر ومنفتحًا أكثر ومتعددًا أكثر ومتنوعًا أكثر، فيُفترض أن تصير المُخرَجاتُ اليوم من جنس المُدخَلات، إذ يتكيف عمل المُعالِج على وفق كيفيتها. وحتى لو كان المُعالِج بالأمس هو الذي يتحكم بالدرجة الأساس في تحديد نوع المُخرَجات، رغم تنوع وتعدد المُدخَلاتُ على مدى حياة الانسان، لكن المُعالِجَ بدأ اليوم يتبدل تبعًا للتبدل الهائل في نوع المُدخَلات وكيفيتها، وليس في كميتها فقط.

إن منطقَ الذهن أو كيفيةَ معالجة المُعالِج للمعطيات تحاكي نوعَ المُدخَلات، وتستجيب طريقةُ تمثّلها في الذهن تبعًا لها، أي ان نوعَ المُدخَلات يؤثر في بنيةِ الذهن وطرائقِ مُعالجته وكيفيةِ تمثله لها. ويتحدث علمُ الأعصاب الجديد عن أن العصفَ المتدفّقَ لوسائل التواصل الاجتماعي للدماغ سينتج تبدلاتٍ في تركيبة الدماغ، ومن ثم سيؤثر ذلك على كيفية عمل الذهن وطرائق التعلم.

ويقول الخبراءُ إن إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في الغرب.

لكلِّ جيلٍ أمراضُهُ الخاصةُ، استبدّت بالجيلِ الجديدِ أمراضٌ تحكي قوةَ الواقعِ الذي يعيشُهُ، وتعكسُ تعقيداتِه المختلفةِ، والأصداءِ الحادّة لإيقاعِ تحوّلاتِه المفاجِئة. بعضُ هذه الأمراض أشدُّ فتكًا وأعنفُ وأخطرُ من أمراضِ الجيل السابق، كما تُعلن عنها جروحُ الروح، وتوتراتُ المزاج، واضطراباتُ المشاعر، وتقلباتُ التفكير، وتذبذباتُ المواقف.

إن الذهنَ في بلادنا مازال يرتهنه نظامٌ تعليمي قديم، وثقافةٌ تقليدية مهيمِنة، ونمط تدين مغلق، وظروفٌ اقتصادية وسياسية واجتماعية مضطربة يتردد صوتُ العنف فيها، ونتيجة لكل ذلك صار ذهنُ الأبناء مشوشًا. وطبيعي أن يفضي ذلك لأمراض ومشاكل مختلفة معقّدة لم يعرفها من قبل جيلُ الآباء.

نحن بحاجة للكثيرِ من شجاعة التواضع في تخطّي حكاياتِنا المكرّرة وتجاوز مواقفِنا المتصلبة، كي نرى التحولاتِ العميقةَ التي تجتاح العالَم من حولنا، والاعترافِ بتقصيرنا في حقّ الأبناء، وإخفاقِنا في منحهم حقَّ الاختلافِ في التفكير والتعبير، والحرية في التعاطي مع عالمهم، من حيث هم لا من حيث نحن. لنعربَ عن ندمنا ونعلنَ أخطاءنا ونعترفَ بجهلنا في الكثير مما يدور بنا وندور معه رغمًا عنا، في هذا العالم الذي يفرض علينا أقدارَه وأنماطَ العيش فيه.

لقد كانت وما زالت تربيتُنا في البيت والمدرسة والمجتمع والجامع والجماعة لا تربّينا على شجاعةِ الاعترافِ بالخطأ. الاعترافُ بالخطأ ضرورةٌ يفرضها الانتماءُ للعالَم اليوم ودعمُ الابناء في حضورهم الديناميكي الفاعل في عالمهم.

مع ان الآباءَ هم نموذج الأبناء، لكن أنا شخصياً لم أسمع من أبي “رحمه الله” إلى وفاته اعترافاً بخطأ في حياته أو ندماً على ممارسةٍ عنيفة معي أو مع والدتي أو اخوتي، أما أنا فكنتُ أخاف من الاعتذار عن العنف الجسدي والرمزي واللفظي الذي أتورط به مع أبنائي في طفولتهم، وواصلت الهروب من الاعتراف بأخطائي إلى العقد الرابع من حياتي، بل كنت أشعر بحرجٍ وألمٍ شديدين لو لمحتُ أو سمعتُ إشارةً أو عبارةً ترشدني إلى أخطائي، فضلًا عن أني كنتُ عاجزًا وقتئذ عن البوحِ بها، ولم أتعلّم ذلك إلّا بالتدريج وبمشقّة بالغة ومعاناة موجعة، عندما بدأت أتحرر من سجوني قبل ثلاثة عقود.

وهكذا لم أسمع من معلّمي في الابتدائية، الذي كان يعنّف زملائي التلامذةَ بأسلوبٍ مستهجن، اعترافاً بخطأ أو ندمًا على عنفِه الجسدي القاسي المتكرّر بحقّ تلامذته، كما لم أسمع أيَّ شيء من ذلك من أحدٍ من أساتذتي في مراحلِ تعليمي المختلفة، إذ كانوا دائمًا يتكتمون على ما يقترفونه، بل وجدتُ أكثرَ آبائي وأساتذتي يتحدّث أو يوحي بصواب كلِّ فعل أو قول صدر عنه، وهكذا هي مواقفُ حكّام بلدي أو قادةُ جماعتي، وكأن الكلَّ كامل. مازلنا ننظر للخطأ بوصفه عاهةً وعارًا وفضيحة، لأن حقَّ الخطأ، الذي هو ضرورةٌ لكلّ عملية تربوية ناجحة تفرضها طبيعةُ الكائن البشري، ليس مكفولًا لأحد في مجتمعنا.

ومع كلِّ ثنائي على ما يعد به الجيلُ الجديدُ وعصرُه، لكني أودُّ أن أشيرَ إلى أن ظاهرةَ التوثينِ لا تختصُ بجيلِ الآباء، وانما هي ظاهرةٌ بشريةٌ تتلفعُ بأقنعةٍ تختلفُ باختلافِ الأجيال، وكلما تطورَ الوعيُ البشري تُمعن في الاختباءِ خلفَ أقنعةٍ يصعبُ جدًا فضحُها. ولا شك أن التوثينَ بكل أشكاله، سواء كان في عالَم الآباء أو ما يكون في عالَم الأبناء، يعمل على تعطيلِ العقل وشللِ الوعي وتهشيمِ الارادة، حتى يستلبَ التوثينُ كينونةَ الكائنِ البشري.

وعلى الرغمِ من تشديدي على أن للأبناءِ أسئلتَهم، غير اني لست في مقامِ نفي الأسئلةِ البشريةِ الأبدية، المسكونِ بها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، مثل الأسئلةِ الميتافيزيقية وغيرِها من الأسئلة الكبرى التي تتوالدُ منها على الدوامِ أسئلةٌ جديدة، أسئلةٌ لا ترتوي من الإجابات أبدًا، ولا تكفُّ عن طلبِ المزيد مع كلِّ منعطف وتحوّل حاسمٍ في حياة الإنسان.

كذلك لا أنشد افتعالَ صراعٍ بين الأجيال، بل أحاول الكشفَ عن نسيجِ تضاريسِ الواقع المتشعّبة والمتضادّة الذي تعيشه مجتمعاتُنا اليوم. إنه دعوةٌ لتفهّمِ الآباءِ لعالَم الأبناء، وتفهّمِ الأبناءِ لعالَم الآباء، ولا يتحقّقُ ذلك إلّا بمواقفَ شجاعةٍ للآباء والأبناء معًا، يبادر فيها الكلُّ للحوارِ والتفاهمِ والتصالحِ، والعملِ الجادّ على خلقِ شراكةٍ واقعية تُستثمر فيها كلُّ الطاقات من أجل بناءِ عالم أجمل، والسعي لخفضِ وتيرةِ عدم الاعتراف والتنابذ والاحتراب والقطيعة بين جيل الآباء والأبناء.

وعلى الرغم من الأفقِ المتفائل الذي أتطلع فيه لمصائر الأبناء، لكن لا يمكن التنبؤ بما يفاجؤنا به الغدُ من خساراتٍ وانتكاساتٍ تحدثها منعطفاتٌ للتاريخ غيرُ محتسبة، لأن التاريخَ البشري لا يسير في خطّ تصاعدي أبدي، ولا يتقدّم إلى الأمام باستمرار، فقد يتوقف لحظةَ تقدّمه، أو قد ينكص فينتكس لحظةَ صعوده، إذ انهارت حضاراتٌ كبيرةٌ ما كان متوقعًا انهيارُها، وغربت شمسُ امبراطوريات ما كان متوقعًا أفولُها، وانهزمت دولٌ بعد أعظم انتصارتها، وتمزّقت أممٌ عاشت قرونًا مسكونةً بتفوقها، ولبثت مدةً طويلة تَعدُ البشريةَ بمهمتها الرسولية الإنقاذية.

وإن كان التاريخُ أكبرَ معلّمٍ للإنسان، إذ لا مُعلّم َكالتاريخ، لكن قلّما يتعلّمُ الانسانُ من التاريخ كما يرى هيغل[4]، مضافاً إلى أن الإنسانَ ليس بوسعه أن يتحكّمَ بمصائره كليًا ليرسم لها خرائطَ الغد، الذي تتغلّبُ فيه المفاجئاتُ المباغتةُ أحيانًا على مسارِ التطور والتقدم في التاريخ.

الغضبُ في جيلنا كان أخطر بكثير ‏من الغضب في الجيل الجديد، نوعُ الغضبِ مختلفٌ، غضبنا مكبوتٌ،كلُّ مكبوتٍ يتحولُ إلى ‏عقد مسمومة بمرور الزمن، ‏غضبُ الجيل الجديد ‏ليس مكبوتًا، لأنه يجري تفريغه باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، والفضاء العام المفتوح للتعبير والكتابة في كل مكان ‏يكون فيه الأبناء.كلُّ غضب يجري تفريغه بلا عنف يتخلصُ الإنسانُ من ارتداداته العكسية ضد نفسه، ‏ولا يترسبُ ويغطس في اللاوعي ويتراكمُ ليتحول إلى عقد، الغضبُ المكبوت يتحولُ إلى عقد مزمنة.

‏ الأبناءُ اليوم يتعاملون مع الآباء بوصفهم ورطوهم في الحياة،كما يصارحني بعضُ أبنائي ويكتم آخرون قناعتهم هذه تأديًا. لا يقبلُ ‏الأبناءُ أعرافَنا وعاداتِنا في التربية التقليدية، المبنية على احترام الأب وطاعته وأحيانًا استعباده، والاستجابة لكل ما يطلبه ‏منهم، حتى لو كان ‏غير مقنعًا للولد، أو كان على الضد من أرادته ومصالحه الآنية والمستقبلية، وربما يتمادى بعض الآباء فيتعامل مع ولده ‏وكأنه شيء يمتلكه، كما كان يتعامل الآباء مع الأبناء وكأنهم رقيق مستعبدون في قريتنا قبل ‏نصف قرن.

‏الجيل الجديد هو الحاضر وهو المستقبل. قلما تجد أحدًا من جيلي من الكتاب المسلمين من يكرس جهوده للتعرف على ‏أنماط عيش الجيل الجديد وآماله وآلامه، ويكتشف رؤيته للعالم وأحلامه وكيفية تفكيره، ‏وفي ضوء ذلك يقدم المعنى الديني ‏الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يحتاجه الجيل الجديد. ‏اكتشاف هذا ‏المعنى الديني يتطلب اختراق التراث المتراكم، والعودة إلى القرآن الكريم، والتمييز بين القيم الكلية الكونية التي يحتاجها الإنسان بما هو إنسان، ‏ويشترك فيها كل الناس مثل الحق والخير والعدل والصدق والأمانة والأمن والثقة، وما هو خاص بعصر البعثة الشريفة.

أكثر ما نفكر فيه ونتكلمه ونكتبه مشغول بالماضي لا بالحاضر. ‏‏نحن أمة يحكمها الاموات برؤيتهم للعالم وأفكارهم ومقولاتهم الاعتقادية. التراث يمكن استثمار بعض عناصره الحية في الحاضر، وهي قليلة ‏وتحتاج إلى خبير متمرس كي يستوعبها استيعابًا نقديًا. ‏التراث ينتمي للأفق التاريخي الذي تم إنتاجه فيه، ويخضع لكل مشروطياته المكانية والزمانية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكل شيء في عصر انتاجه.

هوامش:

صحيفة الشرق الأوسط “لندن”، الأربعاء 16 مايو 2018 العدد 14414[1]

  أنشأ مارك زوكربيرج برنامجَ تواصل فوري “شبكة تواصل اجتماعي على مقياس مصغر” في عام 1996 وهو في عمر الحادية عشرة، من أجل مساعدة والده الذي كان يعمل في عيادة الأسنان في الطابق الأول من بيتهم، ويوفر عليه عناءَ الطلوع والنزول على الدرج كما ذكرت أختُه راندي، وكانت عائلتُه تستخدمه للتواصل فيما بين افرادها. وفي عام 2004 أسس الفيس بك مع بعض زملائه، وأعلن عنه 2007عام . ويكيبديا.  [2]

ويكيبديا. [3]

 يقول هيغل: “إننا نتعلم من التاريخ أن المرء لا يستطيع أن يتعلم شيئًا من التاريخ”.[4]

 

رابط النشر: