Category: التصوف

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

مشتاق الحلو[1]

أتهيب الكتابة عن عبد الجبار الرفاعي؛ لأني أؤمن بأن التأريخ له تأريخ لمرحلة وحقبة وتجربة ومسيرة، مرحلة طالما تمنيت أن اكتب عنها بإسهاب، وأبين كل تفاصيلها التي شهدتها وعشتها، فأخشى أن اظلمها، أو أجانب الحقيقة في تقييم مستعجل لها. والآن، بمناسبة تسجيل شهادتي عن الرفاعي لا أرى مفرا من الانطلاق منها، والتحدث قليلا عنها، على أمل أن أعود لها ثانية بشكل أكثر تفصيلا وتحليلا.كما أؤمن بأن الاحتفاء بالرفاعي، والاهتمام به، هو اهتمام بمشروع وفكر وتفسير للدين، وعمل على تحرير مجتمعاتنا من “ثقافة هجاء الحياة وتمجيد الموت”، وهو واجب بالنسبة لي يحتّمه الضمير.

قد يلاحظ القارئ ان الحديث في البداية يتمحور حولي / الشاهد، لا حوله/ المشهود له. فللأمر اسباب قد يكون من اهمها: اني حينما أكون عند الرفاعي أحسّ بأني كبير ومحترم، لهذا حينما أتكلم عنه أيضا ينشط عندي الإحساس نفسه.

محطات في اكتشاف الرفاعي

 

المحطة الأولى: 1984 – 1991

في نهاية العقد الأول من عمري جرت أحداث مؤسفة في الكويت، وعلى أثرها هجّر أو هاجر اغلب العراقيين الذين اتخذوا من الكويت مأوى لهم. وكنا في قم في استقبال حصتنا من الشتات العراقي الذي كان يتقاذفه القدر في البراري.

كان الرفاعي أحد العراقيين الذين هاجروا من الكويت إلى إيران، اثر هذه الأحداث. في الأيام الأولى لدخول الرفاعي مدينة قم تعرفت عليه، بوصفه صديقا لبعض الأقرباء، ثم صديقا لوالدي، فكنت أراه في بعض الولائم والاجتماعات العامة.

كنت اسمع والدي يتكلم عنه فيقول: انه أستاذ حوزوي مثقف، لكنهم يضطهدونه، لأنه عراقي، ومن أصول عربية.كان هذا الكلام غريبا بالنسبة لي؛ إن كان أستاذا حوزويا، فلماذا هو حليق اللحية “مقارنة بمن أراهم حولي”، ويرتدي البدلة الغربية، التي لم تكن مرحبا بها في تلك الحقبة بالذات؟!

أما ثقافته فكنت امتلك شاهدا عليها، وهو أني كنت اسمعه يتكلم في الاجتماعات العامة بلهجة مختلفة عن الآخرين، بعربية قريبة من الفصحى، لكن تشوبها لهجة عراقية، لا يمكن تمييز – على الأقل بالنسبة لي آنذاك – المدينة التي ينتسب إليها. غير أن ما هو واضح تماما انه عراقي بامتياز.

كنت أتساءل حين أراه: ماذا يريد أن يقول بحلق لحيته؟ لماذا يتجاهر بخرق الشريعة؟ ولكن في الوقت نفسه كنت اكبر فيه هذه الشجاعة، وهذا الصدق، كونه لا يتظاهر بمظهر لا يحبه، في بيئة ما كان أي إنسان من وسطنا العراقي آنذاك يجرؤ على حلق لحيته فيها.

هذه الشخصية للرفاعي امتزجت في ذهني بشخصية ثانية؛ وهي انه من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة. وان كان لأهلي ووالدي انتماءات سابقة لهذا الحزب، إذ أعدم عمي على يد النظام الصدامي بجريمة انتمائه للدعوة، إلا أني كنت أمتلئ كراهية للمعارضة مع الوقت والنضج… معارضة صدام بكل فصائلها. المعارضة التي كنت أرى رموزها أناسا متكبرين علينا، مستبدين معنا، مستأثرين بخيراتنا، متاجرين بدموعنا ودمائنا، جهلاء بالعلم والمعرفة إلى درجة يصعب تصورها…

وبمرور الأيام حاولت جاهدا أن افصل نفسي، مهما استطعت، عن كل من ينتمي للمعارضة، حتى أصبحت أتمنى أن لا يعرف أحد منهم أني عراقي؛ لأني لا أحب الانتساب لهم. وكبديل عن هذا الفضاء ارمي بنفسي في الفضاءات الإيرانية، وابدأ حربا مستميتة لإثبات ذاتي وفرض نفسي عليهم. كان أكثر ما يستفزني من قبل الإيرانيين سؤالهم عن الجماعة التي أنتمي إليها من المعارضة. فأجيب بانفعال لا يفهم الإيراني سببه: أنا عراقي، لكني لا أنتمي إلى المعارضة.

 

المحطة الثانية: 1991 – 2002

انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وبالنسبة لي بدأت مرحلة فقدان الأمل بالخلاص من دكتاتور العراق. وإذا به يقتحم الكويت، فبعث أمل فينا بأن أميركا سوف تخلصنا منه. وجاءت الانتفاضة الشعبانية نذر خير بأن الشعب العراقي بنفسه سوف يطهّر العراق من دنس الدكتاتورية. فهرعت للمشاركة في الانتفاضة، وتركت امتحانات الثلث الثاني من العام الدراسي “حسب النظام الدراسي الإيراني”، وما كانت إلا أيام وانجلت الغبرة وبانت الخيبة.

فعدت أدراجي مثقلا بالحزن، فاقدا للأمل، وبدأت كراهية _ ما تسمى _ معارضة صدام تتصاعد عندي، حتى وصلت إلى الحقد والازدراء الذي لا يمكن وصفه. لأني توصلت إلى قناعة بأن سبب فشل الانتفاضة، ودمار البلد، وإبادة الشعب هو أداء المعارضة. وبشكل تدريجي صرت أؤمن بأن جميع فصائل المعارضة لا يريدون سقوط دكتاتور بغداد قبل تصفية فرقائهم، أي يجب أن يبقى هو البديل الوحيد لصدام، ثم ينتقل لمرحلة التفكير بالتخلص منه.

عدت لإكمال الإعدادية، لكنني حزين على بلدي وشعبي وقد يكون حزني في الحقيقة على نفسي ومستقبلي وكرامتي المهدورة في المنفى الاختياري الذي اختارته الأسرة لي. والنفق المظلم الذي أسرنا فيه.

عشت طفولة من دون طفولة، ومراهقة من دون مراهقة، في بلد وبين أناس لا انتمي لهم ولا ينتمون لي، بلا ذكريات ولا حلم ولا أمل. ثم قررت أن ادخل الحوزة. ولا اعلم لم اتخذت هذا القرار. قد يكون السبب أن نموذج القائد المنقذ الذي كان يحضر في ذهني آنذاك، تجسد في السيد الخميني والسيد محمد باقر الصدر، وهما رجلا دين.

كنت ادرس ثانوية في الفرع العلمي، وأهتم بدروس الحوزة مساء، مستعينا بالأشرطة. فسمعت عددا من الأساتذة، واستقرّ رأيي في نهاية المطاف على اختيار دروس الرفاعي. أشرطة ضبط الصوت التي سجّل بعضها والدي، حين تتلمذ على الرفاعي، فطلب منه وحفّزه على تسجيلها، وما زلت اذكر عبارة الرفاعي الوجلة – في حينها -: “كيف توضع أشرطتي إلى جانب أشرطة أساتذتي؟” انسجمت مع اللغة والأسلوب، ومستوى الشرح المعتدل، لا المسهب، ولا المطنب.

وان كان الرفاعي جزءا من “معارضة صدام”، لكن التربية التي تلقيتها من بيئتي الإيرانية، علمتني أن أتجاوز هذا الحب والكره، واجعل الهدف نصب عيني. فاستمعت لأشرطة كتاب “المنطق” لمحمد رضا المظفر، ثم الحلقة الأولى من “دروس في علم الأصول” لمحمد باقر الصدر، وكتبت كل شاردة وواردة ذكرها الرفاعي، وما زلت احتفظ بها إلى يومي هذا.

في المرحلة التالية، دخلت الحوزة للدراسة المباشرة. لكن رفضي لـ”معارضة صدام” حال دون دخولي الحوزة العراقية، لأن الحوزة العراقية مجموعة مدارس، كل واحدة منها تابعة، أما لشيخ فلان أو سيد فلان، وجميعهم من أقطاب “معارضة صدام”. سألني في حينها أحدهم: كأنك تكره المعارضة أكثر من صدام؟ قلت: نعم! صدام أهانك، لكن معارضته أهانتني.

وان كنت ازدري رؤوس المعارضة، لكني كنت أتابع جميع خلجاتهم لسببين: كنت أفكر أن أثبّته للتاريخ، وأحاول أن أستفيد من كل ما يصدر عنهم، للتعرف على بلدي، واكتشاف ثقافتي العربية، كي أتسلح بها مقابل الآخر الذي يحتقرني، ولم أر أمامي نافذة مطلّة على العراق سوى هؤلاء؛ لأنه لم يتوفر بديل. لم أكن اسمع يومها بكائن اسمه النت أو الفضائيات، وكنا نعاني شحّة المصادر العربية، والمعاصرة منها خاصة. لهذا كنت أحاول رصد كل ما يصدر عن الجالية العراقية،كي اقوي لغتي العربية بها. أنا الذي أمضيت كل حياتي في البيئة الفارسية. لكن الرفاعي كان غائبا بالنسبة لي في هذه السنوات، فهو لا يرتاد الحسينيات العراقية، ولا يلقي الخطب الرنانة فيها.

حتى دخلت كلية العلوم السياسية عام 1995. وحين بدأت بكتابة البحوث، عثرت على كتاب “مصادر الدراسة عن الدولة والسياسة في الإسلام”، 1986. ثم “معجم ما كُتب عن الرسول وأهل البيت”، وهو موسوعة تقع في اثني عشر مجلدا، 1991-1995. ومجلة “قضايا إسلامية”، التي أصدرها عام 1994، وموسوعة “مصادر النظام الإسلامي”، تقع في عشرة مجلدات، 1996. هنا أحسست بأني أمام معجمي عراقي مختلف. موسوعي ببليوغرافي، بينما في الغالب ـ في حدود اطلاعي ـ الإيرانيون هم الببليوغرافيون والموسوعيون.

سرعان ما فوجئت بتوقف مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1997، وصدور مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” في السنة ذاتها. أثار استغرابي هذا الأمر، فسألت عنه. عرفت أشياء عن علاقته بحزبه السابق. فاكتشفت أن الرجل قطع ارتباطه التنظيمي بحزب الدعوة سنة 1984، أي خرج من “معارضة صدام”. واعتزل السياسة وتفرغ لتجديد الفكر الديني. في الحقيقة كان هذا الخبر بشرى بالنسبة لي. لكنني في حينها كنت أصنّف الخارجين من حزب الدعوة على أصناف ثلاثة:

صنف لم يحصل على الموقع الذي يطمع فيه، لهذا يكتب ويتخذ مواقف مناقضة لما كتبه بالأمس. والشواهد على ذلك ليست قليلة.

والصنف الثاني من يُصدم من الدكتاتورية والاستبداد والاستحواذ والاستفراد والاستئثار لدى قادة المعارضة، ويقرف من سلوكياتهم فيخرج من الحزب.

والصنف الثالث من تتوالد أسئلة في ذهنه، من يتمكن أن لا يبقى في مثل هذه الحركات الدوغمائية، حسب تقديري آنذاك. وهؤلاء أيضا لا يستطيعون التحرر من الدوغمائية الفكرية والبنية الصلبة الداخلية والحنين للماضي. ويبقون يقدسون وثن الحزب. فحسبت الرفاعي من الصنف الثالث وهو أشرفها وأوعاها عندي.

ثم كانت اللحظة “الخاتمية” في إيران، وجيلنا خاتمي الفكر والتوجه… مسلماتي انهارت أمام أسئلة أساتذتي في العلوم السياسية، وأهمهم الدكتور حسين سيف زاده.كنت كالغريق أتشبث بكل قشة، والتفّت نحو كل حدب وصوب، ابحث عن ناصر ومعين يعينني على الوصول إلى إجابة عن الأسئلة الجديدة، ومنجّ يخلّصني من قلق المعرفة. في هذا الوقت، نهاية عام 1997 صدرت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، واكتشفتها منذ عددها الأول، لأنها كانت ضالتي…المجلة عرّفت نفسها بأنها: “مجلة فصلية فكرية تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر”.

أحسست بأنها هي التي اطلبها، وإنها صدرت بالضبط في الوقت الذي احتاجها فيه، وفي الموضوع الذي اطلبه. حملة خاتمي كانت تحت عنوان “المجتمع المدني الديني” حفّزتني كطالب حوزة يدرس العلوم السياسية، أن اكتب في الفكر السياسي الإسلامي، ووفّرت لي هذه المجلة المادة العربية الكافية، لأنها خصّصت عددها الأول والثاني للفكر السياسي الإسلامي. لغة المجلة عربية معاصرة سليمة، التعاطي معها يقوّي عربيتي. كنت أحسّ بأني أقرأ شيئا مميزا، ما كان أقراني من طلبة الحوزة العراقيين في الغالب يقرؤون مثله.

محور العدد الثالث هو “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على أسماء من قبيل: محمد عابد الجابري، برهان غليون، محمد أركون، هشام شرابي، علي حرب، طه جابر العلواني، حسن حنفي، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي… وغيرهم، من خلال هذه المجلة. القراء العرب اكتشفوا الساحة الثقافية الإيرانية التجديدية، من خلال النافذة التي فتحتها هذه المجلة، لكنني اكتشفت المشهد الثقافي العربي من خلالها.كان المصدر الوحيد للمنشورات العربية بالنسبة لنا هو معرض طهران الدولي للكتاب. وعادة ما اكتشف أسماء المفكرين من خلال هذه المجلة، وأقتني الكتب من المعرض.

توالت محاور المجلة: “اتجاهات جديدة في التفسير: التفسير الاجتماعي والتوحيدي والبنائي والسُنني 1998” و”إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا إسلامية المعرفة والمرأة 1999″…وغيرها. في العام نفسه سجلت رسالة ماجستير في العلوم السياسية عن الحركة النسوية والفمنزم، وشكّل لي ملف المرأة مادة مرجعية غنية للمطالعة حول التوجهات الجديدة للمثقفين الدينيين في خصوص قضية المرأة.كنت انتظر صدور المجلة بفارغ الصبر، لتفتح علي آفاقا وعوالم جديدة من المعرفة. وان كانت أصبحت لا تطبع ولا توزع ولا تباع في قم، لكنني احصل عليها بالوسائط.

كنت أتفاعل مع كل محور يصدر فيها: “منهج التعامل مع القرآن،  1999″، “فلسفة الفقه 1999″، “مقاصد الشريعة 1999 -2000″، و”قراءات في فكر الشهيد الصدر 2000″… كلها تشكّل لي مادة للمطالعة والتدبّر، وبعض الأحيان الكتابة باللغة الفارسية.

في العام نفسه (2000) صدر كتاب الرفاعي: “محاضرات في أصول الفقه”، وهو شرح للحلقة الثانية لأصول الشهيد الصدر في مجلدين، وعلى الرغم من أني أنهيت دراسة الحلقة الثالثة، لكنني اقتنيته وقرأته بدقة، واستفدت منه كثيرا، وعرفت أن صاحبي فقيه كلاسيكي أيضا. في العام التالي (2001) صدر له: “مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وهو شرح “بداية الحكمة” للعلاّمة الطباطبائي في مجلدين، وكنت في حينها قد فرغت من دراسة “نهاية الحكمة”، اقتنيته وقرأته بدقة، أما مقدمة الكتاب فصرت أعيد مطالعتها، حتى حاولت حفظ معلوماتها ومعطياتها. في العام نفسه، فتحت المجلة محورا جديدا وتوقفت عنده كثيرا، إذ صدرت الأعداد من الرابع عشر إلى الثامن عشر، جميعا تحت عنوان: “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” 2001 – 2002.

حتى ذلك الحين كنت مهتمّا بالفقه والأصول والسياسة والفكر النسوي. ومقتنعا بأن إصلاح المجتمع يتم من خلال إصلاح وضع المرأة، وهو يتم من خلال الفكر النسوي. لكن أستاذتي حميراء مشير زاده، التي كانت تشرف على أطروحتي في الفمنزم، ومن خلال حوارات طويلة أقنعتني أن وضع المرأة ليس منفكّا عن وضع الرجل والمجتمع. ولا يصلح وضعها إلا من خلال تنمية المجتمع. وإذا صلح المجتمع يصلح وضعها تلقائيا. فصارت أولويتي الأولى الاهتمام بفكر التنمية ونظرياتها.

كنت مستغرقا في دراسة الفقه وأصوله والعلوم السياسية، إلا أن معرفتي بأبحاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد متواضعة، ولأول مرة ومن خلال هذه المجلة، اكتشفت فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفي مرحلة لاحقة توصلت إلى انه لا تقوم لمجتمعاتنا قائمة إلا من خلال إصلاح الفكر اللاهوتي. ما دام لاهوتنا باقٍ على ما قرّره لنا الأسلاف، الأشعري بالذات، نبقى ندور في الدوامة نفسها، ولا ينفعنا فكر التنمية، ولا الفكر النسوي. حتى المفكرين الإيرانيين الذين كنت احضر في حينها محاضراتهم بشكل مباشر، صرت استرشد آراءهم من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

لم يكن بوسعي قراءة كل ما يكتبون. فكنت أتابع المجلة، وأقرأ الأصل الفارسي لأي من مواضيعهم التي ترجمت إلى العربية، لأني اكتشفت أن انتخاب الرفاعي للموضوعات انتخاب حكيم متفحّص. وأنا حتى هذه اللحظة أتابع المشهد الثقافي الإيراني من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وما زلت إلى الآن اكتشف كتّابا إيرانيين هامين من خلالها، مثل: “أبو القاسم فنائي”. حين تابعت ملف “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” أحسست بشكل تدريجي بانبثاق فكر جديد، وتفسير جديد للدين، على الأقل في قم وفي ساحتنا العراقية.

قبل ذلك كان هناك تياران ومدرستان يتجاذبان ساحة الفكر الديني آنذاك في قم:

التيار الأول: هو تيار الحوزة والمرجعية التقليدية، التي تتبنى التفسير الكلاسيكي للدين، ويمكن اعتباره ممثلا للتوجه “السلفي” في المذهب الشيعي.

التيار الآخر: الأحزاب الإسلامية وأصحاب مشروع الدولة الدينية، وهم أشبه ما يكون بـ”الأصولية الشيعية”، وهو يستلهم أفكاره من تراث سيد قطب، التيار الذي تربع على عرش السلطة منذ 2005 في العراق، وقدّم أتعس نموذج للحكم.

التيار الأول كان يعدّ الثاني مارقا وابنا عاقا له. لكن الثاني ما تعلّم درسا من قمع الأول له، بل هو بدوره مارس قمعا أبشع بحق كل من يفهم الدين بصورة مختلفة عنه.

ومنذ هذا العام بدأت ارصد بزوغ تفسير ثالث وقراءة ثالثة وفهم ثالث للدين – في وسطنا العراقي في حوزة قم – لا هو كلاسيكي أو تسامحا “سلفي”، ولا هو “أصولي”، بل “تيار التنوير الديني”، وهي ظاهرة كنت ارصدها عند الإيرانيين فقط. فظاهرة المثقف الديني التي نمت نواتها الأولى عند الإيرانيين منذ عقود من الزمن، ويمكننا عدّ: نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي…وغيرهم من أعلامها على ساحتنا العربية. لكني لم اكتشف عراقيا في هذا الوادي.

لا أريد أن اظلم الآخرين فكان لأساتذة آخرين دور محترم وجهود مشكورة وكتابات مفيدة في هذا الخصوص، لكن لم أر أحداً يرفع راية التنوير الديني ويتبنى مشروعها غير الرفاعي ومجلته.

تناغم هذا التفسير مع روحي وفطرتي وعقلي أكثر من التفسيرين الآخرين، ذلك أني وجدته أكثر احتراما للإنسان وإنسانيته، وهو أكثر إجلالا وإعظاما وإكبارا لله. لهذا رفعت الحجاب بيني وبينه وقصدته، وكانت بداية علاقتي المباشرة معه، بعد ما استمرت علاقتي الغير مباشرة به ثمانية عشر حولا.

 

المحطة الثالثة: 2002 فما بعد

سجّلت في عام 2002 رسالة ماجستير في أصول الفقه، واخترت الرفاعي مشرفا عليها، وبدأت علاقتي المباشرة به…كان يتحفني بكل غال وثمين من مكتبته، ويجمعني منزله بنخبة المثقفين الإيرانيين والعراقيين…بيته، مكتبته، صدره…كان مفتوحا لي، ولكل طالب علم ومعرفة.

بعد أن انتهيت من الرسالة وناقشتها، توقعت أني سأخفّف عن الأستاذ ولا أتجاوز على وقته، لأن السبب الحقيقي للتواصل المستمر قد انتهى. فوجئت باتصاله بي ودعوتي، وظل يحثني على استمرار الصداقة والتواصل. وهذا الأمر لم أعهده من أي استاذ آخر. لأنه لم يكن بحاجة لي أبدا، بل العكس تماما، أنا كنت محتاجا لأخلاقه وروحه وعقله وعلمه وعلاقاته.

وبالفعل نشطت علاقتنا أكثر، وأصبحنا مقربين أكثر، حتى دخل هو الوظيفة ببغداد عام 2005، وتصدى للعمل الوظيفي “مستشارا ثقافيا في رئاسة الجمهورية”. مرة أخرى انسحبت قليلا إلى الوراء، كي اترك للرجل حريته في اختيار علاقاته الجديدة، كما هو المعهود من اغلب من عرفتهم ودخلوا السلطة. لكن هذه المرة أيضا فاجأني بأنه هو هو. لم يتغير فيه شيء…فشخصيته التي صاغها عبر عمر من التجربة وكسب المعرفة، وتهذيب النفس، ما كانت تتأثر بهذه المتغيرات العابرة.

ومنذ ذلك الحين غير الأمسيات التي كنا نقضيها في منزله بصحبة ثلّة من أهل العلم والمعرفة،كان كثيرا ما يدعونا لتناول العشاء في أفضل مطاعم قم، وتتحول مآدب العشاء إلى حواريات ثقافية، تستمر أربع أو خمس ساعات. وكانت لنا أنا وإياه جولات رياضية. نخرج في مشي سريع نجوب شوارع قم،كنشاط ضروري لحفظ توازن الصحة، وخلالها نتحاور بما هو مسموح وممنوع، وكانت أفضل حواراتي العلمية وأكثرها حرية، أمضينا مئات الساعات معا خلال العقد الماضي، نناقش مختلف القضايا الفكرية والحياتية مشيا. ربما شكّلنا معا نواة المشّائين الجدد من حيث لا نعلم.

مثّل لنا الرفاعي البديل الديني عن الحوزة والإسلام السياسي في قم، وهو ما كان مفقودا عراقيا، لكن فوجئت حينما سافرت إلى العراق بعد تغيير النظام، أن المهتمين بالفكر الديني الحديث كانوا يعرفونه منذ عهد الحكم السابق، وكانوا يتعاطون المجلة ومؤلفاته، من خلال استنساخها في سوق “المتنبي” للكتب، وتداولها بينهم… رأيت أن مشروعه حمل راية التنوير الديني في العراق، حتى قبل عودته للعراق. الرفاعي لم يبق مثقفا دينيا وحسب، بل رفع راية للمثقف الديني، نتفيأ ظلها.

في هذه المرحلة لم تكن علاقتي بالرفاعي من خلال المجلة أو الكتب، بل التعايش والتعامل المباشر. اما المجلة التي واكبتها منذ عددها الأول، فواكبتني وساهمت في صناعة لغتي وثقافتي، حتى تمكنت أن أكون مساهما فيها من خلال الترجمة منذ مطلع عامها التاسع في العدد الواحد والثلاثين (2007) حتى اليوم.

في الحقيقة كنت انهل من علمه في العقد الثاني من تعرّفي عليه، ولكن في هذه المرحلة إضافة للعلم والمعرفة صرت أنهل من شخصه، واكتسب نهج الحياة أكثر من اكتساب المعلومات. أحاول هنا أن أسجّل أهم ملامح الرفاعي الذي اكتشفته خلال هذا العقد الأخير من التعامل المباشر معه.

الرفاعي الإنسان والمشروع

کنت اريد التحدث عن الرفاعي كإنسان، ثم عن مشروعه. لكن كلما فكرت وجدت أن كل صفة فيه منعكسة في مشروعه، وكل ميزة لمشروعه فيه، هو مشروعه ومشروعه هو… يبدو انه حمل هذا المشروع في أحشائه، وغذّاه من روحه، وأنجبه نسخة منه، واستمرارا لوجوده. بحيث يبدو لي كأن الاثنين واحد. لهذا لا أرى التفكيك بينهما سهل، وليس بوسعي إلا أن أتكلم عن الاثنين في آن واحد. فسماتهما واحدة، وخير دليل لفهم مشروعه قراءته هو.

هدف الرفاعي الإنسان والمشروع

هدف الرفاعي ـ الإنسان والمشروع ـ كما يبينه هو في كتاباته: “فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير. ومن الواضح أن تحديث التفكير اللاهوتي يتطلب تساؤلات واستفهامات جديدة، ومراجعات نقدية للتراث الكلامي، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب. والسعي لترسيخ صورة للإله، تستوحي صفات الرحمة والمحبة والسلام، ونحوها من صفات الرحمن، وتستلهم ما يتحلى به الله تعالى من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب، العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد، الصبور،…الخ”.

البنية الصلبة

قد يتصور البعض أن الرفاعي الذي يتحمل الآخر، ويتيح الفرصة له لطرح آرائه، تحلّلت البنية الصلبة داخله وتحرر منها. إذا كانت البنية الصلبة هي الإيديولوجية فهذا الكلام صحيح، ولكنه ما زال مسكونا ببنية صلبة، وهي القيم الأخلاقية والمعايير القيمية… محبة الآخر، الصدق، الأمانة، الوفاء للصداقة، الكرم، مساعدة الناس، احترام الناس… قيم وأخلاقيات محكوم بها الرفاعي، نتيجة البنية الصلبة التي تسكنه.كذلك هو مشروعه، يتوافر على بنية صلبة، هي التي ساعدته على أن يسلك خطاً واضحا وثابتا منذ العدد الأول والى آخر عدد صدر من مجلته.

فقيه غير معمم

اعتقد بأن دراستي مدة عقدين للعلوم الدينية، العقد الثاني منها (2001 -2011) عند ابرز أساتذة البحث الخارج، وأشهر الفقهاء في حوزة قم، تؤهلني لأن أميز بين المجتهد وغيره. وعليه يحقّ لي أن اشهد لأستاذي بالاجتهاد، حسب التعريف الكلاسيكي للاجتهاد في الحوزة العلمية. فإحدى ميزات الرفاعي التي ساندت مشروعه هو بلوغه درجة الاجتهاد فقهيا، وهذا من النوادر جدا بين الذين ارتادوا هذه الساحة، واهتموا بهذا النهج الفكري. هو فقيه حوزوي، وان لم يعتمر عمامة، فمما يميزه عن المثقفين المهتمين بالبحث والكتابة في الدين في العراق والبلاد العربية انه فقيه محترف.

لقد تكوّن، بشكل تدريجي، تيار من تلامذة وأساتذة الحوزة غير معممين في وسطنا العراقي. بحيث أصبح اليوم وجودا معترفا به داخل الحوزة. رائد هؤلاء وأبرزهم وأشهرهم هو الرفاعي. يمكنني وصف هذا التيار “تسامحا” بـ”الرهبنة الجديدة الشيعية”، بمعنى انه نمط جديد من رجال الدين الشيعة، بزيّ جديد ووظائف مختلفة. انه غير مستعد للتنازل عن هويته الدينية، ولا التخلي عن بيان فهمه المعاصر للدين. حتى لو اختلف اجتهاده وفهمه مع الفقهاء الكلاسيكيين. هذا التيار، الذي اعدّ نفسي احد أفراده، غير موجود على الساحة العربية. فالمثقف المهتم بالبحث والكتابة الدينية في بلادنا في الغالب لم يتخرج من الحوزة أو العلوم الدينية الكلاسيكية بشكل محترف، وحتى الحوزويون منهم وهم قلائل،لم يبلغوا في دراستهم درجة الرفاعي. امتاز مشروع الرفاعي أيضا بالخبرة التراثية، فلا ترى فيه الشطحات التي غالبا ما تسقط فيها سائر مشاريع الحداثة الدينية، نتيجة قلة خبرتها بالعلوم الدينية الكلاسيكية والتراث.

إحدى وجوه أهمية مشروعه أنه تكلم وهو في قلب الحوزة، وطرح فهمه وتفسيره ومشروعه من داخلها، ولم يخرج منها أو يبتعد عنها أو يصطف مع مناهضيها ودعاة القضاء عليها وتقويضها.

العطاء

لطالما شاهدته وهو ينشد المحتاج، ويطلب الصداقة ممن هو أحوج لصداقته منه… إن اكبر رصيد يملكه الرفاعي هو شبكة علاقاته الفريدة. الشبكة التي بذل في سبيلها الغالي والنفيس من روحه وعقله وعلمه ووقته وماله… حتى بناها، يقدّمها بكل كرم وسخاء لأصدقائه. يعرّف هذا على ذاك، ويُقرّب ذاك من هذا. يتوسط لأحدهم عند الآخر، ويحصل على دعم من شخص لثانٍ، ويشغّل بعضهم عند البعض الآخر. ينجز هذه المهمة بحنكة وحكمة واتزان…لا يبسط يده كل البسط، فيندم بعدها، ولا يقبضها.

وطبيعي إن من يعطي أعز ما يملك لأصدقائه، لا يبخل على مشروعه الذي هو ابنه الروحي ووليد نفسه، لذلك أعطى كل وجوده وسخّر ما لديه، حتى تضافرت جهود الأسرة بمجموعها، خاصة زوجته الكريمة الأستاذة انتزال الجبوري لانبثاق هذا المشروع واستمراره.

والمشروع بدوره معطاء أيضا، معطاء للقارئ الذي ينهل منه المعرفة وللمشارك. فكانت تجربة المشاركة فيه معطاءة لكثير ممن شاركوا فيه، إذ ساهم في صناعة اسمهم، وواضح كم هذا الأمر مهم بالنسبة للكاتب غير المعروف.

النظرة الايجابية والأمل

تمتع الرفاعي بنظرة ايجابية للحياة ولأصدقائه، وما يحيط به. ومديحه السريع لأصدقائه بمجرد أن يأتي ذكر أحدهم، نتيجة هذه النظرة الايجابية. تنعكس هذه النظرة على مشروعه بشكل أمل بالإصلاح. ما كان للمشروع أن يصمد لعقد ونصف من الزمن ضمن هذا الواقع الذي نراه، لولا هذه النظرة الايجابية والأمل بالمستقبل.

أسّس الرفاعي مركز “دراسات فلسفة الدين” في بغداد سنة 2003، في ظل ظروف يصعب التفكير بمشروع كهذا فيها، وأعلن أن أهداف المركز هي:

1ـ الدعوة للتسامح، وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر.

2- إشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات.

3- ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

4- الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة.

5- تعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث كافة، واستبعاد العناصر القاتلة والميتة، واستدعاء العناصر الحية منه ودمجها بالواقع.

6- تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها.

7-  تدريس وتعليم ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية.

8- تطهير التدين من الكراهية والإكراه.

9- تحــريـر فهم الــدين من المقــولات والأفكار والمــواقــف التعصبيــة والعدوانية.

10- الكشف عن الأثر الايجابي للفهم العقلاني الإنساني للدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

11- تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه.

12- بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك.

13- التثقيف على الحريات وحقوق الإنسان، وتجفيف المنابع التي ترسّخ مفاهيم الاستبداد، وتعمل على صياغة نفسية العبيد في المجتمع.

14- تجلية الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والجمالية والمعنوية المضيئة في الدين والتراث.

15- تنمية التفكير والتدريس والتعليم والبحث والاجتهاد في فلسفة الدين وعلم الكلام.

وأدى المركز من خلال نشاطاته ومنشوراته دورا هاما في هذا الحقل، وما زال يسعى  لتأسيس كلية (فلسفة الدين) بعد تأمين المتطلبات والإمكانات المادية والعلمية.

الدعوة للنقد وتقبله

نظريا يقول الرفاعي: “النقد مصدر التطور الفكري والاجتماعي، والنقد أساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها، للثقافة والتجربة والتاريخ والتراث والاجتماع الإسلامي. ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف إلا بتجذير ملكة النقد وتكريسها”. وعمليا نراه على صعيد مشروعه سنّ سنة “نقد العدد الماضي” في مجلته والتزم به. وكذلك حاول من خلال مشروعه وما نشر، “الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة” في آن واحد.

هذا الرفاعي المشروع، أما الرفاعي الإنسان، فهو أيضا يتقبل النقد بكل رحابة صدر، وإن كان من اصغر تلامذته.

التدين

يعتقد الرفاعي أن: “الإنسان كائن متدين، والحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأً انطولوجيا لا يُروى، إلا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن أن تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام للتراحم والمحبة والجمال في العالم، … وليس بوسعنا بناء بلادنا إلا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية”.

لا يسمح المقام هنا للدخول في الحديث عن معنى الدين والتدين. ولكن أرى من المناسب أن أقدم شهادتي من خلال مواكبتي للرفاعي، أنّ الرجل يعيش جوهر الدين في باطنه، وله تجاربه الروحية الفريدة. روى إحداها للقارئ فيما كتبه عن زيارته لمولانا جلال الدين الرومي، أو ما كتبه عن بعض سفراته للحج. وملتزم عمليا بحذافير الشريعة في سلوكه، لا يفارق دينه في مختلف حالاته وسلوكه، وهذه حالة نادرة عند التنويريين.

ومشروعه أيضا لم نره يوماً يهاجم الفكر الديني الكلاسيكي، أو يقدح به ويجرح أتباعه، ويحتفظ بعلاقات طيّبة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل يحاول أن يطرح ما يراه ، من دون هجوم على الآخر وعلى التدين التقليدي.

نبذ التعصب والعدوانية والاستغلال

يعتقد الرفاعي، مثلما ورد في بيانه: “إن السلام هو سبيل الأمن الاجتماعي والعيش سويا، ولا نجاة للعالم إلا بالتشبث بالوسائل السلمية لحل المنازعات، والتخلص من بواعث العنف والحروب. تشدد رسالة الدين ومقاصده الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب.”

وفي مشروعه لا يدّعي احتكار تمثيل الفكر الديني. لكن يحاول إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية.

فلا نرى في مشروعه ما يمسّ الآخرين أو يجرحهم أو يتجاوز عليهم. ولا يمارس سياسة التهكم على مقدس للناس، ويحذّر من “جرح الضمير الديني للغير”.

كذلك هو كشخص في حياته، لم يشهد له موقف عدائي من سائر التوجهات الفكرية أو أتباعها. ولهذا يجمع بين أصدقائه بين المتدين التقليدي، والمتنور، وغير المتدين، واللاّديني.

لم يدّع التنزه والفوقية

يقول الرفاعي: “لا يعني التدين الذي ننشده اختزال الإنسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيّره كائنا سماويا مجردا منسلخا عن عالمه الأرضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني هذا التدين إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع إيقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها.”

وعلى الصعيد العملي لم نرَه يوما ادّعى تنزيه ذاته، وإعلان تفوقه على سواه، أو ادّعى التجرد والمثالية، بل يؤكد دائما على ضعفه، وعمق احتياجاته البشرية، كذلك مشروعه الفكري،لم يعدّه سوى محاولة على سبيل الرشاد. ولم يتصور أو يدّعي يوما أنّ مشروعه سوف يغيّر العالم.

ولم نسمعه يوما يتكلم بلغة التكليف الشرعي، والمتاجرة بالدين، والمزايدة بالوطنية، وإدّعاء التضحية في سبيل الناس، والتنكّر للطبيعة البشرية.

التسامح

يدعو الرفاعي: “للتعددية والتسامح، وإرساء قيم الاختلاف واحترام الآخر. وإشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات. تحرير فهم الدين من المقولات والأفكار والمواقف التعصبية والعدوانية. تطهير التدين من الكراهية والإكراهات”.

أي شخص يعرف الرفاعي يشهد له أن التسامح من سماته الأخلاقية، وشهدنا مواقف كثيرة من تسامحه وسعة صدره، حتى مع من تجاوز عليه أو حتى خانه، خلال مواكبتنا له، لكنّ المقام لا يسمح بسرد القصص، أو ذكر الأسماء بسوء، فهذا خلاف نهجه التسامحي.

كما إن مشروعه منذ عشرين عاما تقريبا، لم يصطدم بأي مشروع آخر، بل نأى بنفسه عن الصراع والتنافس الذي لا يليق بالعمل العلمي الرصين.

مثلا في بعض الأحيان، يعدّ ملفا للنشر، وينفق عليه العمر والمال، لكن قد يسمع بمؤسسة أخرى تعدّ عملا مشابها، أو قريبا منه، فيتخلى عنه على الرغم من أنه بدأ به قبلهم.

يعلن الرفاعي تبرّمه وأسفه وانزعاجه من أن شطحات بعض طلابه يحسبها بعضهم عليه، على الرغم من رفضه لها، لكنه لم يفرض رأيه يوما عليهم، أو يكرههم على تغيير قناعاتهم، أو سلوكياتهم، أو تصريحاتهم، أو كتاباتهم.

المعاصرة

يعبّر الرفاعي كفرد من خلال سلوكه، وحتى ملبسه، وكمشروع، يعبّر عن: “روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: (الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها). وتبنّي الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزّز المصالحة بين المتديّن والمحيط الذي يعيش فيه”.

 

الدعوة للمحبة

يدعو دائما للمحبة، والى العفو والمغفرة، والى التجاوز عن الناس، والتسامح معهم… ومن خلال مشروعه حاول: “التثقيف على نفي الإكراه في الدين، وتعميم مبدأ (لا إكراه في الدين)، والاستناد إليه كمرجعية ومعيار قيمي في التعاطي مع الآخر، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، واحترام الآخر، والعيش المشترك…وتجذير المفاهيم والشعارات التي تمجد الحياة، وتعمل على تحرير الناس من المقولات الداعية إلى عدّ (الموت أسمى الأماني)”.

يسير مع الجميع لكن لم يتبع أحداً

يعلن على الدوام المبدأ الذي يلخص رؤاه ومواقفه وسلوكه بمقولته: “أسير مع الجميع وخطوتي وحدي .. أتفق مع الجميع وأختلف عن الجميع” . فهو (يتفق مع الجميع)، من دون أن يقلّد، أو يتماهى، أو يحاكي أحدا… و(يختلف عن الجمع)، ذلك أن خطواته مستقلة، ويحاول باستمرار أن  يجترح نموذجه الخاص به.

صادَقَ الرفاعي الجميع، واحتفظ بعلاقات صادقة جادة مع الجميع، وسار مع الجميع، لا لأنه لا لون له، بل لأن له لونه وطعمه وبصمته المتميزة، فالكل يعرفه على أنه الرفاعي ويصادقه. فإذا سار مع أحد لا يصبح تابعا له، بل تبقى خطواته مستقلة.

كذلك هو مشروعه، لا يخاف أن يحمل أفكار المدارس المختلفة، ويبقى على خطه ونهجه.

المشروع من وحي حاجتنا

قد لا يدرك الكثيرون _ وأنا منهم _ أهمية مشروع الرفاعي، وضرورة تأكيده على التسامح والتساهل والتراحم وتحمل الآخر في بادئ الأمر. لأن الاستبداد والدكتاتوريات في بلداننا كانت تمثل قشرة متصلبة غطّت ما تحتها في مجتمعاتنا، لكن اليوم وبعد ما تمزّقت هذه القشرة نتيجة “الفوضى الخلاقة”، وتكشّفت حقيقة ما تحتوي عليه مجتمعاتنا من تناقضات، نرى فائدة التفسير الإنساني للدين الذي دعا له الرفاعي. ففي الزمن الذي كان فيه الذبح علی الهوية أمر غير مستقبح من أية جماعة، حينما لا يتطابق مع الآخر، أصدر في هذا الزمن سلسلة كتاب “ثقافة التسامح” ببغداد عام 2004، صدر منها حتى الآن 20 كتابا، وعرّفها بأنها: “سلسلة كتاب ثقافية شهرية تصدر في بغداد. وتهتم بالتثقيف على: التسامح، ونفي الإكراه والكراهية في الدين، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، والاعتراف بالآخر، واحترام الآخر، والعيش المشترك. ونقد منابع التعصب، ونفي الآخر، والعنف، والتحجر، والقراءة الفاشستية للدين، واكتشاف الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والمعنوية السامية في الدين”.

ولطالما شدّد على أن: “الحاجة ملحة إلى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخاطئ للدين، والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه”.

ولكن من الطبيعي أن لا يسمع صوته، لأن الكلمة أصبحت للمحرّض طائفيا، سواء كان رجل دين، أو سياسة. بينما لو كانت القوى الفاعلة في المجتمع تتبنى هذا الفهم والتفسير للدين لما وصلنا لهذا النفق المظلم الذي سقطنا فيه اليوم ولا يعلم آخره إلا الله.

المجهولية

صحيح أن علاقات الرفاعي النوعية بالنخبة الثقافية في العالم العربي وإيران مميزة جدا، ربما لا يمتلك غيره من أقرانه مثل هذا الرصيد، لكن هذه العلاقات والمكانة مجهولة في بلده، لذلك لم يتبوأ موقعه الفكري الذي يستحقه…ولم يزل يواصل مراكمة جهوده الفكرية ومشروعه التحديثي الرائد وحده. فضلا على أن مشروعه والمجلة بشكل خاص لم تنل حقها من الاهتمام في الدراسات الإسلامية، ولا نجد توظيفا لمحاورها، يتناسب مع عمق وتجديد مضمونها، وكثافة وأهمية موضوعاتها.

لعل ذلك يعود إلى عدم توافر المناخات المطلوبة في بلدنا والعالم العربي لهذا النمط من التفكير الديني. وان كانت هناك آثار غير معلنة، تشي بانطلاقة واعدة في هذا الحقل، وتؤشر إلى تأثير غير منظور لمشروع الرفاعي وكتاباته ومجلته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، فمثلا قررت وزارة التعليم العالي العراقية فرض مادة “فلسفة الدين” كمقرر دراسي في أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية كافة، كما سُجلت ونوقشت أطروحات عديدة تناولت هذا الموضوع. بينما لم يعرف من قبل حقل في الدراسات الدينية عنوانه “فلسفة الدين” في العراق. كان الجميع يسأل عندما يطلع على المجلة ويقرأ “يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين” ما المقصود بفلسفة الدين؟ وكل منهم كان يحسبها ما يسمى بـ”الفلسفة الإسلامية”.

يبدو أن المركز ومطبوعاته ومجلته أدى دوراً هاماً في توجيه الدراسات الدينية في العراق وغيره.

لكن الرفاعي ومشروعه تنبهت له مؤسسات ومنتديات ونخب هامة خارج بلده…فقد وقع الاختيار على مجلة قضايا إسلامية معاصرة دون سواها، بوصفها دورية فكرية جادة ومتميزة ورائدة في تحديث التفكير الديني في الإسلام، في العقدين الأخيرين. حين خصّص “المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية” في روما كتابه السنوي للعام 2012 لإصدار ترجمات ايطالية وانجليزية وفرنسية لنصوص منتخبة مما نشر في المجلة في مختلف محاورها، وعنون الكتاب بـ”الإشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا إسلامية معاصرة”.

ثم تلته مبادرة “حركة أنطلياس الثقافية” بلبنان في تكريم عبد الجبار الرفاعي، وقد كانت محفزاً لمؤسسات إعلامية عراقية للانضمام إلى المبادرة، فأصدرت صحيفة المدى ملحق “عراقيون” حول الرفاعي، وخصّصت احتفالية في المتنبي للمناسبة نفسها. تلاها ملحق صحيفة العالم، ثم احتفالية في النجف وأماكن أخرى داخل العراق. والذي شجّع بعض أصدقائه وتلامذته على القيام بمشروع الكتاب التذكاري.

كان لهذه الجهود دور هام في التعريف بالمشروع، لكنها ما زالت تحتاج للمواصلة كي ترسّخ دعائم هذا الفكر التحديثي في مجتمعاتنا.

“ماركة” الرفاعي

قال لي صديق مثقف خبير: “لو كانت حكومة من حكوماتنا تريد إخراج مجلة بمستوى قضايا إسلامية معاصرة، لاحتاجوا إلى عمارة من ستة عشر طابقا… وفي النهاية ربما لا تخرج بهذا المستوى”. بعد عدة عقود من العمل المضني نحت الرفاعي من اسمه “ماركة” دليل على جودة المنتج الفكري. لهذا اختاره العشرات من طلاب الدراسات العليا كي يكون مشرفا على أطاريحهم.

متصوف خارج التصوف الطرقي لم يكتشف بعد

الكثير من أصدقائه لم يكتشف بعد النزعة الصوفية في شخصيته وجنوحه للفكر العرفاني. صورة ضريح مولانا الرومي، التي وضعها غلافاً للطبعة الأخيرة من كتابه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، تشير لهذا التوجه. فهو متصوف في رؤيته النورانية للوجود وروحه وأخلاقه، لكنه لا ينكّل الجسد، ولا يحرم نفسه من مباهج الحياة، ولا يتظاهر بالقداسة، ولا يمارس الدروشة، ولا يقدّس شيخ طريقة…انه يغرق في تجربة روحية باطنية، تشي بتصوف فلسفي أخلاقي، لا تصوف طُرُقي.

ما زلت اكتشفه

بعد هذه المسيرة الطويلة لي بمعايشة الرفاعي، والتي شارفت على دخول عقدها الرابع، ما زلت اكتشف الرجل. صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنه يضع كلا منها في موقعها…شغفه واطلاعه بالأحجار الكريمة، اهتمامه باقتناء المحابس والسبح، ضحكته الصاخبة، عفويته، براءته، عراقيته، بكاؤه، إهتمامه بهندامه وملبسه ومظهره، ذوقه الفني، شغفه بالجمال، هوايته بجمع اللوحات الفنية، زيارته للمتاحف الأثرية والفنية في كل مدينة يزورها، ولعه بالكتب والمكتبات، مشاعره وعواطفه الجيّاشة حيال من يرتبط به بعلاقة، إلحاحه في قضاء الحاجات، الصديق الوفي، فحين يحتاجه احد أصدقائه أو تلامذته يجده بجواره… ربما متحمسا أكثر منه…منضبط بالوقت والمواعيد، مستشار أمين، يذكر أصدقاءه دائما بخير…على الرغم من خبرته الدقيقة بأمزجة البشر وسجاياهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، من خلال خبرة واسعة متراكمة عشرات السنين بعلاقات متنوعة مع الناس، وتكوين علمي جيد في العلوم الإنسانية وعلم النفس. وان كان هو يميز بين مراحل مرّت بها مسيرته الفكرية، لكنني في الحقيقة لا اعدها مراحل، بل تدرج وتطور وتكامل، كتلميذ الطب الذي يصبح جراحا حاذقا… الطريق نفسه لكنه تقدم فيه أكثر وتعمق أكثر.

الرفاعي الذي كان صاحب التفسير الثالث والبديل الديني بالنسبة لي، المختلف (عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين)، في الحقيقة علّمني نهج الحياة أكثر من ما علمني دروسا في الفلسفة أو اللاهوت.

كلمة الختام: كانت بجواره وليست خلفه

لا أطيل أكثر، وأنهي انطباعاتي ببيان حقيقة وهي: أن الرفاعي لم يكن وحيدا في هذه المسيرة وما حققه…أصبح تقليدا أن يقال عن كل رجل ناجح “وراء كل رجل عظيم  امرأة”، ولكن ليس مجاملة كانت السيدة انتزال الجبوري بجواره والى جنبه في هذه المسيرة الطويلة وليست وراءه… وذلك:

حينما تنازلت عن دراستها الجامعية، لرفد مسيرته الحياتية، في الحركة الإسلامية، والحوزة، في المرحلة الأولى من حياته…

حينما تنازلت عن عيشها الرغيد، لتواكب مسيرة شاب مغامر، متهور، حالم، مشرد…

حينما تركت الأهل، واختارت الغربة والمنفى…

حينما تحملت تقشف العيش وقساوة المنفى، واستضافت وخدمت وطبخت للـ”الشباب العراقيين المشردين في المنفى”…

حينما تحملت أعباء المنزل، وحينما أنجبت وربّت وعلّمت أبناءً تفوّقوا في مسيرتهم الأكاديمية والثقافية…ومنهم مدير تحرير المجلة اليوم، الحبيب “محمد حسين الرفاعي”…

حينما قامت بالتصحيح والطباعة والتنقيح اللغوي والتحرير لمجلة فصلية تصدر بحدود 400 صفحة، فضلا على أكثر من 200 كتاب، أصدرها مركز دراسات فلسفة الدين…كانت حوله وبجواره وعضده طوال الطريق، ولم تكن خلفه.

[1] ماجستير شريعة، وماجستير علوم سياسية.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

صديقي الأخلاقي المفسر دكتور محمود البستاني

صديقي الأخلاقي المفسِّر دكتور محمود البستاني

 

د. عبد الجبار الرفاعي

كتبتُ هذا المقال تخليدا للذكرى الخامسة لرحيل صديقي المرحوم الدكتور محمود البستاني إلى الملكوت الأعلى. ولد محمود البستاني في النجف 1937، وتوفي في مدينة قم يوم الإثنين 9/ربيع الثاني/1432هـ الموافق 15/آذار/2011 م، ودفن في النجف.

لا يطيق الأصدقاء الاختلاف في مجتمعنا، الكل يبحث عن التطابق، وسرعان ما تتهشم علاقاتهم لو اختلفوا فكريا، وان كانوا يزعمون انهم يحترمون فكر ومواقف الآخر.كان صديقي د. محمود البستاني رحمه الله كثير الصمت حد الخمول، كثير الذكر حد الهلوسة، كثير العبادة والأوراد المتعارفة في التراث الشيعي المتأخر حد الغرابة، لا يكترث أبدا بما أقوله، كنت كثيرا ما أعلن له أني أفكر بالضد من أفكاره وآرائه ومعتقداته ورؤيته للعالَم. وربما يشي ما أقوله أحيانا بالتندر، ومع كل ذلك لم تتقوض مودتنا. لم أعثر على مثله في عمري، كان نسخة فريدة من الإنسان، وكأنه استأصل كل ما يترسب من عناصر الشر من أعماق البشر. قوته تكمن في فرادته وبصمته المميزة في معاشه وسلوكه وطريقة تفكيره وقلمه.

أرى أمثال محمود البستاني رحمه الله “وهم نادرون” كأعمدة نور في هذا العالم الكئيب، الذي يضج بالتهافت على كل شيء. في أحد الايام أفطر البستاني ببيتنا بعد ان صلى المغرب، وكان ببيتنا الصديقين السيد كمال الحيدري وجواد كسار، دخلنا معه في سجال انا وكسار. ندمت عليه لاحقا، كان حديثنا يتضمن تشكيكا بزهده بالظهور والإعلان عن نفسه، ومع ذلك تحمل كلامنا الشديد، ولم يرتب عليه اثرا، تواصلت صداقتنا كما كانت.

محمود البستاني؛ مفسر، أديب، شاعر، ناقد، ناسك، زاهد، متهجد، ورع، مدمن قيام الليل وصيام النهار. تعرفت عليه في مرحلة مبكرة من حياتي عبر كتاباته في دوريات “النجف” و”الكلمة”… وغيرهما. وتوثقت علاقتي به في حوزة قم، وتواصلت صداقتنا أكثر من ربع قرن. كنت أحرص على حضور مجلسه الأسبوعي ليلة الثلاثاء في بيته. وهو مجلس يقتصر حضورُه على عدد محدود من أصدقائه. عادة ما يفتتحه هو رحمه الله بعرض نصوص روايات أخلاقية؛ من أحاديث النبي وأهل بيته، تفوح بعبق مواعظ ووصايا تربوية وروحية، ويطلب من الحضور شرح مضمونها.

منهج البستاني أخباري في التعامل مع الأحاديث، لا يدقق في سند الأحاديث، ولا يتأمل متونها، يقرأ ما يراه في كتب الأحاديث من روايات، ويتعامل معها وكأنها نصوص مقدسة، بغض النظر عن سندها ومتنها، وأحيانا تكون مضامينها الظاهرة غير معقولة، ومع ذلك يصر عليها، مادامت مدونة في مصنف تراثي للحديث، وإن كان من المصنفات المتأخرة. كان محمود لا يتفاعل في الغالب مع وجهة نظري، عندما تشير الرواية الى ظاهرة اجتماعية، أو سلوك فردي، وأحاول أن أبحث عن تفسير وتحليل لذلك، يكشف عن أن مدلول الرواية يحتاج إلى تأمل وتدقيق ونقد، لأن مدلولها لا يؤيده العقل والعلوم والمعارف الحديثة، وأشدد على ضرورة الاعتماد في فهم مضمونها على: علم النفس والتربية والاجتماع والعلوم الانسانية الحديثة. ومع الانزعاج المضمر لمحمود من رؤيتي وفهمي إلا أن ذلك لم يفتّ أخوتنا، أو يُصدّع حميمية صداقتنا.

غالبا ما كنت أجد البستاني صائماً، حين أزوره أو يزورني نهاراً، فأدعوه الى الافطار بعد المغرب، ونحتفل معه في منزلنا وقت الافطار بمناخات روحية عبقة. تلوّنها صلواته وأدعيته واشراق وجهه أثناء تسبيحاته وأوراده وأذكاره. خاصة أن زوجتي “أم محمد” – لحظة تعدّ له الافطار – تكللها البهجة والانشراح، وهي تتلمس البركات، وتشعر بالسكينة والطمأنينة، ويملأ السلامُ روحَها، كما حدثتني هي بذلك أكثر من مرة. وكلما غاب عن بيتنا فترة، هي من كان يستحثني على الدوام على تكرار دعواته للإفطار. كل عائلتنا – أنا وهي والأبناء – تتهلل وجوهنا بالبشر، حين يحلّ علينا ضيفاً. نشعر بالغبطة لوجوده في منزلنا، وكأن أرواحنا تتطهر بطهارته، وأنفسنا تتزكى بتزكيته، فهو بالرغم من صمته، إلا ان عبادته وأذكاره، وما يبعثه من مناخات معنوية عذبة، كل ذلك يسقي حياتنا الروحية، ويكرس إيماننا، ويثري ذواتنا بمزيد من التدفق والإشراق المعنوي.

البستاني بسيط كالهواء، طري كالماء، دافئ، عفوي، جذاب. ومع أنه كان معلماً أخلاقياً، وقدوة تربوية في الحياة الروحية، لكنه لم يتهكم أو يزدري من لا يتطابق مع رؤيته وطريقة تفكيره. كان يدرك أنه ليس بالضرورة أن يتعطل عقلنا في حضرة معلم الأخلاق، أو يتوقف تفكيرنا في مقام ملهم الروح، ذلك أن مسارات القلب والروح غير مسالك العقل ودروبه. إن هذا الخلط بين المسالك والمسارات المختلفة أفضى بالمتصوفة الى تعطيل عقولهم، وجمود تفكيرهم، والركون الى مشايخهم في كل شأن دنيوي، بل اتخذ بعضهم من شيوخ الطرق الصوفية أوثاناً.

‏  ‏اختلف مع محمود في طريقة تفكيره غير العلمي، تفكيره يتماهى مع الأوهام أحيانا ويغرق في مخيلته الشعرية. نتفق في الإيمان بالغيب والثقة بالله، واحتياجات الروح للعبادة، والوفاء للأخلاق النبيلة. بالرغم من أن محمود كان مسكوناً بالتفسيرات الغيبية، وهو يعرف نحن نختلف في أسلوب فهمه، ومنهج تحليله للظواهر المختلفة، لأني أعتمد العقل والعلم في تفسيرها، وعادة لا نتفق إلا فيما يتصل بالروح والقلب والأخلاق. لم يكن يتبرم من مناقشاتي ومشاكساتي، بل كان يهتم بما تثيره أسئلتي، وأحياناً يؤشر بدفء وهدوء لاهتمامي بمناقشة كل صديق تصوّب تواتر مناظراته تفكيري، ولا تتطابق رؤاه مع أفكاري. وحين أناقشه في الكثير مما يدلي به؛ لا يتعصب، أو يضجر، أو ينفعل، أو يحتكر الكلام، أو يضع نفسه في مقام الأستاذ والمعلم، أو يفرض رأيه على المتلقي. ظلّ على الدوام مهذباً؛ يتقن فن الإصغاء، يحتفي بمن يتحدث معه، يلتزم آداب العالِم والمتعلم، وأخلاقيات أهل العلم في المناظرة. صمته أكثر من كلامه، إشارته تسبق عبارته، يتجنب كل كلمة أو عبارة حادة أو خشنة في حديثه. لم أسمع من كلماته أو أرى من إشاراته ما يشي بعنف رمزي مضمر. طالما خضنا نقاشات في الظواهر الطبيعية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والصحية، والمناخية، والجغرافية، والتاريخية المختلفة… وغيرها، التي يعللها هو؛ بما هو ميتافيزيقي، وما هو خارج العالم الطبيعي المحسوس، ويشدّد على اختزال كل ذلك ونسبته الى الغيب، والى الله تعالى مباشرة. ورغم ايماني، وعدم تنكري لعالم الغيب. إلاّ أني أسعى دائماً؛ لاستكشاف وتشريح أسباب تلك الظواهر وعللها وبواعثها، وظروفها، وعناصرها ومكوناتها، وبنيتها العميقة، وكل ما هو طبيعي من الأسباب.

البستاني كائن ميتافيزيقي، يعانق الملكوت في بصيرته. يخشع حينما يتحدث عن ملهم تجربته الروحية الحاج عبد الزهرة الكرعاوي، وسطوته العميقة على مريديه، وبراعته في التسامي بأرواحهم الى قمة مدارج السالكين. رأيت عبد الزهرة الكرعاوي للمرة الأولى سنة 1978 عندما كنت طالبا في الحوزة العلمية في النجف، في دكانه الملاصق للصحن الشريف للإمام علي بن أبي طالب، من جهة جامع الطوسي، وعادة ما كنت أشاهد السيد محمد الصدر، والشيخ غالي الأسدي، وغيرهما، يجلسون على دكة حانوته. أثار ذلك انتباهي؛ فسألت الشيخ غالي الأسدي: ماذا تفعل أنت والسيد محمد الصدر عند هذا الرجل، الذي يبيع الترب والسبح، وكراسات الزيارات والأدعية والأذكار؟ فقال: إنه شيخنا وأستاذنا، ومنبع إلهام أرواحنا، يهبنا ما نفتقر اليه في دراستنا وتدريسنا للفقه والأصول والمعارف الإسلامية، إنه يمتلك خبرات روحية، وتجارب دينية، ومعارف سلوكية هامة، تلقّاها من خبراء في هذا المجال، وتنامت بمرور الزمن، عبر التذوق المكاشفات والارتياض والأذكار والتنسك والوجد.

محمود البستاني لا يكفّ عن ذكر شيخه وملهمه الروحي، كان متيما بالحاج عبد الزهرة، يصرّ على أنه تلقى منه ما لم يحصل عليه من الدراسة الجامعية والمطالعة. ولفرط انغماره بالارتياض الروحي، وذوبانه في العبادات والطقوس، تجاهل بالتدريج ماضيه الأدبي، كشاعر مطبوع، وأديب محترف، وناقد أدبي، واسم متميز في الحداثة الأدبية الستينية في العراق، الى الحد الذي كان لا يحبذ قراءة الشعر، أو استعادة أي شيء يشير الى ذاكرته الشعرية، أو الاهتمام بما أبدعه في الشعر، بل تناسى ما نشره وكتبه من قصائد. استمر تأثير موهبته الأدبية ومطالعاته لنصوص الحداثة في كتاباته. ومع ذلك سمعت منه مرات عدة كيف نشأت وتشكلت صداقاته مع جيله من الأدباء الستينيين في النجف، من دون أن يعطله إيمانه، أو يعزله تدينه عن بناء شبكة علاقات مع رموز الحداثة الشعرية المعروفين، مثل: عبد الأمير الحصيري، موسى كريدي، عبد الأمير معلّه، حميد المطبعي… وغيرهم. لم يُهمل ذكر بعض المواقف والحوادث الجميلة، عن؛ علاقاته الثقافية، وماضيه الأدبي، وبدايات تكوينه، ونمط مطالعاته المبكرة. قال لي: في السنوات الأولى لإصدار د. سهيل ادريس مجلة الآداب ببيروت، كان لا يصل الى النجف إلاّ نسختان أو ثلاث منها، ولأني أعمل مع المرحوم والدي في السوق، أستطيع شراء واحدة منها، وبعد مطالعتي لها يستعيرها بالتناوب كل مرة؛ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله.

محمود أديب موهوب في ابداع نصوصه، يكتب بقلم مدهش، بلغة مكثفة مسبوكة بذكاء، غنية بالمفردات الحديثة، كان يكتب حتى الأوهام والخرافات بهذه اللغة، وإن كان لا يتقن الخطابة والتحدث بلباقة. بصمة بيانه المكثف تطبع الحقول كافة التي كتب فيها، ففي تفسيره وغيره ترتسم النصوص بلغة غنية، غزيرة، مضيئة، حين تقرؤها كأنك تلتقي أطياف قصيدة نثر، أو شذرات المتصوفة الكبار، كالنفري، والحلاج، وابن عربي. حتى آخر حياته؛ كان لا يزهد بمطالعة النصوص الإبداعية الأدبية، والإنتاج الفكري الجديد، فقد كان يستعير مني ما يجده من مطبوعات ودوريات جديدة، ويطالعها عاجلا.

نحن بحاجة الى استئناف النظر في تفسير البستاني “عمارة السورة القرآنية” دراسة وتدريسا؛ ذلك أنه يمثل محاولة متميزة في دراسة بنية ومنطق وشخصية السورة القرآنية، واكتشاف نسيج العناصر والمفاهيم والمقولات الخاصة المكونة لعمارة كل سورة. يجترح محمود تسمية “عمارة” لتفسيره، وكأنه يحاكي “عمارة المباني الجميلة”، بكل ما تشي به من جمال، وافتتان، ودهشة، وجلال، ولمسات فنية، وإيقاع متناغم مع البيئة. إنه يرى الآيات والسور مثلما يشاهد اللوحات الفنية المبهجة للفنانين البارعين.

التجربة الأولى التي دشنها محمود البستاني في هذا النمط من التفسير، تمثلت في نشره كتابه “في التعبير القرآني” سنة 1980، وضمّنه نموذجا تطبيقيا للتفسير البياني[1]، أو كما يصطلح عليه هو “التفسير البنائي أو العضوي”، ثم واصل تطبيق منهج التفسير البنائي على القرآن الكريم في تفسيره “عمارة السورة القرآنية”، كما استخلص رؤى أولية للأصول النظرية لهذا التفسير، والتي تمثل القسم الأول من كتابه “المنهج البنائي في التفسير”.

اقترحت على المرحوم البستاني أن أعدّ له كتاباً، يشتمل على بعض نصوصه السابقة، مع حوار أجريته معه ونشرته في مجلة قضايا اسلامية معاصرة، وأسميت الكتاب: “المنهج البنائي في التفسير”، فوافق هو على العنوان. وكتبت له مقدمة تناولت فيها ملامح هذا المنهج ونشأته وتطوره، وجهود البستاني في إغنائه وتوظيفه في دراساته القرآنية، ثم في تفسيره الموسوم بـ : “عمارة السورة القرآنية”.

حرص دكتور محمود على أن يجسد لنا ملامح منهجه في التفسير في رحلة تواكب السور القرآنية من أكبرها الى واحدة من السور الصغرى، موضحا أن الحافز الذي دفعه الى تناول النص القرآني في ضوء بنائه الهندسي أو العماري أو البنائي، يتلخص في أن القرآن الكريم مادام قد انتظم في سور خاصة فلابد من أسرار خاصة تكمن وراء ذلك، والاّ كان من الممكن أن ينتظم بصيغة أخرى، وهذا يعني أن السرّ لا ينحصر في مجرد تيسير عملية القراءة، بقدر ما يتجاوزها الى أسرار أخرى يكتشفها من يتدبر السور. ويدلّ على هذه الحقيقة ما كان يفعله النبي “ص”، حين كان يأمر كتّاب الوحي بأن يضعوا هذه الآية أو تلك في موقع معين من السورة.

اذن هناك وحدة في السورة تتجلى في موضوع أو موضوعات، ذات نسيج عضوي مترابط، على وفق تخطيط هندسي، بحيث إذا نقلنا بعض الآيات أو المقاطع ووضعناها في محل آخر، أو حذفنا أو قدّمنا أو أخّرنا بعضا منها عن الآخر، فسيحدث خلل في الموضوع، وتشوّه في الفكرة، التي تشي بها الآيات الكريمة، على وفق نظمها في السورة، أي إن النص القرآني هو وحدة موضوعية أو فكرية، تتضمن أجزاء متناسقة فيما بينها، بحيث تصب هذه الأجزاء في تلك الوحدة. لا ينبغي النظر الى كل جزء منفصلا عن علاقته بالأجزاء الأُخر، وعلاقة الأجزاء جميعا بوحدة الفكرة والموضوع؛ لأن النظر الى كل جزء منفصلا عن الآخر يجعله فاقدا لوحدته الموضوعية.

رحل محمود الروح والقلب والسيرة،كان محمود معلما للأخلاق بصمته، وملهماً للروح بوصاله مع الحق، وزاهداً في كل ما يتهافت عليه الكثير من الناس، وبعض من يزعمون انهم موقعون نيابة عن رب العالمين. ولم يسقط في ما سقط فيه غيره من معارك رخيصة على متاع رخيص، ولم يفتش عن مصفقين يمنحونه ألقاباً كاذبة، أو مهرجين يُقلدونه أوسمة زائفة، مثلما يفعل سواه في ديارنا.

ما أشد حاجتنا اليوم الى شخصيات روحية أخلاقية؛ تُكرّس تجربتها الروحية وجودنا، ويثري دعاؤها كينونتنا، ونتسامى معها الى حب الله والانسان والعالم، في مجتمعاتنا التي تختنق بدخان الحرائق، وتضج بصخب الدم المسفوح.

لا أعرف ما السرّ في رحيل أولئك الناس الذين يمنحون الناس السلام، فيما يلبث بيننا من يعبثون بحياتنا، ويملؤون عالمنا ضجيجاً وصخباً، ولا يكفّون عن الادعاء والتعالُم!

رحم الله صديقي الروحاني الأخلاقي المهذب محمود البستاني، الذي تعلمت منه شيئاً من؛ حكمة الصمت وصمت الحكمة، والهدوء والسكينة والطمأنينة، والثقة بالله، والاستغناء بالله عن كل ما سواه، والزهد بمتاع الدنيا وبريق بروتوكولاتها ومزاعمها الزائفة، وعدم الحسرة على ما فاتني، والكف عن اللهاث وراء ثرثرة المتملقين المداحين، والابتعاد عن النزاع المزمن على الألقاب والعناوين.

هوامش:

[1] ظهر هذا النوع من التفسير في العصر الحديث في الآثار القرآنية للشيخ محمد عبد الله درّاز، والشيخ أمين الخولي وتلامذته في “مدرسة الأمناء”. واصطلحت عليه د. بنت الشاطئ “التفسير البياني للقرآن الكريم”.

 

رابط النشر:

عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب

عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب

 

د. محمد همام[1]

 

1-  تقديم لابد منه

قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب بعنوان: “قضايا إسلامية” منذ مايقرب من عشرين  سنة؛ تحولت بعد ذلك إلى “قضايا إسلاميةمعاصرة”.أثارتني مواضيعها واستفزني الحس النقدي البارز الذي يسكن مقالاتها. كما أغرتني المقدمات النقدية التي يكتبها مديرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، أو يقدم بها لملفاتها الغنية والخطيرة والمتعلقة  بتجديد التفكير الديني. وأصبحت مداوما على اقتنائها والاطلاع على أغلب دراساتها.

وفي سنة 2003م قدر لي أن أذهب إلى الحج، وقدر أن ألتقي بالدكتور عبد الجبار الرفاعي، في رحاب الحرم المكي، وعلى هامش ندوة الحج، التي تنظمها سنويا وزارة الحج السعودية، فاكتشفت أنه مفكر عراقي عاش بين العراق وايران ولبنان. ورافقته  قرابة شهر، فاكتشفت فيه عالما متضلعا ومفكر ناقدا ومثقفا عضويا استثنائيا. وجدت الرجل صاحب شبكة علاقات متنوعة وغنية تربطه بكل ألوان الطيف الفكري في العالم العربي والإسلامي. والعجيب في هذا الرجل أنه انفتح علي من دون حواجز، واصطحبني معه إلى جل الملتقيات الفكرية التي يحضرها في الحج،وهي كثيرة بالمناسبة. ورافقته في زيارة استثنائية للعلامة محمد حسين فضل الله، رحمه الله، وقضينا معه لحظات فكرية ممتعة ومتنوعة، رفقة صديقي الدكتور فريد شكري، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، والدكتور سعيد شبار، الأستاذ بجامعة “مولاي سليمان ببني ملال، المغرب.

وخلال مدة شهر، اكتشفت عبد الجبار الإنسان والعالم؛ رجل هادئ الطباع وغني من حيث الاطلاع الإسلامي، صاحب قدرة فكرية ومنهجية على تركيب أفكار نقدية واجتهادية، وبروح نقدية عميقة، وسعة صدر رحبة ومثيرة. باحث ومفكر مطلع على التراث ومستوعب بشكل متعمق لثقافة العصر، ومدارسه الفلسفية والفكرية  والنقدية.رجل متخلق وعميق التدين؛ رأيته يرتعش ويبكي أمام الكعبة، كما رأيته بحسه النقدي الصارم، وشجاعته الفكرية عند النزال المعرفي والمقاربة التحليلية للفكر الديني، فاكتشفت فلسفته الفكرية والتي عبر لي عنها، وكتبها أكثر من مرة، وهي أن الدين أبدي في الحياة البشرية، وأن نزعة التدين كما يعيشها تمثل بالنسبة له ظمأ أنطولوجيا لا يروى، وهو الذي كان يقول لي في مكة، ونحن في الفندق، في العزيزية بمكة، في منتصف الليل، هيا بنا إلى الحرم لنرتوي بالنظر إلى الكعبة والصلاة ! فظمؤه الديني يروى بالتواصل مع المطلق، والذي يتجسد عنده في الإيمان والأخلاق والنزعة الإنسانية.

ومن خلال هذه “الصحبة” لهذا العالم المتخلق، ازددت يقينا بقيمة النقد من داخل الفضاء الديني، وبقدرة الفكر النقدي على بناء معمار ديني مملوء بالإنسانية والأخلاقية والإيمان، قادر على  إرواء ظمأ الإنسان المعاصر الحائر.

وعند عودتي إلى المغرب تمتنت اتصالاتي بعبد الجبار عبر الإنترنيت، وأخبرت زملائي الباحثين بعلاقاتي به، وعرفت بفكره، وبمجلته وسط أصدقائي في أكادير أولا، ثم في المغرب ثانيا، وعند بعض أصدقائي في بلاد أخرى. وكنا ننتظر، بشوق كبير، صدور عدد جديد  من المجلة التي كان لها الأثر الكبير على الشباب الديني في أكادير وفي المغرب، وكنا عندها حديثي عهد بمغادرة التنظيم، والبحث عن آفاق جديدة ورحبة، لا تضيق بالسؤال وبالنقد.

2- دور مجلة قضايا إسلامية معاصرة في تعزيز مسار التجديد الديني في المغرب:

عرفت من خلال ملازمتي وصحبتي للدكتور عبد الجبار الرفاعي في مكة خبايا هذه المجلة – الظاهرة الفكرية ! فقد تأسست أولا سنة 1994 تحت اسم ” قضايا إسلامية”،ثم أصبحت “قضايا إسلامية معاصرة”،   تحمل رسالة طموحة وعنيدة وأحلاما عريضة بتجديد الفكر الديني وتحديثه بروح اجتهادية متوثبة وحس نقدي شجاع. فأخرجت بذلك المجلة نقاشات المثقفين الدينيين، ذوي النزوع النقدي، من الحلقات المغلقة والجلسات المحدودة في الحوزة العلمية  في قم، لتلتحم بالنقاشات النقدية في الفضاء السني، في مجال التداول العام. وكأني بالمجلة تعيد الدور الذي قام به المفكر القلق أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، لما أخرج مناقشات “إخوان الصفا”، إلى العلن وضمنها كتابه “المقابسات”! ودعمت المجلة خطها الفكري بسلاسل كتب تجاوزت اليوم المائة، وبمركز يسمى: “مركز دراسات فلسفة الدين” في بغداد، في إطار فلسفة فكرية تقوم على النقد والطموح الجامح للتجديد والاجتهاد وإعادة بناء النظام الفكري والديني للأمة.

ومما زادنا ارتباطا بهذه المجلة الظاهرة الفكرية، أنها تقوم، في جميع مراحلها الفكرية والتحريرية والفنية، على عمل تطوعي شريف وغير مسبوق؛ إذ لا تتوفر لها ميزانية، كما تحرر مواضيعها في أكثر من بلد، ويقود فريق تحريرها عائلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بتدبير مقتدر من المناضلة (أم محمد)، الأم والزوجة، ويتولى الابن الإخراج والتنظيم، ويشرف الدكتور الرفاعي على العلاقات العامة، وعلى التواصل مع الكتاب، وعلى اقتراح المحاور، وعلى الإشراف العلمي على التحرير. فبهذا المجهود العائلي الاستثنائي، مازالت هذه المجلة مستمرة، لم تفرط لحظة في جودة المادة الفكرية التي تقدمها لقرائها على طول العالم  العربي والإسلامي.

ومن خلال هذه المجلة – الظاهرة الفكرية، انفتحت أمام الشباب المغربي، في أكادير وغيره، آفاق جديدة للتفكير الديني؛ فاقتنعنا بأن التاريخ لم يعد يصنعه الأبطال ولا الأيديولوجيات، في هذا الزمن الإفتراضي الذي سطت فيه على الإنسان تكنولوجيا المعلوميات. كما لم يعد ممكنا التفكير المغلق داخل إطار المفاهيم والآراء الموروثة، بل لابد من تدشين حالة فكرية جديدة، تقوم على السؤال الذي ينسل منه سؤال وأسئلة، والخروج من دائرة الجزمية في المجال اللاهوتي، وصياغة رؤى تقوم على النقد والنقاش، خارج أي منطق تبشيري أو دعائي،ظاهر أو متستر، لمفكر أو لمركز أو لدولة أو لطائفة.

وظلت المجلة وفية لموضوعها الرئيس، أي “المعرفة الدينية”؛ من منطلق أصالة الدين في حياة الإنسان، الدين مجسدا في السلوك والشعائر والطقوس والممارسات، من خلال تمثلات متنوعة تغشى الاجتماع البشري كله. فالدين ليس هامشيا في حياة الإنسان، كما تدعي بعض المقاربات المتحيزة والعدوانية ضد الدين وضد المتدينين، بل هو الحاسم في مراحل ومنعطفات هامة في التاريخ. فعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي ترتبط، بشكل جدلي معقد ومتين، مع تحولات المقدس وتمثلاته وتوظيفه. حتى إن هابرماس اعتبر كل ماعدا الدين “ثرثرة ما بعد الحداثة”. وسعت المجلة من خلال دراستها والمقدمات التوجيهية لمديرها عبد الجبار الرفاعي إلى التأكيد على أن أبدية الدين لا تعني سكونه وجموده وثباته، بل هو متحرك ومتغير؛ فهو موجود باستمرار، لكن تجلياته متنوعة، كما أنه يتعرض لتوظيف الناس وتلاعباتهم؛ إذ يوظف في المعارك السياسية والصراعات الاجتماعية، كما يخضع لأنماط من التفسير والتأويل تستجيب لمتطلبات الفضاء البشري المتغير.

ورغم الطابع المعاصر والسجالي للقضايا الفكرية التي تطرقها المجلة، وكذا التداعيات السياسية لتلك القضايا، ظلت المجلة ذات منحى تخصصي، مما يعوق تداولها وانتشارها وسط عامة المثقفين والمهتمين. كما ظلت وفية لسقف الحرية المرتفع والواسع، وظلت أقدر من غيرها على استيعاب الأفكار والأفكار المضادة، سواء صدرت عن الحداثيين أو عن المحافظين. كما أخرجت، بأسلوبها الاستيعابي، القارئ من تقاطبات “الطائفية الثقافية والفكرية”، التي ترسخها بعض المنابر والمجلات والمراكز مما يغذي الاستقطاب الطائفي، ويزكي الصراع المذهبي المدمر على صعيد الأمة، من خلال الترويج لمذهبيات سياسية ميتة أو قاتلة، ومغلقة ومعادية للإنسان، ولحرياته وحقوقه.

وفتحت المجلة آفاق البحث الديني في المغرب، من خلال نشر أبحاث ودراسات معمقة في الفكر الديني لنخبة من الكتاب والباحثين والمفكرين المتخصصين، من خلال استثمار العلوم الاجتماعية والإنسانية في تحليل الظواهر الدينية. كما حملت تلك الأبحاث والدراسات والمقدمات نفسا شجاعا في المراجعات النقدية والحوارات والنقاش لمختلف المقولات والمفاهيم والرؤى المتداولة في المعرفة الدينية.

وتميزت المجلة بموضوعية التعامل مع الباحثين؛ إذ لم تتحيز لفئة دون أخرى، ولم تروج لمقولات مفكر دون غيره، وعادة ما تنشر الرأي والرأي النقيض، في القضية الواحدة، في إطار الاستيعاب النقدي للمعرفة الدينية وللتراث. وكان مساهمة، بذلك، في مساعدة القارئ على بناء عقلية نقدية وتركيبية، تنحاز لمطلب المعرفة على مطلب الأيديولوجيا. فالمجلة تعمق الفهم النقدي التركيبي للموروث الديني، وتدعو إلى التحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، باعتباره كما من النصوص يلزم حفظها واجترارها خارج عمليات التحليل والتدبر والنقد والتركيب. كما رسخت المجلة أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة في دراسة المعرفة الدينية، خاصة فلسفة العلم (الإبستمولوجيا)، وعلم النفس (السيكولوجيا)، وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، والقانون، والعلوم السياسية، واللسانيات، والتأويليات (الهيرمينوطيقا)؛ استثمار أدواتها التحليلية والتفسيرية والإجرائية في قراءة النص الديني، ودراسة أنماط التجارب الدينية، والخبرات السلوكية المؤسسة على الإيمان الديني.

3- أطروحة عبد الجبار الرفاعي الفكرية:

إن المتأمل في المنجز الفكري الواسع للدكتور عبد الجبار الرفاعي، يمكن أن يلخصه في فكرتين أساسيتين ومنطلق منهجي، مما كان له الأثر الواسع على البحث الديني الحديث، ليس في المغرب وحسب، بل في العالم الإسلامي برمته؛ والفكرتان هما: إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وتحديث التفكير الديني، والمنطلق المنهجي هو: المنطلق الذاتي للتحديث.

ويتجلى مطلب إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، عند عبد الجبار الرفاعي، في سعيه إلى تحرير الدين مما يسميه بـ “الفهم المتوحش”؛ فهم يحول الدين إلى منبع للعدوان والتعصب والكراهية. ويكون التحرير والإنقاذ بكشف النزعة الإنسانية العميقة في الدين والمتمثلة في الجوانب التنزيهية السامية، والتي تصطفي الإنسان، وترفع مكانته ،وتلح على تكريمه، حيا وميتا، وأن حياته هي مناط الاستخلاف والتكليف، وموطن المسؤولية والأمانة التي يحملها.

ويقتضي إبراز النزعة الإنسانية في الدين، بنظر عبد الجبار الرفاعي، تخليصه من التوظيفات البغيضة التي زجت به في حروب دموية “مقدسة”، واستعماله للتحريض على الموت، وتعبئة الأتباع وإلقائهم في معارك تنتهك كافة المحرمات. كما تقتضي هذه الوظيفة الإنقاذية تجاوز الأطروحات التحديثية المقلدة، خصوصا في العالم العربي، والتي تربط النزعة الإنسانية بسياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غربية، تشكلت في القرن الثامن عشر في أوربا بعد القطيعة مع اللاهوت الديني الوسيطي؛ أي أن النزعة الإنسانية، وفق هذه المقاربة المحدودة، لا يمكن أن تتمحور حول “الاله”، وإنما حول “الإنسان”، وهو ما لم يحصل في الماضي ويحصل اليوم ! لكن القراءة النقدية للتاريخ، والقراءة التحليلية للنصوص الدينية،والتقويم النقدي للموروث الديني الإسلامي، هذا العمل الذي أنجزه عبد الجبار الرفاعي وينجزه، هو الذي يمكننا، بنظره ، من النفاذ إلى البؤر المضيئة في النصوص، والتراث المتنوع الذي يحمله؛ من منطلقات أساسية، وأهداف عامة، ومقاصد كلية، بعيدا عن الإسقاطات الأيديولوجية الإقصائية والمعتقدات القمعية. عندها نستطيع، بنظر الرفاعي، التخلص من نزعات الهيمنة بالدين، وإخضاع الناس، ومراقبة الضمائر، وتفتيش العقائد.

إن إحياء النزعة الإنسانية في الدين، من منظور الرفاعي، يقوض الطاغوت، ويفضح المشروعيات الزائفة القائمة على تأويل متوحش للدين. والنزعة الإنسانية لا تنتعش إلا في أجواء الحرية والديمقراطية، وسيادة قيم التعدد والاختلاف المؤسسة للمجتمع المتمدن.

ولا يخفي عبد الجبار الرفاعي أن مجهود إحياء النزعة الإنسانية في الدين سيتعرض  لمقاومة اللاهوت الكلاسيكي القائم على التفسيرات المتعسفة والقمعية للنصوص، وعلى الصورة النمطية “للإله” المستلب لحالات ذهنية ومصالح اجتماعية للاهوتيين أو السياسيين.فالنزعة الإنسانية في الدين تستلهم الصفات الجمالية للاله وأسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، البارئ، المصور، الوهاب، الرزاق، البصير، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم… وهذا الاستحضارالإنساني والجمالي للإله، يعاكس المقاربات السلفية التي تتكتم عن المعاني الإنسانية في الدين، لتنحت دينا خاصا بها، وتشكله في إطار وعيها وخلفياتها وتحيزاتها وافتراضاتها الذهنية؛ دين غريب عن الدين المؤسس؛ أو قل بتعبيرعلي شريعتي: “دين ضد الدين”، أو بتعبير الصادق النيهوم: “إسلام ضد الإسلام”  ! دين مشبع بالإكراه والقيود والإصر والأغلال؛ أي مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة التي تستنزف الطاقة الحيوية والإبداعية والإنسانية لرسالة الدين، وتحوله إلى ركام من الأعباء ينوء الناس بحملها؛ دين مملوء بقيم بدوية رديئة.

إن إنقاذ النزعة الإنسانية للدين، من منظور الأطروحة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي، تعني استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين، وإحياء التجارب الإيمانية المتنوعة، للعيش في عالم ممتلئ بالمعنى، يتخلق فيه الإنسان بأخلاق الله، وفي مقدمتها حب الآخرين، وتمني الخير لهم. فالحب هو منبع إلهام الحياة الروحية، ومصدر الانجذاب إلى الله تعالى. والحب رحمة، وهو الابتعاد عن مظاهر الكراهية والإكراه.

أما فكرة تحديث التفكير الديني، في المشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي، فيمكن تلمس معالمه في المقدمات التي يضعها الرفاعي بين يدي الملفات المتخصصة للمحلة؛ وكذا في الدراسات التي ينشرها في أكثر من منبر؛ فقد تعرضت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” بالنقد والدراسة والتحليل للمؤسسات الدينية، باعتبارها نمطا من التمثلات الاجتماعية للدين، وبحكم تأطيرها داخل سوسيولوجيا الجماعة ومطامعها وأغراضها وانتظاراتها ونماذجها المعرفية. فالمؤسسة، سواء كانت دينية أو سياسية، هي تعبير عن المصالح، الظاهرة والخفية، في المجتمع. لذلك تتم دراسة الظاهرة الدينية كظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة عابرة للمجتمع والتاريخ، كما تريد أن تقنعنا به التيارات الدوغمائية والمثالية. ولكن، رغم ذلك، فالمؤسسة الدينية، وهي منطلق التحديث الديني بنظر الرفاعي، تتمتع بسلطة معنوية ورمزية رهيبة؛ إذ تخضع، بشكل طوعي، أتباعها، وتوفر  لذاتها من خلالهم إمكانيات ضخمة مادية ومعنوية. لذا فإن التحديث الديني لابد أن يمس المؤسسة الدينية لدورها الخطير في المجتمعات التقليدية. وتحديث هذه المؤسسة، بنظر الرفاعي، له ارتباط جدلي وثيق بتحديث المجتمع الذي يحضنها وتنمو فيه وتتحرك وتؤثر. وعليه، لابد من إقناع المؤسسة الدينية بضرورة التحديث، من منطلق أن المعرفة الدينية جزء من المعرفة البشرية المتداخلة والمتشابكة، من منظور فلسفة العلم، مما يقتضي استجابة المعرفة الدينية في بناها التحتية العميقة للتحولات التي تعرفها المعرفة البشرية، وإلا ستبقى خارج التاريخ وخارج التطور وخارج الأجندة الإنسانية المعاصرة.

ويحدد الرفاعي منطلقا منهجيا أساسيا لإنجاز هذه المهمات التجديدية في المعرفة الدينية، وهو ما يسميه ب “المنطق الذاتي للتحديث”؛ أي المراهنة على التحديث من داخل الفضاء الديني، وتجاوز المنطق الخارجي في التحديث الذي رفع لواءه رفاعة رافع الطهطاوي، والذي وصل إلى الباب المسدود، وعمق التقاطب الجذري بين الإسلاميين والعلمانيين؛ كتجل سياسي اليوم لفشل مشروع التحديث الديني من الخارج.

إن تحديث التفكير الديني من خارج المؤسسة الدينية، ومن خارج الفضاء الديني، بنظر عبد الجبار الرفاعي، عملية محدودة وفاشلة، في غياب الاستيعاب الداخلي للمنطق الديني، واستئناف وتركيب المعارف الإسلامية. ولهذا السبب يكون تجديد الفقهاء وعلماء الدين، على الرغم من محدوديته من حيث السعة العقلية والفكرية، أكثر أثرا ممن يحملون لواء التحديث من خارج الفضاء الديني. ولنا عبرة في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر. فتحديث المسجد لا ينبثق إلا من داخل المسجد، عندها يتوفر التحديث على المشروعية، كما يتوفر له حامل اجتماعي، الشيء الذي تفتقده الدعوات التحديثية من خارج الفضاء الديني، فتبقى معزولة بدون أثر، لأنها تقدم نماذج تحديثية هجينة ومغتربة بل وممسوخة، غير قادرة على التأثير على الحركات الاجتماعية والسياسية، عكس عمليات التحديث الذاتي بمنطق داخلي، مدعمة بمشروعية ذات عمق سوسيولوجي وأنثروبولوجي، وليس عمقا ميتافيزيقيا أو فقهيا وحسب. ويعمق من هذه المفارقة ركوب النماذج التحديثية من خارج الفضاء الديني على مقاربات ضحلة للدين والمقدس بعامة، تفتقد إلى التعمق في الدين ودراسة التراث الديني، والمعرفة الدقيقة بمسالكه ودروبه، فتقتصر تلك المقاربات التحديثية من خارج، على الشعارات، وسرعان ما تتحول إلى مدونات في السباب والتهجم على الدين وعلى المتدينين بعناوين هجائية صاخبة وعصابية، ومقولات جارحة للضمير الديني للناس؛ هجاء لمقدساته ورموزه بعبارات قاسية وصادمة، مما يولد ردود فعل عنيفة من الناس، الذين تنتابهم حالة نفسية دفاعية وطبيعية بسبب خشيتهم على مقدساتهم ورموزهم الدينية، وهي عندهم ممتلكات رمزية وروحية ثمينة، مما يزيد يكرس حالة من التدين ذي البعد الواحد، والذي تنادي به الجماعات السلفية فتهدر، بذلك، مضامين الدين الروحانية والمعنوية والإنسانية.

إن عبد الجبار الرفاعي،المفكر العراقي الرحالة، لم يكن مدير مجلة وحسب، كما أن المجلة لم تكن منبرا إعلاميا وحسب، بل أبدع مجلة  هي في حد ذاتها ظاهرة ثقافية معاصرة، حاملة لروح التجديد الديني بمنطق ذاتي، وكان بمثابة منسق لخطوط فكرية تبدو متباعدة، لكنه استطاع تقريبها وخلق التكامل بينها بحكم خبرته الفكرية الواسعة، من أجل تجديد ديني ذاتي ينزع نزوعا إنسانيا خارج المذهب وخارج الطائفة. لذا لن يستغرب قارئ المجلة وجود عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان ومجتهد شبستري إلى جانب محمد أركون ومحمد سبيلا وعبد المجيد الشرفي، إلى جانب طه عبد الرحمن وأبي القاسم حاج محمد وطه جابر العلواني، وكوكبة من المفكرين والباحثين الشباب المسكونين بهم الإبداع والنقد والتجديد، مما كان له الأثر على الحاسة النقدية والتحليلية للشباب الديني في المغرب. فشكرا عبد الجبار الرفاعي وشكرا مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”

[1] د. محمد همام أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة ابن زهر بأكادير في المغرب.

 

رابط النشر:

تديّن السكينة والتديّن الكئيب عند عبد الجبار الرفاعي وبوريس سيرولنيك

 تديّن السكينة والتديّن الكئيب عند عبد الجبار الرفاعي وبوريس سيرولنيك  

د. كوثر فاتح[1]

وأنا أطالع الصفحات الأولى من كتاب عبد الجبار الرفاعي “الدين والكرامة الإنسانية” استوقفتني مطولا عبارة صاغها في الصفحة الرابعة عشرة من الكتاب متحدثا عن: تدين كئيب يغمر الروح بالأسى، وكأني به فقع دمامل الغبن والكآبة[2]. قد لا أبالغ إن قلت إن تلك العبارة لخصت كل ما نعانيه اليوم نحن المسلمون من: تدني شغف ديني، غياب لوعة وجودية، ونضوب سكينة إيمانية:  “في زمن قلما تفرح فيه الروح، كما قال الرفاعي صادقا في الصفحة عينها.

تديننا كئيب وكئيب جدا، واقعنا فقير جدا، على الرغم من أن تراثنا غني جدا. فكيف نفسر عوز تديننا؟ هل هي المادية المتغولة؟ هل هي الفردانية الزاحفة؟ أم هو قصور الفهم الديني؟ أهو عيب دين أم عيب تدين؟

دعونا لا نقفز باتجاه استنتاجات متسرعة قبل ان نسافر في جغرافيا كتابات الرفاعي، وذكريات ماضينا، لنعود لتشخيص واقعنا ثم الأمل في حلول ممكنة. أتذكر هنا ما كتبه الرفاعي عن والدته في كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي“، حيث اعترف بفضل تدين أمه البسيط عليه، وما ألهمه من سكينة إيمانية، (الظمأ الانطولوجي ، ص 47-48)؛ مدافعا عن: “تدين فطري عفوي بريء شفيف، (ص 48)، ومذكرا إيانا ببساطة التديّن الشعبي وتلقائيته.

أعرج على ما سرده في كتابه الأخير “الدين والكرامة الإنسانية” عن قصة موسى النبي مع الراعي، ثم قصة فخر الدين الرازي مع المرأة العجوز، (الدين و الكرامة الإنسانية، ص25-23).

أحيا لدي الرفاعي ذكرى أجدادي، وانتبهت فجأة إلى أن تديني كئيب جدا وجدا.  أذكر أن جدي كان من دراويش زاوية الهادي بنعيسى “الزاوية العيساوية”.كان له ورد صباح وورد مساء. كان ما إن يفرغ من عمله حتى يهرع للزاوية للقاء الأحبة. كانت له طقوسه قبل وبعد الصلاة. حتى أدعيته كانت متميزة ببساطتها وكثافة معناها. ما إن يقترب موسم “الشيخ الكامل” بمكناس حتى يغادرنا جدي “باسيدي” متخليا عن الأهل والزوج. لا تفارقه سبحته ولا ابتسامته. كان محدثا بليغا ورجلا حكيما بشهادة من عاصروه. والأهم من هذا وذاك كان مرحا، لأن تديّنه كان تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

لا أتذكر انه في إحدى حكاياته لنا أو جلسات سمرنا معه قد حدثنا عن جهنم أو نار أو عقاب. لم يكن جدي مهووسا بجهنم، لأنه كان متيقنا من رحمة الله ومن عوضه الجزيل. لم يحدثنا عن الدين، لأنا كنا نراه في أفعاله. لم يفتش كثيرا في عيوب فهم الدين، لأنه سلم بأن دينه يخاطب روحه. أما عقله الصرف فقاصر عن أن يدرك أفق  المعنى الديني. هذه ليست دعوة لتعطيل العقل وإنما اعتراف بحدوده. دون شك ليس في عرفان دراويش الحاضر حل لما نكابده.

جدتي لوالدتي أيضا كانت متدينة مرحة. وأذكر أن أحد أخوالي قد أصابه لفترة ما وباء التطرف الشديد، ومنعها من مشاهدة حفل “سهرة السبت”، الذي تعرضه قناتنا الوطنية الأولى نهاية كل أسبوع، بدعوى حرمة الموسيقى، لكنها انتفضت في وجهه وصرخت: “إن كان الأمر بيني وبين الله فدعني وخالقي، سأخبر الله أني أحب سهرة السبت في التلفاز”. لم تشغل جدتي بالها كثيرا بحلال وحرام، كانت تستمتع بتدينها، لأنها آمنت بالله وسلّمت برحمته. هذه ليست دعوة لتحليل أو تحريم، بل قد يكون الحل في الانعتاق من جدلية حلال وحرام هذه التي أنهكت أفهامنا. هي حكايات كثيرة يمتلكها كل واحد منا لأب، أو أم، أو جد، أو عم وخال، كان تديّنه تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

تخبرنا أمي أن جارات وصويحبات الحي كن يقمن حفلة متى وضعت قطة إحداهن، أو عندما يكسر صغارهم أول كأس، حين يحلقون رؤوسهم أول مرة، وعندما يحفظ طفلهم أول حزب من القرآن … كن يغتنمن كل مناسبة للقاء الفرح والمرح.كانت النسوة تلتقي بشغف،كن يمرحن بسبب وبدونه، أما نحن فأغلب حواراتنا إما شكوى مرض أو زوج أو أبناء أو وطن.كانت النسوة متدينات محتشمات دون مبالغة، والأهم كان تديّنهن تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب. نحن النسوة اليوم نتأرجح بين نقاب، حجاب، وتبرج. وبين هذا وذاك ضاع الحياء.

عدت أيضا إلى سنة مضت، عندما قامت بنيتي بأخذ كتاب زميلتها في الفصل سهوا، ووضعته في حقيبتها وحملته معها إلى المنزل، فجاءتني باكية: “أمي هل هذه سرقة؟ هل سأدخل جهنم لأني اخذت كتاب مريم؟”.

مهلا بنيتي، فلست أذكر يوما أني قلت لك: “إن جهنم بالمرصاد”، بل طالما رددت على مسامع أبنائي :”رحمة ربي وسعت كل شيء”.

لا أذكر أنى أحدث ابنتي ذات السنوات السبع عن جهنم ونارها.كل ما أذكره لأبنائي هو عن رحمة الله ولطفه بعباده. ولا تذكر هي من أغلب فصول حصص التربية الإسلامية إلا العذاب والعقاب.  لا أعيب اجتهاد معلمتها، ولكن أعيب أسلوبها في التربية الدينية. نحن في مدارسنا نعاني “حالة المعلم المبشّر”، الذي تجرفه لوعة النصيحة أحيانا، فيغفل عن أن أطفالنا يقلدون أفعالنا، وأن نصائحنا لابد وأن تظهر في أفعالنا نحن الراشدين أولا. وذلك ما يسمى في سيكولوجيا التربية المعاصرة بـ “Congruence ” ، أي ان أسمع أفعالك وأشاهد أقوالك فاراها فيك .**  هي المطابقة إذن بين القول والفعل. قد نكون نحن اليوم بعيدون جدا عن ذلك .

هو عصاب اجتماعي يتفشى عندما نغرق تربيتنا في خطابات الوعظ والإرشاد والترهيب، ويكون واقع أفعالنا متعارضا كلية مع جميل ما ندعو إليه. لا يعني هذا أن نلغي حضور المقدس في تربيتنا، بل أن نحوله من “مقدس” الى “ممكن بشري”، ونحد من الهوة الشاسعة بين جمال ديننا وكآبة تديننا.

هي المدرسة إذن تثقل عقول الأبناء بخطابات الترهيب. لنتساءل بعد ذلك لم التطرف؟ لم النفور من الدين؟ لم اللاتدين؟

دعونا لا نخوض في الأسباب التاريخية، والاجتماعية، والأنثروبولوجية، والسياسية، لنفصل في علل “خطابات الرعب” حتى لا نوقض حساسيات أيديولوجية تزيغنا عن غرض هذه الاسطر.

كيف نعرف تديّن السكينة؟

قد يكون من باب أولى ان نُعرِّف تديّن السكينة بنقيضه، وهو التديّن الكئيب . يميل الرفاعي لوصف واقعنا بـ: الرتابة المادية، القلق الوجودي، الفقر الانطولوجي، وإنطفاء المتعة“، (الظمأ الانطولوجي، ص22). هو شغف الوجود وقد خمد، والقبح وقد أغرق العالم. هي الفردانية وانغماسنا المبالغ فيها، وفي العقلانية، وانسحاب العرفان والمحبة من حياتنا. نحن قد حققنا  “الكفاية المعيشية “، وأعوزنا  الظمأ الانطولوجي، وإن كان ظمأنا هذا ظمأ جوع بعد شبع. فما أفقرنا!، (الظمأ الانطولوجي ص 20).

يعزي الرفاعي كل هذا إلى: “ان الصياغة الأيديولوجية للدين تخفض طاقته المقدسة، بعد ان تهتك سحر العالم، وتطفئ شعلة الروح التي يلتمسها الانسان فيه، وتجفف منابع ما يولد روح المعنى في مداراته، فيصاب الكائن البشري بالسأم والإحباط والضجر والغثيان، بعد ان يموت كل شيء من حوله، ويفتقر الى ما يلهمه مزيدا من الطاقة“، (الظمأ الأنطولوجي، ص 21).

هو شح المعنى في رأي الرفاعي، ذاك الذي يفسر ما نعانيه من اغتراب عن ذواتنا. يكتب: “انسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني أخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في الحياة، عالم تزداد فيه كآبة الإنسان ويشتد اغترابه”، (الدين والكرامة الإنسانية ص 8) . نحن إذن بحاجة إلى بناء فهم  جديد لتديننا، نحيي معانيه الإيجابية، التي أخمدتها تأويلات تغالي في الترهيب، وشوّهت صورة الله الرحيمة. نحن بحاجة لإعادة تشكيل صورة الله في مخيالنا الديني كما يصر على ذلك الرفاعي، حتى نتحرر من: علاقة مسكونة بالخوف الى صلة تتوطن مقام المحبة“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 40) .**

قد يبدو من السهل اسقاط هذه الدعوى عبر اتهامها بانها أيديولوجيا شغف روحي توجه سهامها ضد أيديولوجيا شغف عقلي. دعونا نتحول إلى قراءة أخرى تلتقي كثيرا وتصور الرفاعي، وان كانت تختلف عنها من حيث الأدوات الابستيمولوجية والمقاربة النظرية.

قراءة لا يعنيها المقدس بقدر ما يعنيها الانسان

لنعرج على كتاب  Psychothérapie de Dieu العلاج النفسي بالله، للطبيب النفسي الفرنسي  المتخصص في علم النفس العصبي Boris Cyrulnik  الذي خصه للحديث عن علاقة الانسان بالله، وعن علاقة العلاج النفسي بإيمان الفرد*** . يستحضر هذا الخبير النفساني في كتابه دور الايمان في تعزيز القدرة على “المثابرة La résilience”، أي الصمود في مواجهة المحن وتخطيها . هو مفهوم مركزي عند سيرولنيك، يحيل على القدرة الإنسانية على تحمل الحياة وتجاوز الاحتضار النفسي،  (سيرولنيك، ص 15). يرى سيريلنيك أن للبعد الإيماني دورا مهما في تعزيز هذه القدرة وتنميتها. إنه يميل الى التأكيد على أن الانسان المعاصر فقير جدا انطولوجيا، وأن حاجته للدين قبلية أساسية؛ منتفضا  ضد كل إقصاء للدين في أدبيات العلاج النفسي.

يستعرض سيرولنيك حالات إكلينيكية واكبها، وساعدها الإيمان على تجاوز محنها النفسية ،ثم يعود لذكريات طفولته القاسية التي عرف فيها اليتم والعنف في أبشع صوره، ليقيم تقابلا بين الإيمان واللا-إيمان، على مستوى مواجهة صعاب الحياة. هكذا يخلص إلى مقاربة الدين بوصفه «un tuteur de développement» أي وصي على التطور يحيل على عالم ميتافيزيقي توجد فيه قوة مطلقة، (سيرولنيك، ص   293- 48). هي قوة رحيمة تغذي الحاجة للشعور بالأمان . أما ذلك العالم الميتافيزيقي فهو عالم يقي الانسان صحراء اللامعنى، ويعطي لأحلامه وأهدافه معاني وغايات.  هو إذن يحمي الانسان من انغلاق عالمه النفسي على ذاته، (ص 51). لذلك يصرح سيرولنيك بضرورة إعادة الصلة بالله، واستثمارها في العلاج النفسي . لكن  سيرولنيك يعترف بأن الدين ينقذ البعض، لكنه قد يكون مسؤولا عن مآسي كبرى بسبب تعصب تأويلي، (سيرولنيك ص 38). لهذا يذكرنا بأننا نحتاج الى صورة إله  “يشعرنا بالأمن يعزز ثقتنا بأنفسنا و يرشدنا لطريق السعادة“، (ص 63). يحدثنا سيرولنيك في كتابه مرة أخرى عن قيمة الطقوس الجماعية في تعزيز الحس الاجتماعي للفرد واحساسه بالانتماء، (ص 84 و96). ليس الدين في نظره للإيمان  فقط ، إنه ايضا للسعادة وللغيرية… هو صلة بين الإنسان والعالم ببعديه المادي والميتافيزيقي. هو مبرر وغاية وجودنا.

بهذا المعنى يتضح لنا كيف تلتقي القراءة الفلسفية للرفاعي مع المقاربة السيكولوجية لسيرولنيك، ولا يبرر هذا التشابه إلا السعي وراء معنى للوجود الإنساني.

يذكرنا الرفاعي بأننا نسينا الإنسان. في حين يذكرنا سيرولنيك بأننا نسينا الله  .ويذكرنا تديننا بأننا نسينا الشغف.

أخيرا ،كيف نتحرر من التديّن الكئيب؟

تحمل لنا رباعية مؤلفات الرفاعي عن الدين: “الدين والظمأ الانطولوجي- الدين والاغتراب الميتافيزيقي  – الدين والنزعة الإنسانية –  الدين والكرامة الإنسانية” تشخيصا لما نعانيه اليوم من أزمة حضارية كأمة إسلامية. نحن في قطيعة مع الإنسان بداخلنا؛ اطفأنا شغف إنسانيته بمادية مفرطة، وعقلانية بخيلة المعنى.

قد يكون الحل في إعادة بناء هويتنا الدينية. لن يتحقق ذلك دون مغامرة تأويلية جديدة لماضينا بشرط المسافة النقدية مع هذا الماضي والجرأة على الاعتراف بالأخطاء التاريخية والنواقص البشرية. ولعلنا أيضا  بحاجة الى هيرمينوطيقا إيجابية للدين .  يقول الرفاعي: الدينُ يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في الهدم، ويعود الاختلافُ في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفيةِ تمثلهم له في حياتهم“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 5).

قد يكون الخلاص كذلك في ان نعترف أولا للماضي بوزر الخطأ، ونسمح للحاضر بالحق في الشغف، ونتصالح مع سحر العالم؛ فنتحرر من شطحات العقلانية، وهلوسات الفردانية، وغرور المادية  .

أخيرا، قد يكون ترياق التديّن الكئيب هو الظفر بجرعة إنسانية زائدة. وذلك ما يدعو إليه الرفاعي في ما يصطلح عليه بـ: “الإنسانيَّة الإيمانية”.

مراجع

-عبد الجبار الرفاعي (2021)  .الدين والكرامة الإنسانية، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

– عبد الجبار الرفاعي (2021). مقدمة في علم الكلام الجديد، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

-عبد الجبار الرفاعي (2018) .الدين والظمأ الانطولوجي، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

B.Cyrulnik (2019).Psychothérapie de Dieu.Odile Jacob. Paris

*يخص عبد الجبار الرفاعي هذا المبحث بجزء مهم في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” حيث يطالب و بإلحاح بضرورة إعادة تشكيل صورة الله والتحرر من صور البطش والترهيب التي اورثتنا إياها مدارس تأويلية بعينها  . وقد لا تكتمل مطالب التخلص من هذا التديّن الكئيب دون التخلص أولا من ارث تأويلي، ومن أدوات ابستيمولوجية انتهت صلاحيتها.

**مفهوم نجده حاضرا بقوة عند كارل روجزCarl Rogers في مقاربته المتمركزة على الشخص ضمن السيكولوجيا الإنسانية التي ينتمي اليها، وفي مدارس التربية الإيجابية التي نهلت كثيرا من مقاربته النفسية .

***هي نقاط تشابه كثيرة بين أطروحة سيرولنيك في هذا الكتاب ومفهومي الظمأ الانطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي عند الرفاعي، وقد يكون الانخراط في قراءة مقارنة لهذين المفكرين مغامرة شيقة. وان كان تدخل سيرولنيك هذا قد قوبل بنوع من الاعتراض في الساحة الفكرية الفرنسية المعاصرة المعروفة بتغليبها للكوجيطو ، الا ان هذا التوجه الروحاني في العلاج النفسي حاضر بقوة في المدارس النفسية الانجلوساكسونية خاصة في علم النفس الإيجابي .

هوامش:

كوثر فاتح دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا – أكاديمية فاس – مكناس، المغرب.[1]

في الفصل الثالث من كتابه الجديد: الدين و الكرامة الإنسانية، تناول عبدالجبار الرفاعي أشكال التديّن، وتمثلات الدين في حياة الفرد والمجتمع، فأورد ثمانية أشكال للتديّن، وكشف عن ملامح كل واحد منها ومنابعها بالتفصيل ، وأشار في أكثر من مورد إلى التديّن الذي ينتج الكآبة، والتديّن الملهم لسكينة الروح وطمأنينة القلب. [2]

 

رابط النشر:

محمد أبو القاسم حاج حمد: مثال للاجتهاد في السودان

محمد أبو القاسم حاج حمد: مثال للاجتهاد في السودان

 

د. عبد الجبار الرفاعي

السودان بلد أنهكته الحروب الأهلية، والفقر، وفشلت حكوماته المتعاقبة في استغلال ثرواته الطبيعية، واستثمار أرضه ومياهه، في تأمين سلة حبوب ومحصولات زراعية تؤمن حاجاته الغذائية، وحاجات بلدان أخرى، لكن السودان ليست فقيرة عقليا، مثلما هي فقيرة اقتصاديا.

ابتكر التفكير الديني في السودان لنفسه مسارا نقديا اجتهاديا، تجاوز فيه تقليد أفكار ومواقف الجماعة الاسلامية في باكستان، أو الاخوان المسلمين في مصر، أو حزب التحرير في القدس.كذلك لم يستنسخ المفكر المسلم في السودان أدبيات تلك الجماعات، وانما حاول ان يتأمل الدين في فضاء بيئته المحلية، ويخلص الى رؤى ومقولات يتجاوز فيها اسلوب التعليقات والشروح والتوضيحات، التي تحيل على مرجعيات مستعارة من مفاهيم: “الحاكمية الإلهية، جاهلية القرن العشرين، الهجرة، العزلة الشعورية…”، وغير ذلك من أحكام لاهوتية وقيمية، عمّمها جماعة من منظّري الإسلام السياسي، منذ منتصف القرن الماضي على المجتمعات المسلمة، مثل: أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وتقي الدين النبهاني…، حتى الاخوان المسلمون في السودان، لا تخلو مواقفهم من واقعيته، بعد تلوّن تفكيرهم بتجربتهم المحلية، فقد وصفوا حركتهم بـ “الجبهة الإسلامية القومية” حسب تسميتهم. وهو توصيف يشي بعبورهم الترسيمات المغلقة للعقل الاخواني الأممي الرومانسي، الذي توقف عند سيد قطب، ولم يشأ عبوره حتى بعد هيمنتهم على السلطة، وتنصيب محمد مرسي رئيسا لمصر.

اجتهد حسن الترابي في سياق اسلامي سوداني، فأنجز مراجعات نقدية لأدبيات الاخوان، وحاول أن يصوغ منظورا بديلا للحركة الاسلامية في السودان. المؤسف ان اجتهاد حسن الترابي كان ضحية مراوغته ومكره السياسي، وتهافته الرخيص على السلطة، إلى أن ورط السودان بحكومة إسلام سياسي يقوده عسكري متخبط هو البشير، الذي أنهكت سلطته السودان.

بقطع النظر عن موقفنا الناقد لآرائه وسلوكه السياسي، لكن نود أن ننبه الى أن التأويل المختلف للنصوص الدينية، ونمط الفهم المتميز لسياق الاجتماع الاسلامي السوداني، الذي نعثر على شيء من سماته في كتابات الترابي، بوسعنا التعرف على ملامحه، وصيغته المغايرة، وتأويله الخاص، في آثار محمود محمد طه، ومحمد أبو القاسم حاج حمد. ذلك التأويل الذي قاد محمود طه الى حبل المشنقة، بعمر ستة وسبعين عاما، بعد الحكم عليه بالارتداد، وامتناعه عن الاعتذار من معتقداته، عندما خيّره القاضي بين التوبة والإعدام، فاختار الذهاب الى الإعدام، لاعتقاده بصواب اجتهاده.

ما زال محمود طه غير معروف خارج السودان، إلا بحدود ضيقة جدا، مع ان فكره “الخلافي، الإشكالي، الخارج على الأنساق اللاهوتية والفقهية المعروفة”، يتطلب الكثير من المراجعة والتحليل والغربلة والنقد، والمقارنة مع آراء مفكري الإسلام في هذا العصر، واكتشاف الأطر الاجتماعية لتفكيره، ومنابع إلهامه، ومنهجه في استيعاب ودمج عناصر تنتمي الى مرجعيات مختلفة، مثل: تراث المتصوفة، وشرعة الحقوق والحريات، والعدالة الاجتماعية الحديثة، وتلوين النص القرآني بواسطتها.

أما محمد أبو القاسم حاج حمد فهو الأوضح تعبيرا عن السياقات الدينية الثقافية للاجتماع السوداني، إن من حيث استلهامه لميراث ابن عربي والمتصوفة، أو عبوره للنفق الذي غرق فيه منظرو الجماعات الإسلامية، وعدم سقوطه في الفوبيا المعرفية من العلوم والمعارف التي أقعدتهم عن التعاطي مع المكاسب الحديثة والراهنة للمعرفة الغربية. استطاع حاج حمد أن يتغلب على كل هذه الحساسيات، ويستوعب معطيات المعارف والعلوم الإنسانية، ويصوغ رؤيته للنصوص والتراث والواقع في ضوئها.

لم يعبأ حاج حمد كثيرا بأدبيات الجماعات الإسلامية ومفاهيمها، ولم يرضخ لأفق انتظارها في التفسير، ولم ينخرط في همومها الآنية في الصراع مع الأنظمة على استلام السلطة، واختصار كل شيء في الاسلام في أيديولوجيا تعبوية نضالية. وهكذا تحرر من مواقفها المناهضة للميراث العقلي والروحي والأخلاقي في الإسلام، واشتق لنفسه نهجا ينفتح على عناصر متنوعة من المحرمات المعرفية، حسب آراء وفتاوى بعض الفقهاء.

أشاد حاج حمد مرتكزات “نظام معرفي قرآني”، تبعا لما انتهت اليه تأويلاته لآيات القرآن الكريم، وظل على الدوام في تفكيره مفارقا للسائد، وجسورا في عبور مقولات الإسلام السياسي، فلم يتحدث عن دولة دينية، أو “حاكمية إلهية”، ولم يدعُ الى تطبيق الحدود والقصاص والديات. بل تحدث عن “دولة علمانية ومجتمع مسلم”، وميّز بين “الحاكمية الإلهية المباشرة”، و”حاكمية الكتاب”، اعتبر الأولى ترتبط بالتدخل الإلهي المباشر، أي ما يمكن التعبير عنه بـ “الولاية التكوينية”، وهي تختص بالتدخل الإلهي في عصر النبي موسى، ولا علاقة لها بنمط الحكم في الإسلام. وهكذا قدّم تأويلا بديلا لمفهوم النسخ، فذهب الى ان العقوبات البدنية الواردة في القرآن، هي حكاية عن أحكام وعقوبات منسوخة تختص بالمجتمع الموسوي، تتميز بها “شريعة الأصر والأغلال” التوراتية، وهي لا تنسجم مع “شريعة التخفيف والرحمة” القرآنية. وهكذا قدّم حاج حمد فهما للجهاد و”شرعة السيف” حسب تعبيره، اعتبره فيه خاصا بتطهير “الأرض المحرمة” من الوثنية والشرك… كذلك خرج في موارد متعددة أخرى على مشهور وإجماع الفقهاء، وتجاوز آراء معظم المفسرين، في ضوء ما رسمه من “نظام معرفي قرآني”، وكيفية التعامل مع الكتاب الكريم، بنحو أفضى به ذلك الى مواقف خلافية، لا تتطابق مع فتاوى وأحكام المدونة الفقهية.

“المنهجية المعرفية القرآنية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية” كتاب ألفه حاج حمد استجابة الى دعوة كريمة من صديقه الدكتور طه جابر العلواني، عندما كان رئيسا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، فأقام في واشنطن ضيفا على المعهد سنة 1991، وتفرّغ لتدوين الكتاب، وبعد فراغه منه تم استنساخه في طبعة “محدودة التداول”، وُزّعت على نخبة من الأمناء والمستشارين والخبراء في المعهد. ولما كانت رؤية المؤلف في الكتاب تتخطى الحدود المغلقة المتعارفة في تفكير جماعة “إسلامية المعرفة”، فقد فوجئوا باجتهاداته الجريئة، وارتابوا من طروحاته، وانزعجوا من عبوره المعايير والأسس التي وضعها المعهد للفكر الاسلامي. وهذا ما جعلهم يهملون طباعة الكتاب ونشره وتوزيعه. في 11/3/1992 أقام المعهد ندوة موسعة في القاهرة لمناقشة الأفكار الواردة في الكتاب بحضور المؤلف، اشترك فيها عشرون مفكرا وباحثا تقريبا، بضمنهم الشيخ محمد الغزالي. وأعرب بعض المشاركين عن عدم فهمه لما جاء في الكتاب، فيما رفض آخرون آراءه، ولم يتفهمه ويتضامن معه سوى عدد محدود جدا من المساهمين.

لبث كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية” اثنا عشر عاما منسيا، وبعد أن علمت به طفقت أفتش عنه، قبل لقائي المؤلف في بيروت سنة 2003، فبعث لي الصديق الدكتور محمد همام بنسخته المصورة بالرونيو عبر البريد، من المغرب “أغادير”، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت الصديق الدكتور طه جابر العلواني هاتفيا، فأجاز لي طباعته وتوزيعه.

في صيف 2003 صدر الكتاب عن: “مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد بالتعاون مع دار الهادي في بيروت”، في “سلسلة كتاب مجلة قضايا إسلامية معاصرة”. وقتئذ كنت في بيروت، نمضي ساعات طويلة أنا والمرحوم حاج حمد في منزله بـ “الشويفات”، كنت أصغي له وهو يحكي منعطفات حياته، وتكوينه الثقافي، ونشأته المشبعة بالمعنى، والإيحاء الروحي، ومناخات التصوف في السودان. وعلاقة والده بمحمود محمد طه، وكيف كان الأخير يزورهم الى المنزل، ويمضي وقتا في الحوار مع والده. يصف حاج حمد محمود طه بقوله: “كان متصوفا، ذا تنسك روحي، زاهدا، بسيطا، حيويا، جذابا، مؤثرا، يحتفي بالغير، يفيض دفئا ومحبة، يؤثر العفو والمغفرة لمن يسئ اليه، يرتدي ملابس بيضاء بسيطة، يعيش في كوخ، مع ان دخله جيد بوصفه مهندسا معروفا…”.

استضافنا أكثر من مرة، في منزله الصيفي في “دير كيفا” جنوب لبنان، صديقنا المشترك المرحوم السيد محمد حسن الأمين، كنا نمضي الليل في حوارات لذيذة، وعادة ما نواصل حوارنا بعد صلاة الفجر. أتذكر ناقشته أحد المرات في رأيه بحجاب المرأة وغيره، طبقا لأصول الفقه ومناهج الاستنباط الفقهي المعروفة، فكان يجيبني: “يا عبدالجبار الرفاعي، ان مشكلتك أنت وغيرك من فقهاء الشريعة وأصول الفقه، انكم لا تستطيعون التفكير خارج العقل الأصولي، لديكم مجموعة من القواعد المغروسة في أذهانكم، هي الأفق الذي تنظرون به ومن خلاله للقرآن، عقولكم لا تغادر تلك الأسس، إنها مسجونة في داخلها…”.كنا نستغرق في النقاش، ربما صدمتني وجهات نظره، فأغضب وأمضي في رفضها، ومحاججتها، لكنه يتعاطى معي بأدلته المقابلة، وهكذا يتواصل حوارنا، من دون أن نتفق على رأي مشترك أحيانا، لكن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية عند حاج حمد.

احتفل حاج حمد بصدور كتابه، بعد ان لبث سنوات طويلة مغيبا في الظلام. نشرتُ له مؤلفاته الأخرى غير المطبوعة، في “سلسلة فلسفة الدين والكلام الجديد”. ظل يردد: “يا أخي لك دين في عنقي لن أنساه ما دمت حيا، لأنك أقدمت بشجاعة على طباعة كتبي التي امتنع الغير عن إصدارها”.

لم يرغب الأصدقاء في “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، بنشر كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية”، ونما الى علمي ان بعضهم حاول شراء كافة النسخ المطبوعة وحجبها عن التوزيع. لا أعرف كيف تسوّغ جماعة، تدّعي انها تسعى لتجديد الفكر الاسلامي، حضر وحجب تفكير اجتهادي في قضية إسلامية المعرفة، لأنه لا يكرر آراءها في هذه القضية الإشكالية.

لا أتفق مع الصديق حاج حمد في الكثير من أفكاره، ولدي ملاحظات نقدية على مقدماته المنهجية، والنتائج التي تفضي اليها. خاصة كتابه هذا، الذي يتأوّل فيه النصوص ويلوّنها، بشكل يطمح فيه أن يكتشف منهجا معرفيا بديلا، مشتقا من القرآن، وموازيا للمناهج المعروفة في فلسفة العلم. بالتوكؤ على مفاهيم مستعارة من ابن عربي وغيره من المتصوفة، مضافا الى مفاهيم مدرسة فرانكفورت وحلقة فينا. مزج أبو القاسم حاج حمد التصوف بفلسفة العلم والعلوم الإنسانية، وهي خلطة غريبة تتنمي إلى رؤيتين متنافرتين للعالَم.

تميزت شخصية حاج حمد بتشبعها بأخلاق وتهذيب التصوف المحلي في السودان، وتأثر تفكيره برؤية محيي الدين بن عربي للوجود، وما تلقاه من محمود محمد طه، الذي تميز فكره برؤية للقرآن المكي والمدني تختلف مع المصطلح المتعارف في علوم القرآن التراثية، يرى محمود التوحيد والقيم في القرآن المكي أبدية، وما ورد في القرآن المدني يختص بعصره. يركب محمود مفاهيم التصوف على الاشتراكية بفهمها الأوروبي، ويعتمد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. حاج حمد في هذا الكتاب وكتابه الآخر الأساسي: “العالمية الاسلامية الثانية: جدلية الغيب والانسان والطبيعة” ظل يتكتم على منبع مفاهيمه وآرائه في فكر محمود محمد طه، يحاول أن يعرضها بتمويه وغطاء لفظي يحجبها عن منبعها، ربما لئلا يتهم بالارتداد كما اتهم معلمه محمود طه.

لا أشك بجدية وجرأة كتابة حاج حمد، ومغامرتها بالحراثة في أرض غير محروثة، وإن كانت تخلط بين عناصر تنتمي الى شبكات مفاهيمية متنافرة، وتكرّس مطامح وأحلام الخصوصية والهوية والذاتية، ببناء يبدو فلسفيا قرآنيا منسجما، لكن تحليله منطقيا وتفكيكه يشي بتهجين مفاهيمه وتناشزها. ليس هنا محل بحث رأيي في إسلامية المعرفة، فقد تناولتها بالنقد والتحليل، في فصل خاص من كتاب “إنقاذ النزعة الإنسانية في الإسلام”، تحت عنوان: “إسلامية المعرفة قضية أيديولوجية من دون مضمون معرفي”.

مع كل هذه الملاحظات وسواها على المنجز المعرفي للمرحوم حاج حمد، غير أني حرصت على رعاية إنتاجه الفكري ونشره ودعم صاحبه، ذلك ان هذا الإنتاج يعبّر عن محاولة جادة لتحديث التفكير الديني في الاسلام، وانه اجتهاد في مجتمع لا يألف الرأي الجديد، بل يمارس على الدوام الإضراب عن التفكير. والمعرفة في مختلف أنواعها لا تتكامل باستمرار، إلا من خلال العبور من الخطأ الى الصواب، أي ان “الديناميكية العلمية لاتسير بحسب نمط تراكمي، بل هي سلسلة لامتناهية من التكذيبات المتتالية، الى درجة ان تاريخ العلم يغدو: مقبرة نظريات علمية”، كما يقول كارل بوبر.

حاج حمد لا يقتصر في اجتهاده على إنتاج رأي جديد، وبناء مفاهيم مختلفة، وانما يسود كتاباته ثراء لغوي، وتتميز بمعجم اصطلاحي يختص به، يتألف من مصطلحات نحتها هو، أو استقاها من غيره، ودمجها كعناصر تكوينية في بنية النظام المعرفي الذي صاغه. نتمنى أن يتناول الباحثون جهوده بالدراسة والتحليل والنقد، فآثاره تتسم بأنها: غنية، مكثفة، تركيبية، جريئة، وهي خصائص تفتقر اليها الكثير من آثار بعض المفكرين، التي تدرسها عشرات البحوث والرسائل الجامعية.

فيما يلي نموذج من معجمه الاصطلاحي، وشيء من ثنائياته المتقابلة، استقيناها من بعض مؤلفاته، بغية اكتشاف مفاتيح النظام المعرفي الذي يبشّر به: (العالمية الاسلامية الثانية، جدلية الغيب والانسان والطبيعة، الجدلية الثلاثية، التفاعل الجدلي، المنطق الجدلي، جدل الغيب، جدل الإنسان، جدل الطبيعة، علاقة جدلية، علاقة تداخل، علاقة حلول، علاقة تضاد، عالمية الاسلام، الرؤية الكونية التوحيدية، كونية القرآن، عالمية القرآن، الجمع بين القراءتين، القرآن معرفة معادلة للوجود الكوني، منهجية القرآن المعرفية، اطلاقية القرآن، الاسترجاع القرآني النقدي التحليلي للمورث الديني، الدلالات الوسيطة في اللغة القرآنية، البنائية القرآنية، البناء الكوني اللامتناهي للقرآن، الوحدة العضوية للقرآن، المنهجية الضابطة للقرآن، الحفر الألسني، الاستيعاب”التصديق”، التجاوز “الهيمنة”، منهجية الخلق، منهجية التشيؤ، التشيؤ الطبيعي، الحاكمية الإلهية المباشرة، حاكمية الكتاب، حاكمية الإستخلاف، أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية، الفكر الديني التاريخي، قراءة تركيبة، الدينونة، الأمة الوسط، فكر المقارنات، فكر المقاربات، التوفيقية، الانتقائية، التلفيقية، النسق الخاص، الكتاب الكوني المطلق، التدافع العربي – الإسرائيلي، المناهج والأنساق الحضارية، خارطة الأنساق الحضارية، الإرادة الإلهية، عالم الأمر والنهي، الإستلاب، الهيمنة، التجاوز، الاستيعاب المزدوج، العقلية النافذة، الغاية التكوينية للخلق الكوني، المشيئة، الفعل المنهجي، المعالجة النقدية، النسق المعرفي، الحفر المعرفي، التحرر المعرفي، المتغير النوعي، القطيعة المعرفية، التفكيك التاريخاني والتراثي، لاهوت غيبي جبري، مادية طبيعية جبرية، طريق التنزل، طريق التطلع، تاريخانية النص، اللحظة الجدلية، الناظم الكلي، الثنائية المتقابلة، المنطق التفكيكي الابستمولوجي، المنطق اللاهوتي، المنطق الوضعي، الجدلية الثلاثية، التطور التفكيكي، استلاب الانسان، التاريخانية توظيف علمي تفكيكي، الجعل الآدمي، التعددية، المسكوت عنه دينيا وتاريخيا، النصرة الإلهية، التدخل الإلهي، التدخل الإلهي الموسوي/ الحسي، التدخل الإلهي المحمدي/الغيبي، الأمة الوسط، الفشل الحضاري، الغاية الكونية، الوعي الكوني، التحييد العقلي، الارتباك النفسي، الانفصام الذهني، أزمة فراغ روحي، الصيرورة، الجدل، الاحتمالية النسبية، الاستيعاب المزدوج، الأنساق الحضارية، دراسات توفيقية، دراسات تلفيقية، دراسات وسطية، دراسات استعارية، دراسات تأصيلية، النهايات المادية، الوجودية الوضعية التائهة، عالم الأمر المطلق، عالم الإرادة النسبي، عالم المشيئة الموضوعي، الحضور الإلهي، القيومية الدائمة، مجمع البحرين، مستويات الفعل الإلهي، الجبرية اللاهوتية، ثنائية العقل والتجربة، الاصطفاء الإلهي، الاصطفاء البشري، الاصطفاء المكاني، منطق التعارف، عالمية الخطاب، شرعة التخفيف والرحمة، شرعة الأصر والأغلال، الانغلاق العصبوي، التوريث، تاريخانية التفاسير، التجديد النوعي، الاجتهاد الكمي التراكمي، الاجتهاد النوعي المعرفي المنهجي المعاصر، إشكاليات النظر التقليدي، النبي الأمي، الحقبة النبوية، النصرة الإلهية، التدخل الغيبي، عالمية الأميين غير الكتابيين، الأرض المحرمة، عالمية الخطاب، الخطاب الاصطفائي الحصري، الخطاب العالمي، التصور الإبراهيمي، التأسيس الإسلامي الإبراهيمي، الطور العقلي الأول” الإحيائية”، الطور العقلي الثاني “الثنائيات المتقابلة”، الطور العقلي الثالث “وحدة القوانين الطبيعية والانسانية”، الأرض المقدسة، الأرض المحرمة، شرعة السيف، الخطاب الإلهي الحصري الاصطفائي، الخطاب الإلهي العالمي، الأسلمة التعسفية، الأسلمة المفتعلة، الحق، الخلق، النفي).

لائحة المصطلحات هذه تستوعب عناصر تحيل بعضها الى تراث التصوف، فيما يحيل بعضها الآخر الى فلسفة العلم، وفلسفة التاريخ، وفلسفة اللغة، ومختلف العلوم الانسانية. وهي نموذج للمعجم الاصطلاحي لحاج حمد، الذي يدلل على موهبته العقلية في إبداع لغته وبيانه الخاص، والتحرر من وصايات أدبيات الجماعات الإسلامية وآرائها ومقولاتها: الوعظية، الشفاهية، المبسطة، الهشة.

رحم الله الصديق محمد أبو القاسم حاج حمد، العصامي، الذي علّم نفسه بنفسه، الإنسان الجميل الروح والقلب، الذي يفيض رقة ودفئا، ومشاعر وعواطف بريئة، ذا الوعي المتوهج، والعقل المضيء، المفكر المستنير، المثال الرائع للاجتماع الاسلامي السوداني، هذا الاجتماع الذي يبتكر على الدوام نموذجه الاجتهادي الخاص.

 

 

من لاهوت الموت إلى لاهوت الحياة: قراءة في فكر صوفي غير متصوّف

من لاهوت الموت إلى لاهوت الحياة

قراءة في فكر صوفي غير متصوّف

 

د.كوثر فاتح[1]

اكتشفتُ المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي صدفة، وأنا أُنقّب عن آثار شلايرماخر في فكرنا العربي المعاصر. أضعتُ شلايرماخر، ووجدتُ لاهوتيًا وفيلسوفًا يقاسمني الدين والهواجس، همُ الانتقال من تدين الشكل إلى تدين الجوهر. فنعم الرحلة هي، ولتطل ما شاء الله لها ان تطول!

يُفكّر عبدالجبار الرفاعي خارج جغرافيا العقيدة أو الطائفية، بل أحيانًا خارج جغرافيا الدين نفسه. فكره من الدين داخل الدين. لذلك فهو يعلو فوق سجون الـ “هنا، اذ يؤسّس الرفاعي لفلسفة دين، بعيدًا عن أسوار القراءات وعراقيل التخصصات. قد لا أبالغ إن قلتُ إني أجدُ فيه “بول ريكور” آخر. هو لاهوتي الحوزة وفيلسوف الجامعة، هو الأكاديمي البيداغوجي والمنظر التربوي. هو المفكر الموسوعي المتنور، في ظل جامعات فلسفة عربية أنهكها إرث التخصّص ورذيلة القطائع المعرفية التي لا نكاد نجدها إلا في أوطاننا العربية المريضة بعصاب الانتماء الواحد.

هو المؤمن و كفى!

لن أعود إلى ما قيل عن كتبه السابقة، وقد أسهب الباحثون في ذلك من شتى بلاد العرب. لكني أتمنى أن أقف عند مقاربته “التصحيحية” للتصوّف. بجرأة قد تزعج الكثيرين، ينتفض الرفاعي ضد تصوّف الاستلاب، مناديًا بتصوّف حرية، حتى نروي “الظمأ الانطولوجي”، الذي يجد فيه الرفاعي أصلَ ما نعانيه من اغتراب، ولنقل من تطرّف؛ منشؤه سوء فهم لوظيفة الدين، وسوء قراءة لنصوصه.

هل التصوّف هو الحل؟

إذا  كان الحلُّ في الهروب نحو الأعلى فقد انهكنا الهروبُ إلى الخلف، نحو ماضي نتوهمه فردوسيًا. فهل تغيير الباردايم المكاني باتجاه صاعد هو الحلّ للحاضر المريض؟

يجيب الرفاعي من خلال هندسة عرفانية صاعدة هابطة، لا تبرح الأرضَ وتتخطى المكان. هو بذلك يقدّم لفهمٍ جديد لتجربة التصوّف؛ اذ يرى الرفاعي أن التصوّفَ في معناه التقليدي متعاليًا على الواقع و مستلِبًا للإنسان. بدلًا عن ذلك يقدّم هو لتصوّف يتأسّس انطلاقا من الواقع، لا يغادره إلا ليعود اليه. تتجلى أطروحةُ الرفاعي بوضوح في مداخلته: “التصوّف بصيرة ملهمة انطفأ ضوؤها في زوايا العزلة و الغياب عن العالم”، المقدمة  ضمن كتاب: “الصوفية اليوم  قراءة معاصرة في مجتمع التصوّف ونماذجه” عن  مؤسّسة فريدريش ايبرت (2020( . ينطلق الرفاعي في مداخلته هذه من قراءة “تطورية” للدين، بدءا بلحظة التأسيس وانتهاءا بفوضى التأويلات، يرى فيها الرفاعي: “اهدارًا للمعنى الروحي الأخلاقي و الجمالي للدين” (ص16 ). ويرجع الرفاعي جمود المعنى هذا لتبعات المأسسة الفقهية والابستيمولوجيا  الكلامية للدين، منتفضًا ضد ادعائها الإجابة عن كلِّ الأسئلة ومتحدّثا عن: “عمليات الوضع”، وكأننا بصدد “موضعة فقهية كلامية” للدين تحشره داخل زاوية المعنى النهائي. يكتب الرفاعي: “ترسخت صلة  الفقه بالسلطة وتفاعلت مع مختلف الأزمنة فانعكس ذلك على الفقه باتساع مساحة التحريم وضيق مساحة الإباحة… وكان من نتائج زحف الفقه على الفضاء الروحي والأخلاقي خارج حدوده ضمور العقل وإخضاع كل شيء في حياة المسلم إلى الموقف الذي يقرره الفقه  …أُنهك العقل بفرض حدود لتعبيره عن أفكاره، وتبعًا لذلك ضاق فضاء المعنى في الدين بسبب شح حضوره في الفقه”. ( ص 20). موقفه تنديدٌ بانغلاق الدلالات وانغلاق الإمكانات عبر الاقتصار على جدلية عقيمة لا تبارح ثنائية التحليل والتحريم. ينادي الرفاعي اذن بالانتقال إلى رحابة الهرمنيوطيقا بعيدًا عن أحفوريات الخطابات الفقهية.

كما ويرفض الرفاعي الترخيصَ للإجابات الفقهية كقواعد دين وأنماط تدين، من دون أن يغفل التنديدَ بالزواج السعيد بين بعض الفقهاء ورجال السياسة، ومعترضا على الشكل الثاني للمأسسة: السياسية  هذه المرة، والتي يعدّها الرفاعي شرعنةً للسلطة باسم الدين ومطالبا بدولة العقل. لكن ينبغي أن نوضح أن الرفاعي لا يرفض الفقهَ أو التصوّف، بل يرفض “تصلبَ المعنى” ووصايةَ الفقه أو السياسة على الدين. باختصار الدين عنده قضيةٌ هرمنيوطيقية.

من زاوية أخرى، نجد عند الرفاعي اهتمامًا بالتجربة الدينية التي خصّها بمجلد كبير[2]، حيث يلتقي مع مفكرين تأويليين من أمثال ديلتاي وشلايرماخر. الدين عنده تجربةٌ متسامية، لكنها لا تأخذ معنى انتفاء الموجود أو الأنا في الكينونة المطلقة كما هو الشأن في الصوفية، بل بوصفها تجربةً انطولوجية. هي إذن تجربة فردية، تجربة متوحد داخل الجموع، خلافًا لمتوحد ابن باجة المنعزل. هي تجربة الأنا مع النحن داخل المطلق.

في السياق نفسهِ، يذهب  الرفاعي للحديث عن التجربة الدينية مزاوجًا بين خطاب وجودي وخطاب صوفي عرفاني، وهذا واضح في تعريفه للتجربة الدينية وحديثه عن جلال الدين الرومي. نقرأ قوله:  “لذلك لا يُفهم الايمان إلا في فضاء الايمان، ولا تُفهم التجربة الدينية إلا في فضاء التجربة الدينية، فما لم نتحقق  بهذه التجربة ليس بوسعنا تقديم فهم واضح لها، مثلما لا يفهم الحب إلا من يتذوق الحب ولا يفهم البهجة إلا من تشرق نفسه ابتهاجا بالنور، ولا يفهم القلق إلا من يمزقه” (ص 22 ). ليسترسل في صفحات لاحقة مصرّحًا بخصوص مولانا جلال الدين: “ينبغي ان نستقي من الرومي تدفق قلبه بالعشق الإلهي، وما يصوره بيانه من لوحات متلألئة بالمحبة والجمال والتراحم والسلام وكل معنى انساني بهيج”. ص28 . والشواهد على ذلك  كثيرة لا يسعنا المجال هنا لنعود اليها جميعا. لنقول باختصار: إن التجربة الدينية عنده هي: “رحلة الكينونة إلى الحق”. ص23.

هو العاشق إذن، فلِمَ ثورته على التصوّف!

لا يرفض الرفاعي التصوّفَ بقدر ما يرفض الاستعباد. إذ يميز المفكر العراقي بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية على أساس الثراء الروحي. التجربة الدينية كما يصفها هو تتعالى على الفعل باتجاه الكينونة. تتعطل المادةُ وتنطلق الروح. هنا يكمن الفرقُ بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية. لينتقل الرفاعي للتمييز بين شكلي التصوّف هذين. تصوّف الاستعباد تصوّف تبعية لشيوخ طريقة هو:  “خسران للذات”. ( ص 24 ).كونه تصوّف دراويش، كما يرى الرفاعي، الذي  يربطه بعصر الانحطاط والعزلة ،كنوع من مازوشية اجتماعية، تحت غطاء طقوسية دينية. انه استنزاف للتجربة الدينية.

يتحدث الرفاعي بلا تردّد عن: “وثنية صوفية”، كما هو الشأن عند المولويين الذين يجدهم الرفاعي يعانون مرضًا روحيًا وأخلاقيًا. يسمح بعدها الرفاعي لخوفه أن يخونه متوجسًا عودةَ: “دراويش فوضويون يتسكعون في الأسواق والشوارع بين الناس، بهيئة ولباس غريب من أسمال بالية أو قطع مزركشة بألوان متناشزة”. (ص 25 ). ليطمئن قلبك فدراويشنا اليوم غارقون في الاستهلاكية، ودروشتهم مناسباتية فقط.

يذهب بعد ذلك الرفاعي ليندّد  بـ “ميثولوجيا التصوّف”. ( ص 26 )، مقدّمًا لمقاربة سوسيولوجية تقيم الدين على أساس عبادة الأسلاف، أو فلنقل مع الرفاعي: “عبادة الأقطاب”. لهذا الغرض يعود الرفاعي بجلال الدين الرومي إلى التاريخ ويحرّره من شطحات الميثولوجيا؛ كأننا به يجعل من التصوّف ظاهرةً تاريخية تسلبها كلَّ تعالٍ على الزمان والمكان والواقع الذي كانت تعيش فيه بكلِ ظروفه المتنوعة. يبرئ الرفاعي الرومي من إثم الدراويش وذنب المشيخة، ويجعله ملهمًا وليس معلّمًا باهتًا، مدافعًا بذلك عن تصوّف الحرية. إنه تصوّف واعٍ، تصوّف “يوقظ الانسان داخل الإنسان”. (ص 31 )، هو إذن تصوّف يزاوج بين المعرفة والعرفان. فهل مازال لأهل الوجد وأهل النظر أن يلتقيا؟

إجمالا التصوّف عند الرفاعي ذريعة للمطالبة بلاهوت جديد. لاهوت مسكون بالحياة، يبتهج بالفرح،  يرحب بالتعدّد، ينشد السلامَ الروحي. خلافًا للاهوت الموت، المولع بالتحريم، الغارق في الاجترار.

فهل لمشروعه ان يكتمل، وإنسان ما بعد الإنسانية يلوح في الأفق؛ منذرًا بإنسان غارق في المجهول؟

هل ستلفظنا الأرض الرحبة التي يرغب الرفاعي في أن يعيدنا إليها، أم ستلتقطنا السماء وقد طال الهجران؟

 

 

د.كوثر فاتح: دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا – أكاديمية فاس – مكناس، المغرب.  [1]

  المجلد الثاني من مجلدات “موسوعة فلسفة الدين” التي يحررها ومازالت تصدر، بعنوان: “الايمان والتجربة الدينية”. [2]

 

رابط النشر:

وقفات عرفانيّة في فكر عبد الجبار الرفاعي

وقفات عرفانيّة في فكر عبد الجبار الرفاعي

  د. أسماء غريب[1]

أنْ تَصِلَكَ كُتبُ المُفَكِّر العراقيّ د. عبد الجبّار الرّفاعيّ وتقرأَهَا وأنتَ في المَهْجَر الغربيّ الإيطاليّ تحديداً، يعني ولا شكَّ الكثيرَ مِن الأشياء، أهمّها إيقاظُ جِراح الذّات الكونيّة المتعلّقة بالانتماء والهويّة والدّين. نعم، الرّفاعيّ بكُتُبِه الأخيرة بيْن يديّ (1) فعلَ هذا وأكثر: أيقظَ كلَّ ما كنتُ أعتقِدُ أنّني تجاوزتُه بدفني لهُ في طامورة “النّسيان” أو التّناسي بتعبير أكثر دقّة. لقد أعادني إلى سنوات إقامتي المهجريّة الأوروبيّة الأولى، حينما كُنتُ أرفضُ مُعْظمَ الدّعوات التي كانت تُوَجَّهُ إليّ من أجلِ المشاركةِ داخلَ أو خارج إيطاليا في ندوات ومُحاضراتٍ تتناولُ الفِكرَ الإسلاميَّ ومواضيعَ تخصُّ وضعيّة المرأة وحقوقها “المهضومة” في العالم العربيّ، وكان لرفضي هذا أسباب عدّة؛ أوّلُهَا سياسة الكَيْل بمكياليْن المُنْتَهَجَة تجاهَ مواضيع بهذا الشّكل من الحساسيّة والتّعقيد، حيث غالباً ما كانتْ تُوَجَّهُ لفكر الآخر “العربيّ المُسلمِ” أصابعُ الاتّهام والمُساءلة، دون الخوض تاريخيّاً في موروث الدّيانات في العالم الغربيّ وما كانت تعيشُه من صراعات دمويّة مازالت تُلقي بظلالها على العديد من البلدان الأوربيّة وغيرها إلى اليوم. أمّا عن السّبب الثّاني فكان السّطحيّة التي عادةً ما تُعالَجُ بها هذه المواضيع حتّى وإن كانَ المحاضرون بشأنها من كبار المختصّين في السّؤال الدّيني أو اللّاهوتيّ بشكل خاصّ، إذ تجدُ معظمَهم يناقشُ الأمورَ بعين لا ترى شيئاً أمامَها ولا تزِن القضايا إلّا بميزان الحيْف الّذي تمارسه “ماكينة” الإعلام الغربيّ عبر نِظام مُمَنْهَجٍ لغَسْل دماغ المتلقّي الأوروبيّ وإعادة برمجتهِ، وتجذير مشاعر الرّعب والخوف من الآخر “الأجنبيّ” بداخله. ثالث الأسباب ولا أجدهُ يقلّ أهمّية عمّا ذكرتُ سابقاً هو عزّة نفسي، وشُمُوُخ كينونتي، وعُمق انتمائي لثقافتي، كلّ هذا كان يجعلني أرفضُ رفضاً قاطعاً أن أضعَ نفسي في موقفِ المُدافِع عن ديني وثقافتي، وتبرير ما لا يُبَرَّرُ، لا سيما وأنّني نشأتُ في بلدي الأمّ المغرب، وسطَ بيئة تعدّديّة تؤمنُ بالاختلاف وترى في الإيمان والمحبّة الإلهيَيْن طريقاً من طُرق تحرير الفكر والرّقيّ بالرّوح إلى مدارج السّمو والنّقاء والبهاء الإنسانيّ الكامل.

كم كانَ مُوجعاً في سنوات المهجَرِ الأولى أن أجدَ مَن هبَّ ودبّ ممّن يدّعي الثقافة والتحضُّرَ يسألني عن “العُنف” في الإسلام من أين يأتي؟ وعن “ذلّ” المرأة ومهانتها في بيت الرّجل العربيّ كيف تحتَمِلُه وتطيقه؟ وعن نبيّ الرّحمة محمّد لماذا تزوّج بالطّفلة الصّغيرة عائشة، وفي عيونهم ألفُ تلميح وتلميح لما يسمّى بـ”البيدوفيليّة”! بل كان فيهم من لا يُطيق الحديث عن الدّين أو الإيمان بشكل عامّ، ويشكّكُ في عذريّة مريم (ع) ويسائلها بعين الاتهام عن عيسى من أين أتت به (ع) فجعلتهم من وجهة نظرهم أضحوكة أمام العالم أجمع، وأرغمتهم على التّصديق برواية لا أساس لها من الصحّة، وكنتُ حينذاك ألوذ بالصّمتِ وأستشعرُ يداً غيبيّةً تخيط شفتيّ بإبر من فضّة خيوطها من ذهبٍ حتّى لا أدخل في مهاتراتٍ مع من لا يعرفُ عن دينه شيئاً، فما بالكَ بديانات “الآخرين”، ثمّ جاءت أحداث 11 أيلول 2001، فزادتِ الطّينَ بلّة، وانفجرت بعدها صاعقة داعش وتعقّدتِ الأمورُ أكثر وأكثر، وأصبح من الصّعب الخوض في كلّ هذا وقد اختلطتِ الأوراقُ أمام غياب إعلام عربيّ إسلاميٍّ نزيه يُشَرِّحُ بمِبضع النّقد والتحليل قضايا العُنف والإرهاب التي تتستّرُ وراء لباس الدّين، وأصبحتُ أتمسّكُ كلّ يومٍ أكثر فأكثر بموقف الرّفض، وتفادي الزجّ بنفسي في متاهاتٍ لا أوّل لها ولا آخر من خلال النّقاش في مواضيع محسومة من البداية ومن كافّة الجوانب، لأنّ أهل الحقيقة يعلمون جيّداً أنّ كلّ هذه العواصف العُنفيّة والإرهابيّة المدمّرة لا علاقة لها بالدّين الإسلاميّ ولا بالمسلمين الأحقّاء وإنّما هي سياسات دوليّة أعمق وأكبر منْ أن يستوعبَها عقلُ مواطن بسيط مهما بلغت درجة ثقافته وعِلمه. لكنْ ما العملُ ولليوم مازال هناكَ من يقول لكَ، كيف يدّعي المسلمون بأنّ ما يحدث من إرهاب وعنفٍ لا علاقة له بدينهم، وهُم يستمدّون كلّ هذا من القرآن الكريم، وكتبِ الفقه والشّريعة، وأوّل ما يستدلّون لكَ به سورة “السّيف”؟! وهنا لا يُمكنُ إنكار حالة الذّهول التي قد يُصابُ بها المرء، فالقرآن حقّاً فيه سورة “السّيف” هذه، واسمها الحقيقيّ هو سورة التوبة أو سورة براءة، وهي نفسها الإشارة التي التقطَها عبد الجبّار الرّفاعي في كتابه (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ)، حينما قال بأنّ كلمة السّيف مع أنّها لمْ تَرِدْ في القرآن، إلّا أنّ المفسّرين سمّوا هذه السّورة بهذا الاسم، والغريب أنّ أكثرهُم من المشهورين، الذين ادّعوا أنّها ناسخة للكثير من الآيات التي تدعو للسّلم والعفو والصّفح والغفران والرّحمة (2). كيف سأردُّ على هذه السّورة والحال أنّها كلّها قتال في قتال وحرب ومواجهة وسيف؟! أيُّ جرحٍ هذا يا إلهي، وذاتي الباطنيّة الدّاخلية العميقة ترى غير ما يراهُ الآخرون بشأن هذه السّورة بالتّحديد. وأعني هنا بعبارة “الذّات الباطنيّة” تلك التي عرّفهَا الرّفاعيّ قائلاً عنها بأنّها “تنطوي على الكثير من الأسرار، وكيف لا، وهي التي تتخصّبُ وتغتني بمنابع إلهامها وديناميّاتها الجوّانية، وتتحقّقُ على الدّوام حين تشرع بوجودها وتجاربها وحياتها الخاصّة التي لا يُمكن اختراقها واكتشاف مدياتها إلّا بحدود ما تبوح به” (3). هنا المعضلة، في هذا الّذي يُباح به ويُكشَفُ عن أسراره، أقول هذا وبين يديّ الآن قارئيَ الإلكترونيّ، وفيه كتب عبد الجبّار، وأنا في حديقة إيطاليّة، اسمها “فيلّا جوليا” (4)، أفتح كتاب (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ) وأقرأ منه ما قاله الرّفاعيّ في تعليقه على سورة “السّيف” هذه، وأتوقّفُ طويلاً لأسمع صوتَهُ وهو يُرَدّدُ: (إنّ كلّ من يقرأ القرآنَ، يجدُ العنفَ ماثلاً بتعبيرات مختلفة في بعض آياته ، فمثلاً وردت كلمة “قتال” والكلمات ذات الصّلة بها في القرآن بحدود 170 مرّة. ويعود نفي أيُّ شكل للعنف في لغة القرآن إلى تجاهل سياقات النّزول في محيط الجزيرة العربيّة […] ومفتاح دراسة العنف في لغة القرآن هو نمط حياة الأمّة التي نزل فيها وبنية لغتها وأساليب تعبيرها، إنّ ألفاظ اللّغة ومصطلحات معجمها وأساليب بيانها والحضور المتنوّع للعنف في الحياة العربيّة وأثره الواضح في رسم أنماط العلاقات المجتمعيّة في عصر البعثة، كلّها كانت قيوداً ضاقت بسعة الرّحمة الإلهيّة وعجزت عن أنْ تستوعب تجلّيات غريزة الرّحمة في شخصية ودعوة المبعوث رحمة للعالمين. النبيّ محمّد “ص” أحد أعظم دعاة الحرية ومن أرسوا أسسها في التاريخ البشريّ، عاش في مجتمع يؤسّسُ العنفُ حياته، ويحوك العنف نسيج علاقاته الاجتماعية، وتنبثق من العنف تقاليده وعاداته. […] في مثل هذا المجتمع لا يُمكن لثائرٍ على كلّ أشكال الاستعباد وهتك الكرامة البشريّة، إلّا أن يستعير شيئاً من عنف لغة المجتمع الذي يخاطبه بدعوته، ويتسلّح بمواقف صارمة؛ لا تخور أمام عنف لغتهم، ولا تنهزم أمام عدوانيتهم، ولا تتراجع أمام توحّش بعضهم، لغة العنف في آيات القرآن تعكس أنطولوجيا لغويّة عنيفة كانت ماثلة في الحياة العربيّة وأيّة محاولة تخفي ذلكَ فإنّها تسيء للقرآن عندما تنكر ماهو صريح واضح فيه) (5).

يا لغزارة النّزيف الدّاخليّ أمام هذه الحقيقة التي لا يُمكن إنكارها بأيّ وجه من الأوجه، نزيفٌ يجعلني في الوقت ذاته أتشظّى وأنا أتذكّرُ كلماتِ الرّفاعيّ في الكتاب ذاته وأعيد الإنصات إليه وهو يقول: “القرآن الكريمُ كتابٌ تسري فيه روح واحدة، مضامينه تتوحّد في نسيج عضويّ متماسك، ويسوده نظام كلّيّ يتطلّب فهمُه أن نكتشف المنطق الذّاتي الّذي يتحدّث فيه القرآن عن نفسه. ففي القرآن كلّ فكرة ومقولة تتحدث للأخرى، وتتبصّرُ كلّ آية دلالتَها ووجهتها في أفق آياته الأخرى بمجموعها. القرآن كتاب تحيل فيه الفروع على الأصول، والجزئيات على الكليات، والصغريات على الكبريات. نحن بحاجة ماسّة إلى منهجٍ بديل في فهم القرآن، يحرّره من أسوار الأفق التاريخيّ التكراريّ المغلق للمفسّرين، الذي أفضى لنضوب حضور الروافد الملهِمة للمعنى والأخلاق في القرآن. وعلى الرّغم من ضجيج أصوات الجماعات الدّينيّة، وضوضاء صيحات شعاراتهم في الحديث عن القرآن، وكلامهم المبسّط في نسبة كلّ شيء إليه، وإن كان على الضدّ من منطقه وما ينشده، لكن قلّما نعثر على رؤية تتبصّرُ متطلّبات الحياة الرّوحية وبناء الضمير الأخلاقي للمسلم المعاصر في سياق قرآني. إنّ هذه الرؤية البديلة تفرضها ضرورة إعادة اكتشاف الأبعاد المضيئة للحياة الروحية والجمالية في القرآن، كما يفرضها أيضاً افتقار المسلم اليوم لمعنى عميق لحياته، وضياعه في كهوف التراث التي لا تقوده إلّا لمزيد من الضّياع. رأيتُ الرّحمة تمثل مفتاح فهم المنطق الدّاخلي للقرآن، فقد اتخذت الرّحمة فضاء واسعاً في القرآن الكريم لم تتخذه في الكتاب المقدّس وغيره من نصوص الأديان، إذ وردت بصيغ متوّعة في القرآن تصرّح بشمولها كلّ شيء وعدم خروج أيّ شيء عنها”(6).

وفي ظلّ ما يقوله عبد الجبّار يتوهّج سؤال آخر بداخلي، فمادامتِ الرّحمة هي المنطق الّذي يحكم القرآن وجميع سوره ورسائله وخطاباته، فأين الخلل إذن؟ لماذا لا يحاول المفسّرون لليوم إلغاء كلّ ما قيل من مفاهيم كارثيّة روّجوا لها على مرور المئات من السنين؟ لماذا لا يجتمع أهل الرّشاد فيهم على قول واحد يشطبون به كلّ أخطاء الماضي؟ سؤالي طبعاً سيظلّ من النّوع المجازي لا أقلّ ولا أكثر، لكنّ حلّ معضلة هذه الهوّة السّحيقة التي تفصلُ بين موقف المتشبّتين بتراثيّات الماضي وبكائيّات أمجاده الوهميّة، وموقف أهل الحقيقة السّاعين أبداً إلى إيقاف نزيف الرّوح الّذي تسبّب فيه تراكم الأخطاء المعرفيّة الفادحة أجدُه ماثلاً أمامي وأنا أجول بحركة بصريّة دائريّة أحيطُ بها كلّ أطراف حديقة فيلّا جوليا فأجدها تخاطبني بأبجديّة أخرى، وأرى فيها كتاباً جديداً يدعوني لقراءته بلغة أهل التصوّف والعرفان الفلسفيّ، ذاك الّذي يراه الرّفاعي: “تصوّفاً عقليّاً خرجَ على الأنساق المغلقة الحرفيّة لقراءة النّصوص الدّينيّة، وأنتج قراءة للنصوص خارج إطار مناهج وأدوات القراءة والفهم والنظر والتفكير الموروثة، بنحو منح للمسلم أفقاً رحباً في التأويل، وإنتاج قراءات تتوالد منها قراءات أخرى حيّة على الدّوام في فضاء يواكب متغيّرات الحياة”(7). وأصيخ السّمع أكثر فأكثر فتصلني أصواتُ الأعمال الفنّيّة المنحوتةِ في كلّ أطراف هذا المكان، وكلّها تقول لي إنّ لكلّ وجود ظاهريّ لنا في هذه الحديقة معنى خفيّاً يتجاوز الأمكنة والأزمنة بالضّبط كما قال الرّفاعي، بحيث أن العالم بالنسبة له: “يستوعب أشياء لا حصر لها لا ندركُ معناها، والدّين يمعنن ذلك، يفكُّ الألغاز، أو تغدو الألغاز من منظور المتديّن ذات مضمون، يفيض بمعانٍ يسقيها من رؤيته الدّينيّة” (8). أنظرُ حولي فيطالعني أسدان متأهّبان للانطلاق يقولان بأنّ زمن الكشف لم يحِن بعد، ثمّ ألتفتُ مرّة أخرى فأرى جواكّينو روسّيني، الموسيقي الفذّ الّذي جدّد في الفكر الموسيقيّ الغربيّ وأخرج الرّوح الإيطاليّة من أقبية أحزانها ساعياً بها إلى مدارج وآفاق فسيحة من النّور والحريّة عبر اللّحن الشفيف والنّغم السّاحر، وفي الطّرف الآخر أرى أرخميدس مجدّد العلوم الحقّة، وتيوكريتوس رائد الشّعر الرّعويّ، وأبولّو إله النبوءة والشّفاء والتألّق، فأجدني بين هذه الوجوه التّاريخيّة والأسطورية أسبح في إشراقات من البهجة الرّوحيّة التي ليس لها مثيل والّتي تبلغ الذّروة حينما تقعُ عيني على تمثال عبقريّ وشفيع مدينة بلرم وبين يديه أفعى الحكمة يطعمها من صدره إكسير المعرفة، وبالقرب منه نسر كبير كرمزٍ لانتصارات الرّوح في حروبها من أجل بلوغ سدرة المنتهى، وفي الجهة الأخرى أرى طفلاً عجيباً يحمل فوق رأسه ساعة باثني عشر واجهة، في كلّ واحدة منها ساعة شمسيّة تقول بأنّ زمن الصّعود والتّحليق مازال بعيداً، مادام صبيّ الحديقة المعلّم الأسمر الجالس فوق وسادة نحاسيّة لم يسلّمكِ بعد عصا الحكمة التي بها يُختتمُ السّفر العرفانيّ بين أرجاء هذا المكان الخلّاب. ارفع عينيّ وأتذكّرُ صديقي الألمانيّ يوهان غوته الّذي زار قبلي بمئات السّنين فيلّا جوليا، وعرف مثلي أنّه ليس في حضرة حديقة عاديّة بل جنّة حافلة برموز أهل المعرفة والفلسفة المتمثّلة بشكل المكان الدّائريّ المُجسِّدِ لصورة الكون الميتافيزيقيّ والّذي يقتضي من السّالك خوض سفرٍ روحيّ عميق كذاك الّذي قام به هوميروس المخلّد في الأوديسّا والتي من وحيها ألّف غوته وهو في فيلّا جوليا عمله “ناوْسيكا” والّذي بقيَ غير مكتملٍ لليوم. وبصورة غوته أمامي، وكلام عبد الجبّار عن لغة العنف في القرآن يأتي المعنى ويجلسُ عند قدميّ وهو يذرف بدل الدّمع دماً، فأمسكُ بوجهه وأمسح بيدي على جبينه وأكفكف دمعه ثمّ أسأله الحلّ لكلّ هذه المتاهات الفكريّة الدّوّامية فيُشير عليّ بكلمات قالها عبد الجبّار عن والدته رحمها الله وهو يصفها بالمرأة التي كانت تمتلكُ خبرة جيّدة في رواية الملاحم ومحاولات تطبيقها على ما يسود حياة مجتمع القرية المحدود، بحيث كان يستمع إليها في طفولته وهي تتحدّث بإسهاب مع صديقاتها، وهنّ يصغين بإمعان لما تتحدّث به من حكايات خرافيّة عتيقة وقصص ميثولوجيّة غابرة، حينما يعود إليها اليوم يجدها الرّفاعيّ غنيّة بالرّموز والعلامات والإشارات ذات الكثافة الدلالية التي يتيح تأويلها التعرّف على الأنساق الرّمزية ويكشف لنا عن طبقات المعنى المحوريّة الرّابضة في البنى التحتيّة العميقة للمجتمع الرّيفي (9). ومن هذه الكلمات يتبرعم في حديقة الأسرار سؤال جديد: لماذا لم يحاول أهل التّفسير قديماً العمل على هذا الجانب الدّلاليّ الرّمزيّ للنصّ القرآني وكلّ آية فيه تحمل عنوانا سيميائيّاً بامتيازٍ، بين شمس وقمر ونساء، وطارقٍ ومائدة وبقرة وناقة، ونجمٍ وناس وفلق وفجرٍ، وعاديات وذاريات وصافّات وما إليها من الأسماء التي تعلن وتفصح عن معاني أشدّ عمقاً من تلك التي سطّرتها كتب التراث القديمة والتي أتت بنيران ظلماتها على الأخضر واليابس في كلّ المنظومة الفكريّة العربيّة الإسلاميّة؟!

عبد الجبّار الرّفاعيّ يعرفُ أكثر منّي أنّ لغة القرآن الكريم وأسماء سوره وشخوصه وأبطال أحداثه تنتمي كلّها إلى الحقل الرّمزيّ السيميائيّ، الّذي يحتاج اليوم لمفاتيح خاصّة من أجل الوقوف على وجه جديد من معانيه، وكيف لا وهو المتسائل عن جدوى احتماء الآباء في قريته بأسماء منفّرة يعطونها لأبنائهم علّ ذلك ينقذهم من الوفيات المبكرة، فكانوا بذلك يعلنون شيئاً، ويتكتّمون على ضدّه (10)، هكذا كان العرب، أهل رمز وحجب وتواري وراء المعاني، ولأجل هذا ظهرت لغة القرآن كلغةٍ تختلف عن كلّ لغات الكتب السماوية التي سبقته، وكان خطابه موجّهاً للعالمين، ولم تكن الأحداث التي فيه تعني أقواماً معيّنة بعينها وإنّما تعني الجميع، يكفي فقط العثور على مفاتيحها الحقّة التي كان يعرفها جيّداً العرب آنذاك وإن نُعتَ عهدُهم بالجاهليّة، وليسوا منها في شيءٍ، فقد كانوا على دراية بالعديد من العلوم وعرفت المنطقة العربيّة العديد من الحضارات البائدة التي بلغت من التقدّم آنذاك ما لم يخطر على بال بشر وإرم التي لم يُخلق مثلها في البلاد تشهد على ذلك. العرب إذن وأهل الكتاب منهم، وأعني بهم هنا رجال الدّين والكهنوت الأعلى كانوا يعرفون لغة القرآن جيّداً، وحروفة المقطّعة وأسماءه ورموزه كاملةً، ولم يكن النبيّ محمّد يتحرّج أبداً في مخاطبتهم به، لأنّه خطاب روح ونفس، والحروب التي فيه، وفي سورة التوبة مثلاً إنّما هي حروب على المستوى الباطنيّ للنّفس، أيْ على المستوى العرفانيّ الخالص الذي لم يكن حاضراً بهذه الصيغة الجديدة لدى فلاسفة اليونان، وقد عجزت أعظم كتب فلاسفة تلك العصور عن بلوغها، وهذه هي معجزة الرّسول الأكرم لأنه كان على معرفة بمبدأ الوحي بحيث يكشف له أسرار الوجود، وكان هو بدوره يرى الحقائق بوضوح وبدون أيّ حجاب وذلك بعروجه وارتقائه قمّة كمال الإنسانيّة، وفي ذات الوقت كان حاضراً في جميع أبعاد الإنسانيّة ومراحل الوجود، فمثّل بذلك أسمى مظهر لـ (هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن) (11)، كما سعى إلى رفع جميع النّاس للوصول إلى تلك المرتبة، وكان يتحمّل الآلام والمعاناة حينما كان يراهم عاجزين عن بلوغ ذلك (12).

محمّد (ص)، هو القلب الكونيّ الّذي تلقّى كلمات ربّه بأسلوب جديد، يصف حروب النّفس، أو حروب الأرض التي تنقلبُ فيها الأعمال وتتجسّدُ بصور مختلفة تجتمع فيها الحيوانات، والحشرات والهوام والزّواحف، وصور الإنسان ذكراً كان أو أنثى، وتتمثّل فيها الأماكن بالجبال والمفاوز والصحاري والغابات والوديان والرّياح والنيران، وكلّ ماهو ظاهر وغير ظاهر في كون الظهور وأكوان البرازخ والغيبيّات، فإذا عمل الإنسان عملاً صالحاً فإنّ هذا العمل يؤثّر على قلبه ويجعله مهيّئاً لنزول البركات، أمّا إذا كان القلب مفعماً بالحسد مثلاً أو الغضب أو حبّ الدّنيا وما إليها من ملكات أخرى خبيثة فإنّ ذلك يحجبه ويعتم مرآته فيتعذّر عليه التوجّه للغيب، وحلول الرّحمة فيه (13).

تحدّث القرآن كثيراً عن النّفس وأهوائها وحروبها، وكما لقّبها اليونان قديما ببيرسيفون، التي تعني بؤبؤ العين فإنّ العرب لقّبوها بقرّة العين وما من فراغ شبّهت إيزيس النّفسَ خلال أحاديثها مع حورس بالعين والجفون التي تحيط بها، وذلكَ لأنّها تمثّلُ مبدأ الإدراك المستيقظ الّذي لا ينام أبداً، وأهل الذّوق يعلمون هذا جيّداً وكثير منهم رأوا هذه العين (14)، وهي العنصر الّذي يبعث الحياة في الجسد المادّي، لأنه نفس الإله المنفوخ فيه. وهو أيْ الجسد، العالم الدنيويّ المتكوّن من النّفس التي هي المبدأ الأنثويّ، ومن الأنا التي هي المبدأ الذكريّ القابع في حضنها، وهذه الأخيرة لا تمثل المادّة الصّلبة وإنّما شخصيّتها، وهي بعبارة أخرى الانعكاس الوهميّ للذّات. وإني لأتحدّث هنا عن محتوى عقليّ ذو طبيعة سائلة، ولأجل هذا فإنّ النّفس مرتبطة بالماء وهي توجد في المركز بين العالم الباطنيّ والعالم المادّي، وبين صراعات النّفس لا سيما حينما يتعرّضُ الكيان العقلي في ارتباطه بالمبدأ الذكريّ إلى عملية الوحشنة التي تحجب بالكامل الذّاتَ الحقيقيّة في جوهر الإنسان، وهذا ما يفسّرُ ويبرّرُ لغة الحرب والقتال الواردة في القرآن الكريم والتي أشار إليها آنفاً عبد الجبّار فيما يتعلّق بحروب النّفس وطريقة تخليصها من أسرها ووحشنتها وسجنها الدّاخليّ الرّهيب. ولقد حدّد خطابُ الوحي إمكانية الخلاص في التعرّف على التركيبة الحقيقيّة للإنسان ولا غرابة إذا كان محمّد يعرف أنّ هذه التركيبة تقبع في المركز والجوهر الأصيل، بينما يقبع في القشرة الخارجيّة كلّ ماهو مزيفّ، ولذا سمّيت عملية الخلاص هذه بالجهاد الأكبر، والّذي سمّاه رجال الدّين في الديانات الأخرى بمحاربة التنّين أو الأفعى الّتي تبدأ في سنّ الأربعين، وهي السنّ التي أسمّيها نسبة إلى سورة التوبة بسنّ براءة، أيْ العمر الّذي يتبرّأ فيه القلب الكونيّ من شواغل النّفس المرتبطة قبل الأربعين بقوّة النموّ والتّغذيّة، وذلك حتّى يتفرّغ لمسار الانعتاق من شؤون الدّنيا حينما يتحقّق انحسار نشاط الطّاقة الأنثويّة المعبّر عنها في القرآن الكريم بعبارة (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) (15)، أيْ بمعنى فلمّا قضى الجسمُ الّذي يزيد في النموّ وطره من الطّاقة الأنثوية المتمثّلة بالنّفس التي كبّرتهُ وزادت في نموّه تزوّج بها لكي تعينه على جهاده الدّاخليّ في سبيل الخلاص من ربقة الاستعباد الدّنيويّ، وهذه الزّوجة في مقام الأربعين لها اسم آخر لدى أهل الأسرار وهو زينب، أيْ الشّجرة العطرة الحسنة المنظر وهي ذاتها شجرة الحياة والمعرفة التي يأكل منها السّالكُ وهو في طريقه إلى الكمال الرّوحيّ.

وإذ أكشف لكَ عن هذه المعاني الجديدة فإنّه يبدو واضحاً كيف حُرّفتِ المعاني وقُلبت الآيات وتشوّهت الأهدافُ بشكلٍ أدّى إلى مسخِ صورة الدّين الإسلامي في كافّة المجتمعات كما يقول عبد الجبّار الرّفاعي، بحيث أصبح “كلّ ماهو دينيّ مختلطاً بكلّ شيء: بالعلم وبالفلسفة والأدب والفنّ، وبالدّولة والقبيلة والعادات والأعراف بشكل انهار فيه كلّ شيء وماعاد الدّينُ ديناً، ولا العلم علماً، ولا الأدبُ ولا الفنّ أدباً وفنّاً” (16). فما الحلّ إذن أمام هذه المعضلة الكبيرة، و”كيف نحوّل الدّين من موتٍ إلى حياة ومن داء إلى دواء، ومن سمّ إلى ترياق، ومن هيروئين إلى فيتامين، ومن ظلام إلى نور، ومن حزن إلى فرح، ومن شقاء إلى سعادة، ومن ضعف إلى قوّة، ومن هدم إلى بناء؟!”، يجيب عبد الجبّار: (لا خلاص إلّا بالخلاص من “تديين الدّنيويّ” وإعادة الدّين إلى حقله الطّبيعيّ، ومن دون ذلك ننهكُ ماهو ديني، ونبدّد ما هو دنيويّ) (17).

وإلى كلماته أضيف وأقول، إنّه لا بدّ من شجرة الحياة والحسن والجمال والبهاء زينب بكلّ مقاماتها النّسائيّة، بما فيها مقام عائشة التّاسع الّذي هو أحد أسماء الإلهة إيزيس والتي تعني في معناها الباطنيّ كلّ شيء يعيش ويحيا وينمو في الكيان والّذي لا بدّ للمريد والمريدة أيضاً من ولوجه في التّاسعة أيْ في المقام التّاسع من شجرة الحياة، وهذا هو ردّي على من كان يسأل من مثقفّي الحسرة منذ أزيد من عشرين سنة عن محمّد لمَاذا تزوّج بعائشة، وهي بعد طفلة في التّاسعة من عمرها، وهم لا يعرفون عن حياة السالكين إلى الله شيئا ولا عن شجرة الحسن زينب فيها ولا عن النساء الأربع التي لا بدّ للسالك والسّالكة من الزّواج بهنّ كرمز لعناصر الخلق الأربعة وهي النار والهواء والماء والتّراب، والتي لا يستطيع المريد التوفيقَ بينها بسهولة فوجب اكتفاؤه بواحدة، أو اثنين أو على الأكثر ثلاثة قبل البدء في رحلة تسلّقه لشجرة المعرفة زينب.

وأمّا لمن يسأل عن الجواري في الإسلام واستعباد النّساء من أين أتى، فأقول إنّ تاريخ الإنسان الأسود في تحريف كلّ شيء عبر غرائزه المتوحّشة تشهد ضدّه على قبح ما ارتكب من جرائم. ففي الوقت الّذي كان فيه نصّ الوحي صريحاً في تمييزه بين النّساء والجواري، وأقول النّساء لأنّ العدد الحقيقيّ الذي يتزوّج به المريد والمريدة أيضاً وهُما في حروبهما الرّوحيّة الباطنيّة مع المبدأ الأنثويّ الذي هو النّفس يصل إلى تسع نساء يضاف إليهنّ أربع أخريات حينما يتمُّ الوصول إلى المقام العاشر من شجرة المعرفة والحكمة، ليصبح المجموع 13 زوجة، فافهم قولي وافقه من أين أتت هذه الأعداد النسائيّة التي يتجادل حولها المفسّرون إلى اليوم وباسمها ارتكبت العديد من المجازر والحروب النكاحيّة على أرض الواقع الماديّ الإنسانيّ وفي حياته اليوميّة!

أمّا بالنسبة لسبي الجواري، فإنّ الأمر فيه إشارة إلى الجانب الأنثويّ للقوى المتعلّقة بمقامات شجرة الحسن والحكمة ولكن في الجزء المتعلّق بالنزوات الدّنيوية الطّارئة داخل قلب المريد، وهنّ أقل شأناً من النّساء اللائي هنّ طاقات أنثوية أساسية بينما الجواري طاقات ثانويّة والتي يتوجّب على السّالك سبيها أيْ سلخ جلد الأفعى فيها، ونزعها وتحريرها من الكينونة الذّكريّة التي تحكمها داخل العالم الجوّانيّ للنّفس البشريّة لكلّ إنسان، ولا فرق في هذا بين مسلم أو مسيحيّ أو غيرهما ممّن يعتقد ويدين بديانات أخرى. والكشف اليوم عن هذه المعاني فيه كشف عمّا ألحقه التفسير السّيء للتعاليم المتعلّقة بالمبدأ الأنثوي، والذي أفرد له القرآن الكثير من الآيات وخصّص له سورة كاملة تحمل عنوان النّساء، من ضرر أدّى إلى خلق أبشع الممارسات التي شهدها التاريخ مثل السّبي الفعليّ للنساء والمتاجرة بهنّ في سوق الرّقيق إلى اليوم، وهو ما أشار له د. عبد الجبّار الرّفاعي بقوله: (الرِّقُّ أقبحُ أشكال نزَعات التسلط وامتهان الإنسان لأخيه الإنسان، وأقسى صور هتك الكرامة البشرية. إنه ظاهرة بشعة مزمنة في الحياة، لم يتورط فيها كائن آخر غير الإنسان. ولم تَصدر قرارات صارمة تُلغي تشريعه حتى القرن التاسع عشر. فهذه القرارات – وإن ربما استطاعت تحريمه والقضاء عليه -، عجزت عن استئصال جذوره ومنابعه المزمنة. فمع أنه اختفى شكلُه القديم، غير أنه واصَل حضورَه بِعُنوانات وأشكال بديلة. خلَق اللهُ الناس متساوين في إنسانيتهم، إذ ليس هناك إنسان كامل الإنسانية، وآخَر إنسانيته ناقصة. أمّا الرقُّ، فهو أقسى أنماط احتقار البشر، لأنه هتكٌ للكرامة. ولا تتحقق إنسانية أية ديانة إلَّا بتبنِّي المساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتجسيدِها في مختلف المواقف والأفعال والسلوك، بغضِّ النظر عن الدين والثقافة والجنس والنسب واللون والطبقة. فلا قيمة سامية تعلو على قيمة الكرامة، وهتكُها يُثير الفزع في كيان أيّ كائن بشري، مهْما كان بَلِيدًا أو أبْلَهَ في نظر بعضهم. هتكُ الكرامة يُنتجُ عمليات الثأر العنيفة، والثورات والأشكال المتنوعة للمقاومة. وجميعُها ليست إلَّا مَساعِيَ لاسترداد الكرامة، وإنْ أخطأت مراميها أحيانًا.

الرقُّ غيرُ مستهجَن عند أكثر الناس الذين يمارسونه؛ إذ هناك حاجة نفسية مختبِئة، إلى استرقاق البشر وإخضاعهم لدى كثير من الناس، الذين يتلذذون بالتسلط على غيرهم، مضافة إلى حاجتهم إلى الخدمة والعمل. ذلك سببٌ خفيّ اليوم لاستنساخه في المجتمعات بأقنعةٍ جديدة، مِن أبشعها ظاهرةُ “الخدم”، المتفشية في مجتمعات التمييز العنصري واحتقار الإنسان المُتْخمة. العبوديةُ تختبئ في الكلمات، وتَشِي كلمةُ “الخدم” بحمولة سالبة، تحطُّ برأيي من كرامة الإنسان الذي كرّمه اللهُ تكوينًا. إنْ كان بعضُهم يلتمس مبررات للرقّ في التاريخ، فإنَّ استئناف الرقّ بأقنعة بديلة في مجتمعات اليوم، لا يمْكن تبريرُه أبدًا. في “العبودية المقنَّعة” نرى شابَّاتٍ وشبابًا يعملون في المنازل، ويتعامل معهم أهلُ المنزل باحتقار وإذلال ومهانة، بخِلاف الكلاب والقطط والطيور التي يهتمون بها في الغالب أكثرَ منهم. فيُسكِنون أولئك الخدم في أماكن غير ملائمة، ويطعمونهم أحيانًا بقايا الطعام، وغالبًا ما يُلبسونهم ثيابًا غيرَ ثيابهم، دون أن يكترث أحد لِمشاعرهم وعواطفهم وحساسياتهم وانفعالاتهم بصِفَتهم بشَرًا. “الخدم” يفكرون ويشعرون مثل كلّ البشر. هؤلاء بشرٌ مُكرَّمون، كرامتُهم هبة من الخالق لهم، كرامتُهم مُكوِّن لهُويَّتهم الوجودية. أكرهَتهم الفاقةُ والحرمان والجوع وفقدان فرص العمل الكريم، على زجّ أنفسهم في هذا النوع من العمل المُزْري الذي يمتهنهم. هؤلاء بشر، ينفعلون، يتألمون، يحزنون، يكرهون، يحبون، يشعرون بالسعادة، وتنزف قلوبُهم أسًى لحظةَ يتعرضون لإهانة أو تنكيل. لكنْ مع ذلك، يتعامل معهم أكثرُ من يستخدمهم، وكأنهم محكومون باكتئاب وحزن أبديّ. هؤلاء بشرٌ، لديهم احتياجات جسدية وروحية وأخلاقية. فيحتاجون إلى الحياة العاطفية والجنسية، كما كلُّ كائنٍ بشري. أيضًا يحتاجون إلى الفرح والحبّ والحنان، ويحتاجون إلى الاعتراف بهم وبمُنجَزهم مهْما كان، ويحتاجون إلى الاحترام والشكر والتكريم. هؤلاء بشرٌ، لديهم حياتهم الباطنية. فالذات البشريّة بطبيعتها باطنية داخلية عميقة، تنطوي على أسرارها، وتَخْصَب وتغتني بمنابع إلهامها وديناميّتها الجوّانية، وتتحقّق على الدوام حين تَشْرع في وُجودها وتجاربها وحياتها الخاصّة. ولا يمْكن لنا اختراق هذه الحياة واكتشاف غاياتها، إلّا بحدود ما تبوح هي به. يولَد الإنسان بمفرده، ويحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألّم بمفرده، ويمرض بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويستفيق ضميرُه بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويُلحد بمفرده. أيضًا يجتاحه بمفرده: القلق، واليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والعدمية، والعبثية، والجنون). (18).

كيف النّجاة من كلّ هذه الأهوال التي تسبّبت فيها القراءات المقلوبة لكلمة الوحي وخطابه، وكيف السبيل إلى إعادة البهجة والمسرّة والضوء إلى مشكاة الرّسالات النبويّة وقد سدّ علينا المتشدّقون بالمعرفة كلّ الأبواب؟ لا سبيل إلّا بالعودة إلى المعين الصّافي، أي إلى محبّة الله بعيداً عن قساوة وتعصّب كلّ أشكال التديّن المتزمّت الّذي ينافي فطرة الإيمان لدى كلّ إنسان، لأنّ “اللّحظة التي يمتلكُ فيها الإيمان قلبك تصير أنت الأمن والسكينة. أمنكَ هو إيمانكَ، وإيمانك هو أمنكَ، إنه إيمان أنطولوجيّ متوحّد بكينونتكَ والعلاقة فيه باللّه أفقيّة لا عموديّة، علاقة جوهرها الحبّ والحريّة، لا تتضمّن استرقاقاً، ولا قهراً ولا انتهاكاً لكرامتكَ” (19).

بهذه الكلمات أختمُ سفري العرفانيّ ووقفاته في حضرة عبد الجبّار الرّفاعيّ، أطفئُ قارئي الإلكتروني، أو مكتبتي الرقميّة المتنقّلة، أمشي بخطوات ثابتة، وأتوجّه نحو صبيّ الحكمة الأسمر في الطريق المؤدّي إلى باب الحديقة العرفانيّة الكبير، أسلّم عليه، ثم أستلمُ منه عصاه، التي بها لا شكَّ ستبدأ أسفار جديدة أخرى، ووقفات مع أهل الله من شتّى الدّيانات والاعتقادات، راجية من الله عزّت وجلّت قدرته أن يمدّني بمزيد من التأييد، ويفتح لي وعليّ من بركاته وفيوضاته فتحاً مبيناً لا يأتيه الباطلُ من بين يديْه ولا من خلفه.

الهوامش:

  • وأعني بها ثلاثية كتب الرفاعي عن الدين، الّتي صدرتْ في طبعات ثانية وثالثة ما بيْن عامَيْ 2018-2019 عن مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، وهيَ على التّوالي: (الدّين والنّزعة الإنسانيّة، ط3)، و(الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، ط3)، ثمّ (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، ط2).
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط2، ص 8، 2019.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 27.
  • انظر في الملحق صوراً توثّقُ زيارة أسماء لهذه الحديقة العجيبة.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط 2، 2019، صص، 37-39.
  • المصدر نفسه صص 24-25.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعي، الإيمان والتجربة الدّينيّة، “موسوعة فلسفة الدّين 2″، ط1، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2015، ص13.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والنّزعة الإنسانيّة، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 50.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 53.
  • المصدر نفسه، ص 46.
  • سورة الحديد: الآية 03.
  • وصايا عرفانيّة للإمام الخمينيّ، إعداد السّيّد عبّاس نور الدّين، مركز بقيّة الله الأعظم، ط2، بيروت، 2001، صص 18-19.
  • عبد الحليم عوض الحلّي، ظهور الحقائق وانقلابها في عالم المُلكِ والملكوت، ط1، مؤسسة الطّبع والنّشر التّابعة للأستانة الرّضويّة المقدّسة، 2013، ص52.
  • د. أسماء غريب، قصيدة (عينُكَ)، ضمن ديوان مشكاة أخناتون، ط1، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، 2018، ص 109.
  • سورة الأحزاب: الآية 37.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 143.
  • المصدر نفسه، ص 143.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الاستعباد والعبوديّة المقنّعة، من مقالة منشورة في موقع تعدّدية بتاريخ (18 /06/ 2020).
  • د. عبد الجبّار الرّفاعي، الإيمان والتجربة الدّينيّة، “موسوعة فلسفة الدّين 2″، ط1، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2015، ص23.


أكاديميّة وروائية وناقدة ومترجمة مغربية مقيمة في إيطاليا. [1]

 

رابط النشر

نقد تصوّف الاستعباد

نقد تصوّف الاستعباد

د. عبد الجبار الرفاعي

نشأ التصوّف بوصفه محاولةً لاسترداد الدين لوظيفته بوصفه نظامًا لإنتاج معنىً روحي وأخلاقي وجمالي للحياة، وليستردّ الدينُ المعنى الذي تتطلبه حياةُ الإنسان، غير أن ذلك المعنى ضاع من أكثر المتصوّفة. في بدايته كان التصوّف بصيرةً مُلهِمةً، لكن انطفأ ضوؤها لاحقًا، عندما ضيّع المتصوّفةُ دينَ المعنى في زوايا العزلة والهروب من المجتمع، والخضوع وانقياد المريد الأعمى لشيخه.

في التصوّف قيمٌ إنسانيةٌ كونيةٌ أبدية، كالمحبّةِ والتراحم والشفقة والسلام، والصدق والأمانة، والخيرِ والحقّ والعدل والتكافل، وتذوّقِ التجليات الوجودية للجمال الإلهي. ‏هذه القيمُ الإنسانيةُ هي ما يبقى من تراث التصوّف وغيره في كلِّ زمان ومكان.كلُّ ما هو مرآةٌ للعصر الذي ظهر فيه من التراث، وما فرضته ضروراتٌ واحتياجاتٌ زمنية، وإكراهاتٌ وثقافاتٌ محلية، يظل محكومًا بمشروطياتِ عصره، لافتقاره لما يمدّه بالحياة في غير زمانه، لذلك لا يصحّ تعميمُه لكلِّ العصور.

تراثُ التصوّف بحرٌ عميق يضمُ عناصرَ غير متجانسة، ففي الوقت الذي نرى اللآلئ والجواهرَ النفيسةَ تعيشُ بباطنه، نراه يتسعُ بجوارها لأشياء غير ثمينة، وأحيانًا أشياء سامّة. اللآلئ والجواهر النفيسة في تراث التصوّف الواسع لا يصطادها إلا صيّادٌ متمرّس خبير.

وبغيةَ اصطفاء ما يصلح منطلقاتٍ أساسيةً لبناء رؤية اعتقادية تتحرّر من إكراهاتِ التاريخ وتناقضاتِه، ورؤيةٍ للعالم تواكب التحوّلات العظمى في نمط حضور الإنسان في العالم اليوم، تنبغي الإفادةُ من تراث التصوّف المعرفي، لكن لا بمعنى الضياع في مداراته الواسعة، بل بتوظيف ما هو حيّ من مقولاته ومفاهيمه، والتعاطي معها بوصفها مصباحًا ينير الطريقَ لاجتهاد ينشد صياغةَ رؤية للعالم، يتبصّر بها المسلمُ طريقَ خلاصه من المتاهات، ويهتدي لحضورٍ فاعل مؤثّر في العالم الذي يعيش فيه.

تظلّ الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوّف المعرفي اجتهادًا في فهم التوحيد وتصورًا لبناء نمط الصلة بالله، وكلُّ اجتهاد لا ينفي اجتهادًا مغايرًا ينبثق في عصر لاحق. فشيءٌ من فهمِ محيي الدين بن عربي وغيرِه من العرفاء مرآةُ العصر الذي عاشوا فيه، ولا يمكن أن يتحرّر كلُّ فهمٍ للدين ونصوصِه من الأفق التاريخي الذي ينبثق فيه. لذلك ينبغي على المجتهد في هذا المضمار ألّا يقلّد ابنَ عربي أو غيرَه ولا يستنسخه كما هو، بل عليه أن يقدّم فهمًا للتوحيد يوظّف ما انتهت إليه رؤيته في سياق الواقع الذي يعيشه المسلمُ اليوم، وما يواجه وجودَه وحياتَه الروحية والأخلاقية من تحديات ومشكلات.

تشتدُّ الحاجةُ اليومَ لاستئنافِ النظر في تراث التصوّف المعرفي، والتوغّلِ في طبقاته المتراكمة وغربلتِها وتمحيصِها، واصطيادِ ما هو ضروري منها للعيش المشترك في إطار التنوع والاختلاف؛كالقولِ بالنجاة لكلِّ مَنْ كان اعتقادُه راسخًا بصورة الله في ضميره، والقولِ بالتعدّدية وتنوّع الطرق إلى الله، وتوظيفِ شيء من مفاهيمه في بناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. تراثُ التصوّف ينتمي لعصره، ولم يتحرّر كلّيًا من إكراهاته وملابساته ورهاناته ومشكلاته، فقد تجد أحيانًا في آثار عارف كبير كمحيي الدين بن عربي مقولاتٍ ومفاهيمَ ومواقفَ متضادّة، يحيل بعضُها إلى مرجعيات كلامية وفقهية مغلقة، بموازاة المساحة الشاسعة والعميقة لمقولات ومفاهيم ومواقف التصوّف المعرفي المنفتحة الحرّة.

على الباحث في التصوّف أن ينتبه إلى أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالَمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوال ذلك العصر ومختلفُ ملابساته وشجونه. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي.

لا تخلو آثارُ ابنِ عربي وبعضِ العرفاء من تناقضٍ ظاهري، كما أنَّ بعضَها مكتوبٌ بلغة رمزية، لا يتطابق ظاهرُ الألفاظ فيها أحيانًا مع مقاصد المؤلّف، وربما تعمّد ابنُ عربي الإبهامَ والغموضَ، لذلك حرص في بعض كتبه أن يتحدّث عن «عقيدة الخلاصة» في مواضع متفرّقة من كتاب واحد، فنجده يصرّح بذلك في الفتوحات المكية قائلًا: «وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، ولكن جئتُ بها مبدَّدَةً في أبواب هذا الكتاب، مستوفاة مبينة، ولكنها كما ذكرنا متفرقة».

كذلك يرى القارئُ في كتاباته تداخُلًا بين أكثر من نظام معرفي، ومقولاتٍ كلاميةً لا تلتقي مع فهمِه للتَّوحيد، ويقرأ رؤىً له تستقي من منابع متضادة. عندما تقرأ عباراتِه تجده أحيانًا وكأنه باطنيٌّ مع الباطنيين، ظاهريٌّ مع الظاهريين، فقيهٌ مع فقهاء الظاهرية، متكلّمٌ مع متكلمي الأشعرية، فيلسوفٌ مع الفلاسفة الذين يتمسّكون بالبراهين العقلية ويدلّلون على مقولاتهم بحجج منطقية، عارفٌ يعتمد الإشراقَ والكشفَ والمشاهدةَ والذوقَ في تسويغ مقولاته، متصوّف مع متصوّفة الطرق الصوفية المنطوين على الذات في انسحابهم عن الحياة، ممن يرون أن الطريقَ إلى الله يمرّ عبر الهروب من متطلبات الجسد الأساسية وحاجاته الضرورية، ويسرفون في اعتزال الناس في خلواتهم وينشغلون بالصمت والجوع والبكاء والسهر، وينهمكون في ترديد الأذكار، وفي رياضات تنهك الجسد.

لا شك أن هذا الضربَ من الارتياض الذي يدعونا إليه هؤلاء لا يمكن أن يصبح وصفةً جاهزةً لبناءِ شخصيَّة روحية أخلاقية سليمة، وقد يفضي إلى بعض الأمراض النفسية وحتى الأخلاقية. وذلك ما يدعونا إلى التحذير من التورُّط في استحضار التراث وتبنّيه كما هو، سواء كان تراثًا روحيًا أو أخلاقيًا أو عقائديًا، حتى تراث العرفاء كمحيي الدين بن عربي يلزم التعاطي معه بيقظة ومهارة الخبير بتفاصيل منظومته المعرفية «المبدّدة» في مجموعةِ أعماله، وممن يعرف جيدًا متطلباتِ حياة المسلم اليوم، والقادر على استلهام شيء من هذا التراث الذي يصلح أن يكون منطلقًا لإغناء راهن الحياة الروحية والأخلاقية في عالَم الإسلام.

بعضُ أنماط التربية الروحية في التصوّف تتنكّرُ للطبيعة الإنسانية، فتسرف في ترويضِ الجسد، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، وممارسةِ بعض التمارين القاسية العنيفة لترويض الإنسان. هذه الأساليبُ من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلب الطرق الصوفية. لا يطيقُ الإنسانُ التقشفَ الشديد والتنازلَ عن معظم الاحتياجات الأساسية للجسد، ولا يتحمل الإكراهَ القسري لطبيعته على ما لا تُطيقُه. التنكرُ لهذه الاحتياجات أحدُ منزلقات التربية لدى كثيرٍ من المتصوّفة والرهبان في كلِّ الأديان، وقد كانت ومازالت سببًا لانشطار شخصية بعض هؤلاء واضطراب سلوكهم. الارتياضُ العنيف الذي يتنكر لاحتياجات الإنسان الجسدية والنفسية والعاطفية والعقلية، طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وأحيانًا أنتج أمراضًا نفسية وأخلاقية مزمنة.

الأركانُ الأربعة المعتمَدة في الطريقة الأكبرية مثلًا، هي: (الخلوة، والصمت، والجوع، والسهر). هذه الأركان تقودُ الإنسانَ للانطواء على الذات، والانسحاب من الحياة والعزلة، شاء أم أبى. ابنُ عربي يستغرق في تأويلات تفصيلية لكلِّ واحد منها، فهو يشترط مثلًا أن تكون الخلوةُ للسالك مختلفةً عن طريقة الرهبان المسيحيين والبراهمة، لكنا لا نفهم كيف يعتزل المتصوّف الناسَ في خلوته، وينشغل بالصمت والجوع والسهر، من دون أن تكون تلك رهبنة. أليس ذلك الاختلافُ شكليًا، ولا يعدو إلا أن يكون اختلافًا في التسمية فقط؟[1]            يتحدّث أحمد بن سليمان النقشبندي عن سبع صيغ للأذكار في طريقة ابن عربي، وهي: “لا إله إلا الله” تكرر 1100 مرة، “الله” تكرر 100000 مرة، “هو” تكرر 90000 مرة، “حي” تكرر 70000 مرة، “قيّوم” تكرر 90000 مرة، “رحمن” تكرر 95000 مرة، “رحيم” تكرر 100000 مرة[2]. يحتاجُ الإنسانُ إلى تفرغٍ ووقت وطاقة هائلة لتكرار الكلمات والعبارات نفسها آلاف المرات، بشكل أقرب للميكانيكي الذي قلّما يلامس القلب. تكرارُ هذا النوع من الذكر لا أظنه الطريقَ لوثبة الروح، ولا أخاله يعملُ على إيقاظ القلب. وثبةُ الروحِ وإيقاظُ القلبِ يتطلبان كثيرًا من التدبر الصامت والهدوء والطمأنينة، والتفكّرِ في خلق السماوات والأرض: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”[3]. لا يُنكَر أن تكرارَ الكلماتِ والعبارات ذاتها بأنغام وألحان وإيقاع جماعي مثير؛ يمكن أن يُشعلَ المشاعر، ويوقدَ العواطف، ويُلهِب الحماس، وربما يبعثُ شيئًا من الانشراح. إلا أن ذلك لا يوازي ما تورثه هذه الفعاليةُ من إهدار لوقت الإنسان، واستنزاف لطاقته، وتعطيل لعقله، وإغراق تفكيره في حالة غَيْبُوبَة.

هذا النوعُ من الانصراف عن الحياة المجتمعية ينتهي إلى منفى اختياري، لا يتناسبُ إلا مع حياة رهبان يعيشون عزلةً عن الناس، لا يستمعون في عزلتهم إلّا لصدى أذكارهم. يستسلمون لتعاليم جاهزة تستنزفُ طاقتَهم، لا يفكرون في آثارها، ويغفلون عن ضياعهم في الانهماك فيها.  لا يتناسبُ هذا الانخراطُ في العزلة مع حياة الإنسان الذي يهمُهُ إعمارَ الأرض والعملَ والبناء والإنتاج، ويتعارضُ مع مَنْ ينشدُ العيشَ في الواقع الذي يضجّ بمختلف التحديات والمشاكل والآلام. ولا يتقبله مَنْ يتحملُ مسؤوليةً أخلاقية تجاه الإنسان وقضاياه العادلة، ولا يتخاذلُ أو يتهربُ من وظيفة الاستخلاف في الأرض، وتسخيرِ الطبيعة واستثمارِ مواردها فيما ينفعُ الناس.

التشديدُ على تقليد أقطاب التصوّف في سلوكهم، والحثُّ على تقمصِ حياتههم الخاصة، والوقوع في أسرِ تعاليمهم يمسخُ الإنسانَ فيصيّره كائنًا شبحيًا، يفتقد أيّةَ ملامح شخصية يختصُ بها ويتميزُ عن غيره. تصوّف الاستعباد يؤكدُ على الاستسلامِ والسمعِ والطاعة، والتخلي عن الإرادة الذاتية. الطاعةُ بهذا الفهم تعني انقيادَ الإنسان ورضوخَه وخضوعَه الكامل للشيخ، وتنازلَه عن ذاته وحقوقه وحرياته، وقد يصلُ ذلك إلى استعداده للتنازل عن كرامته. ربما يوصي بعضُ شيوخ التصوّف المريدَ بشيء من الممارسات المبتذَلة مما يستبشعها الذوقُ السليم. بعضُ الطرق الصوفية ترى التنكيلَ بالنفس ضرورة تربوية للسالك، حتى لو لجأ للتسوّل والتسكع في الطرقات.

شيوخُ التصوّف بشرٌ تورّطَ مريدوهم في تقديسِ آرائهم، وتوثينِ سلوكهم، وتحويلِ شخصياتهم إلى أصنام. تمادى المريدُ في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالتْ تعاليمُ الشيخ في وجدان الأتباع فصارت سجنًا لهم، بنحوٍ صار المريدُ يرضخُ لها حدّ محو شخصيته ونسيان ذاته، وانتهت إلى تكبيلِهم وعجزهم وشلِّ حركتهم. المشكلةُ العميقة في تصوّف الاستعباد أنه يبرع في نحت أوثان البشرية، بنحو صار جلالُ الدين الرومي المتخيَّل مثلًا في وجدان الكثير من أتباعه وثنًا. هنا انقلبت وظيفةُ التربية في التصوّف، فأضحت تنتج عُبّادًا لأوثان بشرية. الله يدعو إلى التوحيد، وألا نتخذ أحدًا من دون الله إلهًا، ولن نعبد سواه أبدا. “إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ”[4].

حتى عبادة الله يمكن أن تتحوّل إلى صنم يستعبدُ بعضَ المتصوّفة. سُئِل أبو يزيد البسطامي: “مالنا نعبدُ اللهَ ولا نجدُ لذةَ العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادةَ، ولو عبدتم اللهَ لوجدتم لذةَ العبادة”. ميكانيكيةُ العبادة، والإسرافُ في تكرار الأذكار باللسان، والولع بالكم، وانفصال القلب عن اللسان يعبث بروح الإنسان، وربما يكون أثرُه عكسيًا يُهشِّم الإنسان.

يتعاملُ المريدون مع شيخ الطريقة بوصفه صنمًا، لذلك تنطفئ شعلةُ أرواحهم، ويمسون رقيقًا لا يمتلكون شيئًا من ذاتهم. يصادر مشايخُهم حرياتِهم، ويتسلطون على حياتهم الخاصة أحيانًا، ويحاولون التحكمَ بتفكيرهم وعواطفهم وسلوكهم. بمهارةٍ يبتكر شيوخُ بعض الطرق عملياتِ تدجينٍ للأتباع، يتنازل فيها المريدُ لهؤلاء عن حرياته طوعًا، ويسمح لهم بالتسلط على كلِّ شيء في حياته. هنا تنقلب وظيفةُ التصوّف، فبدلًا من أن يكون امتلاكًا للذات عبر وصالها بالحقّ، والاستغناء عن كلِّ شيء سواه، يتعرض المريدُ إلى انسحاق مُهين للكرامة أمام مشايخ الطرق.

تصوّف الاستعبادِ يعني أن يتطوّعَ الإنسانُ بوضعِ كلِّ شيء في حياته تحتَ وصايةِ شيخِه. هذه بدايةُ محوِ الذات الفرديَّة، وإنتاجِ نسخٍ متماثلة من المتصوّفة، تظهر متطابقةً في الخارج؛ تتشابهُ في كلِّ شيء كأنَّها روبوتات. نشأ تصوّف الاستعباد من إساءةِ فهمِ وتطبيقِ معاني القضاءِ والقدرِ، والتوكّل والتسليم لله، والصبر وتحمّل الألم، وغير ذلك من اعتقاداتٍ أنتجتْ تعطّيلَ إرادةِ المتصوّف، وشلَّ فاعليته وحركته، وغفلتَه عن استعمال عقله، وتقييدَ حرية تفكيره النَّقدي، وجعله إنسانًا مُسْتَلَبًا رَاضِخًا.

تضخّمُ الصورُ المتخيَّلة في ذهن المريد يعمل على تنازله عن كلِّ شيء في حياته لشيخ الطريقة، واذعانِه وانقياده وخضوعه له مختارًا. متخيَّلُ المريد لا يكفُّ عن ابتكارِ المواقف الخارقة والأحوالِ المدهشة والهالةِ المقدّسة للشخصية الروحية الاستثنائية. يظلُ المريدُ يراكمُ الصورَ المتخيَّلة بشغف، إلى أن تصلَ الصورُ المتخيَّلة حدًا تمحو فيه الطبيعةَ البشرية لهذه الشخصية، وتصيّرها في ذهن المريد كائنًا مجردًا من المادة وشؤونها، لا تشبه في عيشها وأحوالها حياةَ الناس في الأرض بشيء. الصورُ المتخيَّلة تتوالد باستمرار،كلُّ صورة تولِّد صورةً أوسع منها، تواصلُ هذه الصورُ تمدّدها وتوليدها لصورٍ أخرى بكثافة ‏حتى تستبدّ بالذهن، وتنتزع تلك الشخصية من عالَمها الأرضي وترفعها إلى العالَم الربوبي. ‏تفرضُ الصورُ المتخيَّلة حضورَها فتأسر ذهنَ المريد وتخفي عنه الواقع. إذا تضخّم متخيَّلُ المقدّس توارى العقلُ النقدي ‏واحتجبَ الواقع. لو لم يضع العقلُ النقدي حدًا لتضخّم هذا المتخيَّل يغرقُ الذهنُ في اللامعقول.‏

العقلُ هو المرجعيةُ في إصدار أي حكم ‏على أية قضية ‏في الدين والدنيا. الأديانُ والمقدسات تتضخّم في المتخيل باستمرار، لا يضع هذا التضخّمَ في حدوده إلا العقلُ. يظلُ العقلُ هو المرجعية الوحيدة في اكتشاف المتخيل وبيان حدوده وآثاره.

آثارُ العرفاءِ مكتوبةٌ بلغةٍ خاصة، يتطلبُ فهمُها الدقيق استيعابَ معجمها الاصطلاحي. أحيانًا يستعمل العرفاءُ الكلمةَ في معنى لا يرادفُ معناها المستعمَل عند المتكلمين والفلاسفة والأصوليين وغيرهم. لكلِّ علمٍ ومعرفة مصطلحاتُه ومعجمُه، ومَنْ لا يُتقِن ذلك المعجم لن يجدَ طريقًا لاكتشاف خارطته والوقوفِ على مدياته. الجهلُ بمصطلحات العلوم والمعارف ولغتها يغلقُ كلَّ الأبوابِ لفهمها.

من متاهاتِ التصوّف اعتمادُ النسبِ معيارًا محوريًا في توريث زعامة طرق التصوّف. مثلًا المولوية لم يتوقفوا عند جلال الدين الرومي الذي صار معبودَهم، بل انصاعوا لسلسلة من أحفاده وذريته، ممن أضحى بعضُهم لا ينتمي لجلال الدين إلا بالدم. تفشى هذا المرضُ الروحي والأخلاقي في حياة المريدين، إلى الحد الذي أضحى يصعبُ شفاءَ أكثرهم منه.

لم يكترث الأحفادُ كثيرًا بالتعليم الديني، ولم ينفقوا جهودَهم باستيعاب التراث والتوغلِ في حقوله المتنوعة الواسعة، ولم ينفقوا زمنًا لتعلّم مصطلحات ومعجم العرفاء كما فعلَ أسلافُهم. أهملوا دراسةَ آثار محيي الدين بن عربي، مثل كتاب فصوص الحكم وغيره من المؤلفات المعروفة في دراسة هذا الفن، ولم يهتموا بدراسة مثنوي جلال الدين الرومي، والنظرِ فيه بتفكير وتأمل دقيق. استبدلَ الأحفادُ تقاليدَ التعليم الديني الرصين بالانشغال بالتفاصيل الدقيقة للأنساب، وأصبحوا خبراء في مشجرات النسب وأمثالها، وانشغلوا بالإعلاءِ من مكانة الانتماء بالدم، والتشديد على ضرورة وراثة الأولاد والأحفاد والعوائل، بوصفها بديلًا مجانيًا عن العلم والعمل والتقوى، وعدم الاكتراث بوثبةِ الحياة الروحية ويقظةِ الضمير الأخلاقي. الأنسابُ وغيرها من موضوعات ربما تبدو شكلية، غير أنهم يدركون تأثيرَها السحري في إثراء رصيدهم الرمزي، وانقيادِ المريد الأعمى لهم، وتكريسِ سطوتهم على حياته

كما انشغل بعضُ أحفاد مؤسسي الطرق الصوفية ببناء التكايا والخانقاهات والزوايا؛ بدوافع في أغلبها ليست روحيةً ولا أخلاقية ولا إنسانية. دوافعُ تشبه بناءَ المساجد لدى أكثر الخلفاء والسلاطين والحكام المستبدين، الذين يبحثون عن مشروعية دينية. الطاغيةُ صدام حسين انشغل ببناء المساجد المدهشة سنوات الحصار المريرة، وهو يتفرج على المشاهد المريعة لموت أطفال العراق، وانتهاك كرامة المواطنين وتجويعهم بسبب مغامراته وحروبه الطائشة.كلُّ سلطة تفتقرُ ‏لمشروعية الأرض تسعى لاستعارتها من السماء.

تصوّفُ الحرية قليلٌ جدًا وأحيانًا يكون نادرًا، مقارنةً بتصوّف الاستعباد الواسع الانتشار. استعدادُ الإنسانِ للعبودية أسهلُ عليه من مغامرةِ نيلِ الحرية. يجدُ تصوّفُ الاستعبادِ البيئةَ الملائمة لولادته في القهرِ والاكراهِ والاستبداد، الذي يتعرضُ له الفردُ في العائلة والمدرسة والمجتمع والسلطة.

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2: ص 238-248.

[2] أحمد بن سليمان الأورادي النقشبندي، النور المظهر في طريقة الشيخ الأكبر، ص 12-13.

[3] آل عمران، 191.

[4] الأعراف، 194.

 

رابط النشر

الحب بوصفه عطاء

سألني أحدُ تلامذتي:كيفَ يمكنني أن أكونَ معلّمًا للأخلاق والمحبّة؟

قلت له: لا تكون معلّمًا للأخلاق والمحبّة إلا أن تكون صادقًا مع نفسك أولًا، صادقًا مع الناس ثانيًا، وصادقًا مع الله ثالثًا. الحُبّ يبدأ بحُبّ الذات أولًا، ثم حُبّ الناس ثانيًا، ليصل إلى حُبّ الله ثالثًا. مَنْ لا يحُبّ ذاتَه لا يحُبّ الناس، ومَنْ لا يحُبّ الناسَ لا يحُبّ الله. الحُبّ هو إسعادُ الناس، الطريقُ إلى الله يمرُّ عبر الناس، مالم يكرّس الإنسانُ جهودَه من أجل سعادةِ الناس، والعملِ على أن تكون حياتُهم أجمل، وعيشُهم أسهل، لن يصل إلى الله. إسعاد الناس أقصر الطرق إلى الله. الحُبُّ عطاء، إسعاد الناس لا يتحقّق إلا بالعطاء، العطاء بمعناه الأشمل، سواء أكان ماديًا أو معنويًا، بحسب ما يحتاجه مَنْ يستحق العطاء. مَنْ يحتاج خبزًا ودواءً وإغاثةً يُعطى الخبز والدواء والاغاثة. مَنْ يحتاج المعنى يُعطى المعنى، إشباعُ حاجة الإنسان للمعنى تنقذه من الشعور المرير باللاجدوى والضياع والقلق والكآبة.

كلُّ إنسان هو أثرُه، الأثرُ النبيل لا يُمحى وإن أصرّ الكلُّ على محوه. العطاءُ يُحدِث أثرًا مضاعفًا، فهو في الوقت الذي يُسعِد مَنْ يُعطَى يُسعِد المُعطي أيضًا، وربما يكون إسعاده للإنسان المُعطي أكثر من إسعاده لمَنْ يُعطيه. أخلاقية الإنفاق والعطاء تظهر ثمرتُها المباشرة في تسامي الإنسان، وإثراء حياته بالسلام الداخلي، وشعوره الدائم بالسعادة، “مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”. الآيةُ تؤكدُ على نفي الخوف والحزن، والسعادةُ في أبسط معانيها تعني نفيَ الخوف والحزن. الخوفُ والحزنُ سجنٌ مظلمٌ يُنهِك القلبَ. مَنْ يستبدُ به الخوفُ والحزنُ يموتُ قبلَ موته.

بعضُ البخلاء يعوّضون عجزَهم عن الإنفاق والعطاء المادي والمعنوي بالغرق في صلوات وعبادات خارجَ الفرائض، ودعاء وذكر. الصلواتُ والعبادات والدعاء والذكر تهدفُ إلى تنمية وترسيخ أخلاقية الإنفاق والعطاء، إلى أن تصيرَ هذه الأخلاقيةُ حالةً يتصف بها الإنسانُ، وسلوكًا ينعكس على مواقفه وعلاقاته الاجتماعية المتنوعة، “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”.

تعرّفت على أغنياء بخلاء لا هدفَ لهم في الحياة إلا تكديس المال ومراكمته، أشحةً على أنفسهم وأهليهم والناس، تنمو أموالُهم في البنوك أرقامًا صامتة، وأسهم وسندات وأوراقًا مالية مكدسة. لا ينتفعون من الأموال في حياتهم، يصرعهم الموت بغتةً، وهم غارقون في سكرة فائض الثروة. فجأة يختفي كلُّ شيء، لا بصمةَ تُخلِّد الذكرَ في الدنيا، لا نورَ يضيء الآخرة.

مَنْ يعجزُ عن حُبّ ذاته يعجزُ عن حُبّ غيره مهما كان، سواء أكان بشرًا أو إلهًا. في القرآن الكريم إشارةٌ واضحة إلى أن اللهَ يبدأ بحُبّ الإنسان ليحُبّه الإنسان: “يُحبّهُمْ وَيُحبّونَهُ”. يقول محيي الدين بن عربي: “إن الله هو الذي بدأنا بالمحبة تفضلًا منه فخلقنا، هو لا يخلق إلا ما أحب، ومِن حُبِّه لنا: بعثَ الرسل إلينا، لتعلِّمنا الأعمال التي تؤدي إلى سعادتنا، ثم أخبرنا أن رحمته سبقتْ غضبه، وأن أشقى الأشقياء مشمول بالرحمة والعناية وإلا هلك”.                                                                    شاقٌّ جدًا أن يكون الإنسانُ معلّمًا للأخلاق والمحبّة، بل يتعذّرُ على الناس المصابين بأمراض نفسية ذلك، وإلا لأصبح كلُّ الناس معلّمين للأخلاق والمحبّة. الأخلاقُ والمحبّةُ يتمناها الناسُ جميعًا، إلا أن مُعظمَهم لا تطاوعه نفسُه للظفر بذلك، ويشقُّ عليه قهرُ نفسِه لتتجرّع ما يؤذيها. النفسُ تستفزُّها نجاحاتُ الآخرين، وتثيرُها منجزاتُهم، وتنفرُ من تفوقهم، وتؤذيها سعادتُهم. الأخلاقُ تحثّ على الاحتفاء بنجاحات الآخرين، الحُبُّ يهب الإنسانَ السعادة بكلِّ ما يُسعِد الآخرين. هنا يقعُ التناقضُ بين ما يرغبُ فيه الإنسانُ ويتمناه، وما تنفر نفسُه منه، وما تفرضه عليه طبيعتُه بوصفها ملتقى الأضداد.

ترويضُ الطبيعة الإنسانية بالتربية الروحية والأخلاقية والجمالية يكفلُ احتواءَ هذا التناقض إلى حدٍّ كبير، عندما يخفض من فاعلية عناصر الشرّ، ويغذّي ويكرّس عناصرَ الخير في هذه الطبيعة. التربيةُ عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية. إنها كالمعادلات الكيمياوية التي تختلفُ نتائجها تبعًا لاختلاف كيفيات وكميات عناصرها، فقد تكون ثمرتُها الاستعباد، كما هو نمط تربية أكثر المؤسسات في مجتمعنا الوارثة لتقاليد الاستبداد وثقافته، وقد تكون ثمرتُها الحرية، وهذه قليلًا ما نعثر عليها في مجتمعنا. التربيةُ إن كانت ترتكز على معطيات العلوم والمعارف الانسانية، والقيمِ الأخلاقية والروحية والجمالية، فإنها تكون تربيةً خلّاقة، تثري الرأسمالَ البشري الذي هو أثمن رأسمال في العالم. وحين تغيب في التربية القيمُ والمعايير والاستراتيجيات والأساليب العلمية، وتجهل روحَ عصرها، فإنها تصير كجرعة السمّ التي تقوّض الحياةَ العقلية، وتمرض الحياةَ الروحية، وتطفئ الضميرَ الأخلاقي، وتفسد الذائقةَ الجمالية.

أحيانًا لا يعجز الإنسانُ عن الحُبّ فقط، بل يعجز عن الخلاص من كراهية الناس والحقد عليهم. تجده يتعذّب بكُرْه كلِّ الناس، ولو فرضنا أنه في يوم ما لم يجد مَنْ يكرهه فإنه يعود إلى نفسه ليكرهها. بعضُ الناس عاجزٌ عن إنتاج الحُبّ، على الرغم من حاجته الشديدة إليه، ربما يكون عاطفيًّا بلا حدود، ربما يمتلكُ حساسيةً فائقةً يفتقر إليها كثيرٌ من الناس. غير أن عجزَه عن إنتاج الحُبّ يعود لعقدٍ نفسيةٍ وعاهاتٍ تربوية، وجروحٍ غاطسة في البنية اللاشعورية في أعماقه، تفرض عليه حياةً خانقة كئيبة، لا يمكنه الخلاصُ منها أو تخفيفُ وطأتها إلا بمراجعة مصحّ نفساني.

ما دام هناك إنسانٌ فإن حاجتَه لمعنىً لحياته تفوق كلَّ حاجة معنوية، لا يستطيع الإنسانُ العيشَ بسلامة نفسية من دون معنىً لحياته، ولا معنى للحياة أثرى وأجمل من الحُبّ والعطاء، صلة الحُبّ بالعطاء صلة عضوية، الحُبّ أحد أعذب أشكال العطاء المعنوي. لغةُ الحُبّ لغةُ القلوب، لغةُ القلوب لا تخطئ، لغةُ القلوب لا يمكن التشكيكُ في صدقها، يتذوقها بغبطةٍ وابتهاج مَنْ تفيض عليه حُبّك، ولا ينجذب إليك مَنْ لا يتذوقها منك.كلّما استثمر الإنسانُ المزيد في الحُبّ كلّما امتلك المزيدَ من القلوب، وتنامت ثقةُ الناس فيه وثقتُه فيهم.

الحُبُّ كالضوء يكشفُ عن نفسه، وينكشفُ فيه كلُّ شيء ويظهره بجلاء. الحُبُّ لا يحتاج إلى من يكشفه ويظهره، بوصفه أوضحَ وأظهرَ من كلِّ شيء، وإن حاول أحدٌ تفسيرَه فهو عصيٌّ على التفسير. الحُبُّ حالةٌ، والحالاتُ أشياء وجودية. كما أن مفهومَ الوجود واضحٌ، وحقيقتَه عصيةٌ على الفهم، هكذا الحُبّ مفهومُه واضحٌ كنهُهُ مبهمٌ. مثلما يُعرفُ الوجودُ بآثاره ومظاهره وتجلياته وتعبيراته، يُعرفُ الحُبّ بآثاره ومظاهره وتجلياته وتعبيراته وثمراته في حياة الكائن البشري.

تعدّدت طرائقُ فهمِ الحُبّ وتفسيرِه وبيانِ آثاره المتنوعة على القلب والروح والضمير والعقل والجسد، فكلّ فن وعلم يفسّره من منظور يتطابق مع الوجهة التي يتجلى له فيها، الحُبّ لا يتجلى إلّا جميلًا مُلهِمًا. وكأن الحُبّ مرآةٌ لا يرتسم فيها إلّا ما هو رؤيوي مضيء. الحُبّ محُبوبٌ لكونه حُبًّا لا غير. الحُبّ حاجةٌ أبدية، وكلُّ شيء يحتاجه الإنسانُ بهذا الشكل لا يحتاج سببًا آخر غيرَه يدعوه للظفر به.

أشبع العرفاءُ الحُبَّ في كلّ الأديان بحثًا وتحليلًا، وما زال تحليلُهم لماهية الحُبّ هو الأجمل والأبهج والأعذب والأثرى، وهكذا أنشده الشعراءُ في قصائدهم وتغنوا فيه بغزلياتهم، وتوغل في تصوير حالاتِه وأطوارِه وثمراته ومواجعِه أعظمُ الروائيين مثل دوستويفسكي في أعماله الخالدة، ونهض بتفسيره الفلاسفةُ في علم النفس الفلسفي، واهتم بالكشف عن آثارِه المتنوعة ومظاهرِه وتعبيراتِه في حياة الفرد والمجتمع، كلٌّ من: علماء النفس، والاجتماع، والأنثربولوجيا، والأخلاق، وأخيرًا قدّم له علماءُ الأعصاب والدماغ تفسيرًا بايولوجيًّا.كلُّ علم وفن يفسّره من منظوره، الكلُّ يشددّ على عدم استغناء الإنسان عنه في أي مرحلة من مراحل حياته، وفي أية حالة يكون فيها، وفي أية محطة تصل حياتُه إليها. تظلّ الحاجةُ للحُبّ مزمنة، تولد مع الإنسان ولا تنتهي. يتطلعُ الإنسانُ كلَّ حياته إلى مَنْ يُحبّه في الدنيا، مثلما يتطلعُ إلى مَنْ يلبث يُحبّه فيُخلِّد ذكراه بعد وفاته.

في معاشرةِ الناسِ نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل

في معاشرةِ الناس نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل، نحتاجُ لغةً تتقن مخاطبة العواطف أكثر من لغة المنطق والفلسفة والرياضيات والعلم، نحتاجُ المشاعرَ أكثر من الفكر، ‏نحتاجُ الكلماتِ الحيّة المهذبة أكثر من كلمات المجاملة المنطفئة، ‏ونحتاجُ المعاني الأصيلة الصادقة أكثر من الفائض اللفظي الذي يمكن أن تقول الألفاظُ فيه كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا جميلًا. الحكيمُ في هذا العالَم هو من يعمل من أجل أن تكون حياتُه والعالَمُ الذي يعيش فيه أجمل، ولا تكون حياتُه أجملَ إلا إن كانَ قادرًا على صناعة الجمال في حياة غيره. صناعةُ الجمال تتطلب أن ‏يعطي الإنسانُ ما هو أجمل في كلِّ كلمة يقولها، في كلِّ حرف يكتبه، في كلِّ فعل يفعله، وفي كلِّ قرار يتخذه، في كلِّ شيء يقدمه لغيره. وهذا سلوكٌ شاقٌّ على النفس.

الحُبُّ ليس صعبًا فقط، بل هو عصيٌّ على أكثر الناس، لا يسكن الحُبّ الأصيلُ إلا الأرواحَ السامية، ولا يناله إلا مَنْ يتغلّب بمشقةٍ بالغةٍ على منابع التعصب والكراهية والعنف الكامنة في أعماقه. حُبُّ الإنسان من أشقِّ الأشياء في حياة الإنسان، لأن هذا الكائنَ بطبيعته أسيرُ ضعفه البشري، يصعب عليه أن يتخلّص من بواعث الغيرة في نفسه، وما تنتجه غيرتُه من منافسات ونزاعات وصراعات، وما يفرضه استعدادُه للشرِّ من كراهياتٍ بغيضة، وآلامٍ مريرة.

مادام الحُبّ أثمنَ ما يظفر به الإنسانُ وأغلاه، فإن نيلَه يتطلب معاناةً شاقةً وجهودًا مضنية. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاته، وتقلّب حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد منها تناقضاتٌ باستمرار، مالم يفلح الإنسانُ بالتغلب عليها بمزيدٍ من صلابة الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي الذي يسمو بالإنسان في مراتب الكمال.

حُبُّ الناس صعبٌ، حُبُّ الناس، إن ظفرَ به الإنسانُ، حالةٌ يعيشها الإنسانُ ويتحقّقُ بها في طور وجودي جديد، وهي لا تتكرّس إلا بالتربيةِ والتهذيب، والصبرِ الطويل بإكراه النفس على العفو والصفح، والتدريب المتواصل على إخماد نيران التعصب وتحطيم الأغلال المترسبة في باطنه، والعملِ الدؤوب على اكتشاف منابع إلهام الحُبّ وتنميتها. ومن أثرى هذه المنابع النظر لما هو مضيء في مَنْ تتعامل معه، والعفوُ، والصفحُ، والغفرانُ عن الإساءة، والانهمامُ بالذات، وعدمُ الانشغال بالغير وشؤونه وأحواله، والكفُّ عن التدخلِ في الحياة الخاصة للناس وانتهاكها، ومطاردتِهم بالأحقاد،كما يفعل البعضُ الذي ينصّب نفسَه وكأنه وصيٌّ على الناس، يترصد كلَّ شيءٍ يصدر عنهم فيحاسبهم عليه. وهو لا يعلم أن كلَّ فعلٍ يرتدُّ على فاعله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

الحُبُّ أنجعُ دواءٍ تحمي فيه نفسَك وتحمي فيه غيرَك من آلام وشرورِ البشر. الحاجةُ للحُبّ من أشدِّ الحاجات العاطفية للإنسان، غير أن اشباعها لا يتحققُ بسهولة. الاستثمارُ في الحُبّ أثمنُ استثمار في إنتاج معنىً للحياة. العفو والصفحُ والحُبُّ أيسرُ دواءٍ يشفي الإنسانَ من آلامِ القلبِ وجروحِ الروح، مَنْ يجرّب العفوَ والصفحَ في المواقف المتنوعةٍ يجدهما كثيرًا ما يتغلّبان على حنقِ الناس، والشفاءِ من أحقادهم.كان وما زال العفوُ والصفحُ والحُبُّ أنجعَ دواءٍ لشفاء الإنسان وشفاء علاقاته في المحيط الاجتماعي من الأمراضِ التي تتسببُ بها الضغينةُ والبغضاءُ والكراهية. يُنسب للقديس أغسطينوس القول: “الكراهيةُ كمَنْ يشرب السُمَ على أمل أن يموتَ الآخرَ، فأول مَنْ يتسمَّم بالكراهية صاحبُها”.

أعترف أني جرّبتُ العفوَ والصفحَ مع بعض الناس الذين لا يعيشون إلا بالضغائن والأحقاد ففشلتُ، وجربّتُ العفوَ والصفحَ معهم ثانيةً وثالثةً ورابعةً وخامسةً وسادسةً وسابعةً ففشلتُ، وربما سأفشل لو كررتُ التجربةَ، لكني كنتُ وما زلتُ متشبثًا بقناعتي الراسخة التي تشتدّ كلَّ يوم بأن العفوَ والصفحَ هما الدواء الذي يشفي القلوبَ من الضغائن والأحقاد المتفشية في مجتمعنا، وهما الدواءُ الذي يكفل الشفاءَ من أغلب الظواهر المقيتة لسأم الناس من الحياة وجزعهم.

أعرفُ أحدَ الأشخاص المعقدين المغرورين المشاكسين، كان لا يطيقه الأقرباءُ والأصدقاءُ وجميعُ الناس الذين يتعامل معهم،كلُّ شيء يراه أو يسمعه من غيره ينقلب قبيحًا لديه. طالما سمعته يذم كلَّ شيء، لا يرى الجميلَ عند غيره إلا قبيحًا، وإذا استمع حديثًا من صديق، يعقّب عليه بقوله: “هذا خطأ، أنت تجهل هذه الأشياء”، وإذا قرأ نصًا لغيره سَخِرَ منه، بلا أن يفكِّر ويتثبت ويدقّق في مضمونه، ومتى رأى شيئًا جميلًا يزدريه. لا يبادر في العطاء، وعندما يتلقى هديةً جميلة يفتّش بعناية عن أيّ نقص أو عيب فيها، وإن لم يعثر على عيب يفتعل عيبًا كي يذمها.كان يترقب على الدوام أن يُقدِّم له الناسُ كلَّ شيء، ويمدحه الناسُ على كلِّ شيء، من دون أن يفكِّر يومًا أن يقدم شيئًا لأحد، أو يمتدح أحدًا على فعل حَسَن. انتهى مصيرُ هذا الإنسان في شيخوخته إلى أن يعيش منفيًّا في داخله، منبوذًا من الكلِّ، بعد أن نفر الكلُّ منه حتى أقرب الناس إليه.

سألني أحد تلامذتي: ما أجملُ لغة ومواقف أكسب بها قلوبَ الناس، وتترسّخ بها صلتي بهم، ويستطيع الإنسانُ من خلالها أن يعزّز الصدقَ والثقة والسلام والمحبة بين الناس؟ قلت له: الحُبُّ شفاءٌ للقلب من الغِلّ والضغينة، الحُبُّ عطاءٌ يسمو بمَنْ يحِبّ على مَنْ يعجز عن الحُبّ. إن أردت أن تعيشَ سلامًا في داخلك، وتعيشَ سلامًا في علاقاتك بالناس، حاول أن تمنحَ الإنسانَ أعذب ما يبهجه، حاول أن تكتشفَ الجميلَ في كلِّ إنسان ممن تتعامل معه، ‏وتعرب له عن جماله.كلُّ إنسانٍ يعيشُ سلامةً عقلية ونفسية وعاطفية نعثر على صفاتٍ حَسَنة في شخصيته ومواقفَ جميلة في سلوكه، وحين نترجم حضورَها لديه في كلماتنا بصدق نهديه أعذبَ ما يتمنى أن يسمعه منا. الإنسانُ بطبيعته يفرحُ كالأطفال ‏حين يرى أو يستمع إلى ما يكشف له عن جماله، ويتمنى أن تفرحَ الأرضُ وتحتفلَ بفرحه.

مادامت الطبيعةُ الإنسانية ملتقى الأضداد، فليس من السهل أن يعفو الإنسانُ عن إساءة الغير إليه. لأنه يتطلب أن يعملَ الإنسانُ سنواتٍ طويلةٍ بترويض نفسه على العفو، وإن كان هذا الترويضُ شديدًا مزعجًا مريرًا شاقًا مُنهِكًا، وليس سهلًا أبدًا. الترويضُ على العفو والصفح هو الأشقّ، خاصةً مع الأعداء المتطوعين، لا يمكن تجرعُه في بعض المواقف إلا كعلقم، إلا أنه كان وما زال يطهّر الإنسانَ من سمومِ الكراهية، وينجي من بعض شرور هؤلاء الأعداء، الذين هم كأشباح لا ملامح واضحة لهم. العفو والصفحُ يعكس أخلاقية رفيعة وسموًا نبيلًا، لا يظفر به كلُّ أحد، وإلا لتسامى إليه كلُّ الناس. العفو والصفحُ إحسانٌ، المُحْسِنُ يتسامى إلى مقام المحبة في قربه من الله، “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”.

لا دواءَ يخفضُ الآثارَ الفتاكةَ للشرّ، ولا سبيلَ لتخفيفِ آلام الكراهية، ولا وسيلةَ لتقليل النتائج المرعبة للنزعة العدوانية في أعماق الكائن البشري سوى المزيد من الاستثمار في العفو والصفحِ والحُبِّ، بالكلمات الصادقة، والمواقف الأخلاقية النبيلة، والأفعال المهذبة الجميلة، والإصرار على تجرّع مراراتِ العفو والصفحِ والغفران، على الرغم من صعوبتها، ونفور المشاعر منها.

العفو والصفح شديدان على النفس عندما تتكرّر الإساءة، ربما يجد الإنسانُ نفسَه يتلقى طعناتٍ غادرة متكرّرة ممن لم يتعامل معهم على الدوام إلا بالإحسان إليهم. الصفحُ عن هؤلاء صعب، ومحبتُهم أصعب، محبتُهم أشقُّ وأقسى المواقف وأشدُّها مرارةً في النفس، لا يطيقها الإنسانُ إلا في بعضِ الحالات الاستثنائية التي يرى فيها تحوّلًا في سلوكهم، وتلك حالات نادرة. طالما أشفقت على مثل هؤلاء، لحظةَ أكتشف أن حاجتهم للكراهية تفوق حاجتهم للمحبة، وأنهم لا يعيشون إلا بكراهية من حولهم، بل حتى كراهية أنفسهم، أثر اعتلالِ صحتهم النفسية، وانهيارِ حياتهم الأخلاقية، إنهم كحالة بعض الكائنات الحية التي لا تعيش إلا في الظلام أو في الأماكن القذرة.

الحريقُ لا يمكن إطفاؤه إلا بالماء، الحربُ لا يمكن إطفاؤها إلا بالسلام، الكراهيةُ لا يمكن شفاؤها إلا بالعفو والصفح والغفران، الصفحُ ممكنٌ وإن كان شاقًّا. المحبةُ أشقّ، وأحيانًا ليست ممكنةً، غير أن العملَ على إثراء منابع إلهام المحبة وتكريسها غيرُ مستحيل عبر الحرص على تغذية هذه المنابع باستمرار. أثرى منابع المحبة أن تكون صادقًا مع نفسك، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله. عندما تكون صادقًا في كلِّ كلماتك ومواقفك تكون معلِّمًا للأخلاق، وملهمًا للمحبة في هذا العالَم الموحش.