Category: الجيل الجديد

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

من مكاسب الذكاء الاصطناعي

من مكاسب الذكاء الاصطناعي

د. عبد الجبار الرفاعي

مكاسب الذكاء الاصطناعي التوليدي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، إذ يمثل هذا الذكاء منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما يكون الأعظم في تاريخ تطور التكنولوجيا، من حيث آثاره المتنوعة في مجالات الحياة المتنوعة، منذ اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لبلادنا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمّق اغترابنا عن العصر.

من مكاسب الذكاء الاصطناعي تطوير التربية والتعليم بوصفه تحولًا في معنى التعلم ذاته، إذ ينتقل التعليم من نموذج التلقين إلى تجربة شخصية تتكيف مع شخصية المتعلم واستعداده وطرائق فهمه، فيتيح مسارات تعليمية مرنة تعالج الفجوات المعرفية منذ بداياتها، وتدعم التعليم المستمر، كما يمكّن المعلم من أداء دوره التربوي عبر تخفيف أعباء التصحيح والأعمال الإدارية، وتزويده بتحليلات دقيقة عن تقدم الطلبة واستجابتهم، واقتراح استراتيجيات تدريس أكثر ملاءمة، ويسهم في إثراء المحتوى التعليمي عبر المحاكاة، والواقع الافتراضي، والتجارب التفاعلية التي تحول المعرفة إلى خبرة معاشة، ويعزز تكافؤ الفرص التعليمية من خلال منصات ذكية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخدم المتعلمين في البيئات المضطربة.كما يفتح أفقًا واسعًا للتعليم الشامل عبر أدوات داعمة لذوي الاحتياجات الخاصة، من ترجمة فورية، وقراءة ذكية، وتكييف المحتوى، إلى جانب تحسين إدارة المؤسسات التعليمية عبر التنبؤ بالتسرب، واعداد المناهج، وتقييم جودتها بصورة مستمرة، ليغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا يعيد بناء التعليم بوصفه فعل فهم وتكوين إنساني، لا مجرد تكديس للمعرفة أو استبدال لدور المعلم والمتعلم.

كما يحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا عميقًا في الطب، إذ يسهم في تسريع تحليل البيانات الطبية الضخمة مثل السجلات الصحية والجينومات، مما يتيح فهمًا أدق للأمراض المعقدة، ويدعم التشخيص المبكر عبر تحليل صور الأشعة والرنين المغناطيسي والتصوير المجهري بدرجة عالية من الدقة.كما يمكّن من تطوير الطب الشخصي من خلال مواءمة العلاج مع الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مريض، ويساهم في تسريع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الجزيئية والتنبؤ بفاعلية المركبات قبل التجارب السريرية. إلى جانب دوره القادم عبر الروبوتات الجراحية التي تمكّن من تدخلات دقيقة طفيفة التوغل الجراحي، وتقلل الأخطاء الطبية، وتحدّ من النزف والمضاعفات، وتسرع تعافي المرضى، كما تسمح بإجراء عمليات معقدة عن بُعد بدقة عالية، إضافة إلى تحسين مراقبة المرضى والتنبؤ بتدهور الحالات الصحية قبل تفاقمها، ودعم القرار الطبي بما يرفع جودة الرعاية ويخفض المخاطر ويحفظ حياة الإنسان.

يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تطوير الصناعة الدوائية، إذ يغيّر جذريًا المدة والكلفة والطرق التقليدية لإنتاج الأدوية، فيسهم في تحليل البنى الجينية والبروتينية للفيروسات والبكتيريا بسرعة فائقة. في الصناعة الدوائية يساعد الذكاء الاصطناعي على فحص ملايين المركبات الكيميائية افتراضيًا لاختيار الأكثر نجاعة بالعلاج، والتنبؤ بفعاليتها وآثارها الجانبية في المراحل المبكرة، مما يقلّل من معدلات الفشل في التجارب السريرية، ويسرّع الانتقال من البحث إلى الإنتاج، كما يدعم تحسين تركيبات الأدوية، وضبط جرعاتها، وتطوير أدوية مخصصة وفق الخصائص الجينية للمرضى، إضافة إلى تحسين سلاسل الإمداد الدوائي والتنبؤ بالطلب، ليغدو الذكاء الاصطناعي عنصرًا مركزيًا في صناعة دوائية أكثر دقة وسرعة وكفاءة، منخفضة الكلفة، وقادرة على الاستجابة السريعة للأوبئة والأمراض المستعصية.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم على إحداث تحول عميق في اكتشاف اللقاحات وتطويرها، إذ لم يعد البحث العلمي فيها مسارًا بطيئًا قائمًا على التجربة العمياء، بل أصبح فعلًا ذكيًا يستند إلى نمذجة دقيقة للبنى البروتينية للفيروسات، والتنبؤ بالمناطق الأكثر قابلية لأن تُستهدف لقاحيًا. تمكّن هذه النمذجة من محاكاة التفاعل بين اللقاحات والجهاز المناعي داخل بيئات رقمية، فتختبر الفرضيات قبل الانتقال إلى المختبر، ويعاد ترتيب مسار البحث. ظهر ذلك جليًا في تسارع تطوير لقاحات كوفيد-19 بفضل استخدام الخوارزميات لتحليل بروتين الشوكة واختيار البنى الأكثر قدرة على تحفيز الاستجابة المناعية، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل لقاحات mRNA والتعاون الدولي واسع النطاق الذي وفر تمويلًا غير مسبوق. وقد أتاح نموذج AlphaFold لاحقًا تنبؤًا عالي الدقة ببنية البروتينات، مما فتح آفاقًا جديدة لتطوير لقاحات وأدوية ضد فيروسات سريعة التحور، وإن لم يكن دوره المباشر في اللقاحات الأولى كبيرًا. في هذا المجال، لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور الإنسان، بل يعزز معرفته ويجعل المرض أكثر قابلية للفهم، بحيث يصبح اللقاح ثمرة معرفة علمية تتقدم نحو مواجهة الفناء.

يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في السعي لاكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض العصية، عبر نقلة نوعية في فهم المرض وآلياته، إذ يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والبروتينية والسريرية لاكتشاف الطفرات الدقيقة والمسارات الخلوية المسؤولة عن نشوئه وتطوره، ويمكّن من التمييز بين أنماطه داخل النوع الواحد، فاتحًا الطريق أمام الطب الدقيق الذي يختار العلاج الأنسب لكل مريض وفق بصمته الجينية. كما يسرّع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الدوائية والتنبؤ بفعاليتها قبل التجارب السريرية، ويسهم في تطوير علاجات موجهة ومناعية أكثر فاعلية، وإعادة توظيف أدوية قائمة بآليات جديدة، وتحسين تصميم التجارب السريرية واختيار المرضى الأكثر استجابة. في الأمراض المستعصية مثل ألزهايمر والباركنسون، يساعد الذكاء الاصطناعي في كشف المؤشرات الحيوية المبكرة وفهم الشبكات العصبية المعطوبة، ممهدًا لتدخلات تستهدف جذور المرض لا أعراضه فقط. بذلك يغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا علميًا يحول السرطان والأمراض العصية من مصير مغلق إلى مسار علاجي مفتوح على الأمل، قائم على المعرفة الدقيقة والتشخيص المبكر والوقاية والسيطرة التدريجية.

يعود بطء اكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض المستعصية إلى تعقيد هذه الأمراض ذاتها، وإلى الفجوة بين الاكتشاف النظري والتحول السريري الآمن، إضافة إلى منطق السوق الرأسمالية القائم على تقديم الاهتمام بالأرباح وتكديسها، على التفكير بجودة حياة الإنسان، لذلك يهتم بالعلاجات الأقل مخاطرة مالية، ولا يشجع على توظيف رؤوس أموال هائلة في مسارات علاجية عالية الكلفة وغير مضمونة، فضلًا عن حدود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعتمد على بيانات غير مكتملة، ومع ذلك فإن ما ينجزه هذا الذكاء اليوم يعيد تفكيك المرض ويحوله من مصير مغلق إلى حالة يمكن إدارتها والسيطرة عليها تدريجيًا.

وعلى الرغم مما يثيره تسارع الذكاء الاصطناعي في الطب من وعود كبيرة في التشخيص والعلاج والوقاية، ومن دقة قراءة الفحوص الطبية إلى تصميم علاجات مخصَّصة لكل مريض، غير أن هذا التحول لا يقاس بإنجازه التقني وحده. الطب يمس الجسد والكرامة وحق الإنسان في الحياة، والخوارزميات المعتمدة على بيانات ناقصة أو منحازة قد تنتج تشخيصًا جائرًا أو علاجًا مؤذيًا، كما أن التلاعب بالبيانات يهدد مصداقية البحث العلمي ويقوض الثقة بالمعرفة الطبية، ويمكن أن يمارس التحايل في أنظمة التأمين ورفع كلفة الرعاية الصحية. ويتفاقم الخطر مع اتساع الفجوة الصحية بين الدول، حيث تحتكر المجتمعات المتقدمة تقنيًا أفضل العلاجات، فيما لا تتاح لغيرها من الدول الفقيرة هذه التقنيات وفرص العلاج والوقاية. لذلك لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي الطبي كأداة محايدة، إذ إن غياب الشفافية والمساءلة والأطر الأخلاقية والقوانين الصارمة يحول الوعد العلاجي إلى مصدر جديد للهيمنة واللامساواة، فيما تشكّل الأخلاقيات والقوانين البوصلة التي تضمن توظيف هذه التقنيات في حماية كرامة الإنسان وحقه في العدالة العلاجية.

أما في مجال التنبؤ بالمناخ والكوارث فيفتح الذكاء الاصطناعي أفقًا أوسع لقراءة تعقيد الظواهر الطبيعية، من خلال تحليل محطات زمنية متسلسلة من بيانات الطقس والمحيطات وحركة الصفائح الأرضية، بما يتيح فهمًا أدق لمسارات التحوّل في الطبيعة، ويسهم في تطوير نماذج أكثر موثوقية للتنبؤ بالأعاصير والفيضانات وموجات الجفاف والحرّ الشديد، ويعزّز قدرات الإنذار المبكر بالزلازل والانهيارات، كما يظهر ذلك في أنظمة الرصد المعتمدة اليوم التي تكشف الأعاصير المدارية وحرائق الغابات في مراحلها الأولى، فتمنح الإنسان فرصة الاستعداد وتقليل الخسائر، وتحول المعرفة العلمية من انتظار الكارثة إلى استباقها، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي المتصالح مع قوانين الطبيعة ومباغتاتها.

وفي التكنولوجيا والصناعة يعزّز الذكاء الاصطناعي الأتمتة الذكية التي لا تكتفي بتكرار العمل، وإنما تتعلّم وتصحح ذاتها، فيرفع الكفاءة الإنتاجية، ويخفض الهدر والأخطاء، ويحرر الإنسان من الأعمال الشاقة والخطرة. في الوقت نفسه يسهم في تقوية الأمن السيبراني عبر كشف الهجمات قبل وقوعها، وتحليل أنماط الاختراق الخفية التي تعجز عنها المراقبة التقليدية، كما يفتح أفقًا جديدًا لتطوير شبكات الطاقة الذكية القادرة على موازنة الإنتاج والاستهلاك لحظيًا، ويدمج مصادر الطاقة المتجددة بكفاءة، لا بوصفه سيدًا متغوّلًا، وإنما بوصفه عقلًا مساعدًا يعين الإنسان على فهم العالم المعقد الذي يعيش فيه، ويمكّنه من التعامل معه بأقل قدر من الخسارة، وأكبر قدر من الحكمة.

في البناء والهندسة يتيح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة عبر التصميم التوليدي الذي يولد حلولًا إنشائية متعددة تستجيب لمعايير السلامة والكلفة والاستدامة، والنمذجة ثلاثية الأبعاد التي تتيح محاكاة المبنى قبل تنفيذه ورصد أخطائه مبكرًا، كما يسهم في جدولة المشاريع بدقة عالية، وتقليل الهدر في المواد والوقت، وتعزيز السلامة في مواقع العمل عبر أنظمة مراقبة ذكية ترصد المخاطر قبل وقوعها. ويتولى البناء الروبوتي المهام الخطرة والمتكررة والشاقة بكفاءة وانتظام، فيسهم في خفض الكلفة والوقت، ورفع المتانة والديمومة، من خلال تنفيذ الأعمال الإنشائية بدقة عالية، تخفض الهدر وتقلص أخطاء التنفيذ، كما يتيح روبوت البناء إنجاز الهياكل في مدد أقصر، ويخفض الحوادث وكُلف التأخير في البيئات الوعرة والخطرة. وإلى جانب ذلك تسمح أنظمة البناء الروبوتي بدمج أجهزة استشعار ذكية تُدمَج داخل المباني أو الجسور أثناء عملية البناء، وظيفتها قياس ومراقبة حالات فيزيائية محددة بشكل مستمر، مثل الضغط والإجهاد، الاهتزاز، التشققات المختلفة، الرطوبة، والحرارة. تعمل هذه الأجهزة على جمع بيانات لحظية عن حالة الهيكل الإنشائي، ثم تُحلَّل هذه البيانات بواسطة أنظمة ذكية لاكتشاف أي خلل مبكر قبل أن يتحول إلى انهيار خطير، وهو ما يسمح بالصيانة الاستباقية بدل الانتظار حتى وقوع العطب. بهذا المعنى لا تكون أجهزة الاستشعار الذكية مجرد أدوات تقنية، بل عينًا دائمة داخل البناء تراقب صحته وتسهم في إطالة عمره، وتعزيز متانته، وضمان سلامة مَن يعيشون أو يعملون فيه.

كذلك يطور الذكاء الاصطناعي نماذج للمدن بوصفها مدنًا مستدامة عبر إعادة تنظيم علاقتها بالطاقة والموارد والإنسان، بواسطة أنظمة ذكية تدير الطاقة المتجددة بكفاءة عالية، فتتنبأ بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وتوازن بين العرض والطلب لحظيًا، وتخفض الهدر والانبعاثات. ويدير شبكات المياه والصرف الصحي والنفايات بذكاء، عبر التنبؤ بالاستهلاك والكشف المبكر عن التسرب وإعادة التدوير. ويعمل على تصميم عمراني مستدام عبر محاكاة المباني قبل تنفيذها لتحسين الإضاءة الطبيعية والتهوية وكفاءة الطاقة، فضلًا عن دعم الزراعة الحضرية الذكية، ومراقبة جودة الهواء، وتعزيز الاستجابة السريعة للكوارث، ليغدو الذكاء الاصطناعي عقلًا تشغيليًا للمدينة المستدامة، لا يكتفي بإدارة مواردها، بل يعيد توجيهها نحو انسجام أطول أمدًا بين الإنسان والبيئة.

ويطور الذكاء الاصطناعي أنظمة نقل ذكية تدير حركة المرور، وتخفض الازدحام والحوادث، ليغدو الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات أداة لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة والصناعة والتقنية، إذ يعمل على الانتقال من مراقبة حركة السير بعد وقوع الازدحام إلى استباقه قبل حدوثه، من خلال جمع وتحليل بيانات ضخمة من مصادر متعددة مثل الكاميرات الذكية، وأجهزة الاستشعار على الطرق، وإشارات المرور، وبيانات المركبات وتطبيقات الملاحة، ومعرفة الأنماط الزمنية والسلوكية لحركة السير، فيتنبأ بمناطق الاختناق وأوقاتها بدقة عالية، ويعدل توقيت الإشارات الضوئية تلقائيًا، ويعيد توجيه المركبات نحو مسارات بديلة، ويضبط السرعات المسموح بها للحد من التكدس والحوادث، كما يدمج بيانات الطقس والحوادث والأعمال الطارئة في نماذج تنبؤية تسمح بإدارة الأزمات المرورية لحظة بلحظة، ويطور أنظمة نقل ذكية تخفض الازدحام والتلوث عبر إدارة المرور التنبؤية وتشجيع النقل الكهربائي والمشترك. وبذلك تتحول إدارة المرور من استجابة متأخرة إلى إدارة ذكية استباقية، تقصر زمن الرحلات، وتحدّ من الانبعاثات، وتحسن سلامة الطريق وجودة الحياة في المدن.

كما يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى علم الآثار على نحوٍ واسع، إذ يتيح قراءة الكتابات البائدة وفكّ رموز الخطوط المندثرة مثل المسمارية والهيروغلوفية والفينيقية وغيرها، عبر تحليل الأنماط اللغوية والبصرية في النقوش والرقم الطينية والبرديات، ومقارنة آلاف الشواهد النصية في زمن قصير، بما يعين الباحثين على استعادة معاني نصوص ظلت غامضة آلاف السنين.كما يسهم في ترميم النصوص المتآكلة عبر التاريخ، وإعادة بناء الأجزاء المفقودة منها اعتمادًا على السياق اللغوي والتاريخي، وتظهر أمثلة ذلك في استخدام خوارزميات التعلّم العميق لقراءة الألواح المسمارية المكسورة في حضارات وادي الرافدين، وفي مشروعات رقمية لفكّ طبقات النص الهيروغليفي المتضرر على جدران المعابد المصرية، وفي تحليل النقوش الفينيقية المتناثرة على شواطئ المتوسط لربطها بسياقاتها التجارية والدينية والثقافية، فضلًا عن توظيف الذكاء الاصطناعي في مطابقة اللغات القديمة بنظائرها السامية أو الهندوأوروبية، مما يفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الإنساني، ويحول علم الآثار من قراءة شظايا صامتة إلى حوار حيّ مع أصوات الماضي ومعانيه.

كذلك يمكن أن يستعمل الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في تحليل النصوص الفلسفية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف البنى العميقة لها، ورصد تحولات المفاهيم والقيم، ودعم أبحاث علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية. ويمكن أن يتغلغل في الفنون والآداب ليفتح أفقًا جديدًا لمساعدة الفنان والأديب في التجريب، وإعادة قراءة التراث الفني والأدبي ورقمنته وحفظه، ليغدو الذكاء الاصطناعي أداة تعيد تنظيم علاقة الإنسان بالمعرفة والإبداع والعمل والبناء، وتوسّع إمكاناته في الفهم والتخييل والابتكار، شرط أن يدار هذا التحول ضمن أفق أخلاقي وإنساني يصون مكانة الإنسان كسيد في الأرض، ويحفظ للعلوم الإنسانية والفنون والآداب معناها بوصفها تعبيرًا عن تجربة الإنسان الوجودية لا بديلًا شكليًا عنها.

 

https://alsabaah.iq/127439-.html

 

 

دروب المعنى كتابٌ يُقتنى ولا يُعار

دروب المعنى كتابٌ يُقتنى ولا يُعار

منى الصالح
يفاجئك دروب المعنى للدكتور الرفاعي بمجرد أن تلِج صفحاته، وتأخذك الدهشةُ الممتعة تمامًا كما هي حين تلتقيه شخصيًّا أوّل مرّة.
أنت الذي خبرته، وهو الذي يخوض بك في أرضٍ طالما حُذِّرت منها؛ يتوغّل معك برِفقٍ ما بين الاغتراب الميتافيزيقي والظّمأ الأنطولوجي. فكلّ كتابٍ من كتبه يفتح لك عوالم جديدة، ويرتقي بفكرك ونضجك ووعيك بدرجات متقدّمة، تتعمق الفكرة، وقد تحتاج إلى إعادة الصفحة عدّة مرّات، لتناقش وتبحث وتراجع كتبًا أخرى، وتغوص معه حيث علم الكلام والفلسفة الغربية، حديثِها وقديمِها. تتعرّف من خلال سلاسة أسلوبه على شخصيّات كان من الصعب فهم نظريّاتهم والوقوف على رؤاهم، لتجد نفسك أمام المعلّم الموسوعي.
لكنّ دروب المعنى، منذ بداياته، وجَدَتني أمام كتابٍ يُقتنى ليكون مرجعًا، لا لتقرأه مرّة واحدة؛ بل تحتاجه كلّما أرقك سؤالٌ مُحيِّرٌ في هذا العالم الظالم، تبحث فيه عن الله:
«الله حيٌّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطة باسم الدين».
تعود إليه مُتلهّفًا لتجد ما يُسكّن قلقك الوجودي، بأنّ السؤال لا ينتهي:
«تتجلّى قوّة العقل في أنّ الأسئلة فيه لا تنتهي إلى إجابات نهائية مغلقة، بل إنّ الإجابات تتوالد منها أسئلة أعمق من الأسئلة التي وَلَدت أحيانًا».
في كلّ بحثٍ تخوض فيه، وتحاول الاستشهاد بمن يدلّك على الطريق، تشعر أنّ تجربتك ليست استثناءً عن البشر، وأنّ خطأك طبيعيّ في مجتمعٍ يعتبر الخطأ ذنبًا وأسرًا لا سقف لها، فيهرب منها أبناؤها:
«يتخفّف الإنسان بالاعتراف بالخطأ داخليًّا أوّلًا… لو اعترفنا بأخطائنا لتخلّصت عوائلنا من كثيرٍ ممّا يهدّد كيانها ويعصف بأمنها».
في عالم، التنافس فيه شعار، والمثالية وامتلاك الحقيقة تُشعرنا بالعجز والضعف:
«حاولتُ أن أدرّب نفسي على أن أنظر إلى هشاشتي وضعفي البشري قبل أن أنظر إلى ما أتوهم أنّي أتميّز به على غيري».
فتتوازن، وتشعر أنّ هذا الضعف جزءٌ من بشريّتنا، ولا يُخلّ بشخصيّاتنا.
وتتعلّم، على بساطة كلماته، أنّ:
«حكمة الحكيم تجعل حياته آمنة، وتمكّنه من إدارة علاقاته بسلام».
حين تتيه بين نزاعات الأديان وحروبها، ويؤرق الشكّ لياليك، تجد فيه ما ينساب على روحك كالماء الزلال:
«لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلام بين الأديان في فضاء الإيمان».
ويعلّمك أنّ الإنسان الذي يستهدف أن يواصل تعليمه:
«ينبغي الإصغاء لحديث كلّ شيء في الطبيعة مهما كان، وينصت لصوت الوجود… كلّ شيء في الوجود يتحدّث إلينا بلغةٍ خارج اللغات البشرية المتداولة».
الكتابُ حديقةٌ غنّاء تتجوّل فيها، فتتيه بين جمال النرجس ورِقّة التوليب وعطر الياسمين. تفتّش في كلّ حرف، تريد أن ترى صورتك فيه بكلّ تجلّياتها.
تسمع فيه صوت الرحمة، وتغيب عنه صور العقاب والانتقام.
وكما تتفاجأ وأنت بحضرة المفكّر الكبير والفيلسوف، بالإنسان الهادئ؛ حيث لا بدّ لك أن تهدأ حتى تستطيع الإمساك بحديثه. المحبّ الذي يحتضن من عرفه ومن لا يعرفه، الموافق لفكره والمختلف معه.
الحبّ عنده دين، والدين حبّ. فتتعدّد تجلّيات الحبّ بثراء شخصيّته وقدرته على العطاء، كما تتعدّد بكتبه وحروفه. فهو الذي يؤمن أنّ طريق القلب يوصل إلى الله، وأنّ العقل يؤسّس إيمانًا يملأ الفكر بدهشة عظمة وجود الله.
أنت أمام إنسانٍ في كتاب.
دروب المعنى هو رفيق كلّ باحثٍ عقلُه مشاكس، وقلبه مطمئن.

https://almothaqaf.org/aqlam-2/985907

الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة

الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة

د. عبد الجبار الرفاعي

ينحاز بعض الكتّاب إلى موقف يصور التكنولوجيا بوصفها آلات وأدوات مادية صماء، يمكن استعارتها من الآخر من دون أن تمس معتقداتنا وقيمنا وثقافتنا والمعاني التي تنشدها حياتنا، ومن دون أن تحدث تحولًا في رؤيتنا للعالم، أو في منظومتنا القيمية والمجتمعية، لذلك تراهم يوصون باستيراد التقنية، مع التشبث والإصرار على حماية البنية التقليدية الموروثة في إدارة الحياة. هذا التصور يجافي الفهم العميق لأثر التكنولوجيا، ويكشف تبسيطًا شديدًا للواقع. التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، إنها رؤية للعالم، ونمط من التفكير، ومنظومة قيم، وطور وجودي جديد يتحقق فيه الإنسان، يعيد تشكيل الإدراك الإنساني، ويفرض نمطًا مغايرًا للعيش والمعنى والقيم والعلاقة بالعالم. إنها تعمل على تصدع البنى التقليدية، وتنخر الأسس القديمة للمعرفة والتنظيم، ثم تهشمها لاحقًا. هذا ما أدركه الفيلسوف مارتن هايدغر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا بل ميتافيزيقيًا، فهي لا تكتفي باستخدام الموجودات، بل تحول الكائن إلى مجرد مورد قابل للتوظيف، وتخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الاستهلاك والسيطرة، وتسلب الوجود معناه العميق، إذ تختزل العالم إلى مخزون طاقة جاهز للاستغلال.

في هذا السياق لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا من خارج شروطها الوجودية، ولا يمكن إدارة الحياة الحديثة بمعايير رؤية ولغة تراثية. العصر الرقمي، بكل ما أفرزته ميتافيزيقا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، لا يغير أدوات الإنسان فحسب، بل يعيد تشكيل وجوده نفسه، وينتج نمطًا جديدًا من الوعي، والعلاقة بالذات، والآخر، والعالم. إعادة بناء العقل شرط لا بد منه لفهم رؤية التكنولوجيا والتكيف معها من دون تضحيات أخلاقية أو خسائر حضارية، وهذا لا يتحقق بخطابات التحذير وحدها، ولا بالأساليب الوعظية، بل بالاستيعاب النقدي للفلسفة، والانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمكننا من إعادة تعريف الإنسان في زمن تتضاعف فيه قدرات الآلة، ويتهدد فيه جوهر الإنسان بالتشييء وتبدد مفهوم الإنسان. لقد بات لزاما علينا ألا نكتفي بتفسير الظواهر التقنية، بل نخوض غمار مساءلة كبرى للوجود، ترى الإنسان بما هو كائن في عطش أبدي إلى المعنى، لا إلى مزيد من الأدوات. ليس التقدم ما نراه في وفرة السلع وتضخم الأسواق، بل ما نلمسه في استعادة سلام الروح، وصيانة الكرامة، وتحرير الإنسان من عبوديته للآلة.

نحن الآن نعيش عصرًا جديدًا هو العصر الرقمي، الذي يتسيد فيه الذكاء الاصطناعي، وهذا الذكاء يحدث تغيرات هائلة في نظم التربية والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقيم، والمعتقدات، والدين، والعلاقات الاجتماعية، وبنية العائلة، والمجتمع، والدولة، العلاقات الدولية، والحرب، والسلام. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفًا حاسمًا يعيد إنتاج كل شيء في حياة الإنسان على وفق رهاناته، إنه منعطف لم تشهد البشرية ما يحدث آثاره كيفًا وكمًا في مراحل تاريخها المختلفة حتى اليوم. وتيرة التغيير في هذا العصر، الذي صار قدرًا للعالم، سريعة جدًا، فما كان يستغرق سنوات طويلة، بات يتحقق في أيام معدودة، وربما ساعات. هذا التغيير المتعجل يحدث تحولات كبرى في الاقتصاد، والسياسة، والمعتقدات، والقيم، والثقافات، والعلاقات، والتربية والتعليم، والسياسات المحلية والعلاقات الدولية.

الذكاء الاصطناعي، كما إنه تحد للإنسان، هو أيضًا فرصة عظيمة تعد بأن تجعل حياة الإنسان في المستقبل أيسر، إذا أحسن الإنسان استثماره في حل مشكلاته. التقدم العلمي يخدم الإنسان، غير أنه في الوقت ذاته ينتج مشكلاته الخاصة، إذ كثيرًا ما يفضي الانتقال من نمط ألفه الإنسان إلى نمط جديد لم يألفه إلى عواصف نفسية وعاطفية وروحية وقيمية وعرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مزلزلة، تقذف بالإنسان في متاهة اغتراب موحش، خاصة إذا كانت النقلة نوعية هائلة.

مكاسب الذكاء الاصطناعي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما أعظم، من حيث آثاره بعيدة المدى، من اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مختلف مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لوطننا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمق اغترابنا عن العصر.

ما دام العلم يواصل عمله على معالجة مشكلات تقدمه، فإنه كلما حقق تقدمًا عبر طفرات نوعية، تعاظمت قدرته على استحداث حلول للأزمات والمشكلات الناجمة عن هذا التقدم نفسه. العلم كما يقدم حلولًا لمشكلات الحياة، فإنه يقدم حلولًا للمشكلات الناتجة عنه. ليس هناك مَن يمتلك قدرة على حل هذه المشكلات مثل العلم الذي أحدثها، والفلسفة التي تجيب عن أسئلة العلم التي لا جواب لها في حقله.

مَن يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك التحكم بمستقبله ومستقبل العالم، الذكاء الاصطناعي قوة مهولة، بقدرات استثنائية لم تعرفها البشرية في تاريخها كله. يمكن أن يستثمر هذا الذكاء في البناء والتنمية الشاملة، وتأمين الاحتياجات المتنوعة للإنسان وإسعاده، كما يمكن أن يوظف في إنتاج أنواع الاسلحة الآلية والكيميائية والبيولوجية الفتاكة في الحروب، وتخريب الطبيعة، وكل ما يتسبب ببؤس الإنسان وشقائه. لا يقي الإنسان من الأخطار المتوقعة من الذكاء الاصطناعي إلا سن القوانين العادلة التي يصوغها علماء الحقوق والقانون، والقيم والأخلاق، ومخترعون وخبراء في هذا الذكاء، والصرامة في تطبيقها على الجميع بعدالة لا تستثني أحدًا، ويقظة القيم وترسيخها.

https://alsabaah.iq/123492-.html

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

د. زياد حمد الصميدعي[1]

وقع بيدي كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، فقرأته قراءة المتأمل الناقد، فأخذني من عالمي المحدود إلى آفاق رحبة في الفكر التربوي والمعنى الأخلاقي، حتى وجدتني أعود إليه ثلاث مرات، وما زلت أنوي قراءته الرابعة، لما وجدت فيه من غذاء للعقل والروح والقلب، وبوصلة للهداية. طلبت ثلاث نسخ منه لأولادي: إبراهيم ويوسف ومحمد، وهم في مقتبل العمر، ليكون منهاجًا لحياتهم وخارطة طريق لمستقبلهم، ثم عممته على طلابي في الجامعة، ومريدي في مسالك السلوك العرفاني. وإذا كانت رسالة “أيها الولد” لحجة الإسلام الغزالي قد طارت شهرتها في الآفاق، فإن الرسالة التي جددها أستاذي عبد الجبار الرفاعي تحت عنوان “ثناء على الجيل الجديد” جديرة بأن تنال أوسع الانتشار في عصرنا الرقمي الذي تعصف به تحولات الذكاء الاصطناعي، لما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم تشبع عطش هذا الجيل إلى المعاني الضرورية لحياته، في زمن يزداد فيه نضوب المعنى، ويصدح بفراغ الروح، وتضيء لهذا الجيل مسالك الوعي والبصيرة، وتؤسس لتربية تستند إلى الرحمة والمحبة والعقل، وتبشر بإنسانية أرحب، وأفق روحي أعمق.

وجدت في “ثناء على الجيل الجديد” رؤية عميقة تستبطن وعي هذا الجيل، وتكشف عن تطلعاته وأحلامه في عالم كوني متعدد ومفتوح، ورأيت فيه إدراكًا نافذًا للمخاطر المستقبلية وللتحولات الكبرى الفكرية والعملية التي لم تعد المناهج التقليدية في بيئاتنا المغلقة، ولا الوعي الموروث، قادرين على استيعابها أو الإحاطة بها، بعدما اتسع الفرق بين عالم الأمس وعالم اليوم، حتى غدا شاسعًا مترامي الأطراف. بدا كتاب عبد الجبار الرفاعي محاولة جريئة للتوفيق بين ماضينا الذي يشدنا بجذوره، ومستقبلنا الذي يلح علينا بنداءاته، وإن كان ذلك عسيرًا، غير أنها محاولة تربوية ناضجة، تحمل بذور الأمل، وتبشر بالتجديد في طرائق التربية والتعليم، وتغرس في عقول الناشئة ووجدانهم عناصر الثقة والقوة، وتوقظ فيهم الرغبة الصادقة في غدٍ أجمل، غدٍ يتكامل فيه التسلح بالقيم الروحية والأخلاقية والجمالية، مع مواكبة التقدم التكنولوجي المتسارع إلى جدًا، ليولد إنسان جديد أكثر وعيًا بذاته، وأقدر على العيش في هذا الكون الرحب.

في الأيام القادمة سنجتمع في ورشة عمل لمطالعة كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، وسأدعوا طلابي في الجامعة إلى قراءته، لا كأي كتاب عابر، بل كما لو كان امتدادًا وتجديدًا لرسالة “أيها الولد” للغزالي، وقد أعيدت صياغتها بروح جديدة، ورؤية تتناسب وزمانكم الرقمي، مدونة بلغة إيمانية وأخلاقية وإنسانية تعجز عنها ألسنة كثير ممن يتحدثون عن الدين، أو يحاولون مخاطبة الجيل الجديد بلغة تراثية لا تشبهه. عبدالجبار الرفاعي أبدع في كتابة رسالته التربوية، حتى غدت نداءً صادقًا تنصت إليه القلوب، ويوقظ العقول، ويعيد وصل الروح بندائها الأخلاقي والإنساني.

إن “ثناء على الجيل الجديد” ليس مجرد كلمات على الورق، بل هو مشروع تربوي حيّ، يمكن أن نجعله منهجًا عمليًا نهتدي به في بيوتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، ونحوّله إلى واقع نعيشه في إعداد الأبناء وتربية الأجيال. إنه خلاصة حياة فكرية تربوية امتدت لنصف قرن في دراسة الفلسفة وعلوم الدين وتدريسها، وإنتاج علمي تجاوز أربعة وخمسين كتابًا، وتجربة ثرية تنقلت بين الحوزة والجامعة، ومجالس البحث والتعليم والتربية، وهو قبل ذلك كتاب أبٍ ومربٍّ، يعترف بتواضع نادر أنه “تعلم من أبنائه أكثر مما تعلم من آبائه، وتعلم من تلامذته أكثر مما تعلم من أساتذته”، كما دوّن ذلك في صفحة الإهداء. من هنا فإن كتاب: “ثناء على الجيل الجديد” يقدَّم إليكم أبنائي لا ليُقرأ فحسب، بل ليكون دليلًا يرشدكم، ومنارةً تنير لكم الطريق في زمن يموج بالتحولات، ويحتاج إلى بوصلة أخلاقية وروحية وجمالية، تحفظ إنسانيتكم وأنتم تعبرون نحو المستقبل.

يكشف الرفاعي في مقدمة “ثناء على الجيل الجديد” عن مقصده من تأليف الكتاب، فيقول: “أحاول في هذه الأوراق تقديم رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق في الكلام نيابة عن أي إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة تشكلت قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون من: (أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء)، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وقد أكملوا تعليمهم العالي، فتحصل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير. لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، فأغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، وهم الأقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي منهم ومحبتهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وما زلت أقرب إلى رؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي، وذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم وما يعد به غدًا”.

“ثناء على الجيل الجديد” يعكس مسيرة فكرية وتعليمية وتربوية وأخلاقية وروحية ممتدة، تتجلى فيها خبرة التعليم، وتجربة الحياة، ورؤية تسعى إلى تحويل الفكر إلى ممارسة، والمعرفة إلى تربية، والكلمة إلى قدوة. إنه ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل دليل عملي يستضيء به الأبناء والآباء، والطلاب والمعلمون، وكل من ينشد المعنى في عالم سريع التحولات. اللافت أن الرفاعي أفرد الفصل الرابع من كتابه لموضوع: “الصمت الحكيم”، ليكشف فيه عن الصمت بوصفه رافدًا من روافد البصيرة يغذي الروح بالمعنى، في وقت يعيش فيه الجيل الجديد وسط عالم صاخب بتطبيقات وسائل التواصل ونماذج الذكاء الاصطناعي، عالم تتشظى وتذوب فيه المعاني، وتغرق حياة الإنسان موجات اللامعنى التي تعصف بوجوده وتضاعف غربته.

[1] أستاذ فلسفة القانون في الجامعة العراقية ببغداد.

 

https://al-aalem.com/%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/

ثناءٌ على الجيل الجديد كتابٌ للتربية

ثناءٌ على الجيل الجديد كتابٌ للتربية

د. أحمد يعقوب[1]

لاشكّ في أنّ القارئ لمتن نصوص وكتابات د. عبدالجبار الرفاعي  يسترعي انتباهه رأساً الطّابع التّعليمي، أو إن شئنا الدّقة البُعد التربوي الذي يسم محاوراته، ويمكن إعتبار كتاب ” ثناء على الجيل الجديد” من أهم الكتب التي  تناولت قضايا جيل الآباء والأبناء في الخمسين سنة الماضية،  بالاضافة لمناقشتها قضايا التربية والتعليم ، وهي قضايا تهم مجتمعاتنا أكثر من غيرها بمقتضى ما حصل من تطورات وتحولات في العالم الذي نعيشه اليوم.

يقوم د. عبدالجبار، غير هيّابٍ  بتفكيك نُظم التربية في عصر الآباء، الذي إنهمك في نظام أحادي لرؤيته للعالم والقيم والمعايير، فاذا به يصطدم بتطورات ضخمة ومتسارعة في عصر الأبناء؛ حيث تبدلت الموضوعات نفسها، واتخذت المفاهيم أشكالاً جديدة تتمظهر وتتجلى من خلالها، مما يعني أن  جيل الأبناء تحكمه نظم متعددة محايثة لواقعه وتشبه أفقه العقلي ( أفق العصر)،  وقد تجاوز النظرة الأحادية التي سادت في عصر الآباء وأحدث قطيعة كبرى معها؛ مما أحدث فجوة وهوة عميقة بين الآباء والأبناء، وهو معطى القطيعة بمعناها الفلسفي.

يدافع الرفاعي عن جيل الأبناء ضد أؤلئك (الآباء)،  الذين  يرون في هذا الجيل أنه بلا مسؤولية،  ونبع ذلك من عدم قدرة الكثيرين من جيل الآباء لرؤية التوسعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وايقاع التغيير الذي طال كل شيء، وبالتالي اتساع الفجوة  في كل شئ تقريباً من حيث نمط الحياة والرؤية للعالم، والتّعاطي مع التعقيدات ونُظم تلقي المعرفة بالنسبة لجيل الأبناء؛ ولا نفهم من هذه السياقات أن عبدالجبار الرفاعي يمارس التحريض، بل هو يمارس  التفكير المواكب لمتطلبات هذا العصر ومتطلبات الأبناء. إذ لا ينسى المؤلف عرض كيفية تلقي المعرفة ونُظمها عند جيل الآباء، وما شكلته هذه النّظم والتي أحياناً شبه أحادية أو أحادية في نظرتها وتعاطيعها مع العالم وموضوعاته.

يشير د. الرفاعي الى عنصر مهم وفاعل في حياة جيل الأبناء، وهو تخلّصهم من الاستعباد لشخصية الأب وشخصية العالم، والتي هي رؤية  الأب بالتحديد؛ وربّما تخلّصهم من القيود التي تعيق تواصلهم أو اكتسابهم لنظم جديدة تواكب التحولات التي يعيشونها؛ وهو ما أدى الى بروز ظاهرة الاغتراب في العلاقة ما بين الآباء والأبناء؛ حيث نعيش اليوم وفق نظام لا يمكن مواكبته دون التعامل مع تسارعه التقني، وقدرة الشخص على الانتقال شبه الدائم لمعالجة موضوعات شتى في فترات زمنية قصيرة؛ ضمن هذا الاطار يفكك د. الرفاعي أشكال العلاقة بين الآباء والأبناء؛ حيث يطلب جيل الآباء الطاعة والانقياد وأحياناً الرضوخ الكامل؛ وهو مايواجه بتمرد عنيف من الأبناء، ولحل الاشكال هذا يطالب المؤلف جيل الآباء بالسماح للأبناء بالانخراط في مواقع السلطة السياسية والحياة الاجتماعية والثقافية، باعتبار أن جيل الأبناء هو أثمن رأسمال للحاضر والمستقبل.

ينحاز د. عبدالجبار الرفاعي بشكل لا مواربة فيه لجيل الأبناء، ويقول أنه تعلم منهم أكثر مما تعلم من جيل الآباء؛ وهذه روح توضح حجم التحولات والتغيرات التي حدثت في عالمنا المعاصر، وخاصة في العشرين عاماً الماضية، وتبيّن ضرورة المواكبة، والا عاش الانسان في كهف ذاكرته أو كما يقول  جيل الأياء في السودان: “زمننا أفضل ونتمنى أن يعود ذاك الزمان”،  وقد خبرنا نحن جيل الأبناء  بالاخص هذه البكائيات من جيل الآباء.

ويعتبر حقل أو علم التربية من الحقول الرئيسة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ إنه يقدم إسهامات منهجية وعلمية وتطبيقية كبيرة، خلال مسيرة طويلة من العمل الرصين والإنجازات اللافتة.  ومن ذلك كون كليات التربية في العالَم مصدر التموين الأساسي لوزارات التعليم والتربية، عبر الإسهام في تطوير سياسات التعليم وفلسفته، وتأمين خطوط كافية لإنتاج: المعلمين الأكفاء، وصنّاع المناهج والمقررات، وخبراء التعليم والتعلم والتقويم، وهذا ما يفسر سر الاهتمام الكبير بكليات التربية في مختلف دول العالم[1].  وتشكل نُظم التربية  والتعليم وطرق اكتساب وتلقي المعرفة  والتي بنيت على أساسها تاريخاً طويلاً من سلطة الآباء في بلداننا وسيطرتهم على كل شئ؛ أحد الموضوعات المهمة في فكر الرفاعي؛  وفي عالمٍ يشهد تحولات كبيرة في فضاءاته لاتزال هذه النظم تمسك بتلابيب مجتمعاتنا المتخلفة  وتمنعها من الاستفادة من النظم الحديثة، لأن العقل التربوي لا يزال ماضوياً.

وحيث إن المشهد التربوي ضمن سياق التحديات والتشوهات التي يعيشها، بحاجة ماسة لمراجعة نقدية صارمة عامة للحقل التربوي ذاته. ولكي تكون هذه المراجعة مثمرة، فإنه يتوجب أن يقوم بها مفكرو التربية أنفسُهم، والذين هم بحاجة ماسة في مجتمعاتنا على وجه الخصوص بمواكبة التطورات التقنية والتحديثات التكنولوجية، وعلى أن يكون أس هذه المراجعة النقدية إبستمولوجياً، وذلك راجع إلى أن النقد الإبستمولوجي قادر على تشخيص أصل الداء في حقل التربية.

يمكن للمرء أن يلاحظ حالة الخطاب التربوي المدرسي في شعوبنا؛ والذي يكاد يبدو للناظر من الخارج أنه خطاب يجتر التاريخ ولا يبدع الحديث، بل هو بعيد من الابداع لدرجة انه غير مواكب للتطورات التي يشهدها عالمنا اليوم؛ وحيث إن نُظمنا التّعليمية تعمّق حتى الفوارق ( الطّبقية)* في المجتمع، صانعة  بذلك هوة عميقة سوسيولوجياً يعاني منها غالبية الذي تعرضوا لهذا الخطاب؛ أمّا أؤلئك الذين تلقّوا تعليمهم في الخارج فأول ما يدركونه هو النظام المعرفي الذي من خلاله يتلقون تعليمهم؛ حيث يتبدى النظام المعرفي في جملة مفاهيم وقضايا معاصرة، وتحديث مستمر للمناهج وطرق التدريس نفسها، وكيفية استهلاك المعرفة…الخ.  ولتوضيح هذه النقطة المتعلقة بتحديث النظم  المعرفية  لتواكب متطلبات العصر الراهن  كتب مارك تايلور  مقالا في  Nature  عنونه “Reform the PhD System or Close It Down”  يقول فيه: ” تتبع معظم برامج الدكتوراه هيكلاً يعود تاريخه إلى جامعات العصور الوسطى في أوروبا. الهدف؛ إنتاج نسخ مكررة من الأساتذة المختصين عبر استنساخهم. ولا يزال هذا النموذج الصارم قائماً حتى اليوم، رغم تغيّر سوق العمل الأكاديمي تغيّراً جذرياً. ”  ويواصل بالقول: ” نظام الدكتوراه عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتجدد لمواكبة متطلبات العصر الحديث، أو يُصبح بلا قيمة.  بتبني التعلم متعدد التخصصات، وشراكات الصناعة، والتطورات التكنولوجية، يمكن لبرامج الدكتوراه استعادة قيمتها. أما إذا رفضت الجامعات التكيف، فستستمر في تخريج طلاب غير مؤهلين لسوق العمل الحالي” .  ولنا أن نتخيّل ان هذا ما يتداوله الغرب حالياً في قضايا تحديث النظم المعرفية؛ ونتساءل في اي طريق نحن؟

في مناظرة شهيرة حول موضوعات شتى  بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو في العام 1971 يطرح فوكة خطر مؤسسة ( الجامعة) بقوله: ” أعتقد ان ممارسة السلطة السياسية تتم كذلك عبر عدد آخر من المؤسسات التي تتظاهر بأنها لا تملك شيئا مشتركا مع السلطة السياسية وباستقلاليتها عن الدولة, غير انها ليست كذلك.. يعلم المرء بأن الجامعة – وبصورة عامة كل الانظمة التعليمية التي تبدو وكانها ببساطة تنشر المعرفة فقط. صُنعت للمحافظة على طبقة اجتماعية معينة في موضع القوة، ولحصر امتلاكها لأدوات القوة دون الطبقات الاجتماعية الأخرى” وهي صورة أخرى لكيفية سيطرة النظم التربوية والتعليمية على حيوات الناس، عبر تدجينهم واكسابهم صفة الاستنساخ للتجارب القديمة ( جيل الآباء)، أو كما يريد ذاك الجيل ان تبقي الامور كما هي .

هل نحن في حاجة لاعادة تعريف مفهوم التربية؟

من أهم الموضوعات التي تتفرد بها التربيةُ دون غيرها؛ ما يتعلق بـ المناهج والمقررات تصميماً وتعليماً وتطبيقاً وتقويماً وتطويراً، باستخدام كافة الأساليب التربوية التقليدية والحديثة في التخصصات المختلفة. إذن، هذا حقل أصيل، بل لعله من أكثرها أصالة، بحيث لا تُنازَعُ فيه التربيُة، إذ هي الحقل الذي يمتلك “حق التشريع” إزاء هذا الموضوع المبحوث منهجياً وبحثياً وتطبيقياً، ويعد هذا أسمى أنواع الملكية للموضوعات المبحوثة.

تحتاج المؤسسات التربوية عندنا لاعادة تعريف هذا المفهوم ؛  ولوضع أسس سوسيولوجية جديدة لمهامها وأهدافها. ويشير د. الرفاعي بطريقة ما في خطاطته عن الفروقات بين جيل الآباء وجيل الأبناء إلى ما يسميه بيار بورديو بالعنف الرمزي، الذي يمارس من خلال المؤسسات التعليمية وبالاخص المدرسة،  والتي تسعى بطريقة أو أخرى للمحافظة على الوضعية القائمة، ( يفهم في سياق جيل الآباء) الذين يودون أن تبقى الأمور على ماهي عليه؛ وحيث  يتميز العنف الرمزي في المدرسة بقدرته الكبيرة على المخادعة الأيديولوجية وبناء الأوهام التربوية على نحو طبقي، وضمن هذه الممارسة الرمزية تبدو المدرسة على أنها مؤسسة محايدة طبقيا.(2) لكن المدرسة في جوهرها ليست محايدة أبدا، وهي تمارس التطبيع الفكري والأيديولوجي للطلاب، وتقوم في الوقت نفسه بإضفاء الشرعية على الأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع في اتجاه المحافظة على النظام السياسي الاجتماعي القائم. وهي بفعالياتها الرمزية تقوم بتمتين وترسيخ العلاقات الطبقية القائمة في المجتمع، تحت ستار استقلال نظام التعليم وحياديته الظاهرة. ومن الطبيعي أن يعزز المجتمع هذه الاستقلالية النسبية للمدرسة، حيث يتم إنشاء هيئة من المتخصصين والمهنيين في مجال العمل التربوي والمدرسي لتقوم بتسيير النظام المدرسي وفقا للاعتبارات الوظيفية والأيديولوجية المحددة في المجتمع.

حوى الكتاب مجموعة من المفاهيم القيمية والاخلاقية ضمن تربية الانسان؛ كالحب، والصمت، وقضايا الدين، ومفهوم التراث والتجديد، وهي في صلب عملية بناء الانسان . هذا كتاب للمؤسسات التعليمية والسياسية، ويمثل رؤية لأفق العصر وما ينبغي أن يكون عليه الانسان وكيف تتم تربيته؛ آمل أن يقرأ هذا الكتاب، وان يكون ضمن مناهجنا، وقبله يجب ان يتم تدريسه للتربويين والمهتمين بمسائلها والمسائل التعليمية.

هوامش:

  • عبدالله البريدي – نداء ابستمولوجي إلى مفكري التربية : تفحصوا حقلكم – مجلة حكمة 17-10-. .2021.
  • بيداغوجيا الرمز والعنف الرمزي في منظور بيير بورديو – علي أسعد وطفة – مدونته الشخصية على الانترنت

*لا نستخدم الطبقة هنا بمفهومها الماركسي وانما في سياقها الاجتماعي المرتبط بالتفاوتات الطبيعية بين البشر.

[1] كاتب من جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان.

https://al-aalem.com/%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/

ثناء على الجيل الجديد يتخطى مقولة صراع الأجيال

ثناء على الجيل الجديد يتخطى مقولة صراع الأجيال[1]

عبد اللطيف الحاج اقويدر[2]

جاء كتاب ثناء على الجيل الجديد في أزيد قليلٍ من مئتي صفحة، موزعة على سبعة فصول، وكل فصل يتضمن عدداً من المقالات، وعنوانُه جاذب لافت، تخطى به الكاتب مقولة “صراع الأجيال”، ليطرح بدلَها مقولة “ثناء على الجيل الجديد”، تفطَّن بذكائه إلى أنَّ تجسير الهوَّةِ بين الأجيال، وتجنيب الصراع بينها يأتي عن طريق “الإحسان” الذي يستعبدُ القلوب، فكيف يكون وقْعُه وصداه إذا كان هذا الإحسانُ يُسْدى إلى فلذات الأكباد وبقايا الآباء، و”الثناءُ” رأسُ الإحسان.

جرتْ عادة المجتمعات الإنسانية أنْ يُمدح الأسلاف بما بذلوا وقدموا لأجيال أولادهم وأحفادهم، وغدا هذا تقليداً أخذ صفة الإطلاق. أراد عبد الجبار الرفاعي تصويب هذه القاعدة لإحقاقِ عدلٍ وتوجيهِ بوصلةٍ، فالثناء اعترافٌ لمُنجزٍ فيه خصوصيةٌ، وهو ليس متعلقاً بسنٍّ معيَّنةٍ، وتخصيصُها للفئات العمْرية المتقدمة، فيها ـ إلى جانب الاعتراف ـ رمزية وتعويضٌ معنوي، وكانتْ رؤيةُ الرفاعي أنَّه إذا استحقَّت الثناءَ فئاتٌ شبابيةٌ ما زالتْ تتدرجُ في مقتبل الحياة تتهيَّأ لتلج معتركها، فما المانع الذي يحول دون إظهار الفرح بذلك والاعتراف بهم، وإسداء آيات الثناء لهم، وقد ورد ذلك في مقدمة كتابه مؤكِّداً بأنَّها شهادتُه وقناعتُهُ نابعتيْن من تراكم تجاربه، فلا هو يقدم وروداً ونياشين، ولا هو يجامل مجاملةً غير مستحقَّةٍ، اعترافه وثناؤه على الأبناء تفرضه معطياتٌ موضوعيةٌ.

“ثناء على الجيل الجديد” عنوانُ فصله الأول، تضمَّن خمسَ مقالات، تحدثَ فيها عن واقع جيل الآباء الذي كان موبوءً بتلوثات السياسة والإيديولوجيا والانتكاسات ص24، وواقع الجيل الجديد المعقَّد المتشابك المنفتح على مصراعَيْ العالم والحياة، فيعيشُهما عياناً على المباشر وافتراضاً عبر مختلف الوسائط، ويدرك الكاتبُ أنَّه من الطبيعي أن تنتج هذه الوسائل معاييرها القيميَّة الخاصة ص27، وأن تفرض نمط حياتها، إذْ لا حياد في الحياة، وإذا كان جيلُ الآباء قد نشأ في فضاء تربوي يتَّسمُ بالعنف تعاملاً، وبالتلقين تعلُّمًا، فإنَّ الجيل الجديد لا يتحرَّجُ من إعلان رفضه استخدام العنف معه، واشمئزازه من أساليب التدريس البالية، فقد يسَّرتْ له وسائل الاتصال سبلَ المعرفة وأنواع أساليب التلقِّي، يفي منها ما يحتاجه، وبأيِّ كيفية يريدُها، ويأسف الكاتبُ من عدم تحلِّي الجيل القديم بشجاعة الاعتراف بثغرات أساليب التربية والتعليم لعصره، ولا بما حُظيَ به الجيل الجديد من سلاسة وتنوُّع ومرونة، وأن رهان الرقي والتطور معقود بناصيته، وإذا كانت صورة الدين لدى جيل الآباء هو ما  “صنعه ـ له ـ علم الكلام القديم وفقه التكفير” ص45، فإنَّ الجيل الجديد بما له من التنوُّع يسعى بما توفره له وسائط الاتصال على التعرُّف على الصورة المغرية لله تعالى، صور النور والرحمة والحب والبهجة، كما أدرك إمكانية تجاوز فتاوى تحريم الفنون، التي هي ليستْ أكثر من تجلياتِ الإنسان تعبيراً وتواصلاً مع الطبيعة والإنسان.

و”التربية خيارها الحصانة لا المنع” عنوان الفصل الثاني الذي تضمن ثلاث مقالات، يعترف فيها بأنَّ تكنولوجيات الاتصال قد شكلت تحديا للمجتمعات الإنسانية كلِّها لا على مجتمعاتنا فحسب، فقد أحدثتْ تصدُّعات في سلَّم القيم ص50، نتيجة الصدمة العنيفة التي أحْدثتْها  في منظومتيْ الأسرة والعلاقات الاجتماعية، ففكَّكت روابط التلاحم بين أفراد العائلة الواحدة، وفرضتْ على كلٍّ منهمْ نفياً انعزالياً، وبلبلتْ فيهم عواطفهم وأفكارهم ولغتهم ورؤاهم، بل إنها تكاد تشكِّل خطراً وجودياً على الفرد في سلامته الجسدية أو النفسية على ما نقله خبراء الطب والعلاج، ومع ذلك فهي الشرُّ الذي لا بد منه، ومع ذلك فهي الإفراز الطبيعي لعصرها عصرِ حقوقِ الإنسان والحريات وعصرِ إشاعة المعرفة والتعليم، في حينٍ كانت عصورُ الآباء عصورَ الرُّكود والسمع والطاعة.

و”الاستثمار في الحب صعبٌ” عنوان الفصل الثالث، وهو أوسعُ فصلٍ بسبع مقالات خصَّصها لعاطفة “الحب” الذي جفَّ معينُه أو يكاد، و”الحبُّ” في مشروع الرفاعي هو حجر الزاوية وأسُّه، يسوقُه رفيقَ دربٍ في الحياة، وزاد عملٍ للحياة الأخرى، وقد وردت مقالاته تباعاً على النحو الآتي: “الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان”، و”ويترجم القلب كلمات الحب بمعنى واحد”، و”مكافأة الحبِّ الحبُّ ذاتُه”، و”الاستثمار في الحب صعب”، و”حبُّ الإنسان طريقٌ لحب الله”، و”الإيمانُ بلا حب ورحمة عنيفٌ”، و”الكراهية ليست طارئة”، فالحب يُشحِن النفوسَ طاقةً وراحةً وسعادةً، يُشعِر الإنسان بكينونته ويُحفزه على العطاء، ومن غرس حبّاً جناه، والحبُّ الأكبرُ هو حبُّ الله الأبدي المشرقُ على القلوب الذي لا يعتوره كدرٌ، بخلاف صورة الألوهية في الإيمان الصراطي الذي اعتقد به جيلُ الآباء ورِثه عن الأسلاف، صورةٌ ظلمانية لا تراه إلا محصوراً بها دون غيرها، ومن خرج عن دائرتها لم يستحق الفوز ولا السعادة، بل قد يُسحق كما فعلت المجموعات الإرهابية التي روَّعت ودمَّرتْ وقتلتْ باسمه تعالى.

“الصمت الحكيم” هو فصل الكتاب الرابع بستِّ مقالاتٍ، ذكَّرَنا فيها الرفاعي بتلك القاعدة الذهبية التي ردَّدناها صغاراً دون إدراك أبعادها “إذا كان الكلام من فضَّةٍ فإنَّ السكوت من ذهب”، لم يغر الكاتبَ ذهبُ السكوت بل أغراه أَلَقُ الصمت ونفاستُه، وبين السكوت والصمت فرقٌ نوعي، فالصمتُ كلامُ الحكماء والعقلاء ومتنوري الثقافة. الصمتُ إرادةٌ ولغةٌ وفلسفة وفنٌّ وملجأ، ألا يقال “نلوذ بالصمت”. هو حاجزٌ يمنع التهور، ويصونُ أرواحاً، ويُشْرِقُ على أرواحٍ، والصمتُ أنواعٌ ودرجاتٌ، وتتَّخذه بعض مدارس التأمل طريقاً لاستجلاب الراحة للروح، وليس الصمت بالأمر الهيِّن ولا هو في متناول الجميع، لا يستطيعه إلا من ملك إرادته، وأنَّى له بملكها؟ وليس الصمتُ نقيض الكلام بل هو نقيض الثرثرة، فقد أراد حكيمٌ قديماً أن يستوثق من قيمة إنسانٍ يجهله، فقال:” تكلَّمْ لأراك”، فالكلام هو الرجل، ولكنَّ الذي يعجِزُ عن أنْ يُصغيَ يعجزُ أن يصمُتَ، ومن أتقنَ فنَّ الصَّمت أتقن فنَّ الكلام، فكم من متكلِّمٍ لا يكونُ كلامه إلاَّ أذى، وكم من كلمةٍ أودتْ إلى مقبرة أو مستشفى، لذا لفتَ الكاتبُ النَّظر إلى ضرورة تشجيع “تنمية ثقافة يمكن تسميتها بِـ “اقتصاديات الكلام” تتعلق بكمية الكلام وشكله ومضمونه وكيفيته” ص139.

“لا تراث خارج التاريخ” هو الفصلُ الخامسُ، الذي تضمَّن مقالاتٍ معرفية عميقة تشير إلى علاقة السلطة بالمعرفة، وقد امتلكت السلطةُ في تاريخنا القديمِ معرفتَها، وصنعت لها علماءَ وفقهاءَ يسوِّغون سياساتها ومشاريعها، وقام باحثون في العصر الحديث بقراءة هذه المعرفة التراثية باستعمال إحدى الطريقتيْن: إمَّا دراسة إحيائية أو دراسة تجديدية، أما الدراسة الأولى فتكرارية اجترارية لا تفيدُ إلَّا قليلاً، وأمَّا الدراسة الثانية فكاشفة لأنها سائلةٌ عن بنيتها الأساسية التي ترتكزُ عليها ص155. 156. تقومُ هذه الدراسةُ بتفكيك البنية التحتية للتراث مستثمرةً أدوات ومناهج ومقاربات هذا العصر من مدارس الفلسفة وتياراتها، وعلوم الإنسان والاجتماع واتجاهاتهما ونظرياتهما ص157، وتكشَّفَ لها أنَّ ما درجتْ عليه القرون تسميها ديناً وإيماناً كان في جزءٍ منه لا يعْدو أن يكون مقولة سياسيةً تلبسُ لباساً دينياً، فكثيرٌ من المرويات والأحاديث هيَّأ “الإسناد” لها طريقاً نحو الدين، والإسنادُ ذاتُه في حاجةٍ إلى جرحٍ وتعديلٍ، كما أنَّ تضخُّمَ الفقه يعود إلى “حجِّية الخبر الواحد”، الذي تحوَّل من رأيٍ إلى قاعدةٍ أصوليةٍ بفعلِ فاعلٍ، ومردُّ هذا الاكتشاف يعود إلى خبرة هذا العصر، إلى ميشال فوكو الذي توصَّل إلى أنَّ كلَّ سلطة تُنتج معرفة من جنسها وتحميها وكذا العكس ص162، فلا غرابة أن تطغى القراءة السلفية على المشهد الديني الإسلامي، وهي قراءة مغلقةٌ معطِّلةٌ للعقل، ورؤيا لا تنتمي للعصر ولا للواقع 167، ولا غرابة أنْ “يتسيَّد التراثُ المتشدِّدُ ويُقصَى التراث العقلاني”.

أما الفصل الأخيرُ، فعودٌ على بدءٍ إذْ يقدِّمُ ” تحية للجيل الجديد”، الذي اكتشفَ منه وجهاً مشرقاً في إحدى ندواته الأخيرة في مصر، التي جرى عنها الاعتقاد أنَّها انطفأتْ وانكفأتْ، ودخلتْ في نومٍ سباتي، لكنَّه اكتشف جيلاً جديداً يحدوه نشاطٌ حثيثٌ ورؤيا مشرقة تجاه وطنه، وراقه شوقهم إلى المعرفة والتواصل، وأسِف على تغييب أسماء مفكرين وفلاسفة وكتَّابٍ مشهوداً لهم بعمق الفكر وغنى المعالجة.

 

 

 

[1]  قراءة في كتاب: ثناء على الجيل الجديد، تأليف: د. عبد الجبار الرفاعي. منشورات تكوين، الكويت، ودار الرافدين، بيروت. ط1 ، 2024.

[2]  كاتب جزائري.

صراع الأجيال بين الآباء والأبناء في كتاب: ثناء على الجيل الجديد

صراع الأجيال بين الآباء والأبناء

في كتاب: ثناء على الجيل الجديد

حسين كاظم[1]

من بين جميع المفكرين العرب المعاصرين، يتميز المفكر العراقي الدكتور عبدالجبار الرفاعي لا بتجربته الدينية والفكرية وحضوره في الساحة الثقافية حسب، بل ويتميز أيضًا بإنتاجه الغزير، وشخصيته الأخاذة التي تبرز في كتبه بروزًا واضحًا، فتأسر قراءه وتجعلهم يزجون بأنفسهم في عوالمه حتى النهاية.

ومن بين جميع كتبه، لفت نظري عنوان في معرض الكويت الدولي للكتاب، عام 2024: “ثناء على الجيل الجديد”!

أذلك حقيقي؟ هل ثمة أحد من “جيل الآباء” يكتب كتابًا بهذا العنوان الصريح؟ “ثناء على الجيل الجديد”؟ حقًّا؟

ومنذ بداية الكتاب، نجد الرفاعي يتحدث عن تمرده على جيله وخروجه عن سربه تجاه موقفه من “الجيل الجديد”، إذ بينما يذم غالبية الكبار هذا الجيل، يُقرّ الرفاعي بأنه يرى نفسه أقرب إلى “الجيل الجديد” من جيله هو. بل وهو ينتقد جيله قائلا بأن “تشبث الآباء وقبضتهم الحديدية على مواقع قيادة الدول المختلفة وتأسيس الحكومات، وإجهاضهم لأية محاولة تسعى لتمكين الجيل الجديد من قيادة المؤسسات والمنظمات والأحزاب” هي إحدى أعمق عوامل مأزق السياسة والثقافة والتربية والتعليم في مجتمعاتنا.

وبالفعل، فإنا نرى الازدراء العميق الذي يحمله غالبية جيل الكبار تجاه الجيل الجديد، حتى في الوسط الثقافي؛ حيث لا يقدّر أغلب المثقفين الكبار إلا أقرانهم، ولا يعترفون إلا بمن هم في مثل أعمارهم غالبًا، بينما يتنكرون للمثقفين والكتّاب من جيل الطليعة، ولا يتعاملون معهم إلا باستعلاء، ولا ينظرون إليهم على أنهم أنداد ونظراء، بل على أنهم طفيليون صغار ليسوا بكفاءة أن يكونوا أندادا لهم. وهذا أحد أسباب الفجوة الكبيرة التي تنشأ بين الجيلين، وإلى ابتعاد أحدهما عن الآخر أكثر فأكثر، حتى يصبح التعاطي والتفاهم بينهما مستحيلًا، أو شبه مستحيل! وهذا بحد ذاته كفيلٌ بأن يتسبب في عدم تقدير الطليعة للكبار، كما أن هؤلاء الأخيرين لا يقدّرون الطليعة!

يؤكد الدكتور الرفاعي على اشتداد حاجة جيل الآباء للتقدير والاحترام مع تقدمهم في العمر، وعلى ضرورة أن يلبي الجيل الجديد احتياجهم هذا. ولكنّنا نجده، في السياق نفسه تقريبًا، وكأنه “يهجو” جيل الآباء!

فهو يورد مثلًا كيف أن هذا الجيل يتهم الجيل الجديد بأنه “لا يعرف ما يريد”، ويُبرز ذاته على أنه “جيل يعرف ما يريد”، ومن ثمّ يقلب الطاولة كلّيًّا عليه، ويرى بأنه “يُخطئ مرتين”: الأولى هي عندما يتهم الجيل الجديد بأنه لا يعرف ما يريد، والثانية هي عندما يدعي بأنه جيل يعرف ما يريد.

ولتوضيح ذلك، فإنه يقول أن عقل الشباب اليوم أنضج، وفهمهم للحياة أعمق، وعالمهم أكثر تركيبًا وتعقيدًا، في مقابل العالم البسيط الذي عاشه الآباء. هذا فيما يخصّ الخطأ الأول. أما فيما يخص الخطأ الثاني، فهو يقول: “كيف يعرف ذلك الجيل ]أي جيل الآباء[ ما يريد، وهو لم يكتشف حتى ذاته الفردية؟! فقد أنسته الأساطيرُ المؤسسة لمتخيله الثوري ذاتَه. كان جيل الآباء مولعًا بيوتوبيات الخلاص للكل، والحرية للكل، وانصهار الكل في واحد. كان يحسب أن تغيير العالم تنجزه مجموعة شعارات وأناشيد تعبوية تنشد تجييش الجماهير وخروجها إلى الشارع تهتف بـ«الروح بالدم نفديك يا…». هذه النزعة قادت ذلك الجيل لأن تسعبده أصنام مختلفة؛ كل منها يظهر على المسرح الاجتماعي بقناعه الخاص، فتارة يصير رجل صنما، وأخرى تصير أيديولوجيا صنما، وثالثة تصير هوية طائفية صنما، ورابعة يصير كتاب صنما: كل صنم منها يستعبد من على شاكلته (..). الكثير من الآباء مولع بعبادة الأصنام البشرية، إن لم يجد صنما في الماضي يخضع له ويستعبده، ينحت من أحد رجال السياسة أو الدين أو الفكر أو الأدب صنما. الكثير من الأبناء مولع بتحطيم الأصنام البشرية، لذلك يصعب ترويضهم على العبودية”.

بهذه الطريقة، يقلب الدكتور الرفاعي الطاولة على جيل الآباء: ليس الجيل الجديد هو الذي لا يعرف ما يريد، بل أنتم الذين لا تعرفون ماذا تريدون، من بعد أن تخطفتكم الأيديولوجيات واستعبدتكم الأصنام التي يأبى الجيل الجديد الركوع إليها!

ومن ثم نجده ينصب مفارقة بين ولع جيل الآباء بالحزن والبحث عن كل ما ترتسم فيه ملامح الموت، في مقابل حب الجيل الجديد للحياة وإقباله عليها. ومن أجمل المفارقات التي يبرزها الرفاعي، في سياق آخر، هي المفارقة التي تنطوي على مستوى خطر الغضب الذي كان يستعر في جيل الآباء، في مقابل مستوى خطر الغضب المضطرم في جيل الأبناء، قائلًا بأن غضب الآباء كان أخطر بكثير، لسبب بسيط هو أنه كان غضبًا مكبوتًا مقموعًا، في مقابل غضب الأبناء المُعبّر عنه بشتى الوسائل، والتي ليست أقلها: وسائل التواصل الاجتماعي!

لا ريب في أنه ثمة فجوة بين الجيلين. ولكن السؤال: ما أهمية الوعي بهذه الفجوة هاهنا؟ ولماذا علينا أن نتوقف عندها؟

والجواب: يكاد التفاهم بين الجيلين أن ينعدم بفعل هذه الفجوة. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية دراستها: كي يفهم كل جيلٍ الجيلَ الآخر، وليفتح قنوات التفاهم والاحترام بينهما، الأمر الذي من شأنه أن يجعل حياة كلّ منهما أكثر سلامًا وصحةً نفسيةً، وأعظم عطاءً وإثمارًا.

على جيل الآباء أن يقدّر الجيل الجديد ويعترف بفضائله ويحترم استقلاله وعقله، تمامًا كما على الجيل الجديد أن يحترم جيل الآباء ويقدّر تجربته ويفهمها. وهذا هو السبيل الأوحد من أجل تقدم حقيقيٍّ في العلاقة بين الجيلين.

حسين كاظم

5 ديسمبر 2024

[1] روائي من البحرين.

https://www.alayam.com/online/culture/1080996/News.html

الأبوة في فكر ومنهجية الدكتور عبد الجبار الرفاعي

الأبوة في فكر ومنهجية الدكتور عبد الجبار الرفاعي

 منى الصالح

ملأى السنابل تحني بقاماتها

والفارغات رؤوسهن شوامخ

هذا البيت كان ماثلا أمامي ، حين التقيته أخيرا على أرض الواقع ، حيث جمعتني بالدكتور عبد الجبار الرفاعي أخوة وأبوة فكرية وروحية منذ سنوات طويلة ، فكان اليد الحانية التي تطبطب على كتفك، وتهمس لك أنك لست لوحدك حين تشعر بالاغتراب الفكري، وتعصف بك العواصف، فترى في كتبه وبين حروفه الحنون، الشاطئ حيث السلام والاطمئنان، رغم كل الأسئلة التي تثير زوابع فكرية، فهو صاحب العقل المشاكس الذي لم ولن يعرف الراحة والهدوء، فكل سؤال تطرحه تأخذك كتاباته لتشرع النوافذ والأبواب وتبحر في محيطات ليس لها قرار، فتجد نفسك بدل أن تجد عنده الإجابة التي تركن لها فتسمع وتطيع، تتحول إلى فرس جموح تعتلي الهضاب والجبال وتقفز فوق المنعطفات دون هوادة مشرعاً جناحيك لتستقبل النور باحثا وقارئا  بصدر مفتوح وقلب مطمئن .

عبدالجبار الرفاعي أستاذ الفلسفة وخريج المدرسة الدينية، وصاحب مشروع تجديد الفكر الديني الخاص به. القامة الفكرية الذي غمر إنتاجه الفكري ومؤلفاته الساحة الفكرية فاحتضن الشباب وتطلعاته، في الوقت الذي كنت أرى الكثير من جيلنا ممن يصفهم بالضياع وعدم تحمل المسؤولية، وبأنهم شباب تافه منشغل بوسائل التواصل، وبحكم عملي لعقود وسط عالم الشباب، كنت أتلمس حاجتهم لمثل الدكتور يثق بقدراتهم ويثمن منجزاتهم كما يقول في كتابه “ثناء على الجيل الجديد” : عقل الشباب اليوم أنضج ووعيهم للحياة أعمق منا حين كنا في مرحلتهم العمرية، عالمُهم مركّب وعالمنا بسيط. وأن الفجوة بين جيلنا وجيل أبنائنا واسعة بسعة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويمتدح معرفتهم بقوله: العالَم يحضر في حياتهم بملامحِه وتضاريسِه الجديدة، عبر: اليوتيوب، والفيس بك، وتويتر، والواتس اب، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة)).حين يدافع عنهم ليس من باب التنظير بل هو القريب عن معرفة فأغلب علاقاته وحواراته معهم حيث قضى أربعين عاما في التعليم ، مشخصا واقع التعليم  اليوم((نحن بحاجة للبحث عن جذورِ هذه المشكلة في بنيةِ التربية والتعليمِ الموروثِ منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالَم الأمس المختلف عن عالَم اليوم اختلافًا جوهريًا، فلم يعد الكتابُ وحده رافدًا لتلقّي المعرفة، بعد أن تراجع موقعُه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانوياً – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة، ولم يعد التعليمُ على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائمًا لعالمنا اليوم، بل لم يعد الصفُّ المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائمًا للتعليم، وقبل كلّ ذلك لم تعد ملائمةً اليوم معظمُ المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدّسة بعشوائية في المقرّرات المدرسية المتداولة، لأن أغلبَ مضامينها لا ينتمي لعالَم الأبناء، ولا يشبه أحلامَهم، ولا يلبي احتياجاته.مواكبته النهضة التكنولوجية جلية واضحة ، لم يمنعه العمر مثل أقرانه ، فكما يشير: (العالم يتغير والرؤية للعالم تتغير وطريقة التفكير تتغير .. ومعيار التفوق فيه يقاس بمدى كثافة الحضور عبر نسيج الشبكات الألكترونية العابرة للقارات) لذلك نراه منذ ثلاثين عاما قارئ الكتب الالكترونية، كاتبا بلا قلم ، يدير صفحاته على وسائل التواصل بلا مساعد، محافظا على تواصله مع قرائه رغم رفضه لأغلب الدعوات واللقاءات التي تطلب منه من مختلف الدول العربية والإسلامية، بلا كبر كما يخبرنا، ويرفض الدخول في مجموعات (الواتساب) ليس ترفعا، بل مطلبه السلام الداخلي الذي يهيئه لأهم وظيفة هي القراءة والتأليف.

كنت دوما وأنا أقرأ له وهو الموسوعة في علم الكلام وعلوم الدين والفلسفة، أجد فيه الكاتب الأبوي الذي لا يبخل علينا بتجاربه التي أنضجته وأكسبته الحكمة، وقلما نجد بمثل علمه وعمره من يعترف بفشله وإخفاقاته على كل المستويات ولا يجد بذلك حرجا، فالخطأ عنده حق بشري وجزء من بناء تجربة الوعي كما يشير لذلك في حق الخطأ وتشكل مفهوم الفرد (الإنسانُ كائنٌ يصيب ويخطئ، الخطأ طريقُ التطور والتكامل. كلُّ مَنْ يفكر يخطئ، مَنْ لا يفكر لا يخطئ. لا يتحررُ الإنسانُ من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه…. مَنْ يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلكُ القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير، الخوفُ من التغيير خوفٌ من التطور.

تبدأ التربية بترسيخ الشعور لدى الطفل بحقه في الخطأ، مَنْ لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، المجتمعُ الذي لا يتربى فيه الأفرادُ على الاعتراف بالخطأ منذ الطفولة، يشيعُ فيه الكذبُ والرياءُ والازدواجيةُ والنفاقُ السلوكي). وهل نتخيل كم لهذه الرؤية من انعكاسات على أسرنا، ومدارسنا، شبابنا وصحتهم النفسية.

وأنا استمتع بالنقاش معه تذكرت ما ذكره الدكتور جمال الشايع بأن الكبر هو أحد أسماء الله الحسنى ضروري بمقدار، فلولا الكبر ما تطورنا، بشرط ألا يطغى، فالإنسان بفعل الكبر تمكن من الغزو والصيد، اكتشف الزراعة وهكذا، ونحن في كثير نكبر على سلوك ونتحول عنه لآخر أفضل وأرقى منه إذا ما تابعنا عملية البحث والتطوير والتكامل. ويأخذنا المفكر الدكتور الأكثر تواضعا وتمثلاً لقيم السماء حين يكبر على نفسه، ويعترف بخطئها ويتابع حركتها ونموها الفكري والنفسي والروحي، دون أن تهتز ثقته الواضحة، وتقديره لذاته  ووجوده الفكري حين يجيب (إنها نظريتي الخاصة ومشروعي الذي يتبنى رؤيتي الخاصة فأنا لست مقلدا لأحد) ويستطرد (هذا لايعني انني لم أقرأ للسابقين، بل لقد قرأتهم، ودرست نظرياتهم وفلسفاتهم، قديمهم وحديثهم، ومن ثم كنت أنا ولست نسخ أحد منهم) بهذه الكلمات البسيطة والعميقة، رسم منهجية المعلم الحقيقي، الذي يحترم عقله وعقول من حوله، وكما يقال: المعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها، إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.

شكرا لله الذي أنعم علي بهذا اللقاء.

ممتنة للدكتور الذي أحاطنا باهتمامه واتصاله، وخصص جزءا من وقته الثمين لنا، وأثرانا بحلاوة النقاش والاستماع لتجربته فحقا كانت ساعة من الجنة.

 منى الصالح كاتبة سعودية.

  

كتاب ثناء على الجيل الجديد

كتاب ثناء على الجيل الجديد

د. حسن مدن

في مرحلة معينة من أعمار أبنائنا وبناتنا نكفّ نحن عن أن نكون معلمين لهم، أو أن مساحة ما يمكن أن نقدّمه لهم من معرفة تتضاءل وتضيق، قياساً إلى ما باتوا يملكونه هم من معارف ومهارات وما يتمتعون به من سعة أفق، فتنقلب الأمور، فيغدوا الأبناء والبنات هم من يعلموننا ويمدّوننا بمعلومات ما كنا سنصل إليها بأنفسنا، وعلى مهاراتهم المختلفة سنعتمد في التعامل مع ما هو جديد في دنيا العالم التقني. أعتقد أن هذا ينطبق علينا جميعاً، ولو تحدثت عن تجربتي ككاتب عمود يومي أحتاج إلى فكرة جديدة كل يوم كي أكتب عنها فإني كثيراً ما ألتقط من أحاديث ابني وابنتي، وما ينقلانه من معلومات، أو يريانه من انطباعات عن مشاهداتهما، ما يلهمني في الكتابة.
الدكتور عبد الجبار الرفاعي أشار إلى الفكرة نفسها، حتى إنه قدم لكتابه الجديد بالعبارة التالية: «تعلمت من أبنائي أكثر من آبائي.. تعلمت من تلامذتي أكثر من أساتذتي». حمل كتاب الرفاعي عنواناً لافتاً وجاذباً هو: «ثناء على الجيل الجديد»، ويأتي العنوان مخالفاً، بل ناقضاً، لاعتقاد سائد خاطئ لدى المخضرمين قائم على نظرة سلبية تجاه الأجيال الجديدة التي توصف بالضائعة والتائهة، الفاقدة للرؤية حول ماذا تريد، وفي المفاضلة بين الآباء والأبناء، يجنح الأولون إلى وصف أنفسهم بأنهم كانوا، وهم في أعمار أبنائهم، أكثر حكمة وجدية ووضوحاً في الرؤية، ويترحمون على زمن ولى ولم يعد، دون أن ينتبهوا إلى أن «الزمن الجميل» مفهوم نسبي وملتبس جداً، والنظرة إليه تختلف باختلاف الأجيال.
يقف الرفاعي عند هذه المسألة بالذات، ملاحظاً أن الجيل الأكبر في نظرته للجيل الجديد بأنه ضائع ولا يعرف ماذا يريد، يخطئ مرتين، الأولى لأن «عقل الشباب اليوم أنضج، ووعيهم بالحياة أعمق منا حين كنا في مرحلته العمرية. عالمهم مركب وعالمنا بسيط. عالمهم متنوع وعالمنا أحادي، عالمهم نسيج معقد تتلاقح فيه الهويات وتتفاعل فيه الثقافات ويتوحد في موكب واحد».
هذا عن الخطأ الأول، أما الخطأ الثاني الذي يقع فيه الجيل الأكبر فيتمثل في اعتقاد هذا الجيل بأنه كان يعرف ماذا يريد، وهنا يتساءل الرفاعي: كيف «يعرف هذا الجيل (الكبير) ماذا يريد وهو لم يكتشف حتى ذاته الفردية؟» كونه جيلاً ولد في زمن كان المتاح فيه من وسائل المعرفة محدوداً قياساً إلى ما هو متيسر للأجيال الجديدة، والذي ييسر لها ولوج دروب متعددة في الحياة والمعرفة، ويمكّنها من النهل من روافدها المختلفة والمتزايدة يوماً عن يوم، «والتي تسهم في إنتاج أنماط وجوده، وطرائق عيشه، ووسائل تواصله مع ما حوله» حسب الكاتب.

madanbahrain@gmail.com

https://www.alkhaleej.ae/2024-11-19/%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF/%D8%B4%D9%8A%D8%A1-%D9%85%D8%A7/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7

نافذةُ الدخول إلى الإنسان

نافذةُ الدخول إلى الإنسان

د. طه جزّاع

لا يُقدم عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد، درساً في التواضع والمحبة فحسب، إنما يَقْلِب معادلة تقليدية من معادلات حياتنا، ويعيد صياغتها من جديد وفق مبدأ الفهم والثناء والرهان على الجيل الجديد حاضراً ومستقبلاً. ومنذ بدء صفحات كتاب: “ثناءٌ على الجيلِ الجديد” يعترف بما يندر سماعه من الكبار، بأنه تعلم من أبنائه أكثر من آبائه، وتعلم من تلامذته أكثر من أساتذته، وبذلك يُنحي مقولة صراع الأجيال جانباً، ويستبدلها بفكرة الاستثمار في الجيل الجديد، فخريطة المستقبل كما يراها يرسمها الضوء في أحلام الشباب.
وعلى غرار كتبه في علم الكلام الجديد والدرس الفلسفي، وفلسفة الدين التي يرفع لوائها في المشرق من خلال مركز دراسات فلسفة الدين ومجلته “قضايا إسلامية معاصرة”، فإن لغته تتسم بطراوتها وليونتها وطلاوتها ونضارتها التي هي من نضارة وجهه المضيء بالهدوء والاطمئنان، وقلبه المشرق بالمحبة، وروحه المتوهجة بالنور الإنساني الذي تتخطى مدياته الحدود الوهمية المُصطَنعة بين البشر من كل الأعراق والأديان، وهو لا يتوجه إلى انسانٍ بعينه، بل كأنه يخاطب كل إنسان بصفته إنساناً يمكن الدخول إليه من وجهه فــ «الوجهُ نافذة الدخول الأولى إلى الإنسان، وهو من أهم نوافذ الدخول إلى مشاعره وقلبه». فضلاً عن ذلك فإن الرفاعي لا يكتب تجريدات نظرية ملفوفة بغلاف اللغة الثقيلة مهما كان موضوعه معقداً، فهو دائماً ما يسترشد بتجربته العملية وسيرته الطويلة الُملهمة التي تذكرنا بالسيرة الذاتية الموجزة العميقة الصادقة التي كتبها فيلسوف الشك واليقين أبو حامد الغزالي قبل نحو تسعة قرون في “المنقذ من الضلال”، وما كان عبد الجبار الرفاعي ليصل إلى يقينه الذي ثبت عليه إلَّا بعد معاناة قاسية، وجدٍ روحي، وشكوك فكرية، وتجارب عملية حَطَّت به من رحالٍ إلى استقرارٍ، ومن استقرارٍ إلى رحالٍ، حتى انتهى به المطاف أخيراً إلى الاستثمار الصعب في الحُبّ، ومنه الثناء على الجيلِ الجديد بالفهم والرحمة والمحبة منطلقاً من رؤية شخصية من دون أن يُحَّمل كتابه “شعارت تحريضية ولا دعوات تعبوية”.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=372063