Category: الجيل الجديد

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

مشتاق الحلو[1]

أتهيب الكتابة عن عبد الجبار الرفاعي؛ لأني أؤمن بأن التأريخ له تأريخ لمرحلة وحقبة وتجربة ومسيرة، مرحلة طالما تمنيت أن اكتب عنها بإسهاب، وأبين كل تفاصيلها التي شهدتها وعشتها، فأخشى أن اظلمها، أو أجانب الحقيقة في تقييم مستعجل لها. والآن، بمناسبة تسجيل شهادتي عن الرفاعي لا أرى مفرا من الانطلاق منها، والتحدث قليلا عنها، على أمل أن أعود لها ثانية بشكل أكثر تفصيلا وتحليلا.كما أؤمن بأن الاحتفاء بالرفاعي، والاهتمام به، هو اهتمام بمشروع وفكر وتفسير للدين، وعمل على تحرير مجتمعاتنا من “ثقافة هجاء الحياة وتمجيد الموت”، وهو واجب بالنسبة لي يحتّمه الضمير.

قد يلاحظ القارئ ان الحديث في البداية يتمحور حولي / الشاهد، لا حوله/ المشهود له. فللأمر اسباب قد يكون من اهمها: اني حينما أكون عند الرفاعي أحسّ بأني كبير ومحترم، لهذا حينما أتكلم عنه أيضا ينشط عندي الإحساس نفسه.

محطات في اكتشاف الرفاعي

 

المحطة الأولى: 1984 – 1991

في نهاية العقد الأول من عمري جرت أحداث مؤسفة في الكويت، وعلى أثرها هجّر أو هاجر اغلب العراقيين الذين اتخذوا من الكويت مأوى لهم. وكنا في قم في استقبال حصتنا من الشتات العراقي الذي كان يتقاذفه القدر في البراري.

كان الرفاعي أحد العراقيين الذين هاجروا من الكويت إلى إيران، اثر هذه الأحداث. في الأيام الأولى لدخول الرفاعي مدينة قم تعرفت عليه، بوصفه صديقا لبعض الأقرباء، ثم صديقا لوالدي، فكنت أراه في بعض الولائم والاجتماعات العامة.

كنت اسمع والدي يتكلم عنه فيقول: انه أستاذ حوزوي مثقف، لكنهم يضطهدونه، لأنه عراقي، ومن أصول عربية.كان هذا الكلام غريبا بالنسبة لي؛ إن كان أستاذا حوزويا، فلماذا هو حليق اللحية “مقارنة بمن أراهم حولي”، ويرتدي البدلة الغربية، التي لم تكن مرحبا بها في تلك الحقبة بالذات؟!

أما ثقافته فكنت امتلك شاهدا عليها، وهو أني كنت اسمعه يتكلم في الاجتماعات العامة بلهجة مختلفة عن الآخرين، بعربية قريبة من الفصحى، لكن تشوبها لهجة عراقية، لا يمكن تمييز – على الأقل بالنسبة لي آنذاك – المدينة التي ينتسب إليها. غير أن ما هو واضح تماما انه عراقي بامتياز.

كنت أتساءل حين أراه: ماذا يريد أن يقول بحلق لحيته؟ لماذا يتجاهر بخرق الشريعة؟ ولكن في الوقت نفسه كنت اكبر فيه هذه الشجاعة، وهذا الصدق، كونه لا يتظاهر بمظهر لا يحبه، في بيئة ما كان أي إنسان من وسطنا العراقي آنذاك يجرؤ على حلق لحيته فيها.

هذه الشخصية للرفاعي امتزجت في ذهني بشخصية ثانية؛ وهي انه من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة. وان كان لأهلي ووالدي انتماءات سابقة لهذا الحزب، إذ أعدم عمي على يد النظام الصدامي بجريمة انتمائه للدعوة، إلا أني كنت أمتلئ كراهية للمعارضة مع الوقت والنضج… معارضة صدام بكل فصائلها. المعارضة التي كنت أرى رموزها أناسا متكبرين علينا، مستبدين معنا، مستأثرين بخيراتنا، متاجرين بدموعنا ودمائنا، جهلاء بالعلم والمعرفة إلى درجة يصعب تصورها…

وبمرور الأيام حاولت جاهدا أن افصل نفسي، مهما استطعت، عن كل من ينتمي للمعارضة، حتى أصبحت أتمنى أن لا يعرف أحد منهم أني عراقي؛ لأني لا أحب الانتساب لهم. وكبديل عن هذا الفضاء ارمي بنفسي في الفضاءات الإيرانية، وابدأ حربا مستميتة لإثبات ذاتي وفرض نفسي عليهم. كان أكثر ما يستفزني من قبل الإيرانيين سؤالهم عن الجماعة التي أنتمي إليها من المعارضة. فأجيب بانفعال لا يفهم الإيراني سببه: أنا عراقي، لكني لا أنتمي إلى المعارضة.

 

المحطة الثانية: 1991 – 2002

انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وبالنسبة لي بدأت مرحلة فقدان الأمل بالخلاص من دكتاتور العراق. وإذا به يقتحم الكويت، فبعث أمل فينا بأن أميركا سوف تخلصنا منه. وجاءت الانتفاضة الشعبانية نذر خير بأن الشعب العراقي بنفسه سوف يطهّر العراق من دنس الدكتاتورية. فهرعت للمشاركة في الانتفاضة، وتركت امتحانات الثلث الثاني من العام الدراسي “حسب النظام الدراسي الإيراني”، وما كانت إلا أيام وانجلت الغبرة وبانت الخيبة.

فعدت أدراجي مثقلا بالحزن، فاقدا للأمل، وبدأت كراهية _ ما تسمى _ معارضة صدام تتصاعد عندي، حتى وصلت إلى الحقد والازدراء الذي لا يمكن وصفه. لأني توصلت إلى قناعة بأن سبب فشل الانتفاضة، ودمار البلد، وإبادة الشعب هو أداء المعارضة. وبشكل تدريجي صرت أؤمن بأن جميع فصائل المعارضة لا يريدون سقوط دكتاتور بغداد قبل تصفية فرقائهم، أي يجب أن يبقى هو البديل الوحيد لصدام، ثم ينتقل لمرحلة التفكير بالتخلص منه.

عدت لإكمال الإعدادية، لكنني حزين على بلدي وشعبي وقد يكون حزني في الحقيقة على نفسي ومستقبلي وكرامتي المهدورة في المنفى الاختياري الذي اختارته الأسرة لي. والنفق المظلم الذي أسرنا فيه.

عشت طفولة من دون طفولة، ومراهقة من دون مراهقة، في بلد وبين أناس لا انتمي لهم ولا ينتمون لي، بلا ذكريات ولا حلم ولا أمل. ثم قررت أن ادخل الحوزة. ولا اعلم لم اتخذت هذا القرار. قد يكون السبب أن نموذج القائد المنقذ الذي كان يحضر في ذهني آنذاك، تجسد في السيد الخميني والسيد محمد باقر الصدر، وهما رجلا دين.

كنت ادرس ثانوية في الفرع العلمي، وأهتم بدروس الحوزة مساء، مستعينا بالأشرطة. فسمعت عددا من الأساتذة، واستقرّ رأيي في نهاية المطاف على اختيار دروس الرفاعي. أشرطة ضبط الصوت التي سجّل بعضها والدي، حين تتلمذ على الرفاعي، فطلب منه وحفّزه على تسجيلها، وما زلت اذكر عبارة الرفاعي الوجلة – في حينها -: “كيف توضع أشرطتي إلى جانب أشرطة أساتذتي؟” انسجمت مع اللغة والأسلوب، ومستوى الشرح المعتدل، لا المسهب، ولا المطنب.

وان كان الرفاعي جزءا من “معارضة صدام”، لكن التربية التي تلقيتها من بيئتي الإيرانية، علمتني أن أتجاوز هذا الحب والكره، واجعل الهدف نصب عيني. فاستمعت لأشرطة كتاب “المنطق” لمحمد رضا المظفر، ثم الحلقة الأولى من “دروس في علم الأصول” لمحمد باقر الصدر، وكتبت كل شاردة وواردة ذكرها الرفاعي، وما زلت احتفظ بها إلى يومي هذا.

في المرحلة التالية، دخلت الحوزة للدراسة المباشرة. لكن رفضي لـ”معارضة صدام” حال دون دخولي الحوزة العراقية، لأن الحوزة العراقية مجموعة مدارس، كل واحدة منها تابعة، أما لشيخ فلان أو سيد فلان، وجميعهم من أقطاب “معارضة صدام”. سألني في حينها أحدهم: كأنك تكره المعارضة أكثر من صدام؟ قلت: نعم! صدام أهانك، لكن معارضته أهانتني.

وان كنت ازدري رؤوس المعارضة، لكني كنت أتابع جميع خلجاتهم لسببين: كنت أفكر أن أثبّته للتاريخ، وأحاول أن أستفيد من كل ما يصدر عنهم، للتعرف على بلدي، واكتشاف ثقافتي العربية، كي أتسلح بها مقابل الآخر الذي يحتقرني، ولم أر أمامي نافذة مطلّة على العراق سوى هؤلاء؛ لأنه لم يتوفر بديل. لم أكن اسمع يومها بكائن اسمه النت أو الفضائيات، وكنا نعاني شحّة المصادر العربية، والمعاصرة منها خاصة. لهذا كنت أحاول رصد كل ما يصدر عن الجالية العراقية،كي اقوي لغتي العربية بها. أنا الذي أمضيت كل حياتي في البيئة الفارسية. لكن الرفاعي كان غائبا بالنسبة لي في هذه السنوات، فهو لا يرتاد الحسينيات العراقية، ولا يلقي الخطب الرنانة فيها.

حتى دخلت كلية العلوم السياسية عام 1995. وحين بدأت بكتابة البحوث، عثرت على كتاب “مصادر الدراسة عن الدولة والسياسة في الإسلام”، 1986. ثم “معجم ما كُتب عن الرسول وأهل البيت”، وهو موسوعة تقع في اثني عشر مجلدا، 1991-1995. ومجلة “قضايا إسلامية”، التي أصدرها عام 1994، وموسوعة “مصادر النظام الإسلامي”، تقع في عشرة مجلدات، 1996. هنا أحسست بأني أمام معجمي عراقي مختلف. موسوعي ببليوغرافي، بينما في الغالب ـ في حدود اطلاعي ـ الإيرانيون هم الببليوغرافيون والموسوعيون.

سرعان ما فوجئت بتوقف مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1997، وصدور مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” في السنة ذاتها. أثار استغرابي هذا الأمر، فسألت عنه. عرفت أشياء عن علاقته بحزبه السابق. فاكتشفت أن الرجل قطع ارتباطه التنظيمي بحزب الدعوة سنة 1984، أي خرج من “معارضة صدام”. واعتزل السياسة وتفرغ لتجديد الفكر الديني. في الحقيقة كان هذا الخبر بشرى بالنسبة لي. لكنني في حينها كنت أصنّف الخارجين من حزب الدعوة على أصناف ثلاثة:

صنف لم يحصل على الموقع الذي يطمع فيه، لهذا يكتب ويتخذ مواقف مناقضة لما كتبه بالأمس. والشواهد على ذلك ليست قليلة.

والصنف الثاني من يُصدم من الدكتاتورية والاستبداد والاستحواذ والاستفراد والاستئثار لدى قادة المعارضة، ويقرف من سلوكياتهم فيخرج من الحزب.

والصنف الثالث من تتوالد أسئلة في ذهنه، من يتمكن أن لا يبقى في مثل هذه الحركات الدوغمائية، حسب تقديري آنذاك. وهؤلاء أيضا لا يستطيعون التحرر من الدوغمائية الفكرية والبنية الصلبة الداخلية والحنين للماضي. ويبقون يقدسون وثن الحزب. فحسبت الرفاعي من الصنف الثالث وهو أشرفها وأوعاها عندي.

ثم كانت اللحظة “الخاتمية” في إيران، وجيلنا خاتمي الفكر والتوجه… مسلماتي انهارت أمام أسئلة أساتذتي في العلوم السياسية، وأهمهم الدكتور حسين سيف زاده.كنت كالغريق أتشبث بكل قشة، والتفّت نحو كل حدب وصوب، ابحث عن ناصر ومعين يعينني على الوصول إلى إجابة عن الأسئلة الجديدة، ومنجّ يخلّصني من قلق المعرفة. في هذا الوقت، نهاية عام 1997 صدرت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، واكتشفتها منذ عددها الأول، لأنها كانت ضالتي…المجلة عرّفت نفسها بأنها: “مجلة فصلية فكرية تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر”.

أحسست بأنها هي التي اطلبها، وإنها صدرت بالضبط في الوقت الذي احتاجها فيه، وفي الموضوع الذي اطلبه. حملة خاتمي كانت تحت عنوان “المجتمع المدني الديني” حفّزتني كطالب حوزة يدرس العلوم السياسية، أن اكتب في الفكر السياسي الإسلامي، ووفّرت لي هذه المجلة المادة العربية الكافية، لأنها خصّصت عددها الأول والثاني للفكر السياسي الإسلامي. لغة المجلة عربية معاصرة سليمة، التعاطي معها يقوّي عربيتي. كنت أحسّ بأني أقرأ شيئا مميزا، ما كان أقراني من طلبة الحوزة العراقيين في الغالب يقرؤون مثله.

محور العدد الثالث هو “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على أسماء من قبيل: محمد عابد الجابري، برهان غليون، محمد أركون، هشام شرابي، علي حرب، طه جابر العلواني، حسن حنفي، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي… وغيرهم، من خلال هذه المجلة. القراء العرب اكتشفوا الساحة الثقافية الإيرانية التجديدية، من خلال النافذة التي فتحتها هذه المجلة، لكنني اكتشفت المشهد الثقافي العربي من خلالها.كان المصدر الوحيد للمنشورات العربية بالنسبة لنا هو معرض طهران الدولي للكتاب. وعادة ما اكتشف أسماء المفكرين من خلال هذه المجلة، وأقتني الكتب من المعرض.

توالت محاور المجلة: “اتجاهات جديدة في التفسير: التفسير الاجتماعي والتوحيدي والبنائي والسُنني 1998” و”إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا إسلامية المعرفة والمرأة 1999″…وغيرها. في العام نفسه سجلت رسالة ماجستير في العلوم السياسية عن الحركة النسوية والفمنزم، وشكّل لي ملف المرأة مادة مرجعية غنية للمطالعة حول التوجهات الجديدة للمثقفين الدينيين في خصوص قضية المرأة.كنت انتظر صدور المجلة بفارغ الصبر، لتفتح علي آفاقا وعوالم جديدة من المعرفة. وان كانت أصبحت لا تطبع ولا توزع ولا تباع في قم، لكنني احصل عليها بالوسائط.

كنت أتفاعل مع كل محور يصدر فيها: “منهج التعامل مع القرآن،  1999″، “فلسفة الفقه 1999″، “مقاصد الشريعة 1999 -2000″، و”قراءات في فكر الشهيد الصدر 2000″… كلها تشكّل لي مادة للمطالعة والتدبّر، وبعض الأحيان الكتابة باللغة الفارسية.

في العام نفسه (2000) صدر كتاب الرفاعي: “محاضرات في أصول الفقه”، وهو شرح للحلقة الثانية لأصول الشهيد الصدر في مجلدين، وعلى الرغم من أني أنهيت دراسة الحلقة الثالثة، لكنني اقتنيته وقرأته بدقة، واستفدت منه كثيرا، وعرفت أن صاحبي فقيه كلاسيكي أيضا. في العام التالي (2001) صدر له: “مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وهو شرح “بداية الحكمة” للعلاّمة الطباطبائي في مجلدين، وكنت في حينها قد فرغت من دراسة “نهاية الحكمة”، اقتنيته وقرأته بدقة، أما مقدمة الكتاب فصرت أعيد مطالعتها، حتى حاولت حفظ معلوماتها ومعطياتها. في العام نفسه، فتحت المجلة محورا جديدا وتوقفت عنده كثيرا، إذ صدرت الأعداد من الرابع عشر إلى الثامن عشر، جميعا تحت عنوان: “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” 2001 – 2002.

حتى ذلك الحين كنت مهتمّا بالفقه والأصول والسياسة والفكر النسوي. ومقتنعا بأن إصلاح المجتمع يتم من خلال إصلاح وضع المرأة، وهو يتم من خلال الفكر النسوي. لكن أستاذتي حميراء مشير زاده، التي كانت تشرف على أطروحتي في الفمنزم، ومن خلال حوارات طويلة أقنعتني أن وضع المرأة ليس منفكّا عن وضع الرجل والمجتمع. ولا يصلح وضعها إلا من خلال تنمية المجتمع. وإذا صلح المجتمع يصلح وضعها تلقائيا. فصارت أولويتي الأولى الاهتمام بفكر التنمية ونظرياتها.

كنت مستغرقا في دراسة الفقه وأصوله والعلوم السياسية، إلا أن معرفتي بأبحاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد متواضعة، ولأول مرة ومن خلال هذه المجلة، اكتشفت فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفي مرحلة لاحقة توصلت إلى انه لا تقوم لمجتمعاتنا قائمة إلا من خلال إصلاح الفكر اللاهوتي. ما دام لاهوتنا باقٍ على ما قرّره لنا الأسلاف، الأشعري بالذات، نبقى ندور في الدوامة نفسها، ولا ينفعنا فكر التنمية، ولا الفكر النسوي. حتى المفكرين الإيرانيين الذين كنت احضر في حينها محاضراتهم بشكل مباشر، صرت استرشد آراءهم من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

لم يكن بوسعي قراءة كل ما يكتبون. فكنت أتابع المجلة، وأقرأ الأصل الفارسي لأي من مواضيعهم التي ترجمت إلى العربية، لأني اكتشفت أن انتخاب الرفاعي للموضوعات انتخاب حكيم متفحّص. وأنا حتى هذه اللحظة أتابع المشهد الثقافي الإيراني من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وما زلت إلى الآن اكتشف كتّابا إيرانيين هامين من خلالها، مثل: “أبو القاسم فنائي”. حين تابعت ملف “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” أحسست بشكل تدريجي بانبثاق فكر جديد، وتفسير جديد للدين، على الأقل في قم وفي ساحتنا العراقية.

قبل ذلك كان هناك تياران ومدرستان يتجاذبان ساحة الفكر الديني آنذاك في قم:

التيار الأول: هو تيار الحوزة والمرجعية التقليدية، التي تتبنى التفسير الكلاسيكي للدين، ويمكن اعتباره ممثلا للتوجه “السلفي” في المذهب الشيعي.

التيار الآخر: الأحزاب الإسلامية وأصحاب مشروع الدولة الدينية، وهم أشبه ما يكون بـ”الأصولية الشيعية”، وهو يستلهم أفكاره من تراث سيد قطب، التيار الذي تربع على عرش السلطة منذ 2005 في العراق، وقدّم أتعس نموذج للحكم.

التيار الأول كان يعدّ الثاني مارقا وابنا عاقا له. لكن الثاني ما تعلّم درسا من قمع الأول له، بل هو بدوره مارس قمعا أبشع بحق كل من يفهم الدين بصورة مختلفة عنه.

ومنذ هذا العام بدأت ارصد بزوغ تفسير ثالث وقراءة ثالثة وفهم ثالث للدين – في وسطنا العراقي في حوزة قم – لا هو كلاسيكي أو تسامحا “سلفي”، ولا هو “أصولي”، بل “تيار التنوير الديني”، وهي ظاهرة كنت ارصدها عند الإيرانيين فقط. فظاهرة المثقف الديني التي نمت نواتها الأولى عند الإيرانيين منذ عقود من الزمن، ويمكننا عدّ: نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي…وغيرهم من أعلامها على ساحتنا العربية. لكني لم اكتشف عراقيا في هذا الوادي.

لا أريد أن اظلم الآخرين فكان لأساتذة آخرين دور محترم وجهود مشكورة وكتابات مفيدة في هذا الخصوص، لكن لم أر أحداً يرفع راية التنوير الديني ويتبنى مشروعها غير الرفاعي ومجلته.

تناغم هذا التفسير مع روحي وفطرتي وعقلي أكثر من التفسيرين الآخرين، ذلك أني وجدته أكثر احتراما للإنسان وإنسانيته، وهو أكثر إجلالا وإعظاما وإكبارا لله. لهذا رفعت الحجاب بيني وبينه وقصدته، وكانت بداية علاقتي المباشرة معه، بعد ما استمرت علاقتي الغير مباشرة به ثمانية عشر حولا.

 

المحطة الثالثة: 2002 فما بعد

سجّلت في عام 2002 رسالة ماجستير في أصول الفقه، واخترت الرفاعي مشرفا عليها، وبدأت علاقتي المباشرة به…كان يتحفني بكل غال وثمين من مكتبته، ويجمعني منزله بنخبة المثقفين الإيرانيين والعراقيين…بيته، مكتبته، صدره…كان مفتوحا لي، ولكل طالب علم ومعرفة.

بعد أن انتهيت من الرسالة وناقشتها، توقعت أني سأخفّف عن الأستاذ ولا أتجاوز على وقته، لأن السبب الحقيقي للتواصل المستمر قد انتهى. فوجئت باتصاله بي ودعوتي، وظل يحثني على استمرار الصداقة والتواصل. وهذا الأمر لم أعهده من أي استاذ آخر. لأنه لم يكن بحاجة لي أبدا، بل العكس تماما، أنا كنت محتاجا لأخلاقه وروحه وعقله وعلمه وعلاقاته.

وبالفعل نشطت علاقتنا أكثر، وأصبحنا مقربين أكثر، حتى دخل هو الوظيفة ببغداد عام 2005، وتصدى للعمل الوظيفي “مستشارا ثقافيا في رئاسة الجمهورية”. مرة أخرى انسحبت قليلا إلى الوراء، كي اترك للرجل حريته في اختيار علاقاته الجديدة، كما هو المعهود من اغلب من عرفتهم ودخلوا السلطة. لكن هذه المرة أيضا فاجأني بأنه هو هو. لم يتغير فيه شيء…فشخصيته التي صاغها عبر عمر من التجربة وكسب المعرفة، وتهذيب النفس، ما كانت تتأثر بهذه المتغيرات العابرة.

ومنذ ذلك الحين غير الأمسيات التي كنا نقضيها في منزله بصحبة ثلّة من أهل العلم والمعرفة،كان كثيرا ما يدعونا لتناول العشاء في أفضل مطاعم قم، وتتحول مآدب العشاء إلى حواريات ثقافية، تستمر أربع أو خمس ساعات. وكانت لنا أنا وإياه جولات رياضية. نخرج في مشي سريع نجوب شوارع قم،كنشاط ضروري لحفظ توازن الصحة، وخلالها نتحاور بما هو مسموح وممنوع، وكانت أفضل حواراتي العلمية وأكثرها حرية، أمضينا مئات الساعات معا خلال العقد الماضي، نناقش مختلف القضايا الفكرية والحياتية مشيا. ربما شكّلنا معا نواة المشّائين الجدد من حيث لا نعلم.

مثّل لنا الرفاعي البديل الديني عن الحوزة والإسلام السياسي في قم، وهو ما كان مفقودا عراقيا، لكن فوجئت حينما سافرت إلى العراق بعد تغيير النظام، أن المهتمين بالفكر الديني الحديث كانوا يعرفونه منذ عهد الحكم السابق، وكانوا يتعاطون المجلة ومؤلفاته، من خلال استنساخها في سوق “المتنبي” للكتب، وتداولها بينهم… رأيت أن مشروعه حمل راية التنوير الديني في العراق، حتى قبل عودته للعراق. الرفاعي لم يبق مثقفا دينيا وحسب، بل رفع راية للمثقف الديني، نتفيأ ظلها.

في هذه المرحلة لم تكن علاقتي بالرفاعي من خلال المجلة أو الكتب، بل التعايش والتعامل المباشر. اما المجلة التي واكبتها منذ عددها الأول، فواكبتني وساهمت في صناعة لغتي وثقافتي، حتى تمكنت أن أكون مساهما فيها من خلال الترجمة منذ مطلع عامها التاسع في العدد الواحد والثلاثين (2007) حتى اليوم.

في الحقيقة كنت انهل من علمه في العقد الثاني من تعرّفي عليه، ولكن في هذه المرحلة إضافة للعلم والمعرفة صرت أنهل من شخصه، واكتسب نهج الحياة أكثر من اكتساب المعلومات. أحاول هنا أن أسجّل أهم ملامح الرفاعي الذي اكتشفته خلال هذا العقد الأخير من التعامل المباشر معه.

الرفاعي الإنسان والمشروع

کنت اريد التحدث عن الرفاعي كإنسان، ثم عن مشروعه. لكن كلما فكرت وجدت أن كل صفة فيه منعكسة في مشروعه، وكل ميزة لمشروعه فيه، هو مشروعه ومشروعه هو… يبدو انه حمل هذا المشروع في أحشائه، وغذّاه من روحه، وأنجبه نسخة منه، واستمرارا لوجوده. بحيث يبدو لي كأن الاثنين واحد. لهذا لا أرى التفكيك بينهما سهل، وليس بوسعي إلا أن أتكلم عن الاثنين في آن واحد. فسماتهما واحدة، وخير دليل لفهم مشروعه قراءته هو.

هدف الرفاعي الإنسان والمشروع

هدف الرفاعي ـ الإنسان والمشروع ـ كما يبينه هو في كتاباته: “فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير. ومن الواضح أن تحديث التفكير اللاهوتي يتطلب تساؤلات واستفهامات جديدة، ومراجعات نقدية للتراث الكلامي، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب. والسعي لترسيخ صورة للإله، تستوحي صفات الرحمة والمحبة والسلام، ونحوها من صفات الرحمن، وتستلهم ما يتحلى به الله تعالى من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب، العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد، الصبور،…الخ”.

البنية الصلبة

قد يتصور البعض أن الرفاعي الذي يتحمل الآخر، ويتيح الفرصة له لطرح آرائه، تحلّلت البنية الصلبة داخله وتحرر منها. إذا كانت البنية الصلبة هي الإيديولوجية فهذا الكلام صحيح، ولكنه ما زال مسكونا ببنية صلبة، وهي القيم الأخلاقية والمعايير القيمية… محبة الآخر، الصدق، الأمانة، الوفاء للصداقة، الكرم، مساعدة الناس، احترام الناس… قيم وأخلاقيات محكوم بها الرفاعي، نتيجة البنية الصلبة التي تسكنه.كذلك هو مشروعه، يتوافر على بنية صلبة، هي التي ساعدته على أن يسلك خطاً واضحا وثابتا منذ العدد الأول والى آخر عدد صدر من مجلته.

فقيه غير معمم

اعتقد بأن دراستي مدة عقدين للعلوم الدينية، العقد الثاني منها (2001 -2011) عند ابرز أساتذة البحث الخارج، وأشهر الفقهاء في حوزة قم، تؤهلني لأن أميز بين المجتهد وغيره. وعليه يحقّ لي أن اشهد لأستاذي بالاجتهاد، حسب التعريف الكلاسيكي للاجتهاد في الحوزة العلمية. فإحدى ميزات الرفاعي التي ساندت مشروعه هو بلوغه درجة الاجتهاد فقهيا، وهذا من النوادر جدا بين الذين ارتادوا هذه الساحة، واهتموا بهذا النهج الفكري. هو فقيه حوزوي، وان لم يعتمر عمامة، فمما يميزه عن المثقفين المهتمين بالبحث والكتابة في الدين في العراق والبلاد العربية انه فقيه محترف.

لقد تكوّن، بشكل تدريجي، تيار من تلامذة وأساتذة الحوزة غير معممين في وسطنا العراقي. بحيث أصبح اليوم وجودا معترفا به داخل الحوزة. رائد هؤلاء وأبرزهم وأشهرهم هو الرفاعي. يمكنني وصف هذا التيار “تسامحا” بـ”الرهبنة الجديدة الشيعية”، بمعنى انه نمط جديد من رجال الدين الشيعة، بزيّ جديد ووظائف مختلفة. انه غير مستعد للتنازل عن هويته الدينية، ولا التخلي عن بيان فهمه المعاصر للدين. حتى لو اختلف اجتهاده وفهمه مع الفقهاء الكلاسيكيين. هذا التيار، الذي اعدّ نفسي احد أفراده، غير موجود على الساحة العربية. فالمثقف المهتم بالبحث والكتابة الدينية في بلادنا في الغالب لم يتخرج من الحوزة أو العلوم الدينية الكلاسيكية بشكل محترف، وحتى الحوزويون منهم وهم قلائل،لم يبلغوا في دراستهم درجة الرفاعي. امتاز مشروع الرفاعي أيضا بالخبرة التراثية، فلا ترى فيه الشطحات التي غالبا ما تسقط فيها سائر مشاريع الحداثة الدينية، نتيجة قلة خبرتها بالعلوم الدينية الكلاسيكية والتراث.

إحدى وجوه أهمية مشروعه أنه تكلم وهو في قلب الحوزة، وطرح فهمه وتفسيره ومشروعه من داخلها، ولم يخرج منها أو يبتعد عنها أو يصطف مع مناهضيها ودعاة القضاء عليها وتقويضها.

العطاء

لطالما شاهدته وهو ينشد المحتاج، ويطلب الصداقة ممن هو أحوج لصداقته منه… إن اكبر رصيد يملكه الرفاعي هو شبكة علاقاته الفريدة. الشبكة التي بذل في سبيلها الغالي والنفيس من روحه وعقله وعلمه ووقته وماله… حتى بناها، يقدّمها بكل كرم وسخاء لأصدقائه. يعرّف هذا على ذاك، ويُقرّب ذاك من هذا. يتوسط لأحدهم عند الآخر، ويحصل على دعم من شخص لثانٍ، ويشغّل بعضهم عند البعض الآخر. ينجز هذه المهمة بحنكة وحكمة واتزان…لا يبسط يده كل البسط، فيندم بعدها، ولا يقبضها.

وطبيعي إن من يعطي أعز ما يملك لأصدقائه، لا يبخل على مشروعه الذي هو ابنه الروحي ووليد نفسه، لذلك أعطى كل وجوده وسخّر ما لديه، حتى تضافرت جهود الأسرة بمجموعها، خاصة زوجته الكريمة الأستاذة انتزال الجبوري لانبثاق هذا المشروع واستمراره.

والمشروع بدوره معطاء أيضا، معطاء للقارئ الذي ينهل منه المعرفة وللمشارك. فكانت تجربة المشاركة فيه معطاءة لكثير ممن شاركوا فيه، إذ ساهم في صناعة اسمهم، وواضح كم هذا الأمر مهم بالنسبة للكاتب غير المعروف.

النظرة الايجابية والأمل

تمتع الرفاعي بنظرة ايجابية للحياة ولأصدقائه، وما يحيط به. ومديحه السريع لأصدقائه بمجرد أن يأتي ذكر أحدهم، نتيجة هذه النظرة الايجابية. تنعكس هذه النظرة على مشروعه بشكل أمل بالإصلاح. ما كان للمشروع أن يصمد لعقد ونصف من الزمن ضمن هذا الواقع الذي نراه، لولا هذه النظرة الايجابية والأمل بالمستقبل.

أسّس الرفاعي مركز “دراسات فلسفة الدين” في بغداد سنة 2003، في ظل ظروف يصعب التفكير بمشروع كهذا فيها، وأعلن أن أهداف المركز هي:

1ـ الدعوة للتسامح، وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر.

2- إشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات.

3- ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

4- الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة.

5- تعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث كافة، واستبعاد العناصر القاتلة والميتة، واستدعاء العناصر الحية منه ودمجها بالواقع.

6- تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها.

7-  تدريس وتعليم ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية.

8- تطهير التدين من الكراهية والإكراه.

9- تحــريـر فهم الــدين من المقــولات والأفكار والمــواقــف التعصبيــة والعدوانية.

10- الكشف عن الأثر الايجابي للفهم العقلاني الإنساني للدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

11- تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه.

12- بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك.

13- التثقيف على الحريات وحقوق الإنسان، وتجفيف المنابع التي ترسّخ مفاهيم الاستبداد، وتعمل على صياغة نفسية العبيد في المجتمع.

14- تجلية الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والجمالية والمعنوية المضيئة في الدين والتراث.

15- تنمية التفكير والتدريس والتعليم والبحث والاجتهاد في فلسفة الدين وعلم الكلام.

وأدى المركز من خلال نشاطاته ومنشوراته دورا هاما في هذا الحقل، وما زال يسعى  لتأسيس كلية (فلسفة الدين) بعد تأمين المتطلبات والإمكانات المادية والعلمية.

الدعوة للنقد وتقبله

نظريا يقول الرفاعي: “النقد مصدر التطور الفكري والاجتماعي، والنقد أساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها، للثقافة والتجربة والتاريخ والتراث والاجتماع الإسلامي. ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف إلا بتجذير ملكة النقد وتكريسها”. وعمليا نراه على صعيد مشروعه سنّ سنة “نقد العدد الماضي” في مجلته والتزم به. وكذلك حاول من خلال مشروعه وما نشر، “الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة” في آن واحد.

هذا الرفاعي المشروع، أما الرفاعي الإنسان، فهو أيضا يتقبل النقد بكل رحابة صدر، وإن كان من اصغر تلامذته.

التدين

يعتقد الرفاعي أن: “الإنسان كائن متدين، والحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأً انطولوجيا لا يُروى، إلا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن أن تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام للتراحم والمحبة والجمال في العالم، … وليس بوسعنا بناء بلادنا إلا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية”.

لا يسمح المقام هنا للدخول في الحديث عن معنى الدين والتدين. ولكن أرى من المناسب أن أقدم شهادتي من خلال مواكبتي للرفاعي، أنّ الرجل يعيش جوهر الدين في باطنه، وله تجاربه الروحية الفريدة. روى إحداها للقارئ فيما كتبه عن زيارته لمولانا جلال الدين الرومي، أو ما كتبه عن بعض سفراته للحج. وملتزم عمليا بحذافير الشريعة في سلوكه، لا يفارق دينه في مختلف حالاته وسلوكه، وهذه حالة نادرة عند التنويريين.

ومشروعه أيضا لم نره يوماً يهاجم الفكر الديني الكلاسيكي، أو يقدح به ويجرح أتباعه، ويحتفظ بعلاقات طيّبة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل يحاول أن يطرح ما يراه ، من دون هجوم على الآخر وعلى التدين التقليدي.

نبذ التعصب والعدوانية والاستغلال

يعتقد الرفاعي، مثلما ورد في بيانه: “إن السلام هو سبيل الأمن الاجتماعي والعيش سويا، ولا نجاة للعالم إلا بالتشبث بالوسائل السلمية لحل المنازعات، والتخلص من بواعث العنف والحروب. تشدد رسالة الدين ومقاصده الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب.”

وفي مشروعه لا يدّعي احتكار تمثيل الفكر الديني. لكن يحاول إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية.

فلا نرى في مشروعه ما يمسّ الآخرين أو يجرحهم أو يتجاوز عليهم. ولا يمارس سياسة التهكم على مقدس للناس، ويحذّر من “جرح الضمير الديني للغير”.

كذلك هو كشخص في حياته، لم يشهد له موقف عدائي من سائر التوجهات الفكرية أو أتباعها. ولهذا يجمع بين أصدقائه بين المتدين التقليدي، والمتنور، وغير المتدين، واللاّديني.

لم يدّع التنزه والفوقية

يقول الرفاعي: “لا يعني التدين الذي ننشده اختزال الإنسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيّره كائنا سماويا مجردا منسلخا عن عالمه الأرضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني هذا التدين إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع إيقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها.”

وعلى الصعيد العملي لم نرَه يوما ادّعى تنزيه ذاته، وإعلان تفوقه على سواه، أو ادّعى التجرد والمثالية، بل يؤكد دائما على ضعفه، وعمق احتياجاته البشرية، كذلك مشروعه الفكري،لم يعدّه سوى محاولة على سبيل الرشاد. ولم يتصور أو يدّعي يوما أنّ مشروعه سوف يغيّر العالم.

ولم نسمعه يوما يتكلم بلغة التكليف الشرعي، والمتاجرة بالدين، والمزايدة بالوطنية، وإدّعاء التضحية في سبيل الناس، والتنكّر للطبيعة البشرية.

التسامح

يدعو الرفاعي: “للتعددية والتسامح، وإرساء قيم الاختلاف واحترام الآخر. وإشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات. تحرير فهم الدين من المقولات والأفكار والمواقف التعصبية والعدوانية. تطهير التدين من الكراهية والإكراهات”.

أي شخص يعرف الرفاعي يشهد له أن التسامح من سماته الأخلاقية، وشهدنا مواقف كثيرة من تسامحه وسعة صدره، حتى مع من تجاوز عليه أو حتى خانه، خلال مواكبتنا له، لكنّ المقام لا يسمح بسرد القصص، أو ذكر الأسماء بسوء، فهذا خلاف نهجه التسامحي.

كما إن مشروعه منذ عشرين عاما تقريبا، لم يصطدم بأي مشروع آخر، بل نأى بنفسه عن الصراع والتنافس الذي لا يليق بالعمل العلمي الرصين.

مثلا في بعض الأحيان، يعدّ ملفا للنشر، وينفق عليه العمر والمال، لكن قد يسمع بمؤسسة أخرى تعدّ عملا مشابها، أو قريبا منه، فيتخلى عنه على الرغم من أنه بدأ به قبلهم.

يعلن الرفاعي تبرّمه وأسفه وانزعاجه من أن شطحات بعض طلابه يحسبها بعضهم عليه، على الرغم من رفضه لها، لكنه لم يفرض رأيه يوما عليهم، أو يكرههم على تغيير قناعاتهم، أو سلوكياتهم، أو تصريحاتهم، أو كتاباتهم.

المعاصرة

يعبّر الرفاعي كفرد من خلال سلوكه، وحتى ملبسه، وكمشروع، يعبّر عن: “روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: (الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها). وتبنّي الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزّز المصالحة بين المتديّن والمحيط الذي يعيش فيه”.

 

الدعوة للمحبة

يدعو دائما للمحبة، والى العفو والمغفرة، والى التجاوز عن الناس، والتسامح معهم… ومن خلال مشروعه حاول: “التثقيف على نفي الإكراه في الدين، وتعميم مبدأ (لا إكراه في الدين)، والاستناد إليه كمرجعية ومعيار قيمي في التعاطي مع الآخر، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، واحترام الآخر، والعيش المشترك…وتجذير المفاهيم والشعارات التي تمجد الحياة، وتعمل على تحرير الناس من المقولات الداعية إلى عدّ (الموت أسمى الأماني)”.

يسير مع الجميع لكن لم يتبع أحداً

يعلن على الدوام المبدأ الذي يلخص رؤاه ومواقفه وسلوكه بمقولته: “أسير مع الجميع وخطوتي وحدي .. أتفق مع الجميع وأختلف عن الجميع” . فهو (يتفق مع الجميع)، من دون أن يقلّد، أو يتماهى، أو يحاكي أحدا… و(يختلف عن الجمع)، ذلك أن خطواته مستقلة، ويحاول باستمرار أن  يجترح نموذجه الخاص به.

صادَقَ الرفاعي الجميع، واحتفظ بعلاقات صادقة جادة مع الجميع، وسار مع الجميع، لا لأنه لا لون له، بل لأن له لونه وطعمه وبصمته المتميزة، فالكل يعرفه على أنه الرفاعي ويصادقه. فإذا سار مع أحد لا يصبح تابعا له، بل تبقى خطواته مستقلة.

كذلك هو مشروعه، لا يخاف أن يحمل أفكار المدارس المختلفة، ويبقى على خطه ونهجه.

المشروع من وحي حاجتنا

قد لا يدرك الكثيرون _ وأنا منهم _ أهمية مشروع الرفاعي، وضرورة تأكيده على التسامح والتساهل والتراحم وتحمل الآخر في بادئ الأمر. لأن الاستبداد والدكتاتوريات في بلداننا كانت تمثل قشرة متصلبة غطّت ما تحتها في مجتمعاتنا، لكن اليوم وبعد ما تمزّقت هذه القشرة نتيجة “الفوضى الخلاقة”، وتكشّفت حقيقة ما تحتوي عليه مجتمعاتنا من تناقضات، نرى فائدة التفسير الإنساني للدين الذي دعا له الرفاعي. ففي الزمن الذي كان فيه الذبح علی الهوية أمر غير مستقبح من أية جماعة، حينما لا يتطابق مع الآخر، أصدر في هذا الزمن سلسلة كتاب “ثقافة التسامح” ببغداد عام 2004، صدر منها حتى الآن 20 كتابا، وعرّفها بأنها: “سلسلة كتاب ثقافية شهرية تصدر في بغداد. وتهتم بالتثقيف على: التسامح، ونفي الإكراه والكراهية في الدين، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، والاعتراف بالآخر، واحترام الآخر، والعيش المشترك. ونقد منابع التعصب، ونفي الآخر، والعنف، والتحجر، والقراءة الفاشستية للدين، واكتشاف الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والمعنوية السامية في الدين”.

ولطالما شدّد على أن: “الحاجة ملحة إلى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخاطئ للدين، والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه”.

ولكن من الطبيعي أن لا يسمع صوته، لأن الكلمة أصبحت للمحرّض طائفيا، سواء كان رجل دين، أو سياسة. بينما لو كانت القوى الفاعلة في المجتمع تتبنى هذا الفهم والتفسير للدين لما وصلنا لهذا النفق المظلم الذي سقطنا فيه اليوم ولا يعلم آخره إلا الله.

المجهولية

صحيح أن علاقات الرفاعي النوعية بالنخبة الثقافية في العالم العربي وإيران مميزة جدا، ربما لا يمتلك غيره من أقرانه مثل هذا الرصيد، لكن هذه العلاقات والمكانة مجهولة في بلده، لذلك لم يتبوأ موقعه الفكري الذي يستحقه…ولم يزل يواصل مراكمة جهوده الفكرية ومشروعه التحديثي الرائد وحده. فضلا على أن مشروعه والمجلة بشكل خاص لم تنل حقها من الاهتمام في الدراسات الإسلامية، ولا نجد توظيفا لمحاورها، يتناسب مع عمق وتجديد مضمونها، وكثافة وأهمية موضوعاتها.

لعل ذلك يعود إلى عدم توافر المناخات المطلوبة في بلدنا والعالم العربي لهذا النمط من التفكير الديني. وان كانت هناك آثار غير معلنة، تشي بانطلاقة واعدة في هذا الحقل، وتؤشر إلى تأثير غير منظور لمشروع الرفاعي وكتاباته ومجلته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، فمثلا قررت وزارة التعليم العالي العراقية فرض مادة “فلسفة الدين” كمقرر دراسي في أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية كافة، كما سُجلت ونوقشت أطروحات عديدة تناولت هذا الموضوع. بينما لم يعرف من قبل حقل في الدراسات الدينية عنوانه “فلسفة الدين” في العراق. كان الجميع يسأل عندما يطلع على المجلة ويقرأ “يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين” ما المقصود بفلسفة الدين؟ وكل منهم كان يحسبها ما يسمى بـ”الفلسفة الإسلامية”.

يبدو أن المركز ومطبوعاته ومجلته أدى دوراً هاماً في توجيه الدراسات الدينية في العراق وغيره.

لكن الرفاعي ومشروعه تنبهت له مؤسسات ومنتديات ونخب هامة خارج بلده…فقد وقع الاختيار على مجلة قضايا إسلامية معاصرة دون سواها، بوصفها دورية فكرية جادة ومتميزة ورائدة في تحديث التفكير الديني في الإسلام، في العقدين الأخيرين. حين خصّص “المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية” في روما كتابه السنوي للعام 2012 لإصدار ترجمات ايطالية وانجليزية وفرنسية لنصوص منتخبة مما نشر في المجلة في مختلف محاورها، وعنون الكتاب بـ”الإشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا إسلامية معاصرة”.

ثم تلته مبادرة “حركة أنطلياس الثقافية” بلبنان في تكريم عبد الجبار الرفاعي، وقد كانت محفزاً لمؤسسات إعلامية عراقية للانضمام إلى المبادرة، فأصدرت صحيفة المدى ملحق “عراقيون” حول الرفاعي، وخصّصت احتفالية في المتنبي للمناسبة نفسها. تلاها ملحق صحيفة العالم، ثم احتفالية في النجف وأماكن أخرى داخل العراق. والذي شجّع بعض أصدقائه وتلامذته على القيام بمشروع الكتاب التذكاري.

كان لهذه الجهود دور هام في التعريف بالمشروع، لكنها ما زالت تحتاج للمواصلة كي ترسّخ دعائم هذا الفكر التحديثي في مجتمعاتنا.

“ماركة” الرفاعي

قال لي صديق مثقف خبير: “لو كانت حكومة من حكوماتنا تريد إخراج مجلة بمستوى قضايا إسلامية معاصرة، لاحتاجوا إلى عمارة من ستة عشر طابقا… وفي النهاية ربما لا تخرج بهذا المستوى”. بعد عدة عقود من العمل المضني نحت الرفاعي من اسمه “ماركة” دليل على جودة المنتج الفكري. لهذا اختاره العشرات من طلاب الدراسات العليا كي يكون مشرفا على أطاريحهم.

متصوف خارج التصوف الطرقي لم يكتشف بعد

الكثير من أصدقائه لم يكتشف بعد النزعة الصوفية في شخصيته وجنوحه للفكر العرفاني. صورة ضريح مولانا الرومي، التي وضعها غلافاً للطبعة الأخيرة من كتابه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، تشير لهذا التوجه. فهو متصوف في رؤيته النورانية للوجود وروحه وأخلاقه، لكنه لا ينكّل الجسد، ولا يحرم نفسه من مباهج الحياة، ولا يتظاهر بالقداسة، ولا يمارس الدروشة، ولا يقدّس شيخ طريقة…انه يغرق في تجربة روحية باطنية، تشي بتصوف فلسفي أخلاقي، لا تصوف طُرُقي.

ما زلت اكتشفه

بعد هذه المسيرة الطويلة لي بمعايشة الرفاعي، والتي شارفت على دخول عقدها الرابع، ما زلت اكتشف الرجل. صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنه يضع كلا منها في موقعها…شغفه واطلاعه بالأحجار الكريمة، اهتمامه باقتناء المحابس والسبح، ضحكته الصاخبة، عفويته، براءته، عراقيته، بكاؤه، إهتمامه بهندامه وملبسه ومظهره، ذوقه الفني، شغفه بالجمال، هوايته بجمع اللوحات الفنية، زيارته للمتاحف الأثرية والفنية في كل مدينة يزورها، ولعه بالكتب والمكتبات، مشاعره وعواطفه الجيّاشة حيال من يرتبط به بعلاقة، إلحاحه في قضاء الحاجات، الصديق الوفي، فحين يحتاجه احد أصدقائه أو تلامذته يجده بجواره… ربما متحمسا أكثر منه…منضبط بالوقت والمواعيد، مستشار أمين، يذكر أصدقاءه دائما بخير…على الرغم من خبرته الدقيقة بأمزجة البشر وسجاياهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، من خلال خبرة واسعة متراكمة عشرات السنين بعلاقات متنوعة مع الناس، وتكوين علمي جيد في العلوم الإنسانية وعلم النفس. وان كان هو يميز بين مراحل مرّت بها مسيرته الفكرية، لكنني في الحقيقة لا اعدها مراحل، بل تدرج وتطور وتكامل، كتلميذ الطب الذي يصبح جراحا حاذقا… الطريق نفسه لكنه تقدم فيه أكثر وتعمق أكثر.

الرفاعي الذي كان صاحب التفسير الثالث والبديل الديني بالنسبة لي، المختلف (عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين)، في الحقيقة علّمني نهج الحياة أكثر من ما علمني دروسا في الفلسفة أو اللاهوت.

كلمة الختام: كانت بجواره وليست خلفه

لا أطيل أكثر، وأنهي انطباعاتي ببيان حقيقة وهي: أن الرفاعي لم يكن وحيدا في هذه المسيرة وما حققه…أصبح تقليدا أن يقال عن كل رجل ناجح “وراء كل رجل عظيم  امرأة”، ولكن ليس مجاملة كانت السيدة انتزال الجبوري بجواره والى جنبه في هذه المسيرة الطويلة وليست وراءه… وذلك:

حينما تنازلت عن دراستها الجامعية، لرفد مسيرته الحياتية، في الحركة الإسلامية، والحوزة، في المرحلة الأولى من حياته…

حينما تنازلت عن عيشها الرغيد، لتواكب مسيرة شاب مغامر، متهور، حالم، مشرد…

حينما تركت الأهل، واختارت الغربة والمنفى…

حينما تحملت تقشف العيش وقساوة المنفى، واستضافت وخدمت وطبخت للـ”الشباب العراقيين المشردين في المنفى”…

حينما تحملت أعباء المنزل، وحينما أنجبت وربّت وعلّمت أبناءً تفوّقوا في مسيرتهم الأكاديمية والثقافية…ومنهم مدير تحرير المجلة اليوم، الحبيب “محمد حسين الرفاعي”…

حينما قامت بالتصحيح والطباعة والتنقيح اللغوي والتحرير لمجلة فصلية تصدر بحدود 400 صفحة، فضلا على أكثر من 200 كتاب، أصدرها مركز دراسات فلسفة الدين…كانت حوله وبجواره وعضده طوال الطريق، ولم تكن خلفه.

[1] ماجستير شريعة، وماجستير علوم سياسية.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

تحية للجيل الجديد

تحية للجيل الجديد

د. عبد الجبار الرفاعي

حللتُ ضيفًا في ندوةٍ على الجمعية الفلسفية المصرية، بدعوةٍ كريمة من سكرتير الجمعية الصديق حسن حنفي، مساء الأحد 16 يناير 2011، حضر الندوةَ نخبةٌ من أستاذات وأساتذة الفلسفة المعروفين. أدار هو الندوة، وعقّب عليها الصديقُ علي مبروك. قدّمتُ في الندوة ورقةً نقديةً لفكرِ حسن حنفي وفكرِ علي شريعتي، بعنوان: «اختزال الدين في الأيديولوجيا: نقد لاهوت التحرير عند حسن حنفي وعلي شريعتي»، وهي آخر ندوة تحدثتُ فيها قبل غيابٍ عن ندوات مصر 12 سنة. وعلى الرغم من دعواتٍ متنوعة تلقيتُها للمشاركة، إلا أني لم أشأ الحضورَ لأسباب متعددة، تعود لمزاجي الشخصي، الذي ينفر من المدن المفزعة بالضجيج، والمختنِقةِ بالتلوث وتكدّسِ طوابير المركبات في الشوارع. وللشعور بأن مصر لم تعد رائدة الفكر العربي، بعد تمركزِها على نفسها، وانتزاع المغرب الكبير ِهذه الريادةَ منها، بإنتاج مفكرين فرض فكرُهم قوةَ حضوره في المشهد الثقافي والأكاديمي العربي، أمثال: عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري في المغرب، ومحمد أركون في الجزائر، وعبد المجيد الشرفي في تونس، وغيرهم. استطاع الفكرُ العربي مع هؤلاء المفكرين أن ينعطف نحو صيرورةٍ لم يعرفها من قبل، ويطلّ على آفاق جديدة، ويتوغل في حفريات البنية التحتية للتراث، إثر التوظيف الذكي للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة في دراسة التراث وقراءة النصوص، والنظر بعمق في الواقع. أضحت الكتابةُ تعلن مناهجَها بوضوح، وتحدّد أدواتها ومفاهيمها، وتتحدث عن مراميها بصراحة، بلا مرواغات وتلفيقات وتوفيقات متعسفة، تركب وتدمج وتخلط كلَّ شيء بكلِّ شيء.

يعود الفضلُ لناقدٍ وأديب من الجيل الجديد، بتشويقي للاطلاع على جديد الحياة الثقافية بمصر، ومواكبة الروح المتوثبة لجيله. الناقد هو الصديق قحطان الفرج الله، الذي يقوم متطوعًا بمهمة: “سفير الثقافة المصرية للعراق وسفير الثقافة العراقية لمصر”. يحرص قحطان على وضع كلِّ ما يأتي به من انتقاء خبيرٍ للإنتاج الفكري والأدبي المصري بين يديّ. أستعير مجموعةً وأطلع عليها، وأعيدها لأطلع على غيرها، لا أعرف أكثرَ أسماء الكتاب والمترجمين، ودور النشر الجديدة. في معرض القاهرة للكتاب، المنعقد في “24 يناير 2024 – 6 فبراير 2024″، أقنعني قحطان مشكورًا بعمل ندوةٍ لأول مرة في المعرض، أدهشني المعرضُ الذي رأيته أخصبَ كرنفالٍ ثقافي عربي، إن من حيث كثافة الفعاليات والندوات والمحاضرات، أو من حيث غزارة أعداد عنوانات الكتب المعروضة وتنوعها، أو من حيث أعداد دور النشر وبلدانها، أو أفواج الزائرين المكتظة بهم قاعاتُ عرض الكتب، والفعاليات الموازية. اقترحت إدارةُ المعرض لإدارة الندوة أستاذَ الفلسفة في جامعة طنطا الصديق أحمد سالم، وهو باحث جادّ، وخبيرٌ بمشاريع إصلاح وتجديد الفكر الديني في الإسلام. أسعدتني حيويةُ وتدفق وعي الجيل الجديد ممن امتلأت بهم القاعة، خاصة التلامذة الأندونيسيين في الأزهر، الذين حضروا بمعية السفير الأندونيسي بتونس، وتفاعلهم مع رؤيتي للتجديد، وتبنيهم لترجمة أعمالي للأندونيسية.

في الأسبوع الماضي تحدثتُ في “كرسي قنواتي” بمعهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة عن: “الأديان والعلوم الإنسانية”، وهي سلسلة ندوات يقيمها هذا الكرسي، ويقدّمها متخصصون. الندوة تستغرق يومًا دراسيًا من الصباح إلى المساء، في إطار برنامج “شهادة الأديان والعلوم الإنسانية”. مكتبة المعهد أغنى مكتبة في القاهرة، تستوعب 300000 كتابًا. في المعهد جناحٌ مخصّص لزمالات بحثية لتلامذة الدكتوراه، وما بعد الدكتوراه، كلُّ من يظفر بهذه الزمالة، يتكفل المعهدُ سفرَه وإقامتَه المريحة لعدة أشهر، ويوفّر له ظروفًا ملائمة للمطالعة والبحث والكتابة، لا يريد المعهدُ من الباحث أيَّ شيء. يوم الجمعة 17-5-2024 قدمتُ ورقةً في جلستين: صباحية لمدة ثلاث ساعات، وبعد الظهر لمدة ساعتين، لإعادة بناء علم الكلام في ضوء رؤيتي لـ “الإنسانية الإيمانية”، وأعني بها: “مركزية الله في الوجود ومركزية الإنسان في الأرض في سياق مركزية الله في الوجود” على تفصيلٍ شرحتُه في الفصل الرابع: “الكرامة جوهر إنسانية الدين”، لكتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”. الحضور من الجيل الجديد بمصر يناهز الخمسين، تلميذات وتلامذة دكتوراه بمختلف التخصصات في العلوم الإنسانية والأديان. أراهم يبعثون روحًا حيّة في الثقافة المصرية، لفتتني يقظتُهم العقلية، وحيويتُهم الخلّاقة، وأسئلتُهم ونقاشاتُهم الشجاعة. قلّما أطيق التحدثَ أكثر من ساعة، الفضاء الحيوي للدارسين أرغمني على مواصلة الكلام مدة طويلة، لا شك أنه أرهقني لاعتلال صحتي، غير أني كنتُ مبتهجًا لانتعاش الأمل بولادة جيلٍ جديد في أوطاننا، يمتلك شجاعةَ تحطيم الأحلام الرومانسية وأوهام أيديولوجياتنا نحن الآباء، والعبور إلى آفاق العصر، ووعي تحديات الواقع. وجدتُ نفسي أتعامل مع جيلٍ متوثب لديه قدراتٌ استثنائية للعبور وتمزيق الأوهام. لم ألجأ لكلماتٍ مبهمة أو عموميات في الندوة، كنت أسمي الأشياءَ بأسمائها، وكانوا يزدادون اهتمامًا وتفاعلًا وإنصاتًا، ولم أرَ من أحدٍ منهم استنكارًا أو احتجاجًا. قال لي أحدُ المستمعين في الاستراحة: “لأول مرة أستمع لمثل هذا الكلام، لو تحدث دعاة الأديان بهذه الأفكار لاكتست الأرضُ ثيابَ السلام الأبدي”.

منذ رفاعة رافع الطهطاوي “1801-1873” انفتحت مصرُ على الثقافة العالمية، بلا عقدٍ وارتياب وذعر، إثر ذلك الانفتاح احتلت مصرُ الريادةَ في الفكر العربي الحديث، وهيمن إنتاجُ المصلحين والمجددين من العلماء والمفكرين والأدباء والكتّاب على الفضاء العربي، وكانت المجلاتُ الثقافية والأدبية المصرية توزع في العواصم والمدن العربية في الشرق والغرب بآلاف النسخ، وحتى المجلات الصادرة خارج مصر مثل مجلة العربي وعالم الفكر وسلسلة المسرح العالمي الكويتية، وغيرها في دول أخرى، كان محرّروها وأغلبُ كتّابها مصريون. وتسيّدت الدراما والفنونُ السمعية والبصرية المصرية وسائلَ الإعلام المرئية والمسموعة في العالم العربي. وكثيرٌ من الجامعات العربية كان أبرزُ أساتذتها ومؤسسوها الأوائل من الأكاديميين المصريين.

في الخمسين سنة الأخيرة بدأ تمركزُ الثقافة المصرية على ذاتها، وانحسر بالتدريج ألقُها عربيًا، ونساها الجيلُ العربي الجديد، بعد نسيان هذه الثقافة لتواصلها الغزير لقرنٍ ونصف مع الثقافات والعلوم والمعارف والجامعات العالمية العريقة. تمركزُ الثقافة المصرية على ذاتها أنتجته عواملُ سياسية ودينية وثقافية واجتماعية واقتصادية ونفسية وجغرافية متنوعة. اعتزازُ الشخصية المصرية بالانتماء لأرض مصر وحضارتها العريقة، ولنهر النيل بوصف “مصر هبة النيل” كما قال المؤرخ الشهير الملقب بأبي التاريخ هيرودوت “484 ق.م – 420 ق.م”، كان ومازال ملهمًا للهوية الوطنية المصرية، ومصدرَ قوة يحمي وحدةَ الشعب المصري من التصدّع والانقسام، غير أن المغالاةَ في هذا الانتماء وتضخّمه وطغيانه ينتج أضدادَه، كما يحدث لكلِّ شيء يطغى ويتضخم خارجَ حدوده. تفاقمُ هذا التضخم بعد نكسة حزيران 1967 تعويضًا عن الهزيمة، كان أحدَ عوامل تمركز مصر وثقافتها على ذاتها وانغلاقها، وشعورها بالاستغناء عن الثقافات العالمية.

وكان أحدَ أعمق عوامل هذا التمركز أثرًا شدةُ سطوة التيار الأصولي، وتسيّدَ حضوره الثقافي والإعلامي عبر منابر الجمعة ووسائل الإعلام، وانتشار مطبوعاته بأسعار زهيدة، وشبكاته التنظيمية المتشعبة الواسعة الامتداد جماهيريًا، ومؤسساته المالية المعقدة، وروافدها المغذية في مجتمعات الخليج والسعودية منذ النصف الثاني من القرن العشرين. أطلق التيار الأصولي موجة صاخبة من الشعارات التعبوية، والكتابات والمطبوعات المتنوعة، تشدّد على ضرورة رفض الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، بوصفها “معارفَ جاهلية”، كما عبّر الأخوان قطب؛ سيد ومحمد، واشتهر عنوان: “جاهلية القرن العشرين”، وهو كتاب للأخ الثاني محمد قطب، بعد منتصف القرن الماضي.كما صدرت سلاسلُ متوالية من الكتابات التحريضية الرثة، تحذّر من كلِّ معرفةٍ وعلمٍ مستوردة من المختلِف في المعتقد، وتعاظم التفسيرُ التآمرِيّ لنشأة العلوم والمعارف الحديثة، ممن يعتقدون أن حضورَ هذه المعارف والعلوم في مدارسنا وجامعاتنا وثقافتنا أحدُ أدوات شباك الإمبريالية للهيمنة على العالم، وهذا الرأي تلتقي فيه كتاباتٌ يسارية وقومية وأصولية.

وجرى تغييبٌ جائر للكتابات العقلانية لأمثال: طه حسين، وأمين الخولي، وعلي عبد الرازق، وعبدالرحمن بدوي، ومحمود أمين العالم، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وعبد الغفار مكاوى، ومراد وهبة، ونصر حامد أبو زيد، ومئات من مفكري وأدباء ونقاد مصر العقلانيين. بعد تغوّل التيار الأصولي وقعت الفلسفةُ وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة ضحيةَ التخويف من تخريبها للدين والتراث وتهديم القيم، وعندما تفشى التخويفُ شعبويًا انكفئت مصرُ وتقوقعت على نفسها. رحل الكبار، ولم يعد الكتابُ المصري قادرًا على المنافسة في أسواق الكتاب العربية.

البشرى أن جيلَ العصر الرقمي في مصر وغيرها بدأ يحطم بالتدريج أسوارَ تمركز مصر وانغلاقها ثقافيًا على نفسها، وأصبح يرى الأنوارَ بلا حجب، ولم تعد لديه عقدُ النفور من المختلِف في الدين والثقافة. صار هذا الجيلُ يرى آفاقَ الدنيا، بلا أوهامِ الهوية المغلقة وأغلالِ المعتقدات المتشدّدة. تطبيقاتُ وسائل التواصل المتدفقة كشلالٍ تزوّده بجديد العلوم والمعارف وكلِّ شيء مبهِر، ولا تقوى على عنادها الهوياتُ مهما كان تصلّبُها.

الحضارة تختصرها شجاعةُ الذات بعبورِ ذاتها، وقدرتِها على الانفتاح والاستيعابِ النقدي للآخر. لا معرفةَ مكتفية بذاتها، لا ثقافةَ مكتفية بذاتها، لا حضارةَ حيّة مكتفية بذاتها. كلُّ حضارة حيّة مركب تنصهر فيها عصارةُ حضارات. الحضارة لا تزدهر إلا بولادة تفاعلٍ خلّاق للمعارف والعلوم والثقافات والخبرات الإنسانية العالمية المشتركة، تلتقي كلُّها بمركبٍ أكثف وأثرى لتنتج أثمنَ ما ابتكره وأنجزه الإنسانُ في تطوره الحضاري. موكب الحضارات عالميّ في الوقت الذي هو محلي، ومحليٌّ في الوقت الذي هو عالمي. التكنولوجيا، والعلوم الطبيعية والعلوم الصرفة كونية، الكونيُّ في العلوم الإنسانية أكبر بكثير من المحليّ، وإن كانت لا تخلو من بصمةِ ذات العالِم وثقافته وهويته. حين تنغلق الحضارةُ على نفسها تدخل مسارَ انحطاطها وموتها واندثارها[1].

 [1] الرفاعي، عبدالجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 180، 2023، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

 

https://alsabaah.iq/97400-.html

 

 

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا

د. عبد الجبار الرفاعي

‏هجاءُ الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة والتكنولوجيات الجديدة والتقدّم لا يختصّ بعصرٍ دون غيره. الإنسان يخاف من تغييرِ نمط حياته، خاصة إذا كان هذا التغييرُ ينقله إلى طورٍ وجودي بديل، ‏لذلك يسارع إلى الإعلان عن خوفه وتحذيره من كلِّ ما هو جديد. يلازم هذا التحذيرَ على الدوام مديح، غالبًا ما يكون غارقًا برسم صورةٍ رومانسية متخيَّلة لكلَّ شيء ينتمي إلى الماضي مهما كان، ويشتدّ هذا المديحُ إن كان الماضي موغِلا في القدم. ‏أكثر الناس في مختلف العصور مسكونين بـ “وهم الزمن الجميل” الذي مضى. يرون بشاعةَ الزمن الذي يعيشون فيه، ويصفونه على الدوام بأنه أسوأ الأزمنة، ‏ويتوهمون أن الناسَ الذين سبقوهم محظوظون بوصفهم عاشوا زمنًا جميلًا، كان العيشُ فيه سهلًا، وحياةُ الإنسان سعيدة، خلافًا لعيشهم الشاقّ وحياتهم الشقية في زمانهم الراهن.

لا يعلمون أن العيشَ دائمًا كان صعبًا، ممارسةُ الإنسان للمهن كانت قاسية، لأنه يستعمل الآلات اليدوية في الزراعة والحرف اليدوية والصناعات المتنوعة قبل اختراع الماكنة البخارية. أحيانًا يأخذ الموقفُ من تبجيل كلِّ شيء في الماضي طابعًا دينيًا، فيصدر تحريمٌ باستعمال التكنولوجيات الجديدة،كما صدر في وقتٍ مبكر في السلطنة العثمانية تحريمٌ بطباعة القرآن الكريم في المطبعة[1]، ‏وتوالى التحريمُ لاستعمال الراديو والتلفزيون والفيديو وغير ذلك من بعض الفقهاء في أزمنة لاحقة. ‏في كلِّ هذه الحالات تتوالد صورٌ فاتنة متخيَّلة للماضي، ويقع تحت تأثيرِ هذا النوع من الصور المفتعلة كثيرٌ من الناس، الذين لا يعرفون ما تقدّمه العلومُ والمعارفُ والتكنولوجيا لتيسيرِ حياة الإنسان، وتحسينِ ظروفه المعيشية وأحواله الحياتية المتنوعة. التكنولوجيا الجديدة تنتج سلسلةَ مشكلات على شاكلتها، عندما تقضي على نمطِ إنتاج سابق تحدث أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وقيمية وثقافية ونفسية متنوعة،كما حدث بتصفية المهن والحرف اليدوية بالتدريج بعد اختراع الآلة البخارية.

كانت العصورُ الماضية عصورَ استعباد وخضوع، كان الإنسانُ مكلفًا بالطاعة العمياء للسلطان.كي يتمتع الإنسان برعاية السلطان وحمايته عليه ان يكون عبدًا مطيعًا لا ينطق بكلمة “لا” أبدًا. لا أحدَ يتمتع بالحقوق والحريات ذلك الزمان إلا السلطان، السلطان يتكلم والرعية وظيفتها السمع والطاعة. في العصر الحديث ظهرت الحريات والحقوق. الحقوق والحريات تعمل باتجاهين متضادين،كما تسمح للإنسان أن يكون إنسانيًا، تسمح له أن يكون متوحشًا.

أرى من الضروري إعادةَ النظر بتعميم توصيف عصر “التفاهة”[2] للواقع الراهن. الغريبُ أن مصطلحَ “التفاهة” صار لافتةً تُلصق على ما يسود حياةَ الإنسان اليوم، يستعملها كثيرون بأسلوب مبتذل. إذا كان هذا راهنَ وجود الإنسان في العالم، ولكلِّ عصر نمطُ وجودٍ تنكشف فيه كينونةُ الإنسان ويتحقّق نمط وجوده الخاص فيه، فكيف نظهر أنه عصرُ تفاهة، ونضمر الحنينَ لعصور ذهبية متخيَّلة.كان يقال: “دوام الحال من المُحال”، وأضيف إلى ذلك: “عودة الحال إلى الماضي مُحال”. لا يتمكن الإنسانُ من استئناف ماضيه مهما امتلك من إمكانات ووسائل، كلّما حاول العودةَ قبض عليه الواقعُ الذي يعيش فيه وحبسه وعطلّه عن إدراك الأمس واستئنافه كما هو، ومهما فعل سينهك حياتَه ويضيّع مستقبلَه من دون أن يستأنف الأمس.

توصيف عصرنا بـ “التفاهة” يحيل إلى أن العصورَ الماضية كانت ذهبية، وكأن لا موضع فيها للبؤس والشقاء. يتجاهل من يتحدث عن تسيّد “التفاهة” وتغلبها على كلِّ شيء اليوم ذلك البؤسَ والشقاء عندما جرى اجتثاتُ وإبادةُ حضارات الأمريكتين، بعد اكتشاف كولمبس للعالم الجديد سنة 1492، وما تلاه في القرون التالية من تغوّلِ ظاهرة الاستعمار المتوحشة، واسترقاقِ شعوب أستراليا وأفريقيا وآسيا ونهبِ ثرواتها، ومآسي الحربَين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين، وسقوطِ عشرات ملايين الضحايا الأبرياء، وتدميرِ المدن وإنهاكِ كثيرٍ منها، وجريمةِ الكيان الصهيوني باغتصاب فلسطين، وما جرى ويجري من قتل وتشريد أهلها حتى اليوم.

‏أتحدث عن التخويفِ المبالغ فيه من استعمال وسائل الاتصال والتطبيقات الجديدة في الإنترنت، والتشديدِ على أنها شرٌّ مطلق. ولا أريد الغوصَ بعيدًا في ضوء الموقف الفلسفي للفيلسوف الشهير هيدغر بخصوص ميتافيزيقا التكنولوجيا، وما يختبئ فيها من قدرةٍ مهولة على تغيير منظومات المعتقدات والقيم ورؤى العالم والأفكار.

من مكاسب عصر الإنترنت وشيوع وسائل التواصل القضاءُ على “طبقية التعليم”.كلُّ شيء يريد الإنسانُ تعلّمَه اليوم متاحٌ للجميع بمختلف المراحل العمرية، يعلّمه أمهرُ المعلمين بأحدث الوسائل مجانًا. قبل هذا العصر كان أبناءُ الفقراء أمثالي، يوم كنتُ تلميذًا، عاجزين عن تعلّم اللغات والمهارات المتنوعة. أتألم كلّما تذكرت أمنيةً ضائعة في نفسي، بعد تخرجي في الثانوية قبل نصف قرن عندما كنتُ طالبًا ببغداد، شعرتُ بحاجة ماسة لتعلّمِ اللغة الإنجليزية وإتقانِها. سألتُ زملائي الطلاب، أخبروني بأن مَن يريد إتقانَ الإنجليزية عليه الالتحاقُ بدورات مكثفة في “المعهد البريطاني” في منطقة الوزيرية ببغداد، سألتُ عن أجور كلِّ دورةٍ فعلمتُ بضرورةِ دفع مبلغ باهض، لا أستطيع تأمينَه تلك الأيام. لم تتكرّر مثلُ هذه الفرصة، فضاعت هذه الأمنيةُ وأُضيفت إلى ما ضاع من أمنياتي. بعد سنوات طويلة كان باستطاعتي دفعُ المبلغ وقت توفر المال، لكن لم تعد الرغبةُ ممكنةَ التنفيذ، بعد أن ساقتني الأقدارُ بعيدًا عن مثل هذه الأحلام الجميلة.

سألتُ ولدي علي قبل أيام بعد مناقشته الماجستير، ماذا تفعل هذه المدة؟ فقال: انخرطتُ في معهد أونلاين لتعلم أجود طريقةٍ لتحميص القهوة وتحضيرها. قلتُ له: أعرف أنك خبيرٌ في هذه الصنعة، بعد دوراتٍ متعدّدة على أيدي خبراء محترفين، وممارسةِ المهنة منذ سنوات عمليًا، فلماذا تفعل ذلك؟ قال: أدرس في معهد استرالي متقدّم لتعليم تحضير أجود أنواع القهوة وأغلاها ثمنًا، يتولى التعليمُ فيه أكاديميون متخصصون في هذه الصنعة. هذا المعهد من أفضل المؤسسات التعليمية في هذا المضمار، يدرس فيه أونلاين عشرات الآلاف من قارات عديدة، شهادته معتبرة في كل أنحاء العالم، وأجور التعليم لديهم ليست فاحشة. فوجئت بوجود مثل هذا المعهد، فبادرتُ بسؤال: ومَن يريد تعلمَ صنعة أخرى هل هناك مثل هذا المعهد؟ فقال:كلُّ مَن يرغب بإتقان مهنة مهما كانت، يستطيع التعلّمَ وهو في بيته عبر الإنترنت، وكثيرًا ما يكون التعليمُ مجانًا. أردفتُ بسؤال إنكاري: هل تحضيرُ القهوة يتطلب وجودَ مهارات وتأهيلَ متخصّص لا يتقنه إلا مَن يتعلم في مثل هذه المؤسسة الأكاديمية المختصة؟ فأجاب: حجم التداول في سوق القهوة عشرات المليارات، الجيل الجديد مسحور بالقهوة، لم يعد أكثرُهم يشرب الشاي، القهوة شرابُه المفضل في كلِّ الأوقات. عندما رجعتُ إلى محرك البحث لأتحقّق من حجم التداول، قرأتُ تصريحًا لخبيرٍ بسوق القهوة، جاء فيه: “أكد علي الإبراهيم، المؤسس والمدير التنفيذي لتطبيق COFE، وهو عبارة عن سوق إلكترونية للقهوة، أن سوق القهوة العالمية التي يبلغ حجمها اليوم 150 مليار دولار، ستنمو بعشر مرات خلال السنوات الخمس المقبلة، على الرغم من مشكلة الجفاف، وتقطّع سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار البن مؤخراً”[3].

من المكاسب الأخرى لعصرِ الإنترنت وشيوعِ وسائل التواصل الحدُّ من تضخمِ “طبقية العلاقات الاجتماعية” وأرستقراطيتها الممقوتة، وعيشِ الطبقة العليا في حصون منيعة بعيدًا عن المجتمع. وسائل التواصل كسرت حصونَ الأسوار المغلقة، وفكّكت كثيرًا من شكليات البروتوكولات الزائفة، وحاصرت الشخصياتِ السياسية والاجتماعية والثقافية في قصورهم وأبراجهم العاجية، واضطرتهم للخروج والعودة لحياة المجتمع والتواصل مع شؤون الناس وهمومهم.

[1] كتب الفقيه المغربي محمد بن إبراهيم السباعي المتوفى سنة 1332هـ: “رسالة في الترغيب في المؤلفات الخطية، والتحذير من الكتب المطبوعة، وبيان أنها سبب في تقليل الهمم وهدم حفظ العلم ونسيانه”.

[2] صدر كتاب: “نظام التفاهة” للمفكر الكندي آلان دونو، ترجمة وتعليق: مشاعل عبد العزيز الهاجري، 2022، دار سؤال.

[3] العربية.نت، بتاريخ 3 ديسمبر 2023.

 

ثناءٌ على الجيلِ الجديدِ

ثناءٌ على الجيلِ الجديدِ

 د. عبد الجبار الرفاعي

يهجو كثيرون الجيلَ الجديد من الشباب بوصفهم “لا يعرفون ماذا يريدون”، لأنهم يعيشون عصرَ تكنولوجيا المعلومات وثورةَ الفيس بك ووسائل التواصل المختلفة التي تضمحل فيه فضائها حدودُ المكان وينبثق فيها عالَمُ مفاهيم مختلف، ويتخذ فيها الزمانُ وهكذا الثقافةُ والمعرفةُ مفهومًا جديدًا. وربما تمادى البعضُ بتوصيف جيل الشباب بالغباء والضياع واللاانتماء واللامسؤولية عن كلّ شيء. ويمتدحون جيلي والأجيالَ الأكبر عمراً، بوصفها “تعرف ما تريد”، لأن خياراتِهم في المُعتقَد والأيديولوجيا والانتماء كلَّها محسومةٌ سلفًا.

وأظن أن هذا التوصيفَ يخطئ مرتين، يخطئ في المرة الأولى عندما يصف الجيلَ الجديدَ بالضياع، وبأنه “لا يعرف ماذا يريد”، لأن عقلَ الشباب اليوم أنضجُ ووعيَهم للحياة أعمقُ منا حين كنا في مرحلتهم العمرية، عالمُهم مركّب وعالمنا بسيط، عالمهم متنوّع وعالمنا أُحادي، عالمهم نسيجٌ معقد تتلاقح فيه الهوياتُ وتتفاعل فيه الثقافات، ويتوحّد في موكبٌ واحد. إنه عالَم تتوارى فيه الحدود، أما عالمنا فيزدحم بالحدود. وعلى الرغم من اتساع الفردية وترسخّها في عالمهم، إلّا ان كلّ فرد منهم بوسعه أن يتحدّث إلى الكلّ، بل بوسع الكلّ أن يتحدث إلى الكلّ.

أسئلتُهم صعبةٌ تشبه عالمَهم، أما أسئلتُنا فكانت مبسطةً تشبه عالمَنا، قناعاتُهم لا تولد بسهولة كما كانت قناعاتُنا، وقلما يصدّقون الأوهامَ مثلما كنا نصدّق كلَّ ما يُكتب ويُقال، لا يتشبّثون بالأحلام كما كنا نتشبّث بقشة، ولا يصلون إلى اليقين بسهولة، خلافاً لما كنا عليه من فهمٍ ساذجٍ يسوقنا لتصديق الكثير من الوعود الزائفة والأخبار الكاذبة، وما تنسجه المخيلةُ من أحلام رومانسية. الانتماءُ لمعتقَد أو أيديولوجيا أو فكرة لا يتطلّب منا غيرَ حديث يتكلّمه محامٍ بارعٌ في صناعة الكلام. لفرط رومانسيتِنا ضعنا وضيّعنا الأوطان، ولفرط واقعيتِهم ما زالوا يفتّشون بعناد عن دروبٍ للخلاص لا تكرّر متاهاتِنا.

ويخطئ هذا التوصيفُ في المرة الثانية عندما ينعتُ جيلَ الآباءِ بأنه “يعرف ما يريد”، إذ كيف يعرف ذلك الجيلُ ما يريد، وهو لم يكتشفْ حتى ذاته الفردية، فقد أنسته الأساطيرُ المؤسِّسةُ لمتخيَّلِه الثوريّ ذاتَه. كان جيلُ الآباء مولعاً بيوتوبياتِ الخلاص للكلّ، والحريةِ للكلّ، وانصهارِ الكلّ في واحد. كان يحسب أن تغييرَ العالَم تنجزه مجموعةُ شعاراتٍ وأناشيدَ تعبويةٍ تنشد تجييشَ الجماهيرَ وخروجَها للشارع تهتف بـ”الروح بالدم نفديك يا…!”. وهذه النزعةُ قادت ذلك الجيلَ لأن تسعبدَه أصنامٌ مختلفة، كلٌّ منها يظهر على المسرح الاجتماعي بقناعه الخاص، فتارة يصير رجلٌ صنمًا، وأخرى تصيرُ أيديولوجيا صنمًا، وثالثة يصير كتابٌ صنمًا. وكلُ صنمٍ منها يستعبدُ من على شاكلته.

الكثيرُ من الآباء مولعٌ بعبادةِ الأصنام البشرية، وإن لم يجد بعضُ الآباء صنمًا في الماضي يخضع له ويستعبده، ينحت من أحد رجال السياسة أو الدين أو الفكر أو الأدب صنمًا. الكثيرُ من الأبناء مولع بتحطيمِ الأصنام البشرية، لذلك يصعب ترويضُهم على العبودية.

الجيلُ الجديد من الشباب اكتشف ذاتَه الفردية مبكرًا، وادرك أن نسيانَ الذات ضربٌ من الضياع في أوهام لا تنتمي للواقع، وذلك ما كرّس النزعةَ الفرديةَ في وعيِه وشعورِه وشخصيتِه. فأصبح عصيًا على استعبادِ الأصنام بمختلف صورها.

الكثيرُ من الآباء مولعٌ بالحزن، لذلك يبحث عن كلِّ ما ترتسم فيه ملامحُ الموت، الكثيرُ من الأبناء مولعٌ بالفرح، لذلك يبحث عن كلِّ ما ترتسم فيه ملامحُ الحياة. الآباءُ أشدُّ خوفًا من الموت، وكلُّ من يخاف الموتَ يحسب أن الموتَ لا يرضيه إلا الحزنُ ونظائرُه. الأبناءُ أقلُّ خوفًا من الموت، وكلُّ من يقلُّ خوفُه من الموت لا يخشى الفرح الذي هو ضربٌ من التشبّثِ بالحياة ورفضِ الموت.

رؤيةُ الآباء للعالَم تقوم على مرتكزات ميتافيزيقية لم تعد تُلهم رؤيةَ الأبناء للعالَم، وتستقي من روافد نضبت منابعُها، وتنتمي لنظام معرفي “بارادايم” يعود الى ما قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي والروبوت والذكاء الصناعي، وهو “بارادايم” ينتمي لعصر لم يعد قادرًا على مواكبة النظام المعرفي لهذا العصر. لذلك كثيرًا ما تفشل لغةُ الآباء في التواصل مع الأبناء، كما تفشل لغةُ الآباء في التواصل مع الأبناء.

عالمان للآباء والأبناء لا عالم واحد، لا يلتقي هذان العالَمان بالكثيرِ من الرؤى والأفكار والأشياء، وأحيانا يتنابذان إذ يقع كلٌّ منهما على الضدّ من الآخر. لكلّ منهما رؤيتُه الخاصة، لكلّ منهما معاييرُه في الثقافة والأدب والفن والجمال والذوق، لكلّ منهما تطلعاتُه للغد، لكلّ منهما مفاهيمُه عن الكون والإنسان والحياة، لكلّ منهما مواهبُه ومهاراتُه وإبداعاتُه وابتكاراتُه، لكلّ منهما منظوماتُ قيمه ومفاهيمُه الأخلاقيةُ وأنماطُ تدينه، متطلباتُ الروح لكلّ منهما غير متطلبات الروح للآخر، مشكلاتُ وأمراضُ كلّ منهما غير الآخر.

جيلُ الأبناء أشدُّ حضورًا في العالَم من جيل الآباء، لأن العالمَ أشدُّ حضورًا في حياتهم، العالَم يحضر في حياتهم بملامحِه وتضاريسِه الجديدة، عبر: اليوتيوب، والفيس بك، وتويتر، والواتس اب، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة. يحضر العالَمُ من خلال العلمِ والتكنولوجيا والذكاءِ الصناعي. في حين كان جيلُ الآباء أشدَّ غياباً عن العالم، لأنهم لا يمتلكون ما يمتلكه الأبناءُ من صلاتٍ نسيجيةٍ ممتدّةٍ بامتداد الجغرافيا السكانية في الأرض. لقد كان العالَمُ غائبًا عنهم، وإن حضر فلا تحضر منه إلّا صورٌ باهتةٌ كأنها أشباح.

جيلُ الأبناءِ لا يسيرُ على خارطةٍ مرسومة سلفًا يهتدي بها مثلما كان جيلُ الآباء، ولا يبحثُ عن بوصلةٍ تحدّدُ وجهتَه. لا يرتبك أو يكترث من قرارِه بالتوقّف المفاجئ، ولو قطع منتصفَ الطريق، من دون أن يبررَ قرارَه بالتوقّف أو يلتمس له عذرًا، مهما كانت خساراتُه. لا يملُّ من أن يجترحَ كلَّ مرة طريقًا لم يسلكها من قبل. لا يوحشه تكرارُ البدايات، ولا يتردّد في هجرِ مَواطنَ ألفها إلى ما لم يألفه، وتجريبِ ما لم يُجرّب من قبل، وكأنه مكتشفٌ أبدي، لا يفتقر لشجاعةِ المغامرة، ولا يتردّد في المجازفة، وإن كانت ضريبةُ المجازفة باهظة.

يمتلك الجيلُ الجديدُ مهاراتٍ متنوعةً في توظيف وسائلِ التواصل الاجتماعي واستخداماتِها المتنوعة في تأمين متطلباتِ حياته المختلفة. وهذه الوسائل هي التي تسهم في إنتاجِ أنماطِ وجودِه وطرائقِ عيشِه وطبيعةِ صلاتِه بما حوله. وسائلُ التواصل اليوم تنتج معاييرَها القيمية الخاصة، وتعمل على صياغةِ العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها في سياق آفاق حياةِ ورغباتِ وأحلامِ الجيل الجديد. إن ادراكَ الآباء وتفهمَهم لما تفرضه وسائلُ التواصل من سلوكٍ مختلف في تكييف علاقاتهم بالأبناء، ضرورةٌ يفرضها تكييفُ العلاقاتِ المختلفة بين جيلَي الآباء والأبناء، في سياقٍ لا يعاند روحَ العصر، ولا يضحّي بما هو أخلاقي إنساني في إعادة بناءِ هذه العلاقات.

كلُّ شيء يكتسب معناه من نمطِ صلاتِه الوجودية بغيرِه من الأشياء. الجيلُ الجديد أكثرُ قدرةً على إدراكِ المعاني الجديدةِ للأشياء، لأن الأشياءَ في عالمنا اكتسبت معانيَ جديدةً أو أُضيفت لمعانيها أبعادٌ لم نكن نعرفها من قبل، ولم تعد تسمياتُها المتداولةُ من قبل تتسع لدلالاتِها الجديدة اليوم. ذلك أن العالمَ يتغير، والرؤيةُ للعالم تتغير، وطريقةُ التفكير تتغير، ومعاني الأشياء تتغير، وقاموسُ التعبير عنها يتغير.

عالمُنا اليوم عالمٌ شبكيّ متداخلٌ كنسيجٍ متشابك، لم يعد التفوّقُ فيه عبر بناءِ كانتونات ومحميات مغلَقة على نفسها، بل معيارُ التفوّق فيه يقاس بمدى كثافةِ الحضور عبر نسيجِ الشبكاتِ الألكترونيةِ العابرةِ للقارات، والقادرةِ على اختراقِ الحدود الجغرافية والديمغرافية والدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية. تتنبأ دراساتُ استشراف المستقبل بأنه حتى سنة 2030 سيختفي ما يقارب المليارين من الوظائف التي كانت تعتمد مهنًا تنتمي لعالم جغرافيات وديمغرافيات الأمس المغلقة، ذلك العالَمُ الذي بدأنا نرى علاماتِ انتهاءِ صلاحيته وانتهاءِ صلاحية تلك المهن والحرف معه، إنهما يغادران معًا العالَم الجديد بالتدريج، العالَم الذي ينخرط في شبكات ألكترونية يحضر فيها كلُّ ما يمتلكه، عالَم ينتجه الذكاءُ الصناعي والروبوتاتُ والطاقةُ البديلةُ وهندسةُ الجينات وتكنولوجيا النانو. فمثلاً (يجري تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس لشبكات الهواتف المحمولة، وفي خلال عامين ستكون هذه الشبكات أسرع بمقدار 50 مرة عما هو متاح لدينا الآن. وهناك علاقة وطيدة بين سرعة شبكات المعلومات والنمو الاقتصادي، ومن التقديرات أن كل زيادة بمقدار 10% من سرعة هذه الشبكات تزيد النمو الاقتصادي بنحو 1,3% وتتزايد تأثيراتها بمدى توسع وشمول هذه الشبكات لشرائح المجتمع وأماكن التعلم والعمل والسكن… يكاد يحاكي مستقبل قطاع النقل والمواصلات في بعض المدن أفلام الخيال العلمي، بين سيارات ذاتية القيادة وحافلات وقطارات سريعة تنقل بشراً بأعداد غفيرة يتم التحكم فيها من خلال نظم معقدة لتكنولوجيا المعلومات، بما جعل رئيس شركة “ليفت” لنقل الركاب، المنافسة لشركة “أوبر”، يتنبأ بأن أغلب السيارات العاملة في شركته ستكون ذاتية القيادة خلال خمس سنوت فقط، وأن ملكية الفرد لسيارة في المدن الأميركية الكبيرة ستكون أمراً نادراً في منتصف العقد القادم. ولا يتوقف الأمر على انتقال الأفراد، بل يمتد وبمعدلات متسارعة لنقل البضائع براً، بعربات نقل متفاوتة الأحجام ذاتية القيادة، وجواً بطائرات من دون طيار تحلّق متفادية ازدحام الطرق ومختصرة الزمن، ناقلة للسلع، بل ومسعفة لمرضى وجرحى في مناطق قريبة وأخرى نائية)[1].

إن كانت هذه صورةُ العالَم غدًا، فكيف يكون حضورُ مجتمعاتنا في مثل هذا العالَم الذي لا يكفُّ عن الصيرورة والتغيّر والانتقال من محطة إلى أخرى بسرعة فائقة. عالَم لم تتخذ هذه المجتمعاتُ حيالَه تدابيرَ تتناسب وحجمَ تحدّياتِه الهائلة.

للشبابِ دورٌ رائدٌ في صناعة هذا العالَم الذي هو عالَمهم. لهم النصيبُ الأوفرُ في ابتكارِ نمطِ حياةِ القرن الحادي والعشرين، فمؤسِّسُ الفيس بك “مارك زوكربيرغ[2]” وزملاؤه كانوا من التلامذة الجامعيين. و”ستيف جوبز” كان في منتصف العقد الثالث من عمره تقريبًا عندما “قام مع شريكيه ستيف وزنياك ومايك ماركيولا، وآخرون بتصميم وتطوير وتسويق واحد من أوائل خطوط إنتاج الحاسب الشخصي التجارية الناجحة، والتي تُعرف باسم سلسلة أبل”، ثم قامت أبل باطلاق الكومبيوتر الشخصي ماكنتوش 1984[3].  وبعد ذلك اخترع الآيبود والآيفون والآيباد وغيرِهما من المراكب التي ننتقل معها بسرعة خاطفة لحضورٍ مختلفٍ في عالَمنا اليوم.

كلُّ معلمي المدارس الابتدائية ومدرّسي الثانويات وأساتذةِ الجامعة يتبرّمون من أن جيلَ الأبناءَ يفتقرون للجديةِ والوفاءِ بمتطلبات الواجباتِ المدرسية، والمثابرةِ على الحضورِ والإصغاء والتلقي في الفصول الدراسية، لذلك تدهور مستوى التلامذة وضعف تكوينُهم، ولم يعد كثيرٌ منهم مؤهلًا للمرحلة المدرسية التي يعبر إليها. وهذه مشكلةٌ صارت مزمنةً في أكثر من بلد، على درجاتٍ تختلف كمًا وتتطابق كيفًا.

النظامُ التعليمي الذي أنتج وعيَ الآباء مازال يعيد إنتاجَ وعي الأبناء، وهو إن كان متناسباً مع ذهنِ الآباء لكنه يعجز اليوم عن إنتاجِ وعيٍ مواكبٍ لحياةِ الأبناء، بل يتفاقم التضادُّ والتناشزُ بين  النظامِ التعليمي وبين قدرةِ الأبناء على التلقي والتعلّم، وكلما مرّت عليه سنةٌ جديدة يغدو متخلّفًا أكثر، لأن وتيرةَ التغيير في زماننا كلَّ سنة فيها تساوي عشراتِ السنين مما مضى، كما تؤشر لذلك الأبحاثُ العلمية في هذا الحقل.

نحن بحاجة للبحث عن جذورِ هذه المشكلة في بنيةِ التربية والتعليمِ الموروثِ منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالَم الأمس المختلف عن عالَم اليوم اختلافًا جوهريًا، فلم يعد الكتابُ وحده رافدًا لتلقّي المعرفة، بعد أن تراجع موقعُه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانوياً – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة، ولم يعد التعليمُ على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائمًا لعالمنا اليوم، بل لم يعد الصفُّ المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائمًا للتعليم، وقبل كلّ ذلك لم تعد ملائمةً اليوم معظمُ المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدّسة بعشوائية في المقرّرات المدرسية المتدوالة، لأن أغلبَ مضامينها لا ينتمي لعالَم الأبناء، ولا يشبه أحلامَهم، ولا يلبي احتياجاتِهم؛ لغربتها عنهم وغربتهم عنها، لذلك يشعر الأبناءُ بالاغترابِ والمرارة عندما تُفرض عليهم هذه المقرّرات، ويشمئزون عندما يجدون أنفسَهم ملزمين أن يمضغوا أشياءَ لا تشبه ذائقتَهم ولا يشبهونها، ويتعلمون علومًا ومعارف لا تنتمي لزمانهم، ولا تعرف منطقَ حياتهم، ولا تتحدّث لغةَ عصرهم.

عالَمُ الأبناء وهبَهم الكثيرَ من الامكاناتِ الجديدة لمراكمةِ المعرفة وإنتاجِ وعي بلحظتهم الراهنة تنعكسُ عليه ملامحُ عصرهم، ويحتفلون بكل ألوانه، تلك الملامح والألوان التي كان يجهلها عالَمُ الآباء.

المشكلةُ ليستْ في الأبناء، وإنما في تفكيرِ الآباءِ المتخشّب، وفهمِهم للعالَم الذي لا يعرف إلّا أن يكرّرَ نفسَه باستمرار، ويعجز عن مغادرةِ ما ألفه إلى أفقٍ جديد. الأبناء ليسوا بلداء كما يظن كثيرٌ من الآباء، إذ ليس هناك إنسانٌ بليدٌ بالطبع، لكن الأبناءَ غيرُ قادرين على تمثّل صورة عالَمٍ مضى وانقضى.

حتى من كان من الأبناء لا يمتلك استعدادًا ذهنيًا جيدًا في مجالٍ معرفي معين، وكانت موهبتُه ضئيلةً فيه، يمكن أن يكون موهوبًا ويمتلك استعدادًا ذهنيًا متميزًا في مجالٍ آخر. يخفق التعليمُ عندما يصرّ على تلميذٍ موهوبٍ أن يتعلّم في مجالٍ معرفي يفتقر للموهبةِ فيه، إذ يكون كمن يزرع الرزَ في الصحراء أو يزرع نباتاتِ الصحراء في الماء.

كذلك يخفق التعليمُ عندما يتشبّث بالمقرّراتِ وطرائقِ التدريس ووسائلِ التعليم التي تعلّمَ في فضائِها جيلُ الآباء، فجمد عليها بكلِّ ما فيها، لأن ما هو قديمٌ في ثقافتِنا يكتسب مشروعيةَ بقائِه واستمراريتِه من كونه موروثًا عن الآباء.

وهكذا يخفق التعليمُ اليومَ عندما ينشد إنتاجَ كائناتٍ بشرية متماثلة،كأنها آلاتٌ مادية تتشابه بكلِّ شيء، وتُلغى فيها فرادةُ الشخص البشري واختلافاتُه الذاتية عن كلِّ أحدٍ في الأرض، تلك الاختلافاتُ الذاتية التي هي منجمُ الإبداعِ والقدرةِ على الخلقِ والابتكار.

الذهن كنظام أو “سيستم” يتألف من ثلاثة عناصر: مُدخَلات، ومُخرَجات، ومُعالِج، لأن كلَّ نظام هو مُدخَلات ومُخرَجات ومُعالِج، وبما أن مُدخَلات ذهن الآباء كان أغلبُها محليًا مغلقًا بسيطًا كان يتكيّف عملُ المُعالِج معها فكانت المُخرَجاتُ من جنس المُدخَلات، لكن مُدخَلات ذهن الأبناء تبدلّت فصار أغلبُها كونيًا، مركبًا أكثر ومنفتحًا أكثر ومتعددًا أكثر ومتنوعًا أكثر، فيُفترض أن تصير المُخرَجاتُ اليوم من جنس المُدخَلات، إذ يتكيف عمل المُعالِج على وفق كيفيتها. وحتى لو كان المُعالِج بالأمس هو الذي يتحكم بالدرجة الأساس في تحديد نوع المُخرَجات، رغم تنوع وتعدد المُدخَلاتُ على مدى حياة الانسان، لكن المُعالِجَ بدأ اليوم يتبدل تبعًا للتبدل الهائل في نوع المُدخَلات وكيفيتها، وليس في كميتها فقط.

إن منطقَ الذهن أو كيفيةَ معالجة المُعالِج للمعطيات تحاكي نوعَ المُدخَلات، وتستجيب طريقةُ تمثّلها في الذهن تبعًا لها، أي ان نوعَ المُدخَلات يؤثر في بنيةِ الذهن وطرائقِ مُعالجته وكيفيةِ تمثله لها. ويتحدث علمُ الأعصاب الجديد عن أن العصفَ المتدفّقَ لوسائل التواصل الاجتماعي للدماغ سينتج تبدلاتٍ في تركيبة الدماغ، ومن ثم سيؤثر ذلك على كيفية عمل الذهن وطرائق التعلم.

ويقول الخبراءُ إن إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في الغرب.

لكلِّ جيلٍ أمراضُهُ الخاصةُ، استبدّت بالجيلِ الجديدِ أمراضٌ تحكي قوةَ الواقعِ الذي يعيشُهُ، وتعكسُ تعقيداتِه المختلفةِ، والأصداءِ الحادّة لإيقاعِ تحوّلاتِه المفاجِئة. بعضُ هذه الأمراض أشدُّ فتكًا وأعنفُ وأخطرُ من أمراضِ الجيل السابق، كما تُعلن عنها جروحُ الروح، وتوتراتُ المزاج، واضطراباتُ المشاعر، وتقلباتُ التفكير، وتذبذباتُ المواقف.

إن الذهنَ في بلادنا مازال يرتهنه نظامٌ تعليمي قديم، وثقافةٌ تقليدية مهيمِنة، ونمط تدين مغلق، وظروفٌ اقتصادية وسياسية واجتماعية مضطربة يتردد صوتُ العنف فيها، ونتيجة لكل ذلك صار ذهنُ الأبناء مشوشًا. وطبيعي أن يفضي ذلك لأمراض ومشاكل مختلفة معقّدة لم يعرفها من قبل جيلُ الآباء.

نحن بحاجة للكثيرِ من شجاعة التواضع في تخطّي حكاياتِنا المكرّرة وتجاوز مواقفِنا المتصلبة، كي نرى التحولاتِ العميقةَ التي تجتاح العالَم من حولنا، والاعترافِ بتقصيرنا في حقّ الأبناء، وإخفاقِنا في منحهم حقَّ الاختلافِ في التفكير والتعبير، والحرية في التعاطي مع عالمهم، من حيث هم لا من حيث نحن. لنعربَ عن ندمنا ونعلنَ أخطاءنا ونعترفَ بجهلنا في الكثير مما يدور بنا وندور معه رغمًا عنا، في هذا العالم الذي يفرض علينا أقدارَه وأنماطَ العيش فيه.

لقد كانت وما زالت تربيتُنا في البيت والمدرسة والمجتمع والجامع والجماعة لا تربّينا على شجاعةِ الاعترافِ بالخطأ. الاعترافُ بالخطأ ضرورةٌ يفرضها الانتماءُ للعالَم اليوم ودعمُ الابناء في حضورهم الديناميكي الفاعل في عالمهم.

مع ان الآباءَ هم نموذج الأبناء، لكن أنا شخصياً لم أسمع من أبي “رحمه الله” إلى وفاته اعترافاً بخطأ في حياته أو ندماً على ممارسةٍ عنيفة معي أو مع والدتي أو اخوتي، أما أنا فكنتُ أخاف من الاعتذار عن العنف الجسدي والرمزي واللفظي الذي أتورط به مع أبنائي في طفولتهم، وواصلت الهروب من الاعتراف بأخطائي إلى العقد الرابع من حياتي، بل كنت أشعر بحرجٍ وألمٍ شديدين لو لمحتُ أو سمعتُ إشارةً أو عبارةً ترشدني إلى أخطائي، فضلًا عن أني كنتُ عاجزًا وقتئذ عن البوحِ بها، ولم أتعلّم ذلك إلّا بالتدريج وبمشقّة بالغة ومعاناة موجعة، عندما بدأت أتحرر من سجوني قبل ثلاثة عقود.

وهكذا لم أسمع من معلّمي في الابتدائية، الذي كان يعنّف زملائي التلامذةَ بأسلوبٍ مستهجن، اعترافاً بخطأ أو ندمًا على عنفِه الجسدي القاسي المتكرّر بحقّ تلامذته، كما لم أسمع أيَّ شيء من ذلك من أحدٍ من أساتذتي في مراحلِ تعليمي المختلفة، إذ كانوا دائمًا يتكتمون على ما يقترفونه، بل وجدتُ أكثرَ آبائي وأساتذتي يتحدّث أو يوحي بصواب كلِّ فعل أو قول صدر عنه، وهكذا هي مواقفُ حكّام بلدي أو قادةُ جماعتي، وكأن الكلَّ كامل. مازلنا ننظر للخطأ بوصفه عاهةً وعارًا وفضيحة، لأن حقَّ الخطأ، الذي هو ضرورةٌ لكلّ عملية تربوية ناجحة تفرضها طبيعةُ الكائن البشري، ليس مكفولًا لأحد في مجتمعنا.

ومع كلِّ ثنائي على ما يعد به الجيلُ الجديدُ وعصرُه، لكني أودُّ أن أشيرَ إلى أن ظاهرةَ التوثينِ لا تختصُ بجيلِ الآباء، وانما هي ظاهرةٌ بشريةٌ تتلفعُ بأقنعةٍ تختلفُ باختلافِ الأجيال، وكلما تطورَ الوعيُ البشري تُمعن في الاختباءِ خلفَ أقنعةٍ يصعبُ جدًا فضحُها. ولا شك أن التوثينَ بكل أشكاله، سواء كان في عالَم الآباء أو ما يكون في عالَم الأبناء، يعمل على تعطيلِ العقل وشللِ الوعي وتهشيمِ الارادة، حتى يستلبَ التوثينُ كينونةَ الكائنِ البشري.

وعلى الرغمِ من تشديدي على أن للأبناءِ أسئلتَهم، غير اني لست في مقامِ نفي الأسئلةِ البشريةِ الأبدية، المسكونِ بها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، مثل الأسئلةِ الميتافيزيقية وغيرِها من الأسئلة الكبرى التي تتوالدُ منها على الدوامِ أسئلةٌ جديدة، أسئلةٌ لا ترتوي من الإجابات أبدًا، ولا تكفُّ عن طلبِ المزيد مع كلِّ منعطف وتحوّل حاسمٍ في حياة الإنسان.

كذلك لا أنشد افتعالَ صراعٍ بين الأجيال، بل أحاول الكشفَ عن نسيجِ تضاريسِ الواقع المتشعّبة والمتضادّة الذي تعيشه مجتمعاتُنا اليوم. إنه دعوةٌ لتفهّمِ الآباءِ لعالَم الأبناء، وتفهّمِ الأبناءِ لعالَم الآباء، ولا يتحقّقُ ذلك إلّا بمواقفَ شجاعةٍ للآباء والأبناء معًا، يبادر فيها الكلُّ للحوارِ والتفاهمِ والتصالحِ، والعملِ الجادّ على خلقِ شراكةٍ واقعية تُستثمر فيها كلُّ الطاقات من أجل بناءِ عالم أجمل، والسعي لخفضِ وتيرةِ عدم الاعتراف والتنابذ والاحتراب والقطيعة بين جيل الآباء والأبناء.

وعلى الرغم من الأفقِ المتفائل الذي أتطلع فيه لمصائر الأبناء، لكن لا يمكن التنبؤ بما يفاجؤنا به الغدُ من خساراتٍ وانتكاساتٍ تحدثها منعطفاتٌ للتاريخ غيرُ محتسبة، لأن التاريخَ البشري لا يسير في خطّ تصاعدي أبدي، ولا يتقدّم إلى الأمام باستمرار، فقد يتوقف لحظةَ تقدّمه، أو قد ينكص فينتكس لحظةَ صعوده، إذ انهارت حضاراتٌ كبيرةٌ ما كان متوقعًا انهيارُها، وغربت شمسُ امبراطوريات ما كان متوقعًا أفولُها، وانهزمت دولٌ بعد أعظم انتصارتها، وتمزّقت أممٌ عاشت قرونًا مسكونةً بتفوقها، ولبثت مدةً طويلة تَعدُ البشريةَ بمهمتها الرسولية الإنقاذية.

وإن كان التاريخُ أكبرَ معلّمٍ للإنسان، إذ لا مُعلّم َكالتاريخ، لكن قلّما يتعلّمُ الانسانُ من التاريخ كما يرى هيغل[4]، مضافاً إلى أن الإنسانَ ليس بوسعه أن يتحكّمَ بمصائره كليًا ليرسم لها خرائطَ الغد، الذي تتغلّبُ فيه المفاجئاتُ المباغتةُ أحيانًا على مسارِ التطور والتقدم في التاريخ.

الغضبُ في جيلنا كان أخطر بكثير ‏من الغضب في الجيل الجديد، نوعُ الغضبِ مختلفٌ، غضبنا مكبوتٌ،كلُّ مكبوتٍ يتحولُ إلى ‏عقد مسمومة بمرور الزمن، ‏غضبُ الجيل الجديد ‏ليس مكبوتًا، لأنه يجري تفريغه باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، والفضاء العام المفتوح للتعبير والكتابة في كل مكان ‏يكون فيه الأبناء.كلُّ غضب يجري تفريغه بلا عنف يتخلصُ الإنسانُ من ارتداداته العكسية ضد نفسه، ‏ولا يترسبُ ويغطس في اللاوعي ويتراكمُ ليتحول إلى عقد، الغضبُ المكبوت يتحولُ إلى عقد مزمنة.

‏ الأبناءُ اليوم يتعاملون مع الآباء بوصفهم ورطوهم في الحياة،كما يصارحني بعضُ أبنائي ويكتم آخرون قناعتهم هذه تأديًا. لا يقبلُ ‏الأبناءُ أعرافَنا وعاداتِنا في التربية التقليدية، المبنية على احترام الأب وطاعته وأحيانًا استعباده، والاستجابة لكل ما يطلبه ‏منهم، حتى لو كان ‏غير مقنعًا للولد، أو كان على الضد من أرادته ومصالحه الآنية والمستقبلية، وربما يتمادى بعض الآباء فيتعامل مع ولده ‏وكأنه شيء يمتلكه، كما كان يتعامل الآباء مع الأبناء وكأنهم رقيق مستعبدون في قريتنا قبل ‏نصف قرن.

‏الجيل الجديد هو الحاضر وهو المستقبل. قلما تجد أحدًا من جيلي من الكتاب المسلمين من يكرس جهوده للتعرف على ‏أنماط عيش الجيل الجديد وآماله وآلامه، ويكتشف رؤيته للعالم وأحلامه وكيفية تفكيره، ‏وفي ضوء ذلك يقدم المعنى الديني ‏الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يحتاجه الجيل الجديد. ‏اكتشاف هذا ‏المعنى الديني يتطلب اختراق التراث المتراكم، والعودة إلى القرآن الكريم، والتمييز بين القيم الكلية الكونية التي يحتاجها الإنسان بما هو إنسان، ‏ويشترك فيها كل الناس مثل الحق والخير والعدل والصدق والأمانة والأمن والثقة، وما هو خاص بعصر البعثة الشريفة.

أكثر ما نفكر فيه ونتكلمه ونكتبه مشغول بالماضي لا بالحاضر. ‏‏نحن أمة يحكمها الاموات برؤيتهم للعالم وأفكارهم ومقولاتهم الاعتقادية. التراث يمكن استثمار بعض عناصره الحية في الحاضر، وهي قليلة ‏وتحتاج إلى خبير متمرس كي يستوعبها استيعابًا نقديًا. ‏التراث ينتمي للأفق التاريخي الذي تم إنتاجه فيه، ويخضع لكل مشروطياته المكانية والزمانية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكل شيء في عصر انتاجه.

هوامش:

صحيفة الشرق الأوسط “لندن”، الأربعاء 16 مايو 2018 العدد 14414[1]

  أنشأ مارك زوكربيرج برنامجَ تواصل فوري “شبكة تواصل اجتماعي على مقياس مصغر” في عام 1996 وهو في عمر الحادية عشرة، من أجل مساعدة والده الذي كان يعمل في عيادة الأسنان في الطابق الأول من بيتهم، ويوفر عليه عناءَ الطلوع والنزول على الدرج كما ذكرت أختُه راندي، وكانت عائلتُه تستخدمه للتواصل فيما بين افرادها. وفي عام 2004 أسس الفيس بك مع بعض زملائه، وأعلن عنه 2007عام . ويكيبديا.  [2]

ويكيبديا. [3]

 يقول هيغل: “إننا نتعلم من التاريخ أن المرء لا يستطيع أن يتعلم شيئًا من التاريخ”.[4]

 

رابط النشر: