Category: الدولة والسياسة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

د. مجتبى الحلو[1]

يمتاز كتاب “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث “1770 – 1850” الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ “القصائد الغنائية” حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: “الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله”. لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن “الواقع” أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن “تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور”. تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج “55 – 56” الصادر سنة 2013، من مجلته “قضايا إسلامية معاصرة” لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: “الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 – 1855″.

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في “دروب المعنى”. لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

[1] باحث وأستاذ جامعي عراقي.

 

https://al-aalem.com/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88/

 

عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه دراسة مقارنة للاختلافات الأساسية بين مشروعيهما

عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه: دراسة مقارنة للاختلافات الأساسية بين مشروعيهما

 عبد الحفيظ المدني[1]

تبدو المقارنة بين الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي والمفكر السوداني محمود محمد طه (1909–1985) ممكنة للوهلة الأولى؛ فكلاهما اشتغل على تجديد الفكر الديني، ونقد الفهم الموروث للدين، والدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة، ومواجهة توظيف الدين في الاستبداد والعنف. غير أن التشابه في هذه العناوين العامة قد يحجب اختلافًا عميقًا في طبيعة المشروعين ومرجعياتهما ومناهجهما وغاياتهما.

مشروع محمود محمد طه مشروع تأويلي تشريعي عرفاني، يسعى إلى استنباط شريعة جديدة من داخل القرآن، في حين أن مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروع فلسفي كلامي إنساني، يعيد بناء المعرفة الدينية، ويحرر الدين من الأيديولوجيا، ويعيد تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان.

 

  1. نقطة الانطلاق

انطلق محمود محمد طه من سؤال تشريعي سياسي: كيف يمكن للإسلام أن يقدم نظامًا صالحًا للإنسان الحديث، يستوعب الديمقراطية والاشتراكية والمساواة والحرية الفردية؟ قادته الإجابة إلى التمييز بين مستويين للرسالة الإسلامية: “الرسالة الأولى” التي تجسدت في تشريعات القرآن المدني، و”الرسالة الثانية” التي تمثلها أصول القرآن المكي. رأى أن التشريع المدني كان ملائمًا لطاقة مجتمع القرن السابع، فيما تمثل الآيات المكية المستوى الأصيل والنهائي للإسلام، الذي صار الإنسان الحديث مؤهلًا لتلقيه.

أما عبد الجبار الرفاعي فانطلق من سؤال معرفي وجودي: لماذا عجز علم الكلام القديم عن فهم الإنسان وأسئلته، وكيف يمكن للدين أن يستعيد وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية؟ لم يبحث الرفاعي عن شريعة ثانية، ولم يقسم القرآن إلى رسالة أولى ورسالة ثانية، واتجه إلى نقد البنية المعرفية التي أنتجت الفهم الديني الموروث. يبدأ التجديد عنده بإعادة بناء علم الكلام، فهو يمثل نظرية المعرفة الدينية والأساس الذي تتوالد منه علوم الدين.

يتجه طه من النص إلى التشريع والمجتمع والدولة، في حين يتجه الرفاعي من الإنسان وحاجته الوجودية إلى الدين، ثم يعيد في ضوء ذلك النظر في علم الكلام وفهم النص ووظيفة الدين.

  1. طبيعة المشروع

مشروع محمود محمد طه ذو بنية رسالية دعوية واضحة. لم يقدم نفسه مؤرخًا للأفكار أو باحثًا أكاديميًا في تجديد التشريع، وإنما صاحب دعوة دينية مجتمعية، يعتقد أن البشرية دخلت طورًا جديدًا يؤهلها للانتقال من شريعة الرسالة الأولى إلى شريعة الرسالة الثانية. اقترن فكره بحركة منظمة هي “الإخوان الجمهوريون”، وتحول المشروع إلى جماعة ذات تربية روحية وممارسة اجتماعية وموقف سياسي.

مشروع الرفاعي فلسفي معرفي، لا يؤسس دعوة دينية، ولا يبني جماعة أو طريقة أو حركة سياسية. يتحقق مشروعه في الكتابة والتعليم وإنتاج المفاهيم وتأسيس فضاء فكري للحوار، خاصة عبر مؤلفاته ومجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. الرفاعي ليس داعية، لذلك لا يدعو إلى الانتساب إليه أو التتلمذ الروحي عليه، ولا يقدم مشروعه باعتباره الصيغة النهائية للدين. إنه يدعو إلى التفكير النقدي، وتعدد القراءات، والانفتاح على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.

طه صاحب رسالة إصلاحية ذات أفق جماعي، والرفاعي مجدد صاحب فلسفة في الدين والمعنى والإنسان.

  1. المرجعية المعرفية

تتشكل مرجعية محمود محمد طه من القرآن، والسنة، والتصوف، وتجربته الروحية الخاصة. يحتل القرآن مركز مشروعه كله، فيما يستمد منه رؤيته للحرية والاشتراكية والديمقراطية وتطور التشريع. يتعامل مع التاريخ الإنساني من خلال تصور ارتقائي يرى أن البشرية تنتقل من طور الوصاية إلى طور الحرية والمسؤولية الفردية.

تتعدد مرجعيات الرفاعي وتتنوع، فتضم علم الكلام والفلسفة الإسلامية والعرفان، إلى جانب الفلسفة الحديثة، وفلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والألسنيات وعلوم اللغة. لا يستخرج الرفاعي مفاهيم الدولة والمواطنة وحقوق الإنسان من النصوص الدينية، وإنما يرى أنها منجزات تراكمت في التجربة التاريخية للعقل البشري.

يميل طه إلى رد القيم الحديثة إلى المستوى الأصيل للقرآن، في حين يعترف الرفاعي بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة والنظم السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية.

  1. فهم الوحي والقرآن

يقيم طه تمييزًا حاسمًا بين القرآن المكي والقرآن المدني. الآيات المكية عنده آيات أصول، تقوم على الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية، أما آيات المدينة فهي آيات فروع، تنزلت إلى مستوى المجتمع التاريخي الذي لم يكن مؤهلًا لتطبيق الأصول. التجديد يعني الانتقال من فروع القرآن المدني إلى أصول القرآن المكي، وتطوير التشريع على هذا الأساس. وقد صرح بأن النبي شرح الرسالة الأولى تفصيلًا، ووضع الخطوط العامة للرسالة الثانية، وأن شرحها في العصر الحديث يتطلب فهمًا جديدًا للقرآن.

لا يتبنى الرفاعي هذه الثنائية، ولا يقبل تفسير محمود طه للوحي، ولا يمنح ترتيب النزول سلطة تحديد ما هو نهائي وما هو مرحلي. الوحي في فهم الرفاعي كما يقول: “فهمي للوحي يتلخص في أنه حالة وجودية، إلهية بشرية/ بشرية إلهية؛ حالة ينكشف فيها الإلهي للبشري عندما يتجلى فيه، ولا تتحقق فيها هذه الدرجة من الانكشاف لغير النبي. حالة يصير فيها البشري مرآة يتجلى فيها الإلهي بأجلى وأجمل ما يتجلى في الوجود. حالة تمثل طورًا وجوديًا يختص به النبي، وتحظى فيها روحه بمنزلة وجودية لا تدركها غيرها؛ إذ تسمو الروح في هذه المنزلة لتصير نورًا لا يشوبه ظلام”. في ضوء تفسيره الوجودي يرى الرفاعي: “الوحي حالةً أنطولوجية، وليس مشاعر نفسية، الوحي طور وجودي يتسع فيه وجود النبي ويتسامى ويتكامل. ليس الوحي استنارة ذاتية لا صلة لها بالغيب، أو صورًا ذهنية، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرة بيولوجية تنشأ عن اضطرابات هرمونية … في ضوء هذا الفهم يكون للقرآن الكريم وجه إلهي ووجه بشري؛ فهو من حيث اتصاله بالغيب إلهي، ومن حيث تلقي النبي له وتعبيره عنه بلغته وثقافته والواقع الذي كان يعيش فيه بشري، أي تظهر فيه حدود لغة النبي وقيودها ومدياتها، وطبيعة حياته الشخصية، وملامح عصره ومجتمعه وثقافته”. راجع: عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الفصل الثالث: “علم الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي”، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2024.

لا يتطلب التجديد عند الرفاعي إعلان نسخ تشريعي جديد داخل القرآن، وإنما يبدأ بتحديد وظيفة الدين، وتجديد أدوات قراءة النصوص الدينية، وقراءة النص في أفق الكرامة والحرية والقيم الأخلاقية.

طه يطور التشريع عبر إعادة ترتيب السلطة داخل النص، والرفاعي يجدد فهم النص عبر إعادة بناء نظرية المعرفة الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

  1. مفهوم الدين ووظيفته

يرى طه الإسلام منهاجًا شاملًا لتحرير الإنسان، يبدأ من العبادة وتهذيب النفس، ويمتد إلى الإقتصاد والاجتماع والسياسة والتشريع. الدين لديه طريق فردي وجماعي يقود إلى تحقيق الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة. لهذا ظل مشروعه مشغولًا بتقديم نظام إسلامي حديث للحياة العامة.

يعرّف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. لا يعني الرفاعي بالوظيفة الاجتماعية للدين في تعريفه أن الدين يدير الحياة الاجتماعية ومجالاتها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها؛ مقصوده أن الإنسان، حين تمتلئ حياته بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، يغدو حضوره الإنساني مؤثرا في ترسيخ بنية القيم في المجتمع.

من هنا تتمثل الوظيفة الأصلية للدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء الحياة بالمعنى. يفقر الدين الحياة ويفسد الأخلاق حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية أو نظام شامل لإدارة الدولة والمجتمع. يتسع الدين عند طه ليشمل بناء النظام السياسي والاقتصادي، بينما يحرص الرفاعي على حماية المجال الديني من التمدد الذي يحوله إلى أيديولوجيا تستولي على الدولة.

  1. الإنسان والحرية

يمثل الإنسان محورًا مشتركًا بين المشروعين، غير أن كل مشروع يبني مركزيته بطريقة مختلفة. يعتقد طه أن الغاية النهائية للإسلام هي الحرية. الإنسان ينتقل بالتربية والعبادة وتحمل المسؤولية من الخضوع للقانون الخارجي إلى الانضباط الداخلي. الحرية عنده حق يقابله واجب حسن التصرف فيها، وتتسع كلما ارتقى الفرد أخلاقيًا وروحيًا. وقد قرأ قوله تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر” بوصفه أصلًا للديمقراطية، ونفي الوصاية على حرية الإنسان.

يضع الرفاعي الكرامة الإنسانية في مركز فلسفته الإنسانية. الكرامة قيمة أصيلة سابقة على الدين والمعتقد والجنس والعرق والهوية، الكرامة تولد مع الإنسان. يستحقها الإنسان لكونه إنسانًا، ولا تتوقف على إيمانه أو سلوكه أو درجة نضجه الروحي. الحرية شرط لتحقق الكرامة، والتدين الأخلاقي يحمي الكرامة. الإيمان بالإكراه لا يصنع إنسانًا مؤمنًا، والدين الذي يهدر الحرية يهدر المعنى الأخلاقي للإيمان.

الحرية عند طه غاية في مسار ارتقاء روحي وتشريعي، أما الكرامة والحرية عند الرفاعي فهما حقان غير مشروطين ببلوغ الإنسان مرتبة روحية أو أخلاقية خاصة.

  1. مفهوم الكمال الإنساني

يستلهم طه بوضوح التصوف بلا رؤية نقدية، خاصة فكرة الإنسان الكامل. الإنسان في تصوره مشروع تطور لا ينتهي، وتتيح له العبادة وتقليد النبي والرياضة الروحية أن يرتقي من الانقسام الداخلي إلى الوحدة، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الإرادة المحدودة إلى التوافق مع الإرادة الإلهية. تتداخل في لغته مفاهيم الشريعة والطريقة والحقيقة، ويكتسب السلوك الفردي منزلة مركزية في المعرفة.

يعترف الرفاعي بالحاجة إلى الحياة الروحية، ويمنح التصوف المعرفي مكانة في اكتشاف الأبعاد العميقة للدين، بالرغم من أن الرفاعي ناقد شديد للتصوف، فهو لا يتبنى نظرية الإنسان الكامل، ولا يجعل الرياضة الروحية مصدرًا للمعرفة العامة. يميز الرفاعي بين التجربة الدينية الشخصية، والمعرفة التي يمكن مناقشتها واختبارها في المجال العام. التجربة الروحية تمنح صاحبها معنى، لكنها لا تمنحه سلطة على الآخرين.

النزعة الروحية عند طه طريق إلى كمال الإنسان وتطوير التشريع، وعند الرفاعي استجابة للظمأ الأنطولوجي وحماية للإنسان من القلق الوجودي والاغتراب.

  1. الشريعة والتشريع

يحتل التشريع قلب مشروع طه. يرى أن أحكامًا مثل الرق، والجهاد القتالي، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وتعدد الزوجات، والطلاق بصورته الموروثة، والحجاب والفصل بين الجنسين، ليست أصولًا نهائية في الإسلام. كانت حلولًا انتقالية فرضتها ظروف المجتمع القديم. حين تطورت البشرية صار من الضروري الانتقال إلى آيات الأصول المؤسسة للحرية والمساواة.

لا يقترح الرفاعي نظرية متكاملة لتطوير الشريعة على غرار طه. ينصب اهتمامه على الأسس الكلامية والأنثروبولوجية والأخلاقية التي ينبغي أن توجه فهم الأحكام. يقرر أن كل تفسير يهدر كرامة الإنسان يحتاج إلى مراجعة، وأن القيم الأخلاقية الكونية يحكم بها العقل العملي وليس النصوص الدينية، لذلك لا تخضع هذه القيم لإرادة الفقيه أو المتكلم. ويميز الرفاعي بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولا يطالب باشتقاق القوانين الحديثة من القرآن.

طه يريد الانتقال من شريعة تاريخية إلى شريعة إسلامية أرفع، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين، ويفتح المجال أمام العقل البشري لإنتاج الدولة ونظمها القوانين والمؤسسات المناسبة للعصر.

  1. الدولة والسياسة

كان طه فاعلًا سياسيًا منذ تأسيس الحزب الجمهوري سنة 1945، ودعا إلى جمهورية ديمقراطية اشتراكية فيدرالية. لم يفصل مشروعه الديني عن تصوره للنظام السياسي والاقتصادي، وعمل على اشتقاقهما من “الرسالة الثانية”. هاجم قوانين سبتمبر 1983 التي فرضها نظام جعفر النميري باسم الشريعة، ودفع حياته ثمنًا لموقفه، إذ أعدم في 18 يناير 1985.

مر الرفاعي بتجربة العمل الحزبي الديني، ثم غادرها نهائيًا سنة 1984، بعد أن اكتشف أن الأيديولوجيا تستلب الفرد وتحول الدين إلى أداة للصراع على السلطة والثروة. الرفاعي فيلسوف دين يعترف بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية. ويرى أن الإنسان هو من يضع هذه النظم بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته ومعارفه. فإذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية. يدافع الرفاعي عن الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية وأولوية الهوية الوطنية، ويرفض الدولة الدينية التي تحتكر تفسير المقدس، ولا يرى القرآن كتاب دولة، ولا يبحث في النص الديني عن نموذج جاهز للحكم.

يعمل طه على تأسيس نظام ديمقراطي اشتراكي مستمد من “الرسالة الثانية”، في حين يفصل الرفاعي بين الدين والدولة، من دون أن يفصل الدين عن حياة الإنسان وقيم المجتمع. طه يؤصل نظام الدولة في فهمه الخاص للدين.

أما الرفاعي فيرد بناء الدولة ونظمها إلى العقل والخبرة الإنسانية، ويحصر وظيفة الدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. يرى الرفاعي أن اشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية وتراكم الخبرة الإنسانية، لا من القرآن والنصوص الدينية.

  1. الديمقراطية والاشتراكية

يعد طه الديمقراطية والاشتراكية مكونين أصيلين في الرسالة الثانية. الديمقراطية عنده ليست الشورى؛ الشورى مرحلة وصاية يقود فيها الفرد الرشيد في الجماعة، أما الديمقراطية فتقوم على الحرية الفردية والمسؤولية. والاشتراكية تعبير عن العدالة الاجتماعية والمشاركة في الثروة. جمع طه بين الحرية الفردية المطلقة والمساواة الاقتصادية، وعد هذا الجمع الغاية السياسية للإسلام في مرحلته المقبلة.

يتعامل الرفاعي مع الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان باعتبارها مكاسب أنتجها العقل البشري، وراكمتها تجارب المجتمعات وخبراتها التاريخية، ولا يرى حاجة إلى إثبات أن القرآن سبق إلى صياغتها. ويؤكد أن بناء الدولة ومؤسساتها، ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية، مهمة بشرية ينهض بها العقل في ضوء تطور المعرفة وتراكم التجارب، وتظل هذه النظم خاضعة للنقد والمراجعة والتعديل. ويطالب الرفاعي باشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية، لا من القرآن. الدين برأي الرفاعي لا يقدم نظامًا للدولة، ولا برنامجًا لإدارة السلطة والاقتصاد والقانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وحماية الكرامة الإنسانية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. تستطيع القيم الدينية أن تغذي الضمير الأخلاقي للإنسان في النظام الديمقراطي، من دون أن تتحول إلى تشريعات تفرضها الدولة أو إلى أيديولوجيا تستولي على مؤسساتها. إذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية.

يؤصل محمود محمد طه الحداثة السياسية دينيًا، ويشتق الديمقراطية والاشتراكية والمساواة من “الرسالة الثانية”، في حين يعترف الرفاعي بالمصدر الإنساني للدولة الحديثة ونظمها، ويحدد صلة الدين بها في إلهام الضمير بالأخلاق، لا في إنتاج مؤسساتها وقوانينها وإدارة سلطاتها.

  1. المرأة والمساواة

دافع محمود محمد طه عن مساواة الرجال والنساء، ورأى أن التفاوت بينهما في بعض أحكام الميراث والشهادة والزواج والطلاق والحجاب ينتمي إلى شريعة مرحلية، استجابت لأوضاع المجتمع في عصر الرسالة، ولم تمثل المستوى النهائي للإسلام. ودعا إلى الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، التي رأى أنها تؤسس للمساواة الكاملة. شاركت “الأخوات الجمهوريات” بفاعلية في حركته، وكان حضور المرأة في مشروعه متقدمًا قياسًا إلى البيئة السودانية المحافظة آنذاك.

ينطلق الرفاعي من أصالة الكرامة الإنسانية وشمولها، فالمرأة والرجل متساويان في الإنسانية والكرامة والحقوق والحريات، ولا يجوز تحويل الاختلاف البيولوجي بينهما إلى تراتبية وجودية أو أخلاقية أو حقوقية. ويرفض كل تفسير ديني ينتقص من إنسانية المرأة، أو يكرس تبعيتها، أو يسلبها حقها في تقرير مصيرها. لا يبني الرفاعي المساواة على الانتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول، ولا يستخرجها من إعادة ترتيب مراتب الآيات، وإنما يؤسسها على مركزية الإنسان، وتاريخية المعرفة الدينية، واستقلال القيم الأخلاقية الكونية التي يحكم فيها العقل العملي، بالكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والعدل، وما انتهت إليه الخبرة الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمنظومات الحقوقية والقانونية الحديثة.

ينتهي المشروعان إلى الدفاع عن مساواة المرأة بالرجل، غير أن الطريق إلى هذه المساواة يختلف بينهما؛ إذ يسلك طه طريق تطوير التشريع من داخل القرآن، فيما يسلك الرفاعي طريق الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة ونقد المعرفة الدينية، ويستند إلى تطور الوعي الأخلاقي والحقوقي للبشرية. طه يبحث عن الأصل القرآني الذي يشرعن المساواة، أما الرفاعي فيرى المساواة حقًا إنسانيًا أصيلًا، يحكم به العقل العملي، ولا تتوقف مشروعيته على العثور على سند له في النص الديني.

  1. الموقف من التصوف

التصوف مكون تأسيسي في مشروع محمود محمد طه؛ فخلوته وتجربته التعبدية وتفسيره الباطني للقرآن ليست عناصر هامشية في فكره، والمعرفة الدينية لديه ثمرة مجاهدة وروحية، لا تنفصل فيها النظرية عن السلوك. لهذا اكتسبت شخصيته منزلة روحية خاصة لدى تلامذته، وغدا المعلم الروحي محورًا في تلقي مشروعه وفهم رسالته.

أما الرفاعي فيتعامل مع التصوف والعرفان برؤية نقدية، ويميز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”. تصوف الحرية يحرر الإنسان من عبودية الأهواء والأشياء والأشخاص، ويوقظ روحه، ويثري حياته بالحب والرحمة والجمال، ويحمي فرديته وكرامته واستقلاله. أما تصوف الاستعباد فيسلب المريد إرادته، ويذيب شخصيته في شخصية الشيخ، ويمنح الشيخ وصاية مطلقة على عقله وضميره وحياته، ويحول التربية الروحية إلى طاعة عمياء، والطريقة إلى جماعة مغلقة تحتكر الحقيقة والنجاة. ينتقد الرفاعي كل تصوف يعطل العقل، ويمحو الذات، ويكرس الخضوع، ويستبدل عبادة الله بالعبودية للشيخ، مثلما ينتقد الشطح حين يتحول إلى معرفة ملزمة للآخرين، والكشف حين يقدم نفسه مصدرًا للحقيقة لا يقبل النقاش والمراجعة. ويفرق الرفاعي بين التجربة الروحية الشخصية والحجة المعرفية المشتركة؛ فالإلهام والكشف يمنحان صاحبهما يقينًا ذاتيًا ومعنى روحيًا، لكنهما لا ينتجان برهانًا ملزمًا لغيره، ولا يمنحان صاحبهما سلطة دينية أو أخلاقية على الناس.

يستفيد الرفاعي من التصوف المعرفي في بناء رؤيته للحب والرحمة والحضور الإلهي، وفي تأكيد تعدد الطرق إلى الله، وتنوع سبل النجاة والخلاص، ورفض احتكار الحقيقة الدينية والرحمة الإلهية في دين أو مذهب أو فرقة. يرى الرفاعي أن طرق الوصول إلى الله تتعدد بتعدد تجارب البشر الروحية واستعداداتهم وصورهم عن الله، وأن رحمة الله أوسع من الحدود التي ترسمها العقائد المغلقة. غير أن هذه الاستفادة لا تعني تبني المنظومة الصوفية، إذ يعيد الرفاعي قراءة ميراثها في ضوء العقل النقدي والكرامة الإنسانية وحرية الضمير والمساواة.

روحانية طه طريق للمعرفة والتشريع والارتقاء نحو الحرية الفردية، في حين تمثل الروحانية عند الرفاعي أفقًا للمعنى، ومصدرًا للحب والرحمة وتعدد طرق النجاة، من دون أن تستغني عن العقل أو تهدر فردية الإنسان وحريته وكرامته.

  1. الموقف من الحداثة

يحاول محمود محمد طه إثبات أن أسمى قيم الحداثة كامنة في أصل الإسلام، وأن الحرية والمساواة والديمقراطية والاشتراكية تمثل المضامين المؤجلة للرسالة الثانية. ويعتمد تصورًا تطوريًا للتاريخ، يرى أن ما تعذر تطبيقه في القرن السابع، بسبب محدودية طاقة المجتمع آنذاك، أصبح ممكنًا بعد تطور وعي الإنسان الحديث واستعداده لتحمل مسؤولية الحرية. هكذا يستوعب طه الحداثة داخل تأويله للقرآن، ويمنح قيمها مشروعية دينية من خلال الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية.

أما الرفاعي فلا يرد الحداثة إلى أصل ديني سابق، ولا يبحث في القرآن والنصوص الدينية عن الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان ومناهج العلم الحديث، ولا يرى حاجة إلى أسلمة المكاسب التي أنتجها العقل البشري. يعترف الرفاعي باستقلال الحداثة ومصدرها الإنساني، ويتعامل معها بوصفها مسارًا تاريخيًا متنوعًا وغير مكتمل، لا كتلة مغلقة تقبل كلها أو ترفض كلها. يتعلم الرفاعي من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان ومناهج التأويل والنقد، ويستثمر مكاسب الحداثة في مراجعة علم الكلام ونقد المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها. في الوقت نفسه ينقد النزعات المادية والعدمية في الحداثة، وما تفضي إليه من اختزال الإنسان في حاجاته المادية، وافقار حياته الروحية، وتعميق اغترابه الميتافيزيقي. يقيم الرفاعي حوارًا نقديًا متبادلًا بين الدين والحداثة؛ يستعين بمكاسب الحداثة لتحرير فهم الدين من الوثوقيات والوصايات، ويستدعي المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين لمعالجة فقر المعنى والقلق الوجودي في العالم الحديث.

يدمج طه الحداثة في تأويله للقرآن ويشتق مشروعيتها من الرسالة الثانية، في حين يعترف الرفاعي باستقلال منجزها الإنساني، ويتفاعل معها نقديًا، فيتعلم من مكاسبها من دون أن يغفل تناقضاتها وحدودها.

  1. منهج إنتاج المعرفة

يعتمد محمود محمد طه التأويل الإشاري، والتمييز بين الظاهر والباطن، والأصل والفرع، والشريعة والحقيقة، ومستويات الخطاب تبعًا لتطور المتلقي واستعداده الروحي. ويتعامل مع القرآن باعتباره نصًا متعدد الطبقات، تتكشف معانيه العليا كلما ارتقى الإنسان في المعرفة والسلوك، ويجعل التجربة الروحية والمجاهدة مدخلًا إلى اكتشاف هذه المعاني. تتسم منظومته بقدر كبير من الاتساق الداخلي، غير أنها تقوم على مقدمات عرفانية وتأويلية تستمد مشروعيتها من تجربته الروحية وقراءته الخاصة للقرآن، ويصعب إخضاعها للبرهنة العقلية المشتركة خارج تجربته ومدرسته.

أما الرفاعي فيعتمد فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وتحليل المفاهيم، والنقد التاريخي، ويستفيد من معطيات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والألسنيات وعلوم اللغة الحديثة في دراسة الدين وتفسير أنماط حضوره في حياة الإنسان. المعرفة الدينية بشرية، ينتجها الإنسان في أفق لغته وثقافته وذاكرته وأسئلته ومصالحه وأحكامه المسبقة. لهذا لا يطابق الرفاعي بين الوحي وفهم الإنسان للوحي، ولا يمنح أي تفسير حصانة من النقد والمراجعة. لا يدعي الوصول إلى تفسير أخير للنص، ويرى أن فهم الدين يتجدد بتجدد الإنسان ومعارفه وأسئلته وتحول نمط معيشته وعلومه ومعارفه وثقافته. يحافظ الرفاعي على التمييز بين الإيمان والمعرفة؛ فالإيمان تجربة وجودية وروحية تمنح حياة المؤمن معنى، أما المعرفة الدينية فهي فهم بشري قابل للفحص والنقد والتصويب.

يقوم منهج طه على اكتشاف المستوى الأعلى الكامن في النص من خلال الارتقاء الروحي والانتقال من الفروع إلى الأصول، فيما يقوم منهج الرفاعي على كشف تاريخية الفهم، وحدود القارئ، وأثر قبلياته في إنتاج المعنى، وتعدد آفاق القراءة. يبحث طه عن المعنى النهائي الذي تنطوي عليه “الرسالة الثانية”، بينما يفتح الرفاعي النص على تعدد الفهوم، ويرفض احتكار تفسيره أو تحويل قراءة بشرية إلى حقيقة مقدسة ملزمة لكل إنسان.

  1. اللغة وبناء المفاهيم

لغة محمود محمد طه قرآنية صوفية، تستمد مفرداتها وصورها وبنيتها الحجاجية من القرآن وميراث التصوف، وتتحرك داخل نسق من الثنائيات: الأصول والفروع، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، الإسلام والإيمان، الشريعة والحقيقة، الظاهر والباطن، الحرية المقيدة والحرية الفردية المطلقة. تمنح هذه الثنائيات مشروعه تماسكًا داخليًا، وتتيح له بناء رؤية كلية تنتظم فيها العبادة والأخلاق والتشريع والسياسة والاقتصاد ضمن مسار واحد لارتقاء الفرد والمجتمع. تخاطب لغته القارئ بلهجة المعلم الروحي وصاحب الدعوة الواثق من اكتشافه، وتميل إلى الحسم والتقرير، ولا تترك مسافة واضحة بين تجربته الروحية الخاصة والحقيقة التي يقدمها إلى أتباعه.

أما لغة الرفاعي ففلسفية تأويلية إنسانية، تنفتح على لغة فلسفة الدين والهرمنيوطيقا وعلوم الإنسان، وتعيد بناء مفرداتها في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر. لا تكتفي لغته بشرح المفاهيم الموروثة، وإنما تنتج مفاهيمها الخاصة، مثل: “الظمأ الأنطولوجي”، و”الاغتراب الميتافيزيقي”، و”النزعة الإنسانية في الدين”، و”التدين الرحماني”، و”التدين الشعبي”، و”التدين الشعبوي”، وغيرها. تنبع هذه المفاهيم من تجربته المعرفية والروحية والأخلاقية وسيرته الذاتية، غير أنها لا تقدم التجربة الشخصية مصدرًا لحقيقة ملزمة للآخرين، وتخضع نفسها للمراجعة والنقد وإعادة النظر. لغة الرفاعي لا تنغلق على لغة الوعظ أو الدفاع العقائدي، وتستفيد من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان، من دون أن تذوب في لغتها أو تستنسخ مقولاتها. لا تعلن امتلاك تفسير أخير للدين، ولا تقدم مشروعها باعتباره منظومة، وإنما تسعى إلى إيقاظ الأسئلة وفتح آفاق جديدة لفهم الدين والإنسان.

يبني طه بلغة تقريرية منظومة مترابطة ومكتملة نسبيًا، بينما يكتب الرفاعي بلغة تساؤلية مفتوحة، ترى التفكير مسارًا لا يتوقف، وتدرك أن كل فهم بشري يظل محدودًا وقابلًا للمراجعة والتجاوز.

  1. موقع المؤلف في مشروعه

يحتل محمود محمد طه موقع المعلم الروحي وصاحب “الرسالة الثانية”، وقد ارتبطت مشروعية المشروع لدى أتباعه بمكانته الروحية وتجربته التعبدية وقراءته الخاصة للقرآن. لم يكن في نظر تلامذته مفكرًا يقدم اجتهادًا قابلًا للأخذ والرد فقط، بل كان معلمًا يكشف مستوى جديدًا من الرسالة الإسلامية، ويقود أتباعه في طريق التربية والتحقق الروحي. أنتج هذا الموقع طاقة أخلاقية كبيرة، ومنح طه شجاعة استثنائية في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية، وجعله نموذجًا حيًا لوحدة الفكر والموقف والسلوك، لكنه ربط المشروع بشخص المؤسس، وجعل كثيرًا من مقدماته الروحية والتأويلية تستمد قوتها من الثقة بمقامه أكثر مما تستمدها من برهنة عقلية مشتركة.

أما الرفاعي فلا يمنح نفسه سلطة دينية أو مقامًا روحيًا، ولا يقدم مشروعه في صورة رسالة جديدة، ولا يؤسس جماعة أو طريقة أو تنظيمًا يطالب أتباعه بالطاعة والامتثال. تحضر ذاته في كتاباته من خلال السيرة الفكرية والاعتراف والتحولات والمراجعات ونقد تجاربه السابقة. يتحدث الرفاعي عن ذاته باعتبارها ذاتًا مفكرة، تكشف مسار تعلمها وأخطاءها وتحولاتها ومراجعاتها، لا ذاتًا تؤسس للطاعة أو تحتكر الحقيقة. يكتب الرفاعي من داخل تجربة إيمانية وفكرية شخصية، لكنه لا يحول تجربته إلى معيار ملزم للآخرين، ولا يجعل منزلته أو سيرته مصدرًا لمشروعية أفكاره. تستمد الفكرة قيمتها لديه من قدرتها على التفسير والحوار والإقناع، وما تفتحه من أفق للفهم، وما توقظه من أسئلة، وتظل خاضعة للنقد والمراجعة بصرف النظر عن مكانة قائلها.

يتمحور مشروع طه حول شخصية المعلم الذي يكشف الرسالة الثانية ويجسدها في حياته، فيما يتمحور مشروع الرفاعي حول الإنسان المفكر الحر، الذي لا يحتاج إلى شيخ أو وصي كي يفهم ذاته ويتلقى ايمانه ويصوغ معنى حياته. ولهذا ظل مشروع طه وثيق الصلة بمؤسسه وجماعته، في حين يسعى مشروع الرفاعي إلى إنتاج فضاء فكري مفتوح، لا يتطلب الانتماء إلى جماعة، ولا يقوم على التلقي والطاعة، ويترك للقارئ حرية الحوار معه والاختلاف عنه وتجاوز أفكاره.

  1. أعمق نقطة افتراق

محمود محمد طه مصلح ديني وصاحب دعوة، أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد. ويتجلى أعمق اختلاف بين المشروعين في السؤال الآتي: هل يتطلب التجديد اكتشاف المستوى الأعلى من الشريعة الكامن في القرآن، أم يتطلب إعادة النظر في طبيعة الدين ووظيفته وحدود المعرفة الدينية؟

يجيب طه بأن الإسلام ينطوي على مستوى نهائي لم تطبقه المجتمعات الإسلامية تاريخيًا، وأن البشرية بلغت من التطور ما يؤهلها لبعثه في صورة “الرسالة الثانية”. يقوم التجديد لديه على الانتقال من آيات الفروع المدنية، التي استجابت لطاقة مجتمع القرن الأول الهجري، إلى آيات الأصول المكية المؤسسة للحرية والمساواة.

أما الرفاعي فيرى أن الدين ليس برنامجًا شاملًا للدولة والتشريع والاقتصاد والإدارة، ولا يستبطن نظمًا سياسية وحقوقية وقانونية جاهزة تنتظر من يستنبطها من النص. تتمثل مهمة الدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من اغترابه الميتافيزيقي، وحماية كرامته، وإيقاظ ضميره الأخلاقي، وإغناء حياته بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. أما بناء الدولة ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية، فهي مهمة ينهض بها الإنسان بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته وتطور وعيه الحقوقي.

يجدد طه الإسلام من داخل بنية الشريعة، ويبحث في القرآن عن شريعة المستقبل، في حين يجدد الرفاعي التفكير الديني عبر نقد الأسس الكلامية والمعرفية التي حولت الدين إلى شريعة شاملة وأيديولوجيا سياسية. يريد طه توسيع الإسلام ليقدم نظامًا حديثًا للحياة والدولة، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين لحماية وظيفته الوجودية، ويحرر الدولة من سلطة المقدس، ويحرر الدين من استحواذ الدولة والجماعات السياسية.

خاتمة

يشترك عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه في الانحياز إلى الإنسان، والدفاع عن الحرية والمساواة، ونقد التدين القسري، ومقاومة توظيف الشريعة في الاستبداد وإهدار الكرامة. يرى كلاهما أن الفهم الديني الموروث لا يستجيب لتحولات عالم الإنسان الحديث، وأن الدين يفقد رسالته حين يتحول إلى خوف وعنف ووصاية. غير أن هذا الاشتراك في الغايات الإنسانية لا يعني وحدة المنطلقات والمناهج والنتائج، فلا يمثل مشروع الرفاعي امتدادًا لمشروع طه، ولا يمكن إدراجهما في اتجاه فكري واحد. محمود محمد طه مصلح ديني متصوف، وصاحب دعوة ونظرية في تطوير التشريع، أراد تأسيس مجتمع ديمقراطي اشتراكي عادل يستمد نظامه السياسي والاقتصادي والقانوني من “الرسالة الثانية في الإسلام”.

أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد، يعمل على تحرير الدين من الأيديولوجيا، وإعادة بناء علم الكلام ليشبع حاجته الإنسان الوجودية إلى المعنى. وتفسير مركزية الإنسان في الأرض بوصفها امتدادًا لمركزية الله في الوجود، بمعنى استخلاف الله للإنسان ونيابته الشاملة عنه في الأرض. يبحث طه عن شريعة المستقبل داخل القرآن، فيما يبحث الرفاعي عن معنى الدين ووظيفته في الحاضر والمستقبل. يريد طه نقل المجتمع من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، ويريد الرفاعي نقل التفكير الديني من نسيان الإنسان إلى مركزية الإنسان، ومن احتكار الحقيقة إلى تعدد الفهم، ومن لاهوت الخوف والطاعة إلى إيمان الحب والرحمة والحرية والكرامة.

يدمج طه الروحي والتشريعي والسياسي والاقتصادي داخل رسالة دينية شاملة، في حين يميز الرفاعي بين هذه المجالات حماية للدين والإنسان والدولة؛ فالدين لديه لا ينتج نظام الحكم أو الإدارة أو الاقتصاد أو القانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية.

يقدم طه تصورًا مكتملًا نسبيًا لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام، ويمنح تجربته الروحية وقراءته للقرآن موقعًا مركزيًا في هذا التصور، أما الرفاعي فيقدم أفقًا نقديًا مفتوحًا لتجديد فهم الدين، ولا يدعي امتلاك تفسير نهائي أو حقيقة تلزم الآخرين. يؤصل طه الديمقراطية والاشتراكية والمساواة دينيًا، بينما يعترف الرفاعي باستقلال العقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة الحديثة ونظمها وحقوقها وقوانينها.

هنا تتجلى فرادة كل مشروع: شجاعة محمود محمد طه في إعادة بناء التشريع من داخل القرآن، ودفاعه عن الحرية والمساواة في مواجهة سلطة انتهت إلى إعدامه، وفرادة عبد الجبار الرفاعي في إعادة تعريف الإنسان والدين والوحي والنبوة وتنوع الطرق إلى الله والشريعة والتكليف، انطلاقًا من حاجة الإنسان إلى المعنى، وتحريره من احتكار الدولة والجماعة والأيديولوجيا، مع ترك بناء الدولة ونظمها وقوانينها وبرامجها وإدارة شؤونها للعقل البشري وتراكم تجاربه وخبراته.

 [1] كاتب من السودان، ود مدني.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=926112

حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا

حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما تتشكل الهوية في سياق إمبراطوري، فإنها تتغذى من نرجسية الكبرياء الإمبراطوري، وتولد مشبعة بشعور الغلبة، ممتلئة بإحساس الثروة المادية والثراء المعنوي والرمزي، فخورة بذاتها، مركزية في رؤيتها للعالم، تتوهم أنها المعيار الوحيد لغيرها، وأنها الأصل وما عداها فروع وهوامش. أما حين تتشكل الهوية في سياق احتلالات متعاقبة واستعباد أجنبي، فإنها تولد مقهورة مستلبة، متشظية البنية، مكسورة الإرادة، عاجزة عن الاعتزاز بالذات أو استشعار السيادة. الهوية التي تنمو على الهامش تصير جرحًا مفتوحًا، فلا ترى نفسها بما يليق بها، وإنما تثقلها عقدة النقص، فتتطلع إلى الآخر بعين الهيبة والإجلال، وتظل عالقة في مراياه، تدور في مداراته، وتسقط أحلامها في مشاريعه، وتعيش على تصوراته عن الذات والتاريخ والعالم.

الهوية المتشكلة في بلد محتل، يعاني من الاضطهاد، ويفتقر الى منابع الشعور بالعزة والكرامة والفاعلية، تنتج انسانًا مأزومًا مقهورًا، يفشل في تعريف ذاته، مشدودًا الى الخارج بحثًا عن بديل. يسعى الإنسان في هذه الحالة الى تقمص هوية الآخر للهروب من واقعه، فيغترب عن نفسه، ويغدو منفيًا في داخله، مستلبًا في وجدانه، غريبًا في وطنه. هذا ما عاشه العراقي طويلًا تحت وطأة الاحتلالات والسلطات الوافدة، التي لم تعبر عن ذاته، ولم تنبع من ثقافته، ولم تجسد إرادته، فأعاق ذلك بناء وتجذير هوية وطنية ترسخ شعوره العميق بالانتماء لأرضه، وتغذي الذاكرة الجمعية بالروح الوطنية.

في سياق ذلك تشكل لدى العراقي وعي مأزوم، وشعور بالانتماء إلى هوية معاقة، جعله في كثير من الأحيان ينظر إلى الخارج مرجعًا للشرعية ومصدرًا للقوة. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية إلى جرح مفتوح يعطل إمكان ولادة وعي وطني سيادي، ويفاقم هشاشة الانتماء، ويضعف القدرة على بناء دولة حديثة تنبثق من الذات، وتستعيد ثقتها بنفسها. دولة تستلهم حضارات العراق وثقافته ورموزه، وتوظف معطيات الفكر السياسي الحديث، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يعيد للمواطن شعوره بالعزة والكرامة، عبر انتمائه إلى أرضه ومصالحه المشتركة مع شركائه في التاريخ والمصير.

مقارنة الهوية الوطنية العراقية بهويات وطنية لشعوب أخرى تكشف حجم الفارق، إذ استطاعت شعوب عانت من الاحتلال والقهر، أن تولّد من جراحها طاقة إيجابية، وبنت على آلامها وعيًا سياديًا،كما فعلت بعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو شعوب فيتنام وشرق آسيا، التي نهضت من ركام الاستعمار والحروب لتؤسس دولًا حديثة صناعية. أما العراقي فبفعل توالي الاحتلالات وطول أمدها، وغياب دولة وطنية متجذرة في لاشعوره السياسي ظل أسير وعي مأزوم، عاجزًا عن تحويل مأساته الى مشروع جامع، ولبث في دائرة التبعية والبحث عن خلاص خارجي. هنا تكمن المفارقة، إذ نجحت شعوب في تحويل جراحها الى ولادات جديدة، في حين ظل الجرح العراقي مفتوحًا، يعيد إنتاج الاغتراب السياسي، الذي يعيق إقامة دولة المواطنة الحديثة.

واحدة من أبرز آثار الاحتلالات الأجنبية المتوالية لبلاد الرافدين أن المحتل كان يفرض تغييرًا في البنية الديموغرافية، وذلك التغيير يقود إلى اختلال النسيج المجتمعي لأهل الأرض الأصليين. المحتل يصحبه جنوده ولا يأتي وحده، وغالبًا ما ترافقه كتل بشرية من قومه تقيم مستوطنات في الأرض المحتلة. هؤلاء، حين يمكثون في البلاد لسنوات، يتحولون إلى مكون من مكونات المجتمع، لكنهم يواجهون عقبات متعددة في عملية الاندماج، ويستبطنون دائمًا هوياتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وقيمهم، الراسخة في لاشعورهم الفردي والجمعي. إثر ذلك ينشأ اضطراب الهويات، ويظهر ازدواج الولاء، إذ يظلون منتمين في لاشعورهم السياسي إلى أقوامهم وقيمهم وثقافاتهم وأرضهم وأوطانهم من جهة، ومن جهة أخرى يسعون للانتماء إلى هوية البلاد التي استوطنوها، فيواجهون ممانعة ورفضًا. يؤدي هذا الاضطراب إلى تصدع الهوية الوطنية للسكان الأصليين كلما تعرض الوطن للاجتياح، خاصة في بلد مثل العراق توالت عليه الاحتلالات في عصوره المختلفة.

الامتداد المتصل لسلطات محتلة لم تتجذر في تربة العراق، واستيعاب كتل بشرية لم تنبثق من نسيجه الاجتماعي والقيمي والثقافي والرمزي التاريخي، رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، وأعاق تشكل هوية وطنية جامعة، وقوّض الإمكان التاريخي لولادة دولة تمثل الهوية الوطنية العراقية. تلك السلطات، ومن هاجر معها من أقوامها، لم تنبثق من الأرض العراقية، ولم تتجذر في ثقافتها وذاكرتها، وإنما بددت إمكانات ولادة دولة تعبر عن الهوية العراقية وتكرس الانتماء للوطن. هذا الامتداد الطويل للسلطات غير الوطنية أفضى إلى انقطاع الذاكرة السياسية، وتعطيل تراكم الخبرة المحلية، وحال دون تشكّل مدينة عراقية تعكس معنى الدولة، وتؤسس لنمط عيش حديث يقوم على القانون والمؤسسات، وعندما تندثر المدينة تندثر معها البنية المؤسِّسة للدولة.

غيابُ أيِّ أفقٍ للتربية على المواطنة في أدبيات الإسلام السياسي السني والشيعي يُفضي إلى إضعاف الضمير الوطني، ويطفئ في وعي الإنسان إحساسه العميق بالانتماء إلى هويته الوطنية. حين تستبدل الهوية الوطنية بهوياتٍ مستعارة، يتآكل الشعور بالمصير المشترك، ويغدو الوطن كيانًا باهتًا في الوجدان، لا يوقظ ولاءً ولا يستدعي تضحية. عندئذٍ تتبدد رمزية الوطن في المخيلة، ولا يكترث أبناؤه بما يعكس حضوره ويكرسه في الوجدان، بل يزدرى بعضهم رموزه، كالميراث الحضاري العريق، والعلَم، والنشيد الوطني، والفنون، والرياضة، وأمثالها. مثلًا ‏التأهل لكأس العالم يمثل قيمة ثمينة، تعزز رصيد الوطن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتلتقي عليها الهوية الوطنية لكل أبناء الوطن، وتحتجب الهويات الطائفية والعرقية وكل ما يتسبب في الانقسام.

التأهلُ لكأس العالم ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، إنما هو لحظةٌ كثيفةُ المعنى في وعي المواطن، تتجلى فيها طاقةُ الانتماء في أبهى صورها. حين يحضر الوطن في هذا المحفل الكوني، يتعزز رصيده السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتحوّل إلى حضورٍ رمزيٍّ يوقظ الشعور بالكرامة، ويُنعش الإحساس بالمصير المشترك. في هذه اللحظة، تلتقي الهوية الوطنية بكل تنوّعاتها، وتتراجع الهويات الضيقة، الطائفية والعرقية، إلى الظل، وينفتح الأفق أمام معنى جامع يرى الإنسان فيه ذاته جزءًا من كلٍّ أكبر يحتضنه. لهذا تنفق الدول موارد هائلة من أجل هذا الحضور، كما فعلت قطر في قرارها الذكي، حين انفقت 120,000,000,000$ من أجل أن تستضيف كأس العالم، ولتكون مركزًا كونيًا في لحظة رياضية جامعة للعالم. ما يتحقق في كأس العالم يُقاس بما يخلقه من رأسمال رمزي، وصورةٍ ذهنيةٍ للوطن في الوعي العالمي، وما يغرسه في وجدان أبنائه من ثقةٍ بأنفسهم، واعتزازهم بوطنهم. إن حضور كأس العالم يتجاوز الرياضة إلى كونه فعلًا يعيد بناء المعنى الوطني السياسي، ويمنح الدولة مكانة دولية استثنائية، ويرسخ الانتماء للوطن لدى أهله، في لحظة تلتقي فيها القلوب قبل الشعارات، وتتوحد فيها المشاعر قبل الخطابات، وتستفيق فيها الذاكرة الوطنية بوصفها حاضنة لمعانى المصالح والمصائر والعيش المشترك.

 

https://alsabaah.iq/132252-.html

الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض

الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض

د. عبد الجبار الرفاعي

ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر المتضامنة، وعلى شعور حي بالانتماء إلى الوطن، بوصفه أفقًا جامعًا وملاذًا إنسانيًا يأوي إليه الجميع. تتحقق دولة المواطنة حين تتجسد المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق وأمام القانون، ويتكافأ الجميع في الفرص، وتُسند المسؤوليات إلى كل مواطن وفقًا ومواهبه وإمكاناته وتكوينه العلمي وتخصصه، في إطار نظام عادل يضمن كرامة الإنسان ويصون حرياته ويحمي حقوقه، ويؤسس لعقد اجتماعي يربط بين الدولة ومواطنيها على قاعدة العدالة والإنصاف.

أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء إلى العقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه إلى وطن آخر، حتى لو كان في أقصى أطراف الأرض، إذ تتراجع الجغرافيا في هذه الحالة إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الرابط العقدي هو المحدد لشكل الانتماء وحدوده. في حين تحرس الحدود الوطنية سيادة الدولة وتصونها من أي نفوذ خارجي أيًا كان مصدره، ولا تسمح بتوظيف موارد الوطن وثرواته خارج مصالح أبنائه تحت أية ذريعة. حدود الدولة الوطنية ترسمها خارطة الأرض، وما تعكسه من إرادة سياسية وهوية جامعة تتجسد في حماية المجال الوطني، وضمان توجيه ثرواته لبنائه وعيش مواطنيه.

الحدود الأيديولوجية لا تحمي الأوطان، إنها تفتّت خرائطها، وتحولها إلى كيان مفتوح لا يختص بالمواطنين، يتّسع لكل من يعتنق أيديولوجيا السلطة. تكشف ذلك تجارب الأنظمة اليسارية والقومية، منذ تأسيس الاتحاد السوفياتي وما تلاه، كما يتكرر اليوم في أنظمة أصولية في بعض الدول. في هذا الواقع يُعامل الأجنبي المتبني للأيديولوجيا ذاتها بوصفه شريكًا كامل الشرعية، يتمتع بحقوق واسعة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وقد يفضي هذا النمط من الشراكة إلى اختلال ميزان السيادة، حين يتمادى هذا الشريك في توظيف موقعه، فيتجاوز حدود المشاركة إلى الهيمنة، ويغدو في بعض المواقف أقدر على توجيه القرار من الحاكم والمواطن معًا.

ينبغي أن يتجذر الحس الوطني في تشكل الهوية في وعي كل مواطن في مجتمعنا، على أساس أسبقية الانتماء إلى الوطن بوصفه الإطار الجامع، فيرى العراقي نفسه عراقيًا أولًا، ثم عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، ثم مسلمًا أو مسيحيًا أو مندائيًا أو إيزيديًا، ثم شيعيًا أو سنيًا أو كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا أو أرثوذكسيًا، وهكذا في تدرج يرسخ وحدة المجال الوطني من دون أن يلغي تنوع الانتماءات. في هذا الترتيب لا تذوب الهويات الفرعية، وإنما تنتظم في أفق وطني أوسع، يضمن تماسك المجتمع، ويحول دون انقسامه إلى ولاءات متنازعة تقوّض الدولة، وتبدد إمكان العيش المشترك. هذا التسلسل الهوياتي يمكننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، ويؤسس للمواطنة الدستورية بوصفها القاعدة التي تقوم عليها الدولة اليوم، حيث تنتظم الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي واحد، ينتمي فيه الجميع إلى أرض مشتركة، ومصائر مترابطة، وتاريخ واحد، ويتضامنون على مصالح جامعة. في سياق هذا الفهم لا يُلغى التنوع، وإنما يُعاد ترتيبه داخل إطار وطني يضمن تماسك المجتمع واستقرار الدولة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتتقدم الطائفة أو القومية، ويتراجع الوطن إلى مرتبة دنيا، يتعذر تشييد دولة المواطنة بمعناها السياسي، ويخفق مشروع الدولة الحديثة، لأن الولاءات المتنازعة تستنزف المجال العام وتبدد إمكان بناء عقد وطني جامع.

اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يزيح الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص تحكمه العصبية، ويقيمه هاجس الدفاع عن الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية الجامعة. حين تتصدر القومية أو الطائفة موقع الهوية الأولى، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، يتآكل المعنى الذي يجمع المواطنين في إطار واحد، ويضمحل أثر المصالح المشتركة والمصائر المتداخلة والتاريخ المشترك في بناء الدولة. في هذا المجتمع يتفكك المجال العام إلى ولاءات متنازعة، ويغدو العقد الوطني هشًا، عاجزًا عن تأسيس سلطة عادلة تمثل الجميع وتصون كرامتهم. عندئذ تتوارى الهوية الوطنية خلف الهوية الفرعية، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن، ويغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها يظل مشروطًا بولاء سابق أو موازٍ للجماعة، ووضع كهذا لا يتيح قيام عقد اجتماعي يلتقي عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية الطائفية والقومية وتغيب الهوية الوطنية، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بسواه ممن يعيش معه على أرضه ويلتقي معه في المصائر والمصالح، فيغدو الوطن ساحة لصراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المتضامنة.

تفشت في جيلنا والجيل السابق اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي ينتمي إلى فضاء أيديولوجي عابر للحدود قبل انتمائه إلى وطنه، فيرى ذاته في الاتحاد السوفياتي ومحوره، أو في الصين والدول التي تدور في فلكها، يستمد منها تصوره للسياسة والدولة والمجتمع. وكان القومي العربي يقدم انتماءه إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية على انتمائه الوطني، ويرتبط رمزيًا بقيادتها وتنعكس في رؤيته ومواقفه السياسية مواقفها ورؤيتها. كما تمثلت في تجربة جمال عبد الناصر وأمثاله من القوميين، بما حملته من قدرة على تعبئة الجماهير، وصياغة خطاب تجييشي عاصف عابر للحدود. ثم اتخذ الانتماء لدى تيارات الإسلام السياسي مسارًا مماثلًا، إذ غدا الارتباط بالدول أو المرجعيات الدينية، كل بحسب موقفه المذهبي، متقدمًا على الانتماء الوطني، بما يعيد إنتاج ولاءات تتجاوز الدولة وتضعف مركزيتها في وعي المواطن.

عشتُ اضطرابات الهوية السياسية بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يمثل الهوية الأصلية، وأن العقيدة لا تحدها أرض، كما رسخته أدبياتها في وعينا. في تلك المرحلة تراجع حضور الوطن بوصفه أرضًا وتاريخًا وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة، وتوارى في وعينا، فلم نعد نرى في الانتماء إليه إطارًا جامعًا يوحّدنا مع أبناء هذه الأرض الذين نتقاسم معهم العيش على تربة العراق الطيبة. هيمنت ولاءات عابرة للحدود، تستمد معناها من خطاب أيديولوجي يعلو على الواقع ويتجاوز شروطه، فحجبت معنى الوطن، وأضعفت الشعور بالانتماء إليه.

لم تنكشف لي هويتي العراقية، وتنبعث في ضميري، ولم يترسخ انتمائي الفعلي إلى وطني، إلا في تجربة المنافي، حين عشت سنوات طويلة في أكثر من بلد.كنت أواجه في كل مرة نظرة الآخر إلي بوصفـي أجنبيًا، منزوع الحقوق قياسًا بما يتمتع به هو، ومقيد الحريات قياسًا بما يملكه. في ذلك الامتحان القاسي للغربة أخذت الهوية الوطنية تستيقظ في أعماقي، حتى استفاقت بكامل حضورها، لحظة تذوقت معنى الخلاص من اغتراب امتد عقودًا، وعشت بهجة الكرامة تحت سماء وطني العراق، إذ لا سماء كسماء وطني. منحني العيش على أرض العراق، بعد عودتي من المنفى، شعورًا بالثقة والعزة والرفعة، وأنا أستعيد صلتي بأرض انتميت إليها وجودًا وثقافة وتاريخًا، وتكونت في أفيائها هويتي الوطنية الأولى.

 

الأخلاق لا تُغني عن القانون في بناء الدولة

الأخلاق لا تُغني عن القانون في بناء الدولة

د. عبد الجبار الرفاعي

تتحدد الهوية السياسية للإنسان بين تصورين متباينين: الإنسان بوصفه مواطنًا، والإنسان بوصفه رعية، ففي التصور الأول يتجلى الإنسان ذاتًا قانونية وأخلاقية فاعلة، يتأسس وجود الدولة على اعترافها به مواطنًا كامل الحقوق والمسؤوليات، ويغدو شريكًا في صناعة الشأن العام، لا تابعًا لإرادة فوقية، أما في التصور الثاني فينكمش الإنسان إلى موقع التابع، وتُبنى العلاقة السياسية على منطق الوصاية، حيث يُقدَّم الحاكم بوصفه راعيًا، ويُنظر إلى الناس بوصفهم رعية، كما شاع في مجتمع دولة الخلافة، في هذا الأفق تنحسر فاعلية الإنسان، ويتراجع حضوره في المجال العام، ويبهت معنى المواطنة بوصفها تعبيرًا عن الكرامة والحرية والمسؤولية المشتركة.

في دولة المواطنة الحديثة، لا تتشكل هوية الدولة إلا من خلال هوية الإنسان بوصفه مواطنًا، إذ يمنح توصيف الإنسان مواطنًا الدولة معناها، ويحدد طبيعة نظامها، ويرسم أفق شرعيتها، لأن الدولة هنا لا تقوم على روابط ما قبل وطنية، بل على رابطة قانونية وأخلاقية تؤسس لعلاقة متوازنة بين الإنسان والوطن. عندئذ يغدو كل تشريع، وكل قرار، وكل موقف سياسي، محكومًا بمعيار واحد هو الانتماء إلى الوطن، بوصفه إطارًا جامعًا للحقوق والواجبات، لا إلى الدين، ولا إلى المذهب، ولا إلى القومية، ولا إلى أي انتماء ضيق يختزل الإنسان ويقيده خارج أفق المواطنة التي تصون كرامته وتكفل حريته وتؤسس لعيش مشترك يقوم على العدالة والاعتراف المتبادل.

الوطن في سياق هذا المفهوم، لا يُختزل إلى مساحة جغرافية، بل يتجلى إطارًا جامعًا يحتضن جميع أبنائه على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم، ويمنحهم معنى الانتماء المشترك الذي يتجاوز كل رابطة ضيقة، وكل ما لا يستمد مشروعيته من هذا المعنى للوطن، ولا يتصل بكرامة الإنسان بوصفه مواطنًا، يظل خارج أفق دولة المواطنة الحديثة. تتأسس هذه الدولة على المواطنة الدستورية وسيادة القانون، وعلى منظومة قيم تنسجم مع روح العدالة وتترجمها في الواقع، بحيث يخضع الجميع للقانون من دون امتياز ومن دون استثناء. في ضوء هذا الفهم تتأسس الدولة التي ترى في الإنسان غايتها، فتصون كرامته، وتحمي حرياته، وتبني العيش المشترك بوصفه تعاقدًا قانونيًا وأخلاقيًا بين مواطنين أحرار، يتقاسمون المسؤولية كما يتقاسمون الحقوق، ويصوغون معًا معنى الوطن في حياتهم اليومية. لا تتحقق دولةُ المواطنة الحديثة بالفضائل الأخلاقية الفردية وحدها، لأن الأخلاق، مهما سمت، لا تؤسس نظامًا عامًا قادرًا على إدارة المجتمع، ولا تحلّ محلّ القانون، ولا تعوّض عن المعارف العلمية والخبرات المؤسسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. الأخلاق قيمة روحية وإنسانية عليا، غير أنها تعمل في مجال الضمير الشخصي، بينما تتشكل الدولة في مجال التنظيم، والتشريع، وتوزيع السلطة، وإدارة المصالح العامة.

كما أن الرهان على الإيمان والتقوى لا تكفي لحماية الدولة من الفساد، ولا تضمن العدالة، ولا تصون كرامة الإنسان، ما لم يتحقق ذلك في إطار قوانين عادلة، ومؤسسات تخضع للمساءلة، ونظام لبناء الدولة الحديثة يستمد أسسه من العلوم الإنسانية والاقتصادية والسياسية والحقوقية الحديثة. الدولة لا تقوم على طهارة الضمائر وحدها، وإنما تتأسس على تنظيم عادل للسلطة، وفصل حقيقي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإدارة عادلة للمصالح العامة، ومعايير واضحة للمحاسبة والرقابة. إن مشكلات الحكم وإدارة الدولة لا تجد طريقها إلى الحل عبر المواعظ أو حسن النيات، وإنما تحتاج إلى عقل مؤسسي قادر على قراءة الواقع كما هو، وإلى تدبير عقلاني يعي تعقيد المجتمع وتعدد مصالحه، وإلى امتلاك أدوات الدولة الحديثة التي تتيح تحقيق التنمية الشاملة، وضمان الحقوق، وصيانة المواطنة بوصفها رابطة قانونية وأخلاقية جامعة، تتجسد في الواقع المعيش، ولا تبقى وعدًا أخلاقيًا مؤجَّلًا في أفق الأمنيات.

لا تُقاس الكفاءة السياسية والإدارية بدرجة التقوى والورع الديني، ولا تُستمد أهلية الحكم من طهارة الروح، ولا من الانتماء الاعتقادي، ولا من الوفاء للمدونة الفقهية الموروثة. تتحدد أهلية الحكم بالكفاءة المهنية، والخبرة العملية، والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة، وخدمة المصلحة العامة، والإخلاص للوطن والمواطن، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه جميع المواطنين على قدم المساواة. أخفقت الدول الدينية في عصرنا إخفاقًا واسعًا في بناء مؤسسات حديثة قادرة على الإدارة الرشيدة، كما عجزت عن ترسيخ الانتماء الوطني الجامع، وحماية المصالح والمصائر المشتركة لمجتمعاتها. أنهك الفساد هذه الدول، وتغلغل في بنيتها الإدارية والاقتصادية، حتى صارت تتقدم على غيرها في مؤشرات الفساد العالمية، في مشهد يكشف عجز تدين رجال السلطة عن إنتاج دولة عادلة، ويؤكد أن إدارة الدولة شأن معرفي ومؤسسي ينتجه العقل وتراكم الخبرة البشرية، لا اختبارًا دينيًا لتدين المسؤول.

يتطلب بناء الدولة الحديثة وعيًا سياسيًا ناضجًا، وإدراكًا عميقًا لبنيتها المركبة، ومعرفة دقيقة بمنطق إدارتها، واعتمادًا على العلوم والمعارف والخبرات المتخصصة في تنظيم السلطة وتسيير المؤسسات العامة. الدولة شأن عام تحكمه القواعد، وتضبطه القوانين، وتديره مؤسسات تخضع للمساءلة. إن التقوى وطهارة القلب يمكن أن تثري الضمير الأخلاقي للفرد، وتدعم التزامه بالقانون واحترامه للآخرين، غير أن هذه القيم تظل في مجالها الروحي والأخلاقي، ولا تتحول بذاتها إلى أسس صالحة لبناء دولة المواطنة أو لترسيخ نظام سياسي حديث. الدولة الحديثة تتأسس على العقل المؤسسي، وعلى سيادة القانون، وعلى إدارة عادلة للمصالح العامة، تضمن الحقوق، وتحمي كرامة الإنسان، وتساوي بين المواطنين بوصفهم شركاء في الوطن، لا رعايا يُختبرون بمعايير التدين أو سلامة القلوب وصفاء النيات.

تنشأ دولة المواطنة الحديثة حين يتأسس المجال العام على القانون العادل، وعلى منظومة حقوق وحريات تصون كرامة الإنسان، وتكفل المساواة بين المواطنين جميعًا، وتضمن العدالة في تنظيم السلطة وتوزيع المسؤولية. لا تتوقف شرعية هذه الدولة على درجة التدين الفردي، ولا على صفاء الضمائر، ولا على الانتماءات الاعتقادية. الدولة شأن عام يقوم على الدستور وينظمه القانون، وتديره مؤسسات، وتحكمه قواعد واضحة خاضعة للمساءلة. لا يحول غياب التقوى والورع دون قيام دولة تحمي الحقوق والحريات، ما دام القانون حاضرًا، وما دامت القيم العامة منسجمة معه، وما دام تطبيقه يسري على الجميع من غير تمييز. القانون العادل حين يحكم المجال العام يحد من تغول السلطة، ويكبح الفساد، ويؤسس للثقة بين الفرد والدولة، ويمنح المواطنين شعورًا بالأمان والاستقرار. أما الأخلاق، على سموّها، فتعمل في مجال الضمير الشخصي، وتغني الحياة الإنسانية، وتدعم الالتزام بالقانون، غير أنها لا تتحول بذاتها إلى نظام لإدارة الدولة أو أداة لتنظيم الشأن العام. تقوم دولة المواطنة على مبادئ العدالة، والمساواة، وسيادة القانون، ولهذا تتقدم دول كثيرة غير مسلمة في كفاءة مؤسساتها، وفي جودة إدارتها، وفي ترسيخ الثقة العامة، حيث يتحلى موظفوها بدرجة عالية من المهنية، ويؤدون أعمالهم بإخلاص، ويحترمون القانون، من غير أن يستند أداؤهم إلى انتماء ديني أو مرجعية اعتقادية. في هذه التجارب، لا يُختبر المواطن في ضميره، ولا يُسأل عن إيمانه، لأن الدولة تقيس أداء الأفراد بالكفاءة، وتحدد المسؤوليات بالقانون، وتضبط السلطة بالمحاسبة.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=385007

خذلان الجغرافيا لبلاد الرافدين

خذلان الجغرافيا لبلاد الرافدين

     د. عبد الجبار الرفاعي

قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.

لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.

مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.

أما بلاد الرافدين فكانت دومًا مطمعًا للغزاة، لما تنفرد به أرضها من خصوبة، ووفرة مياه، وغنى بالثروات، وافتقار إلى أسوار طبيعية تصد المحتلين. تمتد أرض الرافدين السهلية من الشمال إلى الجنوب، ويخترق سهولها نهران عظيمان، دجلة والفرات، فيمنحانها شروط الري ويوفران المياه بغزارة، وهي الشرط الضروري للزراعة ولأشكال الحياة المتنوعة. هذا الانفتاح الجغرافي لبلاد الرافدين جعلها هدفًا دائمًا للقوى الطامعة بثروتها الزراعية وغيرها وموقعها التجاري. منذ سقوط بابل تعاقبت على احتلالها إمبراطوريات وقوى خارجية متعددة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات متكررة في مسار التجربة التاريخية لإنسان هذه الأرض، فعطّل التراكم الاقتصادي والمعرفي والرمزي، وأضعف شروط تشكّل الدولة، وأخّر انبثاق وعي سياسي وطني وتجذره. هكذا أصبحت الجغرافيا التي أنجبت حضارات عظيمة في وادي دجلة والفرات هي نفسها التي جعلت هذه الأرض مكشوفة أمام الغزاة، فكان تاريخها سلسلة متواصلة من الصعود الحضاري تتخلله انقطاعات موجعة بسبب الغزو الخارجي.

لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.

لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.

الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.

 

https://alsabaah.iq/130095-.html

 

 

لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة

لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة

د. عبد الجبار الرفاعي

ليس بوسعنا بناء تفسير علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا من دون العودة إلى تجربة دول الخلافة وأمثالها، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية للمسلم، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث العريق في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة، تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام ربما تتوارى في أزمنة لكنها لا تموت. تشكلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسة للسلطة فحسب، بل بما هي منبع للمتخيل الذي تشكل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاتها حول المشروعية السياسية وغيرها، وولد فيه وتجذر وعي الإنسان المسلم السياسي ولاوعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، وللسلطة، والحكومة، وشكل الدولة.

يتحول الإنسان في دولة الخلافة وأمثالها إلى رعية خاضعة، لا إلى مواطن معترف بكرامته وحريته وحقوقه، ويفرض عليه السمع والطاعة المطلقة للخليفة مهما كانت أفعاله وقراراته. في هذا النمط من الحكم لا يُعامل الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، وإنما يستعمل أداةً للسلطة وتأبيدها. تنتقل الخلافة داخل العائلة الحاكمة منذ لحظة التأسيس الأولى، ويُمنح هذا الانتقال غطاءً دينيًا يوهم الناس أن شرعية الحكم مستمدة من الله، لا من إرادتهم الحرة أو اختيارهم الواعي. ويتشكل لاهوت سياسي للطاعة كآلية لاحتكار الحديث باسم الله، حيث يجري استدعاء السماء لتبرير القهر في الأرض، ويُوظف الدين لإسكات الضمير، وتعطيل السؤال، ومصادرة حق المواطن في المشاركة والمراقبة والمحاسبة. في هذا الواقع تتحول الطاعة من التزام أخلاقي نابع من القناعة إلى خضوع مفروض بالقوة والقداسة المصطنعة، ويُستعمل الدين ذريعة لإلغاء كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. الرؤية التي تنتصر لإنسانية الدين تقوم على الاعتراف بحق الإنسان في الاختيار، ومسؤوليته عن مصيره، ورفض أي سلطة تدعي تمثيل الله، وتنكر على البشر حقهم في أن يكونوا شركاء في تقرير شؤون حياتهم العامة في إطار مصالحهم ومصائرهم.

الخلافة وأمثالها، في ضمير أكثر المسلمين تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيلون أنها تعبر عن هويتهم السياسية، وقد تكرست صورتها في المتخيل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة، عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة متآكلة، لكنه يظل رمزًا ما دامت تلقى خطبة الجمعة على المنابر بوصفه خليفة، والدعاء يرفع له، والنقود تسك باسمه، ذلك ما أسهم في تجذر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية للمسلم. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي بوصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية لا تزال تنتج تأثيرها عبر نظام رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم، تستمد قوتها وفاعليتها من صور رومانسية للخلافة، كما تشكلت في المتخيل الجمعي، فتعيد إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة، والهوية السياسية.

في دول الخلافة وأمثالها، كان بإمكان المسلم أن يتنقل من بلد إلى بلد بحرية، ويقيم في أقاليمها المختلفة، الممتدة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، ما دام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية هي عقيدته. هذا الانتماء الرمزي رسخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت في إطار دول الخلافة وأمثالها، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. هذه العوامل لا تزال تمارس ممانعة صلبة في تقبل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية الشعبية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث.

الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيلة لدولة الخلافة وأمثالها ما زالت تشكل أرضية خصبة ذات تأثير فعال في التمهيد لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين اليوم. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمض عليه سوى قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يدخل المفهوم الحديث للوطن والمواطنة بوصفه مكونًا أساسيًا للهوية السياسية. معنى “الوطن” في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية، تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء لأرض وتاريخ وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة.

ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثل لهم شعورًا بالتماهي مع كل مسلم يقطن أرضها، وتغذي خيالهم بوحدة عقائدية ورمزية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظل المتخيَّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكونًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالات، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيَّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد. جعلها هذا المتخيَّل تمثل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر.

بعد انهيار آخر دولة خلافة، لم تتبدد صورتها، بل ظل ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حية في اللاشعور الجمعي، تتجدد حضورًا في الذاكرة، وتعيد إنتاج نفسها في وجدان لم يتحرر من قبضة الماضي، ولم يغادر الحنين إلى سلطة يتخيلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. ظل المتخيَّل الديني يعمل على مدى قرون على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها عنصرًا أساسيًا من مكونات هوية المسلم السياسية، فتشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم كلما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما فشل في إنجازه في الواقع. ما يزال عدد غير قليل من المسلمين إلى اليوم عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية، وهيمنتها على الذاكرة السياسية، ذلك ما جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس دولة الخلافة، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام تلك الدولة.

من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث، إذ لم تمض سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية حتى بادر حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بوصفها مشروعًا يطمح إلى استعادة مجد المسلمين السياسي عبر إعادة بعث دولة الخلافة. وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: (الإسلام يجعل الحكومة ركنًا من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية). لم أجد فقيهًا أو متكلمًا في تاريخ الإسلام قبل حسن البنا يقول إن “الحكومة ركن من أركان الإسلام”، أو إن الدولة ركن في الإسلام. أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب المتنوعة والفرق المختلفة. الماوردي “ت 450هـ” يرى أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا من أركانه. ويذهب الجويني “ت 478هـ” إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. لكن في العصر الحديث جعل أكثر من منظّر من منظري الإسلام السياسي الحكم من أركان الدين.

في سياق أدبيات هذه الجماعة وشعاراتها وأهدافها تشكلت رؤية تمجد الماضي السياسي، وتدعو للعودة إلى نموذج الحكم الذي ساد قرونًا عديدة في دول الخلافة. في فضاء هذا المتخيَّل السياسي توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كل منها على شاكلتها، بوصف دولة الخلافة رمزًا لوحدة المسلمين، ومصدرًا للهوية السياسية، وأفقًا لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. غير أن ما لم يدركه الوعي المؤدلج أن الخلافة، بوصفها مشروعًا سياسيًا تاريخيًا، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيَّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة إنتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة قائمة على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. حين يتحول الحنين للماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيَّل، لا حضور له خارج الذاكرة.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384689

تفكيك العقلِ الأحادي عمليًّا: قراءة في مفارقات وأضداد للرفاعي

تفكيك العقلِ الأحادي عمليًّا: قراءة في مفارقات وأضداد للرفاعي

د. وسام حسين العبيدي

العقلُ الأحاديُّ يُؤمنُ باليقينيّاتِ والمُطلَقاتِ في كُلِّ مجالٍ يتوجَّهُ إليه صاحبُهُ، فإذا تحدَّثتَ مع أحدِ مُمثِّلي هذا العقل “الأحادي” عن فكرةٍ أعجبتكَ؛ لِجِدّتِها، أو لواقعيّتها، أو لما فيها من بُعدِ نظر، ودقّةٍ في تشخيص مكمن الداء في ظاهرةٍ ما أو إشكاليَّةٍ ما، أو لغير ذلك من أسباب، سيواجهُكَ صاحبُ العقلِ “الأُحادي” بعيدًا عن الموضوع محلِّ الشاهد، بأنَّ صاحب الفكرة تلك، له كذا أفكار جانبَ الصوابَ فيها، أو له مواقف ضدّ الجهة التي أُواليها سياسيًّا أو دينيًّا، أو أنه ينتمي إلى الحزب الفلاني، أو الجماعة الكذائية، أو.. أو.. أو.. إلخ من إشكالاتٍ لديه كلُّها لا علاقةَ لها في الموضوع الذي طرقتَهُ عليه، هُروبًا من الاعترافِ لكَ أنَّ تلك الفكرة – محلَّ الشاهد – تستحقُّ الاحترام، أو أنها فكرةٌ جادّة بين لِداتِها من أفكارٍ في المجال نفسه. وهذا الهروبُ ليس إلا لونًا صارخًا من ألوانِ التعصُّبِ الفكري سواءَ أكان بين عامّة الناس، أم كانَ بين النُخَب، بله بين النُخبِ أكثرُ قُبحًا، وأشدَّ مضاضةً «من وقع الحُسامِ المُهنّدِ»..!

العقلُ الأحاديُّ، عقلٌ بَدائيٌّ في تكوينه، بَدائيٌّ في تفكيره، بَدائيٌّ في مُخرَجاته، لا يرى غير ما يُوافقُ ميوله وتوجُّهاته، فهي الصوابُ المُطلق، وما عداها فهو الباطلُ المُطلق، وليس لديه القدرةُ أو الشجاعةُ التي تدفعُهُ إلى مراجعة مُخرجاتهِ من أفكار فيُمارسَ النقدَ عليها، ويُعيدُ النظرَ في مرجعيّاتها تمحيصًا واختبارًا على محكِّ الوقائع المتغيّرة، أو المعلومات المُتحصَّلة لديه مؤخَّرًا، فيتأكّد من صوابها، أو يصرف النظرَ – بموجب ذلك – عن بعضها، أو يتبرّأ منها، في قبال تبنِّي سواها من أفكار أو قناعات، وهو إذا كان كذلك، فمن الطبيعيِّ أنْ لا يجرؤ على قراءة منجز الآخر المختلفِ عنه، أو يتحقّق من صدقِ ما قرَّ في وعيه من قناعاتٍ وأفكارٍ عنه سمعها من خصوم ذلك الآخر، بل لا يريد تصحيح تلك التصوُّرات الراسخةِ في مخيالهِ عن ذلك الآخر؛ لما سيترتَّبُ على ذلك التصحيح من تغييرٍ في موقفهِ عنه، وهذا ما لا يُريدُهُ مُطلقًا؛ لأنه يؤمنُ بالنظرةِ الأولى، والموقفِ الأول، بما يُشعِرُهُ ذلك الإيمانُ الأُحاديُّ من اتّزانٍ موهوم، وهويّةٍ ثابتةٍ، وهو ثباتٌ لا قيمة له ولا مُسوِّغ له عقلاً، مثل ثباتِ من اعتادَ على شكلٍ واحدٍ من الطعام يراه أطيبَ الأطعمة وهو لم يجرِّب غيرَه من طعامٍ..!!

من يقرأ «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» للمفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، سيجد – وهو يُطالع رصده لمفكرين عرب وإيرانيين في حقول معرفية متقاربة، اشتغل كلُّ واحدٍ منهم على حدة في مشروعه الخاص – أنَّ مفارقات العقل عند كلِّ واحدٍ – بحسب رصد الرفاعي لها – موجودة، ومتحقّقة سواء أكانت تلك المفارقات طوليا، أي أنها تتحقق على مر الزمن، إذ تجد المفكر من هؤلاء يتراجع عن بعض ما كان يؤمن به من أفكار، في قبال تبنّيه لأفكار أُخَر آمنَ بجدواها فيما بعد، أو تجد تلك المفارقات عُرضيًّا لدى هذا المفكر أو ذاك، بمعنى أنه في الوقت الذي تجد لدى هذا المفكِّر نزعةً فكريةً تؤمنُ بكذا من المتبنّيات، لكنّك لا تجد صدى تلك النزعة على واحدةٍ من واقعه..! أو تجده متفتّح الذهن في مسائل ينظر إليها بعقلانية ومنطقية وفي الوقت نفسه في مسائل لا تميل مع هواه يتصدّى لها رافضًا ومُفنِّدًا، وذلك في قوله: “أحيانًا ترى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظةٍ من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمةٍ من عقله. تُدهشك قدرته على توظيف المغالطات المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم” ص 301 أو ستجد من هؤلاء المفكرين الذين تعرّض لهم الرفاعي، من تبرّأ من أفكاره “العقلانية” إلى حدٍّ ما في مبتدإ نشاطه الفكري، وراح يُكفِّر عن ذلك “الإثم” في خريف عمره، بالتوغُّل في التفكير السَلَفي كاتبًا ومناقشًا ومُحاورًا، ومن هؤلاء الراحل “محمد عمارة”، وهذا يمثِّل أحد تجليات “المفارقات” التي توقّف عندها الرفاعي، إذ المنطقيُّ المُستساغُ في مسيرة التحوُّلات الفكرية عند المفكِّر – أو المشتغل عمومًا في حقل التراث – أنْ يتخلّص شيئًا فشيئًا من حمولة “النسق السَلَفي” مُحلِّقًا – كمنطادٍ كلّما يرتفع في طبقات الجوِّ يرمي من الأكياس المشدودة فيه – وصولاً إلى مناطقَ أرحبَ في عقله، يستثمرُها في قراءته التراث الذي ظلمَهُ فيما سبق، مؤشِّرا على ما فيه من مساحات مضيئة/ عقلانية تمُدُّ وعيه بمزيد من الهدوء والاتزان في تعامله مع متغيرات مجتمعه وأثر التطورات التي يفرضها منطق الزمن على تلك المتغيرات..

إنَّ ما شخّصه الرفاعي أصطلحُ عليه – وفق دراسةٍ شارفتُ الانتهاءَ منها – بـ«تمثيلات العقلِ الأُحادي» التي لا تقتصرُ هي الأخرى في مجال قراءة التراث، بل نجدُ آثارَها وتمثيلاتها في كلِّ مجالٍ من مجالات الحياة، وهي لا تقتصرُ على “عقلٍ عربيٍّ” دون “عقلٍ غربيٍّ” فهذا التشخيص «الجابري» لم يكن فيصلاً حاسمًا للتمييز بينهما، بل هي سِمةٌ عامّة للعقل البشري الذي يسكنُهُ عاملُ الانطواء على “الذات”، وعدم الاعتراف بـ”الآخر” سواءً أكان فكرًا، أم مجتمعًا مُغايرًا في العقيدة أو السلوك والعادات أو غير ذلك، تجعل الشخصَ ينطوي على تُراثه يُحاول بكلِّ ما يستطيع – ولن يستطيع – أنْ يجدَ فيه ما يُغنيه عن الآخر في كلِّ شيء – وإن كان ذلك الشيء – يُقدِّمُ البديلَ النافع، أو العلاجَ لما يُعانيه من إشكالاتٍ مُزمِنة في واقعه المعيش. وهذا ما عبّر عنه الرفاعي في موردٍ آخر – بصدد الحديث عن مشروع المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي – بـ”انفجار الهويّة السَلبي” تمييزًا له عن الإيجابي منه، إذ يعمل الأول على “تصلُّب الهوية وانغلاقها بصرامة. الهوية المغلقة لا تُطيقُ ما لا ينتمي إليها مهما كان، حتى مكاسب العلوم والمعارف الحديثة المُنجَزة خارج فضائها تستفزُّها وترتابُ وتحذرُ منها، وفي أغلب الأحيان ترفضُها، وإن اضطرّتْ إليها لا تقبلُها إلا بعُسرٍ ومَشَقّةٍ وتردُّد” ص352 وهذه ظاهرةٌ شخّصها الرفاعيُّ في كتابه هذا، عند أكثر من مفكرٍ ينطبق عليهم هذا التشخيص النقدي في مجمل مشاريعهم الفكرية، بما جعلهم يجنحون إلى تدشين قصرٍ على الرمال، تعويضًا عن ذلك الانكفاء الفكري غير المُسوَّغ، تمثّل بما اجترحوا عليه صراحةً أم ضمنًا مصطلح «إسلاميّة المعرفة» وقد رصد الرفاعيُّ أكثر من استعرضَ أو دعا إلى هذا المفهوم، من إيرانيين أو عرب، وهي دعوةٌ لا تخفي انسلاخها من هويّة العصر الحديث، وكيفية التعاطي مع مُخرجاته من معارف وعلوم وتكنولوجيا تغلغلت في كل مجالات حياتنا، فكان لهؤلاء أنْ يحتموا بالتراث، “والدعوة للعودةِ إلى ماضي الأُمّة، وعلوم ومعارف الآباء”، والكلام في هذا المورد عن مشروع الراحل “محمد عمارة” ولكنّه ينطبق بصورةٍ عامة، على من اشتغل على تكريس هذه الدعوة – إسلامية المعرفة – في خطاباته ومؤلفاته، ملتقِطًا في الوقت نفسه خيطًا آخر يشترك به عمارة وأولئك، تمثّل بـ”التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديث، بذريعة أنَّ تراثنا يختزنُ كلَّ ما تتطلَّبُهُ حياتُنا، وكلَّ حلول مُشكلاتنا، وأنَّ المعرفةَ والعلومَ الحديثةَ ما دامتْ وُلِدت في بيئةٍ غربيَّةٍ، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يُردَّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعةٍ وعباراتٍ مختلفةٍ، وصياغاتٍ ملتويةٍ أحيانًا، تتوحّدُ في أنّها تدعونا لأن نرفضَ كلَّ معرفةٍ أنتجها العقلُ البشريُّ خارجَ عالمنا” في حين أن كل هذه الدعاوى لا أثرَ لها في الحقيقة، وبحسب قوله: “فلا نحن اكتشفنا فلسفتنا وعلومنا ومعارفنا التي تستجيبُ لواقعنا، وتولد في سياق ديانتنا وثقافتنا وهويّتنا وخصوصيّتنا وراهن مجتمعاتنا ص: 319. ولا نحنُ الذين استفدنا من منجز الآخر وتعاملنا معه بموضوعية واحترام..!

والرفاعيُّ في تشخيصه النقديِّ هذه الظاهرة عند أكثر من مفكِّر، لا يخفى لأدنى مُتأمِّلٍ ما ينشدُهُ من توازنٍ معرفيٍّ بين استلهام المضيء النافع من التراث، في الوقت الذي لا يجعلنا نُشيح بوجوهنا ممّا يمكن الاستفادة منه من منجزات العلم الحديث، بما يعكسُ انتماءنا للعصر، وينمّ عن نظرةٍ فيها الكثير من الإنصاف لجهود العقل الإنساني – أيًّا كان انتماؤه – في تعاطيه أخذًا وعطاءً مع الآخر، وهو معنًى قريبٌ ممّا ذكره الراحل نصر حامد أبو زيد في وقوفه على هذه المسألة، بالقول ((ونحن نُعيدُ من حينٍ إلى حين النظر في تراثنا، ونعودُ إلى تأملهِ وتفسيرهِ وتقويمهِ. وهذه العودةُ المستمرةُ ليست نزقًا طائشًا نابعًا من عدم النضج وعدم الاستقلال، ولكنها عودةٌ نابعةٌ من ضرورةٍ وجوديةٍ، وضرورةٍ معرفيةٍ في نفس الوقت. فليس التراثُ في الوعي المعاصر قطعةً عزيزةً من التاريخ فحسب، ولكنه – وهذا هو الأهم- دعامةٌ من دعاماتِ وجودِنا، وأثرٌ فاعلٌ في مكوِّنات وعينا الراهن، وأثرٌ قد لا يبدو للوهلة الأولى بيّنًا واضحًا ولكنه يعمل فينا في خفاءٍ، ويؤثّر في تصوراتنا شئنا أم أبينا، لذلك يتعين علينا أن نتحركَ دائمًا حركةً جدليةً تأويليةً بين وعينا المعاصر وبين أصولِ هذا الوعي في تراثنا. هذه الحركةُ يتحتّمُ عليها ألا تغفل المسافة الزمنية التي تفصلنا عن التراث، وعليها في نفس الوقت ألا تقع في أسر هذا التراث رفضًا أو قبولاً غير مشروط، فالتراث – في النهاية- ملكٌ لنا، تركه لنا أسلافُنا لا ليكون قيدًا على حرّيتنا وعلى حركتنا، بل لنتمثله ونعيد فهمه وتفسيره وتقويمه من منطلقات همومنا الراهنة)) (مدخل الى السيميوطيقا: 73)

وإذا كانت هذه الظاهرة الفكرية قد استوقفتِ الرفاعيَّ منتقدًا لها، مُمحِّصًا مرجعيات خطاب أصحابها الفكريَّة، مؤمنًا بالوسطيّة في متبنّياته الفكرية باعتبارها منطلَقًا واقعيًّا، وفي خلاف ذلك تكمنُ المفارقات وتتّسعُ التضادّاتُ بين الدعوى وبين الواقع، بين من يدعو إلى “الحكمة الخالدة” التي يقف وراءها “حسين نصر” ومن سار في فلكه من مفكرين إيرانيين، وبين من يدعو إلى “أدلجة التراث” بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهذا ما عمل عليه الراحل د. علي شريعتي في قراءته بعض مفاصل التاريخ الإسلامي، وهي تنويعات أو تمثيلات بالأحرى لا تخرج عمّن دعوا إلى “إسلامية المعرفة” إلا في بعض التفاصيل التي يقتضيها توجّه كل مفكرٍ من هؤلاء، وإلا فيجمعهم الموقف المتشنِّج من العلم الحديث، إذ “يتوارى خلفه موقفٌ تبجيليٌّ يغيب فيه النقد بإزاء التراث وبعض مفاهيمه الميِّتةِ والمُميتة […] بينما تتراكم كتاباتهم في نقد الغرب الحديث، وهجاء حضارته، وقِيَمه وعلومه، بلا تمييزٍ بين وجوه الغرب المتنوِّعة” ص: 264 فهنالك ظاهرةٌ أخرى استوقفتِ الرفاعيَّ، تمثّلت بلغة الخطاب الفكري لكلِّ واحدٍ منهم، بما يؤشِّر استشعاره أهمية أنْ يكون للمفكرِ لغةٌ رشيقةٌ تُنبئ عن محتواه الفكري لا تنحطُّ عن المستوى المطلوب في الطرح، بما يجعلها لغةً سطحيةً لا تنفذُ إلى ما وراء قشر الألفاظ من أفكار، وهذا ما شخّصه بصورةٍ عامة عند عالم الاجتماع الراحل “د.علي الوردي” إذ جعلها – بحسب وصف الرفاعي – لغة “حكواتيٍّ يتحدّثُ في المقاهي الشعبيّة” أو تلك التي لمسَها عند المفكر الراحل “حسن حنفي” بما فيها من رومانسيّة عالية أبعدت الخطاب عن واقعيته وملامسته المشاكل والأزمات، فاللغةُ مهما كانت ثوريّةً لا تغيّر من الواقع شيئًا أو لا تلامس الجذور العميقة لتلك المشاكل، ما لم تستهدِ إلى الطريق بعقلٍ يقظ ووعيٍ ينطلق من صميم الطبيعة التي انبجست منها تلكم الأزمات. أو حين يقف عند المنجز الفكري عند الإيراني الراحل “داريوش شايغان” يروقُهُ منه فضلاً عن فكره الغزير ذي المنابع المتنوِّعة، مهارتُه الفائقة “في التعبير عن أفكاره، ببيانٍ مُكثّفٍ دقيق، لكنّه واضح، عباراتُه لا يُرهقهُا فائضٌ لفظي، ولا تغرقُ بغموضٍ والتباساتٍ مُبهمة. يهتمُّ بترتيب موضوعاته في سياقٍ منهجيٍّ مُنظّم. وتظهر براعتُهُ في القدرة على توظيف المصطلحات التي ينحتها أو يستعيرها، بنحوٍ اغتنت آثارُهُ بمعجمٍ اصطلاحيٍّ مُميّز، ينفردُ هو بعددٍ مما يتضمّنه هذا المعجم” ص235 . وهكذا يستثمرُ الرفاعيُّ كلَّ ما لديه من مجالات معرفيّة يُخضع فيها مشروعَ أيِّ مفكرٍ تناوله في هذا الكتاب، بما يُقلِّص النظرةَ الأُحادية التي استشرت عمومًا في واقعنا الفكري والثقافي المعاصر، وذلك في وقفاته المتأمِّلة على شخص كلِّ واحدٍ من أولئكم المفكِّرين، فيجد ما يستحقُّ الثناء عليه سواءً أكان ذلك الثناء في سيرته الحياتية أو مسيرته العلمية، في قبال ما يُشخِّصُهُ من أدواءٍ فكريّةٍ وقع فيها الكثيرُ منهم، وهذا يُمثِّل أقصى درجات الموضوعية – بمعنى الحياد – حين لا يُشطَبُ على مشروع كلِّ واحدٍ من أولئك المفكِّرين بجرّة قلم؛ لمجرّد أنّه يُخالف هوى الباحث الناقد لمشروعهم، فلغةُ التجريح والتسقيط أو الإلغاء لا تنمُّ إلا عن عقلٍ كسول لا ينتمي إلى روح العصر الحديث الذي يؤمنُ بالنسبية في كلِّ ظاهرةٍ وكلِّ منجزٍ أيًّا كان صاحبه، فضلاً عن كونها تعبِّرُ عن أحاديّته المقيتة في رؤيته الأشياء في منظورٍ واحدٍ لا يقبل التجزئة، بما يُضيِّقُ على صاحبه الاستفادة ممّا حوله، ويُحيل حياته إلى نسخِ بليدة طبق الأصلِ من شخصّيته. وهذا ما يقف منه كتاب “مفارقات وأضداد” بالضدِّ منه، فتحيةٌ لمؤلِّفه الذي يُسهم بما يستطيع في إرساء العقلانية النقدية بهدوء الحكيم.

https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A3%D8%B6%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D9%8A/

الحريّة منزعًا أصيلاً في فكر الرفاعي

الحريّة منزعًا أصيلاً في فكر الرفاعي

د. وسام حسين العبيدي[1]

الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين

لا يخرج قارئ عبد الجبار الرفاعي في كتاباته التي تخصُّ حقل الدين والتفكير في قضاياه وإشكالياته، إلا بكلِّ ما يُعزِّز الجانب الإنساني، وأعني بالجانب الإنساني، ذلك الذي ينتصر للإنسان بوصفه القيمة العليا في هذا الوجود، وهو الهدف والغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين، وبهذا لا بدّ من أنْ يكون النصُّ الديني في خدمة القيم الإنسانية لدى الإنسان، وليس العكس، بما وجدناه عند كثير من الذين أرادوا قلب المعادلة، عبر تأويلات تعسّفت بالنص الديني، وأبعدته عن غايته الأساس، بما آل إليه حال كثير من الجماعات والمذاهب والتيارات على مدى التاريخ، كان لأصحابها قراءاتهم للمدوّنة الدينية، بما ينسجم وتطلّعات تلك الجماعة أو ذلك المذهب، وكانت النتيجة أنْ صُودِر النص الديني من غايته الأساس في رفع مناسيب القيم الأخلاقية لدى البشر، والارتقاء بنزعاتهم لما فيه خير الإنسان بغضِّ النظر عن انتماءاتهم أو توجّهاتهم، وهنا يطرق الرفاعي نواقيس الخطر في كتابه المهم “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” بالتحذير من هذه القضية، عبر منافذ عدّة، كان أولها في مبحثٍ بعنوان: (الرحمة الإلهية مفتاح فهم القرآن) بادئًا بالقول فيه: “الرحمةُ صوتُ الله، ومعيار إنسانية الدين. لا يُؤتي الدينُ ثمارَهُ ما لم يكن تجربةً إيمانيةً تنبضُ فيها روح المؤمن بالرحمة. الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين، فكلُّ دينٍ مفرغٍ من الرحمة يفتقد رسالته الإنسانية” (ص: 17) وهذه الخلاصة التي يُقدمها لنا الرفاعي تُمثِّل الأساس الذي يُعوِّل عليه في تحريك المشهد المُلبّد بغيوم التباغض المُعلن عنها أو المخفيّ في قراءات ممثِّلي الجماعات الدينية والمذهبيّة – أيًّا كان ذلك الدين أو المذهب – ومن خلال تلك القراءات الأحادية، يتخندق كلُّ جماعةٍ بما لديهم من متاريس خطابيّة تؤثِّل وجودهم على حساب نسف المختلف عنهم، من دون مراعاة لأثر التجربة الفرديّة في تلقّي التعاليم الدينية، وبعبارةٍ أخرى: إنَّ إقصاء “الرحمة” وتمثّلاتها الدلالية: التسامح، التعايش، السِلْم، قبول الآخر، محدودية فهم الإنسان، ونسبية الوعي، على مستوى خطاب ممثِّلي الجماعات والمذاهب في المجال الديني، سببٌ في بقاء الدين غير فاعلٍ على المستوى التطبيقي عند هذه الجماعات، وجعله محدود المجال، الأمر الذي آل إليه حال كثير من المجتمعات المتديّنة، من تفشّي الأمراض الأخلاقية من كذبٍ ونفاق، وشهادة زور، ومن دجل، ومن طائفية وتعصّب مذهبي مقيت عند الأعم الأغلب من أتباع الأديان والمذاهب؛ لتجرُّد الدين من أهمِّ رسالة يُبشِّر بها ويدعو الناس إلى اعتناقها متمثِّلةً بالرحمة، وبافتقادها يخبرنا الرفاعي، أنَّ الدين يفتقد رسالته الإنسانية، التي من دونها لا يكون سوى خطابٍ يدعو إلى الكراهية وإلى العنف، وإلى نبذ الآخر المختلف، وإلى الانكماش حول الفهم السلفي للمتن الديني لقرونٍ خلت، بوصفه الأصل وما عداه فهو الخروج والضلال..! ومن هذا المنطلق، تناول الرفاعي بإسهابٍ وتفصيلٍ منطق “الفرقة الناجية” بوصفه أحد أبرز إفرازات إقصاء الرحمة وتمثّلاته الدلالية في الخطاب الديني، هذا المنطق الذي استدعاه وتبنّاه الأصوليون – لا بالمعنى الفقهي – المتشدِّدون، واعتاشوا على فتاته، وغيّبوا في طيّاته كلَّ موردٍ يُتيح فرصةً للآخر المختلف عنهم بشرعية الوجود قبالتهم، وذلك بعودة الرفاعي إلى المتن الأصل متمثّلا بالقرآن الكريم، بالدرجة الأساس، وهذه الإحالة تضمن لصاحبها عدم الوقوع “في شباك التفسيرات والمرويّات المتراكمة، وأنْ يعتمد القرآن مرجعيةً يستكشف في هديها صورة الله، ومنطق الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها” (ص: 28) وهذه العودة لا يُفهم منها الانكفاء على أدوات التفسير التي تبنّاها السلف من المفسِّرين، وسار على نهجهم كثير من المعاصرين، وإلا لم تكن النتيجة بأفضل مما توصّل إليه السلف، من غلبة “لغة العنف على لغة الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسري القرآن وفقهاء الإسلام كل هذا الرصيد الدلالي المكثّف للرحمة، وصارت فاعلية دلالة آية السيف في القرآن مضافًا إلى ما تتسع له مصنّفات الحديث من روايات تعضِّد مضمونها، هي الأشد أثرًا والأوسع حضورًا في القول والفعل في الحياة السياسية لمجتمعات عالم الإسلام” (ص: 28) بل العودة بفهم لا يُشيح النظر عن المعارف الإنسانية التي أخذت حيّزها في ساحة الفكر، إيمانًا منه بأنَّ الخطاب الديني خطابٌ ينتمي لكل عصر، من حيث الفهم والتلقّي، ولا ينتهي فهمه عند من نزل عليهم ذلك الخطاب، وإلا عاش غريبًا بعيدًا عن هموم الناس وإيقاع الحياة المتطوِّر.

الحرية المعرفية في فهم الدين

من هذا المنطلق، دعا الرفاعي إلى التحرُّر من غلالة الفهم السلفي للخطاب الديني، مؤمنًا بقدرة المعارف الإنسانية وأثرها – فيما لو اضطلع الحكماء من الباحثين الذين قتلوا القديم فهمًا وانطلقوا منه لفهم المعاصر من المعارف والعلوم الحديثة – في استيلاد دلالات أُخَر لم يلتفت إليها السلف، وهذه الرغبة تكرّرت لدى الرفاعي في أكثر من مواطن من كتابه سالف الذكر. هذه الحرية المعرفية في فهم الدين لدى الرفاعي، لم تتأتَّ لديه إلا بعد قطعه شوطًا طويلاً مع المعارف التراثية في فهم الخطاب الديني وتلقّيه مثّلت حاضنته الأولى الحوزة، وبعد سبره تلك المعارف، لم يقف مكتوفَ الأيدي، بل انطلق يباشر ما جدَّ من معارف حديثة في ميدان الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والفكر العربي وتطبيقها في المجال الديني، منطلقًا في رؤيته تلك، أنَّ “أبديّة أيِّ نصٍّ مقدّسٍ تعني أنَّه نصٌّ ذو كثافةٍ دلالية، إذ تتعدَّدُ وتتنوَّعُ دلالاته تبعًا لتنوُّعِ ظروف الإنسان وأنماط حياته، وتبعًا لتنوُّع وتعدُّد سياقات التلقّي في العصور المختلفة. وإنَّ الخلطَ بين سياقات عصر البعثة وعصرنا يُخرِج القرآنَ من حياتنا، ذلك أنَّ سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات إنسان الأمس في عصر البعثة، وهي تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مُجدَّدًا على الحياة، لتلبية احتياجات إنسان اليوم للمعنى الديني” (ص213) وإذ يُقرِّر الرفاعيُّ لنا هذه الحقيقة التي يؤمن بها، فهو في الوقت نفسه لا ينسى الضريبة التي تعرَّض لها أولئك الباحثون ممّن تناولوا النصَّ الدينيّ، عبر أدوات البحث التي استجدّت بفعل تطوُّر المعارف الإنسانية وتشعُّبها وتعمُّق مباحثها، فقد “واجهت مقاومة عنيفة، إذ نعتَها بعضهم بالعدوان على أمجاد الأمّة، ومحاولة طمس ماضيها المُشرِق، وجرى التشهير بكلِّ باحثٍ عَمَد إلى إفشاء أسرار عمليّات سوء فهم وتحريف وتزوير مفاهيم ومقولات ووقائع الماضي، أو حاول الكشف عن محاولات حذف وإقصاء معتقدات لا تتناغم مع الآيديولوجيا التبجيلية التسلّطية المهيمنة، أو سعى لإشهار المهمّش والمسكوت عنه، أو فضح سطوة وقمع السائد والمتغلِّب في التراث، وهكذا فإنَّ كلَّ قراءةٍ للنصِّ الديني تتخطّى التفسيرات المُغلقة القديمة لا تمرُّ من دون ضريبة” (ص212). ولا يخفى ما نتحصّله عبر هذا المقتبس من احتجاجٍ بليغ يضعه الرفاعي بين يدينا، على أولئك الذين تمثّلوا موقف الدفاع الأعمى عن التراث، بما تسبّبَ في هدر مساحة العقل والتفكير العقلاني في النص الديني، في الوقت نفسه يكون مثل هذا الموقف “المتزمِّت” سببًا لقطع أوردة سيرورة النص وإدامة تفاعله مع المتلقّي، بحكم ما أُحيطَ به من قراءات احتكرت دلالته دون سواها، وهي في كل الأحوال تبقى قراءاتٍ مرتهنة لظرفها التاريخي.

وإذا أردنا القبض على فكرة الكتاب الرئيسة من بحوثه التي تعدّدت، بمقتضى كون بعضها تمّ نشره فيما سبق منفردًا بوصفها أوراق مؤتمرات، فإنَّ فكرة الحرّية/ التحرُّر لم تُغادر مبحثًا واحدًا من مباحث هذا الكتاب، إذ نجدها تلوحُ لنا في كل مبحثٍ عبر تمثُّلاتٍ متنوّعة، يظهر بعضها بصورة مباشرة عبر دعوته إلى ضرورة “الرحمة الإلهية بوصفها مفتاح فهم القرآن” ولا يخفى أنَّ تبنّي هذه الفكرة يدعو للتحرُّر من العصبية التي تحيط كل جماعة من الجماعات الدينية، فالرحمة في حال تبنّيها تكسح ما تكلّسَ من قراءة ضيّقة للنصِّ الديني، وحصر دلالته الرحيبة بهذه الجماعة أو تلك، بإبطال الأحكام التي تفوِّض الحقّ والأولوية بفهم النص الديني، وإحلال الآخر المختلف مقامًا يليق بإنسانيته على أقل تقدير.

تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة

أما المبحث الذي يليه، فكان بعنوان: “تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة” فهو أيضًا يتحرّر من التصورات السلفية لمفهوم الدولة، مستفيدًا من توصّلات المعارف الحديثة، وفي مقدمتها علم الاجتماع السياسي، بأن الدولة “ظاهرة حيّة، تنمو وتتطوّر مفاهيمها، ويُعاد تكوينها تبعًا لتراكم تجربتها وتنوُّعها عبر الزمان” (ص: 46)، بما يفرض على الباحث إعادة النظر في المُسلّمات، وإخضاعها لمشرط البحث وأداوته الإجرائية، بعيدًا عن النظرة الطوباوية التي انطلق منها كبار فقهاء العصر الحديث في تصدِّيهم لعرض هذا المفهوم، ولما كانت الدولة لدى الرفاعي “ظاهرة اجتماعية مركّبة، إنها أهم وأعمق وأعقد مؤسسة ابتكرها الإنسان، فقد احتاجت البشرية، من خلال مسيرتها الطويلة في تاريخها، إلى آلاف التجارب الفاشلة، حتى استطاعت أن تبتكر ظاهرة الدولة” (ص: 45)، وهو تصوُّرٌ ينطلق من حيثيات التاريخ ووقائعه، وما أدلى به علم الاجتماع بهذا الشأن، في حين تجد التصور التوفيقي المخالف لهذا الطرح ينطلق من قامة شامخة متمثّلة بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر في حديثه عن مفهوم الدولة، بأنها “ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء واتّخذت صيغتها السويّة ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال” (الإسلام يقود الحياة: 3- 4)، بما يفرض على الباحث المنصف عبر هذا التصوُّر، التوصل لما استنتجه الراحل فالح عبد الجبار، بأن “منشأ الدولة ليس اجتماعيًّا، بل سماويًّا، وأنّها ليست أصيلة، بل مستحدثة” (المادية والفكر الديني – نظرة نقدية: 40)، وهذا الاستنتاج بعيدٌ كل البعد عن الواقع التاريخي أو ما يقرّه علم الاجتماع في هذا الشأن.  ولو لم يكن الرفاعي متحرّرًا في وعيه، وفي اطّلاعه المعرفي خارج أروقة الدرس الديني التقليدي، لما كان له أنْ يُغادر تصوّر مدرسة الصدر الفكرية، بما له من ثقلٍ معرفيٍّ في هذا الوسط، ناهيك عن خارجه، ولكان له أنْ يكتفي بترديد مقولاته، إن لم نفترض ترسيخ تلك المقولات والتدليل على صوابها لا أكثر.

في الحاجة إلى إنسانية إيمانية

في المبحث الذي يليه، كان العنوان: (في الحاجة إلى إنسانية إيمانية) لم يُغادر الرفاعي تلك النزعة – الحُرّية الفكرية – في استجلاء قراءةٍ جديدة لـ “أنسنة الدين” تختلف عن سابقيه الذين تناولوا الدين كأيّة ظاهرة بشريّة مقطوعة الصلة عن طبيعة وجود البشر، وتنصيب الإنسان بديلاً لله في كل شيء، في قبال الطرف الذي ينسى قيمة الإنسان ويُقصي كينونته ومتطلّبات تلك الكينونة البشرية على حساب الدين، تتمثّل قراءته لهذا المفهوم، بإنقاذ/ تحرير “المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد ضياعه في دينٍ سياسيٍّ لا يعرف الكثير عن هذا المعنى ولا يسعى لامتلاكه، ودينٍ فقهيٍّ يختزل الدين في مدوّنة أحكام قانونيةٍ تنسى الكثير من معانيه الروحية والأخلاقية والجمالية، ودينٍ كلاميٍّ يتيه فيه الدين في ظلام جداليات لا تنتهي لعلماء الكلام، ومُحاججات عقيمة تُميت القلب وتُطفئ شعلة الروح” (ص: 74) ونظرةُ الرفاعي في استجلاء هذا المفهوم – أنسنة الدين – تحاول أنْ توازن بين الطرفين، بأنْ تنشد دينًا لا يقطع الصلة بالله، مثلما لا يجهل الطبيعة البشرية، وهو في ذلك البحث يقف منتقدًا “النزعة الاستصحابية” لدى الكثير من دارسي القرآن الكريم، ممّن انشغل بالتفسيرات والتأويلات القديمة له، على حساب الرجوع للنص القرآني، بما صار استيعابها وهضمها الهمَّ الأساسي لأولئك الدارسين، متناسين “أنَّ كل هذه القراءات هي هوامشٌ وشروحٌ واجتهادات الآباء في فهم النص وتفسيره، وهي ليست إلا تمثّلات بشريةً للقرآن تنتمي لأفقها التاريخي، حدودُها الزمان والمكان واللغة وثقافة المجتمع، وكلُّ ما كان يسود العصر الذي أُنتِجت في فضائه” (ص: 78) بما أدى ذلك المآل – بحسب تعبيره- إلى نسيان الإنسان، بإنتاج قراءة مغلقة للنصوص الدينية، لم تكتف بنفي الإنسان وإقصائه باسم الله، بل أقصت مكانة الحياة الدنيا والتمتع بها باسم الآخرة، ونفت العمران البشري باسم العبادة، والذات باسم التكليف، والاخلاق باسم الفقه، والحريّات باسم العبودية لله، وحقوق الإنسان باسم حقوق الله، منتهيًا ذلك النفي بمحو الصورة الروحانية والرحمانية لله باسم التمسُّك بدين السَلَف ومُحاربة البِدَع والمستحدثات.

وهكذا شأن المباحث الأخرى من هذا الكتاب، لم يكن الرفاعي فيها إلا صاحب قراءةٍ تنبع من فهمه الإنساني للدين، مُتحرِّرًا فيها من غلالة الفهم السلفي لتلك المقولات والمفاهيم والقضايا الإشكالية التي عالجها السابقون، وكأنَّه أراد أنْ يقول لنا في كلِّ مباحث كتابه الجليل في فكرته، أنَّ اغتراب الدين لم يكن من أصل الدين، بل من الفهم الأحادي للدين، عبر مقولاتٍ لا تخرج من ظرفها التاريخي، ولا تصمد لتكون متراسًا لصدِّ كلِّ قراءةٍ تغاير ذلك التوجُّه السَلفي، لبُعدها عن روح النصِّ، بما شكّلت تلك القراءات حاجزًا يحول بين الدين والغاية التي ينبغي له أنْ يؤدّيها، ونتج عنها ذلك الاغتراب، فحاول مؤلِّف الكتاب أنْ يؤسِّسَ فهمًا للدين لا يُكرِّر ما تداولته الدراسات الحديثة “الناقمة” على الدين، ورؤيتها له بأنّه “وهم” أو “مُخدِّر” أو “تراث” أو “مرحلة من مراحل الوعي البشري” في الوقت الذي لا يُعيد تبني المقولات الوثوقية للسلف في فهم الدين، باحتكارهم تمثيل الله في الأرض، وأنّهم المخوّلون الحصريّون للتحدّث باسمه، ومن هذا المنطلق يُطلق الرفاعي دعوته لهؤلاء “إلى أنْ يكفّوا عن مطاردة الناس باسم الله، وانتهاك كراماتهم، والتضحية بحقوقهم وحرياتهم، باسم الدفاع عن الله، وحماية الدين والتديّن (فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين) وقد خلق الناس أحرارًا، والحرّية ضرورةٌ دينية، يفرضها انبعاث حياة روحية وأخلاقية صادقة لا يُلوِّثها نفاق، وهي شرطٌ لكل تديُّنٍ حر” (ص: 14) وبهذا يتأكّد للقارئ أنَّ الحرّية الفكريّة كانت الرائد الأساس في فهم الرفاعي للدين وبيان غاياته وأهدافه، بما ينسجم وتطلّعات الإنسان ومحدودية فهمه، وارتهانه لظرف الزمان والمكان، وما يُمثِّل وجوده الإنساني والفكري، من خلال الانفتاح على المناهج الحديثة في العلوم والمعارف الإنسانية والاجتماعية وتطبيقها على فهم الدين وقراءة النصوص الدينية، وهذا بحسب رأيي ما كان يدعو الرفاعي لتحقيقه في فهمنا للدين وإنقاذه من غربته التي تزداد يومًا بعد آخر، بفعل سوء فهم التعامل البشري معه بين إفراطٍ وتفريط.

[1] أستاذ في كلية الامام الكاظم في بابل / العراق.

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%B2%D8%B9%D9%8B%D8%A7-%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/

تحريرُ اللاهوتِ من لاهوتِ التّحرير

تحريرُ اللاهوتِ من لاهوتِ التّحرير

عبد العاطي طلبة[1]

لا يتجاهل الرفاعيُّ الشرَّ الدينيّ الكائنَ في العالَم، فهو مهموم به انهمامَه بالإنسان ذاته في مأساته الخاصّة، لذا فإنّه يدرك أنّ المقدّس قد يكون مصدرًا جامحًا للشر الأخلاقيّ، فيقول: «مَنْ يريد أن يُعلِّم الناسَ الحياةَ يمكنه استثمارُ الدين، كما يمكن استغلالُ الدين ممن يريد أن يُعلِّم الناسَ الموت، وهو ما تفعله الجماعاتُ المتشدّدة العنيفة في كلِّ الأديان… يمكن أن يكون التَدَيُّنُ عنيفًا، حين لا يُفهم الدين إلا بوصفه رسالةً للموت، ولا تُقرأ نصوصُه إلا قراءةً مغلقة عنيفة، ويتمثَّله الأفرادُ والجماعاتُ على أنه إعلانٌ لحرب لا تنقضي على كلِّ مختِلف في المعتقد»[2]. ومن أجل ذلك عمل على تجفيف تلك المنابع التي يمكن من خلالها أن يتفشّى هذا النوع من الشرّ المعتمد في وجودِه أساسًا على الدِّين وفكرة المقدَّس؛ ومن هنا جاء تعبيرُه «إنقاذ الإنسانيّة في الدِّين».

يبحث الرفاعي في الكراهية والمصادر التي تشتقّ منها مفاهيمَها الخاصّة، ويرى التراثَ الإسلاميَّ الكلاميَّ والفقهيَّ منبعًا تَستقي منه، لذا دعا إلى ضرورة التحرّر من أسرِه العنيف عن طريق التعامل معه بوصفه استجابةً لمرحلة زمانيّة بعينها؛ لا يمكن تمريرُها وتسليط منطقها الخاصّ على جميع الأزمنة الإنسانيّة الأخرى، إذ ليس التراثُ إلّا «مجموعةَ الممارسات الدينيَّة والعقائد والمفاهيمِ السَّائدة في حقبةٍ مُعَيَّنَة من حياة المسلمين، وهو مفهوم ثقافيّ أنثروبولوجيّ، لذا فالمجال مفتوح أمام المُتَأَلِّهين المسلمين في كلّ زمانٍ لنقد ذلك التراث وتفكيكِه، إذ بوسعهم غربلة ونقد المسلَّمات والمسبقات والميول، ومقدّمات فهم الكتاب والسنة، والتطلّعات الدينية الموروثة من عصور سالفة»[3]. وللمحافظة على جذوة الإيمان متّقدةً، فإنه يدعو إلى إيمان نقديّ يمتلك قدرةَ تَجَاوُزِ الكمِّ التراكميِّ من الشروح والتأويلات المُتَوَلِّدة عن مُجْريَات التاريخ وأحداثه.

كما يدعو الرفاعيُّ إلى وجوب تطهير اللغة من عنف ألفاظِها المتراكمة عبر التاريخ، والتي يستعملها آحادُنا في أحاديثه اليومية دون دراية؛ يقول: «تطهير اللغة من الكلمات والمصطلحات القدحيّة المشبعة بالتشهير بالآخر ضرورةٌ يفرضها عنفُ الواقع، الذي يضجُّ بالاحتراب والصِّراع الدينيّ والطائفيّ، وينبغي أنْ تتَّسع عمليةُ تطهير اللغة من العنف لتشمل المقررات الدراسية في سائر مراحل التعليم»[4]. ليس الأمرُ تطهيرَ اللغة ممّا تراكم فيها من تراكيب وأساليب تتوسَّل التعبير في العنف الكامن فيها فحسب، لكن لا بدّ من التجديد فيها أيضًا، والانتقال عنها إلى غيرها، إذ يتحتّم علينا الانتقال بها من لغة الفقهاء والمتكلِّمين القديمة إلى لغة أخرى حديثة تبتعد عن ألغاز القديمة ومعمياتها، إلى لغةٍ «تستقي من المكاسب الجديدة للمعارف والعلوم والفنون والآداب، وتعبّر عن الفهم الجديد للطبيعة الإنسانية، وحقوق وحريات الإنسان»[5].

ولم يقف كاتبُنا عند محاولاتِه الصَّارمة تجفيف المنابع الصريحة التي يستقي منها الشرُّ الدينيُّ مفاهيمَه ومقولاته، لكنّه عمل أيضًا على رفض المحاولات المُضْمَرَة التي من خلالِها يُسْتَرَقُ الدِّينُ؛ كمحاولات أسلمة المعرفة[6]، والتّجاوز بالدين عن حدوده الأنطولوجيّة في أيّ نسق؛ دينيًّا كان أم فلسفيًّا. من الأفكار التي أولاها الرفاعيّ اهتمامًا بالغًا ونحن في هذا الصَّدَد موضوع ترحيل الدين عن نطاقه الأنطولوجي الرّحب إلى سياقات أخرى وظيفيّة؛ تعمل على سلبه وتكريسه لخدمة أهدافٍ ضيّقة تُمِيتُ رحمانيتَه ورحابتَه الأنطولوجيّة، فتجعله أكثر عنفًا وانغلاقًا ونبذًا للآخر. ومن هنا جاء نقدُه لعلي شريعتي[7] وحسن حنفي[8] اللَّذَيْنِ حاوَلَا بما يملِكان من أدواتٍ معرفيَّة ومهاراتيّة اختزالَ الدين، وتحويله من ثقافة إلى أيديولوجيا عن طريق تثويره، واستلاب رسالته الأصيلة، واستنطاق اليسارِ فيه، لذا يرفض ما سُمِّي «لاهوت التحرير»، وانتقد محاولات شريعتي العشوائيّة لأدلجة الدين، ومحاولات حنفي تخفيض أبعاده الميتافيزيقيّة على حساب الدنيويّة منها.

لا يترك الرفاعيُّ مفهومَه عن «الأيديولجيا» عائمًا غائمًا لا يمكن الوقوف عليه، لكنّه يؤكِّد على أنّه لا يعني بها – في أي كتاب من كتبه – «علم الأفكار، أي دراسة الأفكار دراسةً علميّة… [وإنّما يعني بها] نظامًا لإنتاج المعنى السياسيّ، يصنع نسيجَ سلطة متشعِّبَة لإنتاج حقيقة متخيّلة، وفقًا لأحلام مسكونة بعالم طوباويّ موهم، [وهي بهذا المعنى] تزييف للحقيقة، وطمس لمعناها عبر حجب الواقع»[9]، فـ «الأيديولجيّ يُزَيِّف اللغةَ؛ يُحْدِثُ انقطاعًا بين الدالِّ والمَدْلُول، بين القول وبين الواقع الذي يتكلّم عليه»[10]. ومن هنا تأتي خطورتُها بشتى أنواعها وأنماطها وتجلِّياتها – في نظر الرفاعي- من أنّها «نسق مغلق، يُغَذِّي الذهنَ بمجموعةِ معتقداتٍ ومفاهيم ومقولاتٍ نِهَائِيَّةٍ، تعلنُ الحرب على أيّة فكرةٍ لا تشبهها، فتنتهي إلى إنتاج نسخٍ متشابهةٍ في الظَّاهر من البشر، وتجييش الجمهور على رأيٍ واحدٍ، وموقفٍ واحدٍ»[11]، وفيها «يفتقدُ الدينُ رسالتَه، بوصفه حياةً في أفق المعنى، عندما ينزلقُ فيهجر مجالَه الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ ويسقطُ في فخِّ الأيديولوجيا. يتحوَّل الدينُ الذي تفترسه الأيديولوجيا إلى أداةٍ للصِّراع على السُّلطة والمال والثروة، وينتهي مصيرُه إلى البؤس الذي انتهتْ إليه الأيديولوجياتُ اليسارية والقومية والأصولية في بلادنا»[12].

تحت ظلال تعريفه الأثير للدين من أنّه «حياةٌ في أُفُقِ المعنى»، يُعْمِل الرفاعيُّ مَعَاوِلَ هَدْمِه ويُلَاحِق كلَّ فكرة تتجاوز بالدين طبيعتَه وغاياتِه الموضوعة له من كونه «نظامًا لإنتاج معنى روحيّ وأخلاقيّ وجماليّ للحياة، تفرضه حاجةُ الكائنِ البشريِّ الأبديَّةُ للمعنى في حياته الفردية والمجتمعيَّة»[13]. ومن ذلك محاولاتُ استراقِه واستلابِه عن طريق أدلجته لدى علي شريعتي، أو تثويره فيما سُمِّي «لاهوت التحرير» لدى حسن حنفي وغيرِه. يشرح الرفاعيُّ «لاهوتَ التحرير»، فيقول إنّه «مصطلح تداوله الباحثون في الستينات من القرن الماضي، وإنْ كان مدلولُه يواكب الأديانَ في مُخْتَلَفِ العُصُورِ، فالأديانُ تسعى إلى مناهَضَةِ الظُّلْمِ والتَّسَلُّط والاستبداد والطغيان… وفي السبعينيّات من القرن العشرين اهتمَّتْ مجموعة من المفكّرين بصوغ رؤيةٍ للمقاومة، تتخطَّى الفقه، وتعمل على الاستناد إلى العقيدة كمنطلقٍ للثورة، بتحليل المدلولِ الاجتماعيِّ لأصول الدين، واستلهام الثورة من العقيدة»[14].

يُحَدِّثُنَا الرفاعيُّ عن علاقته بحسن حنفي وما أُطْلِقَ عليه «اليسار الإسلامي»، ومن ثَمَّ يُحَلِّلُ أفكارَ مشروعه الأساسية ومنطلقاته الفكريَّة؛ منتهيًا إلى نقدها. يقول: «لاهوت التحرير عند حنفي وشريعتي يختزلُ الدِّينَ في أيديولوجيا المقاومة والثورة، ويطمس الوظيفةَ المحوريَّةَ للدِّين. الدين أعمق من الأيديولوجيا. الأيديولوجيا مظهر وتعبير اجتماعيّان للدين. تحويل الدين إلى أيديولوجيا يعني: اختزال الإنسان في بُعْدٍ واحد، واختزال الروح في القانون، والعقيدة في الثورة، والله في الإنسان، والإلهيّ في البشري، والسماء في الأرض، والغيب في الشهادة، والميتافيزيقا في الطبيعة، والآخرة في الدنيا… وحين يتحوّل الدينيُّ إلى دنيويّ تختلط الحدودُ بينهما، فيجري تعميمُ الفهم الدينيّ لكافَّة حقول المعارف البشرية، وتديين المعرفة في خاتمة المطاف يُفضي إلى التَّضحية بالعَقْلِ والخبرة البشرية المستقلَّة عمَّا هو ديني»[15].

ورغم ما وجّهه الرفاعي إلى شريعتي من نقد قد يبدو عنيفًا إلّا أنّه لم يُخْفِ إعجابَه بروحه وإيمانه وحسّه الفنيّ، وكان يدرك أنّه ينتقد فيه هذا البُعْد الأصيل من فكره، والخيط الممتدّ في أعماله من ترحيل للدين من سعة الأنطولوجيا إلى ضيق الأيديولوجيا، وأنَّ له أبعادًا أخرى كثيرة قد يقبلها ولا يرفضها. يقول الرفاعي: «تتجلّى في شخصية علي شريعتي أبعادٌ عديدة؛ تتمثّل في: المثقف الرسولي، الداعية النبوي، الأخلاقي، المؤمن، الإنسان، النبيل، الغيور، الشهم، الشاعر، الفنان، الرؤيويّ، الأديب، الناقد، العاطفيّ، العاشق، المتمرد، القَلِق، المُتَبَرِّم، الحالم، الثائر، الفدائيّ… تتداخل في تفكيرِ ومشاعرِ وأحاسيسِ شريعتي عقليةُ الفنَّان، حساسيّات الشاعر، مشاعر العاشق، غيرة المؤمن، ذوق المتصوف، ذوق العارف، أشواق العارف، بوح الشجاع، جسارة المتمرّد، تهوُّر المغامر. وهي أبعاد تبدو متنافرةً؛ ذلك لأنَّها عادةً لا تجتمع كلّها وتتوحَّد في شخصيَّة واحدة بإيقاع كأنَّه متناسق، إلّا في حالات نادرة»[16].

يُسَدِّد الرفاعيُّ سهامَه أيضًا إلى فكرةٍ تراها جماعاتٌ دينيّة كثيرة أصلًا محوريًّا من أصول الديانة؛ نبع عنها كثيرٌ من العنف الدينيّ في شتّى أنحاء العالم، ما وضع الدِّين في مأزق، وجعله محلّ اتِّهام دائمٍ؛ ألا وهي فكرة الخلافة والدولة الدينيّة، فيرى القائلين بها أسرى الماضي البعيد، ولا يملكون قدرةَ تخطِّي حدود التراث الفقهيّ والعقديّ المرهون بالتاريخ في هذه المسألة، إذ لا يستطيعون فهمَ «المواطنة» فهمًا يتناغم والعصر الحديث، ولا يعرفون فكرةَ العقد الاجتماعيّ بين الحاكم والمحكوم، إلى غير ذلك من وهمٍ طوباويّ، واستدعاء للماضي في الحاضر، وكأنّ الزمان لديهم مفهومٌ جامد قد توقّف هنالك منذ قرون بعيدةٍ دون أن يجري.

يرى الرفاعيُّ محاولاتِ تديين السياسة وخلع أنماط دينية على السُّلطة السياسيَّة توظيفًا للدين وإظلامًا له، إذ يعني حضورُ الدينيّ في السياسيّ – لدى نظامه الفكريّ – دولةً دينيّةً تنتمي إلى «ما قبل الدولة الحديثة؛ دولةً يَعْتَمِدُ تدوينُ دستورِها ومختلفُ تشريعاتها وقوانينها وبرامجها على علم الكلام والفقه وفتاوى الفقهاء»[17]؛ ما يؤدّي إلى استخدام «مُختلف الوسائل المشروعة كالانتخابات، أو غير المشروعة كالعنف المسلح، بغيةَ بناءِ هذه الدولة، وإغراق حياة المسلمين بأوهام الوعود الخلاصيَّة، والزَّجّ بأعداد غفيرة من الشباب إلى التضحية بمستقبلهم ومصائرهم»[18]. ويُلفِتُ الرفاعيُّ النظر إلى: «أنَّ الإنسانَ الذي هو موضوع دولة المسلمين أمس هو الإنسان بوصفه مسلمًا بالمعنى الكلاميِّ والفقهيّ، أمَّا الإنسانُ الذي هو موضوعُ الدَّولةِ الحديثة فهو الإنسان بوصفه مواطنًا. الإنسانُ بوصفه مسلمًا هو الذي كان يحدّدُ هُويَّةَ الدولة، ويتحكَّم تعريفُه بتوصيف هويتها. كلُّ تشريع وقرار وموقف يُتَّخَذُ في إطار توصيفِ مسلمٍ ينبغي أن يكونَ معيارُه الانتماءَ للإسلام، وكلّ ما لا ينتمي إلى الإسلام يُفترض ألّا يكون مكوِّنًا لماهية هذه الدولة”[19].

[1] كاتب ومترجم مصري، ومعلِّم لغةٍ عربيَّة للناطقين بغيرها. له ترجمات ومقالات منشورة في بعض الصُّحف والمجلات. تخرج في جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية عام 2014م، ثم التحق بجامعة القاهرة، وتخرج في كلية الآداب، قسم الفلسفة عام 2018م. نشر هذا المقال في مجلة حكمة، حزيران “يونيو” 2022.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 14.

[3] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 174.

[4] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 175.

[5] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 76.

 [6] كان للرفاعيّ اهتمام بموضوع أسلمة المعرفة، فأشرف على إصدار العدد 23 من مجلة «قضايا إسلامية معاصرة»، عام 2003م، وكان موضوع العدد بعنوان: «إشكاليّات أسلمة العلوم: التمركز والتحيّز في المعرفة»، كما عالجه في كتابه «الدين والنزعة الإنسانيّة» في الفصل المُعَنْوَن بـ«إسلامية المعرفة أيديولجيا وليست معرفةً»، يُنْظَر: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 155-170.

[7] أفردَ الرفاعيُّ فصلًا لنقد علي شريعتي تحت عنوان: «المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا»، واعتمد فيه على آثار شريعتي بلغتها الأصليّة (الفارسيّة). يُنْظَرُ: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والظمأ الأنطولوجي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 95-130.

[8] يعودُ الرفاعي إلى مناقشة موضوع «اختزال الدين في الأيديولوجيا» في كتابه «الدين والنزعة الإنسانية»، وفي هذه المرة يتناول حسن حنفي بجانب علي شريعتي مرة أخرى. يُنْظَر: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 73-93.

[9] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 102.

[10] حيدر، أحمد، من الأيديولجيا إلى الفلسفة والدين، (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2002م)، ص 30.

[11] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والظمأ الأنطولوجي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 134.

[12] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 103.

[13] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصوّرات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 178.

[14] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 75.

[15] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 90-91.

[16] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والظمأ الأنطولوجي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 116 – 117.

[17] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار الرافدين، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2022م)، ص 95.

[18] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار الرافدين، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2022م)، ص 100.

[19] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار الرافدين، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2022م)، ص 96.

 

https://tafker.net/2024/08/31/%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%87%D9%88%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D9%84%D8%A7%D9%87%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84/