Category: الذكاء الاصطناعي الفائق

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

في حروب الخوارزميات يتعطل القانون والأخلاق

في حروب الخوارزميات يتعطل القانون والأخلاق

د. عبد الجبار الرفاعي

يظهر الدور المريع للخوارزميات في الحروب بوصفه أحد أكثر التحولات غرابة وإثارة للذعر، إذ يفاقم قلقًا متناميًا مع كل خطوة جديدة في مسار تطوير أسلحة ذاتية التشغيل. تلوح في الأفق حروب، يقول عنها الخبراء إنها تشهد تطورًا مثيرًا، إذ تستغني فيها ساحات القتال عن الإنسان كليًا، فتدار المعارك من دون حضور المقاتل البشري، ويغدو الجندي الغائب الأكبر عن الحرب التي كان يومًا مَن يخوضها ويصنع الانتصارات في ساحاتها أو ينهزم فيها.

في حروب الخوارزميات لا يُلغى القانون الدولي وقوانين الحروب من حيث المبدأ، لكنها تفقد فاعليتها في الواقع، لأن هذه القوانين تفترض فاعلًا إنسانيًا يمتلك ضميرًا قادرًا على التمييز والتردّد والشعور بالمسؤولية، بينما تتخذ الخوارزميات قراراتها بوصفها عمليات حسابية صماء لا تعرف الشفقة ولا تختبر المعنى الأخلاقي للفعل. حين تنفصل المسؤولية عن الفعل، ولا يعود أحد مسؤولًا عن القتل والتدمير بصورة واضحة، يتعطل القانون بعد تفريغه من مضمونه. في هذا الواقع يصير الإنسان مجرد بيانات وأنماط واحتمالات، فتفقد فكرة التمييز بين المدني والمقاتل عمقها الأخلاقي، وتتحول إلى قرار إحصائي رقمي، لا يرى الإنسان ككائن حي له مشاعر ومخاوف وقلق. ويجري استنزاف التجربة الوجودية للحرب، فلا يرى الفاعل نتائج فعله، ولا يختبر صدمة الألم أو الندم، فتخمد الحساسية الأخلاقية التي كانت تحد من العنف العبثي في الحروب التقليدية. حين يغيب الإنسان في حروب الخوارزميات تغيب معه الرحمة والعطف والندم، فتغدو الأخلاق غائبة لا بإعلان موتها، بل بتحويل الفعل إلى عملية حسابية، ويظل القانون حاضرًا في النص غائبًا في الواقع.

تشير دراسات المختصين في الحروب اليوم إلى أن ساحات القتال لم تعد تقوم على المواجهة المباشرة بين البشر، إذ تولّت الروبوتات والطائرات المُسيَّرة جانبًا حاسمًا من القتال، وتراجع حضور الإنسان إلى دور المشغِّل عن بُعد، الذي يجلس خلف الشاشات، منفصلًا عن الميدان، ومقطوع الصلة بالتجربة الحسية المباشرة للحرب. حروب الخوارزميات ينطفئ فيها الشعور ويموت الضمير الإنساني، ويفقد القتل طابعه الإنساني بوصفه فعلًا يضع الفاعل وجهًا لوجه أمام ضحيته، ويتحول إلى إجراء تقني تديره خوارزميات وحسابات باردة بلا قلب، وبلا مشاعر وعواطف، لا تعرف الخوف، ولا تختبر التردد، ولا تستشعر ثقل المسؤولية الأخلاقية. يصدر قرار من روبوت لممارسة عمليات كما لو كان اختيارًا رقميًا داخل نظام مغلق، لا يمر عبر الضمير، ولا يتوقف عند معنى الحياة التي تُزهق، أو الألم الذي يكابده الضحية.

الخوارزميات لم تعد أدوات في يد من ابتكروها، إذ أخذت تتسلل بهدوء إلى وعيهم، وتعيد تشكيل احتياجاتهم ومشاعرهم وعواطفهم، وتؤثر في مصالحهم ومصائرهم، حتى يغدو الإنسان منقادًا لها أكثر مما يوجهها. في هذا الواقع تتحول الخوارزميات إلى أيديولوجيا خفية، لا تُعلن عن نفسها، غير أنها تمارس سلطتها في العمق، فتقود الفعل كما لو أنها بوصلة لا تُرى، وتدفع المقاتل إلى ساحة الحرب بلا وعي كامل بنتائج فعله، كأنه يسير في عتمة لا يبصر فيها إلا ما ترسمه له هذه الخوارزميات.

في هذا النمط من الحروب القذرة يغدو الانتصار على الأرض مرهونًا بكفاءة إدارة الخوارزميات، وتطور الروبوتات متعددة المهام، وقدرة الأنظمة الذكية على التعلم السريع والتكيف. يتراجع الإنسان من موقع الفاعل الأخلاقي إلى عنصر تقني داخل منظومة أعقد منه، ويزداد خطر أن تنفصل الحرب نهائيًا عن أي ضابط إنساني أو قانوني أو أخلاقي، حين تتخذ الآلة موقع القرار، ويُختزل معنى القتل إلى معادلة رياضية لا ترى في الإنسان أكثر من هدف رقمي قابل للإزالة. “أسلوب الحرب تغيّر، وإن بقيت طبيعتها”، بحسب مارك ميللي وإريك شميت في مقالة نشرتها “فورين أفيرز”، فحددا أربعة أشياء غيّرت أسلوب الحرب: “المسيّرات والصواريخ، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي”، مما سجل تغييرات مهمة جداً، “المسيّرات أنهت سيطرة الدبابات، فصاروخ فرط صوتي واحد مما لدى الصين يمكنه تدمير حاملة طائرات أميركية. ومسيّرة تكلّف 500 دولار تدمر دبابة روسیة تكلف 10 ملايين دولار. والمسيّرات والصواريخ التي أطلقتها إيران في أبريل (نيسان) عام 2025 على إسرائيل كلفت 100 مليون دولار. لكن الاعتراض الأميركي والإسرائيلي بوسائل الدفاع كلّف ملياري دولار”.  جريدة اندبندنت عربية، الأربعاء 8 أبريل 2026.

في الحروب التي تديرها الخوارزميات نرى بريطانيا، على سبيل المثال، تستهدف أن يكون ربع جيشها بحلول عام 2030 مكوّنًا من روبوتات قتالية، فقد صرّح الجنرال نيك كارتر في نوفمبر 2020 أن بلاده تخطط لنشر نحو 30 ألف وحدة روبوتية، أي ما يعادل ربع الجيش البريطاني، البالغ آنذاك 120 ألف جندي، وستعمل هذه الوحدات بالقرب من الخطوط الأمامية لدعم القوات البشرية وتعزيز فعالية المهمات القتالية، في تحول خطير ينقل الحرب من ميدان دموي مألوف إلى ساحة يغيب عنها الإنسان ليحضر الذكاء الاصطناعي بثقله المدمر كله. مع العلم أن الجنرال نيك كارتر شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة البريطانية بين عامي 2018 و2021، وهو أعلى منصب عسكري في بريطانيا، أي القائد المهني الأول للجيش البريطاني والمسؤول عن قيادة جميع أفرع القوات المسلحة وتطويرها.

من جانبها تكشف الصين عن روبوتات متقدمة، مثل بايونير 2 (Pioneer II)، وروبوتات بيونيكية متناهية الصغر (Bionic Microrobots) بحجم البعوض، تمتلك إمكانات قادرة على تغيير ديناميكيات الحرب تغييرًا جذريًا. يمكن توظيف هذه الروبوتات في مهمات استطلاع سرية، أو في هجمات دقيقة داخل بيئات شديدة الحساسية، كغرف النوم، حيث تعمل بصمت شبه غير مرئي، فتغدو أداة فعالة لجمع المعلومات أو لتنفيذ عمليات مميتة من دون إنذار. في هذا الواقع لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تبديل أساليب القتال، وإنما يفتح أبوابًا لأشكال غير مسبوقة من الدمار، تمس عمق الحياة الإنسانية وخصوصيتها. لذلك تبرز الحاجة الملحة إلى تشريعات دولية صارمة تكبح انفلات هذه التقنيات، وتمنع تحولها إلى أدوات دمار شامل تنتهك الكرامة الإنسانية، وتقوّض فرص السلام، وتدفع العالم إلى حروب بلا مسؤولية أخلاقية ولا ضمير إنساني.

في عرض الصين العسكري عام 2025 برز التحول من القوة التقليدية إلى أنظمة غير مأهولة وذاتية التشغيل، في رسالة تؤكد سعي بكين إلى توظيف التقنيات الناشئة لتغيير ميزان القوة. يقوم تحديث الجيش الصيني على ثلاث مراحل: الميكنة، ثم المعلوماتية، ثم “التذكية” القائمة على الذكاء الاصطناعي، وقد أحرز تقدمًا كبيرًا في المرحلتين الأوليين، ويندفع سريعًا نحو الثالثة. تكشف الوثائق العسكرية عن توسع واسع في دمج الذكاء الاصطناعي في القيادة، والاستهداف، والحرب السيبرانية، وتحليل البيانات، إلى جانب توظيفه في “الحرب الإدراكية” عبر التضليل والتلاعب بالوعي، ومحاكاة المعارك، واستهداف الفضاء والبحار بأنظمة ذاتية. هذا المسار لا يمثل برامج متفرقة، وإنما بناء منظومة قتالية متكاملة تتعلم وتتكيّف بسرعة.

في المقابل تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق في الحوسبة والخبرة، لكنها تواجه تسارعًا صينيًا يعتمد على التجريب السريع، ودمج التكنولوجيا المدنية بالعسكرية، والإنتاج واسع النطاق. ومع تشابه بعض البرامج بين الطرفين المتنافسين، يتجه التنافس نحو سباق تطوير متسارع قد يجعل التفوق مؤقتًا، بينما يظل التحدي الحاسم في التوازن بين القرار البشري والقرار الخوارزمي، إذ قد يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى أخطاء في التقدير وتصعيد غير محسوب. وعلى الرغم من العقبات التي تواجه الصين، فإن سرعة التعلم والتجريب قد تمكّنها من تقليص الفجوة، في وقت تتجه فيه الحروب نحو صراع بين أنظمة مترابطة، يصبح فيه الذكاء الاصطناعي عاملًا حاسمًا في كشف نقاط الضعف، وتسريع القرار، وصياغة ملامح الحرب المقبلة. راجع مقالة: سام بريسنيك، إميليا بروباسكو، كول ماكفول، “ترسانة الصين من الذكاء الاصطناعي: استراتيجية جيش التحرير الشعبي تؤتي ثمارها”، المنشورة في: جريدة اندبندنت عربية، الاثنين 6 أبريل 2026. مترجمة عن: “فورين أفيرز”، 2 مارس (آذار) 2026.

أما حضور الخوارزميات بدل الإنسان في الحرب داخل الجيش الروسي فيتجه نحو تعميق الأتمتة القتالية استنادًا إلى الخبرة الميدانية المتراكمة، ولا سيما في الحرب الأوكرانية، حيث غدت الأنظمة غير المأهولة جزءًا أساسيًا من بنية القتال. توسّع روسيا اعتمادها على الطائرات المُسيّرة والروبوتات القتالية المزودة بخوارزميات للتعرّف البصري وتحليل الأهداف واتخاذ قرارات آنية في الاستطلاع والضرب، كما في نماذج Lancet وKUB وغيرها، وهي تمثل طيفًا من الطائرات المسيّرة والأنظمة الروبوتية التي تعكس توسّع الدور الخوارزمي في العقيدة العسكرية الروسية. مع السعي إلى تطوير أسراب تعمل بتنسيق ذاتي يقلل من الحاجة إلى التوجيه البشري المباشر. في هذا المسار يتحول الجندي تدريجيًا من فاعل ميداني إلى مشغّل تقني أو مراقب عن بُعد، بينما تنتقل لحظة الاشتباك من الخبرة الإنسانية المباشرة إلى حسابات خوارزمية تحكمها السرعة والكفاءة. رغم التقدم، فإن الطائرات المُسيّرة الروسية ليست مستقلة بالكامل؛ غالبًا ما تحتاج إلى إشراف بشري في لحظة القرار النهائي، فالأتمتة الكاملة ما زالت طموحًا أكثر من كونها واقعًا. هذا التحول يعكس توجهًا روسيًا واضحًا نحو حرب تعتمد على التفوق التقني لتعويض الكلفة البشرية، لكنه يفتح في الوقت نفسه أفقًا مقلقًا، إذ تتآكل المسؤولية الأخلاقية مع تصاعد استقلالية الأنظمة، ويتحول القتل إلى إجراء تقني منفصل عن القلب والعواطف الشعور الإنساني، فتغدو الحرب نشاطًا تحكمه الخوارزميات أكثر مما تحكمه الإرادة البشرية والضمير الأخلاقي.

أما في أوكرانيا، ففي مقابلة مع مجلة “المجلة”، بتاريخ 19 مارس 2026، يؤكد الجنرال ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة المركزية في الجيش الأميركي، أن الحروب المعاصرة تشهد تحولًا جذريًا نحو الاعتماد الكثيف على الطائرات المُسيّرة بوصفها الأداة الأكثر تأثيرًا في ميدان القتال، مستندًا إلى التجربة الأوكرانية التي كشفت نقلة نوعية في طبيعة الصراع من حيث الكم والسرعة والابتكار. إذ تشير المعطيات إلى أن أوكرانيا يمكنها أن تنتج نحو 7 ملايين طائرة مُسيّرة سنويًا، بعدما صنعت قرابة 3.5 مليون طائرة خلال عام واحد، وهو رقم غير مسبوق مكّنها من تشغيل ما بين 9 آلاف إلى 10 آلاف مُسيّرة يوميًا، ما جعلها عنصرًا حاسمًا في العمليات لا مجرد أداة مساندة. ولا يتوقف التحول عند الكثافة العددية، إذ يتجه الجيل القادم نحو الاستقلالية، مع اقتراب ظهور أسراب المسيّرات القادرة على تنفيذ هجمات منسقة دون تدخل بشري مباشر عبر برمجة الأهداف مسبقًا، وهي تقنية دخلت مراحل متقدمة. ويحذر بترايوس من أن مواجهة هذه الأسراب تمثل تحديًا معقدًا يتطلب تقنيات نوعية مثل الموجات الميكروية عالية القدرة أو وسائل إلكترونية لتعطيلها جماعيًا، في وقت لا يزال فيه الاستعداد الدولي دون المستوى المطلوب. في المقابل، تواصل أوكرانيا التكيّف بوتيرة سريعة من خلال تحديثات برمجية كل أسبوع أو أسبوعين، وتعديلات على العتاد كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ما يكشف أن الحروب الجديدة لم تعد تحسم بالقوة التقليدية وحدها، وإنما بالقدرة على مواكبة المعطيات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، والتطوير المستمر، واستثمار التكنولوجيا في إدارة الصراع.

في هذا السياق يعمل البنتاغون على مشروع JADC2/CJADC2 الذي يسعى إلى ربط أنظمة الاستشعار والقيادة والأسلحة في شبكة متكاملة، تُنتج ما يُسمّى “ميزة القرار” عبر تسريع جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار في ثوانٍ معدودة، بسرعة تتجاوز الإدراك البشري. هنا لا يتقلص الزمن فقط، وإنما يتبدل معنى الفهم، إذ تتولى الخوارزميات قراءة المعطيات الكثيفة واستخراج أنماطها، فيغدو القرار استجابة آنية عاجلة. لا يُفهم مشروع JADC2/CJADC2 بوصفه نظامًا واحدًا مكتملًا، وإنما بوصفه نسيجًا شبكيًا يتكون من قدرات مترابطة لم تبلغ بعد صورتها النهائية، إذ ما يزال في طور التشكّل والتطوير.

وتكشف المعطيات الرسمية عن استثمار وزارة الدفاع الأمريكية مليارات الدولارات سنويًا في الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، بالتوازي مع خطط لإدخال أعداد كبيرة من الطائرات المُسيّرة القتالية الذكية خلال العقد الحالي ضمن برامج الطائرات القتالية، لتعمل إلى جانب الطائرات المقاتلة، وتضطلع بمهام الاستطلاع والهجوم والتشويش، فيتقلص حضور الجندي في الميدان، ويتحول الإنسان إلى مشغّل عن بُعد أو مراقب خلف الشاشات، بينما تتقدم أنظمة قادرة على التحليل والاختيار والتنفيذ بسرعة تتجاوز طاقة الإدراك البشري، فتغدو الحرب عملية تُدار عبر الخوارزميات، حيث تنتقل من مواجهة بشرية مباشرة إلى فعل تقني تُنجزه الخوارزميات.

غير أن هذا التحول لا يقتصر على تبدل الأدوات، وإنما يلامس جوهر المعنى الأخلاقي للحرب، إذ يفضي تسريع القرار وتفويض الخوارزميات بمهام الحياة والموت إلى تآكل المساءلة، وتلاشي الشعور بالمسؤولية، فيتحول القتل إلى إجراء تقني منفصل عن القلب والمشاعر والضمير، في عالم تتصاعد فيه قدرة الآلة على الفعل، ويتراجع فيه حضور الضمير الإنساني بوصفه رقيبًا على معنى الفعل وحدوده.

تجدر الإشارة إلى تطور هائل يحدث في الذكاء الاصطناعي المعروف بـ AI، وهو ذكاء اصطناعي أداتي محدود يُصمَّم لأداء مهام محددة داخل نطاق ضيق، لذلك يظل مرتبطًا بسياق معين ولا يتجاوزه، في حين تشير القفزة الجديدة التي يسميها الخبراء AGI إلى نمط من الذكاء الاصطناعي القادر على الفهم والتعلم في مجالات متعددة، ونقل الخبرة من حقل إلى آخر، بما يجعله أقرب إلى البنية الذهنية للإنسان.

يتجلى الفرق بينهما بوضوح في الحروب، حيث يُستعمل AI بوصفه أداة مساندة: تحليل البيانات، وتوجيه الطائرات المُسيّرة، ودعم القرار العسكري، وكل ذلك يتم تحت إشراف الإنسان الذي يظل صاحب القرار النهائي، لأن هذا الذكاء لا يمتلك قدرة مستقلة على الفهم الشامل. أما AGI، في حال تحققه، فيمكن أن يتولى التخطيط الاستراتيجي، وإدارة العمليات، واتخاذ القرارات في الزمن المناسب عبر تحليل شامل للمعطيات، مع قدرة على التعلّم والتكيّف، ما يفتح أفقًا لإمكانية الاستغناء التدريجي عن الإنسان في بعض وظائف الحرب، وربما إبعاده عن مركز القرار.

هنا لا يظل الفرق تقنيًا، وإنما يغدو فرقًا وجوديًا، لأن انتقال القرار من الإنسان إلى AGI يعني انتقال سلطة الفهم والتأويل إلى نظام يعمل بكفاءة عالية، من دون أن يختبر المعنى الإنساني للفعل أو يشعر بتبعاته في الضمير الأخلاقي، فتغدو القرارات الحاسمة في الحياة والموت صادرة عن عقل لا يعرف الأخلاق والقانون، ولا يستشعر ثقل المسؤولية، ولا ينفتح على معنى الرحمة والتعاطف والشفقة، فيتحول الفعل إلى إجراء محسوب بالكفاءة والسرعة، فيما يتراجع حضور الإنسان بوصفه كائنًا يشعر بتلك المعاني ويعيشها في داخله.

 

https://al-aalem.com/%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%B2%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%8A%D8%AA%D8%B9%D8%B7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84/

من مكاسب الذكاء الاصطناعي

من مكاسب الذكاء الاصطناعي

د. عبد الجبار الرفاعي

مكاسب الذكاء الاصطناعي التوليدي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، إذ يمثل هذا الذكاء منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما يكون الأعظم في تاريخ تطور التكنولوجيا، من حيث آثاره المتنوعة في مجالات الحياة المتنوعة، منذ اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لبلادنا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمّق اغترابنا عن العصر.

من مكاسب الذكاء الاصطناعي تطوير التربية والتعليم بوصفه تحولًا في معنى التعلم ذاته، إذ ينتقل التعليم من نموذج التلقين إلى تجربة شخصية تتكيف مع شخصية المتعلم واستعداده وطرائق فهمه، فيتيح مسارات تعليمية مرنة تعالج الفجوات المعرفية منذ بداياتها، وتدعم التعليم المستمر، كما يمكّن المعلم من أداء دوره التربوي عبر تخفيف أعباء التصحيح والأعمال الإدارية، وتزويده بتحليلات دقيقة عن تقدم الطلبة واستجابتهم، واقتراح استراتيجيات تدريس أكثر ملاءمة، ويسهم في إثراء المحتوى التعليمي عبر المحاكاة، والواقع الافتراضي، والتجارب التفاعلية التي تحول المعرفة إلى خبرة معاشة، ويعزز تكافؤ الفرص التعليمية من خلال منصات ذكية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخدم المتعلمين في البيئات المضطربة.كما يفتح أفقًا واسعًا للتعليم الشامل عبر أدوات داعمة لذوي الاحتياجات الخاصة، من ترجمة فورية، وقراءة ذكية، وتكييف المحتوى، إلى جانب تحسين إدارة المؤسسات التعليمية عبر التنبؤ بالتسرب، واعداد المناهج، وتقييم جودتها بصورة مستمرة، ليغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا يعيد بناء التعليم بوصفه فعل فهم وتكوين إنساني، لا مجرد تكديس للمعرفة أو استبدال لدور المعلم والمتعلم.

كما يحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا عميقًا في الطب، إذ يسهم في تسريع تحليل البيانات الطبية الضخمة مثل السجلات الصحية والجينومات، مما يتيح فهمًا أدق للأمراض المعقدة، ويدعم التشخيص المبكر عبر تحليل صور الأشعة والرنين المغناطيسي والتصوير المجهري بدرجة عالية من الدقة.كما يمكّن من تطوير الطب الشخصي من خلال مواءمة العلاج مع الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مريض، ويساهم في تسريع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الجزيئية والتنبؤ بفاعلية المركبات قبل التجارب السريرية. إلى جانب دوره القادم عبر الروبوتات الجراحية التي تمكّن من تدخلات دقيقة طفيفة التوغل الجراحي، وتقلل الأخطاء الطبية، وتحدّ من النزف والمضاعفات، وتسرع تعافي المرضى، كما تسمح بإجراء عمليات معقدة عن بُعد بدقة عالية، إضافة إلى تحسين مراقبة المرضى والتنبؤ بتدهور الحالات الصحية قبل تفاقمها، ودعم القرار الطبي بما يرفع جودة الرعاية ويخفض المخاطر ويحفظ حياة الإنسان.

يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تطوير الصناعة الدوائية، إذ يغيّر جذريًا المدة والكلفة والطرق التقليدية لإنتاج الأدوية، فيسهم في تحليل البنى الجينية والبروتينية للفيروسات والبكتيريا بسرعة فائقة. في الصناعة الدوائية يساعد الذكاء الاصطناعي على فحص ملايين المركبات الكيميائية افتراضيًا لاختيار الأكثر نجاعة بالعلاج، والتنبؤ بفعاليتها وآثارها الجانبية في المراحل المبكرة، مما يقلّل من معدلات الفشل في التجارب السريرية، ويسرّع الانتقال من البحث إلى الإنتاج، كما يدعم تحسين تركيبات الأدوية، وضبط جرعاتها، وتطوير أدوية مخصصة وفق الخصائص الجينية للمرضى، إضافة إلى تحسين سلاسل الإمداد الدوائي والتنبؤ بالطلب، ليغدو الذكاء الاصطناعي عنصرًا مركزيًا في صناعة دوائية أكثر دقة وسرعة وكفاءة، منخفضة الكلفة، وقادرة على الاستجابة السريعة للأوبئة والأمراض المستعصية.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم على إحداث تحول عميق في اكتشاف اللقاحات وتطويرها، إذ لم يعد البحث العلمي فيها مسارًا بطيئًا قائمًا على التجربة العمياء، بل أصبح فعلًا ذكيًا يستند إلى نمذجة دقيقة للبنى البروتينية للفيروسات، والتنبؤ بالمناطق الأكثر قابلية لأن تُستهدف لقاحيًا. تمكّن هذه النمذجة من محاكاة التفاعل بين اللقاحات والجهاز المناعي داخل بيئات رقمية، فتختبر الفرضيات قبل الانتقال إلى المختبر، ويعاد ترتيب مسار البحث. ظهر ذلك جليًا في تسارع تطوير لقاحات كوفيد-19 بفضل استخدام الخوارزميات لتحليل بروتين الشوكة واختيار البنى الأكثر قدرة على تحفيز الاستجابة المناعية، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل لقاحات mRNA والتعاون الدولي واسع النطاق الذي وفر تمويلًا غير مسبوق. وقد أتاح نموذج AlphaFold لاحقًا تنبؤًا عالي الدقة ببنية البروتينات، مما فتح آفاقًا جديدة لتطوير لقاحات وأدوية ضد فيروسات سريعة التحور، وإن لم يكن دوره المباشر في اللقاحات الأولى كبيرًا. في هذا المجال، لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور الإنسان، بل يعزز معرفته ويجعل المرض أكثر قابلية للفهم، بحيث يصبح اللقاح ثمرة معرفة علمية تتقدم نحو مواجهة الفناء.

يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في السعي لاكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض العصية، عبر نقلة نوعية في فهم المرض وآلياته، إذ يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والبروتينية والسريرية لاكتشاف الطفرات الدقيقة والمسارات الخلوية المسؤولة عن نشوئه وتطوره، ويمكّن من التمييز بين أنماطه داخل النوع الواحد، فاتحًا الطريق أمام الطب الدقيق الذي يختار العلاج الأنسب لكل مريض وفق بصمته الجينية. كما يسرّع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الدوائية والتنبؤ بفعاليتها قبل التجارب السريرية، ويسهم في تطوير علاجات موجهة ومناعية أكثر فاعلية، وإعادة توظيف أدوية قائمة بآليات جديدة، وتحسين تصميم التجارب السريرية واختيار المرضى الأكثر استجابة. في الأمراض المستعصية مثل ألزهايمر والباركنسون، يساعد الذكاء الاصطناعي في كشف المؤشرات الحيوية المبكرة وفهم الشبكات العصبية المعطوبة، ممهدًا لتدخلات تستهدف جذور المرض لا أعراضه فقط. بذلك يغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا علميًا يحول السرطان والأمراض العصية من مصير مغلق إلى مسار علاجي مفتوح على الأمل، قائم على المعرفة الدقيقة والتشخيص المبكر والوقاية والسيطرة التدريجية.

يعود بطء اكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض المستعصية إلى تعقيد هذه الأمراض ذاتها، وإلى الفجوة بين الاكتشاف النظري والتحول السريري الآمن، إضافة إلى منطق السوق الرأسمالية القائم على تقديم الاهتمام بالأرباح وتكديسها، على التفكير بجودة حياة الإنسان، لذلك يهتم بالعلاجات الأقل مخاطرة مالية، ولا يشجع على توظيف رؤوس أموال هائلة في مسارات علاجية عالية الكلفة وغير مضمونة، فضلًا عن حدود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعتمد على بيانات غير مكتملة، ومع ذلك فإن ما ينجزه هذا الذكاء اليوم يعيد تفكيك المرض ويحوله من مصير مغلق إلى حالة يمكن إدارتها والسيطرة عليها تدريجيًا.

وعلى الرغم مما يثيره تسارع الذكاء الاصطناعي في الطب من وعود كبيرة في التشخيص والعلاج والوقاية، ومن دقة قراءة الفحوص الطبية إلى تصميم علاجات مخصَّصة لكل مريض، غير أن هذا التحول لا يقاس بإنجازه التقني وحده. الطب يمس الجسد والكرامة وحق الإنسان في الحياة، والخوارزميات المعتمدة على بيانات ناقصة أو منحازة قد تنتج تشخيصًا جائرًا أو علاجًا مؤذيًا، كما أن التلاعب بالبيانات يهدد مصداقية البحث العلمي ويقوض الثقة بالمعرفة الطبية، ويمكن أن يمارس التحايل في أنظمة التأمين ورفع كلفة الرعاية الصحية. ويتفاقم الخطر مع اتساع الفجوة الصحية بين الدول، حيث تحتكر المجتمعات المتقدمة تقنيًا أفضل العلاجات، فيما لا تتاح لغيرها من الدول الفقيرة هذه التقنيات وفرص العلاج والوقاية. لذلك لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي الطبي كأداة محايدة، إذ إن غياب الشفافية والمساءلة والأطر الأخلاقية والقوانين الصارمة يحول الوعد العلاجي إلى مصدر جديد للهيمنة واللامساواة، فيما تشكّل الأخلاقيات والقوانين البوصلة التي تضمن توظيف هذه التقنيات في حماية كرامة الإنسان وحقه في العدالة العلاجية.

أما في مجال التنبؤ بالمناخ والكوارث فيفتح الذكاء الاصطناعي أفقًا أوسع لقراءة تعقيد الظواهر الطبيعية، من خلال تحليل محطات زمنية متسلسلة من بيانات الطقس والمحيطات وحركة الصفائح الأرضية، بما يتيح فهمًا أدق لمسارات التحوّل في الطبيعة، ويسهم في تطوير نماذج أكثر موثوقية للتنبؤ بالأعاصير والفيضانات وموجات الجفاف والحرّ الشديد، ويعزّز قدرات الإنذار المبكر بالزلازل والانهيارات، كما يظهر ذلك في أنظمة الرصد المعتمدة اليوم التي تكشف الأعاصير المدارية وحرائق الغابات في مراحلها الأولى، فتمنح الإنسان فرصة الاستعداد وتقليل الخسائر، وتحول المعرفة العلمية من انتظار الكارثة إلى استباقها، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي المتصالح مع قوانين الطبيعة ومباغتاتها.

وفي التكنولوجيا والصناعة يعزّز الذكاء الاصطناعي الأتمتة الذكية التي لا تكتفي بتكرار العمل، وإنما تتعلّم وتصحح ذاتها، فيرفع الكفاءة الإنتاجية، ويخفض الهدر والأخطاء، ويحرر الإنسان من الأعمال الشاقة والخطرة. في الوقت نفسه يسهم في تقوية الأمن السيبراني عبر كشف الهجمات قبل وقوعها، وتحليل أنماط الاختراق الخفية التي تعجز عنها المراقبة التقليدية، كما يفتح أفقًا جديدًا لتطوير شبكات الطاقة الذكية القادرة على موازنة الإنتاج والاستهلاك لحظيًا، ويدمج مصادر الطاقة المتجددة بكفاءة، لا بوصفه سيدًا متغوّلًا، وإنما بوصفه عقلًا مساعدًا يعين الإنسان على فهم العالم المعقد الذي يعيش فيه، ويمكّنه من التعامل معه بأقل قدر من الخسارة، وأكبر قدر من الحكمة.

في البناء والهندسة يتيح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة عبر التصميم التوليدي الذي يولد حلولًا إنشائية متعددة تستجيب لمعايير السلامة والكلفة والاستدامة، والنمذجة ثلاثية الأبعاد التي تتيح محاكاة المبنى قبل تنفيذه ورصد أخطائه مبكرًا، كما يسهم في جدولة المشاريع بدقة عالية، وتقليل الهدر في المواد والوقت، وتعزيز السلامة في مواقع العمل عبر أنظمة مراقبة ذكية ترصد المخاطر قبل وقوعها. ويتولى البناء الروبوتي المهام الخطرة والمتكررة والشاقة بكفاءة وانتظام، فيسهم في خفض الكلفة والوقت، ورفع المتانة والديمومة، من خلال تنفيذ الأعمال الإنشائية بدقة عالية، تخفض الهدر وتقلص أخطاء التنفيذ، كما يتيح روبوت البناء إنجاز الهياكل في مدد أقصر، ويخفض الحوادث وكُلف التأخير في البيئات الوعرة والخطرة. وإلى جانب ذلك تسمح أنظمة البناء الروبوتي بدمج أجهزة استشعار ذكية تُدمَج داخل المباني أو الجسور أثناء عملية البناء، وظيفتها قياس ومراقبة حالات فيزيائية محددة بشكل مستمر، مثل الضغط والإجهاد، الاهتزاز، التشققات المختلفة، الرطوبة، والحرارة. تعمل هذه الأجهزة على جمع بيانات لحظية عن حالة الهيكل الإنشائي، ثم تُحلَّل هذه البيانات بواسطة أنظمة ذكية لاكتشاف أي خلل مبكر قبل أن يتحول إلى انهيار خطير، وهو ما يسمح بالصيانة الاستباقية بدل الانتظار حتى وقوع العطب. بهذا المعنى لا تكون أجهزة الاستشعار الذكية مجرد أدوات تقنية، بل عينًا دائمة داخل البناء تراقب صحته وتسهم في إطالة عمره، وتعزيز متانته، وضمان سلامة مَن يعيشون أو يعملون فيه.

كذلك يطور الذكاء الاصطناعي نماذج للمدن بوصفها مدنًا مستدامة عبر إعادة تنظيم علاقتها بالطاقة والموارد والإنسان، بواسطة أنظمة ذكية تدير الطاقة المتجددة بكفاءة عالية، فتتنبأ بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وتوازن بين العرض والطلب لحظيًا، وتخفض الهدر والانبعاثات. ويدير شبكات المياه والصرف الصحي والنفايات بذكاء، عبر التنبؤ بالاستهلاك والكشف المبكر عن التسرب وإعادة التدوير. ويعمل على تصميم عمراني مستدام عبر محاكاة المباني قبل تنفيذها لتحسين الإضاءة الطبيعية والتهوية وكفاءة الطاقة، فضلًا عن دعم الزراعة الحضرية الذكية، ومراقبة جودة الهواء، وتعزيز الاستجابة السريعة للكوارث، ليغدو الذكاء الاصطناعي عقلًا تشغيليًا للمدينة المستدامة، لا يكتفي بإدارة مواردها، بل يعيد توجيهها نحو انسجام أطول أمدًا بين الإنسان والبيئة.

ويطور الذكاء الاصطناعي أنظمة نقل ذكية تدير حركة المرور، وتخفض الازدحام والحوادث، ليغدو الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات أداة لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة والصناعة والتقنية، إذ يعمل على الانتقال من مراقبة حركة السير بعد وقوع الازدحام إلى استباقه قبل حدوثه، من خلال جمع وتحليل بيانات ضخمة من مصادر متعددة مثل الكاميرات الذكية، وأجهزة الاستشعار على الطرق، وإشارات المرور، وبيانات المركبات وتطبيقات الملاحة، ومعرفة الأنماط الزمنية والسلوكية لحركة السير، فيتنبأ بمناطق الاختناق وأوقاتها بدقة عالية، ويعدل توقيت الإشارات الضوئية تلقائيًا، ويعيد توجيه المركبات نحو مسارات بديلة، ويضبط السرعات المسموح بها للحد من التكدس والحوادث، كما يدمج بيانات الطقس والحوادث والأعمال الطارئة في نماذج تنبؤية تسمح بإدارة الأزمات المرورية لحظة بلحظة، ويطور أنظمة نقل ذكية تخفض الازدحام والتلوث عبر إدارة المرور التنبؤية وتشجيع النقل الكهربائي والمشترك. وبذلك تتحول إدارة المرور من استجابة متأخرة إلى إدارة ذكية استباقية، تقصر زمن الرحلات، وتحدّ من الانبعاثات، وتحسن سلامة الطريق وجودة الحياة في المدن.

كما يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى علم الآثار على نحوٍ واسع، إذ يتيح قراءة الكتابات البائدة وفكّ رموز الخطوط المندثرة مثل المسمارية والهيروغلوفية والفينيقية وغيرها، عبر تحليل الأنماط اللغوية والبصرية في النقوش والرقم الطينية والبرديات، ومقارنة آلاف الشواهد النصية في زمن قصير، بما يعين الباحثين على استعادة معاني نصوص ظلت غامضة آلاف السنين.كما يسهم في ترميم النصوص المتآكلة عبر التاريخ، وإعادة بناء الأجزاء المفقودة منها اعتمادًا على السياق اللغوي والتاريخي، وتظهر أمثلة ذلك في استخدام خوارزميات التعلّم العميق لقراءة الألواح المسمارية المكسورة في حضارات وادي الرافدين، وفي مشروعات رقمية لفكّ طبقات النص الهيروغليفي المتضرر على جدران المعابد المصرية، وفي تحليل النقوش الفينيقية المتناثرة على شواطئ المتوسط لربطها بسياقاتها التجارية والدينية والثقافية، فضلًا عن توظيف الذكاء الاصطناعي في مطابقة اللغات القديمة بنظائرها السامية أو الهندوأوروبية، مما يفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الإنساني، ويحول علم الآثار من قراءة شظايا صامتة إلى حوار حيّ مع أصوات الماضي ومعانيه.

كذلك يمكن أن يستعمل الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في تحليل النصوص الفلسفية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف البنى العميقة لها، ورصد تحولات المفاهيم والقيم، ودعم أبحاث علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية. ويمكن أن يتغلغل في الفنون والآداب ليفتح أفقًا جديدًا لمساعدة الفنان والأديب في التجريب، وإعادة قراءة التراث الفني والأدبي ورقمنته وحفظه، ليغدو الذكاء الاصطناعي أداة تعيد تنظيم علاقة الإنسان بالمعرفة والإبداع والعمل والبناء، وتوسّع إمكاناته في الفهم والتخييل والابتكار، شرط أن يدار هذا التحول ضمن أفق أخلاقي وإنساني يصون مكانة الإنسان كسيد في الأرض، ويحفظ للعلوم الإنسانية والفنون والآداب معناها بوصفها تعبيرًا عن تجربة الإنسان الوجودية لا بديلًا شكليًا عنها.

 

https://alsabaah.iq/127439-.html

 

 

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية

د. عبد الجبار الرفاعي

في الزمن الذي تتحكم فيه الخوارزميات سيتسارع إيقاع التغيير بشكل مثير، وتضمحل المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية، في هذا الزمن يغدو الإنسان ضائعًا في متاهة لا تمنحه أمانًا. يعيش في تقلب دائم، لا يمكث طويلًا في علاقة، ولا يصبر على صداقة، ولا يتورط في صلة تستدعي الانتظار. ملول حد الضجر، حتى في علاقاته العاطفية سريع الانسحاب من كل ما لا يشبع رغباته المتقلبة، وما لا يحقق له لذة آنية. ينكفئ على ذاته، ويعيش فردانية مغلقة لا يرى فيها إلا نفسه، فيشتد اغترابه، ويتضاءل شعوره بالمسؤولية حيال مَن حوله حتى يكاد يتلاشى.

إثر ذلك تتآكل مشاعر الأُلفة في العائلة، ويتبلد الشعور الحميمي داخلها، ويتصدع الانتماء بمحتواه العاطفي، فيغدو البيت مأوى لأجساد لا قلوب، وسقفًا يظلل جماعة كأنهم غرباء لا يربطهم ود، ولا تنعيش قلوبهم المحبة، ولا يجمعهم حوار. في كثير من البيوت ترى الأبناء غارقين في هواتفهم وأجهزتهم اللوحية، منصرفين إلى تطبيقات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لا يكادون يصغون إلى آهات مَن يعيشون معهم، ولا يتواصلون بحميمية مع آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم. حتى في الأوقات القليلة التي يلتقون فيها أحيانًا على مائدة الطعام، لا يكادون ينطقون بكلمات تعرب عن حنانهم وامتنانهم للأمهات والآباء والعائلة، ولا يتكشف ما يدل على ذلك في وجوههم أو لغة أجسادهم. كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص منغلقًا عليه، يحيط أسراره بأسوار من الصمت، كأن حياته لا تخص أحدًا، وكأن مَن في البيت لا صلة عاطفية لهم به. في هذا الواقع يتفكك النسيج العضوي للعائلة بالتدريج، حين يفقد البيت نبضه العاطفي، وتمسي الحياة المشتركة عاجزة عن إنتاج معنى للحياة، ويتوارى الحنان خلف شاشات باردة لا دفء فيها ولا بوح. تختبئ في هذا الواقع المرير صرخة الإنسان الوجودية، المنطلقة من هشاشته وخوفه، ومن وعيه باغترابه، ومن ظمأه الأنطولوجي إلى معنى يمنحه طمأنينة الحضور في العالم. تتوالد هذه الصرخة في عمق التجربة الوجودية للذات، في موضع سابق على السلوك الظاهر، وأبعد من أن تدركه المؤشرات القابلة للقياس. تلتقط الخوارزميات الأفعال كما تظهر على السطح، وتتعامل مع الإنسان بوصفه مجموعة أنماط قابلة للتوقع، بينما تعجز عن النفاذ إلى الألم الداخلي، وعن الإصغاء إلى الأنين الصامت الذي يتولد في أعماق الكائن البشري حين يفتقد المعنى. تقرأ الآلة ما يختاره الإنسان، وتستبق قراراته، غير أنها لا تلامس القلق الذي يفزعه، ولا تعرف مشاعره، ولا ترى أنين قلبه، ولا تدرك الاغتراب الذي يدفعه إلى البحث عن صلة تتجاوز العالم المحسوس.

في هذا العجز التقني عن ملامسة باطن الإنسان يتفاقم الاغتراب الميتافيزيقي، إذ يشعر الإنسان أن العالم الذي تديره الخوارزميات لا يعترف بحاجته للمعنى، ولا يرى وحشته، ولا يمنحه أفقًا يتسع لأسئلته الوجودية. تتسع هذه الغربة كلما جرى التعامل مع الإنسان بوصفه معطى رقميًا، لا ككائن يشعر، ويتألم، ويحنّ، ويخاف، ويبحث عن خلاص، ويتوق إلى حضور إلهي يروي ظمأه. في هذا الانكسار الوجودي تلوح الإنسانية الإيمانية بوصفها استعادة للإنسان من اغترابه، إذ تعيد وصل الإنسان بذاته، وتفتح أفقًا لمعنى يتجاوز جسده، وتؤسس لصلة حية بالله تتجلى في الرحمة، والرفق، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها ثمرة لإيمان يشبع الحاجة الوجودية، لا من الإكراه أو البرمجة.

كل مشروع تنموي يتجاهل صرخة الإنسان الوجودية، ولا يعي حاجته العميقة إلى المعنى والمحبة والرحمة، ينقلب إلى مشروع لا إنساني، مهما تضخمت أرقامه، وتكاثرت منتجاته، وانخفضت كلفته المادية، وارتفعت أرباحه، ومهما تحدث عن الرفاه. تفقد التنمية معناها الإنساني حين لا تنبع من مركزية الإنسان وسلطته الأخلاقية على الأرض، وحين تنفصل عن حاجته العميقة إلى المعنى والحرية والكرامة. عندئذ تسير التنمية في مسار آلي، وتعمل بوصفها حالة صمّاء لتراكم الأشياء وتكثير الإنتاج، والتسويق، والاستهلاك، من غير اكتراث بما تخلّفه في قلب الإنسان من وجع. تستهلك هذه التنمية طاقة الروح، وتُنهك القلب، وتبلد المشاعر، وتدفع الإنسان إلى حياة مزدحمة بالأشياء وفقيرة بالمعاني. في هذا السياق يتراجع الإنسان من كائن يبحث عن معنى وجوده إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه سوى مهنة وظيفية ورقم. هكذا يتسع الاغتراب، ويغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، لأن التنمية التي لا تصون إنسانيته ولا تحرس كرامته وحريته وحقوقه لا تؤسس لحياة جيدة، وإنما تعمّق القطيعة بين الإنسان ومعنى وجوده، وتدفعه إلى اغتراب موجع يفقد فيه الشعور بالحضور والجدوى.

الاستثمار الحقيقي لا يقف عند توسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح، وإنما يتحقق حين ينقذ الإنسان من التحول إلى شيء، ويعيد الاعتبار إلى قلبه وروحه ومشاعره، ويحرره من اختزاله رقمًا في خوارزمية، ومعطى إحصائيًا في تقرير. هناك فقط تستعيد التنمية معناها، حين تصير فعل رعاية، ومسؤولية أخلاقية، وطريقًا لصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا وسيلة لتكريس اغترابه وتجفيف منابع المعنى في حياته.

التنمية التي تنفصل عن مركزية الإنسان تفرغ وجوده من قيمته، وتحيل حياته إلى فراغ لا يشبع حاجته العميقة إلى المعنى، مهما تضاعف الإنتاج المادي. التكنولوجيا حين تخلو من القيم، ولا تحضر فيها الأخلاق، تنقلب سريعًا من أداة رفاه إلى آلة قهر، ويغدو العالم مصنعًا واسعًا يبتلع معنى إنسانية الإنسان، ويعيد تشكيله كشيء لا يختلف عن الأشياء التي يصنعها ويستهلكها. أمّا التنمية التي تستحق اسمها فتنبع من وعي باحتياجات الإنسان الوجودية والمعنوية، وتستمد معناها من صون الكرامة الإنسانية وترسيخها، ولا تختزل الإنسان في أداة إنتاج أو رقم استهلاك، وتحتضنه بوصفه كائنًا يعيش عطشًا أبديًا إلى المعنى، ويبحث عن حياة تنصت لظمأ روحه وأشواق قلبه، كما تلبي حاجاته المادية.

تعمل الرأسمالية على احتكار الذكاء الاصطناعي، وإذا نجحت في ذلك تتسيد على الأرض وتهيمن حتى على الإنسان، وتنكشف همجيتها كوحش كاسر يمتلك قدرات تتفوق على القدرات المتنوعة للإنسان في حقول الحياة كلها، من غير أن تمنع توحشها قوانين عادلة صارمة، أو تكبحها قيم راسخة. حينئذ تصبح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أداة استلاب واستعباد وقمع، ووسيلة فتاكة في الحروب، إذا افتقرت البيئة التشريعية والأخلاقية إلى ما يضبط انفلاتها ويكبح استغلالها ضد الإنسان وحقوقه وحرياته بوصفه سيد الأرض.

ليس كل ما يعد به التقدم التكنولوجي يعد نعمة خالصة، ما لم يكن مصحوبًا بتنمية الوعي الإنساني، وتجذير قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، والحد من جشع السوق الرأسمالية، ومقاومة تحول الإنسان إلى مادة خام لصناعة الأرباح. وفرة السلع والخدمات لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى، ولا تكفل سعادة الإنسان أو أمنه الوجودي وسلامه الروحي. إنسان العصر الرقمي يعيش اغترابًا وجوديًا واجتماعيًا عميقًا، لأن ذاته تتآكل تحت وطأة تسارع الأحداث وتحولات الواقع التي لا هوادة فيها. هذا الاغتراب لا يقتصر على تشييء الهوية، بل يمتد إلى ذوبان العلاقات الاجتماعية، حيث تذوي العلاقات الإنسانية العاطفية وسط صخب الانشغال بتطبيقات العالم الرقمي، وما يفرضه من واقع لم يألفه الإنسان من قبل. نرى الإنسان منفصلًا عن ذاته ومن حوله، فاقدًا للألفة الاجتماعية التي تمنحه الاعتراف والثقة والمودة، لا ذاته منكشفة له بجلاء، ولا تواصله مع الآخرين يتسم بالثقة والدفء.

https://alsabaah.iq/127858-.html

الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق

الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق

د. عبد الجبار الرفاعي

يرى الخبراء أن العالم يقف على أعتاب طور جديد من الذكاء الاصطناعي، يسمى الذكاء الاصطناعي الفائق (Artificial Superintelligence – ASI)، وهو طور لا يشبه ما عرفه الإنسان من أدوات رقمية مساعدة، لأنه يؤسس لنمط من العقل الاصطناعي ربما يتجاوز العقل البشري في الفهم والتحليل والابتكار والتخطيط، ويتحرك في أفق ذكاء عام غير محصور بمهمة أو اختصاص. الذكاء الاصطناعي الفائق لا يكتفي بتنفيذ الأوامر، إنما يتعلم من ذاته، ويعيد تشكيل بنيته الداخلية باستمرار، ويطور أداءه بوتيرة متسارعة يعجز الإنسان عن ملاحقتها أو الإحاطة بمساراتها. في هذا الواقع لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان، بل يتحول إلى فاعل مستقل، يفرض أسئلة جديدة عن معنى العقل، وحدود السيطرة، ومصير الإنسان في عالم تتسارع فيه القدرة التقنية أسرع من حضور الضمير الأخلاقي وفاعليته، وتتجلى فيه الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مكانة الإنسان في العالم، وحقوقه وحرياته، ومعنى حياته في زمن يتغير فيه العقل ذاته.

يتمرد الذكاء الاصطناعي الفائق على قيود الذاكرة البشرية، وبطء المعالجة، والتحيزات، والانفعالات، فيغدو قادرًا على استكشاف العلاقات الخفية في البيانات، وبناء حلول نوعية لمسائل شديدة التعقيد، مثل: الأمراض المستعصية، وأزمات المناخ، ومسارات التنمية، وتنظيم الاقتصاد العالمي، والعلاقات الدولية، وإدارة الدولة والحوكمة. غير أن هذا التحول يوقظ مخاوف وجودية عميقة، تتصل بإمكان انزلاق السيطرة من يد الإنسان، إذا صاغ العقل التقني أهدافًا لا تتقيد بالقيم الإنسانية، أو استخدم في سباقات تسلح تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. عندئذ يتحول ظهوره المتوقع إلى لحظة فاصلة في مصير البشر، قد تفتح أفقًا لنهضة غير مسبوقة، أو تقود إلى تحولات يصعب التنبؤ بمآلاتها. مع ذلك، ما زالت الأنظمة الراهنة، على الرغم من اتساع قدراتها، تقف دون عتبة الذكاء العام الشامل والاستقلال الذاتي الكامل اللذين يمنحان هذا الذكاء وصفه الفائق.

لو تبلور الذكاء الاصطناعي الفائق في إطار أخلاقي يحرس كرامة الإنسان ويحمي حرياته وحقوقه، فإن أثره لا يقتصر على تسريع التقنية، بل يمتد إلى إعادة صياغة أنماط العيش المشترك ذاتها؛ ففي التربية والتعليم يؤسس هذا الذكاء لتعليم شخصي عميق يكشف الفروق الفردية ويعالج فجوات المعرفة، وينقل جودة التعلم إلى الهوامش المنسية، ويحرر المعلم من الأعمال الميكانيكية، ليغدو موقظًا للعقل، ومربيًا للضمير والشعور بالمسؤولية والذوق. في الصحة يتحول الطب إلى رعاية وقائية مصممة لكل جسد، بتشخيص أدق، واكتشاف أسرع للأدوية، ورعاية عن بعد تقلص اللامساواة بين المركز والهامش. في الاقتصاد والعمل يعيد تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع، ويخفض الهدر والفساد، ويمنح صانع القرار قدرة استباقية على اختبار السياسات قبل تنفيذها، ويخلق صناعات جديدة، بشرط سياسات انتقال عادلة تحمي الأفراد والمجتمعات من الإقصاء، وتعيد تعريف العمل بوصفه مشاركة في المعنى لا مجرد أداء وظيفة. في العلوم والتكنولوجيا يسرع البحث، ويربط الحقول المتباعدة، ويفتح آفاقًا للطاقة النظيفة والمواد المتقدمة والأمن السيبراني الدفاعي. في المناخ والتنمية يقدم رؤية أدق وأشد فعالية وكلفة، وزراعة ذكية، وتخطيطًا حضريًا أقل قسوة على الإنسان والطبيعة. على مستوى العلاقات الدولية والدبلوماسية يساعد في تفكيك أسباب النزاعات، وبناء مسارات تفاوض تحقق المكاسب المتبادلة، ويقلل من سوء الفهم اللغوي والمعرفي والثقافي، ويعزز التحقق من المعلومات إذا خضع لقواعد شفافة. في السياسة والإدارة العامة يبسط الخدمات، ويقوي الحوكمة المبنية على الأدلة، ويكشف أنماط الفساد، ويطور العدالة الإجرائية دون أن يحولها إلى آلة بلا روح. في الثقافة والمعرفة يخفف التضليل، وييسر الوصول إلى العلم، ويحيي التراث بتحقيقه وربطه بسياقاته التاريخية. وفي الحياة اليومية يمنح أدوات تعزز الاستقلالية والخصوصية، خصوصًا لذوي الإعاقة، وترفع الأمان وجودة العيش.

غير أن المكسب الأهم لا يكمن في اتساع القدرة التقنية ذاتها، إنما يتجلى مباشرة في أثر هذا الذكاء على العيش المشترك؛ فحين يصمم ليخدم ترسيخ القيم الإنسانية والحريات والحقوق، ويخضع للشفافية والمساءلة، وتغلق الأبواب أمام عسكرة استخدامه أو تحويله إلى أداة هيمنة، يمكنه أن يسهم في خفض الاستقطاب، وترميم الثقة المتآكلة بين الأفراد والجماعات، وتوسيع الفضاء العمومي بالحوار والمعرفة الرصينة، بحيث يتحول الاختلاف من مصدر تهديد إلى طاقة تنوع خلّاقة تعزز الحقوق والحريات وترسخ قيم العيش المشترك.

أما إذا انفلت من مرجعيته الأخلاقية، فسيتحول إلى قوة تضاعف اللامساواة، وتغذي نزعات التسلط والهيمنة، وتشرعن الإقصاء، وتقوض أسس السلم الأهلي والدولي. عندئذ يغدو الذكاء الاصطناعي الفائق اختبارًا حاسمًا لإنسانيتنا نفسها: إمّا أفقًا لترميم العالم، وتعميق العدل، وبناء عيش مشترك أكثر رحمة واتساعًا، أو اندفاعًا تقنيًا يسرّع الحركة ويفرغ الحياة من روحها ومعانيها الأجمل. ويحدث قطيعة حادة بين إنسان عصر هذا الذكاء وإنسان الأمس، في نمط الوعي والإدراك والمعرفة والثقافة والفنون والآداب، والمعتقدات والقيم والقوانين، والعيش المشترك، والحقوق والحريات، وكل شيء تتطلبه حياة الإنسان في الواقع الجديد.

إذا انزلق الذكاء الاصطناعي الفائق خارج أفق القيم والحوكمة، فإن أثره السلبي على صراع الهويات والمعتقدات والقوميات والحروب يتجاوز حدود التقنية ليصيب نسيج المعنى والعيش المشترك في العمق؛ إذ يمنح هذا الذكاء أدوات غير مسبوقة لإعادة هندسة الوعي الجمعي، عبر تضخيم السرديات الهوياتية الدينية والطائفية والقومية، وتخصيص الدعاية على مقاس الجماعات الدقيقة، وتغذية مشاعر الخوف والمهانة والذعر والتهديد الوجودي، فيتحول الاختلاف الثقافي أو الديني والطائفي أو القومي إلى وقود تعبوي دائم لتوليد النزاعات وتغذيتها.

ومع قدرة هذا الذكاء على تحليل البيانات السلوكية والنفسية، يستطيع توجيه الرسائل التي تعمق الاستقطاب، وتشيطن الآخر المختلف، وتكسر المساحات الرمادية التي تقوم عليها التسويات، فينكمش الفضاء العمومي، ويتراجع الحوار، وتترسخ هويات صلبة مغلقة ترى في ذاتها حقيقة مكتملة وفي غيرها خطرًا دائمًا. وعلى مستوى الحروب، يسرّع هذا الذكاء سباق التسلح، ويخفض عتبة القرار العسكري عبر أنظمة تنبؤ وتخطيط وضربات دقيقة، فيغدو العنف أكثر ضراوة وأقل كلفة سياسية آنية. وتضعف قدرة الكوابح الأخلاقية، وتتآكل المسؤولية تجاه الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن هويته الاعتقادية والعرقية، ويغيب الإحساس بالفزع من الفتك بالكرامة، والمعاناة المريرة للمختلف، وسفك الدماء. كما يتيح شن حروب هجينة طويلة النفس: سيبرانية، معلوماتية، اقتصادية، تدار من دون إعلان، وتستنزف فيها الدول وتشل المجتمعات من الداخل عبر تعطيل البنى، وتزييف الحقائق، وضرب الثقة بالمؤسسات. في الدول الهشة، يعمّق الذكاء الاصطناعي الفائق اختلال موازين القوة، ويمنح الفاعلين الأقوى ممن يمتلكونه قدرة على فرض نماذج هيمنة تعيد إنتاج التبعية، وتحول السيادة إلى مفهوم فارغ. هكذا لا يصنع هذا الذكاء حربًا أسرع فحسب، إنما يصنع صراعًا أطول عمرًا، أكثر تعقيدًا، أقل قابلية للحسم، لأنه يشتغل على العقول قبل الحدود، وعلى العبث بركائز الدول والمجتمعات قبل الأرض.

من دون اصطفافٍ قيمي يحرس المعنى، وضمير أخلاقي يقظ، وقوانين كونية تلزم الجميع، وشفافية تضيء العتمة قبل أن تتحوّل إلى سلاح ضد الروح، يظل الذكاء الاصطناعي الفائق مهددًا بأن يجعل العالم مسرحًا للاستقطاب الأبدي. تتقدم القدرة التقنية كإعصار مهول، فيما يتقهقر الوعي الأخلاقي إلى هوامش باهتة، ويتآكل العيش المشترك تحت وطأة خوف يديره ذكاء اصطناعي فائق أسرع من الإنسان وأقسى تسلطًا. هكذا يغدو المستقبل ساحة معلقة بين قوة بلا ضابط ووعي يتهاوى، حيث يختبر مصير الإنسانية في سؤال واحد: هل نستطيع أن نصوغ ميثاقًا يحمي المعنى قبل أن يبتلع في دوامة تسلط وهيمنة هذا الذكاء؟ خاصة مع الزيادة الكبيرة للإنفاق على تكنولوجيا المعلومات، إذ “تتوقع مؤسسة غارتنر أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025″، جريدة الشرق الأوسط، 4 يناير 2026.

 

https://alsabaah.iq/126387-.html