Category: الذكاء العاطفي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

د. مجتبى الحلو[1]

يمتاز كتاب “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث “1770 – 1850” الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ “القصائد الغنائية” حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: “الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله”. لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن “الواقع” أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن “تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور”. تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج “55 – 56” الصادر سنة 2013، من مجلته “قضايا إسلامية معاصرة” لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: “الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 – 1855″.

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في “دروب المعنى”. لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

[1] باحث وأستاذ جامعي عراقي.

 

https://al-aalem.com/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88/

 

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

د. زياد حمد الصميدعي[1]

وقع بيدي كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، فقرأته قراءة المتأمل الناقد، فأخذني من عالمي المحدود إلى آفاق رحبة في الفكر التربوي والمعنى الأخلاقي، حتى وجدتني أعود إليه ثلاث مرات، وما زلت أنوي قراءته الرابعة، لما وجدت فيه من غذاء للعقل والروح والقلب، وبوصلة للهداية. طلبت ثلاث نسخ منه لأولادي: إبراهيم ويوسف ومحمد، وهم في مقتبل العمر، ليكون منهاجًا لحياتهم وخارطة طريق لمستقبلهم، ثم عممته على طلابي في الجامعة، ومريدي في مسالك السلوك العرفاني. وإذا كانت رسالة “أيها الولد” لحجة الإسلام الغزالي قد طارت شهرتها في الآفاق، فإن الرسالة التي جددها أستاذي عبد الجبار الرفاعي تحت عنوان “ثناء على الجيل الجديد” جديرة بأن تنال أوسع الانتشار في عصرنا الرقمي الذي تعصف به تحولات الذكاء الاصطناعي، لما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم تشبع عطش هذا الجيل إلى المعاني الضرورية لحياته، في زمن يزداد فيه نضوب المعنى، ويصدح بفراغ الروح، وتضيء لهذا الجيل مسالك الوعي والبصيرة، وتؤسس لتربية تستند إلى الرحمة والمحبة والعقل، وتبشر بإنسانية أرحب، وأفق روحي أعمق.

وجدت في “ثناء على الجيل الجديد” رؤية عميقة تستبطن وعي هذا الجيل، وتكشف عن تطلعاته وأحلامه في عالم كوني متعدد ومفتوح، ورأيت فيه إدراكًا نافذًا للمخاطر المستقبلية وللتحولات الكبرى الفكرية والعملية التي لم تعد المناهج التقليدية في بيئاتنا المغلقة، ولا الوعي الموروث، قادرين على استيعابها أو الإحاطة بها، بعدما اتسع الفرق بين عالم الأمس وعالم اليوم، حتى غدا شاسعًا مترامي الأطراف. بدا كتاب عبد الجبار الرفاعي محاولة جريئة للتوفيق بين ماضينا الذي يشدنا بجذوره، ومستقبلنا الذي يلح علينا بنداءاته، وإن كان ذلك عسيرًا، غير أنها محاولة تربوية ناضجة، تحمل بذور الأمل، وتبشر بالتجديد في طرائق التربية والتعليم، وتغرس في عقول الناشئة ووجدانهم عناصر الثقة والقوة، وتوقظ فيهم الرغبة الصادقة في غدٍ أجمل، غدٍ يتكامل فيه التسلح بالقيم الروحية والأخلاقية والجمالية، مع مواكبة التقدم التكنولوجي المتسارع إلى جدًا، ليولد إنسان جديد أكثر وعيًا بذاته، وأقدر على العيش في هذا الكون الرحب.

في الأيام القادمة سنجتمع في ورشة عمل لمطالعة كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، وسأدعوا طلابي في الجامعة إلى قراءته، لا كأي كتاب عابر، بل كما لو كان امتدادًا وتجديدًا لرسالة “أيها الولد” للغزالي، وقد أعيدت صياغتها بروح جديدة، ورؤية تتناسب وزمانكم الرقمي، مدونة بلغة إيمانية وأخلاقية وإنسانية تعجز عنها ألسنة كثير ممن يتحدثون عن الدين، أو يحاولون مخاطبة الجيل الجديد بلغة تراثية لا تشبهه. عبدالجبار الرفاعي أبدع في كتابة رسالته التربوية، حتى غدت نداءً صادقًا تنصت إليه القلوب، ويوقظ العقول، ويعيد وصل الروح بندائها الأخلاقي والإنساني.

إن “ثناء على الجيل الجديد” ليس مجرد كلمات على الورق، بل هو مشروع تربوي حيّ، يمكن أن نجعله منهجًا عمليًا نهتدي به في بيوتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، ونحوّله إلى واقع نعيشه في إعداد الأبناء وتربية الأجيال. إنه خلاصة حياة فكرية تربوية امتدت لنصف قرن في دراسة الفلسفة وعلوم الدين وتدريسها، وإنتاج علمي تجاوز أربعة وخمسين كتابًا، وتجربة ثرية تنقلت بين الحوزة والجامعة، ومجالس البحث والتعليم والتربية، وهو قبل ذلك كتاب أبٍ ومربٍّ، يعترف بتواضع نادر أنه “تعلم من أبنائه أكثر مما تعلم من آبائه، وتعلم من تلامذته أكثر مما تعلم من أساتذته”، كما دوّن ذلك في صفحة الإهداء. من هنا فإن كتاب: “ثناء على الجيل الجديد” يقدَّم إليكم أبنائي لا ليُقرأ فحسب، بل ليكون دليلًا يرشدكم، ومنارةً تنير لكم الطريق في زمن يموج بالتحولات، ويحتاج إلى بوصلة أخلاقية وروحية وجمالية، تحفظ إنسانيتكم وأنتم تعبرون نحو المستقبل.

يكشف الرفاعي في مقدمة “ثناء على الجيل الجديد” عن مقصده من تأليف الكتاب، فيقول: “أحاول في هذه الأوراق تقديم رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق في الكلام نيابة عن أي إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة تشكلت قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون من: (أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء)، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وقد أكملوا تعليمهم العالي، فتحصل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير. لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، فأغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، وهم الأقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي منهم ومحبتهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وما زلت أقرب إلى رؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي، وذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم وما يعد به غدًا”.

“ثناء على الجيل الجديد” يعكس مسيرة فكرية وتعليمية وتربوية وأخلاقية وروحية ممتدة، تتجلى فيها خبرة التعليم، وتجربة الحياة، ورؤية تسعى إلى تحويل الفكر إلى ممارسة، والمعرفة إلى تربية، والكلمة إلى قدوة. إنه ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل دليل عملي يستضيء به الأبناء والآباء، والطلاب والمعلمون، وكل من ينشد المعنى في عالم سريع التحولات. اللافت أن الرفاعي أفرد الفصل الرابع من كتابه لموضوع: “الصمت الحكيم”، ليكشف فيه عن الصمت بوصفه رافدًا من روافد البصيرة يغذي الروح بالمعنى، في وقت يعيش فيه الجيل الجديد وسط عالم صاخب بتطبيقات وسائل التواصل ونماذج الذكاء الاصطناعي، عالم تتشظى وتذوب فيه المعاني، وتغرق حياة الإنسان موجات اللامعنى التي تعصف بوجوده وتضاعف غربته.

[1] أستاذ فلسفة القانون في الجامعة العراقية ببغداد.

 

https://al-aalem.com/%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/

صراع الأجيال بين الآباء والأبناء في كتاب: ثناء على الجيل الجديد

صراع الأجيال بين الآباء والأبناء

في كتاب: ثناء على الجيل الجديد

حسين كاظم[1]

من بين جميع المفكرين العرب المعاصرين، يتميز المفكر العراقي الدكتور عبدالجبار الرفاعي لا بتجربته الدينية والفكرية وحضوره في الساحة الثقافية حسب، بل ويتميز أيضًا بإنتاجه الغزير، وشخصيته الأخاذة التي تبرز في كتبه بروزًا واضحًا، فتأسر قراءه وتجعلهم يزجون بأنفسهم في عوالمه حتى النهاية.

ومن بين جميع كتبه، لفت نظري عنوان في معرض الكويت الدولي للكتاب، عام 2024: “ثناء على الجيل الجديد”!

أذلك حقيقي؟ هل ثمة أحد من “جيل الآباء” يكتب كتابًا بهذا العنوان الصريح؟ “ثناء على الجيل الجديد”؟ حقًّا؟

ومنذ بداية الكتاب، نجد الرفاعي يتحدث عن تمرده على جيله وخروجه عن سربه تجاه موقفه من “الجيل الجديد”، إذ بينما يذم غالبية الكبار هذا الجيل، يُقرّ الرفاعي بأنه يرى نفسه أقرب إلى “الجيل الجديد” من جيله هو. بل وهو ينتقد جيله قائلا بأن “تشبث الآباء وقبضتهم الحديدية على مواقع قيادة الدول المختلفة وتأسيس الحكومات، وإجهاضهم لأية محاولة تسعى لتمكين الجيل الجديد من قيادة المؤسسات والمنظمات والأحزاب” هي إحدى أعمق عوامل مأزق السياسة والثقافة والتربية والتعليم في مجتمعاتنا.

وبالفعل، فإنا نرى الازدراء العميق الذي يحمله غالبية جيل الكبار تجاه الجيل الجديد، حتى في الوسط الثقافي؛ حيث لا يقدّر أغلب المثقفين الكبار إلا أقرانهم، ولا يعترفون إلا بمن هم في مثل أعمارهم غالبًا، بينما يتنكرون للمثقفين والكتّاب من جيل الطليعة، ولا يتعاملون معهم إلا باستعلاء، ولا ينظرون إليهم على أنهم أنداد ونظراء، بل على أنهم طفيليون صغار ليسوا بكفاءة أن يكونوا أندادا لهم. وهذا أحد أسباب الفجوة الكبيرة التي تنشأ بين الجيلين، وإلى ابتعاد أحدهما عن الآخر أكثر فأكثر، حتى يصبح التعاطي والتفاهم بينهما مستحيلًا، أو شبه مستحيل! وهذا بحد ذاته كفيلٌ بأن يتسبب في عدم تقدير الطليعة للكبار، كما أن هؤلاء الأخيرين لا يقدّرون الطليعة!

يؤكد الدكتور الرفاعي على اشتداد حاجة جيل الآباء للتقدير والاحترام مع تقدمهم في العمر، وعلى ضرورة أن يلبي الجيل الجديد احتياجهم هذا. ولكنّنا نجده، في السياق نفسه تقريبًا، وكأنه “يهجو” جيل الآباء!

فهو يورد مثلًا كيف أن هذا الجيل يتهم الجيل الجديد بأنه “لا يعرف ما يريد”، ويُبرز ذاته على أنه “جيل يعرف ما يريد”، ومن ثمّ يقلب الطاولة كلّيًّا عليه، ويرى بأنه “يُخطئ مرتين”: الأولى هي عندما يتهم الجيل الجديد بأنه لا يعرف ما يريد، والثانية هي عندما يدعي بأنه جيل يعرف ما يريد.

ولتوضيح ذلك، فإنه يقول أن عقل الشباب اليوم أنضج، وفهمهم للحياة أعمق، وعالمهم أكثر تركيبًا وتعقيدًا، في مقابل العالم البسيط الذي عاشه الآباء. هذا فيما يخصّ الخطأ الأول. أما فيما يخص الخطأ الثاني، فهو يقول: “كيف يعرف ذلك الجيل ]أي جيل الآباء[ ما يريد، وهو لم يكتشف حتى ذاته الفردية؟! فقد أنسته الأساطيرُ المؤسسة لمتخيله الثوري ذاتَه. كان جيل الآباء مولعًا بيوتوبيات الخلاص للكل، والحرية للكل، وانصهار الكل في واحد. كان يحسب أن تغيير العالم تنجزه مجموعة شعارات وأناشيد تعبوية تنشد تجييش الجماهير وخروجها إلى الشارع تهتف بـ«الروح بالدم نفديك يا…». هذه النزعة قادت ذلك الجيل لأن تسعبده أصنام مختلفة؛ كل منها يظهر على المسرح الاجتماعي بقناعه الخاص، فتارة يصير رجل صنما، وأخرى تصير أيديولوجيا صنما، وثالثة تصير هوية طائفية صنما، ورابعة يصير كتاب صنما: كل صنم منها يستعبد من على شاكلته (..). الكثير من الآباء مولع بعبادة الأصنام البشرية، إن لم يجد صنما في الماضي يخضع له ويستعبده، ينحت من أحد رجال السياسة أو الدين أو الفكر أو الأدب صنما. الكثير من الأبناء مولع بتحطيم الأصنام البشرية، لذلك يصعب ترويضهم على العبودية”.

بهذه الطريقة، يقلب الدكتور الرفاعي الطاولة على جيل الآباء: ليس الجيل الجديد هو الذي لا يعرف ما يريد، بل أنتم الذين لا تعرفون ماذا تريدون، من بعد أن تخطفتكم الأيديولوجيات واستعبدتكم الأصنام التي يأبى الجيل الجديد الركوع إليها!

ومن ثم نجده ينصب مفارقة بين ولع جيل الآباء بالحزن والبحث عن كل ما ترتسم فيه ملامح الموت، في مقابل حب الجيل الجديد للحياة وإقباله عليها. ومن أجمل المفارقات التي يبرزها الرفاعي، في سياق آخر، هي المفارقة التي تنطوي على مستوى خطر الغضب الذي كان يستعر في جيل الآباء، في مقابل مستوى خطر الغضب المضطرم في جيل الأبناء، قائلًا بأن غضب الآباء كان أخطر بكثير، لسبب بسيط هو أنه كان غضبًا مكبوتًا مقموعًا، في مقابل غضب الأبناء المُعبّر عنه بشتى الوسائل، والتي ليست أقلها: وسائل التواصل الاجتماعي!

لا ريب في أنه ثمة فجوة بين الجيلين. ولكن السؤال: ما أهمية الوعي بهذه الفجوة هاهنا؟ ولماذا علينا أن نتوقف عندها؟

والجواب: يكاد التفاهم بين الجيلين أن ينعدم بفعل هذه الفجوة. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية دراستها: كي يفهم كل جيلٍ الجيلَ الآخر، وليفتح قنوات التفاهم والاحترام بينهما، الأمر الذي من شأنه أن يجعل حياة كلّ منهما أكثر سلامًا وصحةً نفسيةً، وأعظم عطاءً وإثمارًا.

على جيل الآباء أن يقدّر الجيل الجديد ويعترف بفضائله ويحترم استقلاله وعقله، تمامًا كما على الجيل الجديد أن يحترم جيل الآباء ويقدّر تجربته ويفهمها. وهذا هو السبيل الأوحد من أجل تقدم حقيقيٍّ في العلاقة بين الجيلين.

حسين كاظم

5 ديسمبر 2024

[1] روائي من البحرين.

https://www.alayam.com/online/culture/1080996/News.html

الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود

الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود

د. عبد الجبار الرفاعي

ليس هناك ما يُشعِر الإنسانَ بمتعة وجوده في العالَم كالحُبّ والإيمان. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحُبّ، وأجمل ما يتجلى فيه الإنسانُ الحُبّ، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان تتحقّق بالحُبّ، وأعذب طور وجودي للإنسان الحُبّ. الحُبّ ضربٌ من انكشاف الوجود وتجلي ما هو مضيء في الإنسان، واحتجاب العناصر المظلمة، واضمحلالها إلى أدنى مرتبة ممكنة. الحُبّ الأخلاقي بلا شروط ولا قيود نعمة إلهية، لا يظفر بها إلا الأخلاقيون النبلاء. كأن الإنسان يغيب في الحُبّ عن الزمان والمكان والمادة ويختفي ظلامها، وكأن الزمان يتحول إلى صفر، ‏عندما يحضر هذا النوع من الحُبّ. لا ينكشف النورُ إلا بمرآة يتجلى فيها، ‏الإنسانُ الأخلاقي يتجلى فيه نورُ الله، الأخلاق مرآة نور كائن مضيء. الحُبّ الأخلاقي ليس حالة شعورية مؤقتة أو عابرة، إنه رحلة وجودية يعيد الإنسانُ تعريفَ ذاته فيها ويوجد بطور جديد.

مادام الحُبّ رحلة وجودية، فكلّ رحلة وجودية يخوضها الإنسان لن يعود بعد خوضها لما كان هو عليه قبل ذلك.كلُّ ما هو وجودي في الحياة منبع إثراء وتكريس لكينونة الإنسان، سواء أكان من نوع مبهج أو من نوع موجع، وإن كان كل منهما يحدث أثره من جنسه وبكيفية تشاكله. الذي يعيش الحب بوصفه تجربة وجود يولد ولادة جديدة، بالحب يولد الإنسان بطور وجودي أغنى. الذي لا يحب من هو جدير بالثقة والمحبة يبذر مشاعره. الحاجة للحُبّ والإيمان من الاحتياجات الوجودية العميقة التي لن يستغني عنها وجودُ أي إنسان، وكلما ازداد عدد المحبين تزداد محبته لهم، وتشتد حاجته إلى التواصل معهم وتحذير محبتهم. يتذوق الإنسان عذوبةَ الحُبّ بوصفه رحلة وجودية يتحقّق بها، وان كان لا يستطيع التحدث عنها إلا بحدود ما تتسع له الكلمات، تضيق اللغة عن التعبير لرسم صورة واضحة للوجود. ليست هناك لغة مكتفية بذاتها، ‏اتساع أفق المعاني يخنق الكلمات.

الكائن المحب مضيء يفرض حبه على من يكون حوله. الحُبّ ضوء حيثما كان يبهج القلوب.‏ الحُبّ يطهر الروح من الظلام. مَن يستثمر في الروح يفرض حبّه حتى على القلوب القاسية. الحب الاستثنائي الأصيل يتحقق فيه الإنسان بطور وجوديّ أجمل وأثرى. يتذوق الإنسان الحب بوصفه رحلة وجودية يتحقّق بها، ولا يستطيع التحدث عنها إلا بحدود ما تتسع له الكلمات، تضيق اللغة عن التعبير لرسم صورة لما يتحقّق به الإنسان من أطوار وجودية. يحتاج كلُّ إنسان الحُبّ وربما تزداد حاجته للحُبّ لو ازداد عدد المحبين في العائلة والأصدقاء ومَن يتواصل معهم، يرى الإنسان كلما ازداد عدد المحبين ازدادت محبته لهم وتضاعفت حاجته إلى محبتهم.

في الحُبّ خاصية عجيبة يتميّز بها، وهي قدرته على إعادة إنتاج مكونات ولادته ومنابع إثرائه من داخله؛ لذلك يتجذّر الحُبّ ويصفو ويُثمر عندما تتّسع مساحةُ محبّة الإنسان لغيره، ثمرة الحُبّ هي الحُبّ لا غير.كلُّ حُبٍّ يتكرس وينمو على شاكلته، إذ يتفاعل كلّ إنسان مع الحُبّ بما يتناسب مع نمط الحُبّ ونمط شخصيته. إن إعادة إنتاج الحُبّ وإفاضته ترتبط بنمطه وكيفيته، ودرجة تفاعل الروح واستلهامها له.

مكافأة الحُبّ هي الحُبّ، ما يطلبه الحُبّ هو الحُبّ، لا يرتوي الحُبّ إلا بمزيد من الحُبّ. يتسع القلب ويضيء ويبتهج كلما اتسع فضاء الحُبّ فيه. بهذا المعنى يتجاوز الحُبّ كونه تجربة عاطفية، فيصير نافذةً لانكشاف أعمق لوجود كينونة الإنسان. الأثر الخلّاق للحُبّ يظهر بإثراء الهوية الوجودية للإنسان، وشعوره بتوكيد الذات، وكأن وجوده امتد فاستوعب مَن يحبّه. معادلة الحُبّ تؤثر وتتأثر بطرفيها وقدرتهما على البناء الرصين للصلة الوجودية. يتعذر أن تنهار صلةٌ وجودية راسخة يلهمها الحُبّ، ويحميها ضمير أخلاقي يقظ.

الحُبّ استراحةُ الروح حين تأوي إلى ما يشاكلُها من أرواح. الحُبّ ‏الأصيل راحةُ الأرواح المتعبة بوصفه أعذبَ معنى يتذوقُه الإنسانُ في حياته. مهما كان الانسانُ ‏صغيرًا أو كبيرًا يحتاج الحُبَّ والدعمَ العاطفي. دورُ العاطفة في التربية والتعليم أكبرُ من دور العقل، إذا أراد المعلّمُ التأثيرَ الفَعَّال في أذهان تلامذته ومشاعرهم عليه أن يبدأ بتحفيز عواطفهم. الخلطةُ السحرية لمعادلة التربية والتعليم تغذّيها العواطفُ قبل العقل. متى ازدادت العواطفُ ازدادَ تحفيزُ المواهب وايقاظُ الوعي وإثراءُ المهارات، الاعترافُ بمنجز التلميذ والاعجابُ بجهوده وتشجيعُه إكسيرُ التربية والتعليم. ‏التاريخُ البشري صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، بل كانت مساحة العواطف وتأثيرها أوسع.

عندما يُحبّ الإنسان عائلته ومَن يعيش ويتعامل معهم، فإنّهم ينجذبون للالتحام به، ويحفزهم على المبادرة بالعطاء؛ وتأمين المزيد من تضامنهم وتكافلهم، من دون حاجة إلى طلب أو رجاء. الحُبّ يتحكم بالإنسان، ولا يتحكم الإنسان بالحُبّ، وغالبًا ما يحدِّد الحُبّ خيارات الإنسان ويرسم مسارات حياته ويصنع مآلاته. الحُبّ حالةٌ لا تخضع خضوعًا قهريًا للعقل والإرادة، لا ينبثق الحُبّ دائمًا بطول المعاشرة، ولا بتمارين أو ارتياضات خاصة. كلُّ ذلك يمكن أن يساعد على تنمية الحُبّ وتجذيره، لكن لا يوجده إن لم ينبثق بذاته. للحُبّ طاقة تنصهر فيها عناصرُ نفسية وعاطفية وروحية قابلة للانصهار في مركب واحد، يثري الحُبُّ حياةَ الإنسان ويعزّز ثقته بنفسه، ويجعله قادرًا على خلق طموحات وأحلام جميلة تضيء آفاق غده اللامرئية.

الحاجة لإيقاظ الشعور بالأمان والمحبة والتقدير من أعمق الاحتياجات في النفس الإنسانية. المحبّةُ أقلُ بكثير من الكراهية، عواملُ صناعة الكراهية متعددةٌ ومتنوعة وكثيرة داخل النفس الإنسانية وفي المحيط الذي يعيش الإنسانُ فيه، لا تصنعُ المحبّةَ إلا الأنفسُ النبيلة. قوة الإنسان في قدرته على توليد المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية لحياته وتنميتها وتغذيتها، المحبّة والإيمان من أغزر الروافد لتوليد هذه المعاني.كما لا يستغني الإنسان عن حاجات الجسد الأساسية لاستمرار حياته، لا يستطيع أن يستغني عن المعاني الضرورية للشعور بالأمان والحماية من وحشة الوجود وهول غربته.

الحُبّ الأصيل لا ترتقي إليه إلا القلوب السليمة من الأمراض. الاستثمار في الحُبّ يجعل الحياة تتسع لقبول المختلف والعيش معه بسلام. تضيق الحياة كلما ضاقت مساحة الحُبّ في قلب الإنسان، مثلما تكتئب الحياة كلما ضاق فضاء الأمل والحلم والمتخيل في ذهن الإنسان.

الحُبّ الذي أتحدث عنه هو حُبّ صاحب الضمير الأخلاقي الصادق. هذا النوع من الحُبّ قوة لا ضعف، ثمرة حُبّ الأبوين للأبناء الرعاية والإيثار والتضحية. لا كنزَ أثمنُ في الحياة من محبّة قلب تصفو مودته. الحُبّ بلا ثقةٍ متبادلةٍ ولا شعورٍ بالأمانِ المتبادلِ زائفٌ. مَنْ كان صادقًا مع نفسه، صادقًا مع الناس، صادقًا مع ‏الله، ينبض قلبه بالمحبة والرحمة والحنان، وتتذوق الأرواحُ الصافية المحبةَ الإلهية في كلماته.

القلبُ الذي يعيشُ الحُبَّ لا تدركه الشيخوخة، حيثما يكونُ الحُبُّ يكونُ معنى الحياة. الحُبُّ يغيّر مادام متوهجًا. في الحُبّ يتجلى أجملُ ما في الإنسان، وتنبعثُ منابعُ الخير المودَعةُ في أعماقه. في التربية والتعليم الحُبُّ يغيّر، يوقظُ العقلَ، ويروي المواهبَ، ويطوّر المهاراتِ، ويفجّر الطاقاتِ الكامنة. الحُبُّ يتكفلُ حمايةَ الإنسانِ من الشر الأخلاقي، عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

 

https://alsabaah.iq/106670-.html

 

مَن يُلهِم المحبّة لغيره يعيش بسلام

مَن يُلهِم المحبّة لغيره يعيش بسلام

د. عبد الجبار الرفاعي

يقعُ التناقضُ أحيانًا بين ما يرغبُ في فعله الإنسانُ ويتمناه بوصفه يكفلُ سلامَه الداخلي، وما تفرضه عليه طبيعتُه من نزوع للعنف، بوصف هذه الطبيعة ملتقى الأضداد. ترويضُ الطبيعة الإنسانية بالتربية الروحية والأخلاقية والجمالية يكفلُ احتواءَ هذا التناقض إلى حدٍّ كبير، إذ يخفض فاعلية عناصر الشرّ الكامنة في النفس الإنسانية، ويبعث ويغذّي عناصرَ الخير والمحبة والتراحم الكامنة فيها.

التربيةُ عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، إنها كالمعادلات الكيمياوية التي تختلفُ نتائجها تبعًا لاختلاف كيفيات عناصرها وكمياتها، فقد تكون ثمرتُها الاستعباد،كما هو نمط تربية أكثر المؤسسات في مجتمعنا الوارثة لتقاليد الاستبداد وثقافته، وقد تكون ثمرتُها الحرية، وهذه قليلًا ما نعثر عليها في مجتمعنا. التربيةُ إن كانت ترتكز على معطيات العلوم والمعارف الإنسانية والقيمِ الأخلاقية والروحية والجمالية فإنها تكون تربيةً خلّاقة، تثري الشخصية وتنتج الرأسمالَ البشري النوعي، الذي هو أثمن رأسمال في العالم. وحين تغيب في التربية القيمُ والمعايير والاستراتيجيات والأساليب العلمية، وتجهل روحَ عصرها، فإنها تصير كجرعة السمّ التي تقوّض الحياةَ العقلية، وتمرض الحياةَ الروحية، وتطفئ الضميرَ الأخلاقي، وتُفسِد الذائقةَ الجمالية.

قوةُ الانسانِ بقوة المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية المشبَعة فيها حياته. تكمنُ قوةُ الإنسانِ بغزارة منابعِ إلهامِ المعنى لحياتِه وعمقِ شعورِه فيها، وسعيه المتواصل لإفاضة المعنى على حياة إنسان آخر. الحبُّ من أعذبِ منابعِ المعنى، إنْ أحسَنّا إدارتَه بما يُصَيّرهُ مُلهِمًا للضوءِ والجمالِ والسلام الباطني. الحُبّ يعتمد على حكمتنا في إدارته وتوظيفه. إن أحسنا توظيفه والإفادة منه أسعد حياتنا، وإن أسأنا توظيفه والإفادة منه فتك بحياتنا. يشعر الإنسان السويّ بالحب كأنّه سياحةٌ في مدنِ الضوء.

الحُبّ الأخلاقي أسمى مراتب الأمن الروحي والعاطفي والنفسي. الضميرُ الأخلاقي سياجُ المحبة وكلّ العلاقات الإنسانية الأصيلة. الضميرُ الأخلاقي يدعو الإنسان لاحترام ذاته والصدق معها أولاً، والحرص على نقاء صورته وصفائها أمام ذاته، قبل حرصه على صفاء صورته أمام الناس، الوضوحُ والصراحة مع الذات تطهّرُ الحُبّ والعلاقاتِ الإنسانية من الرياءِ والمراوغةِ والنفاقِ. الحُبّ كما يعيشه الإنسانُ الأخلاقي يتجلّى فيه الصدقُ مع الذات، والأمان والحمايةُ والرعايةُ والتهذيبُ واللطفُ في التعاملِ مع الآخر. الحُبّ ثقةٌ ومسؤوليةٌ، والمسؤوليةُ أعلى مراتبِ الالتزام، من ثمرات الحُبّ المسؤوليةُ الأخلاقيةُ تجاه مَن نحبّ، الحُبّ بلا شعورٍ بمسؤوليةٍ أخلاقيةٍ حيال مَن نحبّ كذبة. الحُبّ يعكسُ أعذبَ درجاتِ اهتمامِ الإنسانِ بالإنسانِ الذي يشعرُ أنَّه الأنا بصورتِها الأجملِ.

العمل الذي يبدأ بالحُبّ والشغف يتفوق مقارنة بأمثاله. الحُبّ الأصيل يعتقنا من الانزواء والعزلة في حياتنا، أن نحبّ إنسانًا جديرًا بالحُبّ يصيّرنا مثلما يصيّره إنسانًا جديدًا. للحُبّ طاقة خلّاقة يكتسب فيها كلُّ شيء يتوالد منه تفوقًا وفرادة. مادام الإنسان يُحبّ فهو يحلم بالأجمل، ومادام يحلم بالأجمل فعقله يصبح خلّاقًا، وقلبه لن يغادر الشباب. الصلات بين إنسان وآخر بحُبّ تجعل العلاقات الحياتية المتنوعة يسودها الودادُ والوئام والسلام، التفكير بحُبّ يفتح آفاقًا مضيئة في الذهن، الكتابة بحُبّ تكتسي فيها الكلماتُ كيمياءَ مؤثرة، إنجاز أي منجز بحُبّ يجعله متفردًا. ‏لولا الحُبّ ما تمكّن الكتّابُ وأنا منهم من الكتابة عن الحُبّ وغيره، بل أستطيع القول: ما يُكتَب بعناية وإبهار هو ثمرة للشغف والحُبّ. ‏عندما ينضب الشغفُ بالأعمال والأشخاص والأفكار يُصاب الإنسانُ بالسأم والإحباط، الذي يقود إلى اليأس، وقد ينتهي إلى فقدان كلّ معنى، وأخيرًا الاكتئاب الحاد.

ما دُمْتَ تُلهِم المحبة لإنسان فأنت سعيد، حضورك في ضمير كلِّ إنسان يتجلى ببصمتك المضيئة في قلب هذا الإنسان. الحُبّ مُلهِم لتغيير الذات، بلا إكراهٍ أو قهر. ‏ الحُبّ مُلهِم لما أنجزته الإنسانيةُ من إبداعات واختراعات واكتشافات في العلوم والفنون والآداب المختلفة.كان ومازال الحُبّ والشغفُ يمدّان الإنسانَ بالصبرِ الطويل، والطاقةِ الضرورية لإنجاز الأحلام الكبيرة. إيقاظُ الحُبّ وتغذيةُ منابعِ المحبة ضرورةٌ تربويةٌ وأخلاقيةٌ وروحية وجمالية. الحُبّ أساس بناءِ العائلة السعيدة، وعيشِ المجتمع في فضاء التنوع والاختلاف، وترسيخِ أُسُسِ السِّلم الأهلي، وتعزيزِ بنية المجتمع والدولة.

مَن يُلهِم الحُبّ لغيرة يعيش بسلام، مَن يُلهِمون الحُبّ لغيرهم قليلون ‏وربما نادرون. أكثر الناس غير قادرين على العطاء العاطفي والروحي، لذلك ينبغي أن ينتقي الإنسان أولئك القادرين على منح حياته أعذب معانيها. حُبّ الإنسان شاقٌّ على الإنسان، الحُبّ الأصيل عطاء، وليس كلُّ إنسان قادرًا على العطاء. الشُحّ ليس استثناءً في حياة الإنسان، استعدادُ الإنسان للشُحّ أشدُّ من استعداده للعطاء، استعدادُ الإنسان للندم ومحبة الغير بعد رحيلهم للعالَم الآخر أشدُّ من استعداده للامتنان والتقدير والاعتراف بمزايا غيره ومحبته وتقديره في حياته. طالما سمعنا ثناءً على موتى من أشخاصٍ كانوا لا يعترفون لهم بفضلٍ في حياتهم، مهما كانت آثارهم، وما قدموه من أجلِ إسعادِ الإنسان، لكن بعد رحيلهم من هذا العالم، وحضورِ أعمالِهم الكريمةِ في المجتمع والاحتفاء بها، يعودُ هؤلاء الذين لم يعترفوا بهم أو كانوا يهجونهم للاعترافِ بما قدموه من آثار مهمة.

أسوأ أنواعِ الشُحّ العجزُ عن إكرام الإنسان بكلمةِ محبّةٍ صادقة، وتجاهلُ الاعتراف بمواهبه ومنجزاته.كلمةُ المحبّة الصادقة بصمةُ القلوب المضيئة، تصدر مثلُ هذه الكلمة عن الضمير الأخلاقي اليقظ، الذي يرى إنسانية الإنسان قبل أن يرى دينه ومعتقده وإثنيته وثقافته وموطنه. نحن لا نشكّل أهميّةً لغيرِنا إلا بالقدرِ الذي نمنحُهم ‏ما يحتاجونَه من معنىً لحياتِهم، مكانتُك عند الآخرين يتحكم بها شعورُهم بالحاجة إليك، وقدرتُك على تلبيتها بلطف وأريحية، الأمان والحُبّ والتقدير والامتنان من أهم ما يحتاجه كلُّ إنسان.

لا يمكن أن يمنحَ الإنسانُ الحُبّ لغيره إن كان كارهًا لنفسه، ولا يمكن أن يرحمَ الإنسانُ غيرَه إن كان عنيفًا مع نفسه. بعضُ الناس عاجزٌ عن إنتاج الحُبّ، على الرغم من حاجته الشديدة إليه، ربما يكون ذلك الإنسانُ عاطفيًّا بلا حدود، ربما يمتلكُ حساسيةً فائقةً يفتقر إليها كثيرٌ من الناس، غير أن عجزَه عن إنتاج الحُبّ يعود لعقدٍ نفسيةٍ وعاهاتٍ تربوية، وجروح طفولة غاطسة في البنية اللاشعورية في أعماقه، تفرض عليه حياةً خانقة كئيبة، لا يمكنه الخلاصُ منها أو تخفيفُ وطأتها إلا بمراجعة مصحّ نفساني. أحيانًا لا يعجز الإنسانُ عن الحُبّ فقط، بل يعجز عن الخلاص من كراهية الناس وامتلاء القلب بالغلّ والحقد عليهم. تجده يتعذّب بكُرْه كلِّ الناس، ولو فرضنا أنه في يوم ما لا يجد مَنْ يكرهه فإنه يعود إلى ذاته ليكرهها.

مَن يحتقر ذاته يحتقره الآخرون، ولا يحظى باحترام أحد. ومَن يُكرم ذاته يُكرمه الآخرون، ويفرض احترامه على الجميع. أما من يركن للخنوع والضِّعَة والهوان، ويغرق في الشعور بالدونية والاحتقار، فإنه يُصبح إنسانًا رخيصًا مبتذلًا، يمكن لأي شخص أن يستعبده. مثل هذا الإنسان يكون مستعدًّا لفعل أي شيء، من دون تحكيم ضميره أو الالتزام بالقيم أو القانون. وقد يُسخِّر ذاته لأبشع الأفعال، ويُصبح أداةً بيد الآخرين تُستغّل لأداء أقذر المهمات.

 

https://alsabaah.iq/106355-.html

 

التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل

               التاريخُ صنعته العواطفُ مثلما صنعه العقل

 

د. عبد الجبار الرفاعي

أعرفُ تلميذَ ماجستير ذكيًا مهذّبًا، فنّانًا صاحبَ ذوق رفيع، شكا لي بمرارةٍ عن معاناته وزملائه من أحد الأساتذة، يصفُ التلميذُ هذا الأستاذَ ‏بقوله: إنه يغار من تلامذته، ويقلقه تفوّقُ الأذكياء، فيوبّخهم باستمرار بلا سبب، ويسخرُ من إجاباتهم، وأحيانًا يتعسّفُ في معاملتهم، ويزدري ما ينجزونه بشكل موجع، ما يضطرُ بعضَهم لترك الدراسة والتضحية بمستقبله.

يشكو تلامذةٌ من أستاذ تورطوا بالحضور لديه مدة من الزمن، قبل أن يتعرفوا على أخلاقه والبنية السيكولوجية المعقدة لشخصيته. قالوا بأنه كان يذمُ بقسوة مَنْ تربطنا بهم علاقات، ويتظلّمُ بمرارة من إهمالِ الناس له، وعدمِ الانشغال بموهبته وذكائه وعلمه ومنجزه. هذا الأستاذ شخصيتُه سامّة، مصابٌ بعاهات نفسية وأخلاقية مزمنة، كان لا يطيقُ أن يتعاملَ معه الناسُ إلا بالتبجيل والتعظيم. إذا لمح نظرةً أو موقفًا من أيّ شخص وظنّ أنه لم يُظهر الاحتفاءَ به يشكوه بتوجع. يذمُّ الناسَ ويهجوهم لا لشيء إلا لنفورٍ عنيف لديه منهم، يتلذّذ بهجاء غيره، لا تسمع منه تبجيلًا ولا ترى منه احتفاءً بإنسان، ولا ثناء على منجزه، خاصة مَنْ كانوا من ذوي المنجز اللافت، يشعر كأن اللهَ خلق الناسَ ليكونوا خدمًا له. بعد تقدّم عمرُه وجد نفسَه غريبًا بين الكلّ، تواصل فرارُ تلامذته واحدًا بعد الآخر، أكثرُهم لم يمكث معه إلا سنةً أو أقل، كذلك تفرّق كلُّ أصدقائه عندما أدركوا عجزَه عن مداوة نفسه، وعجزَهم عن تخليص أنفسهم من هجائه لهم، ويأسَهم من تخليص الناس من شتيمته. بعضُ الناس عندما يفعلون أيَّ شيء يترقبون من الكلِّ أن يبدي إعجابَه واحتفاءَه بفعلهم، لكن لا تسمع أو ترى منهم تثمينًا لمنجز أي إنسانٍ آخر، مهما كانت قيمةُ منجزه وأثره. يظنون أنّ مهمةَ الناس التصفيقُ لهم، من دون أن يبادروا بتقديم أيّ شيء لغيرهم.

الأخلاقُ والعواطفُ الصادقة إكسيرُ العملية التربوية والتعليمية. تخفق التربيةُ والتعليم عندما يفتقرُ الأستاذُ للذكاء العاطفي، ويعجزُ عن التعامل مع تلامذته بأبوة أخلاقية مشفِقة. أحيانًا تكون الكلمةُ سرَّ الحياة، وأحيانًا تكون الكلمةُ رصاصةً قاتلة.‏ تشجيعُ التلميذ ‏والاعترافُ بمنجزه مهما كان ضئيلًا، يمدُّه بطاقة خلّاقة توقدُ مواهبَه الكامنة. ‏إهمالُ التلميذ وعدمُ تشجيعه، يعطّل مواهبَه وربما يميتُها. ‏الأخطرُ من ذلك الازدراءُ بما ينجزُه التلميذ، فإنه يشعرُه بالعجز التام، ‏وربما ينتهي إلى إعاقة ذهنية لدى التلامذة العاطفيين جدًّا.

بعضُ الناسِ يتهرب من أية مسؤولية أخلاقية تجاه الغير، يترقب تضحيةَ الكلّ من أجله، من دون مكافأة أحدٍ حتى بكلمة شكر. التهربُ من المسؤولية ضربٌ من خيانة الضمير الأخلاقي. تحمّلُ المسؤولية تضحية،كلُّ تضحيةٍ تمنحُ الإنسانَ معنى جديدًا لحياته لا يتذوقه خارجَها. التضحيةُ بكلِّ مستوياتها وأنواعها وتعبيراتها تُسعِد مَنْ يضحّي، سواء أكانت بإنفاق المال أو الجهدِ أو الراحةِ أو الوقتِ أو الشفقةِ على أنين الضحايا والبؤساء والصبرِ الطويل على إغاثتهم ماديًا وعاطفيًا، أو غير ذلك من المبادرات الإنسانية لإسعاد الغير. تحمّلُ المسؤولية ينتقل بالإنسانِ إلى طورٍ أخلاقي أنبل، لأنه يتقاسمُ حياتَه مع إنسان آخر، ويسهم بجعل العالَم الذي يلتقي فيه الجميع أجمل. تحمّلُ المسؤولية تجاه العائلة والمجتمع والوطن والطبيعة وغيرها من أسمى ما تتجلى فيه إنسانيةُ الإنسان. ما يواجه الإنسانَ الأصيل من متاعبَ وآلام من أجل إسعاد الغير لا يرهقُه بل يشعرُه بالرضا والغبطة.

يتسامى الإنسانُ بمستوى تحمّله المسؤولية. تحمّل المسؤولية مرآةٌ ينعكسُ فيها سموُ الإنسان وعلوُ مقامه ويقظةُ ضميره الأخلاقي. يرتفع مقامُ الإنسان بارتفاع شعوره بالمسؤولية وسعيه لتحمّلها. يتناسبُ تحمّل المسؤولية ‏مع المكانة الوجودية ‏للإنسان في العالَم. الكبارُ يتحمّلون المسؤوليات الكبيرة تجاه الإنسان والكائنات الأخرى والطبيعة والعالَم. ‏الإنسانُ غير المسؤول ينتهكُ حقَّ مَنْ حوله، ويتحوّل إلى عبءٍ على ذاتِه.

 

الذكاءُ العاطفي  

الذكاءُ العاطفي مهارةُ الاعتراف بالآخر وتثمين منجزه مهما كان صغيرًا، الذكاءُ العاطفي وعيٌ بكيفية التحكم إيجابيًّا بلطف لا بتسلط وقهر لمشاعر الآخرين. الذكاءُ العاطفي براعةٌ في اكتشافِ بواعث التفاعل والرغبة الكامنة لدى الإنسان، وإتقانِ وسائل التأثير العاطفي عليه وما يدعوه للانجذاب للآخر، ومعرفةِ مواطن انفعاله وتحسّسه وغضبه، وتجنّبِ ما يتسبّب في امتعاضه ونفوره.

الذكاءُ العاطفي مضافًا إلى أنه موهبة، ‏هو خبرةٌ عملية تتراكم وتتكرّس بالممارسة، وتسقيها المراجعةُ النقدية لأسلوب التحدّث والسلوك والمواقف المتنوعة عند معاشرة الإنسان، والندمُ على ما يرتكبه الإنسانُ من أخطاء في العلاقات الاجتماعية، وتدريبُ الذات على الخلاص منها، عبر الأساليب التربوية والنفسية والأخلاقية.

معاملةُ الإنسان برفق ولطف ودبلوماسية قدر الإمكان، وغضُّ النظر عن مواطن القصور والهشاشة في شخصيته، لا تعني الخداعَ أو النفاقَ في معاملته، ولا تعني الكذبَ عليه، بل تعني الصمتَ في مقام يتطلبُ الصمت، وعدمَ إعلان كلّ ما نعرفه عن شخصيته، وما تتكشّف من هِنات أقواله ووهن أفعاله. الإنسانُ بطبيعته ينفرُ بشدّة من فضح أخطائه، لأن ذلك يشي بتوبيخه، وشعوره المرير بأنه تشهيرٌ بنقصه. الإنسان ينزعج من كشف ضعفه ونقصه، كلُّ إنسان يطلب الكمالَ ويبحثُ عمن يتحدثُ له عن مواطن الجمال والقوة والتفوق في شخصيته.

لا يعني الذكاءُ العاطفي التواطؤَ مع الظلم والجريمة وخيانةَ الضمير الأخلاقي، بل يعني الخلاصَ من الشعور بالوصاية على الغير، والشفاءَ من مراقبة خصوصيات الناس واقتحام حياتهم الخاصة، والكفَّ عن العبث بسلامهم الداخلي، وإثارة مشاعرهم، وعدمَ التفتيش عن ثغرات شخصياتهم وأخطائهم، واستفزازهم بفضحها أمامهم أو إشاعتها في غيابهم. الذكاءُ العاطفي يتطلب الوعيَ بأن الإنسانَ كائنٌ انفعاليّ حسَّاس جدًا، شخصيته مركبة من طبقات عميقة مهما كانت تظهر لنا مسطحةً وساذجة. في شخصية كلِّ إنسان ثوابت تشكّلت في مرحلة طفولته، هذه الثوابت تظل تعيش معه إلى آخر يوم في حياته، وإن كان أكثرُها خفيًّا لا يعلن عن حضوره إلا في بعض الهفوات والمواقف الحرجة. لا يتغير الإنسانُ بموعظة أو مقترح أو توصية، ما يمكن أن يغيّر الإنسانَ تغيّرُ نمطِ وعيه، وظروفِ عيشه، وتبدّلُ قناعاتِه، وكيفيةِ تعريفه لذاته، ورؤيتِه للعالَم. ما يغيّره هو الصدماتُ الموجِعة التي تزلزلُ أمنَه وتهدّد عيشَه، إن كان قادرًا على وعيِها والإفادةِ من دروسها القاسية. المحبةُ والإيمانُ والعواطفُ الصادقة والتضامنُ الإنساني يمكن أن تغيّر الإنسان.

الذكاءُ العاطفي ليس كلمات مجاملة بلا مضمون عملي، لا ينجح الذكي عاطفيًا إلا أن يرى الناسُ سلوكَه صدىً لأقواله. الذكاءُ العاطفي مواقفُ صادقة في الرخاء والشدّة. أعرف أشخاصًا يمتلكون ذكاء عاطفيًا، ويجيدون تسويقَ أنفسهم في العلاقات العامة، إلا أنهم يعجزون عن تجسيد كلماتهم في سلوكهم، أحيانًا ينهشون غيرَهم في غيابهم بشراسة، فيفرّ الناسُ من بين أيديهم، وإن ظفروا بعلاقة مميزة بهم. الكذّابُ والمحتال والمراوغ والماكر، حتى لو كان يمتلك ذكاءً عاطفيًا، يفشلُ في بناء علاقات راسخة بالناس لافتقاره للمصداقية. أعرفُ بعضَ الناس يُظهرون اهتمامًا بغيرهم في تواصلهم وعباراتهم المنتقاة بعناية، غير أن مواقفَهم تكذّب كلماتِهم.

الحُبّ غيرُ الذكاء العاطفي. الذكاءُ العاطفي يتطلب عقلًا ذكيًا في إدارة العلاقات بما لا يزعج الآخر، وإرادةً حازمة في الخلاص من العاهات والمواقف المنفّرة له، وإتقانَ الكلمات الدافئة، والمواقفَ الأخلاقية في التعامل مع الناس. ‏ليس بالضرورة أن يكون الذكيُّ غزيرَ العاطفة، وإن كان من الضروري أن يكون صادقًا. الذكي عاطفيًّا محترِفٌ لإظهار الاعتراف بالناس والاهتمام بهم ورعايتهم وتشجيعهم، وحريصٌ على عدم إزعاجهم بأية كلمة قاسية أو موقف جارح.

لا تضادَ في الجمع بينَ الذكاءِ الذي يشيرُ إلى العقل، والعاطفةِ وما ينبعثُ من دوافع لدى الإنسانِ خارجَ العقل. عمليةُ الجمع تعني التفكيرَ الواقعي الحكيم بتوجيهِ العواطفِ والسعيَ لتوظيفها في بناء علاقاتٍ إنسانية صادقة. الذكي عاطفيًا يُفكّر بكيفية إدارةِ عواطف الناس؛ ويتقن التعاملَ معهم بلغةٍ مهذبة، والتأثيرِ عليهم بأساليب محبّبة للأنفس.

ليس بالضرورة أن يكون الإنسانُ العاطفي ‏ذكيًّا عاطفيًّا، ربما يفتقر الإنسانُ العاطفيُّ ‏للذكاء العاطفي، ‏وقد يكون سلوكُه منفّرًا، لا يتعطّش الناسُ للتواصلِ معه والارتباطِ به، ولا يتلمّسون لديه ما يشجّعهم على صداقته. ربما يكون الإنسانُ عاطفيًّا لكنه متمركزٌ حولَ ذاته، بنحو لا يتنبهُ لما ينجزُه غيرُه وإن كان ثمينًا ولافتًا للنظر، أو يتعمدُ تجاهلَه ولا يهتمُ به. وكأنه لا يعلمُ بأن التجاهلَ والإهمالَ وعدمَ الاكتراث بما يراه جميلًا في أقوال من يتعامل معه وأفعاله صورةٌ للبلادة العاطفية. التجاهلُ ‏أحيانًا والإهمال أسوأ أشكال عدم الاحترام، وقد يصلُ الشعورُ بالتجاهل عند الأشخاص الحسّاسين حدَّ الإهانة.

أعذبُ شخصيةٍ يلتقي فيها الذكاءُ العاطفي بالمشاعر الصادقة المتدفّقة. ربما يكون الإنسانُ عاطفيًّا حميميًّا، غزيرَ المشاعر، يحتاجُ المحبّةَ أكثر من غيره من ذوي المشاعر الباردة، لكنه يعجزُ عن محبّة الناس، لشعوره الدائم بالتفوق على غيره، ولغيرته المرضية تجاه كلّ ناجح، وللعقد التربوية المترسبة في أعماقه، فيحبس نفسَه في محيط عدائي يصنعُه هو، ويظلُّ يكابدُ كلَّ حياته للخلاص منه دون أن يتخلص.

‏ الحُبُّ أثمنُ رأسمال للمعنى

الإنسانُ كائنٌ مسكون بطلب الاعتراف، شغفُ الإنسانِ بالاعتراف يدعوه للتطلع للثناء على كلِّ شيء يقوله ويفعله، ‏الحُبّ أسمى معاني الاعتراف. ‏لغةُ الحُبّ والجمال توقظُ الحماسَ للحياة في أعماق الإنسان. تُفسِد المعتقداتُ الإقصائية الحُبَّ وتُسمّمه، يعجزُ مَنْ يعتنق هذه المعتقدات عن حُبّ المختلِف في المعتقَد. عندما يصدرُ الحُبّ بقرار من سلطة سياسية أو دينية أو أيديولوجية، وتصدرُ الكراهيةُ بقرار، ويصدرُ التضامنُ مع جراح الضحايا بقرار، فلا دليلَ أوضحُ من ذلك على أن الإنسانَ ماتَ في داخل الإنسان.

الحُبُّ الأصيل أثمنُ رأسمال للمعنى تمنحه الحياةُ للإنسان، حيثما يكونُ الحُبُّ يكونُ معنى الحياة. الحُبُّ يُعلِّمُ الناسَ كيف يستمعون لنداء قلوبهم، الحُبُّ أعذبُ معاني الفرح. الحُبُّ مُلهِمٌ لمعادلة تغيير الذات بلا إكراه أو قهر، معادلة التغيير في الحُبّ ديناميكية لا ميكانيكية. الحُبُّ مُلهِمٌ لكلِّ ما أنجزته الإنسانية من إبداعات واختراعات واكتشافات في مختلف العلوم والفنون والآداب، كان ومازال الحُبُّ والشغفُ يمدُّ الإنسانَ بالصبرِ الطويل والطاقةِ الضرورية لإنجاز الأحلام الكبيرة.

مهما كان الانسانُ ‏صغيرًا أو كبيرًا يحتاج الحُبَّ والدعمَ العاطفي. دورُ العاطفة في التربية والتعليم أكبرُ من دور العقل، إذا أراد المعلّمُ التأثيرَ الفَعَّال في أذهان تلامذته عليه أن يبدأ بعواطفهم. الخلطةُ السحرية لمعادلة التربية والتعليم تغذّيها العواطفُ قبل العقل. متى ازدادت العواطفُ ازدادَ تحفيزُ المواهب وايقاظُ الوعي وإثراءُ المهارات، الاعترافُ بمنجز التلميذ والاعجابُ بجهوده وتشجيعُه إكسيرُ التربية والتعليم. ‏التاريخُ البشري صنعته العواطفُ مثلما صنعه العقل. العلومُ والفلسفة والفكر صنعها العقلُ أكثر مما صنعتها العواطفُ والانفعالات والمعتقدات والهويات. تتجاذب التفكيرَ العواطفُ والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقلُ والتفكيرُ النقدي من جهة أخرى. ‏الفلسفةُ والعلوم والتفكير النقدي يتغلبُ فيها العقلُ على العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات.

القلبُ مرآةٌ يضيؤها الحُبّ، القلبُ الذي يعيشُ الحُبَّ لا تدركه الشيخوخة، الحُبُّ يغيّر مادام متوهجًا، في الحُبّ يتجلى أجملُ ما في الإنسان، وتنبعثُ منابعُ الخير المودَعةُ في أعماقه. في التربية والتعليم الحُبُّ يغيّر؛ يوقظُ العقلَ، ويروي المواهبَ، ويطوّر المهاراتِ، ويفجّر الطاقاتِ الكامنة. في العلاقاتِ الإنسانية الحُبُّ يغيّر؛ الحُبُّ يتكفل حمايةَ الإنسان من الشرّ الأخلاقي. عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

أجملُ ما يتجلى في الإنسان الحُبّ، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسانُ الحُبّ، وأنفسُ طور وجودي للإنسان الحُبّ، وأثمن وجود للإنسان الحُبّ، وأزكى وجود للإنسان الحُبّ، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحُبّ. في بعض الحالات يتسامى الحُبُّ ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالَم، وذلك ما يجعلُ وجودَ هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يُشعِر الإنسانَ بمتعة وجوده في العالَم كالحُبّ. الحُبُّ يتكفلُ حمايةَ الإنسانِ من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

تظلّ المحبّةُ الرصيدَ الأسمى للعلاقات الإنسانية، مَنْ يوقفُ حياتَه للاستثمار في المحبّة يراها دواءً للقلوب، ولكلِّ داء ‏في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبّةُ رافدٌ غزير يغذّي الصلةَ بالله ويكرّسها. العرفانُ في الأديان يوقظُ في الأرواح لغةَ الحُبّ والجمال.

لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة

الحُبُّ كيمياءٌ تصهرُ عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفةً كأنها إكسيرٌ يحوّل كلَّ شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمةُ عندما تنطقها لغةُ القلب المشفِقة، الرحمةُ تعيدُ ترميمَ كلِّ شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة، لكن لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشرّ الكامن داخل الإنسان.

‏ العقلُ والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشرّ الكامن في باطنه. الإيمانُ والمحبة والأخلاق هي ما يخفضُ وطأةَ الشرّ الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقيُ الخالص والإنسانُ الكامل ‏يتنكرُ له الواقع لأنه لا يُشبِه طبيعةَ الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناءٌ نادر. ‏

لا مجتمعَ في الأرض يخلو من الشرّ الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، لا مجتمعَ في الأرض يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسّس المجتمعاتُ والدول على الحُبّ وحده أو الرحمة وحدها أو الشفقة وحدها أو العطاء وحده. لا تعني الدعوةُ للحبّ إلغاءَ النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على تداول سلمي للسلطة وأُسس علمية حديثة. لا تعني الدعوةُ للرحمة إلغاءَ القوانين الجنائية والجزائية العادلة، ولا تعني الدعوةُ للإنفاق والعطاء إلغاءَ الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوةُ للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاءَ النظام الإداري الحديث. الدعوةُ لشيء لا تعني إلغاءَ ما سواه.

لا يمكن الاستغناءُ عن العدالة بالرحمة، الرحمةُ ليست بديلًا عن العدالة في بناء أيّة جماعة بشرية أو بناء أيّة دولة. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، وعيشُ الإنسان وتأمينُ متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدحَ والتنافسَ والصراع، العدالةُ تمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

لا مجتمعَ في الأرض يخلو من الشرّ الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، لا مجتمعَ في الأرض يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسّس المجتمعاتُ والدول على الحُبّ وحده أو الرحمة وحدها أو الشفقة وحدها أو العطاء وحده. لا تعني الدعوةُ للحُبّ والرحمة إلغاءَ النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على تداول سلمي للسلطة وأُسس علمية حديثة.

لا تعني الدعوةُ للحُبّ والرحمة إلغاءَ القوانين الجنائية والجزائية العادلة، ولا تعني الدعوةُ للإنفاق والعطاء إلغاءَ الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوةُ للذكاء العاطفي في الادارة إلغاءَ النظام الإداري الحديث. الدعوةُ لشيء لا تعني إلغاءَ ما سواه. الرحمةُ تنتج ما لا تنتجه العدالةُ، من الرحمةِ يتوالدُ الغفرانُ والعفوُ والعطفُ والرفقُ واللينُ والشفقةُ، لذلك يستطيعُ مَنْ يعيش الرحمةَ بوصفها حالةً أن يتحمّلَ الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيعُ العفوَ عنها. الرحيمُ يتحملُ ما لا يتحمله غيرُهُ، ويعفو عمَّا لا يعفو عنه سواهُ من البشر[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 23، ط 2، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار التنوير، بيروت.

 

رابط النشر