Category: السلفية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

د. مجتبى الحلو[1]

يمتاز كتاب “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث “1770 – 1850” الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ “القصائد الغنائية” حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: “الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله”. لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن “الواقع” أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن “تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور”. تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج “55 – 56” الصادر سنة 2013، من مجلته “قضايا إسلامية معاصرة” لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: “الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 – 1855″.

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في “دروب المعنى”. لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

[1] باحث وأستاذ جامعي عراقي.

 

https://al-aalem.com/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88/

 

احياء حسن حنفي وتجديد عبد الجبار الرفاعي

احياء حسن حنفي وتجديد عبد الجبار الرفاعي

بهاء سوادي[1]

تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.

ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.

أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.

غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.

في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.

يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.

أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.

في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.

من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: “لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم”. غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.

نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.

في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو “التجديد الديني” يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.

[1] طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

https://al-aalem.com/%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%AD%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7/

 

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والمذاهب

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والمذاهب

د. عبد الجبار الرفاعي

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والفرَق والمذاهب، ليس هناك فرقٌ نوعيٌّ بين الاتجاهات السلفية للأديان والفرَق والمذاهب، سواءٌ أكانت سماوية أو أرضية. تتنوّع الأقنعةُ السلفية وتتعدّد إلا أن المضمونَ المتشدّد واحدٌ أيًّا كان دينُ السلفي ومعتقده. السلفية كالأصولية والتراثية، مهما تنوّعت التسميات، تعكس تصورًا لازمانياً للعلوم والهوية والمعارف الدينية، ورؤية خاصة للعالَم، وبنيةً فكرية وعاطفية وسيكولوجية، وقراءةً حرفية مغلقة متشدّدة للنصوص الدينية. الإسلام السلفي المتشدد أغلق العقل، وأطفأ جذوة الروح، وعبث بذائقة القلب.

أقصدُ بالسلفية تعطيلَ عقل الإنسان الفرد، أو تنازلَ الإنسان عن عقله واستسلامَه بشكل تام لما يقوله التفسيرُ المغلق المتشدّد لنصوص معتقده. لا أقصد بالسلفيةِ دينًا معينًا أو مذهبًا خاصًّا أو فرقةً بذاتها. السلفيةُ كأنها وعاءٌ يمكن أن تشغله أيةُ عقيدة أو أيديولوجيا، سواء أكانت دينيةً أو دنيوية، سواء أكانت يسارية أممية، أو يسارية قومية، أو يسارية أصولية. المواقفُ متشابهة، كلُّ سلفي مغلَق، بغضّ النظر عن عقيدته والأيديولوجيا التي تحرّكه، كلٌّ منهم يشعر بالاصطفاء لمعتقده وتراثه وهويته وماضيه وجماعته، وغير مستعد للاستماع إلا إلى صوته.

لعل أدقّ تصوير لرؤية السلفي للعالَم هو ما كتبه هربرت جورج ويلز في قصة “بلد العميان” الصادرة سنة 1904، التي شرح فيها مصيرَ جماعةٍ من البشر معزولين عن الناس، يعيشون في وادٍ تحتضنه جبالٌ منيعة، يتفشى بينهم مرضٌ يفتك بأبصارهم، يتوارثُ هذا المرضَ الأبناءُ من الآباء، ويحيل الكلَّ إلى عميان. بعدَ أن يختفي من حياتهم البصرُ نهائيًّا يموتُ المعنى الذي يدلّ عليه البصرُ في أذهانهم. عندما يصيرُ العمى شاملًا يترسخُ حضورُه بما هو معنىً لا مقابلَ له ينفيه، فيشعرون جميعًا أن العمى هو الحالة الطبيعية، وأن واديهم هو العالَم الذي لا عالَم خارجه.

السلفيةُ طريقةُ تفكيرٍ ورؤيةٌ للعالَم يسكنها التوهم ويغيب عنها الواقع، التربيةُ السلفية في الأديان تجعلُ الإنسانَ يُضحّي بالحاضر والمستقبل من أجل ماضٍ رومانسي متخيَّل لم يتحقّق أمس، ويعتقد بأن وظيفتَه استئنافُ الماضي كما رسمته المخيلة، ومناهضةُ كلّ شيءٍ لم يقع في الماضي لأنه ابتداعٌ.

لا يحدثُ تطورٌ في حياة المجتمع من دون إبداع، فإذا كان كلُّ إبداع ابتداع كيف يتطورُ المجتمع. هذه التربيةُ تُشعِر مَنْ يتشبّع بها وينحبس في إطارها بأنه الوكيلُ الحصريّ للحضرة الربوبية، والسلطانُ المتوّج بعناية إلهية استثنائية، والحاكمُ المفوّض بتفتيش الضمير الديني للناس ومعتقداتهم. يورّطُ هذا الشعورُ السلفيَّ بإصدار حكمه على مَنْ يشاء، يُدخِل للدين مَنْ يشاء، ويُخرِج من الدين مَنْ يشاء. وأحيانًا يقوده هذا الشعورُ لاستخدام العنف مع مَنْ يشاء، سواء أكان عنفًا لفظيًّا، أو رمزيًّا، وربما جسديًّا.

الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ منخرطٌ في التاريخ ومشروطياته، يخضع الدينُ في الحياة لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة الحاضنة له. تختلف تمثلاتُ الدين باختلاف المجتمعات وثقافاتها ولغاتها ودرجة تطورها الحضاري، ويختلف التعبيرُ عنه باختلاف المدن والأرياف والإثنيات واللغات والثقافات في بلد واحد. إذا أردنا إنتاج فهمٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ وجماليٍّ للدين ونصوصه، وخفض وتيرة العنف الناتج عن القراءة المغلقة للنصوص الدينية، يجب العملُ على تغيير وعي الإنسان وظروفه المعاشية وثقافته، واعتمادُ المناهج الحديثة لتفسير النصوص الدينية. في المجتمعات المتحضرة المكفول عيش أفرادها ويحكمها قانون عادل صارم، يحدث أيضًا فهم عنيف للدين لكنه يظل محصورًا في نطاق أفراد أو جماعات محدودة، ولا يتحول إلى موجٍ مجتمعي يعصف بالبناء الاجتماعي، ويزلزل ركائز الدولة ويهشِّم مؤسساتها،كما يحدث في الدول الفاشلة والمجتمعات القلقة.

السلفية في كلِّ الأديان والمعتقدات والمذاهب تعمل على تعطيلِ إيقاع الزمان، وإيقافِ صيرورة التاريخ، ومحاولة تحويلِ الحاضر والمستقبل إلى ماضٍ يتكرّر فيه كلُّ شيء إلى ما لا نهاية. السلفية في الإسلام تريد أن يخرج المسلمُ من القرن الواحد والعشرين، ويرحل ليعيش في عصر الصحابة وظروفه وأحواله وملابساته، ويستنسخ كيفيةَ عيشه شكلًا ومضمونًا، وطريقةَ إدارته لكلِّ شيء في الحياة. إنها ترى وظيفة كلّ مسلم يعكسها استعداده لاقتباس نمط عيشه من عصر الرسالة وكأنه أحدُ الصحابة، بنحو يتحوّل إلى نسخة مماثلة تعيد انتاجَ أنماط العلاقات والمعاملات والثقافة والفنون والآداب، وتقلّد الصحابةَ حتى في الذوق واللباس والأزياء.

من نتائج هذه الرؤية توسيع دائرة المحرمات في الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، بنحو يضيق فيه فضاء حريته، ويختنق الإنسان فلا يرى من حوله إلا ممنوعات، لا يسمح له بالاقتراب منها. حدث ذلك بعد عدة قرون من عصر البعثة، حتى صار الحرام كأنه هو الأصل. فمثلًا أضحت الفنون الجميلة بكل تعبيراتها السمعية والمرئية محرمة عند أكثر الفقهاء في مختلف المذاهب، واتسع التحريم عند بعضهم ليستوعب كل ما ينتج مرحًا وفرحًا وابتهاجًا.

التحريم موقف ديني حيال العالم، اتساعه بمرور الزمان في الأديان والمذاهب، يتطلب دراسات معمقة في التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والديني للمجتمعات، وتوظيف علوم الاقتصاد والسياسة، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والميثيولوجيا وعلم النفس والألسنيات الحديثة، لكشف الصلة العضوية بين حدود التحريم وتمدّده وحدود السلطة الروحية والسياسية وتمدّدها. هذا النوع من القراءة ضروري للكشف عن كيفية الاختباء خلف رداء المقدّس، وتوظيفه بوصفه قناعًا، في صراعات الهيمنة والسلطة والثروة، وكيفية إدارة السلطة السياسية للمجال السياسي والاستحواذ عليه، والسلطة الروحية للمجال الديني، والعمل على تمديده على الدوام، عبر استملاك المجال العام رمزيًّا. حدود السلطة الروحية حدود المقدّس، فكلما اتسعت حدود المقدّس اتسعت حدود هذه السلطة.

‏ الإنسان يخاف المجهول، المستقبل مجهول. ويتوجس الإنسان مما هو مباغت، الحاضر الذي يعيش فيه لا يخلو من المُباغتات. الماضي صار في الذاكرة، والذاكرة تمحو الصورَ المؤلمة، وتحتفظ بالصور الجميلة. تكمن قوةُ السلفية في امتلاكها للمتخيّل، وفي قدرتها البارعة على إعادة إنتاج صورة آسرة خلّابة للماضي في المتخيّل. ‏من يتحكم بالمتخيّل يتحكم بنظام إنتاج السلطة بأنماطها المختلفة.

تعطل السلفيةُ في الأديان إيقاعَ العصر، وتجهض صيرورةَ التاريخ؛ إذ تعمل على توظيف سلطة الحرام وتكريس سطوته، بنحو يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة الفردية والمجتمعية. مثل تحريم الفنون الجميلة بتعبيراتها السمعية والمرئية، وما جاء متأخرًا بعد اتساع دائرة الحرام عن عصر الرسالة. الابتهاج بهذه الفنون يجعل الإنسان أقل عرضة للاكتئاب والحزن، الإنسان غير الكئيب أقل خوفًا، والإنسان غير الخائف أكثر قدرة على الجرأة واستعمال عقله الخاص في التفكير. الخوف أداة عنيفة في ترويض الناس وإخضاعهم للسلطة السياسية والروحية.

أكثر الكتابات السلفية وسلوك السلفيين يجعل القلبَ ينفر من الله. طبيعة الإنسان ضدّ صورة الله المظلمة الكئيبة التي رسمتها السلفية. لا أظن هناك إنسانًا يستغني عن الله، لو رأى صورةً مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورَها. لحظة يرى الإنسانُ صورةَ الله كما رسمها هو لذاته: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: 35)، ينصت لصوت الله في الوجود ويبتهج بالوصال معه.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الإسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجال الدين وحدوده، ومجال الدنيوي وحدوده، ويكفُّ أكثر الكتّاب في الدين عن التلفيق، ولصق كل ما يغويهم بالدين. لن نكتشف طريق الخلاص مالم يكن الدين دينًا لا غير، والمقدّس مقدسًا لا غير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرة آخرة لا غير، والفلسفة فلسفة لا غير، والعلم علمًا لا غير، والأسطورة أسطورةً لا غير، والمتخيل متخيلًا لا غير، والأدب أدباً لا غير، والفن فناً لا غير. لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كُلّ منها، وإنما بمعنى رسم خارطة الحدود لكلّ واحدٍ منها، وصورة تضيء ملامحه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد إطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته. خلط الدين بكل شيء يُفْسِد ذلك الشيء، وقبل ذلك يُفسد الدين.

 

https://altanweeri.net/15176/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%90%D9%91%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%84%D9%90%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A/

 

 

“أكرهك”!

“أكرهك”!

د. عبد الجبار الرفاعي

“أكرهك”! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.

في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.

الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.

مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.

لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.

شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.

الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.

لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده.

 

 

تحديات اللغة في العصر الرقمي

تحديات اللغة في العصر الرقمي

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

اللغة مفتاح دراسة أديان المجتمعات وقيمها ورؤيتها للعالم وثقافاتها، وهي المرآة التي تتجلى فيها هوياتها وطرائقها في تمثل ذاتها وتمثل الآخر المختلف عنها. تختزن اللغة ثقافات المجتمعات وأساطيرها وأحلامها وصورها المتخيلة عن العالم، ومنها يتشكل وعيها بذاتها وبما يحيط بها. من هنا يتبدد الوهم القائل بحياد اللغة، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني فحسب، وإنما تنطوي على رؤية الناطقين بها للعالم، وتفصح عن خلفياتهم الثقافية وأحكامهم المسبقة التي تسقطها الكلمات على الواقع.

تعيش اللغات في العالم اليوم ومنها العربية تحديًا غير مسبوق، يتمثل في قدرتها على التكيّف مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي عليها. الذكاء الاصطناعي يتغلغل في كل مجال، ويغزو مختلف الفضاءات، فارضًا إيقاعه السريع على العلم والمعرفة والتقنية، والسياسة والاقتصاد، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، والفنون والآداب، وفهم الدين وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية والدولية، وكل حقول حياة الإنسان. لم يعد ممكنًا لأي من هذه الحقول أن تظل بمنأى عن هذا الزحف العاصف، بعدما بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الواقع، وينتج عوالم غير مألوفة للإنسان من قبل، ويبدل ظروف عيشه، وطرائق تفكيره، وأساليب تعبيره، وكيفيات تواصله.

في ضوء الرؤية التي تتعامل مع اللغة بوصفها أفقًا لرؤية العالم، وموطنًا للذات، وتجليًا للتجربة الروحية، والحالة العاطفية والشعورية، ووعي الإنسان بما حوله، لا مجرد أداة للتخاطب، يبتكر الذكاء الاصطناعي نمطًا من التعبير يختزل المعنى في الأداء والوظيفة، ويهمّش الأبعاد الوجودية والعاطفية والشعورية والجمالية والرؤيوية للغة، إذ تنزع لغة هذا الذكاء نحو الرقمنة والتكميم والتنميط، وتخضع دلالات الكلمات لمقتضيات الخوارزميات، فتغيب الإيحاءات التي تنبعث من التأمل، والأحاسيس الباطنية، والتجارب الروحية، ويخفت وهج الرمز والإشارة والعلامة.

يعيد (تشات جي بي تي) وسائر نماذج الذكاء الاصطناعي تشكيل اللغة خارج حدود المعجم المألوف، مستجيبًا لحاجات الاستعمال المتجددة، بما يحدثه من ألفاظ ورموز تعبيرية تنسجم مع السياق، فارضًا أشكالًا جديدة لتوليد المعاني، وصياغة مفردات لا تقيدها دائمًا طرائق الاشتقاق أو القواعد والأدوات المعهودة في اللغة. ويبرز أثره في انتاج أساليب غير مألوفة للبيان، وطرائق بديلة للتعبير، يعكسها تدفق إجاباته الغزيرة التي تنهال كالشلال، لتغطي مساحات واسعة من الأسئلة الممتدة إلى مختلف ميادين الحياة، فتفتح للغة آفاقًا لم تختبرها من قبل، وتمنحها قدرة على تشكيل صيغ جديدة من الدلالة والتأويل.

تتراكم كل ساعة كميات هائلة من المفردات للغات العالم المختلفة، فتثري قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database). هذه الإضافات لا تقتصر على كلمات النصوص المدونة في معاجم تلك اللغات، بل تضخ في قاعدة البيانات مادة غزيرة من الكلام الشفاهي للندوات والمحاضرات وأحاديث البودكاست، باللهجات المتنوعة في كل لغة. فتمتص اللغة كلمات جديدة، ويولِّد الذكاء الاصطناعي من المفردات الأكثر تداولًا ألفاظًا خارج معاجم اللغات المعروفة، ثم يرسخها بكثرة الاستعمال، ويقلل حضور كلمات أخرى قليلة التداول، ويهمل مفردات نادرة في الاستعمال. وتظهر بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في اللغة الشفاهية والمدونة، “وبحسب دراسة للأوراق الأكاديمية المنشورة عام 2024 عبر العالم فإن 13.5 في المائة من ملخصاتها تحمل بصمات معالجة أو صياغة بأدوات ذكاء اصطناعي، لتصل النسبة في بعض التخصصات والمؤسسات إلى 40 في المائة… ويحيلنا القائمون على الدراسة حول التساؤل المستحق عن تأثير هذه البصمة اللغوية للآلة إلى منطق (الدائرة الثقافية المغلقة)؛ حيث النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتغذى على اللغة البشرية، ثم تعيد إنتاجها وفق تفضيلاتها، فيتبناها البشر، فتعود هذه اللغة المعدّلة لتغذية النماذج اللاحقة. ومع كل دورة، تضيق فسحة التنوع الأسلوبي، وتتراجع اللهجات والأنماط الهامشية أمام مركز لغوي واحد، فائق النعومة، شديد الانضباط، كثير الشبه بنفسه. وهذه بالطبع ليست فروضًا قسرية، بل هيمنة ناعمة. فالنماذج مثل (تشات جي بي تي) لا تفرض على المستخدم أن يتبنى أسلوبها للتواصل، لكنها تمنحه – من خلال الإيحاء الاجتماعي والمكافآت النفسية غير الملحوظة – شعورًا بالرضا عن الذات للظهور بشكل أكثر احترافية، وأكثر وضوحًا، وربما أكثر ذكاء حين يتحدث بلغتها. وهكذا، يصبح أسلوب الآلة معيارًا غير معلن، يقاس عليه (جمال) النص و(قيمة) الخطاب، بينما يدفع من يكون مغايرًا بشكل تدريجي إلى الهامش نحو مساحات تصنف ضمنيًا على أنها أقل رصانة، أو أقل مهنية”. (حطيط، ندى، “كيف يُعيد «تشات جي بي تي» تشكيل اللغة؟”، جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 25 أغسطس 2025).

تغدو فرادة الإبداع الأدبي مهددة بالاحتجاب خلف بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يتلاشى تميز لغة الكاتب المبدع وسط ركام المفردات والأساليب المتشابهة، فيفقد الأدب خصوصيته التي تنبع من حساسية الكلمة، وتشرق بجمال العبارة، وتضيء بصور مبتكرة تتفجر من أعماق التجربة الروحية والعاطفية والجمالية. تفاقم عملية التنميط بنحو تتحول الكتابة إلى صوت يكرر لحنه بنغم واحد، وتذوب ملامح التعدد والتفرد في سيل من نصوص متماثلة.كلما تقدمت الأجيال المتطورة للنماذج الذكية، ترسخت حالة التنميط أشد، حتى تبدو الكتابة كأنها بقلم كاتب واحد، تحاكي نصوصه نصوص غيره، وتنسكب رؤاه في قوالب صماء، ينطفئ فيها بريق التميز، ولا يستمع القارئ إلى إيقاع كلمات الكاتب وهمس لحنه، وتنكمش رحابة الخيال المبدع.

هكذا تضمحل في اللغة قدرتها على الكشف عن فرادة الإنسان، وتغترب عن ذاتها، حين تتحول إلى أداة تعيد خلق أساليب بيانية مكررة، لا يُسمع منها صوت الشعور، ولا تتجلى فيها بصمة القلب، ولا تنبض بإيقاع الحياة الباطنية. فيمسي الأدب هيكلًا بلا روح، ويخفت صوت المعنى العميق الذي لا يضيئه سوى الإنسان في لحظة حضوره الوجودي. احتجاب فرادة الكتابة خلف التنميط الآلي ليس خطرًا على الأدب وحده، بل هو نذير بانطفاء شعلة الإبداع، حيث تتحول اللغة من فضاء للمعنى إلى مرآة باهتة، تنعكس فيها كلمات خالية من وهج القلب وأشواق الروح.

تخوض اللغة العربية كغيرها من اللغات اليوم هذا التحدي، وتكشف مظاهر التحول عن تبدل تدريجي في بنيتها التعبيرية، وتحول في معجمها، واندفاع نحو السرعة والرمزية الرقمية. تحل التعابير الموجزة محل الجمل البلاغية المتعارفة، ويتقدم الرمز التعبيري، أو الوسم الرقمي، أو العبارة الهجينة التي تصوغها تطبيقات التواصل على التعبير المكثف. فمثلًا تذوب مشاعر الحزن العميق في رمز تعبيري لوجه دامع، وتتقلص مشاعر الحب في صورة قلب أحمر، وتضمحل الأشواق في التداول العاطفي الرقمي، فتتقدم عليها كلمات برمجية مكررة تستعير الإشارة للمشاعر، كأنها تحاكي حضورها، من دون أن تعبّر عن إشراق الأشواق، وكنايات الايحاء بها. وتنطفئ الصور البلاغية المضيئة، وتفقد الاستعارات الأدبية توهجها، حين يستعاض مثلًا عن بيت شعر المتنبي: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ، فلا تقنع بما دونَ النجومِ” في رمز لصاروخ أو سهم متجه للأعلى. وبيت الجواهري: “أتعلَمُ أم أنتَ لا تعلَمُ، بأن جِراحَ الضحايا فمُ” بكلمة خاطفة مثل “صامد”، وتبهت الصورة الناطقة بالحرية وكرامة المقهورين، ويتقلص أثر الكلمة التي توقظ وعيًا، ويستفيق بها الضمير، وتلتهب بها مشاعر الشعب وشهامته. في مثل هذا الانكماش، تتوارى اللغة عن وظيفتها، وتتخلى عن أثرها الشعوري، وتتحول إلى رموز وصور باردة لا تمس القلب، ولا تستفز العقل، فتفقد العبارة ما يحمله الشعر من شعور جارف، وما تشعه الصورة من أفق للعزة والشموخ.

تختفي المفردات التي كانت تضيء الوجدان، وتضيق مساحة المجاز والتأمل، حين تذوب المعاني الكثيفة في رموز مفرغة من دلالتها، إثر استنزاف معناها بتكرار استعمال الكل لها، وتتبخر حرارة الكلمة التي ظلت قرونًا تصوغ وعيًا، وتوقد شعلةً في القلب. وتغيب صور تحفيز الخيال، وتختصر في أيقونة جامدة لا تتسرب إلى وجدان القارئ، ولا توقظ تأملًا أو انفعالًا. كذلك تنطفئ لغة التدفق العاطفي المؤثرة، وموسيقى كلمات العشاق، بعد أن تزيحها عبارات نمطية منطفئة، مثل: “وحشتني” أو “وينك”، بلا دفء الحنين أو صورة ترسم الاشتياق بكلمات ساحرة. حتى مفردات المدح والهجاء في التراث الأدبي، الزاخرة بالتوريات والمجازات والكنايات، تُختزل في كلمة واحدة، مثل: “يجنن”، أو “مزيف”، حين تطلق دون سياق، وتستهلك بلا تذوق.

كما يغيب وهج التعبير القرآني الذي يتدفق بلغة القلب وأشواق الروح، فتختفي عبارات، مثل: “ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين”، ويحل محله قول مستعجل مثل: “يارب عوضني”، أو تتوارى كلمات الرجاء، مثل: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، ليأخذ مكانها نداء مقتضب مثل: “يا الله كفاية”. كذلك تستنفد الكلمة طاقتها الدلالية، ويخفت صوت المناجاة، عندما تغيب لغة التضرع عن فضائها الروحي، ويفقد البوح صدقه وقدرته على ملامسة أعماق القلب، ويتوارى صوت النبي أيوب الذي انبعث من أعماق الألم، وصدى أنين النبي يونس وهو ينادي في الظلمات: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ويتقدم بدلًا من هذه الاستغاثات نداء مستعجل، مثل: “يا الله فرّجها” أو “طفح الكيل”، يُكتب على عجل، ويرمى بمستودع رقمي مكتظ، من غير خشوع، ومن دون أثر لتجربة الانكسار، ولا صدى لنداء يخرج من أعماق الروح.

وتضمحل في الوقت نفسه شحنة أدعية تنسكب من القلب، مثل: “إلهي، ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك”، ويحل محلها نداء متعجل، مثل: “يارب سهلها”، نداء لا يتجاوز الشفتين، ولا يمس الشعور، ولا يعكس تجربة وجودية مشبعة بالوجد، بل يعكس حالة استعجال، تغيب فيها الأبعاد الجمالية والعاطفية والروحية، التي تتوهج بمناجاة العارفين. وتتقلص مساحة الدعاء، ويضيق أفق التضرع، وتخفت حرارة البوح، عندما تنكمش الكلمة في عبارة قصيرة تخلو من خشوع القلب، وبوح  المشاعر، وتدفق التجربة الروحية.

فرق بين كلمات يستقي بها القلب وترتوي بها الروح، وكلمات يتأمل دلالتها الذهن. ينحسر النوع الأول من الكلمات في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يتبدل نمط الدعاء، وتخسر لغة القلب طاقتها الروحية والعاطفية، عندما تقيدها وهي تخاطب الله القوالب الجاهزة، وتحبسها الأنساق الجامدة، فيتلاشى أثر التجربة الوجودية التي تضيء الحياة بكلمات مشبعة بوهج الروح وابتهالاتها. وتغيب صور التضرع والتبتل التي كانت تنبع من أدعية الأمهات والآباء، وتتراجع أمام نسق جاف يستمد لغته من محرك بحث آلي أو تطبيق أدعية على الإنترنت، من غير حرارة داخلية، ولا نبض شعوري.

في فضاء هذا التحول العاصف، يظهر جليًا أن اللغة التي تواصل الحياة، وتنتشر في العالم، هي اللغة التي تواكب صيرورة الواقع، وتتناغم مع معطيات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتنازل عن جوهرها الإنساني، وثرائها الدلالي، وطاقتها الرمزية. هكذا تفرض علينا هذه التحولات المتعجلة أن نعيد تأمل اللغة، ونحررها من أسر الأداء التقني، ونصون تنوعها، ونحمي عمقها الوجودي، حتى تواصل أداء وظيفتها، بوصفها كيانًا حيًا تتجلى فيه الرؤية للعالم، وطرائق التفكير، وأشواق الروح، وتعلن فيها الذات عن حضورها.

https://alsabaah.iq/120020-.html

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والمذاهب

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والمذاهب

د. عبد الجبار الرفاعي

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والفرَق والمذاهب، ليس هناك فرقٌ نوعيٌّ بين الاتجاهات السلفية للأديان والفرَق والمذاهب، سواءٌ أكانت سماوية أو أرضية. تتنوّع الأقنعةُ السلفية وتتعدّد إلا أن المضمونَ المتشدّد واحدٌ أيًّا كان دينُ السلفي ومعتقده. السلفية كالأصولية والتراثية، مهما تنوّعت التسميات، تعكس تصورًا لازمانياً للعلوم والهوية والمعارف الدينية، ورؤية خاصة للعالَم، وبنيةً فكرية وعاطفية وسيكولوجية، وقراءةً حرفية مغلقة متشدّدة للنصوص الدينية. الإسلام السلفي المتشدد أغلق العقل، وأطفأ جذوة الروح، وعبث بذائقة القلب.

أقصدُ بالسلفية تعطيلَ عقل الإنسان الفرد، أو تنازلَ الإنسان عن عقله واستسلامَه بشكل تام لما يقوله التفسيرُ المغلق المتشدّد لنصوص معتقده. لا أقصد بالسلفيةِ دينًا معينًا أو مذهبًا خاصًّا أو فرقةً بذاتها. السلفيةُ كأنها وعاءٌ يمكن أن تشغله أيةُ عقيدة أو أيديولوجيا، سواء أكانت دينيةً أو دنيوية، سواء أكانت يسارية أممية، أو يسارية قومية، أو يسارية أصولية. المواقفُ متشابهة، كلُّ سلفي مغلَق، بغضّ النظر عن عقيدته والأيديولوجيا التي تحرّكه، كلٌّ منهم يشعر بالاصطفاء لمعتقده وتراثه وهويته وماضيه وجماعته، وغير مستعد للاستماع إلا إلى صوته.

لعل أدقّ تصوير لرؤية السلفي للعالَم هو ما كتبه هربرت جورج ويلز في قصة “بلد العميان” الصادرة سنة 1904، التي شرح فيها مصيرَ جماعةٍ من البشر معزولين عن الناس، يعيشون في وادٍ تحتضنه جبالٌ منيعة، يتفشى بينهم مرضٌ يفتك بأبصارهم، يتوارثُ هذا المرضَ الأبناءُ من الآباء، ويحيل الكلَّ إلى عميان. بعدَ أن يختفي من حياتهم البصرُ نهائيًّا يموتُ المعنى الذي يدلّ عليه البصرُ في أذهانهم. عندما يصيرُ العمى شاملًا يترسخُ حضورُه بما هو معنىً لا مقابلَ له ينفيه، فيشعرون جميعًا أن العمى هو الحالة الطبيعية، وأن واديهم هو العالَم الذي لا عالَم خارجه.

السلفيةُ طريقةُ تفكيرٍ ورؤيةٌ للعالَم يسكنها التوهم ويغيب عنها الواقع، التربيةُ السلفية في الأديان تجعلُ الإنسانَ يُضحّي بالحاضر والمستقبل من أجل ماضٍ رومانسي متخيَّل لم يتحقّق أمس، ويعتقد بأن وظيفتَه استئنافُ الماضي كما رسمته المخيلة، ومناهضةُ كلّ شيءٍ لم يقع في الماضي لأنه ابتداعٌ.

لا يحدثُ تطورٌ في حياة المجتمع من دون إبداع، فإذا كان كلُّ إبداع ابتداع كيف يتطورُ المجتمع. هذه التربيةُ تُشعِر مَنْ يتشبّع بها وينحبس في إطارها بأنه الوكيلُ الحصريّ للحضرة الربوبية، والسلطانُ المتوّج بعناية إلهية استثنائية، والحاكمُ المفوّض بتفتيش الضمير الديني للناس ومعتقداتهم. يورّطُ هذا الشعورُ السلفيَّ بإصدار حكمه على مَنْ يشاء، يُدخِل للدين مَنْ يشاء، ويُخرِج من الدين مَنْ يشاء. وأحيانًا يقوده هذا الشعورُ لاستخدام العنف مع مَنْ يشاء، سواء أكان عنفًا لفظيًّا، أو رمزيًّا، وربما جسديًّا.

الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ منخرطٌ في التاريخ ومشروطياته، يخضع الدينُ في الحياة لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة الحاضنة له. تختلف تمثلاتُ الدين باختلاف المجتمعات وثقافاتها ولغاتها ودرجة تطورها الحضاري، ويختلف التعبيرُ عنه باختلاف المدن والأرياف والإثنيات واللغات والثقافات في بلد واحد. إذا أردنا إنتاج فهمٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ وجماليٍّ للدين ونصوصه، وخفض وتيرة العنف الناتج عن القراءة المغلقة للنصوص الدينية، يجب العملُ على تغيير وعي الإنسان وظروفه المعاشية وثقافته، واعتمادُ المناهج الحديثة لتفسير النصوص الدينية. في المجتمعات المتحضرة المكفول عيش أفرادها ويحكمها قانون عادل صارم، يحدث أيضًا فهم عنيف للدين لكنه يظل محصورًا في نطاق أفراد أو جماعات محدودة، ولا يتحول إلى موجٍ مجتمعي يعصف بالبناء الاجتماعي، ويزلزل ركائز الدولة ويهشِّم مؤسساتها،كما يحدث في الدول الفاشلة والمجتمعات القلقة.

السلفية في كلِّ الأديان والمعتقدات والمذاهب تعمل على تعطيلِ إيقاع الزمان، وإيقافِ صيرورة التاريخ، ومحاولة تحويلِ الحاضر والمستقبل إلى ماضٍ يتكرّر فيه كلُّ شيء إلى ما لا نهاية. السلفية في الإسلام تريد أن يخرج المسلمُ من القرن الواحد والعشرين، ويرحل ليعيش في عصر الصحابة وظروفه وأحواله وملابساته، ويستنسخ كيفيةَ عيشه شكلًا ومضمونًا، وطريقةَ إدارته لكلِّ شيء في الحياة. إنها ترى وظيفة كلّ مسلم يعكسها استعداده لاقتباس نمط عيشه من عصر الرسالة وكأنه أحدُ الصحابة، بنحو يتحوّل إلى نسخة مماثلة تعيد انتاجَ أنماط العلاقات والمعاملات والثقافة والفنون والآداب، وتقلّد الصحابةَ حتى في الذوق واللباس والأزياء.

من نتائج هذه الرؤية توسيع دائرة المحرمات في الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، بنحو يضيق فيه فضاء حريته، ويختنق الإنسان فلا يرى من حوله إلا ممنوعات، لا يسمح له بالاقتراب منها. حدث ذلك بعد عدة قرون من عصر البعثة، حتى صار الحرام كأنه هو الأصل. فمثلًا أضحت الفنون الجميلة بكل تعبيراتها السمعية والمرئية محرمة عند أكثر الفقهاء في مختلف المذاهب، واتسع التحريم عند بعضهم ليستوعب كل ما ينتج مرحًا وفرحًا وابتهاجًا.

التحريم موقف ديني حيال العالم، اتساعه بمرور الزمان في الأديان والمذاهب، يتطلب دراسات معمقة في التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والديني للمجتمعات، وتوظيف علوم الاقتصاد والسياسة، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والميثيولوجيا وعلم النفس والألسنيات الحديثة، لكشف الصلة العضوية بين حدود التحريم وتمدّده وحدود السلطة الروحية والسياسية وتمدّدها. هذا النوع من القراءة ضروري للكشف عن كيفية الاختباء خلف رداء المقدّس، وتوظيفه بوصفه قناعًا، في صراعات الهيمنة والسلطة والثروة، وكيفية إدارة السلطة السياسية للمجال السياسي والاستحواذ عليه، والسلطة الروحية للمجال الديني، والعمل على تمديده على الدوام، عبر استملاك المجال العام رمزيًّا. حدود السلطة الروحية حدود المقدّس، فكلما اتسعت حدود المقدّس اتسعت حدود هذه السلطة.

‏ الإنسان يخاف المجهول، المستقبل مجهول. ويتوجس الإنسان مما هو مباغت، الحاضر الذي يعيش فيه لا يخلو من المُباغتات. الماضي صار في الذاكرة، والذاكرة تمحو الصورَ المؤلمة، وتحتفظ بالصور الجميلة. تكمن قوةُ السلفية في امتلاكها للمتخيّل، وفي قدرتها البارعة على إعادة إنتاج صورة آسرة خلّابة للماضي في المتخيّل. ‏من يتحكم بالمتخيّل يتحكم بنظام إنتاج السلطة بأنماطها المختلفة.

تعطل السلفيةُ في الأديان إيقاعَ العصر، وتجهض صيرورةَ التاريخ؛ إذ تعمل على توظيف سلطة الحرام وتكريس سطوته، بنحو يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة الفردية والمجتمعية. مثل تحريم الفنون الجميلة بتعبيراتها السمعية والمرئية، وما جاء متأخرًا بعد اتساع دائرة الحرام عن عصر الرسالة. الابتهاج بهذه الفنون يجعل الإنسان أقل عرضة للاكتئاب والحزن، الإنسان غير الكئيب أقل خوفًا، والإنسان غير الخائف أكثر قدرة على الجرأة واستعمال عقله الخاص في التفكير. الخوف أداة عنيفة في ترويض الناس وإخضاعهم للسلطة السياسية والروحية.

أكثر الكتابات السلفية وسلوك السلفيين يجعل القلبَ ينفر من الله. طبيعة الإنسان ضدّ صورة الله المظلمة الكئيبة التي رسمتها السلفية. لا أظن هناك إنسانًا يستغني عن الله، لو رأى صورةً مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورَها. لحظة يرى الإنسانُ صورةَ الله كما رسمها هو لذاته: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: 35)، ينصت لصوت الله في الوجود ويبتهج بالوصال معه.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الإسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجال الدين وحدوده، ومجال الدنيوي وحدوده، ويكفُّ أكثر الكتّاب في الدين عن التلفيق، ولصق كل ما يغويهم بالدين. لن نكتشف طريق الخلاص مالم يكن الدين دينًا لا غير، والمقدّس مقدسًا لا غير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرة آخرة لا غير، والفلسفة فلسفة لا غير، والعلم علمًا لا غير، والأسطورة أسطورةً لا غير، والمتخيل متخيلًا لا غير، والأدب أدباً لا غير، والفن فناً لا غير. لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كُلّ منها، وإنما بمعنى رسم خارطة الحدود لكلّ واحدٍ منها، وصورة تضيء ملامحه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد إطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته. خلط الدين بكل شيء يُفْسِد ذلك الشيء، وقبل ذلك يُفسد الدين.

https://altanweeri.net/15176/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%90%D9%91%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%84%D9%90%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A/

 

كتاب ثناء على الجيل الجديد

كتاب ثناء على الجيل الجديد: رؤية مدربة معلمات ومعلمين للكتاب من منظور مهني

 نور سكجها[1]

منذ أول ما ظهرت أمامي صورة غلاف كتاب: “ثناء على الجيل الجديد”، للدكتور عبد الجبار الرفاعي، والصفحة الأولى التي يعلن فيها المؤلف بصراحة لافتة: “تعلمت من أبنائي أكثر من آبائي، وتعلمت من تلامذتي أكثر من أساتذتي”. لم أصدق جرأة العنوان، وما تضمنته كلمات الرفاعي في الاهداء وكل الكتاب. لن يفهم أحد بسهولة قدرة شخص على التصريح بأن هذا الجيل يستحق الثناء، إلا من دخل في أواصر المسببات للبعد بيننا و بينه. من فهم معاناتهم و أراد المبادرة بطرح الحلول.
كوني مدربة معلمات ومعلمين لمنهجيات و استراتيجيات نضمن بها حماية الطفل من أشكال الإساءات المتنوعة، و أهمها النفسية في الصفوف والمدارس، كنت دوما  أكرر جملة، أعتقد أنها أكثر ما جذبني للكتاب وفسرت رغبتي بالحصول عليه بأسرع وقت ممكن. أقول للمعلمين: رغم اتهام أغلب من يدرّسون و يربون الجيل الحالي بأنه سيء و كثير التذمر وقليل الانتباه و أنه جيل فاشل، الا انني شخصيا أشفق على هذا الجيل وأحزن على عدم فهمه وفهم أحلامه والزمن الذي يعيش فيه.
أكمل هذه الجمل بتفسيرات لطالما أخفقت في رصفها وسردها بالشكل الصحيح المناسب. كنت أحاول أن أسرق بعض دقائق من الجلسة التدريبية لكي أجرب وضع التربويين و المعلمين في مكان هذا الجيل الذي يوجهون إليه أصابع الاتهام بالفشل و قلة الأدب. في عقولهم، في عيونهم، وفيما يواجهون من كثرة مصادر المعلومات دون المؤهلات التي تحميهم من الضياع والتحليل الناقص، والتخزين الخطير لمعلومات تصبح يوما ما هويتهم.
دعوكم من التعميم المتسرع السائد في جلساتنا، هذه قصة أخرى تقتل بمن يفتقدون الوعي الأملَ نهائيا من الجيل، وتمنعهم من اعادة التفكير.
لنركز اليوم على عدم قدرة من سبقوا الجيل الذي يعيش بزمن الهوية الرقمية، من تخيل صعوبة العيش بهذا الزمن. بكل ما يحمل من تحديات، لا نحن كأهل مستعدون لها، ولا باستطاعتنا تهيئة الجيل الحالي لها، بل ان الأسوأ من هذا هو هروبنا أحيانا منها.

مضيت بهذه الأفكار لبضع سنوات، أدخل بها على صفوف و أخرج من أخرى. أقابل مسؤولين في ادارات أهم المدارس، وأهالي وأمهات يائسات من أبنائهم المراهقين، وما دون سن المراهقة. وأنا كل ما يشغل بالي هو: كيف يمكنني أن أجد الوقت والطريقة والاثباتات والمداخل لأقرب الجيلين أو فعليا الثلاث أجيال التي أقابل من بعض؟
كيف لهم أن يدركوا أن الأمر أكبر وأعظم من مشكلة منهج أو أسلوب أو مبنى بحاجة لترميم؟
كيف يمكنني أن أجعل هؤلاء المعلمين والمعلمات والمدراء و المديرات وأصحاب المؤسسات التعليمية قادرين على احداث فرق حقيقي في حياة الطلاب “الصعبين” في منظورهم؟
كيف لي أن أفتح عيون الأهل على الحاجات الحقيقة لأطفالهم؟ لتكون مفاتيحهم لاستدامة العلاقة و الأمان العاطفي بينهم؟
ثم جاء الحل أمام عيناي. بعد أن ظهر منشور الاعلان عن كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي: (ثناء على الجيل الجديد)، لم أستطع ايقاف مخيلتي من رسم ما قد يكون محتواه. كطفل بدأت عيناه تلمع، ووجهه يرتسم مبتسما، وكأنه وجد حلويات العيد.

تأملات بغلاف ووصف قصير عنه لأحلام تحققت، لاستغراب من جرأة كاتب على مواجهة أكثر من ثلاث أرباع – ان لم يكن أكثر- من القراء الذين لن يعجبهم ثناء لجيل أرهقهم! أتعبهم! جيل من منظورهم بعيد كل البعد عن القيم و العادات و المسلّمات التي يحاولون جاهدين تلقينها لهم بأساليب تحتضر. يقول الرفاعي في مقدمة الكتاب: “أحاول في هذه الأوراق تقديمَ رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق بالكلام نيابة عن أيّ إنسان في الأرض”.
في صورة الكتاب المرفقة هنا أكثر من مئات الكلمات التي يمكن أن أكتب عنها. أعتقد أنها انعكاس لما بداخلي أكثر منها صورة شكلية للكتاب. في الصورة كتاب: (ثناء على الجيل الجديد)، وأربع أيادي متعاضدة لأم وثلاثة أطفال، تمسك به كميثاق أو وعد أو اتفاق جديد، كونته مع أطفالي لحظة انتهائي من قراءة هذا الكتاب التحفة. لن أستسلم من محاولة تصغير هذه الفجوة أبدا بين الأجيال في عصرنا.
وجدت الحل بهذه الصفحات من كتاب الرفاعي، ووجدت الدليل المنطقي لكل ما كان يتراكم بذهني بسرد ممتع معاصر ثري. في الكتاب و أخص فصوله الأولى والأخيرة، الكثير من الأرقام والمعلومات والرؤى التي تثبت حاجة مجتمعاتنا للتغيرات الجذرية بأنظمتنا التعليمية و التربوية. هذا نموذج يجب  أن يدرس للمعلمين أولا ثم الأهل، الآباء والأمهات والأجداد.
تخيلت الكاتب جالسا على أريكة منفردة بزاوية ما ببيت ابنته يراقب حفيدته، يحلل و يفكر، يتحدث معهم و يسألهم، ثم يكتب انطباعاته بتأمل عميق، ليحولها لاستنتاجات تتلخص ببراعة في كتاب.

أتخيل أيضا، ربما كانت محاضراته وندواته تمتد لما بعد وقت انتهائها، فيكون جالسا مناقشا لشباب تستفزه أسئلتهم، ول يستفزه تمردهم وشكواهم من سوء فهم محيطهم من الجيل السابق لهم. يعيد تكوين أفكار ويخلق أخرى مما يتعلم منهم، رغم كبر قدر علمة و ثراء فكره العظيم. يبهرني هذا فعلا. يتحدث قائلا: “لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، هم أقرب إليّ، يعرفون جيدا قربي لهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وكنت وما زلت أقرب لرؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي. ذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم، وما يعد به غدا”.
مع اتساع الفجوة بين الأجيال، ورغم أنني أرى أننا كمجتمعات سنقاوم جدا ما ورد بهذا الكتاب، إلا أنني متأكدة ان هذا الإدراك سيأتي لهم يوما ما.
اقتباسات كثيرة يمكننا أن نخلق من كل منها مقدمة لكتاب ممتد بأفكار أخرى، وتعمق أكبر لبحوث ونظريات لافتة جديدة. يدعو المؤلف الآباء لتمكين الأبناء من القيادة بقوله: “لو تراجع الآباء خطوة إلى الوراء، وفسحوا الطريق للأبناء في قيادة مؤسسات الدولة والمجتمع وإدارتها، وشاهدوا الحضور الفاعل والمؤثر لوعي الجيل الجديد وخبراتهم، وقدراتهم الاستثنائية على الإصغاء لصوت العصر، لفوجئوا بمبادراتهم الرائدة في الحقول المتنوعة، وقدراتهم في التغلب على عوائق النهوض، وجعل بلادنا تواكب متغيرات الواقع وتصغي لمتطلباته، ووضعوها في آفاق العالم الحديث”.
كم كان جميلا حديث الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن حاجة كبار السن لوسائل التواصل في زمن نفتقر به الاتصال العائلي، وكيف أنه صار للكثير منهم منقذا من الوحدة والغربة. وكم أعجبت بوصفة للعالم الرقمي، وتلخيص أسباب فشل النظام التعليمي المدرسي والجامعي في عصر الهوية الرقمية بعوامل محددة واضحة.
أثرى الدكتور الرفاعي كتابه بما أصفه بـ “هدنة”، بعد أن جعلنا ندرك نواجه أنفسنا بالحقيقة بين أول وآخر الكتاب. فتحدث لنا عن: الاستثمار في الحب، ومعنى الوجود والحياة، والصمت، ومفاهيم مضيئة من الدين والتراث والتاريخ. الواعي المثقف المطلع هو فقط من سيستوعب أهمية السير بالتوازي بكل هذه الأفكار معا وتكاملها. وأهمية بذل مجهود متساوي لتحقيق نجاح حقيقي في انشاء جيل واع متوازن، قادر على التعبير عن نفسه و معرفة هويته، والأهم تجانسنا وتضامننا معا كأجيال مختلفة بهذا الزمن.
يؤكد الرفاعي على أن: “التربية السليمة تعتمد الحصانةَ لا المنع، الأبناء ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذر علينا إرجاع الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا.كنتُ لا أمنع أولادي من اللعب في الشارع والاندماج بجيلهم، والتعرّف على الواقع ميدانيًا. أساعدهم على اكتشاف ذواتهم، والتنقيب في خرائط دروب الحياة المتشعبة بأنفسهم، لئلا يعيشوا مغتربين عن عصرهم وجيلهم. أرشدهم، وأراقب سلوكهم من بعيد، ولا أتدخل كثيرًا في حياتهم الخاصة وخصوصياتهم. حرصت على أن يكون أولادي كما هم لا كما أنا،كلٌّ منهم يشبه ذاته، ما أكرهتهم على محاكاتي، ولم أحثّهم يومًا على استنساخ صورتي. تطورت شخصياتهم في سياق طبيعتهم البشرية وبنيتهم النفسية وزمانهم، فصاروا يعبرون عن ذواتهم ورؤيتهم للعالَم وأحلامهم قبل تعبيرهم عني ورؤيتي للعالَم وأحلامي، وهذا سرّ النجاح في حياتهم”.

كل الشكر و التقدير للدكتور عبد الجبار الرفاعي، أولا على جرأته في طرح هذا الأمر بكل فخر، ابتداءً من عنوان الكتا  والإهداء لأبنائه وتلامذته إلى نهاية الكتاب. وثانيا على إثراء هذا كله برؤى تربوية أساسية لبناء الجيل الجديد واستثمار طاقاته، ليكون يوما ما دليلا على محاولة عربيه جادة لتغيير نمط تفكير متكرر يقود لصراع الأجيال.

أتمنى أن تضيء رؤى الرفاعي مجتمعاتنا كما تضيء رؤية الشمس أرضنا، لأنها رؤى مكتنزة بفكره الواعي لمشكلة من أعمق مشكلات حياتنا اليوم في العائلة والمدرسة والمجتمع.

[1] كاتبة أردنية، تعمل مدربة معلمات ومعلمين أطفال.

 

https://altanweeri.net/14752/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%9b-%d8%b1%d8%a4%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%af%d8%b1%d9%90%d9%91/

غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن

غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن

د. عبد الجبار الرفاعي

تميز أحمد فرديد[1] بموهبةٍ وذكاء نادر، وتكوينٍ وخبرةٍ ممتازة في اللسانيات والفيلولوجيا، وبراعةٍ في ابتكارِ ونحتِ المصطلحات، والتقاطِ ألفاظ من مجالٍ تداولي وزجّها في مجال مغاير. هذا ما منح خطابَه وأحاديثَه حساسيةً لغوية فائقة، وجاذبيةً فريدة وقع في شراكها كثيرٌ ممن أصغوا إليها. تحررتْ مصطلحاتُه من الألفاظ والكلمات المستنزَفة بالاستعمال المكرّر المبتذل حدّ الإنهاك. غواية لغته بهرت أبرزَ مثقفي عصره، وأغوتهم بالإنصاتِ لصوته المميز والتلقي منه، والإدمانِ على حضور ندوته الأسبوعية “الحلقة الفرديدية”.

غوايةُ اللغة الناتجة عن توترها وإبهامها وضبابيتها، عمّقت سطوتَه في الحياة الفكرية الإيرانية، وأثارت الكثيرَ من النقاشات والجدل حول أفكاره؛ فضلا عن موقفِه الجذري الرافض للغرب، وهجائِه للفلاسفة والمفكرين، في زمنٍ كانت النخبةُ المفتونة بالثقافة الغربية متهمة، واتهاماتُه العنيفة للمثقفين الإيرانيين. لا يرى فرديد الغرب، منذ العصر اليوناني حتى اليوم، مفهومًا جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو ثقافيًّا، بل مفهومُه للغرب أنطولوجي ميتافيزيقي، تبعًا لهايدغر.

يختبئ بعضُ المفكرين وراء الألفاظ، فيشتقون مصطلحاتٍ بالعودة إلى جذورها اللغوية، أو يزاوجون ويركبون مصطلحاتٍ أخرى باستعارتها من معجمٍ تراثي، ويسقطونها على مفهومٍ مستعار من الفلسفة والعلوم الإنسانية الغربية الحديثة بطريقة متنكرة. ذلك ما فعله فرديد، حين أسقط المعجمَ الاصطلاحي لمحيي الدين بن عربي على فلسفة هايدغر، فأنتج مخلوقاتٍ لغويةً هجينة تثير الدهشة، لا تعبّر عن هايدغر، مثلما لا تتجلى فيها رؤيا ابن عربي واستبصاراتُه المضيئة الرحبة.

غواية اللغة الفرديدية وإبهامها قريبان من غواية لغة المفكر المغربي طه عبد الرحمن وإبهامها، الذي يعمد إلى نحتِ مصطلحات بديلة لما هو شائع ومتعارَف عليه بالعربية. تلك المصطلحات صاغها في ضوء خبرته وتكوينه المتميز بفلسفة اللغة والمنطق الحديث، يحاول في سياق هذه المصطلحات إعادةَ إنتاج التراث، وتلوينَه بآرائه ومواقفه التراثية. كما اصطادت غوايةُ لغة فرديد أبرزَ المثقفين الإيرانيين، اصطادت غوايةُ لغة طه أكثرَ شباب الحركة الإسلامية العرب وفي وطنه قبل ذلك، من ذوي التكوين الأكاديمي الحديث، الذين سئموا من تبسيطِ أدبيات هذه الحركة، وسطحيتِها المضجرة وشعاراتِها المملة. شبابٌ قادهم الحنين إلى الهوية والبحث عن الجذور، للانبهار بكتابات طه. معظم هؤلاء لم يكتشفوا أبعادَ التراث المتنوعة، ويجهلون منزلقاتِه ومسالَكه ودروبَه، التي لا يفضي بعضُها إلا إلى المزيد من المتاهات، لمن لا يعرف مسالكَه جيدًا.

التكوين الأكاديمي والبيئة الثقافية والمناهل الموروثة لطه عبد الرحمن لا تتطابق بتمامها مع سياقاتِ تكوين أحمد فرديد وبيئتِه وثقافتِه. فرديد تمحور تفكيرُه حول هايدغر ومدرسةِ ابن عربي وتلامذتِه وشراحِه، والتصوفِ الفلسفي والعرفان النظري، وطه عبد الرحمن استند في اشتقاقاته إلى القاموسِ اللغوي، والمقولاتِ الاعتقادية للأشعري، والتصوفِ الطرقي، ومعجمِ التراث الأخلاقي. لكنهما يعمدان معًا إلى تلوينِ التراث وإلباسِه رداء اصطلاحيًّا جديدًا، يشبه ارتداءَ عجوزٍ طاعنة في السنّ لثيابِ عروس، وطلاءِ وجهها بمساحيق تجميلية صاخبة.

لا يصدق على كتابات طه أنها فلسفة، وهكذا لا يصدق على أقوال فرديد مفهومُ الفلسفة. الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي المستقل، لغةُ ومصطلحاتُ الفلسفة تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةٌ حدوده. لا تلتهم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغةَ ومفاهيمَ اللاهوت والمتخيَّل والمثيولوجيا واللامعقول. العقلُ مرجعيتُه العقل لا مرجعيةَ له خارجه، العقلُ مرجعيةٌ ومعيارٌ وسلطةٌ على كلِّ ضربٍ من أفعالِ الذهن وإبداعِه مهما كان. العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ وحدودِ ما هو خارجه مما ينتجه المتخيَّلُ وغيرُه. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، يكون هو مرجعيةُ تمحيصِ تفكيره، ومرجعيةُ تمحيصِ ما سواه مما ينتجه الذهن، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقل تدخل الروح والقلب والعاطفة في متاهات أبدية. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارج حدوده. الفيلسوف يحاول أن يفسّر حقيقةَ الظواهر والأشياء وماهيتَها، يفسّر حقيقةَ العلم وماهيتَه، الفيزياء والكيمياء ومختلفُ العلوم تنشغل باكتشافِ قوانين الطبيعة ومعادلاتِها، ولا تعرف حقيقةَ ذاتها وماهيتها.

أحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظة من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمة من عقله. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية. ذلك ما يجعل بعضَ ‏الفلاسفة يبدأون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة. الفيلسوف ينشغل بفعلِ التفلسف، يفكّر تفكيرًا عميقًا بالأسئلة والأجوبة الوجودية، يبدأ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية وينتهي بنتائج فلسفية ومنطقية. تفلسفُ الفيلسوف يعني أنه يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطحَ الأشياء والظواهر ويبحث عن حقيقتها. لا يُنكَر أن طه عبد الرحمن مثقفٌ موسوعي خبيرٌ بالتراث والحداثة، يمتلك موهبةً فذّة وذكاءً فريدًا، وتكوينًا بالفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة جادًّا، وخبرةً واسعة بالتراث، غير أن كتاباتِه الفلسفية والمنطقية تبدأ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية وتنتهي بنتائجَ لاهوتية.

برع طه في إعادةِ انتاج شيءٍ من مقولات الغزالي والفخر الرازي وابن تيمية الاعتقادية بأسلوبٍ مراوغ لغويًّا. طه تراثي برداءِ منحوتاتٍ لغوية جديدة، التراثيةُ بنيةٌ ذهنية ونفسية وعاطفية، كأنها وعاءٌ يمكن أن تملأه بأيِّ معتقد، سواء كان قوميًّا او ماركسيًّا أو دينيًّا. طه عبد الرحمن مقلِّدٌ للأشعريةِ في علم الكلام، وللمالكيةِ في الفقه، وللطريقةِ القادرية البودشيشية[2] في التصوف. يتعاطى مع مقولاتِ الأشعري وأتباعه وإجاباتِهم للأسئلة الميتافيزيقية الكبرى على أنها مسلماتٌ نهائية لا تقبل النقاش. طه متكلم يختبئ بجلباب “فيلسوف”، وفي ضوء ذلك يمكن تصنيفُه، كما يُصنّف فرديد، بـ “فيلسوف ضد الفلسفة”. يتحدث طه بلغةِ الحداثة الفلسفية والمنطقية واللغوية، إلا أنه ضدّ الحداثة، يبرع بتوليد مصطلحاتٍ غائمة لتقويضِ كلِّ شيء ينتمي للحداثة. ذلك ما يدعوني أن أصنف كتاباتِه الفلسفية بوصفها محاولةً متنكرة لـ “أسلمة الفلسفة”.

لا يمكن إنكارُ ذكاء طه عبد الرحمن، ولا علم طه وموهبته الفذة. المفكر الديني يحتاج القلبَ بموازاة العقل، يحتاج النظرَ للإنسان المختلِف في معتقده بنور الله، وأن تحضر رحمةُ الله بكتابات هذا المفكر وكلماته، ويرى الإنسانَ بوصفه إنسانًا بمرآة الرحمة، بغضِّ النظر عن دينِ الإنسان وهويتِه الاعتقادية والقومية والثقافية والجغرافية. الرحمة صوت الله، وعنوانُ رحمانية كلِّ دين وإنسانيتِه وأخلاقيته. الدين لا يحتاج عباقرةً فقط، الدين يحتاج رحماءَ قبل أن يكونوا عباقرة.

الفيلسوفُ عندما يكتبُ مرجعيتُه العقل لا غير، الروائي عندما يكتبُ يتوغل في أعماق الطبيعة الإنسانية وتناقضاتها، ويُعلِن عن نزعات الشرّ الكامنة داخل الإنسان، ويفضحُ الصراعاتِ المختلفة في الواقع على السلطة والثروة. مَن يكتبُ في الدين عليه الكشفُ عن الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية العميقة في جوهر الدين، وذلك لا يتحقّق إلا بأن يحضرَ في كتابته القلبُ بموازاة العقل. الذكاءُ والعبقريةُ والموهبةُ الاستثنائية لا تكفي وحدها لمن يفكّر ويكتب ويتحدث في الدين. يحتاجُ المفكّرُ الديني لضميرٍ أخلاقي يقظ، والتسلحِ بنزعةٍ إنسانية في كتاباته، ترى الإنسانَ كما يراهُ الله. مَن كان ضميرُه الأخلاقي يقظًا ويكتبُ في الدين، ليس بوسعه أن يقفَ متفرّجًا وهو يرى التلاعبَ بفهم الدين، وطغيانَ القراءة المغلقة المتشدّدة للنصوص الدينية، وهي تفترسُ واقعَنا.

[1] في عام 1910 أو 1912 ولد السيد أحمد مهيني يزدي في يزد، وتوفي في طهران عام 1994.

[2] الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية، يوجد مقرها في قرية مداغ بإقليم بركان شرق المغرب في منطقة قبائل بني يزناسن. تنتسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي ظهر في القرن الخامس الهجري. أما لقب البودشيشية، فقد اكتسبه بواسطة الشيخ علي بن محمد الذي حمل لقب «سيدي علي بودشيش» لكونه كان يطعم الناس أيام المجاعة طعام الدشيشة  بزاويته. “ويكيبديا”.

 

https://alsabaah.iq/83381-.html?fbclid=IwAR0QaxzS-wuk9MizDpJr9wr7bA-KZyyzIGg8i2HJgeHBVL4f_bgjXZSrTmU

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

التديّن الذي يتأسّس على “الولاء والبراء” لا يكون سبيلُ الإنسان فيه متحدًا مع سبيل الله، ولا يمرُّ الطريقُ إلى الله فيه عبر الإنسان، ولا ينطبق على بعضٍ من أفعال الخير فيه عنوانُ “في سبيل الله”، إن كانت من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا. سبيلُ الله على وفق هذا النوع من التديّن لا يتّحد دائمًا مع سبيل الإنسان، أي لا يصدق على فعلِ الخير والعمل الصالح للإنسان أحيانًا أنه في سبيل الله إلا عندما يكون ذلك الإنسانُ متحدًا معه في المعتقد، ومعنى ذلك أن الإنسانَ بوصفه إنسانًا لا غير لا يستحقّ أن يتعامل معه كما يتعامل مع من ينتمي إلى معتقده، ولا ينطبق عنوانُ فعل الخير على ما يفعله من أجله بوصفه إنسانًا إلا في بعض المواقف الخاصة.

تتكرّر في القرآن آياتٌ عديدة تحثّ على إقراض الله، وفي هذا السياق آياتٌ تتحدث عن قضايا أخرى مماثلة يطلب فيها اللهُ أن يقدّمَ الإنسانُ له شيئًا وهو يريد بذلك أن يقدّمه الإنسانُ للإنسان، من هذه الآيات: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” ، “إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ الله”، “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”. اللهُ غنيٌ عن العالمين غير محتاج لأحد، إقراضُ الله إقراضُ الإنسان، تكريمُ الله تكريمُ الإنسان، حُبُّ الله حُبُّ الإنسان، كلُّ خيرٍ وعملٍ صالح يقدّمُه الإنسانُ للإنسان يقدّمُه لله. ليس هناك طريقٌ إلى الله خارجَ طريق رعاية الإنسان واحترامه وتكريمه. يكتب محيي الدين بن عربي: “فقلتُ له: فأين حظي من ذاتك؟ قال: في إيثارك بأقواتك؛ ألم تعلم يا بُنيّ أنّه لولا الجود ما ظهر الوجود”[1].

عندما لا يتطابق سبيلُ الله وسبيلَ الله لا تُصان حقوق الإنسان بما هو إنسان، ويمكن أن تُصادر حرياتُه في حالات متعدّدة بذريعة حماية حقوق الله، على الرغم من أن اللهَ يعفو عن الإنسان لو عصاه وفرّط بحقوقه حين يستغفر. الله يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، ولا يتنازل عن العدوانِ على أيّ إنسان، وانتهاكِ كرامته وتضييع حقوقه. ذلك حقّ ‏للإنسان، ‏له أن يتنازل عنه، وله ألا يتنازل عنه. يتحدث القرآنُ الكريم عن المغفرة والتوبة والعفو واليسر، فقد وردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها 234 مرةً في القرآن، تكرّر ذكر كلمة الجزاء 117 مرة، والمغفرة ضعف هذا العدد أي 234 مرة، وكلمةُ التوبة ومشتقاتُها 87 مرة، وكلمةُ العفو ومشتقاتُها 27 مرة، وكلمةُ اليسر 3 أضعاف كلمة العسر، فذكر اليسر 36 مرة والعسر 12 مرة. عدلُ الله يقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر لانتهاك كرامة الإنسان، ويعاقب من ضيّع حقوقَه عقابًا أليمًا، ويقتصّ ممن سرق أموالَه ويعاقب مَن أهدرَ كرامته، ويكون العقابُ على شاكلة الفعل.

في ضوء مفهومي للإنسانية الإيمانية يتّحد سبيلُ الإنسان بسبيل الله، سبيلُ الإنسان هو سبيلُ الله، ومفهومُ سبيل الله المنفصل عن سبيل الإنسان لا يوصل إلى الله. سبيلُ الإنسان وسبيلُ الله يتحقّقان معًا، وأن نفيَ سبيل الإنسان يعني نفيَ سبيل الله، كلاهما وجهان لحقيقةٍ واحدة. ذلك هو المضمونُ الإنساني للتوحيد، الذي تنعكس أجلى تعبيراته بالمحبّة والتراحم والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة. أسرع مَن يصلون في سفرهم إلى الله ويحضرون في ملكوته أولئك الذين يجعلون همَّهم الدائم إسعافَ المكروب وإدخالَ السرور على قلبه الكئيب ولو بكلمة محبة صادقة.

مأزقُ التديّن الذي يتأسس على “الولاء والبراء” يكمن في أن الضميرَ الديني يتغلّبُ فيه على الضمير الأخلاقي، وأعني بالضمير الديني ما هو غاطسٌ في البنية اللاشعوريّة، وما تفرضه عليه مقولةُ “الولاء والبراء” ومرجعياتُها الكلامية. يتساءل الضميرُ الديني دائمًا عن تكليفه لحظةَ الإقدام على فعل شيءٍ ما، أو عند ترك شيءٍ ما، يريد معرفةَ موقفه في ضوء معتقده الكلامي، كي يتحدّد موقفُه العملي. أعني بالضمير الأخلاقي ما يحكم به العقلُ الأخلاقي “العقل العملي” بشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ عنوان اعتقادي أو ديني أو هوياتي أو أيديولوجي، ففعلُ الخير على وفق منطق العقل الأخلاقي هو ما تقدّمه للإنسان المحتاج بعنوان كونه إنسانًا لا غير، من دون أيّ توصيفٍ إضافي، سواء كان هذا التوصيفُ الإضافي دينيًا أم هوياتيًا أم ثقافيًا أم عرقيًا أم جغرافيًا أم غيره.

عندما يبتني الضميرُ الديني على الأخلاق يكون هو ‏ذاته الضمير الأخلاقي، ‏وهو يختلف عن الضمير الديني الذي يبتني على مقولة “الولاء والبراء”. في سياق مقولة “الولاء والبراء” يوجدُ الضميرُ الديني عندما يوجدُ التكليفُ بمدلوله في علم الكلام القديم، وينتفي هذا الضمير عندما ينتفي التكليفُ. فعلُ الخير على وفق مفهوم “الولاء والبراء”، هو ما تقدّمه للإنسان بتوصيفه وعوانه الإضافي، وهو عنوانُ كونه من دينك أو من مذهبك، لذلك لا يجد المُعتقِد بذلك، في أكثر الحالات، حافزًا لأن يفعلَ خيرًا ويعمل صالحًا للإنسان بعنوان كونه إنسانًا، لأنه غيرُ مكلّفٍ بذلك، فينحصر فعلُ الخير والعمل الصالح في ضميره الديني بما يقدّمه للإنسان بعنوان كونه من مذهبه أو دينه، انطلاقًا مما ينغرس في ضمير المتديّن من أن مفهومَ الخير لا يصدق على أيِّ فعلٍ مالم يكن خيرًا بالمعنى المكلَّف فيه المتديّن. هذا المنطق لا يختصّ بدين خاص أو معتقد معين، هذا المنطق يفرض على كلِّ صاحبّ عقيدة دينية من أيّ دين أن يكون فعلُ الخير مختصًا بدينه، إن كان فعلُ الخير في عقيدته مشروطًا بأتباع دينه ولا ينطبق على غيرهم.كما يتسلّط هذا المنطقُ ويأسر كلَّ إنسان ينطلق في فعل الخير من عنوانٍ للإنسان مُقيَّدٍ بتوصيفٍ إضافي مهما كان، سواء كان ذلك القيدُ دينيًا أو هوياتيًا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو جغرافيًا أو حزبيًا أو غيره. خلافًا لمن ينطلقُ في فعل الخير من الضمير الذي يحكمُ به العقلُ الأخلاقي، فهو يتألمُ لآلامِ الناس بوصفه شريكًا لهم في إنسانيتهم، ويشعرُ باحتياجاتهم وآلامهم بغضّ النظر عن كونِهم شركاء في ملته أو خارجها، أو اتفاقِهم معه بأيّ توصيف آخر خارج عنوان كونهم شركاء في الإنسانية.

الضميرُ الأخلاقي يفسد إن كان مشروطًا، لأن الضميرَ الأخلاقي حرٌّ بطبيعته لا يقبل أيَّ قيد، بمعنى أن التعاملَ بصدق وأمانة وعدل حسنٌ مع كلَّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضّ النظر عن دينه ومعتقده وجنسه وثقافته، والتعاملَ بالكذب والخيانة والظلم والتمييز بين الناس قبيحٌ مع كلّ إنسان بوصفه إنسانًا. التربيةُ على “الولاء والبراء” وغيرها من المقولات الاعتقادية المماثِلة تفرض سلسلةً من الشروط لتصنيفِ البشر على مراتب، وعدمِ إنصاف الناس، والتمييزِ بينهم في المعاملة على أساس معتقداتهم، فمن تتطابق معتقداتُه معك يستحقّ أن تعامله كنفسك، في حين لا يستحقّ المختلِفُ عنك في الدين الحقوقَ التي يستحقّها الشركاءُ في معتقداتك.

لا يمكن بناءُ حياة روحية وأخلاقية أصيلة في مجتمع تتفشّى فيه ثقافةٌ يتسلط فيها التكفيرُ على الضمير الديني ويُلزِم المتديّنَ بمقاطعة المختلِف في المعتقد. لا يستطيع قلبٌ يمتلئ بكراهية الإنسان المختلِف في المعتقد، وروحٌ لا تشعر بالانتماء للعالَم، وعقلٌ ينهكه التشاؤمُ والاغترابُ والارتيابُ من الآخر، أن يؤسّس لحياة روحية وأخلاقية حقيقية، تشفق على المعذّبين، وتتضامن مع الضحايا، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وإثنياتهم، وتتصالح مع العقل وقيم الحق والخير والسلام والجمال في الحياة.  يمنع أحد رجال الدين السلفيين تداول “كل عام وأنتم بخير” حتى بين المسلمين بذريعة أنها مستعمَلة عند غير المسلم، إذ يقول: (أمَّا “كل عام وأنتم بخير”؛ هذه تحية الكُّفَّار، سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا)[2]. العقل السلفي يستفزّه التحدّثُ أيام المسرات والأعياد بأية عبارة لم تكن متداولة في مدونات الحديث، وكأن اللغة ولدت في هذه المدونات واكتفت إلى الأبد بمعجمها، ولا مشروعيةَ خارج هذه المدونات لأية كلمة عند الاحتفاء بالإنسان الذي نشترك معه في الإنسانية بالأعياد وغيرها من المناسبات السارة.

في ضوءِ ذلك نفهمُ لماذا يشحّ حضور عطاء مَن يعتقد بذلك في قائمةِ أعظمِ المتبرعين بثرواتهم من أجل الإنسانية ككل. لا نرى حضورًا لأصحاب الثروات ممن يعملون بـمقولة “الولاء والبراء” بما يتناسب مع نسبتهم من سكان الأرض، ونفهم السببَ الذي لا يجد معه رجالُ الأعمال دافعًا للعطاء من أجل إسعاد الإنسان بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن دينه،كما يفعلُ أصحابُ الضمائر الأخلاقية اليقظة، الذين ينصتون لنداء العقلِ الأخلاقي، من مالكي الثروات الهائلة في العالم، الذين لا ينظرون إلا لاحتياجات الناس الذين يستحقون الرعاية، ولا يهتمون بمعتقداتهم وهوياتهم الإثنية، فينفقون في أعمال الخير مليارات الدولارات، ولا تختصّ مشاريعُهم بصنفٍ من البشر دون غيرهم.

أخلاقُ الإنسان مرآةُ إنسانيته. خلصت من كلِّ تجارب حياتي إلى أن الإنسانَ الوحيد الذي يمكنُ أن أراهن عليه هو مَن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا غير مشروط، بغضِّ النظرِ عن دينه وهويته وقوميته وثقافته وجنسه ولونه وموطنه، وبغضِّ النظرِ عن مقامه الاجتماعي والسياسي والمالي والثقافي.

 

 ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى.  [1]

https://www.al-albany.com/audios/content/4586/%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%82%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%AA%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B1  منشورة بصوته على الرابط التالي في الأنترنيت: [2]

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

د. عبد الجبار الرفاعي

مفهوم فعل الخير والعمل الصالح اللامشروط يتنافى مع مفهوم فعل الخير والعمل الصالح في ضوء مقولة الولاء والبراء، إذ لا يصدق فعلُ الخير والعمل الصالح فيها على المختلف في المعتقد. في إطار مقولة “الولاء والبراء” لا يكون فعلُ الخير خيريًّا أو العمل الصالح صالحًا بذاته، وبوصفه فعلًا يُسعِد الإنسان المتلقي له والمبادر به، وإنما يستمدُ فعلُ الخير قيمتَه من كونه متصفًا بالخيرية بحسب المعايير والحدود المرسومة في مقولة “الولاء والبراء”، وهذه الصفة لا تتحقّقُ إلا عندما يكون ذلك الفعلُ من أجل المشتركين في العقيدة، فيكتسب قيمتَه الخيرية وصلاحه من حكم العقيدة بأنه فعلُ خير وعملٌ صالحٌ، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الحكمُ مطابقًا في كل الحالات لحكم العقل الأخلاقي “العقل العملي”، لأن أحكامَ العقل الأخلاقي لا تقبلُ التقييد بهوية اعتقادية أو سواها من الهويات القومية وغيرها. أحكامُ العقل الأخلاقي لا تقبل التقييد، فالكذبُ قبيحٌ والصدقُ حَسَنٌ مع كل الناس، والظلمُ قبيحٌ والعدل حَسَنٌ مع كل الناس، والأمانةُ حَسَنةٌ والخيانة قبيحةٌ مع كل الناس، بغض النظر عن معتقداهم الدينية وهوياتهم المجتمعية وغيرها.

عندما يشدّدُ من يتبنى “الولاء والبراء” على أن أيَّ فعلِ خيرٍ وعملٍ صالح يجب أن يكون لله، ولا يُشرك به أحدًا من الخلق، يريد بذلك أنّ كلَّ فعل لا يتصف بالخيرية إلا إن كانت تنطبق عليه المعايير والقيود والشروط المنصوص عليها في العقيدة كما يفهمها ويفسّرها هو، وهي تعني ألا يفعل فعلًا من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا، بل يفعله لمن ينتمي إلى معتقده خاصة[1]. وإن كان المقصودُ هو الإنسان في بعض الحالات فإنه مقصودٌ لسبب ما، وليس لكونه إنسانًا فقط، وهو ما تحيلُ إليه الرؤية التوحيدية السلفية الذي تتفرع عنها مقولةُ “الولاء والبراء”. لذلك لا يبادر مَنْ يعتنقون هذا المعتقدَ إلى فعل الخير للناس من دون نظر لعقيدتهم، يختص فعلُ الخير لمن يشترك معهم في المعتقد دون سواه، بمعنى أن التديّنَ الذي يبتني على هذه الرؤية يرى أن الصلةَ بالله لا تتحقّق إلا من خلال ميثاقٍ خاص للاعتقاد، وما يرسمه هذا الميثاق من حدود تفصيلية دقيقة لمعتقداتِ المتديّن وسلوكِه. الميثاقُ يتضمن مقولاتٍ اعتقاديةً تمنع فعلَ الخير لمن يعتقد بمعتقد آخر في بعض الحالات، وترسم بوصلةً ترشد لخارطة الخيرية التي حدودها أهل المعتقد، داخل هذه الحدود تكون للفعل قيمة دينية تجعله مصداقًا لعنوان كونه خيريًا وصالحًا.

إن مقولة “الولاء والبراء” وغيرَها من مقولات اعتقادية ترسم حدودًا صارمةً لفعل الخير الذي ترى أنه يُرضى الله، وهو كلُّ فعلٍ مشروعٍ بالمعنى الذي تضع حدودَه مدونة الاعتقاد، وكلُّ ما لا يرضى اللهُ عنه على وفق هذا المعنى لا يكون مصداقًا لفعل الخير. وعلى هذا لا يكون الإنسانُ الذي ينطبق عليه عنوانُ ديني أو مذهبي آخر موضوعًا لفعل الخير والعمل الصالح. ولا ينظر إليه من أجل كونه شريكًا في الإنسانية أو محتاجًا لفعل الخير، لأن مثلَ هذا الفعل ليس مطلوبًا لله من منظور أكثر متكلمي الفرق.

إن العملَ الخيري لأجل الإنسانِ بما هو إنسان ليس مصداقًا لفعل الخير لدى أتباع مَنْ يحرّم حتى المبادرةَ بتهنئة مَنْ ينتمي لدين آخر في أعياده، ويحرّم تحيتَه والسلامَ عليه. يقول ابن القيّم: “وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب… وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك”[2]، بل يحرّم بعضُهم أكلَ ذبيحة مَنْ لا يصلي، ودعوته لأية مناسبة، ويفرض مقاطعةً شاملةً عليه. فقد “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[3]، “البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[4]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته. هذا هو الصواب… إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[5]. وقد بلغ الأمر لدى ابن تيمية أقصى مدياته عندما منعَ الإفادةَ من خبرات ومعارف غير المسلم ومنعَ تقليدَه حتى في ما فيه مصلحة للمسلم، إذ يقول: “لا تقلدهم حتى في ما فيه مصلحة لنا، لأن اللهَ إما أن يعطينا في الدنيا مثله أو خيرًا منه، وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة”[6]. وهذا يعني مقاطعةَ المسلمِ للعالَم غير المسلم كلِّه، وذلك متعذر، لأن العالَم اليوم متداخلٌ ومتفاعل ومتشابك كنسيج مترابط في تواصله وتبادله وتفاعله في مختلف مجالات الحياة، وليس بوسع مجتمع يريد أن يحضر في العالَم العيش وكأنه في جزيرة يغلقها على نفسه.

تورّطت أكثرُ الأديان المعروفة بالتكفير في مرحلة من مراحل تاريخها، ولم ينفرد فيه دينٌ واحد فقط، على تباين في درجة التكفير واختلاف في أنواعه وآثاره وحدوده. التكفيرُ مأزق الأديان، التكفيرُ يُفشِّل كلَّ محاولة جادّة للحوارٍ والتعايش بين الأديان. يتنكّر أكثرُ أتباع الأديان للتكفير في أديانهم وتراثهم وتاريخهم، وينزعج كثيرون من الحديث عن التكفير لدى الفرق والمذاهب في تراثنا، وعادة ما يُتهَم مَنْ يكشف ذلك بأنه يُشهِّر بالدين والمذهب الذي ينتمي إليه. وكأنهم لا يعلمون أن التكفيرَ يتفشى في مقولات علم الكلام القديم لكل الفرق.

تحولت مقولةُ “الولاء والبراء” بوصفها رديفة للتكفير إلى سلطة تغلغلت في ضمير المسلم المعتنق لها، بنحو كان معه ومازال المسلمُ الذي يتبناها عاجزًا عن بناء ضمير أخلاقي إنساني حرّ، يسمح له ببناء علاقات إنسانية إيجابية مع أتباع الأديان الأخرى، بل كثيرًا ما عجز المسلم المعتنِق لها عن بناء علاقات ثقة مع المسلم الذي ينتمي لمذهب آخر، لأن عقيدة “الولاء والبراء” تفرض عليه أن يتخذ موقفًا عدائيًّا مع الغير، وهو ما يشدّد عليه بعضُهم بقوله: “واعلم أنه لا يستقيم للمرء إسلامٌ ولو وحّد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين”[7].

الاقتصارُ على إيراد الأقوال والفتاوى السلفية هذه لا يعني شذوذَها ولا أنها الوحيدةُ التي تشدّدُ على ذلك في تراثنا، بل لأنها مازالت مؤثّرة وفاعلة في مواقف أكثر مَنْ يعتقد بها. الواقعُ الذي يعيشه أكثرُ المسلمين غير السلفيين فرض عليهم تجاوزَ تلك المقولات والأحكام في تعاملهم مع المختلِف في المعتقد. تفرض قوةُ الواقع منطقَها لتتغلب على حجج الذين يعاندون صيرورةَ التاريخ مهما كانت. تحدّثنا صيرورةُ التاريخ عن أنَّ مَنْ يمكث في خصومةٍ حادة مع الواقع لن يلبث طويلا في مواقفه ولن يستطيع الصمودَ في مواقعه مهما فعل،كما رأينا ذلك يتكرّر في كلّ الأديان والمعتقدات والهويات والثقافات. التكفير يمزق أواصرَ العيش المشترك في المجتمع، ويزجّ المجتمع الواحد في حروب مفتوحة. فضحُ أرشيف التكفير ضرورة لاستئناف حضور قيم القرآن الكريم الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم، وتحرير ضمير المسلم من التراث التكفيري المظلم.

الهوامش:

 وردت كلمة “خير” في 109 من الآيات القرآنية، وسياق أكثر الآيات فيها يشير إلى عنوان عام لفعل الخير يشمل الكل. كما جاء “العملُ الصالح” مقترنًا بالايمان في سياق يتحدث عن عنوان عام يشمل كل فعل حَسَن يفعله المؤمن لأجل الناس جميعًا.   [1]

   أحكام أهل الذمة 1، 205.[2]

 الولاء والبراء، 1، 18، “المكتبة الشاملة”. [3]

 ابن عثيمين، فتاوى متفرقة، 13، 28، “المكتبة الشاملة”. [4]

   مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274، “المكتبة الشاملة”. [5]

   ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 172، “المكتبة الشاملة”.[6]

 إنجاح حاجة السائل، فصل في بيان حقيقة الإسلام والشرك، ج1، ص 10، “المكتبة الشاملة”.[7]