Category: الشر

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

“أكرهك”!

“أكرهك”!

د. عبد الجبار الرفاعي

“أكرهك”! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.

في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.

الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.

مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.

لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.

شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.

الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.

لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده.

 

 

أنين الأرض من استباحة مواردها

أنين الأرض من استباحة مواردها

د. عبد الجبار الرفاعي

استباح الإنسان الأرض وانتهكها حين استنزف مواردها بحماقة بلهاء، فأباد كثيرًا من غطائها الأخضر، وأرهق مواردها الوفيرة في عبث لا يعرف مسؤوليةً إنسانية ولا ضميرًا أخلاقيًا. أغراه وهمُ الاستحواذ والاستغلال والسيطرة، حتى فقد الشعور بحدود طاقته والواجب الإنساني المفروض عليه تجاه الأرض.

لم يكتف الإنسان بما تمنحه الأرض بسخائها، فتجاوز حدودها إلى النهب، إذ اقتلع غاباتها، ولوّث أنهارها بفضلات الصرف الحي، وملأ سماءها بدخان المصانع وغازاتها السامة، وأغرق محيطاتها بالنفايات. صار الإنسان يتعامل مع الأرض لا بوصفها بيتًا يحتضنه، بل مستودعًا مفتوحًا لجشعه الذي لا يعرف الحدود، وفضلاته، فاستنزف خيراتها لتلبية حاجات مصطنعة تبتكرها الرأسمالية المتوحشة، وتختلق نزعات استهلاك بلا حاجة فعلية سوى تكديس المزيد من المال. امتلأت الأسواق بسلع زائدة، وأشياء تفتعل متطلبات لا تمت بصلة إلى حاجات الحياة، فيما نضبت منابع الأرض التي كانت تنبض بالعطاء. تحول العالم إلى ورشة إنتاج لا تتوقف، تعمل بلا روح، وتستهلك كل ما في طريقها بلا تمييز بين ما يحيي وما يميت، حتى بدت الأرض كأنها تساق إلى حتفها بيد الإنسان الذي وجد ليعمرها لا ليدمرها.

لم يعد التوازن الذي كان يجمع الكائنات قائمًا، إذ اختلت دورة الحياة، وتبدلت مواقيت الفصول، وانهارت مواسم المطر، وذابت الثلوج القديمة التي كانت تحرس التوازن المناخي، وتحمي ذاكرة الكوكب. اتسعت رقعة الصحراء في الأرض، فغدت موحشة تثير فزع القلوب. تتألم الأرض في صمت موجع، وتئن كما يئن الإنسان الجريح الذي خذله أحباؤه. أنينها وإن لم يسمع وسط ضجيج البشر، يتجلى في الرياح الساخنة التي تحرق النباتات، وفي الفيضانات التي تغمر الحقول، وفي الأعاصير التي تعصف بالمدن وتبتلع العمارات والبيوت، وفي الحرائق التي تمحو الغابات. كل زلزال صرخة في وجه الجحود، وكل إعصار نداء استغاثة، وكل جفاف دمعة عيون أرهقها عقوق أبنائها، فيما تمضي الأرض شاكية وجعها إلى من لا يسمع صداها.

كل ذلك يحكي بكاء الأرض التي تشبه الأم في عطائها، تمنح الإنسان الحياة والدفء والماء والثمار، غير أنه جحود يرهقها باستنزافها الدائم وانتهاكها المتواصل. تبكي الأرض اليوم لأنها تختنق من فرط ما عانته من عبث أبنائها، ولم تعد قادرة على التنفس أو إنتاج ما يكفي من الأوكسجين لمواطنيها من الإنسان والحيوان والنبات وسائر الكائنات الحية التي تشاركها الوجود. تبكي الأرض لأن أنهارها الملوثة فقدت عذوبتها، وغاباتها تحولت إلى رماد، وبحارها صارت مقابر للكائنات التي كانت تنبض بالحياة. تبكي لأن الإنسان الذي خرج من رحمها لم يعد يسمع استغاثاتها، تبكي حين ترى أبناءها يحطمونها وهم يظنون أنهم يشيدون مجدهم على أنقاضها. أنينها العميق لا يحتاج إلى كلمات، يكفي أن يصغي إليه القلب ليشعر بحزنها الدفين.

الأرض التي كانت أمًا حنونًا تمنح الإنسان دفء العيش وطمأنينة المسكن، تحولت إلى جثة تنزف في صمت موجع، كأنها تشكو بصبر طويل قسوة أبنائها. أطعمت الإنسان من خيراتها، وسقته من عيونها، وأظلّته بسماء تحنّ عليه كقلب أمّ، غير أنه قابل عطاءها بالجحود، وأغرقها بالعنف والدمار. كانت الأرض كأمّ تغذي طفلها بالحليب، تمنحه من جسدها ما يُبقيه حيًا، غير أن هذا الطفل الذي كبُر على ثدييها راح ينهش صدرها بوحشية، يجرحها ويتركها تنزف بلا رحمة، ينسى أنّها وجوده لم يتحقق إلا بوجودها، وأنّ أنفاسه تخرج من رحمها الذي يختنق الآن بجناياته عليها. الأرض لا تطلب شيئًا، لكنها تكتب وصاياها في صمتها، وتبكي من دون صوت. الأرض رحيمة، لكنها لن تصبر إلى الأبد على من يؤذيها ويعتدي عليها وينتهكها، إنها فجأة تعاقب الإنسان عقابًا أليمًا. ينسى الإنسان أن كل ما يفعله بالأرض يفعله بنفسه، وأن كل جرح فيها جرح في روحه، فيصير نزفها نزفًا لضميره. الأرض أمّ تمنح أبناءها الحياة، لكنها ليست أمًّا ضعيفة. تصبر حين ترهقها الجنايات، لكنها لا تنسى. تختنق بصمت، فلا تصرخ، بل تغيّر وجهها لتعلن حزنها بفيض من الجفاف أو الطوفان أو الحرائق والكوارث المريعة. تُهمل، فلا تعاتب، بل تنسحب من دفئها شيئًا فشيئًا حتى يغدو الإنسان غريبًا في بيتها. تُهان، فلا تنتقم، بل تتركه يتيه في برد صنعه بيديه، يبحث عن دفء سرقه من صدرها، وينادي أمّه التي لم تعد تجيب.

 

بكاء الأرض نداء تستغيث فيه بما تبقى من إنسانية في الإنسان، لتوقظه من سكرته الاستهلاكية، وتذكره أنه جزء منها لا سيد عليها. في أنينها تختبر ضمائر البشر، وفي صمتها الموجع يقاس مقدار اغترابهم عن الرحم الذي منه ولدوا. وإن لم يصغ الإنسان إلى صرختها اليوم، فسيبكي معها غدًا حين يكتشف أنه أضاع الأم التي كانت تحمله وتحنو عليه وتمنحه الحياة، وهدم البيت الذي كان يأويه، وأغلق بيديه أبواب العطاء التي كانت تفيض عليه بلا انقطاع.

كي نفهم أسباب بكاء الأرض، يلزم أن نتأمل ما تكشفه التقارير الحديثة عن الغابات بوصفها الرئة التي تتنفس بها الكائنات الحية. تشير هذه التقارير إلى أن الغابات تغطي نحو أربعة مليارات ومئة وأربعة عشر مليون هكتار من مساحة اليابسة، أي ما يقارب ثلث سطح الكوكب. ورغم أن وتيرة إزالة الغابات تراجعت في العقد الأخير، فإن تدمير الغطاء الأخضر ما زالت تنذر بالخطر، إذ تفقد الأرض كل عام ما يقارب عشرة ملايين هكتار من غاباتها. وقد تجاوز الفقد في عام 2024 وحده ثمانية ملايين هكتار، وهو ما يزيد على المسار المطلوب لوقف الإزالة بحلول عام 2030، بنسبة تصل إلى ثلاثة وستين في المئة إذا التزمت الحكومات بتعهداتها. تسهم الغابات سنويًا في امتصاص ما يقارب ثلاثة مليارات ونصف المليار طن من ثاني أكسيد الكربون، غير أن استمرار تجريفها واحتراقها يهدد التوازن المناخي الدقيق، ويحيل الغابات من رئة للكوكب إلى مصدر لانبعاث الكربون، فتختنق الأرض بأنفاسها الثقيلة وهي تكابد نزيفها، بعد احتراقها أو تجريفها.

تكشف الدراسات أن نحو ثلث الغطاء الأخضر الذي فقده الكوكب منذ عام 2001 ناتج عن تغيّر دائم في استخدام الأرض، ما يعني أن تلك المساحات لن تستعيد غاباتها تلقائيًا. وتعد الغابات المدارية، وفي مقدمتها الأمازون، أكثر المناطق تعرضًا للتدهور، إذ ترتبط إزالة الغابات فيها بانخفاض هطول الأمطار في مواسم الجفاف بنسبة تصل إلى أربعة وسبعين في المئة، وبارتفاع درجات الحرارة بنحو ستة عشر في المئة، الأمر الذي يهدد بفقدان قدرتها على مقاومة التحولات المناخية، والوصول إلى ما يسميه العلماء نقطة اللاعودة. وسط هذه الوقائع المقلقة، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العالم قائلًا: “عصر الاحترار العالمي انتهى، لقد حلّ عصر الغليان العالمي”، مشيرًا إلى أن الكوكب لم يعد يعيش مجرد ارتفاع تدريجي في الحرارة، وإنما دخل طورًا جديدًا تتتابع فيه موجات الجفاف والفيضانات والحرائق والاضطرابات المناخية على نحو غير مسبوق. هذا الغليان لا يقتصر على المناخ وحده، إنما يتسرب إلى وعي الإنسان ذاته، فيفقد توازنه، ويعجز عن الإنصات لصوت الطبيعة، ويغدو غريبًا عن الأرض التي أنجبته وأودعت فيه سر الحياة.

مع كل حريق يلتهم غابة، وكل نهر يجف، وكل موجة حر ترهق المدن، يتسع الشرخ بين الإنسان وعالمه، وتغترب الروح عن الطبيعة، وتخمد قدرتها على الإصغاء إلى نداء الوجود. إن إزالة الغابات ليست كارثة بيئية فحسب، إنها مأساة أخلاقية تكشف هشاشة الضمير الإنساني، وتراجع الإحساس بالانتماء إلى الكائنات التي تشاركه العيش على هذا الكوكب. حين تأكل النار الغابات، يخسر مناخ الأرض الأوكسجين، وتضعف ضمانات الحياة والأمان والسلام في هذا العالم، وتغدو الطبيعة التي كانت أمًا حانية كائنًا جريحًا يختنق بصمته العميق، ويستغيث من وجعه الذي لا يسمعه إلا الخبير صاحب الضمير اليقظ.

في هذا الواقع يغدو إنقاذ الغابات مهمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون شأنًا بيئيًا، فحماية الأرض هي في جوهرها حماية للإنسان من شرور نفسه، وصون للمعنى الذي تستمر به الحياة. نحن اليوم نعيش لحظة اختبار وجودي لا يجدي فيها الندم، وإنما تقتضي استعادة الصلة الأخلاقية بالأرض، والعودة إلى الإنسانية الإيمانية، التي يتجلى فيها الإيمان بوصفه رحمةً ومحبةً ورفقًا وشفقةً ورعايةً، لا استغلالًا ولا هيمنةً ولا استنزافًا جشعًا للموارد. حين نتحرر من النظر إلى الغابات كغنيمة قابلة للنهب، ونراها كائنًا حيًا نتنفس من خلاله الأوكسجين، ونحيا على عطائه، نخطو الخطوة الأولى في طريق الخلاص من عصر الغليان الذي أشعلناه بأيدينا، ونستعيد بذلك شيئًا من توازن الأرض وسكينة الروح التي تآلفت معها منذ فجر الوعي الإنساني.Top of Form

 

تشير تقارير الأمم المتحدة الصادرة عام 2024 إلى أن الكوكب يواجه أزمة وجودية غير مسبوقة في تاريخ التنوع الحيوي. فقد أعلنت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومشاركة أكثر من مئة وثلاثين حكومة، أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهدد بالانقراض خلال العقود المقبلة، وهي نسبة تمثل ثمن الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة على الأرض. هذا الرقم الصادم يعكس تسارعًا خطيرًا في وتيرة الانقراض، إذ صار المعدل الحالي أعلى بعشرات إلى مئات المرات من المعدل الطبيعي الذي استمر طوال العشرة ملايين عام الماضية.

وذلك يشير إلى أن العالم يعيش اليوم سادس موجة انقراض جماعي منذ نشوء الحياة المعقدة على الأرض. كما تشرح بيانات الهيئة أن متوسط وفرة الأنواع الأصلية في النظم البيئية البرية والبحرية انخفض بما لا يقل عن عشرين في المئة منذ مطلع القرن العشرين، وأن مساحات واسعة من المواطن الطبيعية لهذه الأنواع، التي كانت تزخر بالتنوع والخصوبة، أُبيدت أو تدهورت. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من أربعين في المئة من البرمائيات تواجه خطر الانقراض، وأن ما يقارب ثلث الشعاب المرجانية المكونة للمرجان قد انهار أو يوشك على الانهيار، وأن أكثر من ثلث الثدييات البحرية مهدد بالاختفاء، فيما تتراجع أعداد الطيور والأسماك والحشرات في معظم القارات على نحو حاد، لتغدو الأرض أفقر في ألوانها وأصواتها ومظاهر حياتها التي كانت تزدان بها منذ فجر الخليقة.

أظهر مؤشر القائمة الحمراء للأنواع المهددة، الذي تعتمده الأمم المتحدة لقياس مستوى الخطر على الحياة البرية، تدهورًا متراكمًا تجاوز اثني عشر في المئة بين عامي 1993 و2024، ما يشير إلى أن احتمالات الانقراض تتسع عامًا بعد عام. أما الأنواع المهاجرة كالطيور وغيرها، فيكشف تقرير صدر في العام نفسه أن أربعة وأربعين في المئة منها تشهد تراجعًا واضحًا في أعدادها، وأن أكثر من اثنين وعشرين في المئة تواجه خطر الانقراض الفعلي، وهو ما يعبر عن انهيار سلاسل الحياة التي تصل بين النظم البيئية في القارات المختلفة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن معدل انقراض الأنواع اليوم يتراوح بين عشرة إلى مئة ضعف المعدل الطبيعي التاريخي، نتيجة تداخل عوامل بشرية متعددة، منها فقدان المواطن الطبيعية بسبب الزراعة والصناعة والتوسع العمراني، والصيد الجائر، والتلوث، والاحتباس الحراري، وانتشار الأنواع الغازية التي تطيح بتوازن النظم الإيكولوجية.

وهكذا انتهى انتشار الأنواع الغازية إلى تسلل كائنات حيّة إلى بيئات لم تكن موطنها الأصلي، فتستولي على موارد كائنات متوطنة لآلاف السنين، وتزيح الأنواع المحلية التي كانت تحفظ توازنها، فينهار النظام الإيكولوجي الذي استقر عبر آلاف السنين. إنها كائنات جُلبت من قارات بعيدة أو انتقلت بفعل تدخل الإنسان، فتكاثرت في غير موضعها، وبدأت تدمّر الانسجام والتناغم الطبيعي بين المخلوقات. وحين تطيح هذه الأنواع بالتوازن البيئي، تكشف عمق الخلل في علاقة الإنسان بالطبيعة، إذ يتحول التهافت على الامتلاك والاستهلاك إلى قوة عمياء تفتح أبواب الفوضى، التي تنهش جسد الكوكب الحي. إن هذا التدهور المتسارع في تنوع الحياة على الأرض ليس مجرد ظاهرة بيئية، إنه جرح كوني عميق يهدد وحدة الكائنات في الطبيعة، ويكشف مدى القسوة التي صارت تطبع صلة الإنسان بالعالم الذي وهبه الوجود.

هذا التدهور البيئي المتسارع لا يهدد الأرض وحدها، إنما يزلزل الأسس التي تقوم عليها الحياة البشرية ذاتها. فالنظم البيئية تمنح الإنسان الهواء النقي والماء والغذاء وتوازن المناخ، وأي خلل يصيبها يرتد مباشرة على استمرار بقاء الإنسان، وجودة حياته على هذا الكوكب. من أجل ذلك تنادي الأمم المتحدة منذ سنوات بتحول جذري في أنماط العيش والإنتاج والاستهلاك لوقف هذا الاستنزاف المريع، غير أن النداء يضيع في شبكات المصالح المتضادة. تؤكد التقارير الدولية أن الإصلاحات الجزئية لم تعد مجدية، وأن العالم بحاجة إلى تغيير شامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أسس جديدة من المسؤولية والرعاية. إن حماية التنوع الحيوي لم تعد شأنًا بيئيًا محدودًا، إنها قضية أخلاقية وإنسانية وروحية وجمالية تمس جوهر معنى الوجود الإنساني، وتمثل شرطًا لاستمرار الحياة، وضمانة لبقاء الأجيال القادمة للعيش الجيد في الأرض.

الأخلاق والحياة الروحية والجمالية تشكل منظومة واحدة، تعيد للإنسان وعيه العميق بوحدة الكائنات الحيّة وتناغم وجودها معًا، ومسؤوليته تجاه الأرض. حين يغيب هذا الوعي، تتحول علاقة الإنسان بالطبيعة إلى علاقة استغلال وهيمنة، ويغدو الكون مجرد مورد يستنزف بلا اكتراث، فيختل التوازن وتفقد الحياة ايقاعها المتناغم. الأخلاق الحيّة توقظ الضمير وتردع الجشع، لأنها تذكّر الإنسان بأن حماية الأرض ليست ترفًا ولا خيارًا، بل واجب وجودي يضمن بقاءه. أما الحياة الروحية فتفتح القلب على حضور الله في كل كائن، وتمنح النظر إلى الطبيعة بعدًا روحيًا يجعل رعايتها ضربًا من العبادة وشكرًا على عطائها. والجمال بدوره يصقل الإحساس بالرحمة، ويوقظ في الإنسان محبة الخلق، فيراه بعين الرحمة والعطف لا بعين التملك. حين تتحد الأخلاق والروح والجمال، يتحول الوعي الإنساني من نزعة السيطرة إلى وعي الرعاية، ويغدو الإنسان حارسًا للأرض لا جلادًا لها، فيتنفس الكوكب أنفاسه من جديد، وتستعيد الحياة معناها في ظلال الرحمة والمحبة والعيش المشترك للأحياء والكائنات معًا.

 

 

 

 

 

 

كتاب دروب المعنى

كتاب دروب المعنى[1]

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أكتب هذا الكتاب كتابة متواصلة، ولم أخطط لإصدار كتاب بهذا العنوان.كنت، كلما ولدت في ذهني فكرة، أو ألهمتني مطالعاتي، أو حاولت تقديم تفسير لظاهرة معينة، أدوّن رأيي في دفتر خاص، وبعد شيوع الهاتف الذكي، اتخذته وسيلة لتدوين هذه الأفكار. قبل استعمالي لهذا النوع من الهواتف، كانت بعض الأفكار تولد قبيل النوم، وأنا في الفراش، فأعمل لها صياغة لغوية في الذهن، وأقرر تدوينها صباحًا، غير أن ذهني يخذلني، وأنا أبحث بلا جدوى عنها، وعن أية ومضة لكلمة ترشدني إليها، مما دعاني إلى المبادرة بتدوينها قبيل النوم، وإن كنت أحيانًا، لفرط الإرهاق، لا أجد في نفسي القدرة على النهوض من الفراش والكتابة في الهاتف. هربت من ذهني أفكار وتفسيرات لظواهر، أظن كان تسجيلها مفيدًا لي وللقراء، لو تم تدوينها لحظة انبثاقها كضوء قبل أن ينطفئ. حاولت بعد عدة سنوات تنظيم ملفات لكل مجموعة، وبعد مضي عشرين عامًا تراكم لدي ما يقرب من مئة وخمسين ملفًا، يتسع كل ملف إلى مئة فقرة أو أكثر. كنت أعود إليها أحيانًا حين أتذكر، وأنا أكتب، أنني تناولت هذه القضية وكتبت عنها بإيجاز يومًا ما، عساني أقرأ ما يمكنني من العثور على مفاتيح تهديني إلى الحديث عنها. وكلما رجعت إلى هذه النصوص، رأيت فيها ما هو جدير بالنشر.

بعد تنقيح هذه النصوص وتصفيتها وغربلتها، اخترت منها مجموعة ضمها هذا الكتاب، واستشرت في نشرها بعض القراء ممن أثق بذكائهم ومواهبهم، فاتفق كل مَن اطلع عليها على ضرورة نشرها، بل حثني بعضهم على إصدارها، لأنهم رأوا أنها ستكون مقروءة أكثر من مؤلفاتي الأخرى، لكونها تتناغم مع إيقاع القراءة في عصر يكاد كثير من القراء يغادرون فيه الكتب الكبيرة، ويبحثون عن شذرات ونصوص وفقرات صغيرة، تقدم فكرة ذات صلة مباشرة بحياة الإنسان.كان بعض القراء، ممن لا أعرفهم، يستحثني على الاختزال والتكثيف في الكتابة، وتقليل عدد كلمات المقالة، حين يطالعون مقالاتي الأسبوعية التي أنشرها منذ سنوات في الصحف والمجلات. أدركت أننا نعيش مع قراء مختلفين في العصر الرقمي، الذي يفرض علينا إيقاعه المتعجل، ويلزمنا أن نواكبه بما نمتلك من طاقة واستعداد، لئلا يسحقنا قطاره إن تباطأنا أو توانينا عنه. القراء من الجيل الجديد أشد استعدادًا منا للتناغم مع إيقاع سرعة قطار الذكاء الاصطناعي المذهلة. حفزني ذلك على مراجعة هذه النصوص، وعندما طالعتها بمجموعها، قلت: لمَ لا أعمل منها كتابًا يعكس خلاصة رؤيتي للإنسان والدين والعالَم، ويتعرف فيه القارئ على دعوتي لتجديد الفكر الديني، ويقدم أفكاري في نصوص صغيرة لا تتجاوز بضع كلمات، وتكون مقالاتي فيه بمثابة “مقالة في فقرة”، مقالة تستوفي ما أريد قوله بكلمات قليلة، تحاول التخلص من فائض الألفاظ، وتبتعد ما أمكن عن المحسنات البلاغية، والتفاصيل والجزئيات، لتعرض للقارئ رأيي ورؤيتي بصورة مكثفة. وأخيرًا، اقتنعت بضرورة نشر هذا الكتاب، لمن يبحث عن خارطة طريق واضحة، تدله على المفاهيم المحورية في تفكيري الفلسفي والديني، وفهمي للإنسان والحب والدين والحياة.

كما استحثتني أكثر الطلبات التي تصلني على الدوام من طالبات وطلاب دراسات عليا يكتبون عن أعمالي، تدعوني لإنارة مصابيح تضيء لهم طريق البحث، وهم في أول دروب اكتشاف رؤيتي، والأفكار المحورية في أعمالي. خاصة أن رؤيتي وأفكاري مبثوثة في هذه النصوص، بتعبيرات وتنويعات كثيرة. حين ينشد أحد التعرف على فهمي للفلسفة وضرورة حضورها اليوم، وكيف أن الحاجة المعرفية لها تتجدد وتتعمق وتتضاعف بازدياد الأسئلة الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي، تلك الأسئلة التي عجز العلم عن الجواب عنها، كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب عنها، هذا الذكاء لا يتوقف عند تعميقها فقط، بل يجعلها تتوالد ولادات متواصلة لإنتاج أسئلة أعقد وأعمق منها، تواجه العقل والدين والقيم، ولم يطرحها العقل والعلم والمعرفة البشرية من قبل. وحين ينشد أحد التعرف على تفسيري لحاجة الإنسان إلى الحب والدين، بوصفهما من أغزر منابع المعنى لحياة الإنسان، في زمان تبددت فيه معاني الحياة، وخسر الإنسان بفقدانها السكينة والطمأنينة والأمان، وأصبح يعيش في عالم تتكدس فيه الأشياء المادية، وتتلاشى فيه معاني الحياة.

لا يلتقي القارئ في هذا الكتاب برؤى وتفسيرات غريبة عمّا ورد في مؤلفاتي، أو رؤى تتنكر لما كتبته في سلسلة مؤلفاتي عن الإنسان والحب والدين والفلسفة، وإنما يقرأ أفكاري ذاتها، بلغتي وكلماتي ذاتها، وما أضيفه هنا هو شروح ومزيد من التوضيحات لتلك الأفكار. لا حاجة للقول إني مدين لكل كتاب أحدث انعطافة في طريقة تفكيري، ودعاني للعودة إلى المفاهيم الأساسية في ذهني، وتفحصها وغربلتها وتمحيصها من جديد، واختبار عقلانيتها، وقدرتها على الصمود عند النقد العقلاني الصارم. وهذا ما يدعوني لأن أعترف بأني تلميذ لكل معلم كبير من الكتّاب الذين قرأت لهم. فقد أنفقت حياتي في القراءة، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب. حاولت أن أقرأ الكل، وأنسى الكل، كي أنتج قراءتي الخاصة للإنسان والحب والدين والعالم.

مكثت مدة أفتش عن عنوان يتناسب ومحتوى هذا الكتاب، بوصفه يتسع لسيرة كاتب، وتطور فهمه لحياته وقراءته وكتابته، وكيفية تشكّل فهمه وتفسيره للإنسان، وطبيعته المتضادة في ذاتها، واغترابه الميتافيزيقي، وظمئه الأنطولوجي، واحتياجاته العميقة للمعنى، إثر هذا الاغتراب والظمأ، مما يفرض ضرورة حضور العقل والحب والدين في حياته، ليحدث توازن بين العقل والروح والقلب، ويظل العقل مرجعية نهائية في الحكم نفيًا وإثباتًا. لم يولد العنوان إلا بعد انتخاب مجموعة عناوين، واستبعاد أخرى، والتردد، وانتقاء أحدها لأشهر، والانصراف عنه لاحقًا، واختيار غيره، وهكذا. أخيرًا، في يوم الإخراج النهائي للكتاب لدى الناشر، وقع اختياري على عنوان: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”. عنوان “دروب المعنى” يعرّف حياتي بأنها رحلة للبحث عن المعنى، والسعي للكشف عن منابع إنتاجه في الفلسفة والدين والحب. وبما أنه العنوان الأساسي للكتاب، فهو يستوعب أكثر مضامين النصوص الواردة فيه.

في عنوان هذا الكتاب فضلت استعمال مصطلح “الدروب” وفقًا لمارتن هايدغر، بدلاً من “الطرق”. في الدروب، يسير الإنسان بلا خارطة مسبقة، تتكشف له الخارطة تدريجيًا وهو يسير، وكأنه يسير في غابة بحثًا عن معنى وجوده وحياته، بخلاف الطرق التي تكون فيها الخارطة واضحة قبل السير.

يرى القارئ أن هذه النصوص تتحدث عن أسئلتي وتأملاتي واعترافاتي، وشيء من إجاباتي المقترحة عن الأسئلة، فقد كنت وما زلت أبحث في الفلسفة والدين والحب عن المعنى لوجودي كإنسان، والمعنى لوجود العالم الذي أعيش فيه، ولوجود كل شيء فيه. ويلاحظ القارئ الذي يواكب صدور مؤلفاتي هذا الخيط الناظم لما انشغل فيه عقلي من أسئلة وتفسيرات ورؤى واقتراحات لأجوبة عن أسئلة المعنى المتنوعة والمتوالدة. عنوان “دروب المعنى” يعكس ما ورد من نصوص ترسم خارطة لطريقة تفكيري الفلسفي، وكيفية تذوقي للحب، وحضوره في قلبي بوصفه أعذب معاني الحياة، وكيف صيّرني الحب مستثمرًا أبديًا فيه، بعد أن تذوقت فيه ما لم أتذوقه في سواه. من صنائع الحب في حياتي أنه أسهم بفعالية عالية في خلاصي من ارتداد الآثار الموجعة للشر الأخلاقي على حياتي، وأسهم في تهذيب أخلاقي، وتطهير سلوكي، وجعل كل إنسان في مأمن مني، مهما كان مشاكسًا، أو مختلفًا عني في آرائه ومعتقده ومواقفه وسلوكه. ومن صنائع الحب ظهور أثره في حمايتي من شرور الإنسان، وخفض أثر النزعات العدوانية له في العبث بأمني الشخصي. وصار الحب مرآة يتجلى فيها الإيمان بالله في حياتي، بما هو منبع لسكينة الروح وطمأنينة القلب، عساني أستطيع أن أصيّر حب الله دينًا، ودين الله حبًا.

وردت نصوص هذا الكتاب متنوعة، ولم تنتظم في مجموعات تترتب موضوعيًا. أظن أن هذا النوع من الكتابة الحرة يعكس رؤية جمالية في تنوع الموضوعات، بكيفية تتيح لمن يقرأ هذا الكتاب أن يقرأ أية صفحة في نهايته، أو وسطه، أو بدايته، فيتلذذ فيها بمتعة القراءة، ولا يعاني من الرتابة والملل،كما يحدث عادة في الأعمال المنتظمة منطقيًا، والمكتوبة بلغة جافة.كنت أنشد من عدم تسلسل نصوص الكتاب وانتظامها موضوعيًا أن يشعر القارئ أيضًا بتفاعل وحيوية في التنقل من نص في الحب مثلًا، إلى نص في الفلسفة، إلى نص في الدين، إلى نص يتناول موضوعًا آخر، وكأن القارئ سائح في مدينة تتنوع الأنماط المعمارية لمبانيها، أو حديقة تتنوع أشكال وألوان وعطور أزهارها. ومن أجل تيسير البحث في الكتاب، بادر الأخ عبد العاطي طلبة، مشكورًا، بوضع كشاف للموضوعات في خاتمة الكتاب، يشير إلى الأرقام المتسلسلة الواردة فيها موضوعات النصوص، حسب موقعها في الكتاب.

[1] مقدمة كتاب: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، لعبد الجبار الرفاعي، يصدر الكتاب في جزئين قريبا عن: دار خطوط وظلال في عمّان – الأردن.

 

https://alsabaah.iq/118623-.html

الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود

الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود

د. عبد الجبار الرفاعي

ليس هناك ما يُشعِر الإنسانَ بمتعة وجوده في العالَم كالحُبّ والإيمان. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحُبّ، وأجمل ما يتجلى فيه الإنسانُ الحُبّ، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان تتحقّق بالحُبّ، وأعذب طور وجودي للإنسان الحُبّ. الحُبّ ضربٌ من انكشاف الوجود وتجلي ما هو مضيء في الإنسان، واحتجاب العناصر المظلمة، واضمحلالها إلى أدنى مرتبة ممكنة. الحُبّ الأخلاقي بلا شروط ولا قيود نعمة إلهية، لا يظفر بها إلا الأخلاقيون النبلاء. كأن الإنسان يغيب في الحُبّ عن الزمان والمكان والمادة ويختفي ظلامها، وكأن الزمان يتحول إلى صفر، ‏عندما يحضر هذا النوع من الحُبّ. لا ينكشف النورُ إلا بمرآة يتجلى فيها، ‏الإنسانُ الأخلاقي يتجلى فيه نورُ الله، الأخلاق مرآة نور كائن مضيء. الحُبّ الأخلاقي ليس حالة شعورية مؤقتة أو عابرة، إنه رحلة وجودية يعيد الإنسانُ تعريفَ ذاته فيها ويوجد بطور جديد.

مادام الحُبّ رحلة وجودية، فكلّ رحلة وجودية يخوضها الإنسان لن يعود بعد خوضها لما كان هو عليه قبل ذلك.كلُّ ما هو وجودي في الحياة منبع إثراء وتكريس لكينونة الإنسان، سواء أكان من نوع مبهج أو من نوع موجع، وإن كان كل منهما يحدث أثره من جنسه وبكيفية تشاكله. الذي يعيش الحب بوصفه تجربة وجود يولد ولادة جديدة، بالحب يولد الإنسان بطور وجودي أغنى. الذي لا يحب من هو جدير بالثقة والمحبة يبذر مشاعره. الحاجة للحُبّ والإيمان من الاحتياجات الوجودية العميقة التي لن يستغني عنها وجودُ أي إنسان، وكلما ازداد عدد المحبين تزداد محبته لهم، وتشتد حاجته إلى التواصل معهم وتحذير محبتهم. يتذوق الإنسان عذوبةَ الحُبّ بوصفه رحلة وجودية يتحقّق بها، وان كان لا يستطيع التحدث عنها إلا بحدود ما تتسع له الكلمات، تضيق اللغة عن التعبير لرسم صورة واضحة للوجود. ليست هناك لغة مكتفية بذاتها، ‏اتساع أفق المعاني يخنق الكلمات.

الكائن المحب مضيء يفرض حبه على من يكون حوله. الحُبّ ضوء حيثما كان يبهج القلوب.‏ الحُبّ يطهر الروح من الظلام. مَن يستثمر في الروح يفرض حبّه حتى على القلوب القاسية. الحب الاستثنائي الأصيل يتحقق فيه الإنسان بطور وجوديّ أجمل وأثرى. يتذوق الإنسان الحب بوصفه رحلة وجودية يتحقّق بها، ولا يستطيع التحدث عنها إلا بحدود ما تتسع له الكلمات، تضيق اللغة عن التعبير لرسم صورة لما يتحقّق به الإنسان من أطوار وجودية. يحتاج كلُّ إنسان الحُبّ وربما تزداد حاجته للحُبّ لو ازداد عدد المحبين في العائلة والأصدقاء ومَن يتواصل معهم، يرى الإنسان كلما ازداد عدد المحبين ازدادت محبته لهم وتضاعفت حاجته إلى محبتهم.

في الحُبّ خاصية عجيبة يتميّز بها، وهي قدرته على إعادة إنتاج مكونات ولادته ومنابع إثرائه من داخله؛ لذلك يتجذّر الحُبّ ويصفو ويُثمر عندما تتّسع مساحةُ محبّة الإنسان لغيره، ثمرة الحُبّ هي الحُبّ لا غير.كلُّ حُبٍّ يتكرس وينمو على شاكلته، إذ يتفاعل كلّ إنسان مع الحُبّ بما يتناسب مع نمط الحُبّ ونمط شخصيته. إن إعادة إنتاج الحُبّ وإفاضته ترتبط بنمطه وكيفيته، ودرجة تفاعل الروح واستلهامها له.

مكافأة الحُبّ هي الحُبّ، ما يطلبه الحُبّ هو الحُبّ، لا يرتوي الحُبّ إلا بمزيد من الحُبّ. يتسع القلب ويضيء ويبتهج كلما اتسع فضاء الحُبّ فيه. بهذا المعنى يتجاوز الحُبّ كونه تجربة عاطفية، فيصير نافذةً لانكشاف أعمق لوجود كينونة الإنسان. الأثر الخلّاق للحُبّ يظهر بإثراء الهوية الوجودية للإنسان، وشعوره بتوكيد الذات، وكأن وجوده امتد فاستوعب مَن يحبّه. معادلة الحُبّ تؤثر وتتأثر بطرفيها وقدرتهما على البناء الرصين للصلة الوجودية. يتعذر أن تنهار صلةٌ وجودية راسخة يلهمها الحُبّ، ويحميها ضمير أخلاقي يقظ.

الحُبّ استراحةُ الروح حين تأوي إلى ما يشاكلُها من أرواح. الحُبّ ‏الأصيل راحةُ الأرواح المتعبة بوصفه أعذبَ معنى يتذوقُه الإنسانُ في حياته. مهما كان الانسانُ ‏صغيرًا أو كبيرًا يحتاج الحُبَّ والدعمَ العاطفي. دورُ العاطفة في التربية والتعليم أكبرُ من دور العقل، إذا أراد المعلّمُ التأثيرَ الفَعَّال في أذهان تلامذته ومشاعرهم عليه أن يبدأ بتحفيز عواطفهم. الخلطةُ السحرية لمعادلة التربية والتعليم تغذّيها العواطفُ قبل العقل. متى ازدادت العواطفُ ازدادَ تحفيزُ المواهب وايقاظُ الوعي وإثراءُ المهارات، الاعترافُ بمنجز التلميذ والاعجابُ بجهوده وتشجيعُه إكسيرُ التربية والتعليم. ‏التاريخُ البشري صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، بل كانت مساحة العواطف وتأثيرها أوسع.

عندما يُحبّ الإنسان عائلته ومَن يعيش ويتعامل معهم، فإنّهم ينجذبون للالتحام به، ويحفزهم على المبادرة بالعطاء؛ وتأمين المزيد من تضامنهم وتكافلهم، من دون حاجة إلى طلب أو رجاء. الحُبّ يتحكم بالإنسان، ولا يتحكم الإنسان بالحُبّ، وغالبًا ما يحدِّد الحُبّ خيارات الإنسان ويرسم مسارات حياته ويصنع مآلاته. الحُبّ حالةٌ لا تخضع خضوعًا قهريًا للعقل والإرادة، لا ينبثق الحُبّ دائمًا بطول المعاشرة، ولا بتمارين أو ارتياضات خاصة. كلُّ ذلك يمكن أن يساعد على تنمية الحُبّ وتجذيره، لكن لا يوجده إن لم ينبثق بذاته. للحُبّ طاقة تنصهر فيها عناصرُ نفسية وعاطفية وروحية قابلة للانصهار في مركب واحد، يثري الحُبُّ حياةَ الإنسان ويعزّز ثقته بنفسه، ويجعله قادرًا على خلق طموحات وأحلام جميلة تضيء آفاق غده اللامرئية.

الحاجة لإيقاظ الشعور بالأمان والمحبة والتقدير من أعمق الاحتياجات في النفس الإنسانية. المحبّةُ أقلُ بكثير من الكراهية، عواملُ صناعة الكراهية متعددةٌ ومتنوعة وكثيرة داخل النفس الإنسانية وفي المحيط الذي يعيش الإنسانُ فيه، لا تصنعُ المحبّةَ إلا الأنفسُ النبيلة. قوة الإنسان في قدرته على توليد المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية لحياته وتنميتها وتغذيتها، المحبّة والإيمان من أغزر الروافد لتوليد هذه المعاني.كما لا يستغني الإنسان عن حاجات الجسد الأساسية لاستمرار حياته، لا يستطيع أن يستغني عن المعاني الضرورية للشعور بالأمان والحماية من وحشة الوجود وهول غربته.

الحُبّ الأصيل لا ترتقي إليه إلا القلوب السليمة من الأمراض. الاستثمار في الحُبّ يجعل الحياة تتسع لقبول المختلف والعيش معه بسلام. تضيق الحياة كلما ضاقت مساحة الحُبّ في قلب الإنسان، مثلما تكتئب الحياة كلما ضاق فضاء الأمل والحلم والمتخيل في ذهن الإنسان.

الحُبّ الذي أتحدث عنه هو حُبّ صاحب الضمير الأخلاقي الصادق. هذا النوع من الحُبّ قوة لا ضعف، ثمرة حُبّ الأبوين للأبناء الرعاية والإيثار والتضحية. لا كنزَ أثمنُ في الحياة من محبّة قلب تصفو مودته. الحُبّ بلا ثقةٍ متبادلةٍ ولا شعورٍ بالأمانِ المتبادلِ زائفٌ. مَنْ كان صادقًا مع نفسه، صادقًا مع الناس، صادقًا مع ‏الله، ينبض قلبه بالمحبة والرحمة والحنان، وتتذوق الأرواحُ الصافية المحبةَ الإلهية في كلماته.

القلبُ الذي يعيشُ الحُبَّ لا تدركه الشيخوخة، حيثما يكونُ الحُبُّ يكونُ معنى الحياة. الحُبُّ يغيّر مادام متوهجًا. في الحُبّ يتجلى أجملُ ما في الإنسان، وتنبعثُ منابعُ الخير المودَعةُ في أعماقه. في التربية والتعليم الحُبُّ يغيّر، يوقظُ العقلَ، ويروي المواهبَ، ويطوّر المهاراتِ، ويفجّر الطاقاتِ الكامنة. الحُبُّ يتكفلُ حمايةَ الإنسانِ من الشر الأخلاقي، عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

 

https://alsabaah.iq/106670-.html

 

قضايا إسلامية معاصرة تناقش مشكلة الشر من جديد

 

قضايا إسلامية معاصرة تناقش مشكلة الشر من جديد

 صدور العدد الجديد 2024

عبد العاطي طلبة[1]

يصدر قريبًا في بيروت العددُ المُزْدَوَج (79-80) من مجلة قضايا إسلامية معاصرة التي كان صدورُها الأول عام 1997 ميلاديًّا؛ وهي مجلة فكرية غنية عن التعريف، تُعْنَى بتجديد الفكر الديني وفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، ونشر دراسات وترجمات ومقالات فلسفية ذات رؤىً منفتحة وإنسانيَّة؛ يُشرِف على إصداها مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، ويرأس تحريرَها المفكرُ العراقيّ د. عبد الجبار الرفاعي.

لا يَزالُ محور العدد الجديد مناقشًا قضيةً ومشكلةً فكريةً شغلتْ العقلَ الإنسانيَّ المؤمن وغير المؤمن على السواء، أعني مشكلة الشر التي استعملها غير المؤمنين من أجل نقض عُرَى الإيمان، وإيقاع الشك في قلوب المؤمنين، لذا كان لزامًا على العقل المؤمن الوصول إلى محاولةٍ لتسويغ العدالة الإلهية في العالَم؛ وهو ما اصطُلِح على تسميته بـالثيوديسيا؛ الأمر الذي اضطلعت للقيام به عقول انتمت إلى أديان وفلسفات ضمن سياقات وأفكار متخالفة ومتكاثرة في الزمان طولًا وعرضًا. وبذلك تكون المجلةُ قد أَوْلَتْ مسألةَ الشرّ عنايتها في أربعة أعداد مزدوجةٍ في أربع سنين متتابعة (73-74، 75-76، 77-78)، ليأتي العددُ الجديد (79-80) الواقع في 477 صفحةً ختامًا لهذا التناوُل الحثيث والجادّ لهذه المشكلة.

يحتوي العددُ على مجموعة من الدراسات، والترجمات، والمقالات بلغ عددُها 15 موضوعًا بدون الافتتاحية؛ تتناول سبعة منها موضوعَ محور العدد (مشكلة الشر)، كما تتناول الثمانية الباقية مواضيعَ أخرى خارجة عنه؛ وإليك بيان ذلك:

افتتاحية العدد

يأتي مُفْتَتَحُ العدد بعنوان: “الهوامل والشوامل في إيقاظِ العقلِ الخاملِ بالتَّساؤُل“، يحاول فيه كاتبه وهو د. علي المدن مناقشة مشروع د. عبد الجبار الرفاعي حول فلسفة الدين، ولعلّ هذه المقالة تُعَدّ إحدى المداخل إلى فهم مشروعه الفكري في توسُّلها فكرة التوحيدي في الهوامل (الأسئلة)، والشوامل (الأجوبة) كما ظهرت على مدار كتبِ ودراسات وحوارات المفكر العراقي. يقول علي المدن: (يحقّ لنا التساؤلُ حول أسئلة الرفاعي نفسها: إلى أي حد يمكن اعتبارُها “مدخلَه الخاصَّ” للوصول إلى “الممنوع من التفكير فيه“؟ “الممنوع” الذي كان الرفاعي، ومِن خلفه الجيل الذي ينتمي إليه، يعيش فيه ويتحرك في دائرتِه؟ وهل كانت أسئلتُه “فاضحةً” للأخطاء؟ وما هي طبيعة تلك الأخطاء ومجالها؟)[2].

وبعد الافتتاحية، تنقسم مقالات ودراسات وترجمات العدد إلى قسمين:

1)     قسم يتناول محور العدد (مشكلة الشر)، وهو قسم مُخَصَّص لملفِّ العدد ومحوره، وقد جاء على النحو التالي:

  • “الشر والمعاناة الإنسانية في الفكر الإسلامي: نحو نظرية عرفانية للعدالة الإلهية“: وهي دراسة عرفانية مترجمة لـد. نسرين روضاتي Nasrin Rouzati، قام عبد العاطي طلبة بترجمتها. وفي هذه الدراسة تُلقي نسرين روضاتي الضوءَ على معالجة مشكلة الشر والمعاناة الإنسانية من وجهة نظر إسلامية، أملًا في الوصول إلى نظرية عرفانية تُعنَى بالعدالة الإلهية. تقول: (لا يَتصور الوحيُ الإسلاميُّ مفهومَ الشر والمعاناة الإنسانية على أنه “مشكلة” ينبغي التوصل فيها إلى حلّ، ولكنه بدلًا من ذلك، ينظر إليها على أنها جزء من التجربة الإنسانية)[3].
  • “معضلة الشرّ في اللاهوت والفلسفة الوسيطَيْنِ”: وهي دراسة تأصيليَّة قدمها د. محمد بوهلال يحاول فيها بحث مشكلة الشر من خلال النظر في معالجاتها ضمن اللاهوت والفلسفة في العصور الوسيطة، وهو لهذا يتناول المشكلة في ضوء تناوُل لاهوتيين وفلاسفة مسلمين ومسيحيين. يقول: “نسعى في هذا المقال إلى التعرّف على الأطروحات الفلسفيّة والكلاميّة الإسلاميّة في الموضوع، مركّزين على آراء أبي علي الحسين بن سينا، وقاضي القضاة المعتزلي عبد الجبّار بن أحمد، وأبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وحجّة الإسلام أبي حامد الغزالي، وعلى الأطروحات الفلسفيّة واللاهوتيّة المسيحيّة، مركّزين على القدّيس أوغسطين، والقدّيس توما الأكويني، دون حصر الاهتمام في هؤلاء. وقد رتّبنا كلامنا في معضلة الشرّ على أربعة محاور: تطرّقنا في أوّلها إلى مشكلة مفهوم الشرّ؛ وفي ثانيها إلى مشكلة فاعل الشرّ؛ وفي ثالثها إلى صلة الشرّ بالصفات الإلهيّة؛ وفي رابعها إلى صلة الشرّ بنظام العالَم”[4].
  • “مشكلة الشر في اللاهوت الإصلاحي: جون كالڤِن وكارل بارت نموذجًا“: وهي دراسة مترجمة عن الفيلسوف البريطاني جون هيك John Hick، ومُسْتَلَّة من كتاب “الشر وإله المحبة Evil and the God of Love”، الذي قام مركز دراسات فلسفة الدين بشراء حقوق ترجمته، ولعله يصدر نهاية هذا العام من ترجمة: عبد العاطي طلبة. في هذا المقال يتناول هيك المشكلة في ضوء اللاهوت الإصلاحي من خلال مصلحَين كبيرَين هما: جون كالفن John Calvin، وكارل بارت Karl Barth، ويقوم “بتتبع الثيوديسيا الخاصة بهما من خلال عمليهما الأساسيَّين (أُسُسُ الدين المسيحي، ويقينيات الكنيسة)؛ ليس باعتبارهما مُمَثِّلَيْنِ للاتجاه والتقليد الأوغسطيني في الثيوديسيا فحسب، بل وباعتبارهما مُطَوِّرَين له، ومن أكابر الممثلين لعصور الإصلاح في تخالُف أماكنه، وتعاقُب حوادثِه”[5].
  • “تأويلية الشر وتمظهراته في المملكة الإنسانية عند ملا صدرا الشيرازي“: وهي دراسة تبحث المشكلة لدى فيلسوف من أعاظم فلاسفة المسلمين المشهور بملا صدرا، قدمها د. غفران حسايني. يقول: “إن خطورة الأسئلة المترتبة عن طرح قضية وجود الشر في فلسفة الدين تجعل الطريقَ إلى حلِّها متوعرة لدى غالب الباحثين وحتى علماء الكلام واللاهوت، فالإيمان بوجود إله مطلق القدرة والخير مع الإقرار بوجود الشر في آن واحد يصعب الجمع بينهما، وقد اعتبر الفيلسوفُ صدرُ الدين الشيرازي المعروف بصدر المتألهين أو الملا صدرا صاحب مدرسة الحكمة المتعالية، أن قضية الشر من أكثر الإشكاليات غموضًا، يصعب تفسيرُها من عامة الناس، بل إن ما يترتب عنها من أسئلة واستتباعات، لا يصل إلى حلها مجردُ المشتغلين بالعلوم أو الموسومين بالعلماء، بل تحتاج لحل عقدتها الرسوخ في العلم والاتِّصاف بالكمال وهو اقتفاء مسلك الراسخين، والنظر بعيون صحيحة منوّرة بنور الله في آياته”[6].
  • “الشر بين الطبيعة والثقافة: مقاربة تركيبية“: وهي دراسة تركيبية قدمها الكاتب المغربي حسن العلوي؛ تحاول الوقوف على معنى الشر كقيمة وبنية في سياق الطبيعة والمجتمع والوعي الإنساني. يقول: (يشترك الإنسان مع الحيوان في الإحساس بالألم، إذ يتألم الحيوانُ عندما يصاب بالأذى فيعبّر عنه بالصراخ، لكننا لا ندري إن كان يسمي ذلك “شرًّا” أم لا، غير أن الأكيد، في هذا السياق، أن الحيوان المتألم وهو يصرخ بصوت غفل لا يخاطب بما يتخاطب به الإنسان، أي باللغة التي بها يسمي ما يحس به “ألمًا”، وما يقع له “شرًا”. لكن هل الإحساس بالألم والقدرة على تسميته هما ما يحدّد مُسمَّى “الشر” و”الخير”؟ لا شك أن تألم الحيوان وصراخه من الأذى يدل على أن دماغه، هو الآخر، يقرأ شفرة الألم-الأذى، مما يعني أنه يتمتع بدرجة ما من الوعي، لكن الفرق بينه وبين الكائن البشري يتجلى في أنه لا يُسمِّي، كما يفعل الإنسان، فيكون الفرق حينئذ فرقًا في الدرجة وليس في النوع، وهنا يطرح السؤال عن الوضع الذي سيكون عليه الإنسان لو لم يتمتع بالقدرة على التسمية؟)[7].
  • “مشكلة الشر بين الواحدية والثنائية“: وهي دراسة مترجمة هي الأخرى عن الفيلسوف البريطاني جون هيك John Hick، ومُسْتَلَّة من كتاب “الشر وإله المحبة Evil and the God of Love”، الذي قام مركز دراسات فلسفة الدين بشراء حقوق ترجمته، ولعله يصدر نهاية هذا العام. وفيه يقوم جون هيك بتعريف الشر، وبحث مسألة جواز القول بثيوديسيا، والحديث عن أنواع الشر، ومن ثم يتناول المشكلة ضمن الفلسفات الواحدية لدى سبينوزا، و ماري بيكر إيدي Mary Baker Eddy، وضمن الفلسفات الثنائية لدى أفلاطون، وجون ستيوارت مِل John Stuart Mill، وإيدجار شيفلد برايتمان Edgar Sheffield Brightman. يقول: “يُعنى بالواحدية وجهةُ النظر الفلسفية التي تقول بأن الكون كلَّه يُشكِّل وَحدة مطلقة تتناغم أجزاؤُها؛ ما يجعلها تطرح الشرَّ في نظرتها إلى الثيوديسيا على أنه شرّ في ظاهره ليس إلا، بل ومن الممكن إدراكُه خيرًا إذا ما تمكنّا من رؤيته في سياقه الكونيّ الكامل… ومن ناحية أخرى، ترفض الثنائيةُ -باعتبارها ثيوديسيا- الزعمَ بالتناغم المطلق، بل وتصرّ على تعارُض الخير والشر تعارضًا كليًّا لا يمكن معه التوفيق بينهما، كما يستحيل فضّ هذه التثنية إلا من طريق اجتياح أحدهما الآخرَ”[8].
  • “نقد دليل العناية في فلسفة سبينوزا“: وهي دراسة نقدية قدمها د. رشيد بن السيد؛ تعرض دليل العناية باعتباره أحد الأدلة المعتمَدة لإثبات وجود الله، وما قدمه سبينوزا من نقد مُتَهكِّم شديد للقول بالعناية واعتبار الإنسان مركزًا للكون. يقول: “إن هذا النقد الصارم يستهدف القضاء على فكرة تنمّ عن سذاجة وكسل فكري لدى بعض العوام؛ هذه السذاجة تُعطِي للإنسان طبيعة إلهية لا يستحقها… وفي نفس الصدد يحذر سبينوزا من هذه الفكرة العامة المتداولة عن عناية إلهية خاصة تحيط بالإنسان وتحميه من كل الآفات”[9].
  • أما القسم الثاني فيتناول موضوعات خارج محور العدد، وهي كالتالي:
  • “تحولات الظاهرة التوحيدية في العصر الحديث“: وهي ورقة لـد. عبد المجيد الشرفي يتتبع فيها تحولات الظاهرة التوحيدية في عصرنا الحالي بين اليهودية والمسيحية والإسلام، وخضوع التوحيدية كظاهرةٍ دينية في التاريخ دائم التحول والاستمرار إلى ظروفها التي نشأت من خلالها. يقول: “ومتى رُمنا تتبّع التحوّلات التي طرأت على الظاهرة التوحيدية في العصر الحديث تعيَّن علينا التذكير بصفة سريعة بالوضع الذي كانت عليه هذه الظاهرة في كل ديانة من الديانات التوحيدية الثلاث في ماضيها البعيد والقريب. وإنّ الإقرار بأنّ للتوحيد في حدّ ذاته تاريخًا موضوع مثير للضمير الديني لدى أتباع تلك الديانات”[10].
  • “أيّ دولة إسلاميّة في مشروع وائل حلاّق: دولة التّاريخ أم دولة الرّسالة؟“: وهي دراسة نقدية موجزة قدمها د. رياض الميلادي، مناقشًا فيها مشروع وائل الحلاق، ناظرًا في مرجعياته الفكرية، ومصادر تفكيره، من أجل تبيُّن حدود مشروعه المتعلق بعلاقة الدين بالدولة في نظام الحكم الإسلامي على مر التاريخ وحتى وقتنا الراهن. يقول: “ومدار اهتمامنا في هذا البحث على مشروع وائل حلاّق من خلال قراءته لأزمة الدّولة الحديثة ومأزق الحداثة الغربيّة حسب عبارته التي جعلها مضافة إلى عنوان كتابه الدّولة المستحيلة ولكنّ أهمّية هذا البحث، في ما نقدّر، تكمن في أنّنا لن نكتفي بالنّظر في كتابه هذا وإنّما سنقرأ مشروعه برمّته وسنعود إلى أهمّ ما كتبه حلاّق منذ ثمانينات القرن الماضي في قضايا التّشريع الإسلاميّ إذ دون ذلك تبقى محاولاتُ فهم مشروعه منقوصةً بل قاصرة عن إدراك ما سعى الباحث إلى تأسيسه”[11].
  • “من الوجوب إلى الإمكان: مقال في أنطولوجيا البديهة الأولى“: وهو مقال متفلسف يحاول فيه د. منذر چلوب فهمَ الوعي بوصفه كينونة أنطولوجية جامعة الضمير أو الأنا التي يفهمها على أنها الكيان الوحيد الذي من الممكن فهمه على أنه واجب الوجود. يعالج د. منذر مفاهيم الوعي، والأنا، وما يتصل بهما من خلال مفهوم الواجب والممكن وجودًا في سياق الفلسفة على شتَّى نَزَعاتِها، ولدى النظريات العلمية المتعلقة بالإنسان. يقول: “ويتم الوصول إلى حقيقة الوجود وكونه موجودًا بواسطة حقيقة أنا موجود فقط. فالأنا التي نصل إليها بوصفها نقطة توجد هنا والآن فاصلة بين الماضي والمستقبل من حيث الزمان، ومن حيث المكان هي حضور مركز في نقطة مكانية… فتكون الأنا هي الوجود برمته؛ عابرة كل زمان وكل مكان”[12].
  • “الحجاج في الدرس الكلامي: رؤية لتجديد علم الكلام في ضوء المقاربة التداولية“: وهو بحث مُطَوَّل يحاول فيه د. رمزي تفيفحة تتبُّع التاريخ اللغوي وتلمُّس الأفكار اللغوية التي كان لها شأن في القول الكلامي أو الفلسفي، فهو يناقش الكيفية التي كانت بها اللغةُ مُنتِجَةً للقول الكلامي على مرّ العصور الإسلامية، ولدى كثيرين. يقول: (ولئن اعتبرت الكلمةُ أسَّ الحضارة اليونانية وعنوان تطوّرها وازدهارها، فإنّها مثلتْ أهم عنصر في البنية الثقافية للمجتمع العربي، فقد شكّل الشعر في العصر الجاهلي الأداة التي بها صوّر العرب أنماط عيشهم، وعبّروا بها عن انفعالاتهم، فرسموا به كل مشاهد الحياة في حلّهم وترحالهم، ومديحهم وهجائهم، وأفراحهم وأحزانهم، وسِلْمهم وحروبهم، حتى أضحى الشعر عند العرب في الجاهلية “ديوان علومهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون”)[13].
  • “الله واللغة“: وهي دراسة مُطَوَّلة من تأليف د. أمير زماني، ومن ترجمة: حسن الهاشمي؛ يناقش فيه كاتبُه فكرةً تعاكس البحثَ سابق الذكر، فلئن كان البحثُ السابق يناقش كيف أن اللغة منتجة للقول الكلامي، فهذا البحث يناقش إمكان أن تكون اللغةُ قادرةً على التعبير عن الإلهي؛ من خلال فلاسفة ومفكرين عديدين؛ كأفلوطين، وموسى بن ميمون، وتوما الأكويني، وملا صدرا. يقول: “إن المسألة الرئيسة في هذا البحث هي: هل يمكن لنا أن نتحدّث بلغتنا العادية عن ذات الله وصفاته الذاتية وأفعاله؟ بعبارة أخرى: هل يمكن للغة العادية والطبيعيَّة أن تُعرب وتحكي عن الله وصفاته وأفعاله؟ أو أن هذه المرتبة من الوجود بحاجة إلى لغةٍ أخرى تناسبها؟”[14].
  • “الوحي والقول الثقيل: في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي“: قدم هذه الورقة د. ضياء خضير، مناقشًا فيها فكرة الوحي بوصفها قولًا ثقيلًا كما ورد في القرآن؛ وكيف فهم علمُ الكلام مسألة الوحي قديمًا، ولهذا فهو يقدِّم آراء المتكلمين والمفكرين والمتصوفة حول هذا الموضوع في سياق مناقشته مفهوم الكلام الجديد لدى د. عبد الجبار الرفاعي الذي له قول في الوحي، ونقد على غيره فيه. يقول: “يشير في أكثر من موضع من كتابه عن علم الكلام الجديد إلى الكيفية التي لا يصحّ فيها تطبيقُ مناهج البحث العلمي في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية، وما هو خارج عن الطبيعة مثل الوحي بوصفه حقيقة غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصح تطبيق مناهج وأدوات علم النفس وغيره من العلوم في الكشف عن ذات الغيب وتحليل مضمونه ومعرفة حقيقته”[15].
  • “مشروع علم الكلام الجديد للرفاعي: مراجعة نقدية“: وهي ورقة نقديَّة، يتناول فيه د. يوسف بن عدي مشروع د. عبد الجبار الرفاعي في محاولات تجديده علم الكلام وتحديثه بالنقد. يقول: “فلما كانت هويّةُ الكلام الجديد عند الرفاعي هي ممارسة النقد على العوائق التي كانتْ السبب الرئيس في التأخير التاريخي للحضارة العربيّة، وتقديم بمعيّة ذلك الحلول الناجعةِ والمقتدرة على بناء مستقبل المعرفة والسلطة… تحوّل [هذا النقد] إلى نقد يفقد قوته وديناميته، وفاعلته المطلوبة؛ مما جعل بعض نُقَّاده يتهمونه بأنّ هوية الكلام الجديد مبعثرة، وذات نزعة تجزيئية. والحال أنّ نقد الكلام القديم يفترضُ نقدًا فلسفيًّا ومنهجيًّا تحت شروط وضع الموضوع على مسافة من الذات، ووضع الذات على مسافة من الموضوع”[16].
  • “الهُوية والعالمية: مساهمة أنطولوجية في فهم آناركية نماذج الوجود العالمية السائدة“: قدم هذه الدراسة د. محمد حسين الرفاعي؛ يحاول فيها معالجة الإنسان الجديد وفهمه من خلال سياقات هُويَّته الخاصة ووجوده العالمي، وقلقه السايبراني. يقول: “إن الإنسان على الأرجح، ومن جهة ما اختُص به، يتوفر على نزعة نحو معرفة ذاته من خلال الهوية، لكن ليس هذا فحسب، بل إنه يتوفر على ضروب إمكان إعادة تعيين الهوية بما يتعلق بتوسط الوعي؛ وعي الذات بوصفه قابلية عقلية، أو وظيفة العقل الحديث”[17].

نختم هذا المقال التعريفي بالعدد ومحتوياته بما أورده ستيفن تي. ديفيس تعبيرًا عن صعوبة المشكلة وفداحة الشر في العالم؛ يقول: “الحياة شاقَّة! يقاسي النَّاسُ فيها اختبارَ الآلام، والمعاناة، والفقدان، والندم مشاركةً. لا شكّ تعودهم بين الفينة والأخرى أحايينُ من الاطمئنان، والفَرح، وربما فرط السعادة، لكنّنا لا نكادُ نهنأ في الغالب، إذ نتقلَّب بين الكثير من التّعاسة، والسُّخْط، والأَسَى، بل ونكابد أيضًا أنواعًا من الشرور التي يرتكبُها آخرون حِيالنا؛ كممارسات الغش والاحتيال، والسرقة وربما القتل! ولا نسلم كذلك من أنْ تصيبنا عذاباتٌ مختلفة يفيض بها العالَمُ الطبيعي كلَّ وقتٍ؛ كالأوبئة، والزلال، والسّيول، والأعاصير، وأمواج تسونامي، وما ينتظرنا من موت وهلاك محتوم. إنّ جانبًا جسيمًا من الحالة الإنسانيّة يُمثِّله عمومُ الشر في العالَم المُعاش الذي تعتريه مشقةٌ غامرة، وآلام قاسية، وفقر مُدْقِع، وأعمال عنف عبثيّة، وتحوّلات مشؤومة للقدر”[18].

 

 

 

[1] عبدالعاطي طلبة محرر ومترجم مصري في مركز دراسات فلسفة الدين ومجلة قضايا إسلامية معاصرة منذ عدة سنوات. تخرج في الأزهر، وتخصص في الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وعمل خطيبا للجمعة سنوات عديدة.

[2] ص 9.

[3] ص 40.

[4] ص 48.

[5] ص 94.

[6] ص 123.

[7] ص 148-149.

[8] ص 179.

[9]  ص 206.

[10] ص 221.

[11] ص 241.

[12] ص 265.

[13] ص 316.

[14] ص 353.

[15] ص 427.

[16] ص 457-458.

[17] ص 462.

[18] تي. ديفيز، ستيفن، مشكلة الشر في ضوء الحياة الآخرة، ترجمة: عبد العاطي طلبة، مجلة: قضايا إسلامية معاصرة، العددان: 77-78 (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، 2022)، ص 134.

 

https://al-aalem.com/%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%85%d9%86-%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d8%a9-%d9%8a%d9%86%d8%a7/

 

الكراهية ليست طارئة

الكراهية ليست طارئة

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ “أكرهك”! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثالَ هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. طالما أتت الرسائلُ من حسابات شبحية، يعمل المرسلُ حضرًا بعد إرسال هذا الكلام الجارح، لئلا أتعرّف عليه. في الحياة من الشرّ أكثر من الخير، ومن الكراهية أكثر من المحبّة. علّمتني جروحُ الحياة أن الإنسانَ يحتاج الكراهيةَ كما يحتاج المحبّة، وربما يحتاج الكراهيةَ أشدّ من المحبّة أحيانًا. الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، هناك حاجةٌ دفينة للكراهية في النفس كحاجتها للمحبة.

‏مَن يريدُ أن يعرفَ شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشرّ في الأرض عليه أن يراجعَ أرشيفاتِ الاسترقاق للأفراد والمجتمعات في الماضي والحاضر، ويقرأ تاريخَ الاستبداد والاستعباد الذي مارسه ومازال يمارسه الحكّامُ الطغاة، وانتهاكَهم لكرامة الإنسان وترويعَه في السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة، وينظر في جرائم الاستعمار والاحتلال الشنيعة أمس واليوم لمختلف بلدان العالم، ويرى المجازرَ في غزة والأرض المحتلة.

شخصيةُ الإنسان مركبةٌ مكوّنة من طبقات. الإنسان كائنٌ لا يمكن اختزالُ دوافع سلوكه بعاملٍ واحد. رأيتُ شيئًا من تعقيد شخصية الإنسان في مواقفِ الصعاليك وغرابةِ سلوكهم، إذ كنتُ ألتقط الصعاليكَ في مرحلة الشباب من حياتي وأتحمل تطفلَهم وعبثَهم وفوضويتَهم، وأتولى تأمينَ احتياجاتهم المتنوعة والمتواصلة، لم يبادر أحدٌ منهم بالشكر، كانوا يشعرون بأن ما أقدّمه لهم حقُّهم عليّ وعلى غيري، لذلك لا يتطلب منهم الإعرابَ عن الامتنان والتقدير.كنتُ أندهش مما يمتلكون من تهورٍ ووقاحةٍ في التعبير عن كثيرٍ من التناقضات المكبوتة لدى الإنسان. حاولتُ الابتعادَ عنهم منذ ثلاثين عامًا، لحظة صرتُ لا أطيق مَن يعشق دورَ الضحية في الحياة، والصعلوك أبرع مَن يمثّل هذا الدور، ويتفنّن في إخراجه بأساليب ذكية ووسائل مختلفة.

السلطةُ والشغفُ بالتسلّط والتملّك من أعمق الدوافع العدوانية للإنسان، حتى الصعلوكُ ينشدُ بمواقفه وسلوكه التسلّطَ عليك وتطويعَك لخدمته مجانًا، فيستعمل بمهارةٍ فائقة وبطريقته الخاصة كلماتِه، وتعبيراتِ وجهه ولغةَ جسده، ولباسَه، وبؤسَ مأواه، وغير ذلك؛ لتنقاد إليه وتلبي رغباتِه وطلباتَه بحماس، وتصبر على مواقفه الغرائبية مهما تمادتْ في خروجها على الذوق العام والأعراف والتقاليد والقيم والأخلاق. أكثرُ الكراهيات تنشأ من الشغفِ بالتسلّط على الغير وإخضاعِه، والاستئثار بالمال والثروة والسلطة، وهو سلوكٌ يمارسه الإنسانُ بحدود الفضاء الذي يعيشُ فيه ويمارسُ حضورَه وتأثيره. الأبُ يمارسه في العائلة الأبوية، والأمُ تمارسه في العائلة عندما يضعف دورُ الأب أو يختفي بالموت وغيره، المعلّمُ يمارسه مع تلامذته، الرئيسُ في المؤسسات الإدارية ومؤسسات السلطة، حتى الشرطيُ يمارسه في حدود ما تسمح له سلطُته.كلُّ إنسان يفعلُ ذلك بحدود طاقته، وحسبما هو متاح له من وسائل تمكّنه من ذلك، وحين يعجزُ الغيرُ عن المقاومة والدفاع عن النفس. ليس بالضرورة أن يلجأ الإنسانُ المتسلّط لتوظيف وسائل عنيفة أو مثيرة أو مباشرة بغية بلوغ هدفه، المتسلّطُ يستثمرُ القيمَ السائدة في العائلة والقبيلة والمجتمع،كما يستثمرُ العلاقاتِ المختلفة ويوجّهها في سياقٍ يكرّس سلطتَه، ويعملُ على استعمال اللغة وتغذيتها باستمرار بدلالاتٍ تنتج التسلّطَ وتمهّد للاستعباد.

الإنسان غير الروبوت، ليس هناك قواعد ميكانيكية أو معادلات رياضية صارمة تتحكم بالإنسان، الإنسان الذي يكون كالروبوت في كلِّ أقواله وسلوكه ومواقفه ليس طبيعيًا. ‏التناقض في الآراء والمواقف حالةٌ بشرية لا يكاد يسلم منها كليًا إنسان. ‏التناقض البغيض هو أن يقول الإنسان الشيءَ ونفيَه في موضوعٍ واحد ووقتٍ واحد. ‏هذا التناقض ينتجه أحيانا الإشفاقُ والمداراةُ والرفقُ بالآخرين، وأحيانا ينتجه الخوفُ من إعلان المواقف الصريحة، وأحيانا تنتجه مصالحُ عاجلة، وأحيانا عقدٌ نفسية كامنة في اللاشعور منذ الطفولة، وربما يعود ‏التناقضُ إلى النفاق، أو اضطراباتِ الشخصية والمرضِ النفسي.

الإنسانُ أعقدُ من قدرتنا على فهم كلِّ شيءٍ في أعماقه. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاتِه[1]، وتقلّبِ حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد باستمرار، مالم يفلح  بالتغلّب عليها بمزيدٍ من تكريسِ الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي والجمالي الذي يسمو به في مراتب الكمال.

أحلامُ الإنسان لا تكفُّ عن فرض رغباتٍ وأعباء تفوق طاقتَه، الرغباتُ والأحلام تثير الآخرين وتستفزّهم، لشعورهم بأن صاحبَها يصطاد فرصَهم في الحياة، ويستحوذ على مواقعهم، وذلك ما يصيّر الحياةَ حلبةَ صراع، تراها كأنها سلسلةُ حلولٍ لمشكلات، تبدأ منذ وقتٍ مبكر من عمر الإنسان ولا تقف إلا بالموت. الإنسانُ الحكيم يستطيعُ تفهمَ هذه الحالة وإدارتَها بذكاء. إنه يدرك أن الجمعَ بين الأضداد متعذّر، كما يدرك إمكانيةَ تفسير ذلك التضادّ ومعالجته، بوصفه حالةً ليست طارئةً أو استثنائية. يمكّنه هذا التفسيرُ من العمل بالتدريج، على خفضِ ما يرهقه ويستنزف حياتَه من صراع الأضداد في باطنه، بإيقاظِ صوتِ الله في روحه، والمحبةِ في قلبه، وتغذيتهما وتكريسهما ليصيرا مكونًا ثابتًا لكينونته الوجودية.

الإنسانُ كائنٌ غامضٌ جدًا في الوقت الذي يظهر لنا واضحًا جدًا، ما يجري من قوانين في الطبيعة تنطبق أكثرُها على جسده، لكن لا ينطبق كثيرٌ منها على نفسه وعواطفه وروحه وقلبه وعقله. تظل الطبيعةُ الإنسانية عصيةً على فهم كلّ طبقاتها بشكل واضح، حتى على الخبراء المتخصصين. لا يمكن أن ينتهي علمُ النفس إلى مواقف نهائية حاسمة في الكشف عن كلّ أسرار النفس الإنسانية، وذلك ما يؤشر إليه الاختلافُ الواسع الذي يصل حدَّ التهافت في بعض الحالات في مدارسِ علم النفس المتعدّدة، ومواقفِها المتنوعة في تفسيرِ سلوك الإنسان واكتشافِ الدوافع الخفية لمواقفه في مختلف أحواله. لم يجد علمُ النفس إجاباتٍ نهائية للأمراض والاضطرابات النفسية، إلا أنه كأيّ علمٍ ما يزال يواصل تنقيباتِه، ليكتشف المزيدَ مما هو مختبئٌ في النفس، ويعمل باستمرارٍ على نقد نظرياته وتمحيص آراء العلماء والمختصين ويغربلها ويعلن أخطاءَها ويرمّم ثغراتِها، ويواصل بجدية أبحاثَه ونتائجَه الجديدة[2]. المواقف المتضادّة لدى إنسانٍ واحد، في أزمنةٍ متوالية وحتى في يومٍ واحد، ليست غريبةً على طبيعة الإنسان. الإنسانُ الذي يمتلك عقلًا يقظًا مسكونًا بالتفكير العميق والأسئلة الوجودية الكبرى، يمكن أن يمتلك قلبًا متقدًا. الإنسانُ كائنٌ لا يشبه إلا ذاتَه. الإنسانُ كائنٌ شديد الغموض، ربما تراه غارقًا في الغربة الوجودية، وغارقًا في المحبة في وقتٍ واحد.

لن يختفي الشرُّ الأخلاقي ما دام الإنسانُ إنسانًا، مادام الإنسانُ يكذبُ ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. ‏الثقافاتُ والقوانين والعقوبات والأديان تهدفُ إلى خفض وتيرة الشرّ إلى أدنى مستوى ممكن، ولولا ذلك لتحوّل الناسُ إلى أكلة لحوم البشر. الإنسانُ ليس كائنًا بريئًا أو محايدًا، بعضُ الأصدقاء لا ينقل لك من الأخبار العامة وما يخصّك الا ما يؤذيك، إنما يفعل ذلك بدافع التشفي الذي يلبي حاجةً عميقة تفرغ فيها نفسُه ألمَها، وتعيد تقديرَها لذاتها؛ بإشعارِ الغير بأنه غيرُ جدير بالثقة والتقدير.

لا وصفةَ نهائية تتطابق وكلَّ الاحتياجات المتنوعة للبشر في مراحل حياتهم المختلفة، حتى الفرد الواحد تختلف احتياجاتُه في مراحل عمره المتعدّدة، ربما تقوده عواطفُه للتعلّق بشخصٍ أو أيّ شيءٍ آخر في مرحلةٍ من عمره، غير أنه قد ينفر منه في مرحلةٍ أخرى. الإنسانُ كائن يمكن أن يختلف يومُه عن أمسه، الإنسانُ يتغيّر تبعا لتنوّع صلاته الوجودية بما حوله من بشرٍ وأشياء، وتتجدّد بعضُ احتياجاته ومصالحه، وتندثر احتياجاتٌ ومصالحٌ في المراحل المختلفة من عمره، وتضاف أخرى.

يختلف كلُّ شيء باختلاف زاوية النظر إليه، وهذا ما يُصطلح عليه في الفلسفة قديما بـ (الحيثية)، يقال: “لولا الحيثيات لبطلت الفلسفة”، بمعنى أن كلَّ زاوية نظر تقودنا إلى نتيجة، ومن مجموع زوايا النظر تتعدّد وتتنوع المواقفُ الفلسفية في المعرفة والوجود والقيم، وهكذا يختلف تفسيرُ الحقائق وتختلف طرقُ الوصول إليها وإدراكها. باختلاف زاوية النظر يمكن للإنسان ملاحظةُ صور كثيرة بعضُها متضادّ في إنسان واحد. أحيانا تختلط المحبّةُ بالكراهية فتتناوبان، عندما تتصارع زاويةُ النظر الواعية لإنسانٍ مع زاوية النظر اللاواعية في باطنه. تراه لحظةً يحُبّ إنسانًا، ولحظةً أخرى يكره هذا الإنسان، وهو لا يدري كيف يحدث ذلك، مثل أن ترى المرأةُ في رجلٍ واحد صورًا متضادّة، أو يرى الرجلُ في امرأةٍ واحدة مثلَ هذه الصور. في بعض حالات حبِّ الرجل للمرأة وحبِّ المرأة للرجل، يحدث تناوبٌ للحبِّ والكراهية باضطرادٍ مُضجِر. أظنه يعود إلى أن المرأةَ تكره صورةَ الرجل الأعمّ من هذا الرجل وغيره؛ إثر ما يستفيق من مواجعَ جروحٍ كامنةٍ في اللاوعي لحياةٍ زوجية عاشتها أمس مع رجلٍ عنيف، ختمتْ بعد سنواتٍ من الصراع المرير بطلاق، وإن كانت هذه المرأةُ تحب الصورةَ الشخصية لهذا الرجل النبيل الذي تزوجته بعد الطلاق. الرجلُ أحيانًا يكره صورةَ الأنثى الأعمّ من هذه المرأة وغيرها في شخصِ هذه المرأة؛ إثر ما يستفيق من مواجعَ كامنةٍ في اللاوعي من حياةٍ زوجية مشاكسة مع غيرها أمس، لكنه يحُبّ الصورةَ الشخصية لهذه المرأة المهذّبة التي هي زوجته اليوم. وأحيانًا يكون التناوبُ عكسيًا في الحالتين.

[1] التضاد والتناقض ليس بالمعنى المعروف في المنطق والفلسفة، أعني بالتضاد والتناقض هنا ضرب من المفارقة.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 70، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/89769-.html