Category: العلم

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التعليم في عصر الهوية الرقمية

التعليم في عصر الهوية الرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة والإعلام في عصر الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والافتقار للإرادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشة، وعدم الحماس للانخراط في العصر الرقمي لدى القيادات، والافتقار للخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًّا لإنجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة لولادتها وتنميتها.

هوية جيل الألفية الجديدة رقمية، هذه الهوية وُلدت في فضاء وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، تواصل الهويةُ الرقمية ولاداتِها باستمرار في فضاء الذكاء الاصطناعي المتدفق كشلالٍ هادر. الهوية الرقمية لا تشبه أيّةَ هوية من الهويات الدينية والعقائدية والأيديولوجية والإثنية الموروثة، ‏الهوية الرقمية سيالة في صيرورة متعجّلة سريعة التحول، لا تستقرّ على حال أبدًا، ولا تلبث في حالةٍ واحدة لسنوات، أو حتى سنة واحدة. هذا يعني أن الجيل الجديد يتفاعل بنحو مختلِف مع الهويات الرقمية وينتمي إليها بطريقته، لا كما كان يجري في الانتماء ‏لهويات العصر ما قبل الرقمي، ما يحدث تناشزًا حادًا تزداد وتيرته وتتسع فجوته بسرعة، بين نظامِ التربية والتعليم التقليدي، والهويةِ الرقمية المتغيّرة والمتواصلةِ الولادات وإعادةِ التشكل. في عصر الهوية الرقمية يتفاقم اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، ويُحدث ذلك تناشزًا يتضخم كلَّ يوم بينهما، وينتهي إلى المزيد من الأمية المعرفية والثقافية والرقمية، التي تنعكس في الآتي:

  1. إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والرقمي، وليس الزمان بمعناه الفيزيائي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو واقع العالَم اليوم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن كلَّ شيء في ذلك الماضي صوابٌ أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ واقع العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي والعيش في الواقع، ووعي نمط وجوده في عصر الهوية الرقمية المتغيرة، واستثمار ما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة والذكاء الاصطناعي من جديد العلوم والمعارف والثقافات يوميًا.

2.كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي المشتقَّ منه والمتناغمَ مع إيقاع صيرورته، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. نمطُ الوجود في عصر الهوية الرقمية يفرض عقلانيتَه ورؤيتَه للعالم وقيمه وثقافته، لا يستطيع الإنسانُ التغلبَ عليه مهما عاند الانخراطَ في هذا العصر، أو الاحتماءَ من آثاره، والتحكمَ الكامل بحضوره الهائل. ذلك ما يدعو الإنسانَ في بلادنا لمواكبته، في سياق رؤية تتسع لاستيعاب مكاسبه، وبناء أخلاقيات تقي الإنسانَ من ارتدادته المربكة والعاصفة.

  1. النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ في عصر الهوية الرقمية، غيرُ النظام التعليمي التقليدي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ عصر الهوية الرقمية، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.
  2. العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوِّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.
  3. عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.
  4. تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بعصر الهوية الرقمية الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.
  5. الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سميراميس بنت ابنتي د. تُقى، عندما كانت بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدٌ طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.
  6. لا يهتم النظامُ التعليمي بالاختلاف بين استعدادت الأطفال ومواهبهم، وما يفرضه موقعهم الطبقي من تفاوت في تكوينهم المبكر. تكوين الأطفال يختلف تبعًا للإمكانات المتاحة لهم، كما كشفت عن ذلك دراسة في أمريكا عن الأثر الذي يحدثه تلقي الأطفال للغة في مرحلة مبكرة من حياتهم في بناء وعيهم ورؤيتهم للعالَم، وكيف يتناسب وعيهم مع ما يتلقونه من اللغة، فتبين وجود تفاوت فاحش في تلقي اللغة تبعًا للتفاوت الطبقي، إذ ان أبناء العوائل الغنية إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم يكونون قد استمعوا إلى 43 مليون كلمة، لكن أبناء العوائل الفقيرة إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم لم يستمعوا إلا إلى 13 مليون كلمة. والمعروف أن نضج الذهن ونموه يتناسب وامتلاك اللغة وحضورها وتفاعل الذهن معها في الصغر، فكلما كانت الحصيلة اللغوية أثرى نضج الذهن أسرع واتسعت آفاق الوعي أكثر.
  7. مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عصر الهوية الرقمية وهو لا يشبه عصرَهم أمس، عصرٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العصرُ مَن لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورُه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العصر، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في وجدانهم، والسطوةِ على مشاعرهم. الماضي مكوّنٌ عميقٌ للاوعي الأساتذة من جيل الآباء، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه.
  8. إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة.كما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا يرتقي بكفاءة أدائها،كذلك هو النظام التعليمي في عصر الهوية الرقمية ، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.
  9. لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين الأكاديمي والثقافي والرقمي في عصر لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في عصر الهوية الرقمية تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.
  10. يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة من التلميذ، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتعليم المستمر، وتنمية التكوين الأكاديمي، والحرص على الحضور في الفضاء الرقمي ومواكبة وتيرة تطوره الفائقة. وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ، ولا يوسّع متخيّله وأحلامه العلمية.

 

 https://alsabaah.iq/99240-.html

 

الهوامل والشوامل في إيقاظ العقلِ الخاملِ بالتَّساؤُل

الهوامل والشوامل

في إيقاظ العقلِ الخاملِ بالتَّساؤُل

د. علي المدَن[1]

افتتاحية العدد الجديد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 79-80، (2024 م- 1445 ه). المجلة تحت الطبع، تصدر عن مركز دراسات الدين في بغداد قريبا. تنشر هذه الافتتاحية بالتزامن مع صدور العدد الجديد للمجلة.

 

1- ثالثة الأثافي

كتبت قبل عشر سنوات مقالًا عن الرفاعي بمناسبة بلوغه الستين وكان عنوان المقال: (من الإسلام السياسي إلى الإيمان النقدي)، تحدَّثتُ فيه عن انتقالة الرفاعي من تجربة “الداعية الأيديولوجي” إلى تجربة “المؤمن النقدي“، حيث يكون الإيمانُ أوسعَ من مجرَّد لفافة عقائدية مغلقة، بل تجربة روحية منفتحة. ثم عدت في افتتاحية العدد المزدوج من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” (59-60) وكتب مقالًا ثانيًا عن محطَّات الوعي لدينا في العراق في دراسة المسألة الدينية، واتخذت من قصة صدور المجلات البحثية حول القضايا المتعلقة بدراسة الدين منطلقًا لتجييل الدراسين الدينيّين عندنا، فذكرت ثلاثَ مجلات، هي: (العلم، والأضواء، وقضايا إسلامية معاصرة)، واعتبرت أن كل مجلة تمثِّل تيارًا في الوَعي بالسُّؤال الديني، له إشكاليته وأسلوبه في دراسة تلك الإشكالية. وها أنا اليوم أعود بمقالٍ ثالث عن الرفاعي وتجربته وهو على بُعد أشهر من إكمالِ عامه السبعين، حيث يجتمع ميلادُه الشخصيُّ بميلاد العددِ “الثمانين” من مجلته/ مجلتنا (قضايا إسلامية معاصرة).

2- التَّداوي بالتفلسف

هناك سؤال كبير حول مهمة الفلسفة وجدواها في الحياة، وقد طُرح هذا السؤالُ بعدة صيغ، منها الشكل الآتي: ماذا تقدم لنا الفلسفة؟ وكيف يمكن لها أن تسهم في تحسين حياتنا البشرية؟ وبنحو أكثر جذرية: هل بقي للفلسفة ما يمكنها الانشغال به أم أن العلوم تكفَّلت بهذه المهمة ولم يعد للفيلسوف مهنة؟ من المتوقع ألا تعجب هذه الأسئلةُ الفلاسفةَ كثيرًا، فلا أحد منهم يقبل أن يكون عاطلًا عن العمل أو عرضةً للاستخفاف والتَّهكُّم! ومن هنا تنوَّعت ردودُ فعل الفلاسفة؛ البعض منهم كان أكثر تواضعًا فقبل الانشغالَ بالموضوعات التي لم يتبلور فيها بعد رأيُ للعلم، والبعض الآخر حاول اختلاقَ مهمة للفيلسوف هي أشبه بالعمل اللغوي، حيث تقتصر وظيفة الفيلسوف على التأكّد من صحة وسلامة استخدامنا للغة في الحياة العلمية والعامة، وفحص دلالات المفردات في مجال التداول البشري بنحو تكون قابلة للتحقّق والاختبار التجريبي. وهناك فئة ثالثة تتحدث عن وظيفة أخرى للفلسفة، وهي اختراع المفاهيم، ودراسة الخيارات الممكنة التي تستحق أن نعيش وفقًا لها، فنحن في النهاية، وهذه هي تجربة الكائن البشري داخل الزمن، مضطرون أن “نختار”، ضمن مساراتٍ محدودةٍ في الغَالب، ما يرسم الباقي من مستقبلنا. إن دراسة الخيار الأفضل، الملائم لأهدافنا، هو عملُ الفيلسوف الحقيقي، هكذا يقول هذا الفريق من الفلاسفة.

مهما يكن، فالشيء الوحيد الذي تجتمع عليه الآراءُ المتقدمة، ويوجد غيرُها بطبيعة الحال، هو أنَّ “التفلسف” قد كفَّ عن الادِّعاءات الضخمة، فلم يعد مسموحًا، لا للفيلسوف ولا غيرِه، الكلام عن المنظومات الفلسفية الشاملة التي تفسّر كلَّ شيء، وتجيب عن كلِّ شيء، وتضع الحلولَ لكلِّ مشكلة. لقد أصيب العقلُ بصَدع كبير، ولم تبق –مبدئيًّا- ثمة فلسفة لكل الناس، ولا ثمة جواب لكل مشكلة. وإذا ما كان للإنسان من “منقذ من الضلال” فهو يتلخص في التركيز المستمر على تحليل “طريقة التفكير السليم” ودرء أكبر قدر ممكن من الأخطاء المحتملة، والتفكير السليم يبدأ أولًا وقبل كلِّ شيء في السّؤال الصحيح.

3- هوامل وشوامل أبي حيان

أنا من القرّاء الذين لا يدقِّقون في أسانيد منقولات التوحيدي؛ لأنني أرى أن المهم في كلامه ليس ما يحكيه بل ما يريد هو قوله. ثم إن التوحيدي، وفي أحيان كثيرة، يضع بلغته الفخمة وبلاغته الفريدة ما يختاره هو على لسان غيره المنقول عنه. من هنا، فإن منقولات التوحيدي تحظى بنفس أهمية آرائه المباشرة، بل وتعبّر عنها في غالب الأحيان. في واحدة من منقولاته يقول على لسان الخليل بن أحمد الفراهيدي: (لا تجزع من السؤال فإنه ينبّهك على علمِ ما لم تعلم). وفي الليلةِ العاشرة من “الإمتاع والمؤانسة” يخصِّص التوحيديُّ حكاياته لـ”نوادر الحيوان“، ويذكر مصدرَه فيقول: إنها جاءت من سماعي و”سؤالي” للعارفين بهذه الموضوعات. وفي الليلة (التاسعة عشرة) نقل عن إبراهيم بن الجنيد قوله: (أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهنّ وإن كان أميرًا)؛ عدَّ منها: (وإن سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول لا أعلم)، ثم كرر النقل نفسه بصيغة أخرى في الليلة (الواحدة والثلاثين)، فقال: (والسؤال عمّا لا يعلم ممن هو أعلم منه). ومن يتتبع كتابات أبي حيان يجده من أكثر الناس شغفًا بالأسئلة، إلى حدِّ أنْ جعل من السؤال شعارَه المفضل ووصيتَه لقرّائه، فقال (اهتكْ سُتورَ الشكِّ بالسّؤال) (البصائر: 6 / 126).

وكما هو معروف فإنَّ خلاصةَ العملِ الكبير الذي قام به أركون في أطروحته (نزعة الأنسنة في الفكر العربي) كانت حول وجود هذه النزعة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وبدل أن تكون كتبُ الفلسفةِ ومصنفاتها التقليدية ميدانَ هذه النزعة والمعبّر عنها؛ رأى أركون أنَّ “الأدب” هو من فعل ذلك، ولهذا اتخذ كتبَ مسكويه والتوحيدي مادةً لبحث وتحليل وملاحقة هذه الفرضية. وبخصوص “الهوامل والشوامل” انتهى أركونُ إلى أنَّ مسكويه لم يكن على نفس المستوى من حساسية ورهافة أسئلة التوحيدي، فبينما كان الأخيرُ قلقًا وإشكاليًّا، يبحث عمن “يعرف الفَحْوَى ويَلْحَق المَرْمَى” من هوامله (انظر المسألة الخامسة) نجد أن مسكويه يبدو واثقًا بعدّته العقليَّة التحليلية ويجيب بوثوقية عالية؛ متوقعًا أنْ يُفْضِيَ التوحيديُّ بـ “شَوَامِلِه” إلَى بَرْدِ اليقين.

لم تكن أسئلةُ التوحيدي خاصةً بعصرها، بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن حاجة إنسان القرن العاشر الميلادي فقط، فحتى نحن، وبعد أكثر من ألف سنة من رحيل التوحيدي، ما زلنا نتساءل معه نفس الأسئلة. وما يميز أسئلةَ أبي حيان أمران:

(الأول) أنه جعل الإنسانَ محورها دون اعتبار لأي دين أو عرق أو منطقة، فتساءل عن أحواله كلِّها؛ في علاقته بالمعرفة (مسألة 62)، وفي انصرافه عمّا يجهل (مسألة ١٥)، وفي حبه للعاجلة (مسألة ٥٥)، وفي شوقه لما مضى (مسألة ٦)، وفي تواصيه بالزهد ثم حرصه على الدنيا (مسألة ٤)، وفي تَحَاثِّه على كتمان الأسرار ثم هتكه لها بالإفشاء (مسألة ٢)، وفي حيائه من القبيح ثم تبجحه به (مسألة ٨) … إلى غير ذلك من حالات الإنسان النفسية والاجتماعية والمعرفية (سياسته، غضبه، فرحه، إلفته، مديحه، تصابيه، خياله، إشمئزازه، حسده، نظافته ووسخه، انقياده وتمرده، خوفه، خبثه، بذاءته، احتياله، عدوانه، جده وهزله، ضجره وقسوته، تشاؤمه وتهكمه، جبنه ورعونته، عفته وخلاعته، وخفته ووقاره …) إلى ما يفوق العد والإحصاء من الحالات التي تناولها أبو حيان حتى قال هو نفسه عن الإنسان في كلمة خالدة: (إن الإنسانَ قد أُشْكِلَ عليه الإنسانُ) (مسألة ٦٨).

والأمر (الثاني) الذي يميز أسئلةَ أبي حيان هو “أشكلتُه” للقضايا التي جعلها موضعًا للتساؤل، فهو لا يعتبر تلك القضايا مجردَ موضوعاتٍ “بحثيَّة” يمكن الإجابة عنها بالمتوفر من معلومات شائعة، بل يضع نفس تلك المعلومات موضع بحث وتحرٍّ فيدعو إلى (تحديد نظر وتجديد اعتبار) (مسألة ٥٥)، وهو يقصد إعادة تعريف المشكلة محلّ السؤال وتجديد أساليب الاستدلال فيها. أما النتيجة، فستكون كما قال: (وإذا تنفَّس الاعتبارُ أدى إلى طرق مختلفة) (مسألة ٤٩) وهذا ما يبحث عنه التوحيدي: (الطرق المختلفة)، لذا كان آخر سؤال له في “هوامله” عن تنقُّل الإنسان بين المذاهب الفكرية وما يعنيه ذلك أو ما يستلزمه من الخروج عنها جميعًا (مسألة ١٧٥).

٤- هواملُ وشواملُ الرفاعي

على مدى أكثر من سبعة وعشرين عامًا (١٩٩٧ – ٢٠٢٤) احتوت مجلةُ “قضايا إسلامية معاصرة” على (١١٣) حوارًا منفردًا (أقصد بـ “المنفرد” غير تلك الحوارات العامة في الندوات النقاشية المشتركة)، كانت حصةُ الرفاعي وَحْدَه منها (٦٢) حوارًا، أي أكثر من نصف الحوارات. امتازت هذه المادة الغزيرة من الأسئلة بأمور، منها:

أولًا: أنها شيَّدت جسرًا من التثاقف بين نخبة كبيرة من المثقفين في العالم العربي وإيران والغرب (من بين الأسماء العربية نذكر: محمد أركون، حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، عبد المعطى بيومي، محمد حسن الأمين، محمد حسين فضل الله، عبد الهادي الفضلي، محمود البستاني، طه عبد الرحمن، عبد الوهاب المسيري، فتحي المسكيني، علي حرب، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي، وجيه كوثراني، هاني فحص، تركي الحمد، محمد أبو القاسم حاج حمد، السيد ولد أباه، محمد عابد الجابري، احميدة النيفر، نادر كاظم، هشام داود، أبو يعرب المرزوقي، برهان غليون، عبدالله إبراهيم، ماجد الغرباوي، غالب الشابندر … إلخ. ومن الأسماء الإيرانية: مصطفى ملكيان، داريوش شايغان، حسين نصر، صادق لاريجاني، محمد مجتهد شبستري، عبد الكريم سروش، محسن كديور، محمد علي التسخيري، عبد الله جوادي آملي … إلخ. ومن الغربيين: يورغن هابرماس، ريتشارد بورك هوفر، ستيفن ايفانز، محمد ليغنهاوزن).

ثانيًا: أنها وضعت جميع الاتجاهات الفكرية في ندِّية متقابلة؛ فيها الكثير من التعارف والهموم البحثية المشتركة دون قطيعة أو رفض مسبّق.

ثالثًا: أنها تشكل سيرةً لتطور الحياة الفكرية عند جيل كبير من المثقفين العراقيين الإسلاميين، وبنحو خاص سيرة الرفاعي الذاتية، في المنفى الإيراني ثم في العراق بعد ٢٠٠٣. يمكن التعامل مع تلك الأسئلة ليس فقط كاشتغال للعقل في موضوعات إشكالية وتحوّلات هذا الاشتغال وتطوراته بل واستجابة للتحديات التي عاشها هذا الجيلُ في سياقٍ خاص داخل الزمان والمكان، وعلى لسان الرفاعي بوصفه أحدَ أهمّ ممثلي هذا الجيل.

٥ – التساؤل بوصفه سيرةً ذاتية

يوضح الرفاعي علاقةَ الأسئلة بالتفكير الأيديولوجي فيقول: (الأيديولوجيا تقوض الأسئلة المفتوحة؛ لذلك لا يبقى في فضائها أيُّ سؤال مفتوح، وتحرص أن تقدم إجاباتٍ جاهزةً لكل سؤال مهما كان). يعتبر الرفاعي فكرةَ الإجابات الجاهزة عن كل سؤال “منطقًا تبسيطيًّا” للتفكير الأيديولوجي الذي يعطل “التفكيرَ التساؤليَّ الحرَّ المغامرَ“، ثم يشير في المقابل إلى دورِ ووظيفةِ التساؤل في الحياة الفكرية، فيكتب: (لا يتطور المجتمع ما لم يكن تفكيره تساؤليًّا على الدوام. التفكير التساؤلي هو الذي يمكِّننا من الوصول إلى ما هو ممنوع التفكير فيه) (التأكيد في النص مني). ويضيف: (وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية: إنها تفتح أفق النقد والمراجعة، وتدعو العقل لفضح الأخطاء، تلك الأخطاء التي كانت لزمن طويل تعد من الحقائق واليقينيات النهائية) (التأكيد في النص مني، راجع “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ط٤: ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥).

بناء على ذلك يحقّ لنا التساؤلُ حول أسئلة الرفاعي نفسها: إلى أي حد يمكن اعتبارُها “مدخلَه الخاصَّ” للوصول إلى “الممنوع من التفكير فيه“؟ “الممنوع” الذي كان الرفاعي، ومِن خلفه الجيل الذي ينتمي إليه، يعيش فيه ويتحرك في دائرتِه؟ وهل كانت أسئلتُه “فاضحةً” للأخطاء؟ وما هي طبيعة تلك الأخطاء ومجالها؟

في موضع آخر يتحدث الرفاعي عن ارتباط علم الكلام الإسلامي بالعصر الذي ولد فيه، فيرى أن هذا العلم هو تعبير عن أسئلة المجتمعات الإسلامية القديمة وما واجهته من تحديات، ثم يصف تلك المقولاتِ والآراءَ المنبثقةَ عن تلك الأسئلةِ بأنها (لا تعرف أسئلة حياتنا الراهنة، الأسئلة المنبثقة من تحديات وهموم ونمط حياة يختلف عن نمط الحياة الذي انبثقت عنه التحدياتُ الماضيةُ اختلافًا تامًّا) (مقدمة في علم الكلام الجديد، ٢٠٢٣: ٤٩).

والسؤال هنا أيضًا: ماذا تكشف أسئلةُ الرفاعي من “تحدياتٍ، وهمومٍ، ونمطِ حياةٍ مختلف” في تجربة مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وخصوصًا في مرحلتَي المنفى الإيراني وما تلاه في تجربة العراق بعد ٢٠٠٣؟

أخيرًا، وفي موضع ثالث غير ما تقدم، يتناول الرفاعيُّ علاقةَ المتكلم الجديد بـ”الحسّ التاريخي“، وبالرغم من إيمانه بوجود نمطٍ من الأسئلة يسميها بـ(الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى) لا يمكن التوصل إلى أجوبة نهائية بشأنها، وهي تحديدًا ما يختص الدينُ بالإجابة عنها (مقدمة، ٢٠٢٣: ٢١، ١٠٤، ١٩٣)، فإنه ينفي عن الشيخ محمد عبده أن يكون “متكلمًا جديدًا”، والسبب في رأيه هو أن عبده يفتقد لهذا “الحسّ”، الذي يعني الوعيَ بالعصر وتحولاته العميقة في المعرفة ومكانة الوحي فيها، وبالتالي فهم وظائف الدين القديمة، ليقول في النهاية: (ولا يمكن أن يتحرر كلُّ فهم للدين ونصوصه من الأفق التاريخي الذي ينبثق فيه) (الدين والظمأ الأنطولوجي، ٢٠٢٣: ١٣١، ١٤٢).

والسؤال هنا: ما هو “التاريخي” في الدين الذي كشفتْه أسئلةُ الرفاعي؟ وهل تنامى فيها هذا الحس التاريخي؟

٦ – المسكوت عنه في الأسئلة

كأيِّ كاتبٍ محترفٍ يبرع الرفاعي في تجريد المشاكل التي يدرسها. يتمثل التجريد هنا بطرح المشكلة (أي مشكلة كانت) كسؤال نظري تتوارى خلفه المشاكلُ التي بعثتْه في أرض الواقع، حتى يبدو الكاتبُ وكأنه مجرد “عقل محض” يفكر ويتساءل ويحلِّل وينظّر بمعزل عن الإكراهات والإلزامات التي دفعت بتلك المشاكل إلى صدارة اهتمامه وعنايته. إن هذا التجريد يعقّد مهمة الباحث الذي يريد إفراغَ تلك الكتابة من طابعها التجريدي وإنزالها موضعَها التاريخي، لأنه سيكون بحاجة إلى دراية دقيقة بذاك الواقعِ المتواري لكي يفهم ما سكت عنه صاحبُ النصّ. فلنلاحظ هذه الجملة كمثال على الجُمل التجريدية: (تطور الفكر الإنساني في كل العصور يقترن دائمًا بالأسئلة الكبرى، الأسئلةِ الحائرة، الأسئلةِ القلقة، الأسئلةِ الصعبة، الأسئلةِ التي تتوالد من الإجابة عنها أسئلةٌ جديدةٌ) (مقدمة، ٢٠٢٣: ١٠٢). إن هذه الجملة الفخمة تبدو لي عاليةَ التجريد، لأنها لا تبوح بالأجواء التي تخلق تلك الأسئلة (الكبرى، الحائرة، القلقة، الصعبة، الولود).

والآن إذا ما أردنا الإجابةَ عن الأسئلة التي أثرناها في الفقرة السابقة حول قضايا (١- الممنوع التفكير فيه، ٢- هموم ونمط الحياة، ٣- الحس التاريخي) كما تكشفه “هواملُ الرفاعي” في مسيرةِ مجلةِ “قضايا إسلامية معاصرة”، فإن هذا يتطلب منا كتابةَ سيرته الفكرية، وبالتبع سيرة الجيل الذي ينتمي إليه، طيلة المدة التي مهّدت لولادة المجلة وفي جميع المراحل التي مرت بها. وهذه وإن كانت مهمةً جليلةً، خصوصًا في ظل النقص الكبير الذي نعاني منه في مجال الدراسات التاريخية المعنية بتجييل المثقفين الدينيين في بلدنا (العراق)، إلا أنني لن أترك الموضوعَ لغيري تمامًا، بل سأثير عدةَ نقاط مجملة في فهم هذه القضية التاريخية راجيًا أن تساعد هذه النقاطُ الباحثين المهتمين بأمثال هذه الأبحاث في تطوير دراسةِ الموضوع.

1-  ذكرتُ سابقًا أنَّ عددَ حواراتِ المجلةِ بلغتْ (١١٣) حوارًا، وأن حصة الرفاعي منها -إذا ما استثنينا تلك الحوارات المترجمة-في حدود (٦٢). وفي تقديري أن تلك الأسئلة والحوارات تكشف عن وجود ثلاث مراحل؛ وهي: ١- مرحلة التفكير بالتراث من داخل التراث، و ٢- مرحلة أشكلة التراث ومساءلته، و ٣- مرحلة تحويل التراث إلى مادةٍ بحثية تخضع للمتاح من المعرفة البشرية، ومن ثمة القطيعة مع المناهج التراثية كافة.

2- كانت المرحلةُ الأولى من أسئلة الرفاعي مخصصةً للفكر السياسي الإسلامي، ومفهومِ الدولة فيه، وشكل النظام السياسي، وحين تَساءل عن الديمقراطية ربطَها بالبيئة الغربية ومجتمعاتها الداخلية، ولكنه مع ذلك أثار قضيةَ انتخاب الحاكم الإسلامي، ومسألة البيعة وتشكيل الأحزاب، وحدود الحريات في النظرية الإسلامية (انظر: حواره مع محمد باقر الحكيم، ومحمد حسن الأمين في العدد الثاني). وهذه الأسئلة وإن كانت جريئة في ظل نظام سياسي ديني يدير الدولةَ الإيرانية، ولكنها تمثل جزءًا مألوفًا من المشهد الثقافي الإيراني، الذي بدأ حينها بطرح هذه الأسئلةِ (يتضح هذا من حواراتِ العدد الأول الثلاثة المترجمة عن الفارسية؛ والتي تحدّث فيها ثلاثةٌ من أبرز الباحثين السياسيين الإيرانيين عن الموضوع، هم: عباس عميد زنجاني، حسين بشيريه، محمد جواد لاريجاني).

3-  في المرحلة ذاتها نجد ثمة انفتاحًا حذرًا على المشاريع الفكرية العربية في قراءة التراث، ومحاولة التعرّف على المشهد الثقافي العربي (كان هذا مرتبطًا بمطلع عقد التسيعنيات بعد انتهاء “الحرب العراقية/ الإيرانية”، وتدفّق الكتاب العربي على إيران واشتهاره في جامعاتها ونواديها الثقافية)، وفيها بداية التساؤل عن إعادة تعريف الغرب: هل هو استعماري فقط أم أن هناك أشكالًا أخرى للغرب يتمايز فيها التاريخيُّ الاستعماريُّ عن “الديمقراطيِّ المعاصر” (حوارات العدد الثالث، وخصوصًا مع محمد حسن الأمين).

4-  كانت مسألةُ فهم النصوص المقدسة حاضرةً في العدد الرابع المخصص لاتجاهات التفسير، والحوار كلّه مع إسلاميين صميمين (محمود البستاني، وجودت سعيد) ولكن السؤال المركزيَّ هو (ما هو الموقف من اتجاهات التفسير الحديثة التي تربط النصَّ بأفقه وبيئته وقارئه؟).

5-  تستمر أسئلةُ الرفاعي في الأعداد التالية عن التراث ونصوصه المقدسة، محاولًا منحَ النقد والمراجعة مشروعة من داخل التراث؛ فتعدُّد القراءات يقابلها انفتاحُ التجربة الإسلامية على النقد، وشرعية الاتجاهات الحديثة في التَّعاطي مع النصّ يأتي في سياق بلورة نظرية إسلامية للنقد، ونقد الممارسة السياسية يتغذى من تجربة الأنبياء في تقوبم سلوك المجتمعات الغابرة (انظر حوارات العدد الخامس، ١٩٩٩).

6-  حظِيت مسائلُ فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة بتغطية موسعة في أسئلة هذه المرحلة (الأعداد ٧ إلى ١٣). ولكن مع العدد ١٤ فصاعدًا يبدأ الانفتاحُ على فئةٍ أخرى من الإسلاميين (حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، محمد حسين فضل الله، طه عبد الرحمن، وغيرهم) حول علم الكلام الجديد والسؤال عن مجاله وإشكاليّاته، والخشية من نزعته “الالتقاطية”. نحتاج أن نصل إلى العدد المزدوج (٢٠-٢١) حتى يبدأ الكلامُ عن (التسامح ومنابع سوء التفاهم) مع محمد أركون، ولكنَّ ذلك لا يمضي دون مساءلةٍ لفكرة “تعدد المناهج” ومخاطر التعمية في التحليل، ومسألة علاقة البحث التاريخي بالتوراة والإنجيل دون القران (تتم الاستعانة هنا بأعمال طه عبد الرحمن)، ونقد التجربة العلمانية، وأمور أخرى كانت بمثابة النقد العنيف لأركون (ينبغي التذكيرُ أن سعيد شبار هو من أجرى الحوار مع أركون، وليس واضحًا مقدار اجتهاده في طرح الأسئلة أو حتى استقلاله الكامل فيها).

7-  تشهد خاتمةُ هذا المرحلة مع الأعداد (٢٣) حيث بقيت الحواراتُ تستضيف المسيري ليتحدث عن “انحيازات المعرفة“، وحديث التحرير (الرفاعي نفسه) عن (استيعاب النقد للتراث والمعرفة الحديثة) والاستيعاب هنا يعني الشمول، وكأن النقد للتراث يصاحبه نقدٌ للمعرفة الحديثة (التي وصفها المسيري بالمنحازة، وفي نفس السياق تأتي الحواراتُ مع عبد الله إبراهيم عن “المركزية الغربية”).

8-  تبدأ المرحلة الثانية من الأسئلة في العدد (٢٤-٢٥) الذي يتزامن مع تغيير النظام السياسي في العراق (صدر العدد في صيف/ خريف عام ٢٠٠٣). تُدشّن هذه المرحلة بالحوار مع الجابري والشرفي (هناك تمييز بين لغة الحوارَين يحملني على تأكيد اجتهادِ سعيد شبار في الحوار مع الجابري، لأنه ما زال يتحدَّث عن “حقيقةِ” الصحوة الإسلامية! وهو ما يختلف تمامًا عن الحوار مع الشرفي الذي أجراه الرفاعي، وينص على نظرة الإسلاميين السكونية ذات الطابع الجدلي، وعدم وجود هويات نقية، ونزعة الأيديولوجيا في تفكير الإسلاميين). أما العدد (٣٣-٣٤) فيصعد بالنقد حدًّا أعلى مع محمد الطالبي حينما يبتدئ في وضع مسألة إمكان حوار المسلم، الساكن داخل ديانته الخاصة، مع الأديان الأخرى موضع تساؤل جذري.

9-  لن تتأخر المرحلة الثالثة من الأسئلة كثيراً، إذ يبدو أن انفجار العنف في العراق قد أتى متزامنًا مع صدور العدد (٣٧-٣٨) الذي حمل حوارًا مع برهان غليون تحت عنوان (حين تنحسر الثقافةُ ينفجر العنف). في هذا الحوار تحديدًا يبدأ الحديثُ عن فشل مشروع التحديث، وعن العنف العدواني الذي نشأ عن هذا الفشل، وضرورة “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين” وأن الموقف التعبوي في التعامل مع الغرب، وثقافته، ومناهجه، وفكره، وقيمه، وفهمه للحقوق والحريات هو الذي أفضى إلى أجواء الاحتراب التي نشهدها.

10- منذ الحوار الأخير مع غليون، ومرورًا بالحوار الغنيّ جدًّا مع محمد أركون في العدد (٤٣-٤٤) (٢٠١١)، ستنتقل أسئلةُ الرفاعي إلى مرحلة الاكتمال والنضج كما تمثلها مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)، وسلسلة مؤلفات الرفاعي حول الدين (الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية … إلخ)؛ تتخلص الأسئلةُ في هذه المرحلة من سطوة التراث ومناهجه (يتزامن هذا مع استقرار الرفاعي في العراق سكنًا ووظيفةً) ولا تتردد في تحويله إلى مادة تاريخية يُعاد تفكيكُها وتحليلها وفقًا للمعرفة البشرية، بل وتتجه المجلةُ إلى نقل حواراتِ الباحثين الغربيين في المسألة الدينية دون غضاضة.

٧ – رحلة استعادة الأسئلة واليقظة العقلية

لقد عكست هذه الأسئلة مراحل شاقة من التفكير والتحرر من ثقل التراث؛ فبعد أن بدأت بالسؤال عن الإصلاح الفكري من داخل التراث وبمناهجه، انتهت المسيرةُ في عام ٢٠٢٤ إلى أن يكتب الرفاعي عن (مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث)؛ الكتاب الذي يمثّل مراجعةً نقديةً للكثير مما كان يتبناه الرفاعي نفسه، بل وتحررًا من الأسئلة القديمة التي كان الرفاعي يطرحها على الأشخاص ذاتهم، الذين ينتقدهم في هذا الكتاب: (حسن حنفي، ومحمد عمارة، وجودت سعيد، وداريوش شايغان، وغيرهم).

يطيب لي أن أختم هذه السطور بثلاثة اقتباسات تختصر تحولاتِ الرفاعي مع الأسئلة، اثنان منهما وردا في الكتاب المذكور، والثالث في آخر مقال كتبه إبان تدويننا هذا البحث؛ في الاقتباس (الأول) يتحدث الرفاعي عن علاقته بـكتابات “سيد قطب” وما تركه كتابُ “معالم في الطريق” في نفسه حول مصير “الأسئلة”، وفي (الثاني) يشير إلى مآلات الرفاعي بعد رحلته مع الأسئلة في المهجر، وكيف استقبله أصدقاؤه القدامى بعد طول انقطاع. أما (الثالث) فيوضح نتيجة هذه الرحلة للرفاعي، وهي الشعورُ العميق بضخامة الكينونة البشرية وضرورة مقابلتها بـ “تواضع” حيث تتحول الأسئلة إلى “مهنة” شخصية تقوم على مهمة “دحض” الأجوبة الخاطئة. ومن الاقتباسات هذه يتضح أن هذه الأسئلة التي سلّطنا الضوء عليها كانت “استعادة” للتفكير النقدي الذي دثرته التنظيرات الأيديولوجية الإسلامية من جهة، ويقظة للعقل السليم وُلدت في أحضان تجربة مؤلمة مع المنفى من جهة ثانية. إنَّ ما يميز انتقالة الرفاعي، التي تحدثت عنها في أول مقال لنا قبل عقد، هو ذاته ما أسميناه حينها بـ “تجربة الإيمان النقدي“، من جهة ثالثة.

وإليكم الاقتباسات الثلاثة:

الاقتباس الأول:

(كنتُ معذبًا محرومًا فاختطفني “معالم في الطريق”. سيد قطب أديب ساحر، يتقن كتابة الأناشيد التعبوية للمراهقين البؤساء أمثالي. أناشيد تذكي العواطف، توقد المشاعر، تعطّل العقل، يتوقف عندها التفكير النقدي، وتموت في كلماتها كلُّ الأسئلة) (مفارقات وأضداد، ٢٠٢٤: ١٦٢).

الاقتباس الثاني:

(في أول زيارة للوطن شهر حزيران ٢٠٠٣، بعد غياب نحو ربع قرن في المنفى، التقيتُ بعد عودتي بأصدقاء من الذين مكثوا مرابطين في العراق. كانوا يسألون كثيرًا في الدين أسئلة متنوعة، فوجئوا بجوابي عن شيء من أسئلتهم، قائلين بأنها لا تتطابق مع ما كنت أقوله لهم سنوات السبعينيات من القرن الماضي. قلت لهم: هذه علامة سلامة عقلية. العقل الذي يواصل إثارة الأسئلة العميقة، ومراجعة القناعات الراسخة، ومساءلة ما يقرأ ويتعلم، هو عقل يَقِظ) (مفارقات وأضداد: 85، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، 2005: 5-6).

الاقتباس الثالث:

(في الكتابة عن هذا الموضوع [يقصد المتخيّل الديني] وغيره أقترح إجابات، لم أراهن يومًا على أنها جزمية أو نهائية. القارئ الذكي يتنبه إلى أن كتابتي تحاول إثارةَ الأسئلة، أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. هذه الأسئلةُ أسئلتي الشخصية، فقد كنت ومازلت مشغولًا بأسئلة الوجود، وأسئلة المعنى. في أسئلتي أفكّر عدة سنوات، وألاحق كلَّ كتاب ومعلومة حولها، وأقرأ كلَّ شيء أظفر به يتناولها، وأسعى لاكتشاف الطرق المتنوعة لتفسيرها والجواب عنها، وأحاول أخيرًا تقديم تفسيري وجوابي. من يراقب سيرتي الفكرية يرى كيف عبرَ عقلي عدةَ محطات ولم يتوقف، بفضل تلك الأسئلة. ليست هذه الرحلة الشيقة عبر المحطات إلا سلسلة دحض للأجوبة الخاطئة عن أسئلة الوجود والمعنى في حياتي). (جريدة الصباح البغدادية، الصادرة بتاريخ 28-4-2024).

[1] كاتب وباحث عراقي متمرس في الفلسفة الإسلامية والدراسات الشيعية.

 

https://alsabaah.iq/95683-.html

لا علمَ بلا فلسفة

لا علمَ بلا فلسفة

د. عبد الجبار الرفاعي

تعلّمُ الفلسفةِ تعلّمُ التساؤلِ، وتعميقُ الأسئلة الكبرى، وتوالدُ الأسئلة على الدوام من الإجابات. التفلسفُ لا ينتهي ولن يتوقفَ مادام الإنسانُ يندهشُ ويفكر ويتسائل ويشكّك ‏ويتأمل ويناقش ويتحاور ويختلف ويتنافس ويتصارع. التفلسفُ وعيٌ عقلي تأملي عميق، لا يجيده كلُّ عقل، يحتاج التفلسفُ عقلًا ذكيًا فطنًا مندهشًا متسائلًا. الموهبةُ لا تكفي وحدَها للتفلسف، يتطلب التفلسفُ إنفاقَ سنوات طويلة في التعلّم وترويضِ الذهن وتدريبِه على التفكير المتريث، والتشكيك ومسائلة المسلّمات وغربلتها، وتمحيصِ ما تسالم الناسُ على أنه من البداهات،كما يحتاج كلُّ علم ومعرفة وفنّ إلى التعلّم والتفكير والمران المتواصل.

لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ، ومشاكلَ معقدة، وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشكلات والأزمات فرديةً أم مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه.كانت الفلسفةُ وستبقى تتفاعل مع النظريات العلمية والاكتشافات تؤثر وتتأثر فيها. تستجيبُ الفلسفة لما يستجدّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء والأحياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955)، وقبل ذلك تأثر بنظرية التطور لتشارلز داروين (1809 – 1882).

الوعي الفلسفي هو الذي شكّل العقلَ الحديث، مع فرنسيس بيكون وديكارت وكانط وغيرهم من الفلاسفة توالد هذا العقلُ وتشكّل، فكان عاملًا أساسيًا بوضع التاريخ البشري في مسار جديد، غادر فيه حالتَه الرتيبة التكرارية الطويلة، بعد أن لبثت البشريةُ آلاف السنين لم تحقّق المكاسبَ العلمية من الاكتشافات والاختراعات والتكنولوجيات المنجزَة في القرون الثلاثة الأخيرة، وتحول فيها الإنسانُ من الآلات اليدوية إلى المحركات الحديثة، ومن وسائل النقل البدائية إلى القطار والسيارة والطائرة ووسائل النقل المتطورة. وهكذا تواصلت هذه المكاسبُ بقفزات على شكل منعطفات، حتى وصلنا إلى هندسة الجينات، وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.

إيقاعُ التقدّم المتسارع للذكاء الاصطناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الاصطناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدّمُ المتسارِع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخّم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى، وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

التشديدُ على العلم، واختزالُ العقل والمعقولات والتفكير بحدوده، يجهضُ العقلَ الفلسفي، وينتهي إلى افتقار العلم إلى إجاباتٍ لأسئلته الحائرة ومشكلاته العويصة، وكلِّ ما لا يجد له حلًا في فضائه وسياقاته. تختنق المعرفةُ حين توضع في فضاء ما يخضع لحدود العلم الطبيعي ومجاله الحسي خاصة، وحين تعتمد مقاييسَه وأدواته التجريبية ووسائله ومنطقه ولغته وأحكامه. تلك هي الأدلجة التي يتحول فيها العلمُ إلى “أيديولوجيا علموية” تعطّل العقلَ الفلسفي.

علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح،كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةَ اللامعقول، ودخل حالةَ سبات يتعطل فيها العقل، وتتغول الأوهام. لا يضعُ اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّل الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوتُ إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعيون فلسفية.

‏  التفكيرُ الفلسفي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق. التفكيرُ الفلسفي متحرّرٌ من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة. من المشكلاتِ العميقة للتفلسف التفكيرُ بالفلسفة ضدّ الفلسفة: عبر توظيف إجابات التصوف في الفلسفة، وتوظيف إجابات اللاهوت في الفلسفة، وتوظيف إجابات الفقه في الفلسفة، وتوظيف إجابات العلم في الفلسفة. حدود العلم الطبيعي وحقله هو كلُّ شيء في الطبيعة والكون المادي، الفلسفة لا حدودَ لها، بوصفها فعلَ تفكير عقلي يتجاوز الظواهر للبحث في حقيقة العلم وماهية كلّ ظاهرة.

يتفشى اليوم في الفكر العربي التفكيرُ في فلسفة الدين بعقلٍ كلامي وفقهي، كما نقرأ لدى مَن يفكرون في التعدّدية الدينية بعقل متكلم، أو يفكرون في مشكلة الشرّ بمنطق أصول الفقه وأدوات الفقيه وفتاواه.كذلك يتسيّد في الفكر العربي تفكيرٌ لاهوتي يكتب الفلسفةَ بمنطقِ علم الكلام وأدواته ومقولاته، وذوقٌ صوفي يكتب الفلسفةَ بمنطق التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعةً لجماعة من المفكرين العرب الذين صنعوا لهم أسماء كبيرة، خاصة لدى شباب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، واحتلت كتاباتُ هؤلاء مواقعَ متقدّمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون بعقلٍ كلامي وفقهي، ويصدرون فتاوى فقهية حول ‏التفكير الفلسفي، ‏ويتسلحون بمقولات المتكلمين ‏في مناهضة الفلسفة. ‏هؤلاء يتكلمون بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة إلا أنهم ضدّ الفلسفة.

أحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظة من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمة من عقله. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية. ذلك ما يجعل هؤلاء يبدأون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة[1]. يتراجعُ العقل وينزاح بالتدريج أحيانًا، بعد أن يتسعَ ما هو نائم ويعطل ما هو يقظ.

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كوني، عابرٌ للهويات الإثنيّة والأيديولوجيَّة والعقائدية والدينية. قراءةُ الفلسفة بأفقٍ أيديولوجي تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ لاهوتي تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ كلامي تنتجُ علمَ كلام، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ اعتقادي تنتجُ عقيدة، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ فقهي تنتجُ فقهًا، حتى قراءة الفلسفة بأفق العلم الطبيعي ينتج علمًا. لا ينتج الفلسفةَ إلا التفكيرُ الفلسفي، وقراءةُ الفلسفة بأفقٍ فلسفي. أتحدثُ هنا عن التحيزاتِ الواعية، أعني حين يفكّر الإنسانُ في آفاق المعتقدات والهويات والأيديولوجيات وحدودها المغلقة. ولا أعني التحيزاتِ اللاواعية، وما يعكس البنية اللاشعورية العميقة في باطن الإنسان، التي يكونُ التحررُ من تأثيرها الكامل غير ممكن. التفكيرُ الفلسفي ينبغي أن يكونَ في آفاق رحبة، خارجَ المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة.

الفيلسوفُ ينشغل بالتفلسف، ويفكّر تفكيرًا عميقًا بالأسئلة الوجودية، يبدأ بمقدمات فلسفية ومنطقية وينتهي بنتائج فلسفية ومنطقية. حين يتفلسف الفيلسوفُ يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطحَ الأشياء والظواهر ويبحث في حقيقتها. يحاول أن يفسّرَ حقيقةَ العلم وماهيته، ويقدم إجابات لمشكلات العلم وأسئلته العميقة خارجَ حدوده. الفيزياء والكيمياء والعلوم تنشغل باكتشاف قوانين الطبيعة ومعادلاتها، ولا تعرف حقيقةَ العلم وماهيته. الفيلسوف يحاول أن يجيب عن سؤال المبدأ والمصير، وسؤال الحياة، وسؤال الموت، وغيرهما من الأسئلة الوجودية الكبرى، أي الأسئلة خارج حقل العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للتفلسف، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، والأسئلة الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‏‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل التفلسف في هذه الأسئلة.

‏‏   إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

صارت الكتابةُ والحديث في الفلسفة موضة، يمارسها حكواتيون من دون أيّ تأهيل أكاديمي، ولا قراءات معمّقة للتراث الفلسفي والفلسفة الحديثة. لستُ ضدّ تبسيط الفلسفة وتيسيرها للقراء، غير أن لغةَ الكتابة يفرضها نوعُ مفاهيمها، وغايةُ تفهيمها. تبسيطُ المعارف والعلوم الذي يتولاه خبراء في كلِّ حقل ضرورةٌ لفهمها وتنمية الوعي المجتمعي. ‏التدريس مثلا ضربٌ من التبسيط، إشاعةُ المعرفة تتطلب تبسيطًا يتولاه المتخصِّصُ في كلِّ حقل معرفي. تبسيطُ غير المتخصِّص لأيّ علم ومعرفة يزيّفها.

‏الفلسفة تخصصٌ عميق يتطلب إنسانًا ذكيًا مثابرًا صبورًا، يمكث سنوات طويلة في دراستها الجادة، ويواصل المطالعات المكثفة في مختلف الحقول، ولا يتوقف عن التفكير والتأمل الصبور والتفكير النقدي كلّ حياته. أتحدث عن الذي يكتب في الفلسفة أوهامًا لا صلةَ لها بالفلسفة، يكتب وهو لم يدرس يومًا واحدًا في حياته فلسفة، ولم يتعمّق بمطالعة النصوص الفلسفية. أعرف بعضَ الأشخاص لم يقرأوا التراث، ولم يتعلموا في أية مؤسّسة تعليم قديم أو حديث، ولم يحصلوا على أية شهادة جامعية، يضعون قبل أسمائهم لقب “دكتور”، ويسوقون كتاباتهم البائسة تحت هذه اللافتة.

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة،16.11.2023

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

 

https://alsabaah.iq/87653-.html