Category: العواطف

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التدين العقلاني الأخلاقي

 

التدين العقلاني الأخلاقي

  د. عبد الجبار الرفاعي         

يتحقق الدين في حياة الإنسان في أنماط متنوعة من التدين، من أعقلها وأجملها وأكثرها تهذيبًا وتأدبًا التدين العقلاني الأخلاقي. في هذا التدين تسبق الغيرة على الإنسان الغيرة على الله، لا تبدأ في هذا التدين الغيرة على الله إلا عند الغيرة على الإنسان. التدين العقلاني الأخلاقي هو ذلك النمط من التدين الإنساني الذي تمتلئ فيه الروح، ويروي ظمأ الكائن البشري للصلة بالله، فينشغل بإشباع الحاجة الوجودية للكائن البشري، وإشباعها يكرس بناء الروح، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وتلك وظيفة الدين العظمى في بناء شخصية الفرد وتمتين بنية المجتمع.

إرواء ظمأ الكائن البشري للصلة بالله يشكل بنية أساسية متينة لحياة روحية وأخلاقية ملهمة للفرد والمجتمع، بنية ترتكز عليها العلاقات الاجتماعية الصالحة، وتساعد على بناء أمن عائلي وسلم مجتمعي، وتعمل على بناء أرضية ملائمة لعمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وتحفيز النشاط الاقتصادي السليم، وخلق بيئة مناسبة للثقافة والآداب والفنون. في ظل حياة روحية سليمة وضمير أخلاقي يقظ يمكن إعداد إنسان مسؤول حيال الوطن، وأكثر وفاء للنظام العام، وأشد التزامًا بتطبيق القوانين. هذا النمط من التدين ينشد حياة روحية ملهمة، وضميرًا أخلاقيًا يقظًا، وتذوقًا لجماليات الوجود.

التدين العقلاني الأخلاقي تدين يتجلى فيه صوت العقل، بموازاة حياة الروح ويقظة الضمير الأخلاقي، يتذوق فيه المتدين تجليات الجمال في الوجود. تدين تتكرس فيه كينونة الكائن البشري، ويحقق فيه الدين وظيفته في إرواء ظمأ الإنسان للصلة بالله. تدين يتموضع فيه الدين في مجاله الخاص، وينجز وعوده في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إنه تدين متصالح مع العقل والروح والقلب والضمير. لا يقترن الدين في هذا الشكل من التدين بالخوف، ولا بالرعب. الإيمان بالله في هذا التدين حالة يتذوقها الإنسان، وليس معلومة يدركها، والتوحيد يعني حياة توحيدية ملهمة، وليس اعتقادًا بمفاهيم ذهنية محنطة. الإيمان فيه ليس فكرة يتأملها المتدين، أو معرفة يتعلمها، أو معلومة يتذكرها. الإيمان فيه حالة للروح يعيشها، وتجربة للحقيقة يتذوقها.

يحتفي هذا التدين بالفن، ويدرك حاجة كل كائن بشري العميقة إلى الجمال، كحاجته إلى كل ما هو أساسي في حياته. إنه تدين يدرس الدين بوصفه ظاهرةً لها حقيقتها في أفقها الخاص، ويمكن إدراك جوهرها في الفضاء الخاص للحياة الروحية. الدين حقيقة يمكن اكتشاف تعبيراتها وتجلياتها وآفاقها بالعقل والعلوم والمعارف البشرية، غير أن هذه العلوم والمعارف لا تدرك مدياتها الباطنية القصية وجوهرها الروحي العميق، وإن كانت ترسم حدودها، وتحدد خارطة تميز ما هو ديني عما هو دنيوي. يدرك هذا التدين أن احترام الآخر المختلف ضرورة تفرضها ثقة الإنسان بدينه وهويته وثقافته، ويبرهن على أخلاقية دينه وإنسانيته. فمن لا يحترم الآخر المختلف في مجتمعه يغترب عن محيطه وعصره، ويفتقد الحجة التي تؤكد مصداقية أخلاقية دينه وإنسانيته.

يرى التدين العقلاني الأخلاقي أن أكثر الأساليب الموروثة لتبليغ الأديان والدعوة إليها والتبشير بها استنفدت فاعليتها؛ لذلك يشدد على أهمية الذكاء العاطفي ورعاية مشاعر الإنسان، وأثره ذلك النفسي الإيجابي في نظرة الآخر إلى مصداقية تدين الإنسان وأخلاقية دينه. للعواطف الصادقة سحر آسر في مشاعر البشر، من طبيعة الإنسان أن ينجذب إلى من يحب الناس، ويشفق على البؤساء ويرعاهم، مهما كانت ديانتهم. عبر العواطف الصادقة، والكشف عن الجوهر الروحي والقيم الأخلاقية المشتركة بين البشر، والحوار الأخلاقي البعيد عن المنطق الوثوقي للمقولات الاعتقادية المغلقة، يمكن التدليل على الدور الذي يؤديه الدين في إنتاج المعنى للحياة، والتأكيد على ضرورة التدين الأخلاقي لإنتاج ما يمنح الروح سكينتها وطمأنينتها، ويوقظ الضمير الأخلاقي.

يرى التدين العقلاني الأخلاقي إلى أن الحاجة إلى المعتقدات تكفي لاعتناقها، ولا يعني اعتناق الإنسان لها بالضرورة إقامة الدليل عليها أو القناعة العقلية بها. مهما أقمت من أدلة على عدم صحة معتقد ما، لن يتخلى عنه صاحبه ما دام محتاجًا إليه. إذا أردت تحرير إنسان من معتقداته المغلقة المتشددة، فحرره أولًا من احتياجاته النفسية والعاطفية والمادية التي تدعوه إلى اعتناقها، ثم أعد توجيه هذه الاحتياجات في أفق تدين أخلاقي منفتح.

ينشد هذا الشكل من التدين التحرر من كل ألوان الاستعباد والوثنية. التدين العقلاني الأخلاقي يقف ضد كل ما يستعبد الروح، والقلب، والضمير، والعقل، فكل وثن يستعبد على شاكلته. جوهر الوثنية موقف اعتقادي يستلب الإنسان، حين يرفع قيمة شيء صنعه هو، أو شيء آخر، ثم يخدع نفسه بصورة زائفة يخلع عليها خصائص وصفات لا تليق إلا بالإله، فيستسلم لها ويرضخ، مقابل الحط من قيمته وهدر كرامته، حتى يغدو ذلك المعبود سببًا في مسخ إنسانيته.

التدين العقلاني الأخلاقي هو الأقل حضورًا في الحياة الفردية والاجتماعية اليوم، وغالبًا ما تصدر الأحكام السلبية على الدين بسبب شيوع الأشكال الأخرى للتدين، وشحة حضور هذا التدين. من هنا يظن كثيرون أن تلك الأشكال وحدها تمثل الدين، وقلما ينتبه مَن ينتقد الدين إلى حضور التدين الأخلاقي في حياة شخصيات روحية وأخلاقية ملهمة.

الحياة الأخلاقية سلسلة مواقف، يصنع مجموعها طورًا وجوديًا خاصًا للكائن البشري، وهي الشرط الذي يتحقق به حضوره الإنساني في العالم. يتأنسن الإنسان بالأخلاق، ومن دونها يفقد إنسانيته؛ لذلك لا يعبر الدين عن حضوره الأصيل في الحياة إلا من خلال الحياة الأخلاقية. الحياة الأخلاقية تفضح كل تمثيل للدين يتلفع بأقنعة زائفة، فكل من ينتهك الأخلاق يهدر المعنى الإنساني للدين. لا قيمة لأي حكم ديني يتناقض مع أحكام العقل العملي الأخلاقي.كل فعل يرتدي قناعًا دينيًا من دون مضمون أخلاقي ليس، في مفهومي، دينًا، مهما يكن الشخص أو الجهة التي يصدر عنها.

إن أخطر ما يهدد وجود الدين في المجتمع ضمور الحس الأخلاقي في حياة الفرد والجماعة، وتفشي التبريرات والحيل التي تتخفى بنصوص دينية وتتخذها ذريعة لتسويغ انتهاك كرامة الإنسان والتضحية بحقوقه، واتخاذ الدين وسيلة للارتزاق، وتوظيفه في صراعات السلطة والثروة، واستغلاله قناعًا يخفي الممارسات اللاأخلاقية والمواقف اللاإنسانية.

الصلة بين الدين والأخلاق ديناميكية حية، يتفاعل فيها الدين مع الأخلاق، وتتفاعل الأخلاق مع الدين، حتى يغدو كل منهما معززًا للآخر، كما يتجلى ذلك في التدين الأخلاقي والتدين الرحماني. يمكن أن يكون الإنسان الأخلاقي غير مؤمن، كما نرى في شخصيات نبيلة تنضبط مواقفها وسلوكها بالمعايير القيمية الأخلاقية في حياتها الشخصية وتعاملها مع الآخرين. فهو صادق لا يكذب، وأمين لا يخون، وثقة لا ينقض عهدًا ولا يخلف وعدًا، ويسعى إلى إسعاد الناس ورعايتهم.

الإنسان متدين لأنه متخلق، وليس متخلقًا لأنه متدين[1]. الأخلاق أساس الدين، والدين يرسخ الأخلاق ويغذيها. من لا أخلاق له لا يمكن أن يكون متدينًا أخلاقيًا، وإن أمكن أن يكون متدينًا زائفًا شكليًا يلتزم صوريًا بأداء العبادات ويمارس الشعائر. يحضر التدين الزائف في كل المجتمعات، ويستعمل لتمويه السلوك اللاأخلاقي وإخفائه، ويتفشى بوصفه مرضًا أخلاقيًا للسلطة في حكومات الإسلام السياسي.

[1]  كانْت، إيمانويل، الدين في حدود مجرد العقل، نقله إلى العربية: د. فتحي المسكيني، ص١١، ١٢، ٤٥، ٢٠١٢م، جداول، بيروت.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=387296

في الأمومة تتجلى ذروة التضحية

في الأمومة تتجلى ذروة التضحية

د. عبد الجبار الرفاعي

بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.

الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.

من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.

لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.

كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.

على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف “أبو عادل”. كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب. كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه.كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه.كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.

الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.

حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها.

 

https://alsabaah.iq/133152-.html

 

الصمت في المدرسة الفيثاغورية

الصمت في المدرسة الفيثاغورية

 د. عبد الجبار الرفاعي

فيثاغورس (نحو 570–495 قبل الميلاد) فيلسوف يوناني سابق لسقراط، يعد من أكثر شخصيات الفلسفة القديمة تأثيرًا وإثارة للجدل، إذ امتزجت سيرته التاريخية بالأسطورة، وتداخلت فلسفته مع نمط عيش جماعي وروحي خاص. ولد في جزيرة ساموس في بحر إيجة وعاش في القرن السادس قبل الميلاد، وهو قرن تأسيسي في تاريخ الفلسفة اليونانية، حين كانت الفلسفة أسلوب عيش قبل أن تكون خطابًا نظريًا مجردًا. غادر فيثاغورس ساموس احتجاجًا على حكم الطغيان، وانتقل إلى مدينة كروتونا في جنوب إيطاليا، حيث أسس جماعة فلسفية روحية عرفت بالمدرسة الفيثاغورية، قامت على حياة جماعية منضبطة بشدة، وزهد وتربية أخلاقية صارمة.كان الصمت فيها ممارسة تربوية أساسية يُلزَم بها المبتدئون سنوات طويلة لتأديب النفس وتهذيبها قبل السماح لهم بالكلام والمشاركة.

تقوم فلسفة فيثاغورس على تصور يرى أن العدد هو جوهر الوجود وأساس انتظامه، وأن الكون بأسره يتأسس على نسب رياضية دقيقة وتناغم عددي يشبه ما عرف بالموسيقى السماوية، حيث لا تفهم النغمات الموسيقية بوصفها أصواتًا عابرة، بل بوصفها تجليات حسية لنظام كوني يقوم على التوازن والانسجام، في ضوء هذا الرؤية يغدو العدد لغة الوجود الخفية التي تتكلم بها الطبيعة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، اعتقد فيثاغورس أن النفس البشرية قادرة على الارتقاء والتحرر من اضطرابها عبر حياة منضبطة، تتأسس على ممارسة الرياضات التربوية والصمت والتأمل، وضبط الإيقاع الداخلي للإنسان بما ينسجم مع إيقاع الكون، مقرونًا بإيمان بتناسخ الأرواح يربط السلوك الأخلاقي بمصير النفس، ويجعل تهذيب الحياة اليومية شرطًا ضروريًا للانسجام مع النظام الكوني، بحيث لا تنفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا ينفصل التفكير عن نمط العيش.

يُنسب إلى فيثاغورس قيامه برحلات إلى بابل، ويُقال إنه اطّلع خلالها على معارف دينية ورياضية وفلكية شرقية، غير أن هذه الروايات تبقى موضع شك ونقاش تاريخي واسع، لأن تفاصيل تلك الرحلات لم ترد في مصادر معاصرة له، وإنما نُقلت في كتابات متأخرة اختلط فيها التاريخ بالسرد الأسطوري، فتداخلت الوقائع الممكنة مع نزعة تعظيمية سعت إلى تقديم فيثاغورس بوصفه جامعًا لحِكَم الأمم، الأمر الذي يجعل التمييز بين ما هو تاريخي وما هو اسطوري في سيرته قضية إشكالية لا يمكن حسمها بيقين. ولا دليل تاريخي يؤكد موثوقية رحلاته إلى بابل، لأن فيثاغورس لم يخلف أي وثيقة مدونة تدل على ذلك، وكل ما نعرفه عنه ورد في مصادر متأخرة تعود إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، مثل روايات بورفيريوس ويامبليخوس، وهي نصوص تمزج بين السيرة والرمز والأسطورة، لذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها وثائق تاريخية مباشرة. هذه المصادر تزعم أن فيثاغورس سافر إلى بابل، وتعلم هناك الحساب والفلك من الكهنة الكلدانيين، غير أن هذا الادعاء لا تدعمه أي وثيقة معاصرة لزمانه، لا بابلية ولا يونانية، ولا يظهر اسم فيثاغورس في أي لوح طيني أو سجل شرقي مكتشف ومعروف حتى اليوم. ما يجعل الرحلة ممكنة من حيث السياق الجغرافي، لكنها غير مؤكدة تاريخيًا.

في المقابل، من الثابت علميًا أن الرياضيات البابلية سبقت فيثاغورس بقرون طويلة، وأن البابليين عرفوا علاقات عددية مكافئة لما يُسمى اليوم “نظرية فيثاغورس”، كما تشهد على ذلك الألواح الطينية العائدة إلى الألف الثاني قبل الميلاد، غير أن هذه المعرفة كانت معرفة تطبيقية عملية تستخدم في القياس والبناء والفلك، ولم تصَغ في صورة برهان تجريدي. من هنا يميل أغلب مؤرخي الرياضيات إلى القول إن إسهام فيثاغورس، سواء اطّلع مباشرة على معارف بابلية أم وصلته عبر قنوات غير مباشرة، لا يكمن في اكتشاف العلاقة العددية ذاتها، بل في نقلها إلى أفق نظري برهاني، وربط العدد ببنية الكون والتناغم والوجود، وهو تحول نوعي ميّز الفكر اليوناني عن تقاليد الشرق القديم، وجعل من “نظرية فيثاغورس” تعبيرًا عن نقلة في طريقة التفكير، لا عن مجرد استعارة من الرياضيات البابلية.

الصمت في المدرسة الفيثاغورية لم يكن امتناعا عن الكلام بوصفه سلوكًا شكليًا، وإنما كان ممارسة تربوية عميقة تهدف إلى إعادة تشكيل ذات الإنسان من الداخل. فيثاغورس فهم الحكمة بوصفها ثمرة نضج داخلي طويل، لا نتيجة غزارة الكلام ولا التعجل بإبداء الرأي، لذلك جعل الصمت عتبة أولى للسير في طريق الفلسفة.

في مدرسته التي تأسست في كروتونا بجنوب إيطاليا، خضع المبتدئون لصمت صارم امتد لسنوات، تذكر مصادر متأخرة مثل بورفيريوس ويامبليخوس أن مدته قد تبلغ خمس سنوات، لا لأن الكلام شر، وإنما لأن النفس لا تتهيأ للإنصات ما دامت أسيرة اندفاعها ورغبتها في الظهور. الصمت هنا يتجلى بوصفه أداة لترويض الذات، وكبح نزعة الاستعراض، وتدريب النفس على الانضباط، وحماية الداخل من الفوضى، كي يتشكل الوعي في أفق السكينة. بهذا المعنى كان الصمت شرطًا لتعلم الإنصات، والإنصات شرطًا لتلقي الحكمة، إذ لا تنكشف المعاني العميقة في ضجيج الأصوات ولا في استعجال الأحكام. كما ارتبط الصمت عند الفيثاغوريين بفكرة السرية، ليس بدافع الغموض، وإنما انطلاقًا من وعي بأن بعض المعارف، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون ونظامه الخفي، تتطلب استعدادًا تربويًا وأخلاقيًا وروحيًا، وأن كشفها لمن لم ينضج داخليًا يفرغها من معناها ويحولها إلى معلومات جوفاء. هكذا غدا الصمت في المدرسة الفيثاغورية فعلًا تربويًا يسهم في بناء الإنسان، ويهيئه للدخول في نظام وجودي متناغم، حيث يتعلم أن الحكمة لا تقال قبل أوانها، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، لأنه يفتح للإنسان بابًا نحو معرفة تنبع من الداخل، وتترسخ فيه بوصفها أسلوب حياة لا مجرد معرفة عابرة.

كان هذا الصمت تدريبًا مقصودًا لتهذيب الروح قبل تعليم العقل، الفيثاغوريين أدركوا أن العقل لا يثمر حكمة ما لم يستند إلى ذات مصفّاة ومنضبطة. بالصمت اختبر المبتدئ صبره، وتعلم كبح اندفاع الأنا، وتحرير نفسه من الثرثرة والانفعال وردود الفعل السريعة، حتى يغدو قادرًا على الإصغاء العميق لا إلى المعلم وحده، وإنما إلى ذاته والعالم من حوله. لم يكن الصمت عزلة سلبية، وإنما فعل تربية متواصل، يعاد فيه تشكيل العلاقة مع الكلام، فيتحول من أداة استعراض إلى ثمرة نضج.كما شكّل الصمت وسيلة لحفظ سرية المعرفة في زمن لم تعرف فيه الفلسفة التدوين العام ولا النشر المفتوح، إذ جرى تداول الحكمة شفويًا داخل جماعات مغلقة تقوم على الثقة والاختبار الطويل. اعتقد الفيثاغوريون أن بعض الحقائق، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون، إذا انكشفت لمن لم يتهيأ لها، أُسيء فهمها، وتحولت من معرفة محرِّرة إلى أداة اضطراب أو هيمنة. لذلك ارتبط الصمت لديهم برؤيتهم للنظام العددي بوصفه لغة خفية للكون، وبفكرتهم عن موسيقى الأفلاك التي لا تسمع بالأذن، وإنما تنكشف للبصيرة. هذا الإدراك لا يتحقق في ضجيج الجدل ولا في كثرة الكلام، وإنما في صمت اللسان والباطن، حيث يتعلم الإنسان أن الكون يتكلم بلغة التناسق، وأن الإنصات إليه يستلزم صمتًا يوقظ الحس، ويمنح الروح فرصة لمعاينة النظام الكامن خلف الظواهر، فيغدو الصمت شرطا لمعرفة تتجاوز المعلومات، وتتحول إلى نمط عيش وتناغم مع الوجود.

بعد انقضاء سنوات الصمت الخمس كان يُؤذن للمبتدئ بالكلام والمشاركة، لا بوصفه من اكتسب حق النطق فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا أعاد الصمت تشكيل ذاته من الداخل، فصار كلامه أشد إيقاعًا، أدق دلالة، أثقل معنى، وغدا امتدادًا للصمت الذي سبقه، لا قطيعة معه ولا نقيضًا له. في هذا الأفق لم يكن الصمت غاية نهائية، وإنما مرحلة تأسيسية تتهذب فيها الذات ليولد منها قول مسؤول، موزون، ومقتصد. مع أن الصمت شكّل أحد أبرز تقاليد المدرسة الفيثاغورية، فإن هذه المدرسة لم تكن جماعة تهمل الكلام أو تقصيه، إذ كان للكلام فيها وظيفة تربوية ومعرفية دقيقة، لا يمارَس اعتباطًا، بل يضبَط بزمانه ومقامه واستعداد المتلقي له، فالكلام لم يكن نقيض الصمت، بل امتدادًا له وثمرة من ثماره بعد نضج الذات وتكاملها. كانت المدرسة الفيثاغورية مجتمعًا مغلقًا ذا نظام صارم، تتكامل فيه التربية الروحية الزهدية مع التأمل الفلسفي العقلي، وتفهم الفلسفة فيه بوصفها نمط عيش متكامل، لا مجرد خطاب نظري، حيث يسبق تهذيب الذات وانضباطها الكلامَ والتعليم، ويغدو الصمت تهيئة لولادة المعنى، والكلام كشفًا محسوبًا عنه، في لقاء يتجاور فيه البعد الديني مع البعد العقلي ضمن رؤية واحدة للإنسان والعالم.

يميز الفيثاغوريون بين فئتين من أعضائهم: الأكوسماتيكوين، الذين يلتزمون بالتعاليم الشفوية والطقوسية ويجعلون الإصغاء محور تكوينهم، والماثيماتيكوين، الذين ينصرفون إلى دراسة الرياضيات والعلوم انطلاقًا من قناعتهم بأن العدد جوهر الوجود ومفتاح انسجامه. الانضمام إلى هذه المدرسة لم يكن متاحًا لكل راغب، وإنما يخضع لاختبارات قاسية تقوم على الجدارة والانضباط والاستعداد الذاتي، تلتزم بحياة يومية زهدية منظمة، يعيش فيها الأعضاء في جماعات مشتركة خارج أسوار المدن، ويلتزمون بقواعد دقيقة في السلوك والملبس والعلاقات. يندرج النظام الغذائي النباتي لهذه المدرسة ضمن هذا الأفق التربوي بوصفه سعيًا إلى تطهير النفس وتهذيب الرغبات، لا رفضًا للجسد ولا عداء للطبيعة، كما أدت الطقوس الموسيقية دورًا في إعادة التوازن الداخلي، عبر إيقاع ينسجم مع تصورهم لموسيقى الأفلاك. اللافت في هذا السياق أن التعليم لم يقتصر على الرجال، إذ أتيح للنساء أيضًا، كما تشهد على ذلك أسماء مثل ثيانو، بما يكشف أن المدرسة الفيثاغورية سعت إلى بناء إنسان متكامل، يتوازن فيه الصمت والكلام، الزهد والمعرفة، الداخل والعالم، في إطار رؤية ترى الفلسفة تربية للنفس قبل أن تكون علمًا للعقل.

انحسرت المدرسة الفيثاغورية نتيجة تضافر عوامل سياسية واجتماعية وثقافية متشابكة، تجاوزت حدود الاختلاف الفكري لتلامس بنية المدينة اليونانية نفسها. فقد نشأت هذه المدرسة داخل جماعة مغلقة ذات نظام أخلاقي صارم وطرق تعليمية وروحية حذرة، منكفأة على نفسها.كل جماعة شديدة الانغلاق، مثل المدرسة الفيثاغورية، تحمل في بنيتها الأساسية بذور فنائها، إذ يتحول الانضباط الصارم مع الزمن إلى جمود، وتغدو السرية التي وضعت لحماية المعنى حجابًا يحجبه، فينقلب ما كان شرطًا للبقاء إلى عامل استنزاف داخلي، ويغدو الانغلاق الذي حفظ كيانها في البدايات سببًا في عجز الجماعة عن التجدد والتكيف مع تحولات الواقع، فتبدأ عوامل الموت تتوالد داخلها قبل أن تأتيها الضربات من الخارج.

انغلاق المدرسة الفيثاغورية الشديد أثار ريبة القوى السياسية في مدن جنوبي إيطاليا، ولا سيما في كروتونا، كما أن انخراط بعض الفيثاغوريين في الشأن العام، وتأثيرهم في التشريع وتوجيه القرار، ولّد شعورًا متزايدًا بالخوف من تحولهم إلى نخبة حاكمة تعمل داخل مجتمع مغلق لا يخضع للرقابة العامة. في مناخ سياسي مضطرب، شهد صعود الصراعات بين الأرستقراطيات والديمقراطيات الناشئة، تحول هذا الخوف إلى عداء صريح، فاستهدفت الجماعة بوصفها خطرًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. إلى جانب العامل السياسي، أسهم الطابع السري للمدرسة في تعميق سوء الفهم حولها.

رأى كثيرون في التزام الصمت، وحفظ التعاليم داخل الدائرة المغلقة، وتقديس النظام العددي، ممارسات غامضة توحي بالتآمر أو السحر، لا بمشروع فلسفي تربوي. هذا الغموض غذى الشائعات، وسهل تعبئة العامة ضد الفيثاغوريين، خاصة في مجتمعات اعتادت الجدل العلني والخطابة في الساحات العامة في المدن. كما أن نمط العيش الزهدي المنظم، والانضباط الصارم في السلوك والغذاء والعلاقات، جعل الجماعة تبدو منفصلة عن الحياة اليومية للمدينة، كأنها كيان قائم خارج النسيج الاجتماعي، لا جزءًا منه.

تزامن ذلك مع تحولات أعمق في الفلسفة اليونانية نفسها، إذ بدأت الفلسفة تنتقل تدريجيًا من كونها نمط عيش جماعي إلى كونها نشاطًا تعليميًا وخطابيًا أكثر انفتاحًا، كما يظهر لاحقًا في الأكاديمية الأفلاطونية والمدرسة الأرسطية. في هذا السياق، فقد النموذج الفيثاغوري القائم على التربية الطويلة والصمت والسرية جاذبيته أمام نماذج فلسفية تتيح النقاش العام والتعليم المنهجي دون اشتراط الانتماء إلى جماعة مغلقة. ومع غياب فيثاغورس نفسه، ثم تشتت تلامذته، ضعفت القدرة على الحفاظ على وحدة المدرسة وتماسكها الداخلي.

لم يؤد هذا الانحسار إلى اختفاء الفيثاغورية من التاريخ، وإنما دفعها إلى التحول من جماعة حية إلى تراث فلسفي وروحي مبثوث في مدارس لاحقة. لذلك أعيد إحياء عناصرها الأساسية في حركة النيوفيثاغورية في القرن الأول قبل الميلاد. النيوفيثاغورية أو الفيثاغورية الجديدة، هي تيار فلسفي روحي ظهر في القرن الأول قبل الميلاد وازدهر في القرنين الأول والثاني الميلاديين، في سياق ثقافي امتزجت فيه الفلسفة اليونانية بالنزعات الروحية الشرقية، ولم يكن حركة مدرسية منظمة بقدر ما كان محاولة لإحياء تراث فيثاغورس وتأويله تأويلًا أخلاقيًا وميتافيزيقيًا يركّز على خلاص الذات وتناغم الكون، إذ نظرت إلى العالم بوصفه نظامًا متناسقًا تحكمه علاقات عددية لا بمعناها الرياضي المحض، بل بوصف العدد مبدأ وجوديًا وروحيًا يكشف عن عقل كوني أعلى، ورأت أن اختلال الأخلاق هو اختلال في النسبة والانسجام، وأن الفضيلة عودة إلى التوازن الداخلي، لذلك جعلت من الزهد والانضباط وتطهير الذات شروطًا للمعرفة لا نتائج لاحقة لها، واحتل الصمت فيها موقعًا مركزيًا بوصفه تربية تكوينية لا امتناعًا سلبيًا عن الكلام، صمتًا يدرّب الإنسان على كبح الأنا وتعليق العجلة وتفريغ الداخل من الضجيج، كي يغدو العقل قادرًا على الإصغاء للنظام الكوني. الصمت يسبق القول ويؤسس له، والمعرفة التي لا تمر عبره تظل سطحية، ولهذا تبدأ التربية بالصمت وتنتهي بالكلام الموزون، حيث يصبح القول امتدادًا للصمت لا نقيضًا له، ويغدو الصمت شرطًا للعودة إلى العالم بوعي أعمق لا انسحابًا منه. عاد الاهتمام بتطهير النفس، والعدد، والانسجام الكوني، ضمن سياق فلسفي جديد يربط الفلسفة بالبحث الروحي الفردي أكثر من ارتباطها بجماعة مؤثرة. في هذا الواقع ظل الصمت حاضرًا بوصفه رمزًا لتقدم الحكمة على الكلام، غير أن وظيفته تغيرت من ممارسة جماعية صارمة إلى دلالة روحية وأخلاقية.

على الرغم من ذلك، لبث الدرس الفيثاغوري حيًا في عمق التراث الفلسفي، إذ تجاوز مصير المدرسة الفيثاغورية بوصفها جماعة تاريخية، ليغدو رؤية ترى أن الحكمة لا تبدأ من الخارج ولا تختزل في براعة الجدل، بل تنبع من الذات، من تهذيب النفس وضبط الرغبات وتكوين الإنسان قبل صناعة الأفكار، وأن أي فكر لا يتأسس على هذا العمل الباطني يظل هشًا، سريع الانكسار، مهما بدا متماسكًا في صيغته النظرية، إذ ينهار عند أول عاصفة خارجية تكشف فراغه الأخلاقي وافتقاره إلى الجذر الذي يمنحه الصمود والمعنى.

تكشف تجربة انحسار المدرسة الفيثاغورية عن توتر دائم بين الفلسفة بوصفها تربية للوعي تراهن على تهذيب الذات وبناء المعنى في العمق، وبين المدينة بوصفها فضاء للصراع والتنازع وتدافع المصالح، حيث لا يحتمل الغموض طويلًا ولا يستساغ المختلف بسهولة. عندما يشتد هذا التوتر وتختار الفلسفة الانكفاء حماية لنفسها، تدفع ثمن عزلتها وتفقد قدرتها على التأثير في المجال العام، بينما تمضي السياسة في تضخيم خوفها من كل ما لا يخضع لمنطقها وقراراتها، فتتحول الحكمة إلى تهمة، ويغدو الصمت تهديدًا، ويقصى التفكير العميق لأنه لا يتكلم بلغة ما تفرضه السياسة الحاكمة، في مشهد تتكسر فيه إمكانية اللقاء بين الفلسفة والمدينة.

 

https://alsabaah.iq/125591-.html

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

د. زياد حمد الصميدعي[1]

وقع بيدي كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، فقرأته قراءة المتأمل الناقد، فأخذني من عالمي المحدود إلى آفاق رحبة في الفكر التربوي والمعنى الأخلاقي، حتى وجدتني أعود إليه ثلاث مرات، وما زلت أنوي قراءته الرابعة، لما وجدت فيه من غذاء للعقل والروح والقلب، وبوصلة للهداية. طلبت ثلاث نسخ منه لأولادي: إبراهيم ويوسف ومحمد، وهم في مقتبل العمر، ليكون منهاجًا لحياتهم وخارطة طريق لمستقبلهم، ثم عممته على طلابي في الجامعة، ومريدي في مسالك السلوك العرفاني. وإذا كانت رسالة “أيها الولد” لحجة الإسلام الغزالي قد طارت شهرتها في الآفاق، فإن الرسالة التي جددها أستاذي عبد الجبار الرفاعي تحت عنوان “ثناء على الجيل الجديد” جديرة بأن تنال أوسع الانتشار في عصرنا الرقمي الذي تعصف به تحولات الذكاء الاصطناعي، لما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم تشبع عطش هذا الجيل إلى المعاني الضرورية لحياته، في زمن يزداد فيه نضوب المعنى، ويصدح بفراغ الروح، وتضيء لهذا الجيل مسالك الوعي والبصيرة، وتؤسس لتربية تستند إلى الرحمة والمحبة والعقل، وتبشر بإنسانية أرحب، وأفق روحي أعمق.

وجدت في “ثناء على الجيل الجديد” رؤية عميقة تستبطن وعي هذا الجيل، وتكشف عن تطلعاته وأحلامه في عالم كوني متعدد ومفتوح، ورأيت فيه إدراكًا نافذًا للمخاطر المستقبلية وللتحولات الكبرى الفكرية والعملية التي لم تعد المناهج التقليدية في بيئاتنا المغلقة، ولا الوعي الموروث، قادرين على استيعابها أو الإحاطة بها، بعدما اتسع الفرق بين عالم الأمس وعالم اليوم، حتى غدا شاسعًا مترامي الأطراف. بدا كتاب عبد الجبار الرفاعي محاولة جريئة للتوفيق بين ماضينا الذي يشدنا بجذوره، ومستقبلنا الذي يلح علينا بنداءاته، وإن كان ذلك عسيرًا، غير أنها محاولة تربوية ناضجة، تحمل بذور الأمل، وتبشر بالتجديد في طرائق التربية والتعليم، وتغرس في عقول الناشئة ووجدانهم عناصر الثقة والقوة، وتوقظ فيهم الرغبة الصادقة في غدٍ أجمل، غدٍ يتكامل فيه التسلح بالقيم الروحية والأخلاقية والجمالية، مع مواكبة التقدم التكنولوجي المتسارع إلى جدًا، ليولد إنسان جديد أكثر وعيًا بذاته، وأقدر على العيش في هذا الكون الرحب.

في الأيام القادمة سنجتمع في ورشة عمل لمطالعة كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، وسأدعوا طلابي في الجامعة إلى قراءته، لا كأي كتاب عابر، بل كما لو كان امتدادًا وتجديدًا لرسالة “أيها الولد” للغزالي، وقد أعيدت صياغتها بروح جديدة، ورؤية تتناسب وزمانكم الرقمي، مدونة بلغة إيمانية وأخلاقية وإنسانية تعجز عنها ألسنة كثير ممن يتحدثون عن الدين، أو يحاولون مخاطبة الجيل الجديد بلغة تراثية لا تشبهه. عبدالجبار الرفاعي أبدع في كتابة رسالته التربوية، حتى غدت نداءً صادقًا تنصت إليه القلوب، ويوقظ العقول، ويعيد وصل الروح بندائها الأخلاقي والإنساني.

إن “ثناء على الجيل الجديد” ليس مجرد كلمات على الورق، بل هو مشروع تربوي حيّ، يمكن أن نجعله منهجًا عمليًا نهتدي به في بيوتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، ونحوّله إلى واقع نعيشه في إعداد الأبناء وتربية الأجيال. إنه خلاصة حياة فكرية تربوية امتدت لنصف قرن في دراسة الفلسفة وعلوم الدين وتدريسها، وإنتاج علمي تجاوز أربعة وخمسين كتابًا، وتجربة ثرية تنقلت بين الحوزة والجامعة، ومجالس البحث والتعليم والتربية، وهو قبل ذلك كتاب أبٍ ومربٍّ، يعترف بتواضع نادر أنه “تعلم من أبنائه أكثر مما تعلم من آبائه، وتعلم من تلامذته أكثر مما تعلم من أساتذته”، كما دوّن ذلك في صفحة الإهداء. من هنا فإن كتاب: “ثناء على الجيل الجديد” يقدَّم إليكم أبنائي لا ليُقرأ فحسب، بل ليكون دليلًا يرشدكم، ومنارةً تنير لكم الطريق في زمن يموج بالتحولات، ويحتاج إلى بوصلة أخلاقية وروحية وجمالية، تحفظ إنسانيتكم وأنتم تعبرون نحو المستقبل.

يكشف الرفاعي في مقدمة “ثناء على الجيل الجديد” عن مقصده من تأليف الكتاب، فيقول: “أحاول في هذه الأوراق تقديم رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق في الكلام نيابة عن أي إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة تشكلت قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون من: (أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء)، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وقد أكملوا تعليمهم العالي، فتحصل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير. لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، فأغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، وهم الأقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي منهم ومحبتهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وما زلت أقرب إلى رؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي، وذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم وما يعد به غدًا”.

“ثناء على الجيل الجديد” يعكس مسيرة فكرية وتعليمية وتربوية وأخلاقية وروحية ممتدة، تتجلى فيها خبرة التعليم، وتجربة الحياة، ورؤية تسعى إلى تحويل الفكر إلى ممارسة، والمعرفة إلى تربية، والكلمة إلى قدوة. إنه ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل دليل عملي يستضيء به الأبناء والآباء، والطلاب والمعلمون، وكل من ينشد المعنى في عالم سريع التحولات. اللافت أن الرفاعي أفرد الفصل الرابع من كتابه لموضوع: “الصمت الحكيم”، ليكشف فيه عن الصمت بوصفه رافدًا من روافد البصيرة يغذي الروح بالمعنى، في وقت يعيش فيه الجيل الجديد وسط عالم صاخب بتطبيقات وسائل التواصل ونماذج الذكاء الاصطناعي، عالم تتشظى وتذوب فيه المعاني، وتغرق حياة الإنسان موجات اللامعنى التي تعصف بوجوده وتضاعف غربته.

[1] أستاذ فلسفة القانون في الجامعة العراقية ببغداد.

 

https://al-aalem.com/%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/

فاعلية الحُبّ تتجلى في الصفح

فاعلية الحُبّ تتجلى في الصفح

د. عبد الجبار الرفاعي

الحُبّ المؤطر بإطار أخلاقي معلِّم يهب الإنسان قدرةً استثنائية لمنح مَن يحبّه الحقّ في الاختلاف، والحقّ في الخطأ، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار. الحُبّ يمكن أن يكون طاقة توليدية تزوّد الإنسان بما يغتسل به قلبه ويتطهر من الكراهية، ويتحرّر من دوافع الانتقام والثأر. عندما يملأ الحُبّ قلب الإنسان، فإنه يُعيد تشكيل نظرته للعالم، ويعيد بناء علاقاته بالآخرين، ويجعله أكثر دفئًا وعطفًا ورقة ورحمة، وتصير شخصيته منبعًا للصفح. هذا التغيير ينبع من طبيعة الحُبّ بوصفه عاطفة فعّالة تحفّز على العطاء والغفران، بدلاً من التشبث بالأحقاد والإحن والضغائن.

معادلة الحُبّ والرحمة والصفح ثلاثية العناصر، الصلة بين عناصرها جدلية تفاعلية تكاملية. تبتني هذه المعادلة على أصل هو الحُبّ تنبثق عنه الرحمة، وفي الوقت نفسه تعود الرحمة لتحتضن الحُبّ وتعيد توليده وتكريسه، ويتألف من اتحادهما الصفح، ليعود الصفح مجدّدًا وهو العنصر الثالث في المعادلة ليحتضن التوليفة المنصهر فيها الحُبّ والرحمة، ليحتضن هذا المتحد من العنصرين ويتكامل معه في مركب واحد، فتحدث توليفة واحدة من الحُبّ والرحمة والصفح، وهي تجليات متنوعة لحقيقة واحدة، وكأنها ثلاثة روافد تغذي نهرًا واحدًا، تمتزج مياهها معًا لتصير مياهًا واحدة، بذلك تتجلى فاعلية الحُبّ والرحمة بإنتاج الصفح. بهذه المناسبة أود أن أشير إلى أن الذين تشبعوا بالمنطق الأرسطي والفلسفة في تراثنا ربما يسارعون للقول بأن هذا يلزم منه الدور، إلا أن الدور لا معنى له هنا على وفق الجدل الهيغلي.

بعض الفلاسفة تناولوا الحُبّ بوصفه قادرًا على تطهير الذات من مرارات الكراهية، وإطفاء شعلة الانتقام. نظرة هؤلاء الفلاسفة للحُبّ تختلف تبعا لفلسفاتهم، غير أن ما يجمعهم هو الاتفاق على أن الحُبّ قوة متسامية تحرّر الإنسان من عنف الأحقاد والضغائن. الحُبّ يمنح الإنسان ثقة هائلة بذاته، وبقدرته على إخماد ما يؤجّج الغضب في نفسه، وبعث السلام الداخلي الذي يمكّنه من التغلب على انفعالاته الحادة. الحُبّ طاقة إيجابية فعّالة، تعمل على تفكيك دوافع الانتقام عبر تحرير الإنسان من العبء النفسي للغضب، وإطفاء نار الكراهية، ومنحه القدرة على التسامي والاستغناء عن الاقتصاص بالعفو، والابتعاد عن التشفي بما يصيب الغير من نكبات.

الحُبّ لا يجعل الإنسان ضعيفًا، بل يجعله قويًا بما يكفي، ليتحكم بما يغرقه من انفعالات متّقدة، قد تزجّه في الفتك بمَن يؤذيه. الحُبّ يجعل الإنسان يتنبه إلى ما تتركه هذه الانفعالات من آثار مريرة على سلامه الداخلي، عندما ترتدّ إليه لاحقًا فتعذّب ضميره. الحُبّ قوة تطهر قلب الإنسان من سموم الكراهية، الحُبّ يكفل تحقيق التوازن في الشخصية بين العاطفة والعقل والروح، ويعمل الحُبّ بفاعلية على إحداث الانسجام العميق بين الفرد والآخر، وبين الإنسان وعالمه. الحُبّ طاقة تغذّي الأخلاق والمعرفة والتنوع الديني والإثني والثقافي. الحُبّ يحرّر الذات من شعورها بوحشة الوجود، وبغربتها في العالم الذي يعيش فيه الإنسان. بالحُبّ يتكشف جمال الوجود في تجلياته المتنوعة، وتسود علاقات تبتني على الاحترام المتبادَل مع المختلِف في المعتقَد، بدلًا من نبذه، أو التسلط والهيمنة عليه. الحُبّ ينقذ مشاعر الإنسان من دوافع الانتقام، ويجعله قادرًا على الصفح عن كلِّ من أساء إليه، والبداية من جديد، حتى لو لم تندمل الجروح التي أحدثها المعتدي في داخله.

كثيرٌ من الاعتداءات وانتهاكات القيم والقانون تحدث بدوافع الانتقام والثأر، وأحيانًا يقود ذلك إلى سلسلة مريعة من عمليات العدوان تطال أبرياء لم يرتكبوا أيّ عدوان أو جريمة بحقّ أي إنسان،كما يحدث في مسلسل عمليات الثأر لدى القبائل أمس واليوم. حرب البسوس القديمة مثلًا تواصلت 40 سنة[1]، وعكست سلسلة مواقف ثأرية مقيتة. قتلَ فيها جساسُ بن مرة كليبًا بن ربيعة، بسبب ناقة امرأة تُدعى البسوس بنت منقذ التميمية،كانت لديها ناقة ترعى في أرض كليب بن ربيعة زعيم قبيلة تغلب، وكليب كان يرى كلّ ما يرعى في أرضه من حيوانات تجاوزًا عليه، فأمر بقتل الناقة. غضب ابن أخ البسوس جساس بن مرة، الذي رأى في قتل الناقة إهانة لأهله، فقتل كليبًا ثأرًا لقتل ناقة عمته. المهلهل بن ربيعة انبرى لأخذ ثأر قتل أخيه كليب، واستمرت الحرب بين القبيلتين 40 سنة، وكانت كما يقال من أطول الحروب بين القبائل العربية. المؤسف في بلادنا أن حروب الثأر مازالت تسفك فيها دماء بريئة في مسلسل أعمال قتل انتقامية عبثية بين القبائل. الانتقام فعل يعمل باتجاهين متعاكسين، فمثلما يفتك بالضحية أولًا، يفتك بالمُنتقِم أيضًا، وان تأخر الفتك الثاني.

لغة السلام والتراحم والمحبّة والتعايش السلمي في فضاء التنوع والاختلاف ضرورة لحماية التنوع الإثني والديني والمذهبي في المجتمع، وتحريره من ترسبات العنف الكبيرة المختزنة في اللاشعور الجمعي والفردي. بسبب الحروب المريرة في بلادنا منذ أكثر من خمسين سنة، ‏وتسخير الإعلام المرئي والمسموع والثقافة والأدب والفن والمنابر الدينية للتعبئة لهذه الحروب، تفشت شحنة عنف عالية في لغتنا وأصواتنا وحتى في تعبيرات أجسادنا، ‏بحيث صار التعبير عن الجمال أحيانا بكلمات غريبة، يقال مثلًا في توصيف ما هو جميل: “رهيب”، “كارثة”، “يقتل”، وأمثال ذلك. تحرير اللغة وهكذا أصواتها ولغة الأجساد من شحنة العنف يحرّر الفضاء العام من العنف، وذلك يتطلب إعادة بناء اللغة وطرائق التعليم في مقرّرات مدارس التعليم الأساسي، ابتداء من الروضة، وكلّ مقررات التربية والتعليم، واستبعاد الكلمات العنيفة والصور التي ترسم مشاهد دامية. وينبغي أن يواكب ذلك المزيد من توكيد مقرّرات التربية والتعليم على قيمة الحقّ في الاختلاف، والحقّ في الخطأ، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار، وتهذيب أداء وسائل الإعلام السمعي والبصري، وتطبيقات وسائل التواصل، والثقافة، وحتى المخاطبات الإدارية والشعارات المتبناة في مكاتبات الحكومة.

الشخصيات المتعجلة في ردود الأفعال العدوانية مزعجة جدًا، غير أن الإنسان يتعلم من هذه الشخصيات أشياء لا يتعلمها من الشخصيات المهذبة. الشخصيات المهذبة تشعرك بالأمن والدفء والحنان والمحبّة. الشخصية العدوانية تستفز كلَّ شيء فيك، عندما يُستفَز الإنسان يكون قادرًا على اكتشاف ذاته وإنقاذها، وتتطور مهاراته في التعامل مع أصعب البشر. أخطر ما يقوض الحُبّ ردود الأفعال العدوانية المتعجلة، ‏وظيفة الحُبّ تحرير الإنسان وتطهير قلبه من الانفعال العدواني والانتقام والتشفي.

الصفح ممكن، لكن النسيان صعبٌ للغاية، وأحيانًا يتعذّر تمامًا، خاصةً إذا كانت الانتهاكات والجروح التي تركها المعتدي عنيفة. الصفح غير النسيان، النسيان لا إرادي، الصفح قرار يتخذه الإنسان.كلُّ جرح عميق وشم للذاكرة لن يموت أو يُنسى، الصفح يعني امتلاك القدرة على تجاوز الأثر الذي تحدثه الإساءة، والتحرّر من دائرة ردّ الفعل التي يلبث الإنسان في الغالب أسيرها وعيًا وسلوكًا. إلا أن خلاصًا كهذا لا يمحو ذاكرة الانسان، ولا يقوم على محو الأثر الذي لا يمحى. إن ذاكرة كهذه تحمي الإنسان من الشر الأخلاقي، فحين تنعدم تُفقِد الإنسان القدرة على التمييز، وتُعجِزه عن بناء الوعي اللازم للعيش في المجتمع. أن أعرف الناس شيء، وأن أصفح عنهم شيء آخر. الصفح ليس سهلًا، وإن كان ضرورة للعيش المشترَك، لأنه صوت غفران. الصفح أصعب من الثأر، لأن ما ليس من نوع الفعل أصعب مما هو من نوعه. الصفح فعل أخلاقي يتحرر من سطوة الغضب وتغلبه على إرادة الإنسان. الثأر ردّ فعل من نوع الفعل، لكن الثأر بالقدر الذي يفرغ غضب الإنسان يمثل تحديًا لقدرته على التسامي الأخلاقي والنجاح في تجاوز الأحقاد والضغائن.

لا يظفر الإنسان بالسلام الداخلي والقدرة على الصفح ما لم تتحقّق ذاته بالمحبّة والرحمة، لو تسامى الإنسان يستطيع أن يعفو عن الإنسان الذي يؤذيه ويطعنه من الخلف، بل يمكنه أن يُحسن إليه ويكرمه، إلى الحدّ الذي يخجله في خاتمة المطاف، وربما يُقبِل على مَن يصفح عنه بمحبّة. الصفح عن الصديق الذي مارس الغدر معك أشقّ على النفس من الصفح عن العدو. يتفوق الإنسان بقدرته على التعامل الأخلاقي النبيل، وقدرته على العفو والغفران. الإنسان الذي يستطيع أن يغفر ما أمكنه ذلك، يحمي سلامه الداخلي، ويحمي الإنسان الذي يؤذيه من ردود أفعاله الانتقامية. الغفران تجربة للعيش تطهر روح مَن يدرب نفسه على ممارستها، في كلّ مرة يمارسها يتذوق ثمرتها المطهرة للروح من الضغينة والانتقام. ممارسة الغفران ضرورة لحماية أواصر العلاقات الإنسانية داخل العائلة والمجتمع، وتنمية روافد المحبة والتراحم. حتى لو تعلم على الغفران والصفح، يظلّ يتألم الإنسان ممن يؤذيه، غير أن هذا الأذى يكون مؤقتًا، لأنه يستطيع أن يعفو عنه بعد مدة ليست طويلة، لئلا يتصدع سلامه الداخلي، ولئلا يمسّ غيره سوء من غضبه.

[1] يرى مؤرخون أن هذه الحرب حدثت قبل ظهور الإسلام، في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، بين سنوات 494م و534م تقريبًا.

 

https://alsabaah.iq/109609-.html

يتسع القلب للرحمة كلما اتسع بالمحبّة

يتسع القلب للرحمة كلما اتسع بالمحبّة

د. عبد الجبار الرفاعي

لا تستقل المحبّة غير المشروطة عن الرحمة، الأكثر محبّة أكثر رحمةً وحنانًا، يتسع القلب للرحمة بقدر ما تضيؤه المحبّة.كلما اتسع القلب بالحُبّ اتسع فيه فضاء الرحمة، وصار القلب منبعا غزيرًا للحنان والعطف والرفق والشفقة. أنا شخصيًا، مع كل هذا العمر وكلّ الثقة التي أستمدها من المحبين، ما زلت أحتاج إلى الرفق والرأفة والعطف والشفقة والرحمة، بمعانيها الأخلاقية العميقة. أدرك جيدًا شيئًا من عجزي وأعي مواطن هشاشتي وفقري واغترابي الوجودي. أرفض الشفقة لحظة تأتي بمعنى العطف الاستعلائي، الشفقة عندما تصدر من موقع علوّ تصير غطرسة بلهاء، تمحق أثرها المنشود لعزاء الروح ومداواة جروحها، ويتعطل أثرها كبلسم، ولا يتذوق الإنسان فيها العطفَ والرأفةَ والحنانَ الذي ينشده. الإنسان في لحظات الأسى يحتاج إلى المواساة والعطف والشفقة أكثر من أيّ شيء آخر، لتكون سندًا يعيد إليه شيئًا من التحمل والأمل والسكينة.

الرحمةُ حالةٌ، الشفقةُ حالةٌ، المحبّة حالةٌ،كلُّ حالةٍ أمر وجودي يتجسّد في موقفٍ وفعلٍ يعبّر عنه. مكافأة الرحمة غير المشروطة التحقّق بالرحمة، مكافأةُ الشفقة غير المشروطة التحقّق بالشفقة، ومكافأة المحبّة غير المشروطة التحقّق بالمحبّة، ذلك ما يسمو بالإنسان ويرتقي به إلى مقام أخلاقي نبيل.

عندما تموتُ الرحمةُ في القلب، تموت إنسانية الإنسان. الرحمةُ هي الأصل لكلِّ حالات تسامي الروح وإشراقها، فهي ما يمنح الحياة بُعدها الأخلاقي السامي. للحُبّ صلة عضوية بالرحمة، الحُبّ يؤثر ويتأثر بالرحمة، والرحمة تؤثر وتتأثر بالحُبّ. الحُبّ يتجذر بالرحمة، والرحمة تتجذر بالحُبّ،كلاهما يعزّز الآخر ويثريه في سياق التكامل الإنساني. ومع ذلك، لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشرّ الكامن داخل الإنسان.

المحبّة والرحمة ليستا بديلًا عن القانون العادل في بناء أية جماعة بشرية أو تأسيس أي دولة. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدح والتنافس والصراع. القانون العادل وتطبيقه على الكلِّ بلا تمييز يمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية مزمنة. القانون العادل هو الإطار الذي يُحكم به التنافس والنزاع واحتواء الصراعات المختلفة والخلاص من آثارها الموجعة في تصدع الأمن والسلام. تضيف المحبّة والرحمة بعدًا إنسانيًا يعمّق الروابط ويحدّ من القسوة والعنف، فتتكامل صورة الحياة الجيدة.

الحُبّ كيمياءٌ تصهرُ عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفةً كأنها إكسيرٌ يحوّل كلَّ شيء داخل الإنسان إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمةُ عندما تنطقها لغةُ القلب المشفِقة، الرحمةُ تعيدُ ترميمَ كلِّ شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. الحنانُ والرحمة والشفقة والحُبّ شجرة واحدة، على الرغم من أن جذر هذه الشجرة المحبّة غير المشروطة، إلا أن كلَّ واحدة منها تعيد إنتاج الأخرى على شاكلتها وتسقيها وتغذّيها.

الحنان شحيحٌ في مجتمعنا، نادرًا ما تجد إنسانا يفيض الحنانَ على من حوله، للحنان سلطة خفيّة تأسر القلوب، وتعيد خلق العلاقات الإنسانية بأجمل صورها، وتحميها من التصدّع والانهيار. الحنان ترياق مدهش تخضع له القلوب طوعا، وإن كانت قاسية. لغة الحنان صوت الله في روح الإنسان. بصمة كلمات الحنان ضوءٌ لا يموتُ لو تشبع فيه قلب إنسان، وهذا ما يخلّد كلمات الأبوين والأم خاصة في قلوب الأبناء، مهما كانت عفوية، كلُّ كلمة معطرة بالحنان لن تموت. ما يمكثُ في القلبِ، مهما امتدَّ عمرُ الإنسانِ، وأعذبُ ما يرثُهُ الأبناءُ من الأمهاتِ والآباءِ، هو كلماتُ ومواقفُ ومبادراتُ الحَنانِ الدافئةِ. تظهرُ طاقةُ الحَنانِ في عبورِهِ من جيلٍ إلى آخرَ داخلَ العائلةِ الواحدةِ، إذا كانَ حاضراً بكثافةٍ في حياةِ هذه العائلةِ، ويتربى عليهِ الإنسانُ منذ طفولتِه. قوة أثر كلمات الأنبياء وذوي الحياة الروحية الطاهرة تكمن في أن كلماتهم تذهب للقلب قبل العقل، ما يمنحها قدرة استثنائية على تغيير الإنسان وإيقاظ ضميره وعواطفه. ذوي الحياة الروحية الطاهرة يدركون جيدًا ديناميكية التغيير بلا كراهية وإكراه، فيتلقى تلامذتُهم ومَن يتعلمون على أيديهم الكلمات بمحبّة كقناعات راسخة، خلافًا لما يفعله غيرهم كالأيديولوجيين والزعماء السياسيين الذين يفرضون أوامرهم على غيرهم.

الحياة شبكة من المصالح المتبادلة، وهذه المصالح أوسع من أن تُختزل في الجانب المادي فقط، فهي تشمل الجوانب المعنوية أيضًا. عاصرتُ أناسًا متغطرسين لا يطيقون التعامل إلا مع من يدور في فلكهم، ولا يتوقف عن التصفيق لهم. هؤلاء يحترفون الذم والهجاء والشتيمة، حتى أنهم لو لم يجدوا شخصًا يستهدفونه، لجأوا إلى شتم أنفسهم. تفوّق هذه الشخصيات الشوهاء الوحيد يكمن في تضييع الأصدقاء وصناعة الأعداء. يعيشون وكأن الله خلق البشر عبيدًا لهم، يسعون للحصول على كلِّ شيء من الناس، دون أن يكونوا مستعدين لتقديم أي شيء في المقابل.

هناك فرق كبير بين التعامل الاجتماعي مع الإنسان وفهم سلوكه وتناقضاته بعمق. فهم الإنسان يتطلب النظر إليه من خلال عدسة علم النفس، والتربية، وعلم الاجتماع، ومعطيات العلوم والمعارف الحديثة المختلفة. هذا الفهم يُمكّننا من تفسير دوافعه وسلوكياته بعيدًا عن السطحية. أما التعامل الاجتماعي مع الإنسان، فيجب أن ينضبط بالمعايير الأخلاقية، حتى لو كان الشخص الذي نتعامل معه لا يلتزم بهذه المعايير. إذا كان كاذبًا، فكن أنت الصادق. إذا كان خائنًا، فكن أنت الأمين. إذا كان مراوغًا، فكن أنت المستقيم. وإذا كان مدلسًا، فكن أنت الواضح. صحيح أن التعامل بالحسنى مع بعض الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية أو أخلاقية حادة قد يبدو أمرًا شاقًا، وأحيانًا لا يُطاق، وقد جربت ذلك مرارًا، مع ذلك، يفرض علينا الضمير الأخلاقي أن نعاملهم بالحسنى، ما دامت العلاقة ممكنة. ولكن عندما نصل إلى مرحلة لا نستطيع فيها تحمل هذه العلاقة، يكون من الضروري الابتعاد عن هذه الشخصيات المريضة والسامة حفاظًا على سلامتنا النفسية والأخلاقية.

لا أقبل ما يقال عن ضرورة محبّة الأعداء، ولا إعلان كراهيتهم والانشغال بهم. لا أدعو لما هو غير واقعي في كتاباتي، أتحدث على وفق ما تطيقه الطبيعة الإنسانية. محبّة الأعداء أوهام غير واقعية، المحبّة حالة وجودية لا يمكن إكراه القلب عليها، يمكن ترويض القلب على التحرّر من كابوس الكراهية. الممكن هو كراهية أفعالهم ومواقفهم، والتعامل برفق ولطف ومداراة معهم ما أمكن ذلك. ما هو غير واقعي في المحبّة ربما هو متعذّر في غيرها، يمكن أن يكون غير الواقعي في غير المحبّة ممكنًا في بعض حالاتها النادرة، أحيانًا يحدث ذلك لشخصيات استثنائية نادرة من ذوي التجارب الروحية من عشّاق الحقّ تعالى ومخلوقاته ومحبّتهم مهما كانوا. متاعب الحياة أكبر من طاقتنا على تحملها، المحبّة والإيمان تجعلنا أقدر على تحمل هذه المتاعب مهما كانت. الاستثمار في المحبّة ضرورة لحماية الصحة النفسية للفرد والمجتمع، يمكننا التحلي بالمحبّة إن وجدنا مَن يتقبلها ويتفاعل معها بصدق. نبّهت إلى ضرورة تجفيف منابع العلاقات الاجتماعية السامّة مع الناس الذين نكرّر التعامل بالحسني معهم مرات عديدة، لكنهم يلبثون يكرّرون مواقفَهم الشريرة، كلما أحسنا إليهم أساءوا إلينا.

 

هدايا (الرفاعي)

   هدايا (الرفاعي)

لطفية الدليمي

    كلُّ كتابٍ ينشره الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو هدية حقيقية لقرّائه. أسبابُ هذا كثيرة لعلّ أوّلها هو حفره في أرض صلبة كأنّها الصخر. هو يعرف قبل سواه أنّ هذه التربة الصخرية قد لا تلين وتستوي أرضاً خصبة لزراعة الأفكار وتداولها في زمن قريب؛ لكنّه يعمل ويعمل من غير انقطاع. ليس للمجتهد سوى فضيلة العمل حتى لو بدا أنّ حصيلة عمله ماكثةٌ في أفق بعيد قد لا يبلغه في حياته.

قرأتُ قبل بضعة شهور كتاب الرفاعي (مسرّات القراءة ومخاضُ الكتابة: فصلٌ من سيرة كاتب). لم يخرج الرفاعي في كتابه هذا عن الملامح الجامعة التي صارت خصائص معروفة لكتاباته: النبرة الهادئة المتفكّرة لإنسان يسعى لأن يجد معنى وغاية لحياته من بوّابات معرفية مختلفة. الفارق الأوحد أنّ كتاب سيرته هذا حكى فيه الرفاعي عن جوانب مخصوصة من سيرته، وهي جوانب كان ضنيناً بها في كتبه السابقة لأنّه تناول فيها موضوعات فكرية دسمة بشأن (تثوير) الرؤية النسقية إلى الدين بدلاً من تمركزها على نواة لاهوتية أو فقهية صلبة. سيعرف القارئ بعد قراءة هذه السيرة الفكرية أيّ نوعٍ من البشر هو الدكتور الرفاعي، وأظنُّ أنّ أهمّ ما نتعلّمه من هذه السيرة هو ضرورةُ الإبتعاد عن رسم بروفايلات ثقافية مؤطّرة بحدودٍ خشنة نحن من يضعُ أبعادها وفقاً لأهوائنا ومشتهياتنا. كانت قراءة سيرة الرفاعي باعثة على نمط رفيع من الإثراء الفكري والمعرفة التنقيبية في عقل رأى ما لم نره وولج مناطق لم نلجها، وأعني بهذا تثقّفه وتعليمه في المدارس الدينية. أفضلُ مَنْ يكتب عن هذه المدارس وبيان فضائلها أو مثالبها هو من عايش هذه المدارس وعرف أسرارها وما يجري في باحاتها المغلقة.

كلّما قرأتُ كتاباً للرفاعي تذكّرتُ على الفور شخصيتيْن: واحدة من عصر التنوير والأخرى معاصرة لنا. الشخصية الأولى هي (فريدريك شلايرماخر Friedrich Schleiermacher)، الفيلسوف واللاهوتي الألماني الذي أتمنّى أن يقرأ كل من يستطيع القراءة كتابه (عن الدين: خطابٌ لمحتقريه من المثقفين)، وفيه يصف جمهرة من المثقفين الذين يتقذّرون من كل شأن ديني بسبب علموية ثقلت موازينها لديهم حتى أعمتهم عن كلّ رؤية مخالفة. أبان شلايرماخر بكلّ وضوح أنّ المسألة ناتجة عن سوء فهم مستديم: الدين كميتافيزيقا لا شأن له بسياسات الدين التي هي صناعة دنيوية مدفوعة بمصالح وانتفاعات تتخفّى في شكل ممارسات دينية. الشخصية الثانية هي جون بولكينغهورن John Polkinghorne، الذي عمل سنوات طويلة رئيساً لقسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية في جامعة كامبردج، وكان مفكّراً دينياً وكاتباً وقسّاً أنغليكانياً يقود الصلوات في قدّاس الأحد بالجامعة. كتب بولكينغهورن كتباً عديدة أراد فيها مثلاً التوفيق بين ميكانيك الكم والكاثوليكية!!، ومن البديهي أن تلقى أعماله إنتقادات قوية؛ لكن لا أحد أساء إلى مكانته العلمية أو سمعته الشخصية. أتذكّرُ مساجلاته مع ريتشارد دوكنز، كانت طافحة بالحيوية والجرأة الفكرية، وفي الوقت ذاته كانت مثالاً شاخصاً على قدرة العقول المبدعة على التفاعل الخلاق. لا أظنّ أحداً سينسى الوجه الصبوح للدكتور بولكينغهورن والذي يشي بروح مُحِبّة وعقل متصالح مع أفكاره بعيداً عن الأصولية الدوغمائية أو المصالح الشخصية المتقنّعة بأقنعة لاهوتية. من أراد معرفة شيء معقول عن أفكار بولكينغهورن فربما سيجد في كتابه (ما بعد العلم Beyond Science)، وهو مترجم إلى العربية، إطلالة على فكر الرجل ورؤاه.

التقيتُ الدكتور الرفاعي أوّل مرّة في معرض المدى للكتاب في أربيل عام 2013، وكان بصحبته الراحل (هاني فحص). كان الرجلان ثنائياً متوافقاً في الأفكار والخصال: سماحة وبشاشة وأريحية وانفتاح ثقافي على كلّ العلوم والنظريات والأنساق الثقافية. هذه الخصال أنت لا تفترضها افتراضاً بل تراها متجسّدة في الكلمات المنطوقة والعيون اللامعة ومخرجات العقول وسماحة الوجوه وانبساطها. الضد النوعي لهذه الوجوه تراه في الكثير من رجال دين أو مُدّعي تديّن موصوف بالحركية تمييزاً له عن التديّن التقليدي. تعجبُ من فرط انغلاق هذه الوجوه ويبوستها وتموضع عقول شخوصها على خطاب واحد ومقاربة واحدة تسعى لخلط الاوراق وتغليب الجانب السياسي -الحركي على القيمة الميتافيزيقية في الدين. وما عساها تكون النتيجة؟ المزيد من تنفير العقول وتعكير النفوس وسيادة خطاب الكراهية.

عمل الرفاعي في سنوات عديدة سابقة في أنطقة ثلاثة مترابطة عضوياً: أنسنة الدين، والتأكيد على جوهرانيته الميتافيزيقية المترفعة على السياسات الدينية، ومحاولة جعله نسقاً ثقافياً ذا تداول عام وليس شاناً حصرياً بالمدارس الفقهية التقليدية. أكّدت كتب الرفاعي هذا التوجّه، ثمّ تعاضد جهده التأليفي مع تأسيسه لِـ (مركز دراسات فلسفة الدين) الذي نشط في نشر مجلته التي ضمّت دراسات ثمينة لمفكّرين عالميين.

تلقّيتُ قبل أيام قليلة ثلاث هدايا ثمينة من الرفاعي، مثّلتْ امتداداً لنشاطه الفكري وإن جاوزتها قليلاً بالإنفتاح على موضوعات جديدة كما حصل في كتابه (ثناءٌ على الجيل الجديد). الكتابان الآخران هما: (مفارقات وأضداد) و (الدرس الفلسفي في المدارس الدينية). لو ألقى القارئ العجول نظرة على جداول محتويات هذه الكتب، وأجهد نفسه قليلاً وقرأ مقدّماتها فسيعرف أيّ ثراء فيها، ومستوى الدقّة والإنضباط في صياغة الكلام والأفكار بكيفية تريحُ القارئ المتمرّس الذي يعرف كيف السبيل لتمييز غثّ الكلام عن رفيعه. سنقرأ كلاماً نظيراً لهذه الشاكلة:

“هناك خبراء ممّن يمتلكون تكويناً أكاديمياً جاداً في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفة جيدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنكليزية، يتسيّدون المشهد الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيون متديّنون؛ غير أنّهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءات موهمة ومضللة للفلسفة الحديثة، تلوّنها بألوان مشوّهة، وتقوّلُها ما لا تقول. القارئ الخبير يدركُ أنّهم يتفلسفون ضدّ الفلسفة”

   سنخطئ كثيراً لو تصوّرنا أنّ جهود الرفاعي تندرجُ في سياق ما يعرفُ (تجديد الخطاب الديني). هي أقربُ لرؤية جديدة ومقاربة جديدة تتناغم مع جهد المنظّرين العالميين في موضوعة الأنساق الثقافية- ذلك الجهد الذي تأخرنا فيه كثيراً ودفعنا لقاءه أثماناً قاسية.

الدكتور الرفاعي معروف بكرم روحه؛ لذا فقد أسعدني كثيراً أن أرى معظم مؤلفاته معروضة مجاناً في موقع (هنداوي). من شواخص كرمه أيضاً أنّه أهداني نسخة من رواية عنوانها (زارع الريحان) كتبتها إبنة أخيه (هاجر القحطاني) التي أتمنّى أن نشهد لها بصمات مميزة في الثقافة العراقية.

أقولها ثانية: كُتُبُ الرفاعي هدايا مضمّخة بحبّ العالم والسعي لإشاعة السلام والحسّ الانساني الرفيع فيه. هذه أوّلُ مساعي الرفاعي وأسبَقُها على غيرها؛ أمّا المثابات الفكرية العالية فتلك تستلزم قراءة دقيقة هادئة لعقول بعيدة عن إدمان العنف وصناعة التجهيل المركّب.

الرفاعي يحفر في صخر اللاهوت القشري الصلب سعياً لبلوغ الجوهر الإنساني. لعلّه لن يلقى مكافأة مستحقّة لعمله، ولا أحسبه ينتظر مثل هذه المكافأة. حسبُهُ أنّه يُلقي بذاره في أرض صلبة وينتظر موسم الحصاد البعيد مع كثرة من الطامحين لرؤية الأفق الإنساني حتى لو كان غير مرئي في أيامنا المضبّبة.

        https://almadapaper.net/389512/

 

 

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

  د. عبد الجبار الرفاعي

أضعفت وسائلُ التواصل كثيرًا دورَ العائلة في التنشئة الاجتماعية، إلى درجةٍ أصبح الصغارُ يعيشون ويتفاعلون مع اليوتيوب وأمثاله أكثر من حياتهم وتفاعلهم وأحاديثهم مع الأبوين والأهل. الناشئة يحتاجون التسليةَ واكتشافَ كلّ شيء في الحياة، تغويهم وسائلُ اللعب المسلّية أكثر من أيّ شيء آخر. في وسائل التواصل المرئية يمكن التعرّفُ على الأشياء بسهولة بالصور ووسائل الإيضاح الجذّابة، وتوفر لهم طرائقَ للاندهاش واللعب، وعروضًا كوميدية ضاحكة لا يرونها خارجها، وغالبًا لا تتوفر في بيت العائلة والمدرسة.

أمضيتُ أسبوعين قبل مدة في بيت ابنتي د. تُقى وابنتها سميراميس، سميراميس بعمر عشر سنوات، حادة الذكاء ومتفوقة كأمها، لم تجلس معنا إلا وقتَ الطعام،كانت تستهلك وقتَها منذ تستفيق صباحًا بمشاهدةِ الأفلام والسياحةِ في وسائل التواصل المرئية والمسموعة، والتواصلِ مع ألينا بنت ابنتي أبرار في استراليا لعدة ساعات. سميراميس وألينا تتحدثان الإنجليزيةَ كأنها لغتُهما الأم، تتبادلان المعلومات عن: الأفلام، واكتشاف ثقافات العالم، والطبيعة، والحياة في البحار والمحيطات والأنهار، والمدن وتقاليد المجتمعات، وآخر معطيات العلوم والمعارف والذكاء الاصطناعي. تدهشني سميراميس حين تتحدث بما تعلمته من اليوتيوب ووسائل التواصل، تعرف أشياء مازلتُ أجهل كثيرًا منها.

يمكن إعادةُ بناء التربية والتعليم من خلال تطوير مناهج تواكب إيقاعَ الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة في وسائل التواصل، وإيقاظُ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية الضرورية لتحصين الجيل الجديد، وحمايته من الآثار السلبية لوسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لكن ذلك يتطلب خبراءَ مؤهلين أكاديميًا وقيميًا للنهوض بهذه المهمة الجسيمة. في أغلب البلاد العربية ينتمي العقلُ الذي يدير العمليةَ التربوية والتعليمية إلى عصرٍ لم تظهر فيه وسائلُ التواصل ولا الذكاء الاصطناعي، أعرف بعضَ مَن يديرون مؤسسات التربية والتعليم لا يمتلكون مهارات بسيطة للتعامل مع وسائل التواصل. في استطلاعٍ نُشر قبل سنوات قريبة رأيتُ بعضَ المسؤولين في الدولة لا يمتلكون بريدًا إلكترونيًا.

التربيةُ السليمة تعتمدُ الحصانةَ لا المنع، الأبناءُ ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذرُ علينا إرجاعَ الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا.كنتُ لا أمنعُ أولادي من اللعبِ في الشارع والاندماجِ بجيلهم، والتعرّفِ على الواقع ميدانيًا. أساعدهم على اكتشافِ ذواتهم، والتنقيبِ في خرائط دروبِ الحياة المتشعبة بأنفسهم، لئلا يعيشوا مغتربين عن عصرهم وجيلهم. أرشدهم، وأراقب سلوكَهم من بعيد، ولا أتدخل كثيرًا في حياتهم الخاصة وخصوصياتهم. حرصتُ على أن يكونَ أولادي كما هم لا كما أنا،كلٌّ منهم يشبه ذاته، ما أكرهتُهم على محاكاتي، ولم أحثّهم يومًا على استنساخ صورتي. تطورت شخصياتُهم في سياق طبيعتِهم البشرية وبنيتِهم النفسية وزمانِهم، فصاروا يعبّرون عن ذواتهم ورؤيتهم للعالَم وأحلامهم قبل تعبيرهم عني ورؤيتي للعالَم وأحلامي، وهذا سرّ النجاح في حياتهم.

لحظةَ تختفي الحياةُ العائلية لإنسانٍ تفرض وسائلُ التواصل حضورَها بالتدريج بوصفها عائلةً بديلة، يمكن أن توفِّر للإنسان تواصلًا يوميًا مع مَن يحتاج أو يشتاق للتواصل معه.كثيرٌ من العوائل اليوم، خاصةً الأفراد الذين يقيمون في بلاد متعدّدة، يلتقون بتواصلٍ يومي داخل مجموعة واحدة، تحضرُ فيها أخبارُهم وكلماتُهم وكتاباتهم وصورهم وأفراحهم وأحزانهم، ولا تغيب فيها أكثرُ مواقفهم ونشاطاتهم، يفيض بعضُهم على بعض المودةَ والأشواقَ وترقبَ اللقاء والتطلعَ إلى كلِّ ما يجعلهم أشدّ قربًا وتلاحمًا. ولا تخلو من متاعبهم ومواجعهم ومشكلاتهم وأحزانهم، يتعاونون معًا للتغلّب عليها، ويدعمون مَن يمرّ بظروفٍ قاهرة من أفراد العائلة.

تسهم وسائلُ التواصل في خفض معاناة كبار السن، وتخفض شيئًا من عزلتهم الموحشة. الشيخوخة منفىً موحش، أكثر الجيل الذي عاش معه الإنسانُ يغادر الحياة، أو تفرض عليه الأمراضُ ووهنُ البدن العزلة، الأبناء يذهب كلٌّ منهم إلى حياته الخاصة وشؤونها وشجونها. لا يحمي الإنسانَ من وحشة تقدّم العمر إلا تكثيفُ التواصل مع مَن يحب. الاستعمال الذكي لوسائل التواصل يحمي كبارَ السن من منفى العزلة. تجاوز عمرُ أحد الأصدقاء 90 عامًا، أمثالُه من المعمرين تفرض عليه الشيخوخةُ عزلةً مريرة، وأكثرُهم يضطرّ للعيش في دور العجزة، عندما لا يجد أحدًا من العائلة يواكبه في هذه المرحلة العمرية، ويؤمّن له متطلبات العيش الأساسية. صديقي إنسانٌ عالِم حكيم وواقعي اكتشف في وسائل التواصل عائلةً يعوّض فيها شيئًا من الافتقار للعائلة، ويكسر شيئًا من عزلة تقدّم العمر الكئيبة، فصار يكثّف تواصلَه اليومي بكلِّ إنسان تعرّف عليه يومًا في حياته في أيّ بلد كان. لم أرَه يومًا يضجر من تكرار مهاتفة بعض الأشخاص، الذين لا يجيبونه إلا مرة واحدة لو هاتفهم عدة مرات لكثافة وتراكم أعمالهم.

عويلُ الضحايا وصرخاتُ المعذبين كانت تموت داخل جدران الزنزانات الحزينة والكهوف المظلمة، تتمزق جلودُهم من أنواع التعذيب الشنيعة، ويمارس الجلادون كلَّ أساليب القهر وانتهاك الكرامة الفظيعة معهم ويسحقون شخصياتِهم بوسائل قذرة من دون أن يسمع بذلك أحدٌ خارج هذه الأقبية المظلمة الحزينة. في أكثر الدول لم يعد هؤلاء الجلادون يمارسون شناعاتِهم بعيدًا عن الافتضاح عبر الإنترنت وتطبيقات وسائل التواصل. لم يلبث عويلُهم يختنق وينطفئ في تلك الأقبية، بل أضحى بالإمكان أن يتردّد صدى عويلهم في أنحاء العالم المختلفة. المنظمات والهيئات والجماعات المدافعة عن الحقوق والحريات تستثمر تطبيقات وسائل التواصل بمهارة، وتحرص على تحشيدِ الأصوات وتعبئةِ المواقف المتضامنة مع الضحايا وتكثّف شعاراتِها ومطالبَها وما تذيعه من وثائق لفضح جرائم التعذيب والبطش في دول متعدّدة.

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا، بوصفي طالبًا للعلم وقارئًا شغوفًا كلّ حياتي، تعلمتُ كثيرًا مما يُنشر في وسائل التواصل. وبوصفي كاتبًا تعلمتُ أكثر منها، وقفتُ فيها على شيءٍ مما هو غاطسٌ داخل الإنسان، وما تعلنه بعضُ كلماته وما تضمره هفواتُه. اكتشافُ شيءٍ مما يختبئ داخل الإنسان أثمنُ اكتشافات حياتنا، لأنه يمكّننا من حماية أنفسنا من شروره. اكتشفتُ عبر وسائل التواصل شيئًا من التعصبات والكراهيات والشرور المختبئة في أعماق بعض الأشخاص، الذين يحاولون الاختباءَ خلف أقنعة يظهرون فيها بصورةٍ مضادّة لما يختبئ في داخلهم. رأيتُ المخيالَ والرغبات والعقد النفسية والأوهامَ تحضر في وسائل التواصل أكثر من الواقع، تتحدّث فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم وأوهامُهم وعقدُهم المكبوتة وأمراضُهم النفسية والأخلاقية بوضوحٍ لافت. لم تعد الحياةُ الخاصة مستودعًا للأسرار، كثرةُ ما ينشره بعضُ المدمنين على النشر ينضب فيها الواقع، ويتدفق شلّالُ المخيال والأوهام بفيض التمنيات والأحلام والأسرار المدفونة في الأعماق.

لا يتسع وقتي للذهاب إلى الأسواق والمناسبات الاجتماعية والمقاهي. السوقُ الذي أحتاج التسوقَ منه أحضر فيه عبر الإنترنت، الشارع أزوره بتطبيقات وسائل التواصل، كأن الفيس بك والتطبيقات المشابهة له أصبحت هي الشارع والسوق والمجال العام الحقيقي لا الافتراضي. أقرأ فيها واستمع وأرى كلَّ ما يزدحم في الواقع من ضجيج وضوضاء وصخب الأصوات العنيفة وغيرها. تعرفتُ بحضوري في تطبيقات وسائل التواصل على كثيرٍ من تفاصيل حياة المجتمع، وعاداته، وتقاليده، وثقافته، والقيم السائدة فيه، وعاهاته، وكثيرٍ من أمراضه الأخلاقية والنفسية،كما تعكسها منشوراتُ بعض الأشخاص وأحاديثُهم. لا أزهد بما تعلمته من الهامشي والتهكمي والغرائبي والتافه الذي يتفشى فيها، الذي تتجلّى فيه ثقافةُ المجتمع واهتماماتُه واحتياجاته وتمنياته وأوهامه. دعاني ذلك أيضًا لإعادةِ النظر بإصدار أحكام قِيْمة، تصف كلَّ ما يُنشر بأنه: هامشي أو تافه أو رديء أو عبثي. إن ما يتكشف في هذا النوع من الكتابات المتنوعة لا نراه أحيانًا في نصوص جادة.

ينبغي أن نعيد النظرَ بمثل هذه الأحكام الكلية الشاملة، في مثل هذه الحالات لا يتفق منطقُ البحث العلمي مع التعميم. يجدر بمن يحكم على تسمية الواقع الذي نعيشه اليوم بـ “التفاهة”، ويحكم بذلك على نمط وجود الإنسان الجديد الذي فرضه الإنترنت ووسائلُ التواصل أن يعيد النظرَ بهذا الحكم الكلي المتعجّل. يدهشني التسرعُ والتكرار بإطلاق كلمة “التفاهة”، بنحوٍ أضحت هذه التسميةُ فيه أحدَ الأحكام المبتذلة على كلِّ شيء جديد في الحياة الراهنة، على لسان كثيرٍ من المتحدثين.

وسائلُ التواصل قَدَر وجود الإنسان في عصر الإنترنت ووسائل التواصل، نادرًا ما نرى أحدًا من البشر اليوم غيرَ منخرط فيها، أو تخرج نشاطاتُه وما يمارسه في حياته عن الإنترنت. البشر جميعًا نقلهم الإنترنت ووسائلُ التواصل إلى نمطِ وجود مختلف شاؤوا أم أبوا. نمطُ الوجود هذا فرضته صيرورةٌ أبدية لن تتعطل ولن تعود للوراء إلا بانهيار هذه التكنولوجيا. ذلك ما يجعل الإنسانَ لا يرى بحضوره في الإنترنت ووسائل التواصل حرجًا قيميًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بوصف حياته صارتْ لا تتحقّق إلا في فضاء هذا الواقع الذي وجد ذاتَه تعيش فيه، ويجري تسيير ُكثيرٍ من معاملاته وعلاقاته وإدارة حياته في فضائه.

https://alsabaah.iq/89408-.html

 

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.

هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها[1].

الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ[2].

الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.

لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: “الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء… وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء”[3]. ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: “افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام… افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة”[4]. نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.

لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير. التكفيرُ يصادر كلَّ هذه الحقوق ويتنكّر لها، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا يعتقد إلا بوجود صورةٍ واحدةٍ لله، وتصورٍ واحد لصفاته، وطريقٍ واحد إليه، وقوالبَ جزميةٍ للاعتقاد به، وكلماتٍ أبديةٍ في التعبير عنه.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟

إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.

[1]الرفاعي، عبدالجبار، الحب والايمان عند كيركغورد، ص 12، 2016، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

[2] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 119 – 120، ط 2، 2019، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

 كنت، إيمانويل، الأخلاق عند كنت، ص 58، 1979، وكالة المطبوعات، الكويت. [3]

[4]  كنت، إيمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، ص 11، ط1، 2002، منشورات الجمل، كولونيا – ألمانيا.

 

رابط النشر:

 

الدينُ والرؤيةُ الجمالية للعالَم

الدينُ والرؤيةُ الجمالية للعالَم

د. عبد الجبار الرفاعي

  الفن لغة الجمال

يحتاج الإنسانُ إلى لغةٍ مكتفية بذاتها خارجَ اللغة، يتحدثُ فيها للوجود ويتحدثُ فيها الوجودُ إليه، لغةٍ يتذوقُ فيها إيقاعَ أنغام الوجود وألحانه. الفنُّ لغةٌ يتذوقُها كلُّ إنسان مهما كانت لغتُه وثقافتُه وديانتُه. الفنُّ ‏لغةُ الروح قبلَ العقل، لغةُ القلب قبلَ الفكر، لغةٌ آسِرةٌ تُصغي إليها المشاعرُ كأجمل ما تصغي لأية لغة. لغةُ الواقع المحسوس تُنهِك القلب، الفنُّ ‏لغةٌ يستريحُ فيها القلبُ عندما يُرهقه المكوثُ طويلًا في لغةِ الواقع المحسوس.

الجمالُ تعجزُ أيةُ لغة خارج الفن عن كشفِ حدود معناه. لا يجدُ الجمالُ ناطقًا بصوته أصدقَ من لغة الفن. يتعرف الإنسانُ على ذاته بالفنون السمعية والبصرية بأبهى ما يتعرف، ويشعر بتذوق نمطٍ من الوجود لا يتذوقه خارجها. تذوقُ معنى الجمال حالةٌ يعيشها الإنسانُ كتذوق الحُبّ والإيمان والسعادة وأمثالها من معانٍ وجودية. عندما يحتاجُ الإنسانُ إلى ‏لغةٍ عذبة يشتركُ بتذوقها الجميعُ يجدُ الفنَّ ناطقًا بهذه اللغة. الفنَّ يخاطبُ الإنسانَ بمعانٍ أكبر ‏من كلماتِه، ويتحدثُ لغةً تضيق بها أيةُ كلمات. ‏لغةُ الفن يشترك بتذوقها الجميع، المباهجُ الحسية يتذوقها الفردُ خاصة ولا تكون بالضرورة مشترَكةً بين الكلّ، مباهجُ الجمال‏ يتذوقها الفردُ مثلما يتذوقها كلُّ إنسان يتمتعُ بذوقٍ سليم.كلّما تعزّز حضورُ الجمال ‏في حياة الفرد والمجتمع اتّسعَ حضورُ القيم السامية‏. اتّساعُ تذوقِ الجمال يرادفُه انحسارُ لغةِ العنف وازدهارُ لغةِ السلام.

لا يخلو أيُّ مجتمع من الدين والأسطورة والفنّ والحُبّ. الفنُّ رديفُ الدين في التاريخ، حيثما عاش إنسانٌ في أيّ مكانٍ وزمانٍ تظهرُ في حياته تعبيراتٌ للدين وتعبيراتٌ للفن. لا تضادَّ بين جوهر الدين وما ينشدُه الفنُّ الأصيل.كلاهما ينشدُ فضحَ ظلام العالم، وإنقاذَ الروح من مواجع الحياة، وتأمينَ ملاذٍ يتنفس فيه الكائنُ البشري بعد اختناقه بحرائق الشرور التي تنهشُ قلبَه، وتعبثُ بكلِّ شيء بهيج في حياته.

الحضورُ الواسع للفنون الجميلة في أيِّ مجتمع يقوّم السلوك، ويخفضُ وتيرةَ التطرف، ويؤثرُ بشكلٍ مباشر على إشاعة الأمن والسلم المجتمعي. الفن الذي أتحدث عنه هو الفن الذي يُهذِّب المشاعرَ والعواطفَ والذوق ويقوّم السلوك. ولا أعني الفن المُمْتَهَن المُبتذَل، الذي يهدر العفاف، ويغوي بالتهتُّك والمجون، ويُحرّض على الكراهية والعنف.

كلُّ مجتمع يتوطنه الحُبُّ، والفنُّ، والتدينُ العقلاني الأخلاقي، تتوطنه قيمُ احترامِ المختلِف في المعتقَد، والعيشِ المشترك في إطار التنوع والاختلاف، وإن كان مثلُ هذا المجتمع يظلُّ حلمًا أكثر من تحقّقه في الواقع. الدينُ والحُبّ والفنُّ يغذّي كلٌّ منها الآخرَ ويتغذّى منه. الرؤيةُ الجمالية لله والعالَم تتوالد في سياق التفاعل الإيجابي الخلّاق لهذه العناصر الثلاثة. أتحدثُ هنا عن التدّينِ العقلاني الأخلاقي، والفنِّ الأصيل الذي يهذّب الذوقَ والأخلاق. لا أتحدّثُ عن الواقع الذي فرضته إكراهاتٌ تاريخية مريرة مازالت تتحكمُ به حتى اليوم.

التربية البصرية                   

أدرك الإنسانُ أهميةَ التواصل البصري منذ كان يعيشُ في الكهوف، فبدأ يرسمُ لوحاتِه على جدرانها، ولم يتوطن الإنسانُ مكانًا إلا وترك بصمتَه المرئية فيه. تحضر بقايا هذه البصمة في الصورِ والمنحوتات وأشكال بناء المساكن والعمارة، وتخطيطاتِ التجمعات السكنية والمدن التاريخية وأنماط نسيجها الحضري. نشاهدُ ذلك في الآثارِ المتنوعة للحضارات الشرقية والغربية، تتحدثُ الزقورةُ مثلًا عن الحضارة السومرية، والأهراماتُ عن الحضارة المصرية، وآثارُ تخت جمشيد عن الحضارة الأخمينية، والبارثينونُ على تل الأكروبوليس عن الحضارة اليونانية.كلّ الحضارات تكلّمُ آثارُها أبصارَ مشاهديها. تحتفظُ متاحفُ العالَم بمنحوتاتٍ وصور ونقوش ولُقى أثرية عن حضارات لا نعرف عن منجزاتها شيئًا لولا هذه الكنوز المادية الثمينة.

التربيةُ البصرية ضرورةٌ يفرضها إيقاظُ الدهشة، والابتهاجُ بتذوق الجمال، وإنتاجُ المعنى عبر التواصل البصري الذي تحكيه الرسومُ والصورُ والأشكالُ التعبيرية وكلُّ ما هو خارج الكلمات المنطوقة. التربيةُ في بلادنا تجهلُ الأثرَ الخلّاق للتربية البصرية، ولا تهتمُّ ببناء رؤيةٍ بصرية للتلامذة قادرةٍ على إنتاج معنىً لما يشاهدونه من رسوم وأشكال تعبيرية وأشياء وكائنات في الطبيعة.

التربيةُ الحديثة تجعلُ البصرَ في أولوياتها، فتضع خارطةَ طريقٍ علمية لإيقاظه وتنميته منذ المراحل الأولى نظريًّا وعمليًّا. تعتمدُ التربيةُ في برامج التعليم الأساسي الزياراتِ المستمرة للمتاحف الفنية والأثرية وأطلال المدن القديمة، وحدائقِ الحيوانات والغابات والحدائق والمتنزهات وغيرها من أجل إيقاظ البصر، وتدريب العيون مبكرًا على تذوق إبداع اللوحات وابتكار الأشكال التعبيرية، والبهجة بجماليات الوجود، وما تحتفل فيه الطبيعةُ من مياه وأزهار وأشجار ونباتات وكائنات وأشياء مبهجة.

‏ لا تكترث التربيةُ في مجتمعنا بالأثر الحيوي البنّاء للذوق الفني والحاسة الجمالية في تفكير الإنسان وفهمه ورؤيته للعالَم ومشاعره ومواقفه وسلوكه، ولا تتنبّهُ لما يمكن أن تُسهم فيه من خفضِ وتيرة العنف في المجتمع بكلِّ تعبيراته. عندما لا تعبأ العائلةُ والمدرسةُ بتربية الذوق الفني وإثراءِ الحاسّة الجمالية للأبناء يدخل هذا الذوقُ والحاسةُ الجمالية حالةَ خمولٍ وسبات، وربما يُصابُ الإنسانُ ببلادة تذوقِ الفنون، والعجزِ ‏عن الشعور بجمال الألوان والصور والموسيقى والألحان والأصوات، ‏ويظهر أثرُ ذلك في نمطِ إدراك صورة الله، وكيفيةِ فهم الإنسان للدين، وطريقةِ قراءته لنصوصه، وفي ثقافة الإنسان، ورؤيته للعالَم، وعلاقاتِه الاجتماعية، وكلِّ شيء في حياته.

تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، وحضورُ الفنون السمعية والبصرية، ومشاهدةُ اللوحات الفنية وتأملُ تعبيراتها ورموزها وألوانها، تبعثُ الهدوءَ والانشراح، وتمتصّ شيئًا من التوتر العصبي والسأم والضجر من مَلَلِ وإنهاكِ الأعمال اليومية ورتابتها وإرهاقها، وتقلّل من آلام مباغتات الحياة الموجعة. تربيةُ الذوق الفني وتنميتُه تعزّزُ الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع، وتُخَفِّض كثيرًا من الحزن والاكتئاب والغضب والحقد والضغينة والعنف والجريمة، وتكرّسُ السلمَ المجتمعي، وترسخ السلامَ العالمَي. تربيةُ الذوق الفني أخصبُ أرضيةٍ لاستنبات الحُبّ وتغذيته وتكريسه. المجتمعُ الذي يتجاهلُ تربيةَ الذوق الفني، ويفشل في تهذيبه، يفشل في بناء حضارةٍ حيّة، تتناغم وإيقاعَ العصر، وتستجيب لاحتياجات الإنسان المادية ولمتطلبات حياته المعنوية.

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا، الحُبّ مرآةُ الجمال، الجمالُ مرآةُ الحُبّ. لا حُبَّ ما لم يتجلَّ المحبوبُ جميلًا. عندما يلتقي الانسانُ جمالَ المحبوب كأنه يلتقي نفسَه، لأنه يرى كلَّ ما يتمناه لصورته فيه. الحُبّ مصدر الوعي الجمالي في حياة الكائن البشري، وهو ما يصيّر كلَّ شيءٍ في الوجود جميلًا. الحُبّ يلوّن الحياةَ بأبهى معانيها، ويكشف للإنسان أجملَ صورها المكتنزة. الحُبّ يضيء الحياة، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري فيها. حين ينبض قلبُ الإنسان بالحُبّ يرى كلَّ شيءٍ كأنه مخلوقٌ من جمال.

عندما يتغذّى الحُبّ من الجمال ويغذّيه يكون أحدَ أثرى منابع الأمل والتفاؤل والثقة بالغد، الثقةُ بالغد ضرورةٌ لتواصل إنتاج الحياة لأجمل معانيها. ما أجمل القلب الذي يغتسل بالحبّ صباح كلِّ يوم، ‏ليس هناك مطهّرٌ ساحر كالحب.كلّما اشتدَّ الحُبّ اشتدّت رغبةُ الإنسان بالحياة، الحُبّ يساعد الإنسانَ في التغلّب على قلقِ الموتِ، الحُبّ يمكن أن يكون إكسيرًا للحياة، يموت الإنسانُ داخلَ الإنسان لحظةَ يموت الحُبّ في الأرض. الحُبّ يضيء الحياةَ بمعناها الأجمل، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري وغربتَه فيها. الظمأ البشري للمحبّة حاجةٌ لا تتوقف ولا تنتهي، لحظةَ يفتقر الكائنُ البشري الحُبّ تفتقر حياتُه معناها الآسِر، فقدان الحُبّ في حياة إنسانٍ عاطفيّ مُرهَف الحسّ يقوده للحزن والتشاؤم والاكتئاب، وأحيانًا يكون أحدَ أسباب الانتحار.

تذوقُ جمال العالَم أحدُ أثرى عناصر إلهامِ أمل وتفاؤل الإنسان، وتحريرِه من اغترابه الوجودي، وإثراءِ قدرته على التفاعل الإيجابي الخلّاق مع كلّ ما حوله. الإنسانُ الذي يرى العالَم جميلًا ينخفض شعورُه بالغربة. مَنْ يتذوقُ جمالَ العالَم يعيش سلامًا للروح، وكلُّ من يعيش سلامًا للروح يحيا الخلقُ بجواره في سلام. يتحدث ابنُ عربي عن الصلةِ العضوية بين الجمال والحُبّ بقوله: “ولا شك أن الجمالَ محبوبٌ لذاته، فإذا انضاف إليه جمالُ الزينة فهو جمالٌ على جمال، كنور على نور، فتكون محبةٌ على محبة، فمن أحب الله لجماله، وليس جماله إلا ما يشهده من جمال العالَم، فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالَم لجماله فإنما أحب الله، وليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالَم… فأوجد اللهُ العالَم في غاية الجمال والكمال خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحبّ نفسه، ثم أحبّ أن يرى نفسَه في غيره، فخلقَ العالَم على صورة جماله، ونظرَ إليه فأحبّه حُبَّ مَنْ قيَّدَهُ النظر، ثم جعل عزّ وجل في الجمال المطلق السّاري في العالم جمالًا عرضيًّا مقيدًا، يفضل آحاد العالَم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل”[1].

حاجة الإنسان للجمال أساسية

حاجةُ الطبيعة الإنسانية لتذوق الفنون البصرية والسمعية في العالم حاجةٌ أساسية كحاجة الإنسان للحبّ. لا يمكن أن يخلقَ اللهُ في الطبيعة الإنسانية حاجةً أساسية ويُحرِّم على الإنسان إشباعَها، وذلك ما تشير إليه الآيةُ: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”[2]. لا يمكن أن يستغني الإنسانُ عن الجمالِ، حاجةُ الإنسان لمتعةِ تذوق تجليات الجمال في الوجود رافدٌ يعزّز السلامةَ النفسيةَ والسكينة الروحية. تذوقُ الجمال انكشافٌ متبادَل، ففي الوقت الذي ينكشفُ للإنسان فيه جمالُ الوجود، ينكشف له جمالُ ذاته، بمعنى أنه مثلما ينكشف فيه المُشاهَد بشكل مُضِيء، يتحقّق فيه المُشاهِد بشكل مُضِيء أيضًا. حين يبتهج الإنسانُ بتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود يتكامل بمرتبةٍ أسمى. وقتئذٍ يكونُ الشعورُ الجمالي تعبيرًا عن الشعور الديني، والشعورُ الديني تعبيرًا عن الشعور الجمالي.

مشاهدةُ القلوب لتجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود تصيّر كلَّ شيء مرآةً ينعكس عليها ذلك الجمال، وتتذوق في كلِّ شيء جمالًا يشاكله. يتسعُ في فضاء مشاهدة القلوب الأُفقُ الروحي للجمال ليكون أُفقًا كونيًّا مشتركًا، لا تضيقُ فيه مضائقُ المكان والزمان. الأفقُ الروحي للجمال يكفلُ حمايةَ الإنسان من الاغتراب الوجودي، وتكريسَ سكينة الروح وطمأنينة القلب.

شحةُ الجماليات في أعمالنا، وطغيانُ الفنون المبتذلة، واضمحلالُ الأبعاد الجمالية في البناء والعمارة والسينما والمسرح ووسائل الإعلام والدعاية والإعلان وكلِّ شيء، تجعل الإنسانَ ينفرُ من الحياة ويشعرُ بالغربة والاختناق. يكتئبُ الإنسانُ عندما يرى العالَمَ مشوّهًا قبيحًا مظلمًا، لا يبوحُ بأي معنىً جميل يفيضُ على قلبه الطمأنينةَ، وعلى روحه السكينةَ. تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، تخفضُ الاكتئابَ والسأم والضجر والحزن، وتعزّز الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع.

إن كان الإنسانُ يعيشُ في ‏مجتمعٍ لا يكترث بالجمال، ويطغى فيه صوتُ الكراهية والعنف، يتبلّد ذوقُه الفني، وتتعطل حواسُّه الخاصة بتذوق الألوان والأصوات والألحان. تذوقُ الجمال يحتاج تربيةَ الذوق الفنيّ منذ الطفولة، ولابد أن تتواصلَ هذه التربيةُ كلَّ حياة الإنسان. تربيةُ الذوق الفني ذاتُ صلةٍ مباشرة بالرؤية الجمالية للعالَم، ونمطِ تمثّلها في اللاشعور الفردي والجمعي. تنعكس رؤيةُ العالَم على صلة الإنسان بما حوله من: بشر، وكائنات حيّة، وأشياء، كما تنعكس على نمطِ صلته بالله. تربيةُ الذوق الفني تدخل عنصرًا أساسيًّا في إنتاج رؤيةٍ مضيئة للعالَم. الرؤيةُ المضيئةُ للعالَم تعيد إنتاجَ الذوق الفني مثلما يعيد الذوقُ الفني إنتاجَها.

إن كانت بصيرةُ الإنسان حاذقةً، وذوقُه الفني صافيًا، وحاسّتُه الجماليةُ مضيئةً، تصبح رؤيتُه للعالَم مضيئة، يرى هذا الإنسانُ صورةَ الله مشرقةً، ويكتشف تجلياتِ جماله. يستطيع مَنْ يمتلك رؤيةً مضيئةً للعالَم أن يسهمَ في تشكيل صورٍ مضيئة للأشياء، إذ يمكنه أن يعيد بناءَ كلِّ شيء في الأرض بشكلٍ يكشف لنا عن جماله، يقول غوته: “يمكنك أن تصنعَ الجمالَ حتى من الحجارة التي توضع لك عثرةً في الطريق”.

مَنْ ورّطته الأيامُ وفرضت عليه ظروفُ حياته صلةً بكائنٍ بشري يعجز عن رؤية ما هو جميل في العالَم، ولا يرى شيئًا إلا ويحاول أن يرسمَ له صورةً قبيحة، ولا تتحسّسُ مشاعرُه الفنونَ السمعية والبصرية، ولا يتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود، عليه الهروبُ منه، لئلا تتسمم روحُه، ويلبث حزينًا يبكي قلبُه كلَّ يوم.

‏ إنتاج المعنى الجمالي أحد الأهداف المحورية للدين

  لما كان الدينُ: “حياةً في أُفق المعنى تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” حسب التعريف الذي نقترحه، يكونُ إنتاجُ المعنى الجمالي أحدَ الأهداف المحورية للدين. وفي ضوء هذا الفهم يفرض الدينُ على أتباعه الإسهامَ في رسمِ صورةٍ أجمل للعالَم، والكفُّ عن الإسهام في رسم هذه الصورة لا يعدّ موقفًا إيمانيًّا أصيلًا. التعبيرُ الجمالي عن الدين ضرورةٌ، بوصفه ضمانةً لإحياءِ رسالة الدين الحيَة المُلهمة لمعاني الخير والمحبة والسلام والتراحم في كلِّ عصر، ويكون هذا التعبيرُ أشدَّ ضرورة عندما يتفشّى قبحُ التعبير المتوحش عن الدين.

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي، لا يختزل الجمالَ بجمالِ الروح فقط، ولا يتجاهلُ حاجةَ الإنسان للاستمتاعِ بالجمال الحسّي. الجمالُ ماثلٌ في خلقِ الإنسان والطبيعة والكائنات المتنوعة فيها، إذ تشيرُ آياتٌ عديدة إلى كيفيةِ خلق الله للإنسان بأجمل صورة، مثل: “لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”[3]، “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ”[4]، وتأمر آيةٌ أخرى بأخذِ الزينة: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”[5]، وتتحدث آياتٌ عن جمالِ السماء وما فيها والأرض وما عليها: “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ”[6]، “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً”[7]، وتشير آياتٌ إلى جمال الحيوانات: “وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً”[8]. وتكشف الآيةُ: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”[9]، عن سعادةِ الإنسان بوجودِ الأموال والبنون. ومثلما يتحدثُ القرآنُ عن الجمالِ الحسّي يتحدثُ أيضًا عن نوعٍ فريد يلامسُ الروحَ من تجليات الجمال: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”[10]، تتحدث الآيةُ عن جمالٍ يضيء روحَ الإنسان، جمالٍ يجعل الإنسانَ الذي كان معتمًا ميتًا تنبعث فيه حياةٌ من النوعِ الذي يجعله مضيئًا، فبعد أن تشرقَ الأنوارُ الإلهية على روحِ هذا الإنسان يمشي بين الناس وكأنه شلّالٌ من نور. ومن أجملِ ما يرسمه القرآنُ من المشاهد المبهِرة للجمالِ ما جاء في آيةِ النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ”[11].

الموقفُ الديني الذي يصرّ على إدانة الفن والجمال، ويزدري كلَّ أشكال الحُبّ والفرح والمسرات، يعملُ من حيث لا يدري على تضييق أفق المعنى الذي يلهمه الدين للحياة، وتجفيفِ منابع إيقاظ المشاعر والعواطف الإنسانية الدافئة. لا ينقذنا من التديّن المتشدّد إلا حضورٌ فاعلٌ للفنون بتعبيراتها البصرية والسمعية، وتديّنٌ يتكلمُ لغةَ المحبة، وحياةٌ روحية تسهم في إثرائها الفنونُ، وتضيؤها الرؤيةُ الجمالية للعالَم. ينبّهُ أبو حامد الغزالي إلى أن الأطفالَ لحظةَ يبكون وتُنشِدُ أمهاتُهم كلماتٍ ملحّنةً بنغمة صوت عذب، سرعان ما تجدهم ينشرحون ويبتهجون. ذلك مؤشرٌ على احتياج الإنسان الأساسي للفنون البصرية والسمعية، خاصةً وأن شخصيةَ الأطفال مبرأةٌ من الترويض على التقاليد والأعراف والعادات المتشددة، وبوصفهم مازالوا لم يخضعوا لتدجين قيم المجتمع وتقاليده ومعتقداته وثقافته، وهم الأكثرُ تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية واحتياجاتها الأساسية العميقة. يكتب أبو حامد الغزالي: “لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرًا عجيبًا، فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن، ومنها ما ينوّم، ومنها ما يضحك ويطرب، ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس. ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار، حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج. وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده، فإنه يسكنه الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه. والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثراً يستخف معه الأحمال الثقيلة”[12].

‏ مادامت الحاجةُ للفنون السمعية والبصرية وتذوق الجمال من الحاجات الأساسية لحياة الإنسان، فإن عدمَ إشباع أية حاجة أساسية يؤدي إلى تراكم الكبت والحرمان الذي يغذّي مخزونَ العنف، ويمكن أن يتفجّرَ في أي انفعالٍ ‏بعنفٍ لفظي، وأحيانًا جسدي، مضافًا إلى تراكم مخزون العنف الرمزي، وتفشي عنف لغة الجسد في المجتمع. تحريمُ كلِّ أشكال الفنون السمعية والبصرية يؤسّس، من حيث لا يدري، أرضيةَ التشدّد الديني والتطرّف والعنف.

لا تعني الدعوةُ لبناء الرؤية الجمالية والتربية على تذوق الفنون السمعية والبصرية اختزال كل ذلك بالفضاء الحسي للجسد، ونفي جمال كلِّ شيء خارج حدوده.‏‏ الجسدُ مكونٌ أساسي في كيان الإنسان، غير أن وجودَ الإنسانِ أوسعُ وأكثفُ وأغنى وأعمق من حدود الجسد الضيقة. عندما يختزل الفنُ والجمال والبهجة بالجسد، فهذا موقفٌ ‏ينتهي إلى عبادةِ الجسد، وإلغاءِ كلّ شيء غيره، والعجزِ عن تذوق تجليات الجمال خارج الفضاء الحسي للجسد. عبادةُ الجسد تفضي إلى تدميرِ القيم، وانهيارِ العائلة وتمزّقِ نسيج المجتمع. انهيارُ العائلة يورثُ غيابَ الشعور بالحماية والأمان في الحياة.

الرؤيةُ الجمالية تعكسُ الوجهَ المضيء للحضارة

‏ الرؤيةُ الجمالية تعكسُ وجهَ الحضارة المضيء، وهي أحدُ أهم مفاتيح دراسة الحضارة والتعرّف على مستوى تطورها، وتجلي ‏النزعةِ الإنسانية فيها. الرؤيةُ الجمالية من الروافدِ المُلهمةِ لبناء الحضارة، ومن عواملِ ترسيخِ وجودِها وتراكم ثرواتها. تفتقدُ الحضارةُ هويتَها الإنسانية المبدعة الخلّاقة حين تفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم، ويتبلّدُ لدى إنسانِها الذوقُ الفني. تنمو الحضاراتُ وتُراكم منجزَها وتتسع بنموِّ وغزارةِ وتطور الفنون واتساعِ الرؤية الجمالية للعالَم، تفتقرُ الحضاراتُ وتضمحلّ بنضوب منابع إلهام الفنون وضيق الرؤية الجمالية للعالَم.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن التربية والتعليم لا يهتمون بالصلة العضوية بين التربية والتعليم والجمال، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفلسفة لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء العقل الفلسفي، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفكر لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء التفكير المبدع الخلّاق. أصحاب المشاريع الفكرية الذين انشغلوا بالكشف عن عواملِ الانحطاط وبواعثِ النهوض عند العرب، منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، لا يتنبهون للأثر الأساسي لتربيةِ الذوق الفني وإيقاظِ الحاسة الجمالية في النهضة والبناء والتنمية.كلّما زاد الوعيُ الفني ونضجت الحاسةُ الجمالية كلّما ازدادت قدرةُ الإنسان على بناءِ رؤيةٍ مضيئة للعالَم، وازدادت قدرتُه على جعل محيط عيشه على الأرض أرحب.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن الدين لا يهتمون بالصلة العضوية بين الدين والجمال. لم يهتم أكثرُ المصلحين والمجدّدين في عالَم الاسلام الحديثِ ببناءِ رؤيةٍ جمالية للعالَم تتكشف فيها الأبعادُ الجمالية للنصوص الدينية وما يكتنزه تراثُ العرفاء من رؤىً لتجليات الجمال الإلهي، ولم يهتموا بإيقاظ الأبعاد الجمالية في الدين. مَنْ ينشدُ إعادةَ فهم الدين في ضوء متطلبات العصر، عليه إعادةُ الاعتبار للجمال بوصفه قيمةً محوريةً لرسالة الدين، والبحثُ عن كلِّ ما من شأنه الكشفُ عنه في النصوص الدينية، وتفسيرُ هذه النصوص في سياق الحاجة الراهنة لبناءِ وترسيخِ الرؤية الجمالية للمسلم وتربيةِ ذوقه الفني.كلُّ إنسانٍ يفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم ويفتقرُ للذوقِ الفنيّ تشتدُّ عزلتُه عن العالَم، لأنه لا يرى في العالَم ما يألفه ويبهج قلبَه، وأحيانًا يراه قبيحًا ولا يجد وشيجةً تربطه بما حوله.

 

 

[1] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مجلد). مج4: ص269.

[2] الأعراف، 32.

[3] التين، 4.

[4] الانفطار، 6 – 8.

[5] الأعراف، 31.

[6] الصافات، 6.

[7] الكهف، 7.

[8] النحل، 8.

[9] الكهف، 46.

[10] الأنعام، 122.

[11] النور، 35.

[12] أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، كتاب آداب السماع والوجد، ج2: ص75. المكتبة الشاملة الحديثة على الإنترنت.

 

رابط النشر: