Category: العواطف

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

  د. عبد الجبار الرفاعي

أضعفت وسائلُ التواصل كثيرًا دورَ العائلة في التنشئة الاجتماعية، إلى درجةٍ أصبح الصغارُ يعيشون ويتفاعلون مع اليوتيوب وأمثاله أكثر من حياتهم وتفاعلهم وأحاديثهم مع الأبوين والأهل. الناشئة يحتاجون التسليةَ واكتشافَ كلّ شيء في الحياة، تغويهم وسائلُ اللعب المسلّية أكثر من أيّ شيء آخر. في وسائل التواصل المرئية يمكن التعرّفُ على الأشياء بسهولة بالصور ووسائل الإيضاح الجذّابة، وتوفر لهم طرائقَ للاندهاش واللعب، وعروضًا كوميدية ضاحكة لا يرونها خارجها، وغالبًا لا تتوفر في بيت العائلة والمدرسة.

أمضيتُ أسبوعين قبل مدة في بيت ابنتي د. تُقى وابنتها سميراميس، سميراميس بعمر عشر سنوات، حادة الذكاء ومتفوقة كأمها، لم تجلس معنا إلا وقتَ الطعام،كانت تستهلك وقتَها منذ تستفيق صباحًا بمشاهدةِ الأفلام والسياحةِ في وسائل التواصل المرئية والمسموعة، والتواصلِ مع ألينا بنت ابنتي أبرار في استراليا لعدة ساعات. سميراميس وألينا تتحدثان الإنجليزيةَ كأنها لغتُهما الأم، تتبادلان المعلومات عن: الأفلام، واكتشاف ثقافات العالم، والطبيعة، والحياة في البحار والمحيطات والأنهار، والمدن وتقاليد المجتمعات، وآخر معطيات العلوم والمعارف والذكاء الاصطناعي. تدهشني سميراميس حين تتحدث بما تعلمته من اليوتيوب ووسائل التواصل، تعرف أشياء مازلتُ أجهل كثيرًا منها.

يمكن إعادةُ بناء التربية والتعليم من خلال تطوير مناهج تواكب إيقاعَ الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة في وسائل التواصل، وإيقاظُ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية الضرورية لتحصين الجيل الجديد، وحمايته من الآثار السلبية لوسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لكن ذلك يتطلب خبراءَ مؤهلين أكاديميًا وقيميًا للنهوض بهذه المهمة الجسيمة. في أغلب البلاد العربية ينتمي العقلُ الذي يدير العمليةَ التربوية والتعليمية إلى عصرٍ لم تظهر فيه وسائلُ التواصل ولا الذكاء الاصطناعي، أعرف بعضَ مَن يديرون مؤسسات التربية والتعليم لا يمتلكون مهارات بسيطة للتعامل مع وسائل التواصل. في استطلاعٍ نُشر قبل سنوات قريبة رأيتُ بعضَ المسؤولين في الدولة لا يمتلكون بريدًا إلكترونيًا.

التربيةُ السليمة تعتمدُ الحصانةَ لا المنع، الأبناءُ ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذرُ علينا إرجاعَ الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا.كنتُ لا أمنعُ أولادي من اللعبِ في الشارع والاندماجِ بجيلهم، والتعرّفِ على الواقع ميدانيًا. أساعدهم على اكتشافِ ذواتهم، والتنقيبِ في خرائط دروبِ الحياة المتشعبة بأنفسهم، لئلا يعيشوا مغتربين عن عصرهم وجيلهم. أرشدهم، وأراقب سلوكَهم من بعيد، ولا أتدخل كثيرًا في حياتهم الخاصة وخصوصياتهم. حرصتُ على أن يكونَ أولادي كما هم لا كما أنا،كلٌّ منهم يشبه ذاته، ما أكرهتُهم على محاكاتي، ولم أحثّهم يومًا على استنساخ صورتي. تطورت شخصياتُهم في سياق طبيعتِهم البشرية وبنيتِهم النفسية وزمانِهم، فصاروا يعبّرون عن ذواتهم ورؤيتهم للعالَم وأحلامهم قبل تعبيرهم عني ورؤيتي للعالَم وأحلامي، وهذا سرّ النجاح في حياتهم.

لحظةَ تختفي الحياةُ العائلية لإنسانٍ تفرض وسائلُ التواصل حضورَها بالتدريج بوصفها عائلةً بديلة، يمكن أن توفِّر للإنسان تواصلًا يوميًا مع مَن يحتاج أو يشتاق للتواصل معه.كثيرٌ من العوائل اليوم، خاصةً الأفراد الذين يقيمون في بلاد متعدّدة، يلتقون بتواصلٍ يومي داخل مجموعة واحدة، تحضرُ فيها أخبارُهم وكلماتُهم وكتاباتهم وصورهم وأفراحهم وأحزانهم، ولا تغيب فيها أكثرُ مواقفهم ونشاطاتهم، يفيض بعضُهم على بعض المودةَ والأشواقَ وترقبَ اللقاء والتطلعَ إلى كلِّ ما يجعلهم أشدّ قربًا وتلاحمًا. ولا تخلو من متاعبهم ومواجعهم ومشكلاتهم وأحزانهم، يتعاونون معًا للتغلّب عليها، ويدعمون مَن يمرّ بظروفٍ قاهرة من أفراد العائلة.

تسهم وسائلُ التواصل في خفض معاناة كبار السن، وتخفض شيئًا من عزلتهم الموحشة. الشيخوخة منفىً موحش، أكثر الجيل الذي عاش معه الإنسانُ يغادر الحياة، أو تفرض عليه الأمراضُ ووهنُ البدن العزلة، الأبناء يذهب كلٌّ منهم إلى حياته الخاصة وشؤونها وشجونها. لا يحمي الإنسانَ من وحشة تقدّم العمر إلا تكثيفُ التواصل مع مَن يحب. الاستعمال الذكي لوسائل التواصل يحمي كبارَ السن من منفى العزلة. تجاوز عمرُ أحد الأصدقاء 90 عامًا، أمثالُه من المعمرين تفرض عليه الشيخوخةُ عزلةً مريرة، وأكثرُهم يضطرّ للعيش في دور العجزة، عندما لا يجد أحدًا من العائلة يواكبه في هذه المرحلة العمرية، ويؤمّن له متطلبات العيش الأساسية. صديقي إنسانٌ عالِم حكيم وواقعي اكتشف في وسائل التواصل عائلةً يعوّض فيها شيئًا من الافتقار للعائلة، ويكسر شيئًا من عزلة تقدّم العمر الكئيبة، فصار يكثّف تواصلَه اليومي بكلِّ إنسان تعرّف عليه يومًا في حياته في أيّ بلد كان. لم أرَه يومًا يضجر من تكرار مهاتفة بعض الأشخاص، الذين لا يجيبونه إلا مرة واحدة لو هاتفهم عدة مرات لكثافة وتراكم أعمالهم.

عويلُ الضحايا وصرخاتُ المعذبين كانت تموت داخل جدران الزنزانات الحزينة والكهوف المظلمة، تتمزق جلودُهم من أنواع التعذيب الشنيعة، ويمارس الجلادون كلَّ أساليب القهر وانتهاك الكرامة الفظيعة معهم ويسحقون شخصياتِهم بوسائل قذرة من دون أن يسمع بذلك أحدٌ خارج هذه الأقبية المظلمة الحزينة. في أكثر الدول لم يعد هؤلاء الجلادون يمارسون شناعاتِهم بعيدًا عن الافتضاح عبر الإنترنت وتطبيقات وسائل التواصل. لم يلبث عويلُهم يختنق وينطفئ في تلك الأقبية، بل أضحى بالإمكان أن يتردّد صدى عويلهم في أنحاء العالم المختلفة. المنظمات والهيئات والجماعات المدافعة عن الحقوق والحريات تستثمر تطبيقات وسائل التواصل بمهارة، وتحرص على تحشيدِ الأصوات وتعبئةِ المواقف المتضامنة مع الضحايا وتكثّف شعاراتِها ومطالبَها وما تذيعه من وثائق لفضح جرائم التعذيب والبطش في دول متعدّدة.

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا، بوصفي طالبًا للعلم وقارئًا شغوفًا كلّ حياتي، تعلمتُ كثيرًا مما يُنشر في وسائل التواصل. وبوصفي كاتبًا تعلمتُ أكثر منها، وقفتُ فيها على شيءٍ مما هو غاطسٌ داخل الإنسان، وما تعلنه بعضُ كلماته وما تضمره هفواتُه. اكتشافُ شيءٍ مما يختبئ داخل الإنسان أثمنُ اكتشافات حياتنا، لأنه يمكّننا من حماية أنفسنا من شروره. اكتشفتُ عبر وسائل التواصل شيئًا من التعصبات والكراهيات والشرور المختبئة في أعماق بعض الأشخاص، الذين يحاولون الاختباءَ خلف أقنعة يظهرون فيها بصورةٍ مضادّة لما يختبئ في داخلهم. رأيتُ المخيالَ والرغبات والعقد النفسية والأوهامَ تحضر في وسائل التواصل أكثر من الواقع، تتحدّث فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم وأوهامُهم وعقدُهم المكبوتة وأمراضُهم النفسية والأخلاقية بوضوحٍ لافت. لم تعد الحياةُ الخاصة مستودعًا للأسرار، كثرةُ ما ينشره بعضُ المدمنين على النشر ينضب فيها الواقع، ويتدفق شلّالُ المخيال والأوهام بفيض التمنيات والأحلام والأسرار المدفونة في الأعماق.

لا يتسع وقتي للذهاب إلى الأسواق والمناسبات الاجتماعية والمقاهي. السوقُ الذي أحتاج التسوقَ منه أحضر فيه عبر الإنترنت، الشارع أزوره بتطبيقات وسائل التواصل، كأن الفيس بك والتطبيقات المشابهة له أصبحت هي الشارع والسوق والمجال العام الحقيقي لا الافتراضي. أقرأ فيها واستمع وأرى كلَّ ما يزدحم في الواقع من ضجيج وضوضاء وصخب الأصوات العنيفة وغيرها. تعرفتُ بحضوري في تطبيقات وسائل التواصل على كثيرٍ من تفاصيل حياة المجتمع، وعاداته، وتقاليده، وثقافته، والقيم السائدة فيه، وعاهاته، وكثيرٍ من أمراضه الأخلاقية والنفسية،كما تعكسها منشوراتُ بعض الأشخاص وأحاديثُهم. لا أزهد بما تعلمته من الهامشي والتهكمي والغرائبي والتافه الذي يتفشى فيها، الذي تتجلّى فيه ثقافةُ المجتمع واهتماماتُه واحتياجاته وتمنياته وأوهامه. دعاني ذلك أيضًا لإعادةِ النظر بإصدار أحكام قِيْمة، تصف كلَّ ما يُنشر بأنه: هامشي أو تافه أو رديء أو عبثي. إن ما يتكشف في هذا النوع من الكتابات المتنوعة لا نراه أحيانًا في نصوص جادة.

ينبغي أن نعيد النظرَ بمثل هذه الأحكام الكلية الشاملة، في مثل هذه الحالات لا يتفق منطقُ البحث العلمي مع التعميم. يجدر بمن يحكم على تسمية الواقع الذي نعيشه اليوم بـ “التفاهة”، ويحكم بذلك على نمط وجود الإنسان الجديد الذي فرضه الإنترنت ووسائلُ التواصل أن يعيد النظرَ بهذا الحكم الكلي المتعجّل. يدهشني التسرعُ والتكرار بإطلاق كلمة “التفاهة”، بنحوٍ أضحت هذه التسميةُ فيه أحدَ الأحكام المبتذلة على كلِّ شيء جديد في الحياة الراهنة، على لسان كثيرٍ من المتحدثين.

وسائلُ التواصل قَدَر وجود الإنسان في عصر الإنترنت ووسائل التواصل، نادرًا ما نرى أحدًا من البشر اليوم غيرَ منخرط فيها، أو تخرج نشاطاتُه وما يمارسه في حياته عن الإنترنت. البشر جميعًا نقلهم الإنترنت ووسائلُ التواصل إلى نمطِ وجود مختلف شاؤوا أم أبوا. نمطُ الوجود هذا فرضته صيرورةٌ أبدية لن تتعطل ولن تعود للوراء إلا بانهيار هذه التكنولوجيا. ذلك ما يجعل الإنسانَ لا يرى بحضوره في الإنترنت ووسائل التواصل حرجًا قيميًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بوصف حياته صارتْ لا تتحقّق إلا في فضاء هذا الواقع الذي وجد ذاتَه تعيش فيه، ويجري تسيير ُكثيرٍ من معاملاته وعلاقاته وإدارة حياته في فضائه.

https://alsabaah.iq/89408-.html

 

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.

هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها[1].

الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ[2].

الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.

لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: “الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء… وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء”[3]. ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: “افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام… افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة”[4]. نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.

لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير. التكفيرُ يصادر كلَّ هذه الحقوق ويتنكّر لها، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا يعتقد إلا بوجود صورةٍ واحدةٍ لله، وتصورٍ واحد لصفاته، وطريقٍ واحد إليه، وقوالبَ جزميةٍ للاعتقاد به، وكلماتٍ أبديةٍ في التعبير عنه.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟

إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.

[1]الرفاعي، عبدالجبار، الحب والايمان عند كيركغورد، ص 12، 2016، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

[2] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 119 – 120، ط 2، 2019، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

 كنت، إيمانويل، الأخلاق عند كنت، ص 58، 1979، وكالة المطبوعات، الكويت. [3]

[4]  كنت، إيمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، ص 11، ط1، 2002، منشورات الجمل، كولونيا – ألمانيا.

 

رابط النشر:

 

الدينُ والرؤيةُ الجمالية للعالَم

الدينُ والرؤيةُ الجمالية للعالَم

د. عبد الجبار الرفاعي

  الفن لغة الجمال

يحتاج الإنسانُ إلى لغةٍ مكتفية بذاتها خارجَ اللغة، يتحدثُ فيها للوجود ويتحدثُ فيها الوجودُ إليه، لغةٍ يتذوقُ فيها إيقاعَ أنغام الوجود وألحانه. الفنُّ لغةٌ يتذوقُها كلُّ إنسان مهما كانت لغتُه وثقافتُه وديانتُه. الفنُّ ‏لغةُ الروح قبلَ العقل، لغةُ القلب قبلَ الفكر، لغةٌ آسِرةٌ تُصغي إليها المشاعرُ كأجمل ما تصغي لأية لغة. لغةُ الواقع المحسوس تُنهِك القلب، الفنُّ ‏لغةٌ يستريحُ فيها القلبُ عندما يُرهقه المكوثُ طويلًا في لغةِ الواقع المحسوس.

الجمالُ تعجزُ أيةُ لغة خارج الفن عن كشفِ حدود معناه. لا يجدُ الجمالُ ناطقًا بصوته أصدقَ من لغة الفن. يتعرف الإنسانُ على ذاته بالفنون السمعية والبصرية بأبهى ما يتعرف، ويشعر بتذوق نمطٍ من الوجود لا يتذوقه خارجها. تذوقُ معنى الجمال حالةٌ يعيشها الإنسانُ كتذوق الحُبّ والإيمان والسعادة وأمثالها من معانٍ وجودية. عندما يحتاجُ الإنسانُ إلى ‏لغةٍ عذبة يشتركُ بتذوقها الجميعُ يجدُ الفنَّ ناطقًا بهذه اللغة. الفنَّ يخاطبُ الإنسانَ بمعانٍ أكبر ‏من كلماتِه، ويتحدثُ لغةً تضيق بها أيةُ كلمات. ‏لغةُ الفن يشترك بتذوقها الجميع، المباهجُ الحسية يتذوقها الفردُ خاصة ولا تكون بالضرورة مشترَكةً بين الكلّ، مباهجُ الجمال‏ يتذوقها الفردُ مثلما يتذوقها كلُّ إنسان يتمتعُ بذوقٍ سليم.كلّما تعزّز حضورُ الجمال ‏في حياة الفرد والمجتمع اتّسعَ حضورُ القيم السامية‏. اتّساعُ تذوقِ الجمال يرادفُه انحسارُ لغةِ العنف وازدهارُ لغةِ السلام.

لا يخلو أيُّ مجتمع من الدين والأسطورة والفنّ والحُبّ. الفنُّ رديفُ الدين في التاريخ، حيثما عاش إنسانٌ في أيّ مكانٍ وزمانٍ تظهرُ في حياته تعبيراتٌ للدين وتعبيراتٌ للفن. لا تضادَّ بين جوهر الدين وما ينشدُه الفنُّ الأصيل.كلاهما ينشدُ فضحَ ظلام العالم، وإنقاذَ الروح من مواجع الحياة، وتأمينَ ملاذٍ يتنفس فيه الكائنُ البشري بعد اختناقه بحرائق الشرور التي تنهشُ قلبَه، وتعبثُ بكلِّ شيء بهيج في حياته.

الحضورُ الواسع للفنون الجميلة في أيِّ مجتمع يقوّم السلوك، ويخفضُ وتيرةَ التطرف، ويؤثرُ بشكلٍ مباشر على إشاعة الأمن والسلم المجتمعي. الفن الذي أتحدث عنه هو الفن الذي يُهذِّب المشاعرَ والعواطفَ والذوق ويقوّم السلوك. ولا أعني الفن المُمْتَهَن المُبتذَل، الذي يهدر العفاف، ويغوي بالتهتُّك والمجون، ويُحرّض على الكراهية والعنف.

كلُّ مجتمع يتوطنه الحُبُّ، والفنُّ، والتدينُ العقلاني الأخلاقي، تتوطنه قيمُ احترامِ المختلِف في المعتقَد، والعيشِ المشترك في إطار التنوع والاختلاف، وإن كان مثلُ هذا المجتمع يظلُّ حلمًا أكثر من تحقّقه في الواقع. الدينُ والحُبّ والفنُّ يغذّي كلٌّ منها الآخرَ ويتغذّى منه. الرؤيةُ الجمالية لله والعالَم تتوالد في سياق التفاعل الإيجابي الخلّاق لهذه العناصر الثلاثة. أتحدثُ هنا عن التدّينِ العقلاني الأخلاقي، والفنِّ الأصيل الذي يهذّب الذوقَ والأخلاق. لا أتحدّثُ عن الواقع الذي فرضته إكراهاتٌ تاريخية مريرة مازالت تتحكمُ به حتى اليوم.

التربية البصرية                   

أدرك الإنسانُ أهميةَ التواصل البصري منذ كان يعيشُ في الكهوف، فبدأ يرسمُ لوحاتِه على جدرانها، ولم يتوطن الإنسانُ مكانًا إلا وترك بصمتَه المرئية فيه. تحضر بقايا هذه البصمة في الصورِ والمنحوتات وأشكال بناء المساكن والعمارة، وتخطيطاتِ التجمعات السكنية والمدن التاريخية وأنماط نسيجها الحضري. نشاهدُ ذلك في الآثارِ المتنوعة للحضارات الشرقية والغربية، تتحدثُ الزقورةُ مثلًا عن الحضارة السومرية، والأهراماتُ عن الحضارة المصرية، وآثارُ تخت جمشيد عن الحضارة الأخمينية، والبارثينونُ على تل الأكروبوليس عن الحضارة اليونانية.كلّ الحضارات تكلّمُ آثارُها أبصارَ مشاهديها. تحتفظُ متاحفُ العالَم بمنحوتاتٍ وصور ونقوش ولُقى أثرية عن حضارات لا نعرف عن منجزاتها شيئًا لولا هذه الكنوز المادية الثمينة.

التربيةُ البصرية ضرورةٌ يفرضها إيقاظُ الدهشة، والابتهاجُ بتذوق الجمال، وإنتاجُ المعنى عبر التواصل البصري الذي تحكيه الرسومُ والصورُ والأشكالُ التعبيرية وكلُّ ما هو خارج الكلمات المنطوقة. التربيةُ في بلادنا تجهلُ الأثرَ الخلّاق للتربية البصرية، ولا تهتمُّ ببناء رؤيةٍ بصرية للتلامذة قادرةٍ على إنتاج معنىً لما يشاهدونه من رسوم وأشكال تعبيرية وأشياء وكائنات في الطبيعة.

التربيةُ الحديثة تجعلُ البصرَ في أولوياتها، فتضع خارطةَ طريقٍ علمية لإيقاظه وتنميته منذ المراحل الأولى نظريًّا وعمليًّا. تعتمدُ التربيةُ في برامج التعليم الأساسي الزياراتِ المستمرة للمتاحف الفنية والأثرية وأطلال المدن القديمة، وحدائقِ الحيوانات والغابات والحدائق والمتنزهات وغيرها من أجل إيقاظ البصر، وتدريب العيون مبكرًا على تذوق إبداع اللوحات وابتكار الأشكال التعبيرية، والبهجة بجماليات الوجود، وما تحتفل فيه الطبيعةُ من مياه وأزهار وأشجار ونباتات وكائنات وأشياء مبهجة.

‏ لا تكترث التربيةُ في مجتمعنا بالأثر الحيوي البنّاء للذوق الفني والحاسة الجمالية في تفكير الإنسان وفهمه ورؤيته للعالَم ومشاعره ومواقفه وسلوكه، ولا تتنبّهُ لما يمكن أن تُسهم فيه من خفضِ وتيرة العنف في المجتمع بكلِّ تعبيراته. عندما لا تعبأ العائلةُ والمدرسةُ بتربية الذوق الفني وإثراءِ الحاسّة الجمالية للأبناء يدخل هذا الذوقُ والحاسةُ الجمالية حالةَ خمولٍ وسبات، وربما يُصابُ الإنسانُ ببلادة تذوقِ الفنون، والعجزِ ‏عن الشعور بجمال الألوان والصور والموسيقى والألحان والأصوات، ‏ويظهر أثرُ ذلك في نمطِ إدراك صورة الله، وكيفيةِ فهم الإنسان للدين، وطريقةِ قراءته لنصوصه، وفي ثقافة الإنسان، ورؤيته للعالَم، وعلاقاتِه الاجتماعية، وكلِّ شيء في حياته.

تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، وحضورُ الفنون السمعية والبصرية، ومشاهدةُ اللوحات الفنية وتأملُ تعبيراتها ورموزها وألوانها، تبعثُ الهدوءَ والانشراح، وتمتصّ شيئًا من التوتر العصبي والسأم والضجر من مَلَلِ وإنهاكِ الأعمال اليومية ورتابتها وإرهاقها، وتقلّل من آلام مباغتات الحياة الموجعة. تربيةُ الذوق الفني وتنميتُه تعزّزُ الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع، وتُخَفِّض كثيرًا من الحزن والاكتئاب والغضب والحقد والضغينة والعنف والجريمة، وتكرّسُ السلمَ المجتمعي، وترسخ السلامَ العالمَي. تربيةُ الذوق الفني أخصبُ أرضيةٍ لاستنبات الحُبّ وتغذيته وتكريسه. المجتمعُ الذي يتجاهلُ تربيةَ الذوق الفني، ويفشل في تهذيبه، يفشل في بناء حضارةٍ حيّة، تتناغم وإيقاعَ العصر، وتستجيب لاحتياجات الإنسان المادية ولمتطلبات حياته المعنوية.

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا، الحُبّ مرآةُ الجمال، الجمالُ مرآةُ الحُبّ. لا حُبَّ ما لم يتجلَّ المحبوبُ جميلًا. عندما يلتقي الانسانُ جمالَ المحبوب كأنه يلتقي نفسَه، لأنه يرى كلَّ ما يتمناه لصورته فيه. الحُبّ مصدر الوعي الجمالي في حياة الكائن البشري، وهو ما يصيّر كلَّ شيءٍ في الوجود جميلًا. الحُبّ يلوّن الحياةَ بأبهى معانيها، ويكشف للإنسان أجملَ صورها المكتنزة. الحُبّ يضيء الحياة، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري فيها. حين ينبض قلبُ الإنسان بالحُبّ يرى كلَّ شيءٍ كأنه مخلوقٌ من جمال.

عندما يتغذّى الحُبّ من الجمال ويغذّيه يكون أحدَ أثرى منابع الأمل والتفاؤل والثقة بالغد، الثقةُ بالغد ضرورةٌ لتواصل إنتاج الحياة لأجمل معانيها. ما أجمل القلب الذي يغتسل بالحبّ صباح كلِّ يوم، ‏ليس هناك مطهّرٌ ساحر كالحب.كلّما اشتدَّ الحُبّ اشتدّت رغبةُ الإنسان بالحياة، الحُبّ يساعد الإنسانَ في التغلّب على قلقِ الموتِ، الحُبّ يمكن أن يكون إكسيرًا للحياة، يموت الإنسانُ داخلَ الإنسان لحظةَ يموت الحُبّ في الأرض. الحُبّ يضيء الحياةَ بمعناها الأجمل، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري وغربتَه فيها. الظمأ البشري للمحبّة حاجةٌ لا تتوقف ولا تنتهي، لحظةَ يفتقر الكائنُ البشري الحُبّ تفتقر حياتُه معناها الآسِر، فقدان الحُبّ في حياة إنسانٍ عاطفيّ مُرهَف الحسّ يقوده للحزن والتشاؤم والاكتئاب، وأحيانًا يكون أحدَ أسباب الانتحار.

تذوقُ جمال العالَم أحدُ أثرى عناصر إلهامِ أمل وتفاؤل الإنسان، وتحريرِه من اغترابه الوجودي، وإثراءِ قدرته على التفاعل الإيجابي الخلّاق مع كلّ ما حوله. الإنسانُ الذي يرى العالَم جميلًا ينخفض شعورُه بالغربة. مَنْ يتذوقُ جمالَ العالَم يعيش سلامًا للروح، وكلُّ من يعيش سلامًا للروح يحيا الخلقُ بجواره في سلام. يتحدث ابنُ عربي عن الصلةِ العضوية بين الجمال والحُبّ بقوله: “ولا شك أن الجمالَ محبوبٌ لذاته، فإذا انضاف إليه جمالُ الزينة فهو جمالٌ على جمال، كنور على نور، فتكون محبةٌ على محبة، فمن أحب الله لجماله، وليس جماله إلا ما يشهده من جمال العالَم، فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالَم لجماله فإنما أحب الله، وليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالَم… فأوجد اللهُ العالَم في غاية الجمال والكمال خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحبّ نفسه، ثم أحبّ أن يرى نفسَه في غيره، فخلقَ العالَم على صورة جماله، ونظرَ إليه فأحبّه حُبَّ مَنْ قيَّدَهُ النظر، ثم جعل عزّ وجل في الجمال المطلق السّاري في العالم جمالًا عرضيًّا مقيدًا، يفضل آحاد العالَم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل”[1].

حاجة الإنسان للجمال أساسية

حاجةُ الطبيعة الإنسانية لتذوق الفنون البصرية والسمعية في العالم حاجةٌ أساسية كحاجة الإنسان للحبّ. لا يمكن أن يخلقَ اللهُ في الطبيعة الإنسانية حاجةً أساسية ويُحرِّم على الإنسان إشباعَها، وذلك ما تشير إليه الآيةُ: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”[2]. لا يمكن أن يستغني الإنسانُ عن الجمالِ، حاجةُ الإنسان لمتعةِ تذوق تجليات الجمال في الوجود رافدٌ يعزّز السلامةَ النفسيةَ والسكينة الروحية. تذوقُ الجمال انكشافٌ متبادَل، ففي الوقت الذي ينكشفُ للإنسان فيه جمالُ الوجود، ينكشف له جمالُ ذاته، بمعنى أنه مثلما ينكشف فيه المُشاهَد بشكل مُضِيء، يتحقّق فيه المُشاهِد بشكل مُضِيء أيضًا. حين يبتهج الإنسانُ بتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود يتكامل بمرتبةٍ أسمى. وقتئذٍ يكونُ الشعورُ الجمالي تعبيرًا عن الشعور الديني، والشعورُ الديني تعبيرًا عن الشعور الجمالي.

مشاهدةُ القلوب لتجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود تصيّر كلَّ شيء مرآةً ينعكس عليها ذلك الجمال، وتتذوق في كلِّ شيء جمالًا يشاكله. يتسعُ في فضاء مشاهدة القلوب الأُفقُ الروحي للجمال ليكون أُفقًا كونيًّا مشتركًا، لا تضيقُ فيه مضائقُ المكان والزمان. الأفقُ الروحي للجمال يكفلُ حمايةَ الإنسان من الاغتراب الوجودي، وتكريسَ سكينة الروح وطمأنينة القلب.

شحةُ الجماليات في أعمالنا، وطغيانُ الفنون المبتذلة، واضمحلالُ الأبعاد الجمالية في البناء والعمارة والسينما والمسرح ووسائل الإعلام والدعاية والإعلان وكلِّ شيء، تجعل الإنسانَ ينفرُ من الحياة ويشعرُ بالغربة والاختناق. يكتئبُ الإنسانُ عندما يرى العالَمَ مشوّهًا قبيحًا مظلمًا، لا يبوحُ بأي معنىً جميل يفيضُ على قلبه الطمأنينةَ، وعلى روحه السكينةَ. تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، تخفضُ الاكتئابَ والسأم والضجر والحزن، وتعزّز الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع.

إن كان الإنسانُ يعيشُ في ‏مجتمعٍ لا يكترث بالجمال، ويطغى فيه صوتُ الكراهية والعنف، يتبلّد ذوقُه الفني، وتتعطل حواسُّه الخاصة بتذوق الألوان والأصوات والألحان. تذوقُ الجمال يحتاج تربيةَ الذوق الفنيّ منذ الطفولة، ولابد أن تتواصلَ هذه التربيةُ كلَّ حياة الإنسان. تربيةُ الذوق الفني ذاتُ صلةٍ مباشرة بالرؤية الجمالية للعالَم، ونمطِ تمثّلها في اللاشعور الفردي والجمعي. تنعكس رؤيةُ العالَم على صلة الإنسان بما حوله من: بشر، وكائنات حيّة، وأشياء، كما تنعكس على نمطِ صلته بالله. تربيةُ الذوق الفني تدخل عنصرًا أساسيًّا في إنتاج رؤيةٍ مضيئة للعالَم. الرؤيةُ المضيئةُ للعالَم تعيد إنتاجَ الذوق الفني مثلما يعيد الذوقُ الفني إنتاجَها.

إن كانت بصيرةُ الإنسان حاذقةً، وذوقُه الفني صافيًا، وحاسّتُه الجماليةُ مضيئةً، تصبح رؤيتُه للعالَم مضيئة، يرى هذا الإنسانُ صورةَ الله مشرقةً، ويكتشف تجلياتِ جماله. يستطيع مَنْ يمتلك رؤيةً مضيئةً للعالَم أن يسهمَ في تشكيل صورٍ مضيئة للأشياء، إذ يمكنه أن يعيد بناءَ كلِّ شيء في الأرض بشكلٍ يكشف لنا عن جماله، يقول غوته: “يمكنك أن تصنعَ الجمالَ حتى من الحجارة التي توضع لك عثرةً في الطريق”.

مَنْ ورّطته الأيامُ وفرضت عليه ظروفُ حياته صلةً بكائنٍ بشري يعجز عن رؤية ما هو جميل في العالَم، ولا يرى شيئًا إلا ويحاول أن يرسمَ له صورةً قبيحة، ولا تتحسّسُ مشاعرُه الفنونَ السمعية والبصرية، ولا يتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود، عليه الهروبُ منه، لئلا تتسمم روحُه، ويلبث حزينًا يبكي قلبُه كلَّ يوم.

إنتاج المعنى الجمالي أحد الأهداف المحورية للدين

  لما كان الدينُ: “حياةً في أُفق المعنى تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” حسب التعريف الذي نقترحه، يكونُ إنتاجُ المعنى الجمالي أحدَ الأهداف المحورية للدين. وفي ضوء هذا الفهم يفرض الدينُ على أتباعه الإسهامَ في رسمِ صورةٍ أجمل للعالَم، والكفُّ عن الإسهام في رسم هذه الصورة لا يعدّ موقفًا إيمانيًّا أصيلًا. التعبيرُ الجمالي عن الدين ضرورةٌ، بوصفه ضمانةً لإحياءِ رسالة الدين الحيَة المُلهمة لمعاني الخير والمحبة والسلام والتراحم في كلِّ عصر، ويكون هذا التعبيرُ أشدَّ ضرورة عندما يتفشّى قبحُ التعبير المتوحش عن الدين.

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي، لا يختزل الجمالَ بجمالِ الروح فقط، ولا يتجاهلُ حاجةَ الإنسان للاستمتاعِ بالجمال الحسّي. الجمالُ ماثلٌ في خلقِ الإنسان والطبيعة والكائنات المتنوعة فيها، إذ تشيرُ آياتٌ عديدة إلى كيفيةِ خلق الله للإنسان بأجمل صورة، مثل: “لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”[3]، “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ”[4]، وتأمر آيةٌ أخرى بأخذِ الزينة: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”[5]، وتتحدث آياتٌ عن جمالِ السماء وما فيها والأرض وما عليها: “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ”[6]، “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً”[7]، وتشير آياتٌ إلى جمال الحيوانات: “وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً”[8]. وتكشف الآيةُ: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”[9]، عن سعادةِ الإنسان بوجودِ الأموال والبنون. ومثلما يتحدثُ القرآنُ عن الجمالِ الحسّي يتحدثُ أيضًا عن نوعٍ فريد يلامسُ الروحَ من تجليات الجمال: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”[10]، تتحدث الآيةُ عن جمالٍ يضيء روحَ الإنسان، جمالٍ يجعل الإنسانَ الذي كان معتمًا ميتًا تنبعث فيه حياةٌ من النوعِ الذي يجعله مضيئًا، فبعد أن تشرقَ الأنوارُ الإلهية على روحِ هذا الإنسان يمشي بين الناس وكأنه شلّالٌ من نور. ومن أجملِ ما يرسمه القرآنُ من المشاهد المبهِرة للجمالِ ما جاء في آيةِ النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ”[11].

الموقفُ الديني الذي يصرّ على إدانة الفن والجمال، ويزدري كلَّ أشكال الحُبّ والفرح والمسرات، يعملُ من حيث لا يدري على تضييق أفق المعنى الذي يلهمه الدين للحياة، وتجفيفِ منابع إيقاظ المشاعر والعواطف الإنسانية الدافئة. لا ينقذنا من التديّن المتشدّد إلا حضورٌ فاعلٌ للفنون بتعبيراتها البصرية والسمعية، وتديّنٌ يتكلمُ لغةَ المحبة، وحياةٌ روحية تسهم في إثرائها الفنونُ، وتضيؤها الرؤيةُ الجمالية للعالَم. ينبّهُ أبو حامد الغزالي إلى أن الأطفالَ لحظةَ يبكون وتُنشِدُ أمهاتُهم كلماتٍ ملحّنةً بنغمة صوت عذب، سرعان ما تجدهم ينشرحون ويبتهجون. ذلك مؤشرٌ على احتياج الإنسان الأساسي للفنون البصرية والسمعية، خاصةً وأن شخصيةَ الأطفال مبرأةٌ من الترويض على التقاليد والأعراف والعادات المتشددة، وبوصفهم مازالوا لم يخضعوا لتدجين قيم المجتمع وتقاليده ومعتقداته وثقافته، وهم الأكثرُ تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية واحتياجاتها الأساسية العميقة. يكتب أبو حامد الغزالي: “لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرًا عجيبًا، فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن، ومنها ما ينوّم، ومنها ما يضحك ويطرب، ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس. ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار، حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج. وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده، فإنه يسكنه الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه. والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثراً يستخف معه الأحمال الثقيلة”[12].

‏ مادامت الحاجةُ للفنون السمعية والبصرية وتذوق الجمال من الحاجات الأساسية لحياة الإنسان، فإن عدمَ إشباع أية حاجة أساسية يؤدي إلى تراكم الكبت والحرمان الذي يغذّي مخزونَ العنف، ويمكن أن يتفجّرَ في أي انفعالٍ ‏بعنفٍ لفظي، وأحيانًا جسدي، مضافًا إلى تراكم مخزون العنف الرمزي، وتفشي عنف لغة الجسد في المجتمع. تحريمُ كلِّ أشكال الفنون السمعية والبصرية يؤسّس، من حيث لا يدري، أرضيةَ التشدّد الديني والتطرّف والعنف.

لا تعني الدعوةُ لبناء الرؤية الجمالية والتربية على تذوق الفنون السمعية والبصرية اختزال كل ذلك بالفضاء الحسي للجسد، ونفي جمال كلِّ شيء خارج حدوده.‏‏ الجسدُ مكونٌ أساسي في كيان الإنسان، غير أن وجودَ الإنسانِ أوسعُ وأكثفُ وأغنى وأعمق من حدود الجسد الضيقة. عندما يختزل الفنُ والجمال والبهجة بالجسد، فهذا موقفٌ ‏ينتهي إلى عبادةِ الجسد، وإلغاءِ كلّ شيء غيره، والعجزِ عن تذوق تجليات الجمال خارج الفضاء الحسي للجسد. عبادةُ الجسد تفضي إلى تدميرِ القيم، وانهيارِ العائلة وتمزّقِ نسيج المجتمع. انهيارُ العائلة يورثُ غيابَ الشعور بالحماية والأمان في الحياة.

الرؤيةُ الجمالية تعكسُ الوجهَ المضيء للحضارة

‏ الرؤيةُ الجمالية تعكسُ وجهَ الحضارة المضيء، وهي أحدُ أهم مفاتيح دراسة الحضارة والتعرّف على مستوى تطورها، وتجلي ‏النزعةِ الإنسانية فيها. الرؤيةُ الجمالية من الروافدِ المُلهمةِ لبناء الحضارة، ومن عواملِ ترسيخِ وجودِها وتراكم ثرواتها. تفتقدُ الحضارةُ هويتَها الإنسانية المبدعة الخلّاقة حين تفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم، ويتبلّدُ لدى إنسانِها الذوقُ الفني. تنمو الحضاراتُ وتُراكم منجزَها وتتسع بنموِّ وغزارةِ وتطور الفنون واتساعِ الرؤية الجمالية للعالَم، تفتقرُ الحضاراتُ وتضمحلّ بنضوب منابع إلهام الفنون وضيق الرؤية الجمالية للعالَم.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن التربية والتعليم لا يهتمون بالصلة العضوية بين التربية والتعليم والجمال، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفلسفة لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء العقل الفلسفي، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفكر لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء التفكير المبدع الخلّاق. أصحاب المشاريع الفكرية الذين انشغلوا بالكشف عن عواملِ الانحطاط وبواعثِ النهوض عند العرب، منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، لا يتنبهون للأثر الأساسي لتربيةِ الذوق الفني وإيقاظِ الحاسة الجمالية في النهضة والبناء والتنمية.كلّما زاد الوعيُ الفني ونضجت الحاسةُ الجمالية كلّما ازدادت قدرةُ الإنسان على بناءِ رؤيةٍ مضيئة للعالَم، وازدادت قدرتُه على جعل محيط عيشه على الأرض أرحب.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن الدين لا يهتمون بالصلة العضوية بين الدين والجمال. لم يهتم أكثرُ المصلحين والمجدّدين في عالَم الاسلام الحديثِ ببناءِ رؤيةٍ جمالية للعالَم تتكشف فيها الأبعادُ الجمالية للنصوص الدينية وما يكتنزه تراثُ العرفاء من رؤىً لتجليات الجمال الإلهي، ولم يهتموا بإيقاظ الأبعاد الجمالية في الدين. مَنْ ينشدُ إعادةَ فهم الدين في ضوء متطلبات العصر، عليه إعادةُ الاعتبار للجمال بوصفه قيمةً محوريةً لرسالة الدين، والبحثُ عن كلِّ ما من شأنه الكشفُ عنه في النصوص الدينية، وتفسيرُ هذه النصوص في سياق الحاجة الراهنة لبناءِ وترسيخِ الرؤية الجمالية للمسلم وتربيةِ ذوقه الفني.كلُّ إنسانٍ يفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم ويفتقرُ للذوقِ الفنيّ تشتدُّ عزلتُه عن العالَم، لأنه لا يرى في العالَم ما يألفه ويبهج قلبَه، وأحيانًا يراه قبيحًا ولا يجد وشيجةً تربطه بما حوله.

 

 

[1] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مجلد). مج4: ص269.

[2] الأعراف، 32.

[3] التين، 4.

[4] الانفطار، 6 – 8.

[5] الأعراف، 31.

[6] الصافات، 6.

[7] الكهف، 7.

[8] النحل، 8.

[9] الكهف، 46.

[10] الأنعام، 122.

[11] النور، 35.

[12] أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، كتاب آداب السماع والوجد، ج2: ص75. المكتبة الشاملة الحديثة على الإنترنت.

 

رابط النشر:

التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل

               التاريخُ صنعته العواطفُ مثلما صنعه العقل

 

د. عبد الجبار الرفاعي

أعرفُ تلميذَ ماجستير ذكيًا مهذّبًا، فنّانًا صاحبَ ذوق رفيع، شكا لي بمرارةٍ عن معاناته وزملائه من أحد الأساتذة، يصفُ التلميذُ هذا الأستاذَ ‏بقوله: إنه يغار من تلامذته، ويقلقه تفوّقُ الأذكياء، فيوبّخهم باستمرار بلا سبب، ويسخرُ من إجاباتهم، وأحيانًا يتعسّفُ في معاملتهم، ويزدري ما ينجزونه بشكل موجع، ما يضطرُ بعضَهم لترك الدراسة والتضحية بمستقبله.

يشكو تلامذةٌ من أستاذ تورطوا بالحضور لديه مدة من الزمن، قبل أن يتعرفوا على أخلاقه والبنية السيكولوجية المعقدة لشخصيته. قالوا بأنه كان يذمُ بقسوة مَنْ تربطنا بهم علاقات، ويتظلّمُ بمرارة من إهمالِ الناس له، وعدمِ الانشغال بموهبته وذكائه وعلمه ومنجزه. هذا الأستاذ شخصيتُه سامّة، مصابٌ بعاهات نفسية وأخلاقية مزمنة، كان لا يطيقُ أن يتعاملَ معه الناسُ إلا بالتبجيل والتعظيم. إذا لمح نظرةً أو موقفًا من أيّ شخص وظنّ أنه لم يُظهر الاحتفاءَ به يشكوه بتوجع. يذمُّ الناسَ ويهجوهم لا لشيء إلا لنفورٍ عنيف لديه منهم، يتلذّذ بهجاء غيره، لا تسمع منه تبجيلًا ولا ترى منه احتفاءً بإنسان، ولا ثناء على منجزه، خاصة مَنْ كانوا من ذوي المنجز اللافت، يشعر كأن اللهَ خلق الناسَ ليكونوا خدمًا له. بعد تقدّم عمرُه وجد نفسَه غريبًا بين الكلّ، تواصل فرارُ تلامذته واحدًا بعد الآخر، أكثرُهم لم يمكث معه إلا سنةً أو أقل، كذلك تفرّق كلُّ أصدقائه عندما أدركوا عجزَه عن مداوة نفسه، وعجزَهم عن تخليص أنفسهم من هجائه لهم، ويأسَهم من تخليص الناس من شتيمته. بعضُ الناس عندما يفعلون أيَّ شيء يترقبون من الكلِّ أن يبدي إعجابَه واحتفاءَه بفعلهم، لكن لا تسمع أو ترى منهم تثمينًا لمنجز أي إنسانٍ آخر، مهما كانت قيمةُ منجزه وأثره. يظنون أنّ مهمةَ الناس التصفيقُ لهم، من دون أن يبادروا بتقديم أيّ شيء لغيرهم.

الأخلاقُ والعواطفُ الصادقة إكسيرُ العملية التربوية والتعليمية. تخفق التربيةُ والتعليم عندما يفتقرُ الأستاذُ للذكاء العاطفي، ويعجزُ عن التعامل مع تلامذته بأبوة أخلاقية مشفِقة. أحيانًا تكون الكلمةُ سرَّ الحياة، وأحيانًا تكون الكلمةُ رصاصةً قاتلة.‏ تشجيعُ التلميذ ‏والاعترافُ بمنجزه مهما كان ضئيلًا، يمدُّه بطاقة خلّاقة توقدُ مواهبَه الكامنة. ‏إهمالُ التلميذ وعدمُ تشجيعه، يعطّل مواهبَه وربما يميتُها. ‏الأخطرُ من ذلك الازدراءُ بما ينجزُه التلميذ، فإنه يشعرُه بالعجز التام، ‏وربما ينتهي إلى إعاقة ذهنية لدى التلامذة العاطفيين جدًّا.

بعضُ الناسِ يتهرب من أية مسؤولية أخلاقية تجاه الغير، يترقب تضحيةَ الكلّ من أجله، من دون مكافأة أحدٍ حتى بكلمة شكر. التهربُ من المسؤولية ضربٌ من خيانة الضمير الأخلاقي. تحمّلُ المسؤولية تضحية،كلُّ تضحيةٍ تمنحُ الإنسانَ معنى جديدًا لحياته لا يتذوقه خارجَها. التضحيةُ بكلِّ مستوياتها وأنواعها وتعبيراتها تُسعِد مَنْ يضحّي، سواء أكانت بإنفاق المال أو الجهدِ أو الراحةِ أو الوقتِ أو الشفقةِ على أنين الضحايا والبؤساء والصبرِ الطويل على إغاثتهم ماديًا وعاطفيًا، أو غير ذلك من المبادرات الإنسانية لإسعاد الغير. تحمّلُ المسؤولية ينتقل بالإنسانِ إلى طورٍ أخلاقي أنبل، لأنه يتقاسمُ حياتَه مع إنسان آخر، ويسهم بجعل العالَم الذي يلتقي فيه الجميع أجمل. تحمّلُ المسؤولية تجاه العائلة والمجتمع والوطن والطبيعة وغيرها من أسمى ما تتجلى فيه إنسانيةُ الإنسان. ما يواجه الإنسانَ الأصيل من متاعبَ وآلام من أجل إسعاد الغير لا يرهقُه بل يشعرُه بالرضا والغبطة.

يتسامى الإنسانُ بمستوى تحمّله المسؤولية. تحمّل المسؤولية مرآةٌ ينعكسُ فيها سموُ الإنسان وعلوُ مقامه ويقظةُ ضميره الأخلاقي. يرتفع مقامُ الإنسان بارتفاع شعوره بالمسؤولية وسعيه لتحمّلها. يتناسبُ تحمّل المسؤولية ‏مع المكانة الوجودية ‏للإنسان في العالَم. الكبارُ يتحمّلون المسؤوليات الكبيرة تجاه الإنسان والكائنات الأخرى والطبيعة والعالَم. ‏الإنسانُ غير المسؤول ينتهكُ حقَّ مَنْ حوله، ويتحوّل إلى عبءٍ على ذاتِه.

 

الذكاءُ العاطفي  

الذكاءُ العاطفي مهارةُ الاعتراف بالآخر وتثمين منجزه مهما كان صغيرًا، الذكاءُ العاطفي وعيٌ بكيفية التحكم إيجابيًّا بلطف لا بتسلط وقهر لمشاعر الآخرين. الذكاءُ العاطفي براعةٌ في اكتشافِ بواعث التفاعل والرغبة الكامنة لدى الإنسان، وإتقانِ وسائل التأثير العاطفي عليه وما يدعوه للانجذاب للآخر، ومعرفةِ مواطن انفعاله وتحسّسه وغضبه، وتجنّبِ ما يتسبّب في امتعاضه ونفوره.

الذكاءُ العاطفي مضافًا إلى أنه موهبة، ‏هو خبرةٌ عملية تتراكم وتتكرّس بالممارسة، وتسقيها المراجعةُ النقدية لأسلوب التحدّث والسلوك والمواقف المتنوعة عند معاشرة الإنسان، والندمُ على ما يرتكبه الإنسانُ من أخطاء في العلاقات الاجتماعية، وتدريبُ الذات على الخلاص منها، عبر الأساليب التربوية والنفسية والأخلاقية.

معاملةُ الإنسان برفق ولطف ودبلوماسية قدر الإمكان، وغضُّ النظر عن مواطن القصور والهشاشة في شخصيته، لا تعني الخداعَ أو النفاقَ في معاملته، ولا تعني الكذبَ عليه، بل تعني الصمتَ في مقام يتطلبُ الصمت، وعدمَ إعلان كلّ ما نعرفه عن شخصيته، وما تتكشّف من هِنات أقواله ووهن أفعاله. الإنسانُ بطبيعته ينفرُ بشدّة من فضح أخطائه، لأن ذلك يشي بتوبيخه، وشعوره المرير بأنه تشهيرٌ بنقصه. الإنسان ينزعج من كشف ضعفه ونقصه، كلُّ إنسان يطلب الكمالَ ويبحثُ عمن يتحدثُ له عن مواطن الجمال والقوة والتفوق في شخصيته.

لا يعني الذكاءُ العاطفي التواطؤَ مع الظلم والجريمة وخيانةَ الضمير الأخلاقي، بل يعني الخلاصَ من الشعور بالوصاية على الغير، والشفاءَ من مراقبة خصوصيات الناس واقتحام حياتهم الخاصة، والكفَّ عن العبث بسلامهم الداخلي، وإثارة مشاعرهم، وعدمَ التفتيش عن ثغرات شخصياتهم وأخطائهم، واستفزازهم بفضحها أمامهم أو إشاعتها في غيابهم. الذكاءُ العاطفي يتطلب الوعيَ بأن الإنسانَ كائنٌ انفعاليّ حسَّاس جدًا، شخصيته مركبة من طبقات عميقة مهما كانت تظهر لنا مسطحةً وساذجة. في شخصية كلِّ إنسان ثوابت تشكّلت في مرحلة طفولته، هذه الثوابت تظل تعيش معه إلى آخر يوم في حياته، وإن كان أكثرُها خفيًّا لا يعلن عن حضوره إلا في بعض الهفوات والمواقف الحرجة. لا يتغير الإنسانُ بموعظة أو مقترح أو توصية، ما يمكن أن يغيّر الإنسانَ تغيّرُ نمطِ وعيه، وظروفِ عيشه، وتبدّلُ قناعاتِه، وكيفيةِ تعريفه لذاته، ورؤيتِه للعالَم. ما يغيّره هو الصدماتُ الموجِعة التي تزلزلُ أمنَه وتهدّد عيشَه، إن كان قادرًا على وعيِها والإفادةِ من دروسها القاسية. المحبةُ والإيمانُ والعواطفُ الصادقة والتضامنُ الإنساني يمكن أن تغيّر الإنسان.

الذكاءُ العاطفي ليس كلمات مجاملة بلا مضمون عملي، لا ينجح الذكي عاطفيًا إلا أن يرى الناسُ سلوكَه صدىً لأقواله. الذكاءُ العاطفي مواقفُ صادقة في الرخاء والشدّة. أعرف أشخاصًا يمتلكون ذكاء عاطفيًا، ويجيدون تسويقَ أنفسهم في العلاقات العامة، إلا أنهم يعجزون عن تجسيد كلماتهم في سلوكهم، أحيانًا ينهشون غيرَهم في غيابهم بشراسة، فيفرّ الناسُ من بين أيديهم، وإن ظفروا بعلاقة مميزة بهم. الكذّابُ والمحتال والمراوغ والماكر، حتى لو كان يمتلك ذكاءً عاطفيًا، يفشلُ في بناء علاقات راسخة بالناس لافتقاره للمصداقية. أعرفُ بعضَ الناس يُظهرون اهتمامًا بغيرهم في تواصلهم وعباراتهم المنتقاة بعناية، غير أن مواقفَهم تكذّب كلماتِهم.

الحُبّ غيرُ الذكاء العاطفي. الذكاءُ العاطفي يتطلب عقلًا ذكيًا في إدارة العلاقات بما لا يزعج الآخر، وإرادةً حازمة في الخلاص من العاهات والمواقف المنفّرة له، وإتقانَ الكلمات الدافئة، والمواقفَ الأخلاقية في التعامل مع الناس. ‏ليس بالضرورة أن يكون الذكيُّ غزيرَ العاطفة، وإن كان من الضروري أن يكون صادقًا. الذكي عاطفيًّا محترِفٌ لإظهار الاعتراف بالناس والاهتمام بهم ورعايتهم وتشجيعهم، وحريصٌ على عدم إزعاجهم بأية كلمة قاسية أو موقف جارح.

لا تضادَ في الجمع بينَ الذكاءِ الذي يشيرُ إلى العقل، والعاطفةِ وما ينبعثُ من دوافع لدى الإنسانِ خارجَ العقل. عمليةُ الجمع تعني التفكيرَ الواقعي الحكيم بتوجيهِ العواطفِ والسعيَ لتوظيفها في بناء علاقاتٍ إنسانية صادقة. الذكي عاطفيًا يُفكّر بكيفية إدارةِ عواطف الناس؛ ويتقن التعاملَ معهم بلغةٍ مهذبة، والتأثيرِ عليهم بأساليب محبّبة للأنفس.

ليس بالضرورة أن يكون الإنسانُ العاطفي ‏ذكيًّا عاطفيًّا، ربما يفتقر الإنسانُ العاطفيُّ ‏للذكاء العاطفي، ‏وقد يكون سلوكُه منفّرًا، لا يتعطّش الناسُ للتواصلِ معه والارتباطِ به، ولا يتلمّسون لديه ما يشجّعهم على صداقته. ربما يكون الإنسانُ عاطفيًّا لكنه متمركزٌ حولَ ذاته، بنحو لا يتنبهُ لما ينجزُه غيرُه وإن كان ثمينًا ولافتًا للنظر، أو يتعمدُ تجاهلَه ولا يهتمُ به. وكأنه لا يعلمُ بأن التجاهلَ والإهمالَ وعدمَ الاكتراث بما يراه جميلًا في أقوال من يتعامل معه وأفعاله صورةٌ للبلادة العاطفية. التجاهلُ ‏أحيانًا والإهمال أسوأ أشكال عدم الاحترام، وقد يصلُ الشعورُ بالتجاهل عند الأشخاص الحسّاسين حدَّ الإهانة.

أعذبُ شخصيةٍ يلتقي فيها الذكاءُ العاطفي بالمشاعر الصادقة المتدفّقة. ربما يكون الإنسانُ عاطفيًّا حميميًّا، غزيرَ المشاعر، يحتاجُ المحبّةَ أكثر من غيره من ذوي المشاعر الباردة، لكنه يعجزُ عن محبّة الناس، لشعوره الدائم بالتفوق على غيره، ولغيرته المرضية تجاه كلّ ناجح، وللعقد التربوية المترسبة في أعماقه، فيحبس نفسَه في محيط عدائي يصنعُه هو، ويظلُّ يكابدُ كلَّ حياته للخلاص منه دون أن يتخلص.

الحُبُّ أثمنُ رأسمال للمعنى

الإنسانُ كائنٌ مسكون بطلب الاعتراف، شغفُ الإنسانِ بالاعتراف يدعوه للتطلع للثناء على كلِّ شيء يقوله ويفعله، ‏الحُبّ أسمى معاني الاعتراف. ‏لغةُ الحُبّ والجمال توقظُ الحماسَ للحياة في أعماق الإنسان. تُفسِد المعتقداتُ الإقصائية الحُبَّ وتُسمّمه، يعجزُ مَنْ يعتنق هذه المعتقدات عن حُبّ المختلِف في المعتقَد. عندما يصدرُ الحُبّ بقرار من سلطة سياسية أو دينية أو أيديولوجية، وتصدرُ الكراهيةُ بقرار، ويصدرُ التضامنُ مع جراح الضحايا بقرار، فلا دليلَ أوضحُ من ذلك على أن الإنسانَ ماتَ في داخل الإنسان.

الحُبُّ الأصيل أثمنُ رأسمال للمعنى تمنحه الحياةُ للإنسان، حيثما يكونُ الحُبُّ يكونُ معنى الحياة. الحُبُّ يُعلِّمُ الناسَ كيف يستمعون لنداء قلوبهم، الحُبُّ أعذبُ معاني الفرح. الحُبُّ مُلهِمٌ لمعادلة تغيير الذات بلا إكراه أو قهر، معادلة التغيير في الحُبّ ديناميكية لا ميكانيكية. الحُبُّ مُلهِمٌ لكلِّ ما أنجزته الإنسانية من إبداعات واختراعات واكتشافات في مختلف العلوم والفنون والآداب، كان ومازال الحُبُّ والشغفُ يمدُّ الإنسانَ بالصبرِ الطويل والطاقةِ الضرورية لإنجاز الأحلام الكبيرة.

مهما كان الانسانُ ‏صغيرًا أو كبيرًا يحتاج الحُبَّ والدعمَ العاطفي. دورُ العاطفة في التربية والتعليم أكبرُ من دور العقل، إذا أراد المعلّمُ التأثيرَ الفَعَّال في أذهان تلامذته عليه أن يبدأ بعواطفهم. الخلطةُ السحرية لمعادلة التربية والتعليم تغذّيها العواطفُ قبل العقل. متى ازدادت العواطفُ ازدادَ تحفيزُ المواهب وايقاظُ الوعي وإثراءُ المهارات، الاعترافُ بمنجز التلميذ والاعجابُ بجهوده وتشجيعُه إكسيرُ التربية والتعليم. ‏التاريخُ البشري صنعته العواطفُ مثلما صنعه العقل. العلومُ والفلسفة والفكر صنعها العقلُ أكثر مما صنعتها العواطفُ والانفعالات والمعتقدات والهويات. تتجاذب التفكيرَ العواطفُ والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقلُ والتفكيرُ النقدي من جهة أخرى. ‏الفلسفةُ والعلوم والتفكير النقدي يتغلبُ فيها العقلُ على العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات.

القلبُ مرآةٌ يضيؤها الحُبّ، القلبُ الذي يعيشُ الحُبَّ لا تدركه الشيخوخة، الحُبُّ يغيّر مادام متوهجًا، في الحُبّ يتجلى أجملُ ما في الإنسان، وتنبعثُ منابعُ الخير المودَعةُ في أعماقه. في التربية والتعليم الحُبُّ يغيّر؛ يوقظُ العقلَ، ويروي المواهبَ، ويطوّر المهاراتِ، ويفجّر الطاقاتِ الكامنة. في العلاقاتِ الإنسانية الحُبُّ يغيّر؛ الحُبُّ يتكفل حمايةَ الإنسان من الشرّ الأخلاقي. عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

أجملُ ما يتجلى في الإنسان الحُبّ، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسانُ الحُبّ، وأنفسُ طور وجودي للإنسان الحُبّ، وأثمن وجود للإنسان الحُبّ، وأزكى وجود للإنسان الحُبّ، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحُبّ. في بعض الحالات يتسامى الحُبُّ ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالَم، وذلك ما يجعلُ وجودَ هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يُشعِر الإنسانَ بمتعة وجوده في العالَم كالحُبّ. الحُبُّ يتكفلُ حمايةَ الإنسانِ من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

تظلّ المحبّةُ الرصيدَ الأسمى للعلاقات الإنسانية، مَنْ يوقفُ حياتَه للاستثمار في المحبّة يراها دواءً للقلوب، ولكلِّ داء ‏في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبّةُ رافدٌ غزير يغذّي الصلةَ بالله ويكرّسها. العرفانُ في الأديان يوقظُ في الأرواح لغةَ الحُبّ والجمال.

لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة

الحُبُّ كيمياءٌ تصهرُ عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفةً كأنها إكسيرٌ يحوّل كلَّ شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمةُ عندما تنطقها لغةُ القلب المشفِقة، الرحمةُ تعيدُ ترميمَ كلِّ شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة، لكن لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشرّ الكامن داخل الإنسان.

‏ العقلُ والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشرّ الكامن في باطنه. الإيمانُ والمحبة والأخلاق هي ما يخفضُ وطأةَ الشرّ الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقيُ الخالص والإنسانُ الكامل ‏يتنكرُ له الواقع لأنه لا يُشبِه طبيعةَ الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناءٌ نادر. ‏

لا مجتمعَ في الأرض يخلو من الشرّ الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، لا مجتمعَ في الأرض يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسّس المجتمعاتُ والدول على الحُبّ وحده أو الرحمة وحدها أو الشفقة وحدها أو العطاء وحده. لا تعني الدعوةُ للحبّ إلغاءَ النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على تداول سلمي للسلطة وأُسس علمية حديثة. لا تعني الدعوةُ للرحمة إلغاءَ القوانين الجنائية والجزائية العادلة، ولا تعني الدعوةُ للإنفاق والعطاء إلغاءَ الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوةُ للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاءَ النظام الإداري الحديث. الدعوةُ لشيء لا تعني إلغاءَ ما سواه.

لا يمكن الاستغناءُ عن العدالة بالرحمة، الرحمةُ ليست بديلًا عن العدالة في بناء أيّة جماعة بشرية أو بناء أيّة دولة. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، وعيشُ الإنسان وتأمينُ متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدحَ والتنافسَ والصراع، العدالةُ تمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

لا مجتمعَ في الأرض يخلو من الشرّ الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، لا مجتمعَ في الأرض يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسّس المجتمعاتُ والدول على الحُبّ وحده أو الرحمة وحدها أو الشفقة وحدها أو العطاء وحده. لا تعني الدعوةُ للحُبّ والرحمة إلغاءَ النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على تداول سلمي للسلطة وأُسس علمية حديثة.

لا تعني الدعوةُ للحُبّ والرحمة إلغاءَ القوانين الجنائية والجزائية العادلة، ولا تعني الدعوةُ للإنفاق والعطاء إلغاءَ الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوةُ للذكاء العاطفي في الادارة إلغاءَ النظام الإداري الحديث. الدعوةُ لشيء لا تعني إلغاءَ ما سواه. الرحمةُ تنتج ما لا تنتجه العدالةُ، من الرحمةِ يتوالدُ الغفرانُ والعفوُ والعطفُ والرفقُ واللينُ والشفقةُ، لذلك يستطيعُ مَنْ يعيش الرحمةَ بوصفها حالةً أن يتحمّلَ الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيعُ العفوَ عنها. الرحيمُ يتحملُ ما لا يتحمله غيرُهُ، ويعفو عمَّا لا يعفو عنه سواهُ من البشر[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 23، ط 2، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار التنوير، بيروت.

 

رابط النشر