Category: الفلسفة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

د. عبد الجبار الرفاعي

يخلق المخيالُ الجمعي صورةً جذّابة فاتنة غير واقعية لماضي الجماعات. يرسم على الدوام صورةً رومانسية بهيجة للماضي، تحذف كلَّ ما من شأنه أن يحزن الإنسانَ ويثير اشمئزازَه. يضيء المخيالُ الجمعي البؤرَ المضيئة مهما كانت خافتةً فيجعلها أشدَّ لمعانًا، ‏بل يعمل على افتعال صور متخيَّلة فاتنة لم يعرفها ماضي الجماعات أبدًا.

كلُّ مجتمع يصنع مُتخيَّله على شاكلة معتقداته وسردياته ورؤيته للعالَم وتأويله لتاريخه، ليعود المتخيَّلُ فيعيد بناءَ رؤية ذلك المجتمع للعالَم في سياق رغباته وطموحاته وأحلامه وأوهامه عن ذاته والآخر والواقع. أنتج المتخيَّلُ الجمعي للمجتمعات عبر التاريخ قصصَ الهلاك الشامل، تعبيرًا عن رغبات ورُهاب بشري مكبوت، وما يشي بفناء عالم أكلته الشرورُ والحروبُ والطغيانُ والقبح، وشغفٌ لا يكفّ عن أشواق العودة إلى بدايات الخلق الصافية النقية، إذ صارت صورةُ ذلك العالم على وفق المتخيَّل كلُّها خيرٌ وعدلٌ وجمالٌ وسلام.كما يشرح ذلك عالمُ الأساطير ميرسيا إلياد.

خيال الجماعة يتشكّل ويتغذّى بأدواتِه وروافدِه المُلهِمة، وأكثرها لا يخضع للعقل النقدي، وهي بارعة بشحذِ المشاعر وتأجيجِ العواطف وإثارةِ الغرائز. ليس هناك وسيلةٌ لترسيخ المعتقدات أيسر وأسرع وأشدّ تأثيرًا من إثراءِ المتخيَّل وتنميتِه والضخّ فيه باستمرار، وتلك وسيلةُ الأديان والأيديولوجيات، وإن كانت تختلف باختلاف منظورات الأديان وثقافات المجتمعات، ووسائلها وقدرتها على التعبئة والتحشيد.

عندما تتمرد المخيّلةُ على العقل النقدي تتضخم وتعطل الوعي، تنشط الذاكرةُ الجمعية بديناميكية خارج إطار الوعي والتفكير النقدي، فتبرع بتوظيف ما يطال الجماعات من الإقصاء والتهجير والتشريد والمطاردة وانتهاك الكرامة والمجازر الوحشية، وتجعل منها منجمًا يغذّي المخيلةَ الجمعية، ويعطِّل العقلَ من ممارسة التفسير التاريخي للعوامل المتنوعة والظروف ‏السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية للأحداث والوقائع والمعارك والمنعطفات الكبرى المولدة لها، فيجري تزويرٌ مهول للوعي، وتعطيلُ العقل النقدي، والتسلحُ بروحٍ ثأرية انتقامية تتشفى بإهدار كرامة المختلِف في الدين والمعتقَد، وتسفك دماءَ الأبرياء بوحشية مريعة، كما يفعل الصهاينةُ اليوم في غزة.

العقلُ هو المرجعيةُ في إصدار الحكم على أية قضية أساسية في الدين. الأديانُ والمقدّسات تتضخّمُ في المتخيَّل باستمرار، لا يضعُ هذا التضخّمَ في حدوده إلا العقلُ النقدي. يظل العقلُ هو المرجعية الوحيدة في اكتشافِ المتخيَّل وبيانِ حدوده وآثارِه المتنوعة في البناء والهدم. كلُّ حكم يبدأ بالعقل، لا حكمَ بالنفي أو الإثبات يسبقُ العقل.

لكلِّ مجتمع ديانتُه ولغتُه وثقافتُه وتاريخُه وجغرافيتُه، لكن لا ينفرد كلُّ مجتمعٍ بقوانين تطوّره الخاصّة. قوانينُ تطوّر المجتمعات كليةٌ لا يختصُّ بها مجتمعٌ دون سواه. المجتمعاتُ جميعًا تشتركُ في أنها تنمو وتراكم تجاربَها وتتطوّر لو توافرت عواملُ نهوضِها، كما أنها تتخلفُ وتتدهور وتنهار لو لم تتخلّص من عوامل انهيارها. المجتمعاتُ كلُّها تسري عليها قوانينُ البناء والتطور ذاتُها، وتشتركُ في العناصر الأساسيَّة التي يُنتجُ النهوضَ توافرُها والانهيارَ غيابُها. منطقُ التاريخ وقوانينُه شاملة، لكنْ هناك شعورٌ كامن في لاوعي كثيرٍ من الناس في مجتمعنا، بأنه استثناءٌ في حضارتِه وهويتِه ومعتقدِه وثقافتِه وتاريخِه، وكأن تاريخَه لا يخضع لما يخضع له تاريخُ المجتمعات من قوانين، وثقافتُه تتفوقُ على كلّ الثقافات، وتراثُه يختلفُ عن كلّ تراث، وهويتُه تنفرد بخصوصيَّات استثنائية. وظلّ الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذّي الهويةَ باستمرار، حتى تصلّبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيّل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، لأن كلَّ ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدّها به ماضيها. تراثُها منجمٌ زاخرٌ بكلّ ما هو ضروري لكلّ عملية بناء ونهوض، وعلومُها ومعارفُها الموروثةُ تغنيها عن كلّ علم ومعرفة تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، وهي ليست بحاجة إلى استيراد ما أبدعه غيرُها، لأنه منتجٌ لمجتمع أجنبي، ينتهك خصوصيتَها، ويهدّد هويتَها، وتتغرّب به.كانت أكثرُ أدبيَّات الجماعات القومية والأصولية تغذِّي هذا الشعور، وتلحّ على الإعلاءِ من مكانة الماضي، والإيحاءِ بأنَّ بعثَه كما هو يكفل نهوضَ مجتمعنا، ولا حاجةَ للإفادة من علوم ومعارف وثقافات غريبة عنه. وقد بالغتْ هذه الجماعاتُ في التشديد على الخصوصية والاستثناء، حتى انتهى ذلك إلى موقفٍ خائفٍ من كلّ ما ينتمي للآخر ومنجزاته وعلومه ومعارفه وثقافته. تشتدُّ حالةُ اصطفاءِ الهوية ووضعِها فوق التاريخ في مراحلِ الإخفاق الحضاري، وعجزِ المجتمعات عن الإسهام في صناعة العالَم الذي تعيش فيه. لذلك تسعى للاستيلاءِ على المكاسب الكبيرة للآخر، وإيداعِها في مكاسبها الموروثة، من خلال القيام بعمليات تلفيق متنوعة، تتّسع لكلِّ ما هو خلّاق مما ابتكره وصنعه غيرُها. وذلك أبرزُ مأزقٍ اختنقتْ فيه هويتُنا في العصر الحديث.

إن الهويةَ والمُعتقَدَ متفاعلان، لكن تأثيرَ كلٍّ منهما على شاكلته وبطريقته الخاصة. الطريقةُ التي يتلاعب بها المعتقدُ تشاكل شِباكَ المعتقَد وتشعّبه، والطريقةُ التي تتلاعب بها الهويةُ تشاكلُ شباكَ الهوية وتشعّبها.كما يتلاعبُ المعتقَدُ والهويةُ المغلقان بالمعرفة يتلاعبان بالذاكرة أيضًا، إذ تعمل الهويةُ المغلقةُ على إعادة خلقِ ذاكرةٍ موازية لها، تنتقي فيها من كلِّ شيء، في تاريخها وتراثها، ما هو الأجمل والأكمل، ولا تكتفي بذلك، بل تسلب ما يمكنها من الأجمل والأكمل في تاريخ وتراث ما حولها، فتستولي على ما هو مضيءٌ فيه. يجري كلُّ ذلك في ضوء اصطفاء الهوية لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خساراتِ الماضي وإخفاقاتِه من ذاكرة الجماعة، ولا تتوقف عند ذلك، بل تسعى لتشويهِ ماضي جماعاتٍ مجاورةٍ لها، والتكتمِ على مكاسبها ومنجزاتها عبر التاريخ. لكلّ جماعةٍ بشرية شغفٌ بإنتاج هوية خاصة مُصطفاة، على وفق ما ترسمه احتياجاتُها وأحلامُها وآفاقُ انتظارها، وما تتعرّض له من إخفاقات وإكراهات. وكلُّ ذلك يسهم في كيفية بناء معتقدها، ويحدّد ألوانَ رسمها لصورِه المتنوّعة وتعبيراتِه في الزمان والمكان، ثم تُدمَجُ صورُ المعتقَد لتدخل عنصرًا في مكونات هذه الهوية، بجوار العناصر الإثنية والثقافية واللغوية والرمزية وغيرها، بالشكل الذي يجعل المعتقدَ عنصرًا فاعلًا ومنفعلًا داخل الهوية. كذلك تدخل الهويةُ في مكونات المعتقَد، إذ تتغذّى منه الهويةُ ويتغذّى منها، فإن كان المعتقَدُ مغلقًا أدي ذلك إلى انغلاق الهوية، وإن كانت الهويةُ مغلقةً أدي ذلك إلى انغلاق المعتقَد. ويتشكّل مفهومُ الحقيقة على وفقهما. المعتقدُ والهويةُ ينشدان إنتاجَ الحقيقة على وفق رهاناتهما ومطامحهما ومعاييرهما، سواء أكانت تلك الحقيقةُ دينيةً أو غيرَ دينية. الهويةُ في حالة صيرورة، وكلُّ صيرورة هي تحوّل متواصل. الهويةُ علائقيةٌ بطبيعتها، تتحقّق تبعًا لأنماط صلاتها بالواقع، ويُعاد تشكُّلُها في فضاء ما يجري على الهويات الموازية لها، وهذا ما يفرض عليها أن تعيدَ تكوينَها في سياق تفاعلِها، انفعالِها، تضادِّها، صراعِها، تسوياتِها، تساكنِها وتضامنِها، مع كلِّ ما يجري على الهويات الأخرى[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 126-131، ط3، 2022، دار الرافدين ببيروت، مركز دراسات فلسف الدين ببغداد.

 

https://alsabaah.iq/91355-.html

لا علمَ بلا فلسفة

لا علمَ بلا فلسفة

د. عبد الجبار الرفاعي

تعلّمُ الفلسفةِ تعلّمُ التساؤلِ، وتعميقُ الأسئلة الكبرى، وتوالدُ الأسئلة على الدوام من الإجابات. التفلسفُ لا ينتهي ولن يتوقفَ مادام الإنسانُ يندهشُ ويفكر ويتسائل ويشكّك ‏ويتأمل ويناقش ويتحاور ويختلف ويتنافس ويتصارع. التفلسفُ وعيٌ عقلي تأملي عميق، لا يجيده كلُّ عقل، يحتاج التفلسفُ عقلًا ذكيًا فطنًا مندهشًا متسائلًا. الموهبةُ لا تكفي وحدَها للتفلسف، يتطلب التفلسفُ إنفاقَ سنوات طويلة في التعلّم وترويضِ الذهن وتدريبِه على التفكير المتريث، والتشكيك ومسائلة المسلّمات وغربلتها، وتمحيصِ ما تسالم الناسُ على أنه من البداهات،كما يحتاج كلُّ علم ومعرفة وفنّ إلى التعلّم والتفكير والمران المتواصل.

لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ، ومشاكلَ معقدة، وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشكلات والأزمات فرديةً أم مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه.كانت الفلسفةُ وستبقى تتفاعل مع النظريات العلمية والاكتشافات تؤثر وتتأثر فيها. تستجيبُ الفلسفة لما يستجدّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء والأحياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955)، وقبل ذلك تأثر بنظرية التطور لتشارلز داروين (1809 – 1882).

الوعي الفلسفي هو الذي شكّل العقلَ الحديث، مع فرنسيس بيكون وديكارت وكانط وغيرهم من الفلاسفة توالد هذا العقلُ وتشكّل، فكان عاملًا أساسيًا بوضع التاريخ البشري في مسار جديد، غادر فيه حالتَه الرتيبة التكرارية الطويلة، بعد أن لبثت البشريةُ آلاف السنين لم تحقّق المكاسبَ العلمية من الاكتشافات والاختراعات والتكنولوجيات المنجزَة في القرون الثلاثة الأخيرة، وتحول فيها الإنسانُ من الآلات اليدوية إلى المحركات الحديثة، ومن وسائل النقل البدائية إلى القطار والسيارة والطائرة ووسائل النقل المتطورة. وهكذا تواصلت هذه المكاسبُ بقفزات على شكل منعطفات، حتى وصلنا إلى هندسة الجينات، وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.

إيقاعُ التقدّم المتسارع للذكاء الاصطناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الاصطناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدّمُ المتسارِع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخّم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى، وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

التشديدُ على العلم، واختزالُ العقل والمعقولات والتفكير بحدوده، يجهضُ العقلَ الفلسفي، وينتهي إلى افتقار العلم إلى إجاباتٍ لأسئلته الحائرة ومشكلاته العويصة، وكلِّ ما لا يجد له حلًا في فضائه وسياقاته. تختنق المعرفةُ حين توضع في فضاء ما يخضع لحدود العلم الطبيعي ومجاله الحسي خاصة، وحين تعتمد مقاييسَه وأدواته التجريبية ووسائله ومنطقه ولغته وأحكامه. تلك هي الأدلجة التي يتحول فيها العلمُ إلى “أيديولوجيا علموية” تعطّل العقلَ الفلسفي.

علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح،كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةَ اللامعقول، ودخل حالةَ سبات يتعطل فيها العقل، وتتغول الأوهام. لا يضعُ اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّل الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوتُ إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعيون فلسفية.

‏  التفكيرُ الفلسفي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق. التفكيرُ الفلسفي متحرّرٌ من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة. من المشكلاتِ العميقة للتفلسف التفكيرُ بالفلسفة ضدّ الفلسفة: عبر توظيف إجابات التصوف في الفلسفة، وتوظيف إجابات اللاهوت في الفلسفة، وتوظيف إجابات الفقه في الفلسفة، وتوظيف إجابات العلم في الفلسفة. حدود العلم الطبيعي وحقله هو كلُّ شيء في الطبيعة والكون المادي، الفلسفة لا حدودَ لها، بوصفها فعلَ تفكير عقلي يتجاوز الظواهر للبحث في حقيقة العلم وماهية كلّ ظاهرة.

يتفشى اليوم في الفكر العربي التفكيرُ في فلسفة الدين بعقلٍ كلامي وفقهي، كما نقرأ لدى مَن يفكرون في التعدّدية الدينية بعقل متكلم، أو يفكرون في مشكلة الشرّ بمنطق أصول الفقه وأدوات الفقيه وفتاواه.كذلك يتسيّد في الفكر العربي تفكيرٌ لاهوتي يكتب الفلسفةَ بمنطقِ علم الكلام وأدواته ومقولاته، وذوقٌ صوفي يكتب الفلسفةَ بمنطق التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعةً لجماعة من المفكرين العرب الذين صنعوا لهم أسماء كبيرة، خاصة لدى شباب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، واحتلت كتاباتُ هؤلاء مواقعَ متقدّمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون بعقلٍ كلامي وفقهي، ويصدرون فتاوى فقهية حول ‏التفكير الفلسفي، ‏ويتسلحون بمقولات المتكلمين ‏في مناهضة الفلسفة. ‏هؤلاء يتكلمون بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة إلا أنهم ضدّ الفلسفة.

أحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظة من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمة من عقله. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية. ذلك ما يجعل هؤلاء يبدأون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة[1]. يتراجعُ العقل وينزاح بالتدريج أحيانًا، بعد أن يتسعَ ما هو نائم ويعطل ما هو يقظ.

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كوني، عابرٌ للهويات الإثنيّة والأيديولوجيَّة والعقائدية والدينية. قراءةُ الفلسفة بأفقٍ أيديولوجي تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ لاهوتي تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ كلامي تنتجُ علمَ كلام، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ اعتقادي تنتجُ عقيدة، قراءةُ الفلسفة بأفقٍ فقهي تنتجُ فقهًا، حتى قراءة الفلسفة بأفق العلم الطبيعي ينتج علمًا. لا ينتج الفلسفةَ إلا التفكيرُ الفلسفي، وقراءةُ الفلسفة بأفقٍ فلسفي. أتحدثُ هنا عن التحيزاتِ الواعية، أعني حين يفكّر الإنسانُ في آفاق المعتقدات والهويات والأيديولوجيات وحدودها المغلقة. ولا أعني التحيزاتِ اللاواعية، وما يعكس البنية اللاشعورية العميقة في باطن الإنسان، التي يكونُ التحررُ من تأثيرها الكامل غير ممكن. التفكيرُ الفلسفي ينبغي أن يكونَ في آفاق رحبة، خارجَ المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة.

الفيلسوفُ ينشغل بالتفلسف، ويفكّر تفكيرًا عميقًا بالأسئلة الوجودية، يبدأ بمقدمات فلسفية ومنطقية وينتهي بنتائج فلسفية ومنطقية. حين يتفلسف الفيلسوفُ يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطحَ الأشياء والظواهر ويبحث في حقيقتها. يحاول أن يفسّرَ حقيقةَ العلم وماهيته، ويقدم إجابات لمشكلات العلم وأسئلته العميقة خارجَ حدوده. الفيزياء والكيمياء والعلوم تنشغل باكتشاف قوانين الطبيعة ومعادلاتها، ولا تعرف حقيقةَ العلم وماهيته. الفيلسوف يحاول أن يجيب عن سؤال المبدأ والمصير، وسؤال الحياة، وسؤال الموت، وغيرهما من الأسئلة الوجودية الكبرى، أي الأسئلة خارج حقل العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للتفلسف، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، والأسئلة الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‏‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل التفلسف في هذه الأسئلة.

‏‏   إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

صارت الكتابةُ والحديث في الفلسفة موضة، يمارسها حكواتيون من دون أيّ تأهيل أكاديمي، ولا قراءات معمّقة للتراث الفلسفي والفلسفة الحديثة. لستُ ضدّ تبسيط الفلسفة وتيسيرها للقراء، غير أن لغةَ الكتابة يفرضها نوعُ مفاهيمها، وغايةُ تفهيمها. تبسيطُ المعارف والعلوم الذي يتولاه خبراء في كلِّ حقل ضرورةٌ لفهمها وتنمية الوعي المجتمعي. ‏التدريس مثلا ضربٌ من التبسيط، إشاعةُ المعرفة تتطلب تبسيطًا يتولاه المتخصِّصُ في كلِّ حقل معرفي. تبسيطُ غير المتخصِّص لأيّ علم ومعرفة يزيّفها.

‏الفلسفة تخصصٌ عميق يتطلب إنسانًا ذكيًا مثابرًا صبورًا، يمكث سنوات طويلة في دراستها الجادة، ويواصل المطالعات المكثفة في مختلف الحقول، ولا يتوقف عن التفكير والتأمل الصبور والتفكير النقدي كلّ حياته. أتحدث عن الذي يكتب في الفلسفة أوهامًا لا صلةَ لها بالفلسفة، يكتب وهو لم يدرس يومًا واحدًا في حياته فلسفة، ولم يتعمّق بمطالعة النصوص الفلسفية. أعرف بعضَ الأشخاص لم يقرأوا التراث، ولم يتعلموا في أية مؤسّسة تعليم قديم أو حديث، ولم يحصلوا على أية شهادة جامعية، يضعون قبل أسمائهم لقب “دكتور”، ويسوقون كتاباتهم البائسة تحت هذه اللافتة.

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة،16.11.2023

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

 

https://alsabaah.iq/87653-.html

علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أقرأ لعالم اجتماع باللغة المتداوَلة في كلام الناس ومحادثاتهم اليومية في مختلف القضايا كعلي الوردي، يكتب بهذه اللغة وهو لا يكفّ عن الإثارة والتحرّش بتابوات الدين والأيديولوجيا والعشيرة والسلطة ومؤسساتها المتنوعة. ويتحرش حتى في انتخاب عناوين كتبه، التي يختارها وكأنها لافتاتٌ تحريضية، مثل: “وعّاظ السلاطين”، “أسطورة الأدب الرفيع”، و”مهزلة العقل البشري”.

علي الوردي يتقن مهارةً إنشائية ينفرد بها، فهو يكتب في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والسيكولوجيا، يصف ويحلّل وينقد مختلفَ الظواهر في المجتمع العراقي بأسلوبٍ مباشر، يفهمه كلُّ الناس، بما يسوقه من أمثال وحكايات وفلكلور، بلغةٍ لا تخلو من تهكّم وسخرية لاذعة أحيانًا،كأنه يتحدث في مقهى قديم يدمن روادُه الإصغاءَ له بوصفه قصاصًا. يختتم الوردي مقدمتَه لكتابه “أسطورة الأدب الرفيع” متهكمًا بقوله: “وصف أحد الأدباء كتبي السابقة كجبة الدرويش ليس فيها سوى الرقع. وأظن أنه سيصف كتابي هذا بمثل ذلك. ولست أرى في ذلك بأسًا، فخير لي أن أكون رقّاعًا أخدم الناس بالملابس المهلهلة، من أن أكون خياطًا ممتازًا أصنع الملابس المزركشة، التي لا تلائم الأجساد ولا ينتفع بها أحد”[1].

لبث الوردي غريبًا، يرفضه المجتمعُ، ولم تتفاعل أيديولوجيات اليسار الأممي والقومي والأصولي مع أفكاره في وطنه. تجلّت غربةُ علي الوردي الأقسى بحضوره في هذا اللون من الثقافة العراقية، ثقافةٌ يتمركز كلُّ شيء فيها حول الشعر، ثقافةٌ متيمةٌ بالشعر إلى الحدِّ الذي قلّما تحتفي فيه بمعرفةٍ أو فكرٍ أو ثقافةٍ لم يمسسها الشعر، ولا يندرج في اهتماماتها أيُّ صاحب منجز فكري إن لم يكن أديبًا وشاعرًا، وغالبًا ما لا تصنّفه على الثقافة، وربما تبخل عليه حتى بعنوان “مثقف”، ولا يدخل في اهتمامها وندواتها ومنتدياتها ومهرجاناتها من لم يكن شاعرًا، أو عاشقًا أو صديقًا أو متذوقًا للشعر والأدب، حتى صار احتكارُ عنوان المثقف في العراق بالشاعر كاحتكار الخلاص في الفرقة الناجية.

لم يكن علي الوردي شاعرًا، ولم يُعرف عنه ارتيادُ منتديات الشعراء، ولم يكتب مديحًا لشعر أو شاعر، حتى تعاطي الشواهد الشعرية شحيحٌ جدًا في كتاباته،كان على الضدِّ من توثين الشعر والأدب وتسيده في الثقافة العراقية. الوردي سبق من قبله، ولم أقرأ لأحد جاء بعده في الثقافة العراقية، مَن يتجرأ على نقد الشعر بأسلوبٍ تهكمي في: “أسطورة الأدب الرفيع”، إذ يكتب تصديرًا لكتابه هذا بقوله: “أهدي كتابي هذا إلى أولئك الأدباء الذين يخاطبون بأدبهم أهل العصور الذهبية الماضية، عسى أن يحفزهم الكتاب على أن يهتموا قليلًا بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه، ويخاطبونهم بما يفهمون، فلقد ذهب عهد الذهب، واستعاض عنه الناس بالحديد!”[2]. لا يكفّ الوردي عن نقدِ الشعر القديم والدعوةِ لتجاوزه، بوصفه مرآةَ العصر الذي أنتجه بكلِّ ما يحفل فيه. بلغت الجرأةُ به أن يزدري “طريقة الاستجداء لكسب العيش”، وطريقة تكسّب بعض الشعراء، ويعلن بصراحة: “إنهم شحاذون، ويدّعون بأنهم ينطقون بالحق الذي لا مراء فيه، والويل لمن يجرأ على مصارحتهم بالحقيقة المرة أو تكذيبهم فيما يقولون”[3].

لم ينشغل الوردي بنقاشاتِ وردودِ التهم المُثارة ضدّه، وثرثراتِ الوعّاظ الذين أغاظهم كتابُه “وعّاظ السلاطين” وكتاباتُه الأخرى، ولم يكترث بهذر بعض الأدباء والشعراء الذين امتعضوا من كتاباتِه المثيرة عن الشعر، وسخريتِه بـ “الأدب الرفيع”. في حالات استثنائية كان يصغي لبعض الباحثين الجادّين، كما فعل مع عبد الرزاق محيي الدين، الذي كتب نقدًا لآراء الوردي في الأدب، فأجابه بسلسلة مقالات نشرها في كتابه: “أسطورة الأدب الرفيع”. يشير الوردي إلى قصة تأليفه كتابه “أسطورة الأدب الرفيع” فيقول: “بدأت القصة منذ بضعة أشهر، حيث كنت قد نشرت في جريدة الحرية بعض المقالات، نعيت فيها على الأدباء تمسكهم بالتقاليد الأدبية القديمة، وقلة اهتمامهم بما يحدث في هذا العصر من انقلاب اجتماعي وفكري عظيم. فهب الأدباء من جراء ذلك هبة واحدة، وأخذوا ينتقدونني ويتهجمون، ويصولون ويجولون. فلم أجد بدًا من الرد عليهم بمناقشة الآراء التي جاءوا بها… ولسوف أقتصر في هذا الكتاب على إعادة نشر مقالات الدكتور محيي الدين وحدها، تلك التي نشرتها في جريدة البلاد، وكان لها صدى بين القراء لا يستهان به. ومقالات الدكتور هذه، والحق يقال، من خير ما كتب في الموضوع. فهي تمثل وجهة نظر جديرة بالدرس والعناية. وأحسبها لا تخلو من أصالة”[4].

كلُّ شيء في الثقافة العراقية متمركزٌ حول الشعر. سرق اغواءُ الشعر أثمن المواهب في جيلنا، ومازال مقبرة للأذكياء، فجيل الأبناء لم يتحرر كليًا من غوايته. لا نحتاج إلى المزيد من هذا اللون الزائف والكتابة الغزيرة فيه وعنه، الذي يسمى خطأ بـ “الشعر”، وهو ضربٌ من الهذيان اللفظي. أغلبُ ما يُكتب ويُنشر عن الشعر تكديسُ كلامٍ على كلام، وليس شعرًا بالمعنى الذي تتكشّف فيه رؤيا مبدِعة، ومعرفةٌ مكتنزة، وبصيرةٌ مُلهمة. نادرًا ما نقرأ اليوم شعرًا يلوح لنا فيه أنه يختصر معرفةً في جملة، وصورةً في عبارة، وجمالًا في لوحة.

بلغ اغواءُ الشعر أن تتمركزَ الثقافة العراقية حوله، وأن تستندَ إليه كمرجعية ومعيار في خلع لقب “مثقف” على كلِّ مَن ينشر شعرًا، بنحو استنزف عقولَ ومواهب شباب مؤهلين للعطاء الثمين في مجالات أخرى. أوقع إغواءُ الشعر هؤلاء الشباب، ممن يفتقرون لموهبة الشاعر، في محاولات للتجريب المتواصل للقصيدة بلا جدوى، من أجل أن تسجل اسماؤهم في لائحة الشعراء. حتى اليوم لم يسجل الشعرُ العربي، فضلًا عن الشعر العالمي اسما لأحد من هؤلاء، على الرغم من ضياع أعمارهم في اللهاث وراء صنعة “شاعر”.كان يمكن لهؤلاء أن يبدعوا في الرياضيات أو العلوم الطبيعية أو الفلسفة والعلوم الإنسانية أو الآداب والفنون الأخرى.

“مركزية الشعر في الثقافة العراقية” الحديثة رسخها الدورُ الطليعي للعراق في تدشين الحداثة الشعرية، بولادة الشعر الحر في أربعينيات القرن الماضي في قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وغيرهما؛ ما عزّز اختزالَ الثقافة بالأدب خاصة، والمثقف بالشاعر.كلُّ مَن يحلم أن يكون مثقفًا ينبغي أن يكون شاعرًا أولًا وقبل كلِّ شيء. اتسع فضاءُ الكتابة الشعرية لمن لا يمتلكون موهبةً، وأغوى الأذكياء الذين يمتلكون مواهبَ في غير الشعر، ممن تعِدُ مواهبُهم بولادة مثقف كبير، لو شاؤوا أن يتكونوا تكوينًا علميًّا صبورًا. طغيان الشعر في ثقافتنا انتهى إلى تسيّد الكلام وضمور الأفكار، واختباء العقل والغرق في الإنشاء وتكديس الألفاظ. الكلام سلطة، غالبًا ما يوظّف بديلًا لبراهين العقل وحججه في الاقناع والوثوق. الشاعر يمتلك مهارة استثمار هذه السلطة لتسويق وترسيخ أية عقيدة أو أيديولوجيا أو مقولة أو اسطورة، وإن كانت مناهضة لأحكام وأدلة العقل، وحتى بداهاته أحيانًا.

انشغلت الثقافةُ العراقيةُ ببعضِ شعراء القصيدة العمودية إلى الحدّ الذي صارَ فيه كلُّ من يطمح أن يكتسبَ عنوانَ مثقف عليه أن يحفظَ بعضَ قصائدهم المحاكية لشعر العصر العباسي، ويكتبَ عنهم. لم يحضر بدر شاكر السياب كحضور هؤلاء الشعراء، وكأن السيابَ عوقب لأنه تجرّأ على التمرّد على ميكانيكية القصيدة العمودية فكسر تصلبها، ولأنه انتقل بالشعر العربي إلى أفقِ العصر، وذوقِه الفني، ولغتِه الرمزية، وكثافةِ معانيه، واتساعِ رؤيته. الإصرار على القصيدة العمودية يعكس ميكانيكيةَ العقل وتصلبه، وعجزَه عن الإصغاء لديناميكيةِ شعر السياب وأنسي الحاج، وأمثالهما، والعجز عن تذوق تناغم إيقاع هذا الشعر مع لغة ورؤية العصر. تسيّدُ الرؤية التراثية وتسلطُها على اللاشعور الفردي والجمعي هو الذي يجعلنا لا نتذوق إلا قصيدةَ الأزمنة القديمة الغريبة على زماننا.

لا أتبنى كلَّ ما يراه الوردي في الشعر، وليست لدي مخاصمةٌ مع ما هو حقيقي منه، ولا تصفيةُ حسابٍ مع شاعر، وأنا المولع بذلك اللون من الشعر، الذي وصفه هايدغر بقوله: “إن الشعرَ تسميةٌ مؤسِّسة للوجود ولجوهر كلِّ شيء، وليس مجردَ قول يقال كيفما اتفق”[5].

أخيرًا بدأت الثقافةُ العراقيةُ تنفتحُ على الرواية بجدّية وغزارة، وهو تحوّل في الاتجاه الصحيح. ‏الروايةُ الحقيقية تتسع لكلِّ الأجناس الكتابية، وتتغذّى من مختلف المعارف البشرية، الروايةُ الخالدة هي ما تكشف للقارئ أعماقَ الإنسان، وتفضح تناقضاتِه الداخلية. الروايةُ تُفتضح فيها تابواتُ المجتمع، وما تخفيه الأعرافُ والتقاليد والثقافة المحلية، وتفسّر فاعليةَ الهويات المغلقة وتسلطَها، وأثرَها في الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وأثرَ المخيال في الثقافةِ الجمعية، وأنماطِ التدين وتمثلاتِ الدين المتنوعة في حياة الفرد والجماعة، وينقِّب الروائي الحقيقي في أرشيف اللاشعور الجمعي، والمستور الذي يتكتم عليه ظاهرُ العلاقات في العائلة والمجتمع والدولة، والأهداف المضمَرة للسلطات السياسية والدينية والحزبية والعشائرية.

[1] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، دار كوفان، ط 2، ص 13.

 

[2] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 5.

[3] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 9 – 11.

[4] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 7، ط 2، 1994، دار كوفان، لندن.

[5] هيدغر، مارتن، إنشاد المنادي: قراءة في شعر هولدرلن وتراكل، تلخيص وترجمة: بسام حجار، ص 62، ط1، 1994، المركز الثقافي العربي، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/86449-.html?fbclid=IwAR1YhP3aXhxPeLhkJr-lxwhLHUM_z4AcF2mr9kJHipMAbfi6eJK5uIo3nuk

فلسفة التديّن

فلسفة التديّن

د. عبد الجبار الرفاعي

أكثرُ ما يُكتَب تحذفه عاجلًا أو آجلًا ذاكرةُ الكتابة، وتتنكر لحضورِه المكتباتُ الرصينة، ويطارده القراءُ المحترفون، ويفضح النقّاد زيفه. أقرأ كتاباتٍ في الفلسفة والكلام القديم والجديد تتحدّث عن كلّ شيء وتحاول أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا، يكتبها أناسٌ يفتقرون إلى أدنى تكوينٍ تراثي أو أكاديمي أو لغوي، يكدّسون كلماتٍ صاخبةً مقعّرة لا تبوح بدلالاتٍ مفهومة، يورّطون أنفسَهم بحرفةٍ صعبة لا يمتلكون موهبتَها، تغويهم سهولةُ النشر اليوم فيُغرِقون المكتباتِ بأكداسٍ من الورق، تسرقُ أعمارَ القرّاء غير الخبراء، وتعبثُ بذائقتهم، وتهتكُ تقاليدَ الكتابة الجادة.

هذا كتابٌ من النوع الذي يمكث في ذاكرة المكتبة، وأظنّ أن حضورَه سيتجدّد لدى الخبراء مهما تقادم زمانُه. في كتابِ “فلسفة التديّن” استطاع الدكتور حبيب فياض أن يكتب الكثيرَ من سيرته المعرفية والأخلاقية وتجربتِه الروحية. أعرف حبيب منذ ثلاثةِ عقود، وكلّما اختبرت الأيامُ صداقتَنا تجلّى حبيب كأعذب ما يتجلّى فيه إنسانٌ شجاع عاطفي صادق، العاطفةُ المتدفقة غير المشروطة هي ما يغويني في كلِّ صداقاتي. حبيب متصالح مع نفسِه، يقول قناعاتِه الفكرية بجرأة، وإن كانت لا تشدو ما يقوله أكثرُ الناس. ‏أعرف التكوينَ الرصين لحبيب فياض، وتلمذتَه على فلاسفةِ دينٍ ومتكلمين كبار نهلوا من منجمِ التراث الفلسفي والعرفاني ومعطياتِ الفلسفة والعلومِ الإنسانية الحديثة، وأعرف جيدًا الذكاءَ الفائق الذي يلتمع في ذهنِه، ومثابرتَه وجَلَدَه في مراحلِ التكوين الجامعي، وأعرف مواقفَه وشهامتَه وغيرتَه على الإنسان. هذا الكتابُ مرآةٌ مضيئة ارتسمتْ فيها صورةُ حبيب الباحثِ الدقيق، وصورةُ مشروعِ المفكر الذي يحاول أن يبتكر منهجَه ويحدّد خارطةَ تفكيره المرسومةَ بعناية واحتراف، خارطة لا تشبه إلا ذاتَه، وكأنها لوحةُ فنانٍ مزج فيها ألوانًا متناغمة لتكون مرآةً مضيئة لفرادتِه. يحاول حبيب أن يعيد بناءَ أسسِ التفكير الديني في الإسلام في سياقٍ مختلِف، لا يقف كثيرًا عند الدينِ بمفهومِه النظري، لا يذهب إلى الأفكارِ المجردة والتأملاتِ العقلية وقراءاتِ النصوص الدينية، يذهب مباشرةً للواقع يسائل تجلياتِ الدين وحضورَه العملي، يدلّ القارئَ على التديّن الذي هو صوتُ الله في ضميرِ الإنسان، وصورةُ الدين في حياةِ الإنسان ومواقفِه وسلوكِه الفردي والمجتمعي.

عشتُ أيامًا عديدة مع مخطوطةِ هذا الكتاب، كانت رحلتي معه شيّقةً شاقة. شيّقة بوصفها معايشةَ كاتبٍ أعرفه عن قرب، وأعرف تكوينَه العميق في الفلسفةِ ومدرسةِ الحكمة المتعالية خاصة، وفي الإلهياتِ بشكل عام، واطلاعَه الواسع على الفلسفةِ وعلومِ الإنسان والمجتمع وعلومِ الألسنيات ومناهجِ التفسير الحديثة. وشاقة بوصفها كتابةً ابتكرت طريقتَها الخاصة في بناءِ المفاهيم والتعبيرِ عنها وإنتاجِ رؤيتها الاجتهادية، وكلُّ كتابةٍ من هذا النوع لا يمكن أن تستوعبها إلا بقراءةٍ متأنيةٍ متريثة. ربما لا تتفق مع حبيب في شيءٍ من رؤاه وطريقتِه في تركيب الأفكار، وما يسوقه من حجج، وأسلوبِ تعبيره عنها، غير أنه يفرض عليك كقارئٍ أن تنصت بهدوءٍ للمتن الذي ينسجه بإحكامٍ وتأملِ دقيق وتفكيرٍ صبور.كما يعرف تلامذةُ حلقات العلم التراثية أن قراءةَ المتون العرفانية بقدر ما هي شيّقةٌ هي شاقةٌ أيضًا، لا يستسيغها إلا قارئٌ قراءتُه عابرةٌ لأبعد من حدودِ الكلمات وآفاقِها الضيقة، قارئ تخترق استبصاراتُه ما وراء الكلمات.كلّما توغلتُ أكثر شعرتُ بحاجةٍ إلى قراءةِ هذا الكتاب أكثر من مرة. هذا كتابٌ نتعلّم منه كيف نفكر تفكيرا عقليًا في الدين، وهذا النوعُ من الكتب قليلٌ جدا اليوم.

هذا كتابٌ يعلّمنا كيف نتفلسف في الدين والتديّن لا على نموذجٍ متداوَل سابقًا، ولا على رؤيةٍ مقرّرة سلفًا. لم أجد عقلي ينصاع لكلِّ رؤى المؤلِّفِ ومنهجِه، غير أن قوةَ الكتاب فرضتْ عليّ كقارئٍ متخصّص أن أعود لمسائلةِ مناهجِ الكتابات الأخرى في هذا الموضوع، وحججِها وقناعاتِها المفارِقة في كثيرٍ منها لما جاء في الكتاب، واختبارِها في تقويضِ قناعاتِ المؤلف. مادامت الأسئلةُ الميتافيزيقة الكبرى تختبر إجاباتِها وتجّددها على الدوام، فهذا كتابٌ يضعنا أمامَ إعادة النظر في إجابات تعلّمناها أو ابتكرناها، إنه كتابٌ يجعلنا نكرّر طرحَ هذه الأسئلة، ويدعونا أن نفكر مجدّدًا في أجوبتِنا.كلٌّ منا أنا وحبيب يفكِّرُ في الدين ويقرأ نصوصه على شاكلته، إلا أني وجدتُ نفسي وأنا أقرأ هذا الكتابَ بتأملٍ أتعرّف على حبيب مجدّدًا، حبيب الذي ينشد اللحن الروحي والأخلاقي في الدين الذي أنشده، لكن بمنهجَين غير متطابقين، وبرؤىً متوازيةٍ لا تتكرّر معالجاتُها، وإن كنا معًا نعمل على تكريسِ الروح وإيقاظِ الضمير الأخلاقي وتنميةِ الحسِّ الجمالي في التديّن.

بدءًا بعنوانِ الكتاب: “فلسفة التديّن” يثير في عقلِك المؤلِّفُ سؤالًا تحير في جوابه، أنت تعرف أن مصطلحَ “فلسفة الدين” هو المتداوَل حتى اليوم في الفلسفةِ الحديثة، منذ العملِ الرائد “محاضرات في فلسفة الدين” للفيلسوف هيغل “1770 – 1831″، أما “التدين” فهو يحيل إلى العلومِ الإنسانية الحديثة، بما أنه تعبيرٌ عن تمثّلاتِ الدين وانعكاسِه في حياة الفرد والمجتمع، وهو ما يرتسم من صورةِ الدين في حياة الإنسان ووعيه وضميره، وهذا شأنٌ يتصل عضويًا بالواقع، ومداخلُ دراسة التديّن بوصفه واقعةً فردية ومجتمعية هو علومُ النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والميثيولوجيا، وعلومُ الألسنيات والسيميائيات والهرمنيوطيقا الحديثة. حاول حبيب نقلَ التفكير الفلسفي إلى الواقعِ الذي يحقّقه الدين، وسعى إلى أن يشرحَ موقفَه بتمييزٍ دقيق بين: المباحثِ الداخلدينية، والخارجدينية، ومضى نحو تحديدِ مصطلحاتِه وأدواتِه المنهجية بدقّةٍ وصرامةٍ في الفصلِ الأول من الكتاب، وجهد في التدليلِ على ما أثاره من أفكار، لدرايتِه بالأسئلةِ المتنوعة المتوالدة من هذا الضربِ من الكتابةِ المفارِقة للمألوف.

يجادل حبيب فياض في فلسفةِ الدين، ويضع عقولَنا أمامَ أسئلةٍ مختلفة حول “فلسفةِ التديّن”، وهو المصطلحُ الذي يصرّ على تضمينِه عنوانَ كتابه، ويحاول أن يخوض فيه من مداخلَ متنوعة، لا يستوعبها إلا قارئٌ صبور ذو تكوينٍ فلسفي وديني مزدوج. مقارباتُ التديّن المتنوعة تتسع لتوظيفِ علم النفس وعلمِ الإنسان والاجتماع والألسنيات، غير أن حبيب فياض عمل على زحزحةِ التديّن وإدراجِه في حقل الفلسفة، وهي محاولةٌ دلّل عليها منذ بدايةِ الكتاب حتى نهايتِه، محاولةٌ تفرضُ عليك أن تنظرَ فيها بتريث، سواء اقتنعت بها أم لم تقتنع.

لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفية بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا فيما تكرّره من إجاباتٍ جاهزة. قيمةُ هذه الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والتفكير غير المتعجِّل. لم أجد عقلي في بعضِ إجابات المؤلِّف وآرائه، بل وجدتُ لديه ما يحرّضني على التفكيرِ ويستحثّ عقلي على توليدِ أسئلةٍ موازية للأسئلةِ التي شغلتني أكثر من أربعةِ عقود، وحاولتُ أن أكتب إجاباتي عنها في مؤلفاتٍ متعدّدة.

لا أريد أن ألخصّ مادةَ الكتاب الثرية الواسعة، فهذا يتطلب كتابةً موسعة. الكتابُ لا يترك عقلَ القارئ الذي يقرأه بهدوءٍ يهدأ، إنه كتابٌ لا يرضى عنه السلفيون، مثلما لا يرضى عنه بعضُ دعاة الإحياء والإصلاح والتجديد، إنه كتابٌ يشدو لحنَه الخاص، ويبتكر رؤاه، ويعمل على تعزيزِ حججه. قليلٌ من الكتب ذلك الذي يضيف للذهن مادةً جديدة للتفكير، وأقلُّ منها ما يثير لديه الأسئلة، لم يضِف لي هذا الكتابُ معلوماتٍ جديدة في الدين، على الرغم من وفرتِها فيه، بقدر ما حرّض ذهني على إعادةِ طرح أسئلةٍ وتعميقها كنت بحاجةٍ شديدةٍ لمواصلة التفكير فيها. أنا إنسانٌ يتغذّى تفكيري ويتجدّد بالأسئلة، ولا يكفّ ذهني عن العودةِ إلى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى كلّما تقدم بي العمر. لا يستقرّ الذهن لمدةٍ إلا بتقديمِ إجاباتِه لها، ثم سرعان ما يعود إليها كلّما قرأ كتابًا من هذا النوع، أو واجهه موقفٌ لافت، أو رأى شيئًا مثيرًا، أو أنصت بعمقٍ لغابة أسئلة الوجود.

شكرًا دكتور حبيب فياض على هذا الكتابِ الذي استحثّ ذهني على التفكيرِ معه وضدّه. ما ينقل الذهنَ للتفكير خارجَ الأسوار المغلقة على الدوام هو الكتابُ الذي يدعوك للتفكير ضدّه. أتطلع أن يأخذ هذا الكتابُ الثمين مكانتَه المناسبة في الدراسات الجامعية بتخصّصات الفلسفة وعلوم الدين، وأن يحضر في الدراساتِ الدينية في الحوزة ومعاهدِ التعليم الديني التقليدية، وأظنّها الأشدَّ حاجةً لهذا الكتابِ وأمثالِه، والأشدَّ حاجةً إلى تلك الكتب القليلة جدًا المنشغلة بإيقاظِ الذهن وبناءِ الحياة الروحية والأخلاقية.

 

تقديم كتاب فلسفة التديّن، تأليف: د. حبيب فياض، يصدر قريبًا عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار الفارابي ببيروت.

 

رابط النشر:

مَنْ ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ

مَنْ ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ

د. عبدالجبار الرفاعي

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كونيُّ، عابرٌ للجغرافية الإثنيّة والأيديولوجيَّة والدينية. قراءةُ الفلسفة بعيون أيديولوجية تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بعيون لاهوتية تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بعيون كلاميّة تنتجُ علمَ كلام. لا ينتج الفلسفةَ إلّا التفكيرُ الفلسفي، والقراءةُ الفلسفيّةُ للفلسفة.

إيقاعُ التقدم المتسارع للذكاء الصناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الصناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدمُ المتسارع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

‏‏لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ ومشاكلَ وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشاكلُ والأزمات فرديةً أو مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه.كانت الفلسفةُ وستبقى تستجيبُ لما يستجدُّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955).

علاقةُ الفلسفة باللاهوت عضوية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح،كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةً للامعقول. لا يضعُ اللاهوت في حدوده ويمنع تغوّله إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوت إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعين فلسفية.

إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

 

 

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة،17.11.2022

 

رابط النشر:

تعلم الفلسفة تعلم التساؤل والتفلسف

تعلّمُ الفلسفةِ تعلّمُ التساؤلِ والتفلسف

 د. عبد الجبار الرفاعي

‏  إيقاعُ التقدم المتسارع للذكاء الصناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الصناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدمُ المتسارع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

‏‏  لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ ومشاكلَ وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشاكلُ والأزمات فرديةً أو مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه.كانت الفلسفةُ وستبقى تستجيبُ لما يستجدُّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955).

علاقةُ الفلسفة باللاهوت عضوية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح،كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةً للامعقول. لا يضعُ اللاهوت في حدوده ويمنع تغوّله إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوت إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعين فلسفية.

لم تشهد المكتبةُ الفلسفية العربية غزارةً في الإصدارات كما يحدثُ في السنوات الأخيرة نتيجةَ تعدّدِ المؤسسات الراعية للترجمة، والمبادراتِ الفردية والجماعية في التأليف، واتساعِ التعليم العالي وكثافةِ أعداد رسائل الماجستير والدكتوراه في الدراسات العليا للفلسفة، والنشرِ الورقي والالكتروني. غزارةُ المطبوعات الفلسفية وتنوّعُها بقدر ما تثري المكتبةَ الفلسفية كميًا، قلّما تكشفُ عن عمق التفكير الفلسفي والخروجِ من تكرار الشروح وشروح الشروح والتعليقات الانطباعية وأحيانًا العبثية على أقوال الفلاسفة. هذه الغزارةُ في الكتابة توقع القارئَ المتخصّص في حيرة انتقاء ما هو جادّ من هذه الكتابات، إذ لا يتسع وقتُ الإنسان وطاقتُه لأن يقرأ كلَّ كتاب أو مقال يقع في إطار اهتماماته،كي يكتشف مدى تميّزه وفرادة تفكير كاتبه.كان الفشلُ أكثرَ من النجاح في انتخابي للكتاب أو المقال الذي لا أعرف كاتبَه، قلّما أعثر في الاختيار العشوائي، اعتمادًا على جاذبية العنوان، على عملٍ يثير اهتمامي ويشدّني إلى مطالعته بشغف. أكثرُ الكتب أتورط بشرائها، وبعد جولة سريعة في ثنايا صفحاتها من المقدمة حتى الخاتمة تخيّب ظني، وأحيانًا أنزعج لإنهاك عيني المتعبة بقراءة عبثية، ولضياع الوقت والجهد والمال، وكأني كنت ضحيةَ خدعةٍ دعائية أوقعني فيها عنوانٌ برّاق وطباعةٌ مغرية.

لا يفرض الفكرُ حضورَه بقوته وتعبيرِه عن الواقع فقط. بعضُ الكتّاب اتخذتهم أحزابٌ ماركسية وقومية وأصولية مرجعياتٍ فكرية مُلهِمة لها، ففرضت كتاباتُهم حضورَها بقوة، وإن كانت قيمةُ هذه الكتاباتُ متواضعة. الفكرُ الذي يفرضُ نفسَه يسوّقه حزبٌ سياسي فاعل ومؤثر، أو تفرضه سلطةٌ تخضعُ لها الأرواحُ طوعًا، أو ترضخُ لها العقولُ قهرًا.

لا يدلّنا رواجُ سوق كتابٍ على فرادته وقوة مضمونه، ولا تعني غزارةُ الكتابة وكثافةُ الإصدارات القدرةَ على التأملِ والتفكيرِ الصبور وامتلاكِ البصيرة الثاقبة. أعرفُ مَنْ يكتبُ بغزارة عنوانات فلسفية من دون أن يدرسَ أو يقرأ أيَّ نصٍّ فلسفي، وكأن الكتابةَ الفلسفية أمست مهنةَ مَنْ لا مهنةَ له.                                                                                      صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

يتعذّر فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية،كلُّ محاولةٍ للفهمِ تُفَكِّر في إطارٍ معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الحديثة تفضي إلى نتائجَ تفرضها مقدماتٌ تصورية وبراهينُ وأشكالُ قياسات المنطق الأرسطي. وهو ما سقطتْ فيه محاولاتُ جماعة من المهتمين بهذه الفلسفة في الحوزات وغيرها من مؤسّساتنا التعليمية، ممن أتقنوا المنطقَ الأرسطي وتشبّع ذهنُهم بمقدّماته التصوريّة وبراهينِه وأشكالِ قياساته، وتمرّسوا في استعمالِ أدواتِه في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. هناك خبراءُ ممن يمتلكون تكوينًا أكاديميًّا جادًا في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفةٌ جيّدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، يتسيّدون المشهدَ الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيُّون متديِّنُون، غير أنهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءاتٍ موهمةً ومضلّلةً للفلسفة الحديثة، تلوّنها بألوان مشوّهة، وتقوّلها ما لا تقول. القارئُ الخبير يدرك أنهم يتفلسفون ضدَّ الفلسفة.

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كونيُّ، عابرٌ للجغرافية الإثنيّة والأيديولوجيَّة والدينية. قراءةُ الفلسفة بعيون أيديولوجية تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بعيون لاهوتية تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بعيون كلاميّة تنتجُ علمَ كلام. لا ينتج الفلسفةَ إلّا التفكيرُ الفلسفي، والقراءةُ الفلسفيّةُ للفلسفة.

إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. عندما يصادفني كتابٌ أو مقالٌ فلسفي يتحدثُ لغةَ الفلسفة أشعر كأني عثرتُ على كنز مفقود. فوجئت قبل سنوات بالعقل الفلسفي الخلّاق للدكتور منذر جلوب منذ قراءتي لمقاله الأول، عندما تكرّم فبادر بالكتابة لمجلة قضايا إسلامية معاصرة. أدمنتُ بعد ذلك مطالعةَ أعماله، في كّلِ مرة يفاجئني هذا العقلُ اليقظ بمحاكمته لآراء فلاسفة كبار وتقويضه لها، مثلما تعجبني براعتُه ببناء رؤىً فلسفية ينفرد بها. لا أتفق مع كلِّ نقاشاته وأدلته ورؤاه وآرائه ونتائجه، ليس المهم أن نتفق أو نختلف مع طريقة تفكير مَنْ يتفلسفُ ومحاججاته وتقويضاته ونتائجه، المهم أن نقرأ عقلًا يفكِّر فلسفيًا بطريقته الخاصة، ويكتب الفلسفةَ بلغته الفلسفية. منذر جلوب يفرض على قارئ الفلسفة المتمرّس الاعترافَ بذكائه الفلسفي. ذكاؤه يدهش القارئَ في الخروج على طريقة التفكير الفلسفي لأساتذته ولغيرهم، ولأكثر مَنْ يقرأ لهم من كتّاب الفلسفة العرب اليوم. منذرُ يمتلكُ موهبةَ التفلسف، مَنْ يريد تعلُّمَ التفلسف يلتقي في كتاب “الوعي والعدم” أحدَ المعلّمين الماهرين اليوم للتفلسف. تعلّمُ الفلسفةِ تعلّمُ التساؤلِ والتفلسف، التساؤل والتفلسفُ إيقاظٌ متواصل للعقل، لا تولد الفلسفةُ إلا بعدَ انبعاثِ واتساعِ التساؤلِ والتفلسف، لا حياةَ للفلسفة إلا بالتساؤل والتفلسف. لا تعكس الفلسفةُ مرحلةً من مراحل تطور الوعي البشري، الفلسفةُ تواكبُ الوعيَ ولا تتخلّفُ عنه حتى لو سادَ العلمُ الحياة العقلية للإنسان، العلمُ يطرح على الفلسفة أسئلتَه ومشكلاتِه العويصة التي يعجزُ عن اكتشافِ طرق الخلاص منها في فضاء المادة والمحسوس والتجربة، وهي لا سواها مَنْ يرشدُه لدروب الخلاص، لن تموتَ الفلسفةُ مادامَ الإنسانُ يتساءل ويتفلسف.

#عبدالجبار_الرفاعي

#منذر_جلوب

#الفلسفة

#تعلم_الفلسفة

#التفلسف

رابط النشر