Category: الكرامة الإنسانية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

د. عبد الجبار الرفاعي

يولع بعضُ المثقفين والكتّاب العرب بشذرات النفّري في “المواقف والمخاطبات” وأمثالِها من نصوص العرفاء، ذاتِ الكثافة الدلالية والاستبصارات المضيئة، ويستشهدون بها وينشرونها ويكتبون عنها، ويتعطّش بعضُهم لحياة العرفاء الروحية وصلتِهم العميقة بالله، المؤسَّسة على المحبة والتراحم وتذوّق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. يحاولون أن يتصيدوا تجربةَ النفّري والحياة الروحية لأمثاله، بالتقاط كلماتهم، غير أنههم يفشلون في تذوّق بهجة الروح باستبصارات أولئك الروحانيين الحاذقة. لم يدرك هؤلاء أن الحياةَ الروحية حالةٌ وجودية معيشة لا يتحقّق فيها الإنسانُ ما لم يبني صلةً حيّة بالله. هذه الصلة لا طريقَ لها سوى العبادة بكيفياتها المتعارَفة في الأديان، إن كان مسلمًا عليه أن يؤدي الصلاة، وإن كان يدين بديانةٍ أخرى عليه أن يؤدي الطقسَ على وفق تكريس الحياة الروحية فيها.كلامي هنا في سياق مناقشة بعض الذين يدعون للاكتفاءِ بالتأمل والتفكير الواعي اقتباسا من بعض الأديان الآسيوية، والاستغناءِ عن الحاجة للصلاة والعبادات في الأديان. التأمل والتفكير الواعي ضروري، لكنه ليس بديلًا عن الصلاة والعبادات. لا يتكرّس الإيمانُ ويلبث حيًّا فاعلًا في البناء والعمل الصالح إلا بعبادةٍ يومية في إطار ديانة الإنسان.

أعرف محققًّا تخصّص في إحياء تراث العرفاء وشغف بآثارهم كلَّ حياته، وبذل جهودًا مضنية في تحقيق نصوص ثمينة لهم. لبث سنوات طويلة ينقِّب في خزائن المخطوطات، وينهك نفسَه في البحث عن رسالة أو كتاب غير منشور، واستطاع بمهارةٍ فائقة اكتشافَ نصوص نفيسة منسية أو مجهولة، وتحقيقَها باحتراف خبيرٍ، وإخراجَها للنور من ظلام أقبية خزائن المخطوطات.كان يتوهم بإمكانية بناء صلةٍ حيّة بالله بلا عبادة، بل كان يعوّض العبادةَ بالكحول، وجد نفسَه كلّما شرب افتقر للمعنى الروحي الذي يتذوق قراءته بتلذّذ في آثار العرفاء.كان يشتدُّ ظمؤه الأنطولوجي، وتنطفيء شعلةُ حياته الروحية، ويتفاقم اغترابُه الوجودي، فيسرع لإرواء ظمئه ومداواة اغترابه بالكحول. تراه كأنه يهرول وراء سرابٍ يحسبه ماء، حتى تاه متسكعًا في حالة من الغثيان والسأم المضجر، وهو يلهث بغيةَ أن يقبض على شيءٍ من سكينة الروح وطمأنية القلب. في غفلةٍ منه وجد نفسَه مدمنًا، لا يمكنه الإفلاتُ من البئر المظلم الذي غطس فيه، فمضي دون جدوى يغوص في طبقاته، وصار كلّما غرق في الكحول أشد تعاظمت غربتُه واغترابُه في العالَم، وأكلته وحشةُ الوجود، ونضب أيُّ منبعٍ للمعنى في حياته. بعد أن ضاع هو، ضيّع عائلتَه، وتزلزل وانهار بيتُه، وفقد وعيَه، وانطفأت بصيرتُه، وعجز عن التوقف للحظة ومراجعة مسيرته، والنظر بهدوء إلى عبثه بنفسه وخسارته لذاته، ولكل ِّشيء ثمين في حياته. أخيرًا ساقه هذا الطريقُ المظلم لمغادرة الحياة عاجلًا، بعد أن أحرق الكحول أحشاءه.

لا أتحدث عن الحياة الروحية بوصفها تديّنًا شكليًّا، الذي هو نمط تديّن سطحي دعائي مجوّف، لا تغذيه صلة حيّة بالله، ولا يحضر فيه شيءٌ من روح الدين ومقاصده في مواقف وسلوك المتديّن، ولا يشعر صاحبة بسكينة وسلام باطني. ويستعملُ هذا التديّنُ بوصفه قناعًا لأغراض الوجاهة، ولتسويقِ شخصيات لا تتصف بالحدِّ الأدنى من طهارة القلب واليد واللسان. إنه تديّنٌ مفرّغٌ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي. تديّنٌ يضعُ معاييرَ ظاهريةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الروحي والأخلاقي للإنسان. ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّن زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّن إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًّا لنفور الناس من الدين.

أتحدث عن الحياة الروحية والإيمان بوصفه كائنًا حيًّا يقظًا فوّارًا، وبوصفه أمرًا وجوديًّا، لا يتحقّق ويزدهر من دون روافد يستقي منها وجودَه، وتتجدّد بها حياتُه. إنه جذوةٌ مشتعِلة، وهذه الجذوةُ بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئًا فشيئًا حتى تنطفئ. مالم تتكرّر الطقوسُ والصلاةُ في سياقِ تقليدٍ عباديٍّ مرسومٍ، يذبل الإيمانُ ويذوي حتى يصير حطامًا. الإيمانُ بمثابة حديقة الأزهار، مالم نواظب على سقيها تذبل وتموت وتندثر. الصلاةُ والطقوسُ كأنها ينابيعُ مياه عذبة صافية تسقي حديقةَ الإيمان، لولاها لاندثر وأصبح هشيمًا تذروه الرياح. ينعكس تكريسُ الروح وإرواءُ ظمئها على بناءِ الإرادة وترسيخِها على الدوام، وهذه من الأغراض الأساسية للعبادة في الأديان، ‏وإن كانت هذه العبادةُ تنحرف عن غايتها الأصلية، وتُستعمل أحيانًا في وظيفةٍ مضادة.

اهتمَ كلُّ دينٍ معروف اهتمامًا واضحًا بالعبادة، وحرصتْ كلُّ الأديان على رسم تفاصيلها بجلاء، وحذّرت مَنْ يتّبع الدينَ من أدائها كيفما يشاء خارج رَسمها المحدّد، لأنه يهدر وظيفتَها ويمسخ هويتَها. القولُ بأن لكلِّ شخص عبادته وصلاته الخاصة كلامٌ غريبٌ على منطق الأديان وروحها، وما ترمي إليه العبادةُ فيها، وأغربُ منه محاولاتُ بعض الناس ترقيعَ والتقاطَ عناصر متضاربة من أديان مختلفة في عباداتها وطقوسها وشعائرها، وخلطَ بعضها ببعضها الآخر، ولصقَها بصورة متناشزة مشوّهة، وممارستَها بشكلٍ يمحقُ الدينَ، وينتحلُ حالةً مشوهة للإيمان.

إن تاريخ الأديان الطويل ينبؤنا بأن العبادات تشكِّل رافدًا يغذّي الصلةَ الوجودية الحيّة بالوجود المطلق، الذي يتجلى في كلِّ دين على شاكلة شريعة أتباعه. وأن ما تتميز به العباداتُ يكمن في اشتراك ماهيتها وصورتها بين أتباع الدين الواحد. ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا عباداتهم خارج إطار شريعتهم، أو يلتقطوا عناصرها من أديان متنوعة كيفما يشاؤون.

في ضوء هذا المفهوم للعبادة في الأديان، نجد الهندوسي يؤدي طقسَه وعبادتَه الخاصة في معبده، وفي المسيحية يؤدي المسيحي قدّاسَه في كنيسته، وفي الإسلام يؤدي المسلمُ صلاتَه في مسجده. كيفيةُ القدّاس الذي يؤديه المسيحي في الكنيسة، تختلفُ عن كيفيةِ طقس الهندوسي في معبده، وتختلفُ عن كيفيةِ صلاة المسلم في مسجده، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. لا ننكر التشابهَ في بعض عناصر العبادات والطقوس والشعائر في الأديان، الذي يعبّر عن مشتركات الأديان والثقافات في المجتمعات المختلفة، إلا أننا لم نجد تطابقًا وتماثلًا كليًا بينها، لكلِّ عبادة بصمتُها الخاصة ولونُها الذي يعكس صورةَ الديانة المشتقة منها. لكلِّ إنسان حياتُه الروحية، روحُ الإنسان تتغذّى من العبادات المشترَكة في ديانته. صلاةُ الحلاج والبسطامي والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي ومحمد حسين الطباطبائي، وغيرهم من العرفاء، هي صلاةُ الإسلام ذاتها، غير أنهم تهذّبوا وتسامت أروحُهم بنور الله، وابتهجوا بمحُبّته[1]. الحياةُ الروحية تتحقّق في سياق شريعةٍ محدّدة، الحياةُ الروحية تتطلب أن تستقي على الدوام من العبادة الخاصة بهذه الشريعة، بوصفها من سنخها وترتسم فيها صورةُ الديانة، وينعكس فيها شيءٌ من عناصر البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان. فلو ركّبَ الإنسانُ على ديانته تقليدًا عباديًّا مستعارًا من ديانةٍ أخرى،كما لو أن مسلمًا كان يمارس تقليدًا طقوسيًّا هندوسيًّا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين طقسٍ ترتسم فيه صورةُ ديانةٍ غير ديانته، وبين الحياة الروحية في أفق ديانته. لكلِّ ديانةٍ طقسٌ خاص من جنسها، بمعنى أنه مشتقٌّ من طبيعة البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان، وكيفية رؤيتها للعالَم، وبصمة الحياة الروحية فيها[2].

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين الظمأ الأنطولوجي، ص 72، ط 3، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار التنوير، بيروت.[1]

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 63-64، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.[2]

 

https://alsabaah.iq/94527-.html?fbclid=IwAR1t9g3ADIAFOA1_Gpg5WY9y2M_WzsE4kD-ggq_RjjTn9zI2FYkCVL1yVhE_aem_Aa1opZqmQtqu5LMt361QvaqUGKyNucnYCpwIv3bTGZyfwt9mrT6xVf77E-TAA2B4249CXb6IX5Z-Pdyfag4LzQUO

الكراهية ليست طارئة

الكراهية ليست طارئة

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ “أكرهك”! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثالَ هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. طالما أتت الرسائلُ من حسابات شبحية، يعمل المرسلُ حضرًا بعد إرسال هذا الكلام الجارح، لئلا أتعرّف عليه. في الحياة من الشرّ أكثر من الخير، ومن الكراهية أكثر من المحبّة. علّمتني جروحُ الحياة أن الإنسانَ يحتاج الكراهيةَ كما يحتاج المحبّة، وربما يحتاج الكراهيةَ أشدّ من المحبّة أحيانًا. الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، هناك حاجةٌ دفينة للكراهية في النفس كحاجتها للمحبة.

‏مَن يريدُ أن يعرفَ شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشرّ في الأرض عليه أن يراجعَ أرشيفاتِ الاسترقاق للأفراد والمجتمعات في الماضي والحاضر، ويقرأ تاريخَ الاستبداد والاستعباد الذي مارسه ومازال يمارسه الحكّامُ الطغاة، وانتهاكَهم لكرامة الإنسان وترويعَه في السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة، وينظر في جرائم الاستعمار والاحتلال الشنيعة أمس واليوم لمختلف بلدان العالم، ويرى المجازرَ في غزة والأرض المحتلة.

شخصيةُ الإنسان مركبةٌ مكوّنة من طبقات. الإنسان كائنٌ لا يمكن اختزالُ دوافع سلوكه بعاملٍ واحد. رأيتُ شيئًا من تعقيد شخصية الإنسان في مواقفِ الصعاليك وغرابةِ سلوكهم، إذ كنتُ ألتقط الصعاليكَ في مرحلة الشباب من حياتي وأتحمل تطفلَهم وعبثَهم وفوضويتَهم، وأتولى تأمينَ احتياجاتهم المتنوعة والمتواصلة، لم يبادر أحدٌ منهم بالشكر، كانوا يشعرون بأن ما أقدّمه لهم حقُّهم عليّ وعلى غيري، لذلك لا يتطلب منهم الإعرابَ عن الامتنان والتقدير.كنتُ أندهش مما يمتلكون من تهورٍ ووقاحةٍ في التعبير عن كثيرٍ من التناقضات المكبوتة لدى الإنسان. حاولتُ الابتعادَ عنهم منذ ثلاثين عامًا، لحظة صرتُ لا أطيق مَن يعشق دورَ الضحية في الحياة، والصعلوك أبرع مَن يمثّل هذا الدور، ويتفنّن في إخراجه بأساليب ذكية ووسائل مختلفة.

السلطةُ والشغفُ بالتسلّط والتملّك من أعمق الدوافع العدوانية للإنسان، حتى الصعلوكُ ينشدُ بمواقفه وسلوكه التسلّطَ عليك وتطويعَك لخدمته مجانًا، فيستعمل بمهارةٍ فائقة وبطريقته الخاصة كلماتِه، وتعبيراتِ وجهه ولغةَ جسده، ولباسَه، وبؤسَ مأواه، وغير ذلك؛ لتنقاد إليه وتلبي رغباتِه وطلباتَه بحماس، وتصبر على مواقفه الغرائبية مهما تمادتْ في خروجها على الذوق العام والأعراف والتقاليد والقيم والأخلاق. أكثرُ الكراهيات تنشأ من الشغفِ بالتسلّط على الغير وإخضاعِه، والاستئثار بالمال والثروة والسلطة، وهو سلوكٌ يمارسه الإنسانُ بحدود الفضاء الذي يعيشُ فيه ويمارسُ حضورَه وتأثيره. الأبُ يمارسه في العائلة الأبوية، والأمُ تمارسه في العائلة عندما يضعف دورُ الأب أو يختفي بالموت وغيره، المعلّمُ يمارسه مع تلامذته، الرئيسُ في المؤسسات الإدارية ومؤسسات السلطة، حتى الشرطيُ يمارسه في حدود ما تسمح له سلطُته.كلُّ إنسان يفعلُ ذلك بحدود طاقته، وحسبما هو متاح له من وسائل تمكّنه من ذلك، وحين يعجزُ الغيرُ عن المقاومة والدفاع عن النفس. ليس بالضرورة أن يلجأ الإنسانُ المتسلّط لتوظيف وسائل عنيفة أو مثيرة أو مباشرة بغية بلوغ هدفه، المتسلّطُ يستثمرُ القيمَ السائدة في العائلة والقبيلة والمجتمع،كما يستثمرُ العلاقاتِ المختلفة ويوجّهها في سياقٍ يكرّس سلطتَه، ويعملُ على استعمال اللغة وتغذيتها باستمرار بدلالاتٍ تنتج التسلّطَ وتمهّد للاستعباد.

الإنسان غير الروبوت، ليس هناك قواعد ميكانيكية أو معادلات رياضية صارمة تتحكم بالإنسان، الإنسان الذي يكون كالروبوت في كلِّ أقواله وسلوكه ومواقفه ليس طبيعيًا. ‏التناقض في الآراء والمواقف حالةٌ بشرية لا يكاد يسلم منها كليًا إنسان. ‏التناقض البغيض هو أن يقول الإنسان الشيءَ ونفيَه في موضوعٍ واحد ووقتٍ واحد. ‏هذا التناقض ينتجه أحيانا الإشفاقُ والمداراةُ والرفقُ بالآخرين، وأحيانا ينتجه الخوفُ من إعلان المواقف الصريحة، وأحيانا تنتجه مصالحُ عاجلة، وأحيانا عقدٌ نفسية كامنة في اللاشعور منذ الطفولة، وربما يعود ‏التناقضُ إلى النفاق، أو اضطراباتِ الشخصية والمرضِ النفسي.

الإنسانُ أعقدُ من قدرتنا على فهم كلِّ شيءٍ في أعماقه. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاتِه[1]، وتقلّبِ حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد باستمرار، مالم يفلح  بالتغلّب عليها بمزيدٍ من تكريسِ الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي والجمالي الذي يسمو به في مراتب الكمال.

أحلامُ الإنسان لا تكفُّ عن فرض رغباتٍ وأعباء تفوق طاقتَه، الرغباتُ والأحلام تثير الآخرين وتستفزّهم، لشعورهم بأن صاحبَها يصطاد فرصَهم في الحياة، ويستحوذ على مواقعهم، وذلك ما يصيّر الحياةَ حلبةَ صراع، تراها كأنها سلسلةُ حلولٍ لمشكلات، تبدأ منذ وقتٍ مبكر من عمر الإنسان ولا تقف إلا بالموت. الإنسانُ الحكيم يستطيعُ تفهمَ هذه الحالة وإدارتَها بذكاء. إنه يدرك أن الجمعَ بين الأضداد متعذّر، كما يدرك إمكانيةَ تفسير ذلك التضادّ ومعالجته، بوصفه حالةً ليست طارئةً أو استثنائية. يمكّنه هذا التفسيرُ من العمل بالتدريج، على خفضِ ما يرهقه ويستنزف حياتَه من صراع الأضداد في باطنه، بإيقاظِ صوتِ الله في روحه، والمحبةِ في قلبه، وتغذيتهما وتكريسهما ليصيرا مكونًا ثابتًا لكينونته الوجودية.

الإنسانُ كائنٌ غامضٌ جدًا في الوقت الذي يظهر لنا واضحًا جدًا، ما يجري من قوانين في الطبيعة تنطبق أكثرُها على جسده، لكن لا ينطبق كثيرٌ منها على نفسه وعواطفه وروحه وقلبه وعقله. تظل الطبيعةُ الإنسانية عصيةً على فهم كلّ طبقاتها بشكل واضح، حتى على الخبراء المتخصصين. لا يمكن أن ينتهي علمُ النفس إلى مواقف نهائية حاسمة في الكشف عن كلّ أسرار النفس الإنسانية، وذلك ما يؤشر إليه الاختلافُ الواسع الذي يصل حدَّ التهافت في بعض الحالات في مدارسِ علم النفس المتعدّدة، ومواقفِها المتنوعة في تفسيرِ سلوك الإنسان واكتشافِ الدوافع الخفية لمواقفه في مختلف أحواله. لم يجد علمُ النفس إجاباتٍ نهائية للأمراض والاضطرابات النفسية، إلا أنه كأيّ علمٍ ما يزال يواصل تنقيباتِه، ليكتشف المزيدَ مما هو مختبئٌ في النفس، ويعمل باستمرارٍ على نقد نظرياته وتمحيص آراء العلماء والمختصين ويغربلها ويعلن أخطاءَها ويرمّم ثغراتِها، ويواصل بجدية أبحاثَه ونتائجَه الجديدة[2]. المواقف المتضادّة لدى إنسانٍ واحد، في أزمنةٍ متوالية وحتى في يومٍ واحد، ليست غريبةً على طبيعة الإنسان. الإنسانُ الذي يمتلك عقلًا يقظًا مسكونًا بالتفكير العميق والأسئلة الوجودية الكبرى، يمكن أن يمتلك قلبًا متقدًا. الإنسانُ كائنٌ لا يشبه إلا ذاتَه. الإنسانُ كائنٌ شديد الغموض، ربما تراه غارقًا في الغربة الوجودية، وغارقًا في المحبة في وقتٍ واحد.

لن يختفي الشرُّ الأخلاقي ما دام الإنسانُ إنسانًا، مادام الإنسانُ يكذبُ ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. ‏الثقافاتُ والقوانين والعقوبات والأديان تهدفُ إلى خفض وتيرة الشرّ إلى أدنى مستوى ممكن، ولولا ذلك لتحوّل الناسُ إلى أكلة لحوم البشر. الإنسانُ ليس كائنًا بريئًا أو محايدًا، بعضُ الأصدقاء لا ينقل لك من الأخبار العامة وما يخصّك الا ما يؤذيك، إنما يفعل ذلك بدافع التشفي الذي يلبي حاجةً عميقة تفرغ فيها نفسُه ألمَها، وتعيد تقديرَها لذاتها؛ بإشعارِ الغير بأنه غيرُ جدير بالثقة والتقدير.

لا وصفةَ نهائية تتطابق وكلَّ الاحتياجات المتنوعة للبشر في مراحل حياتهم المختلفة، حتى الفرد الواحد تختلف احتياجاتُه في مراحل عمره المتعدّدة، ربما تقوده عواطفُه للتعلّق بشخصٍ أو أيّ شيءٍ آخر في مرحلةٍ من عمره، غير أنه قد ينفر منه في مرحلةٍ أخرى. الإنسانُ كائن يمكن أن يختلف يومُه عن أمسه، الإنسانُ يتغيّر تبعا لتنوّع صلاته الوجودية بما حوله من بشرٍ وأشياء، وتتجدّد بعضُ احتياجاته ومصالحه، وتندثر احتياجاتٌ ومصالحٌ في المراحل المختلفة من عمره، وتضاف أخرى.

يختلف كلُّ شيء باختلاف زاوية النظر إليه، وهذا ما يُصطلح عليه في الفلسفة قديما بـ (الحيثية)، يقال: “لولا الحيثيات لبطلت الفلسفة”، بمعنى أن كلَّ زاوية نظر تقودنا إلى نتيجة، ومن مجموع زوايا النظر تتعدّد وتتنوع المواقفُ الفلسفية في المعرفة والوجود والقيم، وهكذا يختلف تفسيرُ الحقائق وتختلف طرقُ الوصول إليها وإدراكها. باختلاف زاوية النظر يمكن للإنسان ملاحظةُ صور كثيرة بعضُها متضادّ في إنسان واحد. أحيانا تختلط المحبّةُ بالكراهية فتتناوبان، عندما تتصارع زاويةُ النظر الواعية لإنسانٍ مع زاوية النظر اللاواعية في باطنه. تراه لحظةً يحُبّ إنسانًا، ولحظةً أخرى يكره هذا الإنسان، وهو لا يدري كيف يحدث ذلك، مثل أن ترى المرأةُ في رجلٍ واحد صورًا متضادّة، أو يرى الرجلُ في امرأةٍ واحدة مثلَ هذه الصور. في بعض حالات حبِّ الرجل للمرأة وحبِّ المرأة للرجل، يحدث تناوبٌ للحبِّ والكراهية باضطرادٍ مُضجِر. أظنه يعود إلى أن المرأةَ تكره صورةَ الرجل الأعمّ من هذا الرجل وغيره؛ إثر ما يستفيق من مواجعَ جروحٍ كامنةٍ في اللاوعي لحياةٍ زوجية عاشتها أمس مع رجلٍ عنيف، ختمتْ بعد سنواتٍ من الصراع المرير بطلاق، وإن كانت هذه المرأةُ تحب الصورةَ الشخصية لهذا الرجل النبيل الذي تزوجته بعد الطلاق. الرجلُ أحيانًا يكره صورةَ الأنثى الأعمّ من هذه المرأة وغيرها في شخصِ هذه المرأة؛ إثر ما يستفيق من مواجعَ كامنةٍ في اللاوعي من حياةٍ زوجية مشاكسة مع غيرها أمس، لكنه يحُبّ الصورةَ الشخصية لهذه المرأة المهذّبة التي هي زوجته اليوم. وأحيانًا يكون التناوبُ عكسيًا في الحالتين.

[1] التضاد والتناقض ليس بالمعنى المعروف في المنطق والفلسفة، أعني بالتضاد والتناقض هنا ضرب من المفارقة.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 70، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/89769-.html

 

 

 

لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق

لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق

د. حميدة القحطاني[1]

البحث عن المعنى والشعور بالسعادة المعنوية من ضمن الدوافع الكبيرة التي تدفعني إلى تكرار قراءة مؤلفات د. عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، فهي تنعش روحي وتلامس قلبي وتثير فكري وتساعدني على ايقاظ ذهني. تعودت منذ فترة ان أراقب مؤشر الرضا والسعادة في عالمي الداخلي، واجتهد لإعادة منسوب السعادة بدرجة المقبول فما فوق. أسرع للبحث عما يلامس الروح ويثير الشغف ويعيد الوهج، ويجعلني أكثر تقبلا ليومي، وان أتشبع بالرضا والسكينة، وأشعر بشيء من الضوء في نفسي.

أقرأ كتب الرفاعي على الدوام، مرة أنتقي “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ومرة أخرى أعرج إلى كتاب “الدين والكرامة الإنسانية”، وثالثة “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”، وأعماله الأخرى،كي أرفع مؤشر المعنى في أيامي. اليوم تجولت في “الدين والكرامة الإنسانية”، هذا الكتاب كرّس قاعدة احترام الذات في كينونتي، وفي كينونة كل شخص آخر يقرأه.كم تسحرني مقولة الرفاعي: “الكرامة مقصد مقاصد الدين وأسمى أهدافه”. كما يبهرني هذا النص الآخر، وأقف بصمت رهيب أمامه: “أكثر الكتابات المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثر الكتابات المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدين يبدأ باكتشاف الإنسان واعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان”.

التعريف الخاص للدين الذي وضعه الرفاعي بكتابه هذا وغيره من كتبه، يبتني على تعريفه للإنسان بأنه: “كائنٌ عاقلٌ، عاطفيٌّ، أخلاقيٌّ، دينيٌّ، جماليٌّ، اجتماعيٌّ، تاريخيٌّ. الإنسانُ كائنٌ متفرّدٌ، يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ: العقل، واللغة، والعواطف، والمخيّلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز.كلُّ إنسان واحدٌ في الوقت الذي هو فيه متعدّد، ومتعدّدٌ في الوقت الذي هو فيه واحد”. وفي ضوء ذلك يعرف الرفاعي الدينَ بأنه: “حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويعقب على تعريفه بقوله: “هذا هو تعريفي للدين الذي اقترحته ويعرفه من يقرأ كتاباتي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كتاباتي، ورؤيتي لله والإنسان والعالم”.

الرفاعي هنا يرسم أبهى صورة للدين أتمعن هذا النص وأدبر كثافته وأبصر معانيه العميقة.كم يكشف أمام قلبي قيمة مشرقة سامية للإنسان يدلنا عن حاجات وجودية يساهم الدين في تجلياتها والابداع في مضمارها، انتاج معنى روحي واخلاقي وجمالي. يلفت قلوبنا وعقولنا هنا الرفاعي للجانب السامي في الإنسان، ذلك الجانب الذي يبرهن حياة الإنسان في الإنسان، الجانب المضيء العطر المثمر المتوهج. تشدني قراءة نصوص هذا الكتاب وترشدني احياناً كثيرة لدروب الحياة في الحياة. أحفظ بعض نصوصها وأرى بعض منها مادة أولية اساسية لصياغة بعض قواعد حياتي. رافد من روافد سعادتي المعنوية وأداة كبيرة لرفع منسوب السكينة والرضا، مفتاح جميل لفهم بعض طلاسم النفس البشرية التي أتلمسها في نصوص الكتاب.

هكذا أتلذذ في قراءة مؤلفات الرفاعي ومنها هذا الكتاب، حيث لا تستوعب مقالة واحدة ايضاح قراءتي له، وتصوير روعة شعوري وانا أتمعن وأتذوق وأتزود من نصوصه. ما أجمل وأكثف عناوين موضوعاته كل عنوان يحمل من الكثافة والجمال ما يجعله منهج تربية أو علامة ترشد الحائر للطريق. المميز في هذا الكتاب لغة عباراته التي ينصت لها القلب بدفئه، ويستيقظ أمامها العقل ويقف بإجلال عند معانيه، وتحلق الروح في عالم السمو والمعنى في حضرته.

المقدمة في كتب الرفاعي لا تكفيها قراءة واحدة، ولا تناسبها مهارات القراءة السريعة، المقدمة عبارة عن سيرة ذاتية يبطن فيها الجمال والعمق والحب والحزن والألم، مرة أخرى يعلمنا الرفاعي بصورة غير مباشرة كيف للتواضع من تجليات واعترافات تبني الأنسان وتزيد من ضوء روحه فيقول: “ليس هناك كتابة مكتفية بذاتها، أعترف أن كتاباتي جهد لا يختص بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دور مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهد مشترك فيه كل من يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها”.

نص آخر يدلني عن الالتصاق بالذات الحقيقية والبعد عن النرجسية: “ما أكتبه يظل مفتوحا ينضج ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة”. وستلهمني ذات الاشارة في قوله: “يظل النص مفتوحا ينمو باستمرار تبعا لآفاق الكاتب، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيد من القراءة والمراجعة والتأمل، يتطور النص بالتدريج ويتكامل، وان كان لن يبلغ نهاياته ويكتفي بذاته مهما امتد عمر الكاتب”.

يكرس لنا الرفاعي مفهوم النفس الواحدة في نص يحمل من الضوء والجمال لكل من يرى “ان انتهاك كرامة أي كائن بشري هو انتهاك يطال كرامة غيره من البشر أيضاً “.كثيرة هي النصوص التي يقف ضميري وعقلي امامها وتنصت روحي ولايرغب قلبي مغادرتها واني لأتسائل لماذا لا تنتخب هذه المؤلفات وأمثالها في مناهجنا الدراسية؟ لماذا لا نعلم ابنائنا وبناتنا اهم حاجاتهم الوجودية ونبين لهم ان سلوكهم وانفعالاتهم وحتى احلامهم وأهدافهم واضطراباتهم وإرهاصاتهم النفسية ماهي الاتجليات وتعبير واشارة وصرخة لعدم الالتفات لتلبية هذه الحاجات.

نص آخر التقيه كعلامة ترشد وتهدي الى طريق الارتقاء “إنسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني اخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في حياته، عالم تزداد فيه كآبته، ويشتد اغترابه”. ثم علامة أخرى ترشدنا وتدلينا على الطريق، إذ يقول الرفاعي: “قراءة الفكرة لا تكفي وحدها لتطبيقها، ما لم تتبناها سلطة تفرض حضورها، أو تتجند لها جماعة تحشد كل طاقاتها من أجلها “.

في نص آخر أبصر أهمية الانتقاء، الانتقاء وسيلة مهمة ليقظة الإنسان داخلنا، الانتقاء عامل مهم يساهم ويساعد في انتاج معنى لأيامنا، فيقول الرفاعي وكأنه يشير لنا إلى أهمية الانتقاء، إذ يقول: “بعض الكتاب اتخذتهم جماعات يسارية وقومية وأصولية مرجعيات لها، ففرضت كتاباتهم حضورها في ضمير القراء، وان كانت هذه الكتابات سطحية هشة، تفتقر إلى اي مضمون متماسك رصين، ويدثرها ركام شعارات تذكي العواطف وتثير المشاعر”.

الإيمان يتكلم لغة واحدة، أتى الرفاعي بهذه الجملة اللافتة عنوانا لأحد موضوعات كتابه، وهكذا بقية العناوين يجدها القارئ لوحة جديرة بالتذوق والتزود من الجمال الكامن فيها وبنفس الوقت تثير الشغف لمعرفة المخفي منها أي لغة يتكلم الإيمان؟

لنتذوق ونتزود ونسمو مع هذه النصوص “يسكن الإيمان الروح مثلما تسكنه، ويرتوي بالروح مثلما ترتوي به”، و “أودع الله في كل إنسان روحا منه، إلا ان هذه الوديعة تحتجب متى احتجب الانسان عن الله”، و”الله لا ينسى الإنسان إلا عندما ينساه الإنسان”، و “يضيء الإيمان الروح لحظة تحققها به، مثلما تضيء الكهرباء المصباح المظلم لحظة وصله بها، وهذا معنى كونه حالة نتذوقها كما نتذوق الطعام الشهي والشراب العذب”.

ليس لدي القدرة على الاستمرار في قراءة تامة وكتابة مراجعة لهذا الكتاب في مقالة واحدة، فنصوصه تفرض على ضميري الأخلاقي وذائقتي وقلبي وعقلي أن أجزئ مراجعتي لهذا الكتاب. أرى كل عنوان داخل مكنون هذا الكتاب الثري جدير بالوقوف بكل حب واجلال أمام نصوصه وكتابة مقال في مراجعته. لذا اضطر للتوقف عند هذه النصوص لعلي أهضم جمالها واستدل بعض الطريق بعلاماتها، وامنح عقلي وقلبي وروحي فرصة وفضاء اوسع للسياحة في معانيها،كوجبة شهية جدا نصوص هذا الكتاب أود التهامها في الوقت ذاته.

نختم بهذه النصوص: “الإيمان مستقره القلب، ومأواه الروح، انه ليس صورة ندركها، الصورة يختزنها الذهن. خلافا للفهم والمعرفة، لا يتحقق بالنيابة”، و”الإيمان وحب الله كلاهما كيمياء للروح،كلاهما ينبثقان من جوهر واحد”. “في الإيمان تتناغم الاديان وتتعايش وتأتلف، بعد ان تكتشف شفرة اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلمها الإيمان”. “لغة الإيمان مضيئة، لغة الإيمان عابرة للغات والمعتقدات والفرق والمذاهب”.

[1] دكتوراه فلسفة القانون الدولي العام. قراءة لكتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”.

القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

 د. عبد الجبار الرفاعي

كان لمطالعاتي المتواصلةِ للكتاباتِ العقلانية النقدية أثرٌ ملموسٌ في إيقاظِ ذهني، وتحرّرِه من الأوهام المتضخمة. لن أنسى أثرَ أعمال علي الوردي وغيرِه من ذوي التفكير النقدي الحرّ في إيقاظِ ذهني، واستردادِ عقلي الذي استلبته أوهامٌ بضعةَ سنوات، لبثَ فيها تأسره مفاهيمُ لا صلةَ لها بحياتي ومعاشي، ولا علاقةَ لها بمشكلاتِ الناس وآلامِهم.كنت عاجزًا عن استبصار العوامل المختلفة المعقدة المكونة للواقع، أحسبُ الواقعَ المركب بسيطًا، أفهمُ ظواهرَ اجتماعية معقدة تنتجها سلسلةُ عوامل عميقة ظاهرة ومضمرة فهمًا ساذجًا، لا أعرف شيئًا عن التفسير العلمي للظواهر السائدة في المجتمع. كنتُ أعتقد أن الناسَ يتغيرون بالمواعظ فقط، أتقنتُ صناعةَ الكلام، من دون أن أعرف شيئًا من أسرارِ الطبيعة الإنسانية الدفينة. لم أكن أعرفُ أن إصلاحَ ظروفِ عيش الناس، وإعادةَ بناء وعيهم وثقافتهم، هو الذي يتكفل بتغييرهم.

حذّر الوردي ممن يريد أن يغيّر الناسَ بالكلام، من دون أن يعرف الطبيعةَ البشرية، ويدرس الظواهرَ الاجتماعية دراسةً علمية، تتعرّف على أسبابها ومكوناتها وآثارها، ويبحث في كيفية الخلاص منها. البشرُ لا يتغيرون بالكلام، وأن ما هو عميقٌ في الطبيعة البشرية لا يمكن استئصالُه؛ ذلك ما دعا الوردي للشكوى ممن يعمل بذلك بقوله: “ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الأفلاطونيين، الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عما يتخيلون من مُثل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل… إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة، ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة… لقد جرى مفكرونا اليوم على أسلوب أسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم بثقافة حديثة أو قديمة،كلهم تقريبًا يحاولون أن يغيّروا طبيعة الإنسان بالكلام. وكثيرًا ما نراهم بمواعظهم يطالبون الناس أن يغيروا من نفوسهم أشياء لا يمكن تغييرها، فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدى هذا بالناس إلى أن يعتادوا سماع المواعظ، من غير أن يعيروا لها أذنًا صاغية”[1].

الوردي يعلن انحيازَه للتطور، لذلك يتكرّر في كلِّ كتاباته التشديدُ على أن كلَّ شيء في العالم يتغير ويتطور، الإنسانُ كائن تفرض عليه بيئتُه ومحيطُه وظروفُه المعيشية نوعَ ثقافته وقيمَه وشكلَ تدينه، بناء على أن كلَّ عصر يمتلك معاييرَه الخاصة للمعرفة والقيم والجمال والزمن وغيرها.

حدث تحولٌ في رؤيةِ الوردي للعالَم ومنظورِه للقيم وفهمِه للحياة ووعيه للواقع عندما انخرط في الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وذلك ما قاده للقول بنسبيةِ الأخلاق، واختلاِفها باختلاف الثقافات والمجتمعات والعصور، كما يصرّح بقوله: “الأخلاق نسبية كما لا يخفى. فما يعدو في نظرهم بريئًا قد يعتبر عندنا فسقًا وفجورًا. وربما تنقلب الأحوال عندنا في المستقبل، فيصبح مقياسنا في شؤون الأخلاق مخالفًا لمقياسنا الحاضر. ولستُ أنكر أني قد ذُهِلْتُ حينما رأيتُ في جامعات الغرب ذلك الاختلاط العجيب بين الجنسين لأول مرة، واعتبرته من قبيل الإباحية والفسق، حيث كنت آنذاك لا أزال تحت تأثير التفكير الوعظي الذي نشأتُ فيه في بيئتي الشرقية المتزمتة”[2]. أبدى الوردي دهشتَه من الاختلاط لأحد أساتذته، فأجابه الأستاذ بقوله: “إننا إذا منعنا طلابنا وطالباتنا عن الاختلاط المكشوف لجؤوا إلى الاختلاط المستور بعيدًا عنا، في جو ملؤه الريبة والإغراء. إننا إذ نعترف بما في الطبيعة البشرية من قوى، ونهييء لها ما ينفّس عنها في جو من البراءة والطمأنينة، نكون بذلك قد وقينا الإنسان من مزالق الشطط ومغريات الخفاء”[3].

الأخلاق ليست كلها نسبية كما يرى الوردي، ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات يحكم بهما العقلُ العملي “الأخلاقي”. “الحُسن والقُبح” الذاتيان، مثل حُسن الصدق والعدل والأمانة، وقُبح الكذب والظلم والخيانة، حكم الحُسن أبدي لما هو حسن بالذات، وهكذا القُبح أبدي لما هو قبيح بالذات، لكن معرفة حدوده في الواقع وتطبيقاته، وما يصدق عليه في الحياة، ينكشف بالتدريج. اكتشافُ مصاديق ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات نسبيٌ، بمعنى أن الإنسانَ لا يدرك كلَّ المصاديق، إلا بعد نضجِ عقله، وتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته عبر التاريخ، وادراكه للحريات والحقوق المستحقة للإنسان بما هو إنسان. الحقيقة الأخلاقية تتكشف بالتدريج للإنسان بمختلف أبعادها وحدودها ومصاديقها، في ضوء اكتشافه لذاته، والعالَم من حوله، وتطور علومه ومعارفه المتنوعة، وتراكم خبراته وتجاربه وتنوعها.كلما اكتشف الإنسان ذاته والعالَم من حوله، تكشفت له حدود الأخلاق، واتضح ما هو نسبي متغير وأبدي ثابت فيها.

الحُسن والقُبح غيرُ الذاتيين، وأعني بهما كلَّ مالم يحكم العقلُ العملي بأنه حسنٌ وقبيحٌ بالذات. ما كان حُسنهما وقُبحهما لسبب ما خارجَ ذات الفعل، سببٌ يتحقّقُ في مجتمع وثقافة وزمان ما، في مثل هذه الحالة الحُسن والقُبح نسبيان، يزولان بزوال سببهما. ذلك ما نراه في مختلف العادات والتقاليد والأعراف والثقافات المحلية المتنوعة بتنوع المجتمعات، والمتغيرة بتغيّر ظروف الإنسان وأحواله.

الحُسن والقُبح الذاتيان النسبيُ فيهما هو التعرّف على المصاديق. معرفةٌ المصاديق تتأثر بدرجةِ التطور الحضاري وتكاملِ الوعي البشري بذات الإنسان والعالم، كما تتأثر بمختلف أنماط عيش الناس، والظروفِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في حياتهم. يدرك الإنسانُ حُسنَ العدلِ بذاته في كل زمان ومكان.

العدلُ قيمةٌ أخلاقية وحقوقية تطور اكتشافُ مصاديقه بتطور وعي الإنسان بالكرامة والحرية والمساواة، لم يولد هذا الوعي مكتملًا مع أول إنسان عاش في الأرض. تفشَّت العبوديةُ ولم يصدر تشريعٌ بتحريم الرقِ، مع كل ما يتضمنه الرقُّ من هتك لكرامة الإنسان، إلا قبل أقل من قرنين. الكرامةُ والحرية والمساواة مفاهيمُ تطور اكتشافُ مصاديقها وتحقّقُها بالتدريج تبعًا لتطور الوعي البشري فيها، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

الكرامةُ والحريةُ والمساواةُ كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعيُ بمصاديقها دفعةً واحدة، بل تطلَّبَ وصولُ البشرية إلى وعيها بمعانيها المعروفة، والتعرّف على حدودها وتطبيقاتها عبورَ عدة محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا مضمخًا بالدماء. تطلبَ ذلك طيُّ مراحل وعرة تطورت فيها عبر آلاف السنين،كي يتحقّق الوعي بحدودها وتتحقّق بشكل واسع في المجتمعات البشرية.كتاباتُ المفكرين والكتاب، وجهودُ المصلحين، وتضحياتُ الأحرار في العالَم؛كان أثرُها ملموسًا في تكامل الوعي بهذه القيم وتحقّقها بالتدريج في الحياة.

لم يُنظر لاسترقاق البشر على أنه ظلمٌ وانتهاك للكرمة البشرية إلى القرن التاسع عشر. أضحى اليوم يُنظر إليه بوصفه ظلمًا قبيحًا، وانتهاكًا سافرًا للكرامة البشرية.كان فلاسفةٌ مثل أفلاطون وأرسطو وغيرُهما من الفلاسفة لا يقبلون أن يكون كلُّ الناس بمرتبة واحدة في استحقاق الحقوق، رفضوا أن يكون الكلُّ في المرتبة ذاتها في نيل الحق بالكرامة والحرية والمساواة. يرى أرسطو أن العبيدَ طبيعتُهم البشرية العبودية، والأحرارُ طبيعتُهم البشرية الحرية، اليوناني والأوروبي حرٌّ لأن لديه روح، والآسيوي عبدٌ لأنه لا روح له. جعل أفلاطون في “الجمهورية” البشر طبقاتٍ ليست متكافئةً في المكانة والحقوق والوظيفة، إلى الحدّ الذي وصف فيه كارل بوبر أفلاطونَ، في كتابه: “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، بأنه المنظّر للتوتاليتارية والملهم للشمولية. في العصر الحديث يرى ديفيد هيوم (1711 – 1776) الزنوج وكل إنسان غير أبيض أدنى بطبيعته البشرية من الإنسان الأبيض. هذا الرأي لهيوم، على الرغم من كل ما أنجزته آثار هذا الفيلسوف العقلانية. هذه نماذج فقط من مواقف فلاسفة معروفين، وشرعنتهم للاستعباد وعدم المساواة، وعدم رفضها أخلاقيًّا. وليست غريبة هذه المواقف على معاصريهم أو مَن سبقوهم أو ظهروا في عصور تالية، قبل القرن التاسع عشر.

 

[1] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، ص 5 – 6.

[2] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، لندن، دار كوفان، ص 9، ط 2، 1995، الهامش رقم (1).

[3] المصدر السابق، ص 9.

 

https://alsabaah.iq/84721-.html?fbclid=IwAR2P1aA55lEFaLr3a2UJHZJ18L3djw4m2ETzqcykSfIjMjwubkjwzfOBnSQ

كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي: جدل المؤمن أم جدل الإنسان؟

كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي: جدل المؤمن أم جدل الإنسان؟

عبدالحق الزموري[1]

صدر للصديق العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي منذ سنتين كتاب جديد في سلسلته الخماسية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، بعنوان “الدين والكرامة الإنسانية”، وقد صدرت طبعته الثانية المزيدة والمنقّحة سنة 2022 عن دار الرافدين بالعراق. ينقسم الكتاب (وقد ورد في 340 ص) إلى ستة فصول، يمكن إجمالها في قسمين كبيرين يتساويان في عدد الفصول، يتناول في الأول مسائل الإيمان والدين والتديّن، وفي الثاني مسائل الكرامة وبنيتها الأخلاقية الإنسانية.

يضع عبد الجبار الرفاعي خارطة طريق مرسومة بعناية ووضوح لمن يهمه دراسة أعماله، يتدرج فيها بخطوات تبدأ من معرفة الإنسان، إلى معرفة الدين، والوحي، والنبوة، والإسلام. في ضوء ذلك يبتني الفكر الديني كما يشدد هو على: إعادة تعريف الإنسان، ويتفرع عليه إعادة تعريف الدين ورسم حدوده، ويتفرع عليه إعادة تعريف الوحي، ويتفرع عليه إعادة تعريف النبوة، ويتفرع عليه إعادة تعريف الإسلام ورسم حدوده. “الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” كما يعرّفه الرفاعي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كل كتاباته، ورؤيته لله والإنسان والعالم. يندرج هذا الكتاب،كما يعبّر الرفاعي عن ذلك في كل مرّة يتعرض فيها لأعماله كتابةً أم مشافهة، في ما يسمّيه “تنويعات لرؤية واحدة، رؤية تحاول أن تتعرّف على الدين عبر اكتشاف الانسان”.

ما فتئ الرفاعي يُخبرنا إنه يدعو إلى الإيمان باعتباره حاجة أنطولوجية للإنسان، لكنه ينأى بنفسه عن أشكال التدين المعلومة، ويختار إعادة اكتشاف الدين عبر كرامة الانسان الأصلية، مؤكدا أن أي جُهد تجديدي في المجال لا بد أن يبدأ بإعادة تعريف الانسان والدين، وبالتالي فهو يقترح علينا تعريفه الخاص للدين جاعلا “الإنسان وكرامته وسكينته وطمأنينته وإسعاده غاية ما ينشده الدين”؛ بل إنه يذهب أبعد من ذلك عندما يُعلن بصرامة إن “المعيار الكلي لاختبار إنسانية أي دين هو كيفية تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقع الذي تحتله الكرامة في منظومة القيم لديه”. يصف الرفاعي عمله هذا بقوله: هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَد مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض، “مقدمة الطبعة الثانية للدين والكرامة الإنسانية”.

ولأن الرفاعي في كتابته لا يتحرك في فضاء الأكاديميا وصرامتها المنهجية والنظرية “التجريدية” أحيانا، بل من صيرورة الدين الحية وديناميكيتها، سواء في استعماله لجزالة الكلمة وسيولتها، أو في استهدافه لجمهور واسع ومتنوع من المتلقين، فإنه لا يتحرج في وضع سياقات عملية لنجاح المقترح الإيماني الذي يدعو إليه، عندما يذهب إلى أن قوة الأفكار الواردة في الكتاب “لا تكفي وحدها لتطبيقها” ما لم تتبناها سلطة سياسية تفرضها، ومؤسسة دينية تتبناها، وحاضنة مجتمعية تلوذ بها. هنا نخرج سريعا (وبدون مقدمات أو تبرير عقلي ربما) من ساحة الوجود الانطولوجي التكويني للكرامة إلى ساحة الفاعل المجتمعي ذي الأدوات “القهرية” في مقاربة تلك الكرامة وفي تحويلها إلى “تشكيل” ينافح عنها.

ورغم إن تلك المعادلة / التقاطع تحتاج إلى نقاش واسع، إلا أن ذلك لا ينفي المهارة الفائقة التي عالج بها عبد الجبار الرفاعي واحدة من القضايا الشائكة في سياقات الفكر الديني، ولا يحجب الشجاعة التي خطّ بها طريقه رفضًا لصور الدين وأشكال التدين التي تنصّبُ نفسها متعالية على الكرامة الإنسانية، ومتعرضا بسببها إلى التصادم مع جمهور عريض من المتدينين، وهو المؤمن سليل الحوزة العلمية في النجف وقم.

الكرامةُ في هذا الكتاب هي القيمةُ العليا التي تعلو على كل القيم، والمساواةُ لدى الرفاعي هي التعبيرُ العملي عن حضور كرامة الفرد والمجتمع، كما يقول: “لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان. الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه، كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها”.

[1] كاتب تونسي.

 

رابط النشر:

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

التديّن الذي يتأسّس على “الولاء والبراء” لا يكون سبيلُ الإنسان فيه متحدًا مع سبيل الله، ولا يمرُّ الطريقُ إلى الله فيه عبر الإنسان، ولا ينطبق على بعضٍ من أفعال الخير فيه عنوانُ “في سبيل الله”، إن كانت من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا. سبيلُ الله على وفق هذا النوع من التديّن لا يتّحد دائمًا مع سبيل الإنسان، أي لا يصدق على فعلِ الخير والعمل الصالح للإنسان أحيانًا أنه في سبيل الله إلا عندما يكون ذلك الإنسانُ متحدًا معه في المعتقد، ومعنى ذلك أن الإنسانَ بوصفه إنسانًا لا غير لا يستحقّ أن يتعامل معه كما يتعامل مع من ينتمي إلى معتقده، ولا ينطبق عنوانُ فعل الخير على ما يفعله من أجله بوصفه إنسانًا إلا في بعض المواقف الخاصة.

تتكرّر في القرآن آياتٌ عديدة تحثّ على إقراض الله، وفي هذا السياق آياتٌ تتحدث عن قضايا أخرى مماثلة يطلب فيها اللهُ أن يقدّمَ الإنسانُ له شيئًا وهو يريد بذلك أن يقدّمه الإنسانُ للإنسان، من هذه الآيات: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” ، “إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ الله”، “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”. اللهُ غنيٌ عن العالمين غير محتاج لأحد، إقراضُ الله إقراضُ الإنسان، تكريمُ الله تكريمُ الإنسان، حُبُّ الله حُبُّ الإنسان، كلُّ خيرٍ وعملٍ صالح يقدّمُه الإنسانُ للإنسان يقدّمُه لله. ليس هناك طريقٌ إلى الله خارجَ طريق رعاية الإنسان واحترامه وتكريمه. يكتب محيي الدين بن عربي: “فقلتُ له: فأين حظي من ذاتك؟ قال: في إيثارك بأقواتك؛ ألم تعلم يا بُنيّ أنّه لولا الجود ما ظهر الوجود”[1].

عندما لا يتطابق سبيلُ الله وسبيلَ الله لا تُصان حقوق الإنسان بما هو إنسان، ويمكن أن تُصادر حرياتُه في حالات متعدّدة بذريعة حماية حقوق الله، على الرغم من أن اللهَ يعفو عن الإنسان لو عصاه وفرّط بحقوقه حين يستغفر. الله يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، ولا يتنازل عن العدوانِ على أيّ إنسان، وانتهاكِ كرامته وتضييع حقوقه. ذلك حقّ ‏للإنسان، ‏له أن يتنازل عنه، وله ألا يتنازل عنه. يتحدث القرآنُ الكريم عن المغفرة والتوبة والعفو واليسر، فقد وردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها 234 مرةً في القرآن، تكرّر ذكر كلمة الجزاء 117 مرة، والمغفرة ضعف هذا العدد أي 234 مرة، وكلمةُ التوبة ومشتقاتُها 87 مرة، وكلمةُ العفو ومشتقاتُها 27 مرة، وكلمةُ اليسر 3 أضعاف كلمة العسر، فذكر اليسر 36 مرة والعسر 12 مرة. عدلُ الله يقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر لانتهاك كرامة الإنسان، ويعاقب من ضيّع حقوقَه عقابًا أليمًا، ويقتصّ ممن سرق أموالَه ويعاقب مَن أهدرَ كرامته، ويكون العقابُ على شاكلة الفعل.

في ضوء مفهومي للإنسانية الإيمانية يتّحد سبيلُ الإنسان بسبيل الله، سبيلُ الإنسان هو سبيلُ الله، ومفهومُ سبيل الله المنفصل عن سبيل الإنسان لا يوصل إلى الله. سبيلُ الإنسان وسبيلُ الله يتحقّقان معًا، وأن نفيَ سبيل الإنسان يعني نفيَ سبيل الله، كلاهما وجهان لحقيقةٍ واحدة. ذلك هو المضمونُ الإنساني للتوحيد، الذي تنعكس أجلى تعبيراته بالمحبّة والتراحم والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة. أسرع مَن يصلون في سفرهم إلى الله ويحضرون في ملكوته أولئك الذين يجعلون همَّهم الدائم إسعافَ المكروب وإدخالَ السرور على قلبه الكئيب ولو بكلمة محبة صادقة.

مأزقُ التديّن الذي يتأسس على “الولاء والبراء” يكمن في أن الضميرَ الديني يتغلّبُ فيه على الضمير الأخلاقي، وأعني بالضمير الديني ما هو غاطسٌ في البنية اللاشعوريّة، وما تفرضه عليه مقولةُ “الولاء والبراء” ومرجعياتُها الكلامية. يتساءل الضميرُ الديني دائمًا عن تكليفه لحظةَ الإقدام على فعل شيءٍ ما، أو عند ترك شيءٍ ما، يريد معرفةَ موقفه في ضوء معتقده الكلامي، كي يتحدّد موقفُه العملي. أعني بالضمير الأخلاقي ما يحكم به العقلُ الأخلاقي “العقل العملي” بشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ عنوان اعتقادي أو ديني أو هوياتي أو أيديولوجي، ففعلُ الخير على وفق منطق العقل الأخلاقي هو ما تقدّمه للإنسان المحتاج بعنوان كونه إنسانًا لا غير، من دون أيّ توصيفٍ إضافي، سواء كان هذا التوصيفُ الإضافي دينيًا أم هوياتيًا أم ثقافيًا أم عرقيًا أم جغرافيًا أم غيره.

عندما يبتني الضميرُ الديني على الأخلاق يكون هو ‏ذاته الضمير الأخلاقي، ‏وهو يختلف عن الضمير الديني الذي يبتني على مقولة “الولاء والبراء”. في سياق مقولة “الولاء والبراء” يوجدُ الضميرُ الديني عندما يوجدُ التكليفُ بمدلوله في علم الكلام القديم، وينتفي هذا الضمير عندما ينتفي التكليفُ. فعلُ الخير على وفق مفهوم “الولاء والبراء”، هو ما تقدّمه للإنسان بتوصيفه وعوانه الإضافي، وهو عنوانُ كونه من دينك أو من مذهبك، لذلك لا يجد المُعتقِد بذلك، في أكثر الحالات، حافزًا لأن يفعلَ خيرًا ويعمل صالحًا للإنسان بعنوان كونه إنسانًا، لأنه غيرُ مكلّفٍ بذلك، فينحصر فعلُ الخير والعمل الصالح في ضميره الديني بما يقدّمه للإنسان بعنوان كونه من مذهبه أو دينه، انطلاقًا مما ينغرس في ضمير المتديّن من أن مفهومَ الخير لا يصدق على أيِّ فعلٍ مالم يكن خيرًا بالمعنى المكلَّف فيه المتديّن. هذا المنطق لا يختصّ بدين خاص أو معتقد معين، هذا المنطق يفرض على كلِّ صاحبّ عقيدة دينية من أيّ دين أن يكون فعلُ الخير مختصًا بدينه، إن كان فعلُ الخير في عقيدته مشروطًا بأتباع دينه ولا ينطبق على غيرهم.كما يتسلّط هذا المنطقُ ويأسر كلَّ إنسان ينطلق في فعل الخير من عنوانٍ للإنسان مُقيَّدٍ بتوصيفٍ إضافي مهما كان، سواء كان ذلك القيدُ دينيًا أو هوياتيًا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو جغرافيًا أو حزبيًا أو غيره. خلافًا لمن ينطلقُ في فعل الخير من الضمير الذي يحكمُ به العقلُ الأخلاقي، فهو يتألمُ لآلامِ الناس بوصفه شريكًا لهم في إنسانيتهم، ويشعرُ باحتياجاتهم وآلامهم بغضّ النظر عن كونِهم شركاء في ملته أو خارجها، أو اتفاقِهم معه بأيّ توصيف آخر خارج عنوان كونهم شركاء في الإنسانية.

الضميرُ الأخلاقي يفسد إن كان مشروطًا، لأن الضميرَ الأخلاقي حرٌّ بطبيعته لا يقبل أيَّ قيد، بمعنى أن التعاملَ بصدق وأمانة وعدل حسنٌ مع كلَّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضّ النظر عن دينه ومعتقده وجنسه وثقافته، والتعاملَ بالكذب والخيانة والظلم والتمييز بين الناس قبيحٌ مع كلّ إنسان بوصفه إنسانًا. التربيةُ على “الولاء والبراء” وغيرها من المقولات الاعتقادية المماثِلة تفرض سلسلةً من الشروط لتصنيفِ البشر على مراتب، وعدمِ إنصاف الناس، والتمييزِ بينهم في المعاملة على أساس معتقداتهم، فمن تتطابق معتقداتُه معك يستحقّ أن تعامله كنفسك، في حين لا يستحقّ المختلِفُ عنك في الدين الحقوقَ التي يستحقّها الشركاءُ في معتقداتك.

لا يمكن بناءُ حياة روحية وأخلاقية أصيلة في مجتمع تتفشّى فيه ثقافةٌ يتسلط فيها التكفيرُ على الضمير الديني ويُلزِم المتديّنَ بمقاطعة المختلِف في المعتقد. لا يستطيع قلبٌ يمتلئ بكراهية الإنسان المختلِف في المعتقد، وروحٌ لا تشعر بالانتماء للعالَم، وعقلٌ ينهكه التشاؤمُ والاغترابُ والارتيابُ من الآخر، أن يؤسّس لحياة روحية وأخلاقية حقيقية، تشفق على المعذّبين، وتتضامن مع الضحايا، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وإثنياتهم، وتتصالح مع العقل وقيم الحق والخير والسلام والجمال في الحياة.  يمنع أحد رجال الدين السلفيين تداول “كل عام وأنتم بخير” حتى بين المسلمين بذريعة أنها مستعمَلة عند غير المسلم، إذ يقول: (أمَّا “كل عام وأنتم بخير”؛ هذه تحية الكُّفَّار، سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا)[2]. العقل السلفي يستفزّه التحدّثُ أيام المسرات والأعياد بأية عبارة لم تكن متداولة في مدونات الحديث، وكأن اللغة ولدت في هذه المدونات واكتفت إلى الأبد بمعجمها، ولا مشروعيةَ خارج هذه المدونات لأية كلمة عند الاحتفاء بالإنسان الذي نشترك معه في الإنسانية بالأعياد وغيرها من المناسبات السارة.

في ضوءِ ذلك نفهمُ لماذا يشحّ حضور عطاء مَن يعتقد بذلك في قائمةِ أعظمِ المتبرعين بثرواتهم من أجل الإنسانية ككل. لا نرى حضورًا لأصحاب الثروات ممن يعملون بـمقولة “الولاء والبراء” بما يتناسب مع نسبتهم من سكان الأرض، ونفهم السببَ الذي لا يجد معه رجالُ الأعمال دافعًا للعطاء من أجل إسعاد الإنسان بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن دينه،كما يفعلُ أصحابُ الضمائر الأخلاقية اليقظة، الذين ينصتون لنداء العقلِ الأخلاقي، من مالكي الثروات الهائلة في العالم، الذين لا ينظرون إلا لاحتياجات الناس الذين يستحقون الرعاية، ولا يهتمون بمعتقداتهم وهوياتهم الإثنية، فينفقون في أعمال الخير مليارات الدولارات، ولا تختصّ مشاريعُهم بصنفٍ من البشر دون غيرهم.

أخلاقُ الإنسان مرآةُ إنسانيته. خلصت من كلِّ تجارب حياتي إلى أن الإنسانَ الوحيد الذي يمكنُ أن أراهن عليه هو مَن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا غير مشروط، بغضِّ النظرِ عن دينه وهويته وقوميته وثقافته وجنسه ولونه وموطنه، وبغضِّ النظرِ عن مقامه الاجتماعي والسياسي والمالي والثقافي.

 

 ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى.  [1]

https://www.al-albany.com/audios/content/4586/%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%82%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%AA%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B1  منشورة بصوته على الرابط التالي في الأنترنيت: [2]

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

د. عبد الجبار الرفاعي

هناك مَنْ يتعاطى مع الإنسان بوصفه كائنًا لا يتغير ولا يتحول أيُّ شيء فيه، وهناك مَنْ ينظر إليه بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في كلِّ أبعاد وجوده، لا يرى كينونةً وجودية جوهرية ثابتة فيه،كلُّ شيء فيه متغيّر بتغيُّر الأحوال والظروف المتنوعة بتنوع نمط العيش والمحيط والثقافة. وقد انتهى هذا الموقفُ إلى القول لدى بعض المفكرين بنسبية الحقيقة وكلِّ القيم والأخلاق، والارتياب في كلِّ شيء له صلة بالإنسان، ولم يعد هناك شيءٌ ثابت، أو قيمة روحية وأخلاقية وجمالية كونية على رأيهم. الثابتُ الوحيد هو عدمُ الثبات، اللامتغير الوحيد هو التغيرّ الكلي المستمر، وهذا ضربٌ من الارتياب الذي ينتهي إلى نفي كلِّ شيء.

تختزل كلا النظرتين الإنسانَ في بُعد واحد، فهو إما ثابت لا يتغيّر أبدًا مهما تغيرت ظروف حياته، وهذا فهم متحجّر يراه كأنه صخرة، أو متغير على الدوام لا شيءَ ثابت في وجوده، والمبالغة في هذا الفهم تنتهي إلى ارتيابية لا تعلم بشيء. القرآنُ الكريم يتحدث عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعدٍ منهما يُتخَذ موضوعًا لنوعٍ من أحكامه وقيمه:

الأول: الإنسانُ ببُعده الفيزيائي الأنثروبولوجي الثقافي، الإنسانُ الذي يعبّر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي المتحول، الإنسانُ بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحوُّلات الواقع والظروف ومختلف أنماط العيش. هذا البُعد للإنسان هو الموضوع الذي تدرسه العلومُ الإنسانية، وتتحدث عن تغيّره المستمر تبعًا للتحولات في واقعه وظروف عيشه وأحواله. وهو الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش، ومختلف المعطيات السائدة في الواقع.

الثاني: الإنسانُ ببُعده الوجودي، الإنسانُ بجوهره الفلسفي، من حيث هو إنسان أبديّ لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغضّ النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقعُ وكيفيةُ العيش، بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًّا أو جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا أو هوياتيًا. يتحدث القرآن عن الإنسان بالنظر إلى كينونته الوجودية وراء المعنى الفيزيائي والثقافي والأنثروبولوجي المتغيّر، الإنسانُ بهذا العنوان الثابت هو موضوعُ الكرامة والحرية والمساواة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم.

في ضوء فهمنا لهذين البُعدين يكون الإنسان موضوعًا لنوعين من الأحكام في القرآن:

  1. الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًّا متغيِّرًا: يعبّر عنه عنوانُ الإنسان بلحاظ هوياته المتغيرة، الإنسان منظورًا إليه هنا بوصفه إنسانًا عاش في زمان ومكان وبيئة وثقافة وواقع خاص، ومأخوذة كلّ هذه الأحوال في كونه موضوعًا للأحكام. في ضوء هذا المفهوم للإنسان تتغير الأحكامُ بتغير الأحوال والظروف والأزمان، لأن الموضوعَ فيها مأخوذٌ بنحو القضية الخارجية كما يصطلح علماءُ أصول الفقه[1]. هذا هو الإنسانُ التاريخي الذي يقع موضوعًا لآيات الأحكام الخاصة بذلك الزمان، ومن أوضحها مصداقًا آياتُ الرقّ، وغيرها من أحكام معاملات أمضاها الإسلام مؤقتًا لضرورات فرضها الواقع، وهي كلُّها تمثّل عصر البعثة الشريفة. أحكامُ الرق مثلًا ليست منسوخةً، لا حكمًا ولا تلاوة، ومع ذلك نسخها تغيّرُ الزمان والمكان والبيئة والواقع. تضمن القرآنُ الكريم آياتٍ تتحدّث عن أحكام الرقّ، لا يعمل بها أحدٌ اليوم، مثل: “وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، النساء:25. “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ”، المؤمنون:5-6. “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”، القصص،3. أحكامُ الرقّ مثالٌ لموارد متنوعة من آياتِ أحكام المعاملات الخاصة بذلك العصر، أمضاها القرآنُ مؤقتًا[2]، الحكمُ فيها يتغيّر تبعًا لتغيّر الواقع.
  2. الإنسان ببُعده الوجودي الذي لا يتغيّر: يعبّر هذا المعنى عن الإنسانِ بوصفه فردًا، إنسانٌ ينطبق على حقيقةِ الإنسان الفرد الوجودية، ما ينطبق عليه عنوانُ الإنسان في الحياة الدنيا وبعد الموت في الحياة الآخرة. هذا هو البُعد الذي يعبّر عن كينونة وجوديّة جوهرية لا تتغيّر في الإنسان،كما يعبّر هذا المعنى عن الإنسان بوصفه إنسانًا كليًّا.كينونةُ الإنسان العاقل أمس ووجودُه هي ذاتها كينونةُ الإنسان ووجودُه اليوم، لا اختلافَ في صدق مفهوم الإنسان عليها مهما اختلف الواقعُ وتغيّرت أنماطُ العيش والثقافة والأحوال. نعني به الإنسانَ بوصفه ذلك الجوهر الواحد الذي يشتركُ فيه كلُّ كائنٍ بشري مع غيره، والمتمثّل في ما يصيِّر كلَّ إنسانٍ إنسانًا.

الموضوعُ هو كينونة الإنسان ووجودُه العابر للزمان والمكان والظروف والبيئة والثقافة والهويات والواقع، موضوعُ الأحكام مأخوذٌ فيه عنوانُه بنحو القضية الحقيقية حسب مصطلح الأصوليين. هذا العنوانُ للإنسان هو موضوعُ القيم الأخلاقية والروحية والجمالية في الآيات القرآنية. وهو ما تخاطبه آياتُ القرآن في حديثها عن الله والتوحيد والغيب وكلِّ القيم الكونية المشتركة.

على هذا الأساس يبتني تصنيفُنا لمضامين آياتِ القرآن، واعتماد ذلك معيارًا في اكتشاف المعنى الديني الذي ينشده القرآنُ في الظرف الخاص بعصر البعثة، والمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الشامل الذي يتسع لكلِّ عصر، وفي ضوء ذلك نفهم ما هو ثابت وما هو متغير، على وفق لما يلي:

  1. آيات تتضمن أحكامًا وتشريعاتٍ تعكس واقعَ مجتمع عصر البعثة، مثل آيات الرق، وغيرها من آيات تتحدّث عن معاملات متنوعة، وهي أحكامٌ ليست كونية عامة، ولا تستوعب كلَّ العصور.
  2. آيات تتضمن قيمًا إنسانيةكلية، قيمٌ أبدية، قيمٌ يحتاجها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، في كلِّ زمان ومكان، قيم غايتها أن يعيش الإنسان في أُفق المعنى، قيمًا تنشد بناءَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

هذا هو المفتاح المحوري للمنهج الذي أعتمده لتفسير القرآن الكريم، وهو الأساس الذي يبتني عليه ويتفرّع عنه ما أوردتُه بتنويعات وتطبيقات كثيرة في مؤلفاتي.

مازال كثيرٌ من الكتابات تخلطُ بين الإنسانِ بوصفه كينونةً لا تتغيّر، الإنسان بالمعنى الوجودي الفلسفي، الإنسان وراء هويته الفيزيائية والأنثروبولوجية المتغيّرة، الإنسانُ الذي يكونُ موضوعًا للقيم الكونية الكلية، وبين الإنسانِ بوصفه هويةً متحولة، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي، وهو ما يكون موضوعًا للأحكام الظرفية المتغيّرة.

 “القضية الحقيقية والقضية الخارجية للأحكام؛ الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية وأخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الإفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. والحكم في الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد”. الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج 1، ص 150 – 101. نسخة إلكترونية على شبكة الإنترنت. [1]

 الأحكام الإمضائية، وهي “الأحكام التي لم يؤسّسها الشارع وإنّما كانت موجودة فأمضاها بالقول و اللفظ أو العمل أو السكوت وعدم الردع ، أو التي كانت في الشرائع السابقة وأمضاها الشارع الإسلامي ، ففي بعض الموارد أمضى الشارع ما عليه العرف والعقل بالأدلّة اللفظية، وفي كثير من الموارد استكشف الإمضاء من عدم الردع”. مقالة الأحكام الإمضائية في: الموسوعة الفقهية، ج۱۷، ص۲۵۹-۲۶۸، نسخة إلكترونية منشورة على شبكة الإنترنت.. [2]

 

رابط النشر:

هل الكرامة الإنسانية منفصلة عن الدين؟

هل الكرامة الإنسانية منفصلة عن الدين؟

د. علي أحمد الديري*

  يقع الإنسان في مركز علم الكلام الجديد الذي يعمل الدكتور عبد الجبار الرفاعي على صياغته في الثقافة العربية. هو يرى أن الدين لا يمكن فهمه فهماً يليق بالإنسان وبكرامته إلا حين نقدّم الدين من خلال تعريف الإنسان. الكرامة هي العنوان الأبرز لفهم الإنسان وفهم خلافته في الأرض. هذا ما يتحدّث عنه كتاب «الدين والكرامة الإنسانية» في طبعته الثانية المزيدة والمنقّحة.

إنّ «الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية»، متى أصبح الإنسان يعي الحرية ويعمل وفق مقتضيات الحرية حينها سيكون قد نال الكرامة وفهِم معناها. والكرامة كما يقدّمها لا تعني عدم الإهانة فقط. «عدم الإهانة» هو أثر من آثار الكرامة، أي لتكون كريماً، وكرامتك مصونة، فشيء من الأشياء هي ألا تُهان، ولكنّ الكرامة أوسع من عدم الإهانة.

الكرامة تعني حفظ الحرية، حفظ حرية الإنسان وإتاحة المجال له لكي يتصرّف كما يريد. كل شيء يغيّب وعي الإنسان، ينتهك حريته وتصرّفه، وكرامته لأن الكرامة هي أن يبقى الإنسان واعياً لحريته. الهيمنة على وعي الإنسان وتغييب وعيه وإقفال خياراته، ينتهك كرامته وهذا الانتهاك يتم داخل الدين أحياناً وخارجه أحياناً أخرى.

ربّما باسم الإلحاد أنت تنتهك كرامة الإنسان، وربّما باسم الرأسمالية، وربّما باسم الحرية لأنك تتصرّف تصرّفاً يغيّب وعي هذا الإنسان. بناءً على ذلك، كل تأويل يحرّر الإنسان من عبادة الآخرين فهو ينتصر لكرامته، وكل تأويل يحرّر أخلاق الإنسان من الجماعة الخاصة، من الطائفة، من المذهب، من الدين المغلق، فهو أيضاً كرامة لأنه يترك له حرية الاختيار والتصرف ويفتحه على الإنسان. من هنا، فإن الكرامة تبدأ بالفرد، كما يقول، وتنتهي بالأمّة، الفرد هو مركزها، الفرد هو خليفة الله في الأرض، هو الذي يختار، هو الذي يتصرف، هو الذي يعي.

لا بدّ أن نفهم الإنسان بهذه الحرية لنصون كرامته، وانتهاكات الكرامة تتمّ بالظلم، الإذلال، الاحتقار، الإهانة، الإهمال، التجاهل، الاستغفال والتدجين.

وهنا يلفتنا أيضاً الرفاعي إلى مسألةٍ هامة تتعلّق بوجود الإنسان، يقول إن الله قد كرّم بني آدم تكريماً وجودياً، بمعنى أن وجوده، كينونته، جوهره، تكوينه، كلّ ذلك مصنوعٌ من الكرامة، جوهره من الكرامة، أصله من الكرامة، هي ليست شيئاً مضافاً أو شيئاً يصنعه الإنسان، إنما هي شيء مخلوق مع الإنسان.

تفسير كل نص ديني بما لا يناقض الكرامة أو ينتقص منها هو ما يدعو إليه الرفاعي، أن نفسّر كل النصوص الدينية بحيث لا تنتقص من الكرامة، كرامة أي إنسان لا بدّ أن تكون مصونةً بهذا التأويل، بمعنى أنه يدعو لأن تكون الكرامة الإنسانية بمثابة المعيار أو المرجعية، أو المقصد كما يقال في مقاصد الشريعة، الكرامة هي مقصد من مقاصد الشريعة، لا يجوز أن نقرأ نصاً دينياً ينتقص من هذه الكرامة ولا بدّ أن نحتفظ للجميع بهذه الكرامة.

من هنا فهو يدعو إلى إعادة قراءة فكرة البراءة والولاء، كل طائفة من الطوائف تقدّم البراءة من الطوائف الأخرى والولاء لطائفتها، أن ذلك يُفسد الأخلاق والكرامة لأنك حين تتبرّأ من الآخرين فأنت تتبرّأ من الكرامة أيضاً، تعتبر أن لا كرامة لهم وأن ليس هناك معيار ومرجعية إنسانية تُلزمك في التعامل معهم، فهم منتهَكون وتحلّ لك دماؤهم وأعراضهم، ويحلّ لك كل شيء مصون لديهم، في حين أن الكرامة الإنسانية تحفظ الوجود الإنساني، هي حصن، والدين يعطي التحصين للإنسان لأنه خليفة الله.

يقول الرفاعي إنه ما لم يتحسّس الإنسان صوت الله في داخله فلن يتخلّص من الاغتراب الوجودي، صوت الله تسمعه في داخلك، في ضميرك حين تراعي الإنسان بما هو إنسان وليس بما ينتمي إلى طائفتك، حين يراعي ضميرك الإنسان بما هو إنسان وليس بما هو من طائفتك حينها ستفعل الخير لهذا الإنسان بغضّ النظر عن أي تقييدٍ من التقييدات.

لقد ورثنا تركةً ثقيلة من علماء الكلام الذين يتحدّثون عن الدين وعن أسماء الله وصفات الله وعن المعتقدات، هؤلاء العلماء الذين يستخدمون الكلام لإنشاء علاقة بين الإنسان والله، هؤلاء أنشؤوا فرقاً كلامية، كانت كل فرقة تعتقد أنها ستنجو وحدَها والبقيّة في النار، كيف كان علماء الفِرق ينظرون إلى العلاقة بين الله والإنسان؟ كانت الصورة التي أمامهم هي صورة السيّد والعبد.

يلفتنا الرفاعي إلى أن هناك فرقاً بين العباد والعبيد، لو ذهبنا إلى المعجم نجد أن العباد هم قبائل من بطون عربية شتّى، اعتنقوا النصرانية وسكنوا الحيرة بالعراق، هؤلاء أطلقوا على أنفسهم لقب عباد ولم يقبلوا بلقب عبيد لأنهم كانوا يقولون إن العباد هم الذين يتنسّكون ويعتكفون ويقومون بالعبادات، وهذه الأفعال تحرّرهم، فهم ليسوا عبيداً، ومقابل العباد هم مَن ينتهكون ويمارسون الإباحية وأفعالاً تحطّ من كرامة الإنسان، فيرون أن كلمة عبيد لا تليق بالاستخدام وفضّلوا كلمة العباد.

«عبودية الإنسان لله عنوان حريته»، هذه العبارة تُقال دائماً، يذهب الرفاعي إلى أن هذه فكرة أوجدها ابن تيمية وتلقّفها المودودي وكذلك طبّقها سيّد قطب، أنهم ربطوا العبودية بفكرة الحرية بينما هو يذهب إلى ربط العبادة بفكرة الحرية.

الكرامة الإنسانية هي المعيار كما يقول كتاب «الدين والكرامة الإنسانية»، يُقاس كل دين بما يقدّمه في هذا المجال، إلى أيّ درجةٍ قدّم الإسلام للكرامة الإنسانية؟ إلى أيّ درجةٍ دعمها وثبّتها ودافع عنها؟ إلى أيّ درجة أنتج نصوصاً تحفظ هذه الكرامة؟ يُقاس الدين بهذا المعيار، بما دعا إليه وحقّقه من كرامة الإنسان وليس بما هو زمني واضطراري واستثنائي من دعوةٍ إلى قتل أو إلى حمل السيف أو إلى مواجهة واقعٍ يكون فيه الإنسان مهدداً في كرامته. ما سُمّي بآية السيف هي آية كانت تدافع عن كرامة مَن يوحّدون الله في ذلك الوقت وليست آية تنتهك الآخرين بل تثبّت الكرامة.

 * د. علي أحمد الديري، كاتب بحريني

رابط النشر:

 

 

 

يولَدُ الإنسانُ مُكرّمًا ولا يكتسبُ الكرامةَ بعدَ ولادته

يولَدُ الإنسانُ مُكرّمًا ولا يكتسبُ الكرامةَ بعدَ ولادته

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ الكتاباتُ الدينية في كثيرٍ منها تنشغلُ بالحديث عن الغيب وعوالمه، وكلِّ ما يشير ويرمز إليه، ‏من شخصيات وكتب وأماكن وأزمنة وأشياء مقدسة، وتستغرقُ في الحديث عن ذلك العالَم المحجوب عنا، إلى الحدّ الذي تنسى فيه الإنسانَ نسيانًا كليًّا، ‏وأحيانًا تُعطِّل عقلَ الإنسان إلى الحدّ الذي يتيه في اللامعقول. الكتاباتُ التي لا تؤمن بالغيب تنشغلُ بالإنسان، وتتمحور حول احتياجاته المادية. وأحيانًا تنسى ‏احتياجاتِ الروح والقلب والعاطفة،كما تنسى الغيبَ نسيانًا كليًا، وتجهل ‏ما يرمزُ إليه في عالمنا.

أكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدينُ يبدأ باكتشاف الإنسان وإعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان. يحاولُ اكتشافَ الإنسان أولًا، في ‏ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف البشرية المتنوعة والمتجدّدة، ليحدّد ما هو مادي من ‏احتياجاته، وما هو عقلي، وما هو عاطفي، وما هو روحي. لا يتجاهلُ الكتابُ أن أحدَ احتياجات الإنسان الأساسية هي الحاجةُ للاتصال بالله والإطلالةُ على آفاق الغيب، ‏ليرتوي ظمأ الروح، ويطمئن القلبُ بالإيمان، وتشبع احتياجاته للمعنى الذي يوقظ الروح والقلب والعقل.

هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَدُ ويموتُ مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض.

يرى هذا الكتابُ أن تجديدَ فهم الدين يتطلب: إعادةَ تعريف الإنسان، وإعادةَ تعريف الدين، وإعادةَ قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادةَ تحديد وظيفته في الحياة، والكشفَ عما يمكن أن يقدّمَه الدينُ للإنسان من احتياجاتٍ روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسانُ من عواطفٍ ورفقٍ وشفقة ورحمة يمنحها الدينُ للحياة، وما يُلهِمَه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة.

كتابُ الدين والكرامة الإنسانية وغيرُه من كتاباتي تتبنى تعريفَها الخاص للدين، بوصفه: “حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. حيثما يرد الدينُ في كتاباتي فإنه يبتني على هذا التعريف، ويؤسّس عليه كلَّ شيء أقوله وأكتبه في الدين. من هذا التعريف يبدأ الدينُ وإليه ينتهي، هو المعيارُ الذي يجري اختبارُ وفاء الدين بوعوده في ضوئه، وعلى أساسه يتم اختبارُ تعبيره عن معناه في حياة الفرد والمجتمع. هذا الفهم للدين مفتاحُ فهم النصوص الدينية لدي، وقبول أو رفض ما تشكّل من تراث متنوع وواسع لشرحها وتفسيرها وتأويلها.

لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان.

الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه،كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها.

كما أوضحتُ في هذا الكتاب أن الكرامةَ ضرورةٌ للفرد وكذلك للأمة، تبدأ الكرامةُ بكرامةِ الفرد لتنتهي بكرامة الأمة، لا كرامةَ لأمةٍ بلا كرامةٍ لأفرادها. عندما تُنتهَك كرامةُ الأفراد، تحت أيّة ذريعة، فلا كرامةَ للأمة.كلُّ مجتمع تكون كرامةُ الأفراد الشخصية فيه مستلبةً هو مجتمعٌ مُستلَب الكرامة. مادام الفردُ مُهانًا فلا كرامةَ لمجتمعه أو وطنه أو دولته.

الإنسانُ بوصفه إنسانًا لا غير يستحقُّ الكرامةَ والحرياتِ والحقوق. الإنسانيةُ قيمةٌ كونية عابرة للأعراق والثقافات والأديان، الكرامةُ هي الإطارُ الأخلاقي الذي تتوحّد فيه قيمةُ الإنسان ومكانتُه، وتقديرُه لذاته وتقديرُ الغير له. الكرامةُ تضمن إنسانيةَ الإنسان، وتحميها من كلِّ تمييزٍ وتعصب واحتقار ينشأ على أساس الجنس أو العرق أو الثقافة أو الجغرافيا أو الدين أو غير ذلك.

المعيارُ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانيّة، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمة، وتتسع لكلِّ الحقوق الأساسية، وتضع الحريةَ غايةً تتطلّع لاستردادها على الدوام كاملةً غيرَ منقوصة. والخلاصُ في شريعته من أيّة محاولةٍ لتسويغ العبودية المُعلَنة أو المقنَّعة، والإكراهية أو الطوعية. تكريمُ الإنسان بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضّلًا من أيّ أحد. الكرامةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. إن انتهاكَ كرامةِ أيّ كائنٍ بشري هو انتهاكٌ يطالُ كرامةَ غيره من البشر أيضًا. الكرامةُ قيمةٌ كونيةٌ، لكلِّ انسان نصابُه فيها، لذلك يفرضُ الضميرُ الأخلاقي على الكلِّ حمايتَها،كلٌّ حسب موقعه، ووفقًا لإمكاناته وقدراته.

احترامُ الكرامة الإنسانية مقصدُ مقاصدِ الدين وأسمى أهدافه، وذلك يفرض أن يُعاد تفسيرُ كلِّ نصٍّ ديني بما لا ينقض الكرامةَ أو ينتقص منها.كلُّ نصٍ يتعارضُ مع هذا المقصد الكلي، ويقوم على التمييز بين البشر، سواء كان آيةً أو رواية، مثل تشريع الرقّ وما يماثله، يُطرح وينتهي العملُ بأحكامه، لأنه ينتمي للتاريخ ويعكسُ ظروفَ مجتمع عصر البعثة الشريفة.كلُّ كتابٍ مقدّس يتضمنُ ما هو عابرٌ للزمان والمكان والواقع الذي ظهرَ فيه،كما يتضمنُ ما هو زماني ومكاني وتاريخي. في الفصل الرابع من هذا الكتاب شرحنا المفتاحَ المنهجي الذي نعتمدُه في تفسيرِنا للقرآن الكريم وفهمِ الأحاديث والروايات، وكيفيةِ التمييز بين ما هو ثابتٌ من القيم الروحية والأخلاقية الأبدية، وما هو متغيّرٌ من أحكام تنتمي إلى ظروف وأحوال مجتمع عصر النزول.

بعد أشهر من صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب وازدياد طلب القراء عليه يصدرُ بطبعة جديدة.كلُّ طبعةٍ تخضع لمبضع الجراحة مجدّدًا، أعود للمراجعة والتدقيق والتنقيح والتمحيص. أعرف أن كلَّ كتابة لن تبلغ كمالَها ولن تصل إلى نهاياتها، لأن كاتبَها ليس كاملًا. تحمّلُ الكاتب لمسؤولية الكتابة يفرضُ عليه أخلاقيًّا أن ينشغلَ بما يكتب، ويعطي كلَّ ما يمتلكه من قدرة وخبرة متراكمة حين يكتب، وأن يكون صادقًا مع ضميره، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله.

ليست هناك كتابةٌ مكتفية بذاتها، أعترف أن كتابتي جهدٌ لا يختصّ بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دورٌ مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهدٌ يشتركُ فيه كلُّ مَنْ يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها، وينبهني إلى الوهن في شيء من كلماتها وعباراتها وأفكارها، ويقترح استبعادَها، أو معالجتَها، أو توضيحها، أو إثراءَها، أو التدليل عليها، أو اختزالها.

ما يسعدني هو تواصل قراء أذكياء أتعلّمُ من إشاراتهم وتنبهاتهم ومقترحاتهم، ذلك هو ما يحفزّني لإعادة النظر في كلِّ كلمة أو جملة كتبتها في أحد نصوصي لأعود لتمحيصها مجدّدًا. ما يشعرني بالرضا لحظةَ قراءتي الأفكار في كتاباتي هو إدراكي بأنها نضجت في الذهن، بعد أن أثمرتها عمليةُ تفكير حرة، وغربلتها واختبرت واقعيتها تجاربُ عملية، وتفاعلت بآفاق مطالعات متواصلة في شتى ألوان المعرفة، قبل التعبير عنها ورسمها على الورق.

‏   ما أكتبُه يظلُ مفتوحًا ينضجُ ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة. لا تكون الفكرةُ ناجزةً مكتملة قبل أن أشرعَ بالكتابة، أدقُّ الأفكار تتبلورُ وتتجلى حالةَ الكتابة، وحالةَ العودةِ ثانية إلى الكتابة. انشغالُ لغتي بصياغة العبارات وانتقاءِ الكلمات، ليس أقلَّ من انشغال ذهني بالتفكير والتأمل والسياحة في تكوّن وصيرورة الأفكار، خاصة إن كانت هذه الأفكارُ تتضمن فكرةً أو نقدًا أو مصطلحًا صغتُه، ولم يصادفني قبل ذلك في مطالعاتي.

يظلُّ النصُّ مفتوحًا ينمو باستمرار تبعًا لاستنارة آفاق الكاتب واتساع رؤيته، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيدُ من القراءة والمراجعة والتأمل. يتطور النصُّ بالتدريج ويتكامل، وإن كان لن يبلغ نهاياتِه ويكتفي بذاته مهما امتدّ عمرُ الكاتب. الكتابةُ لا تولد مكتملةً عند الكاتب الجاد، الولادةُ الأولى لحظةَ الفراغ من الكتابة تليها سلسلةُ ولادات متوالية. النصُّ كائنٌ حيٌّ يظلُّ مفتوحًا يتكثفُ ويتوالد، تثريه من جهة مثابرةُ الكاتب، ويقظةُ ضميره الأخلاقي تجاه القراء من جهة أخرى، ويصفّيه من الشوائب نقدُ القراء الخبراء، ويضيء إبهامَه ما يعزّز رصيدَ لغة الكاتب من قراءات نوعية. وتثريه من جهة أخرى النصوصُ المشتقة منه. النصُ الرصين يظلُّ ينمو ويتكامل، ولن يبلغ مدياته القصوى.

 

 مقدمة الطبعة الثانية لكتاب: الدين والكرامة الإنسانية، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد. هذه الطبعة مزيدة ومنقحة في 378 صفحة، كانت الطبعة الأولى في 288 صفحة.

 

رابط النشر:

هاني فحص: روحانية متسامحة في زمن الطوائف

هاني فحص: روحانية متسامحة في زمن الطوائف

 د. عبد الجبار الرفاعي

على الرغم من أسفارِ العقل والروح والقلب المزمنة المسكونِ بها هاني فحص، لكنه رابط في الموقع الذي اختاره لنفسه منذ بداية حياته، لم يتكرّر شيءٌ في حياته كما تكرّر انحيازُه للضحايا والمهمّشين والمعذّبين والأحرار. كان صوتُه صدى أوجاع المحرومين، وانحيازُه للكرامةِ والحرية والعدالة، واضطهادِ الإنسان من حيث هو إنسان بغضّ النظر عن معتقده.

يبدو أن دراستَنا في حوزة النجف معا، عبر زمنين متواليين، والموقعَ الطبقي الفلاحي المشترَك بيني وبين هاني فحص، ونمطَ الحساسيات النفسية المتقاربة بيننا، وأحلامَ المهمومين بقضية الكرامة والحرية والعدالة، والسعيَ من أجل إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، هو ما جذبني إليه، وجعلني أرى ملامحًا من صورته في صورتي، وشيئًا من أحلامه في أحلامي، وشيئًا من همومه في همومي، وفي شيء من أسئلته أسئلتي. لم تكن الأسئلةُ مقفلةً لديه، ولم تبلغ المفاهيمُ صيغتَها النهائية في وعيه، ولم يتوقف في محطةٍ أخيرة في أسفاره. كانت أسئلتُه مفتوحةً تتوالد منها أسئلةٌ جديدة، ومفاهيمُه في صيرورةٍ تخلع عليها كلَّ حين صورةً بديلة، وأسفارُه لا تكفُّ عن أن تظلّ أسفاراً، إنه كائنٌ هويتُه ومهنتُه الأسفار، فهو لم يسافر ليصلَ بل يصل ليسافرَ، ويسافرُ ليمضيَ على الدوام مسافرًا. كان يهرب من السكون كما سكون الصخرة، يهرب من الغياب كما غياب الموتى، يهرب من القبح كما قبح انتهاك الكرامة.

رجل الدين الشيعي هاني فحص ظلَّ على الدوام ثائراً، مبادئُ ثورته اللاعنف، ودوافعُ دعوته إرساءُ مرتكزات السلام، وبناءُ أسس العيش المشترَك، واحترامُ كرامة الكائن البشري، بغضِّ النظر عن أثنيته وديانته ومذهبه وطائفته. يحذّر هاني فحص من التفسيرِ العنيف الفاشي للنصوص الدينية، بوصفه لا يمحق جمالَ الدين ورحمتَه وسلامَه فقط؛ بل تتوالد من رحمه موجةُ إلحادٍ تقوّض الدينَ من داخله. كان يحذّر من نزعات الثأر والانتقام والفتك، وينبِّه إلى أن بناءَ الأوطان يتطلب أن نتغلّب على جروحنا وذاكرتنا الموجعة، كما تغلّب الفيتناميون على جروحهم وشفوا من ذكرياتها المريعة، بعد أن دفنوا أحقادَ وثارات المجازر التي فتكتْ بهم في قبور ضحاياهم. كان يدرك أن جروحَ التسلط والاستبداد والتمييز والإلغاء والاضطهاد والعنف النازفة في بلادنا يتأخر طويلا الشفاءُ منها، لا نشفى منها بالعقل والعلم والمعرفة فقط، بل يتطلب الشفاءُ؛ حياةً روحية أصيلة، وضميراً أخلاقياً يقظاً، وعواطفَ إنسانية مبرأة من سجون الطوائف.

أدرك هاني فحص ضرورةَ النقد للحياة العقلية، وتأثيرَه الحاسم في ديمومة التفكير، وضرورةَ تجديده. وكيف أنه حين يتوقف النقدُ ينغلق العقل، ويتحجّر التفكير، بل يمسي التفكيرُ ضدّاً لذاته. أدرك أنه لن يتغير نمطُ حياتنا، من دون أن تتغيرَ ذهنياتُنا، ورؤيتُنا للعالم، ومفاهيمُ الإنسان والدين والتراث في ثقافتنا. كنا معاً في مؤتمرات وندوات متنوعة في بلدان متعدّدة، في كلِّ مرةٍ تتعزّز قناعتي أن هاني فحص مثالٌ لرجل دينٍ تجتمع في روحه آلامُ الكلّ، رأيتُه حيثما كان وأنّى ذهب يحمل جراحاتِ كربلاء وأوجاعَ المهمشين، حتى يُخيّل إليّ لحظةَ أصغي لحديثه عنهم، وكأنه حاملٌ خشبةَ صلبه من أجلهم، أسمع منه نشيجَ آهاتهم، واستغاثات دمائهم. لم يغادر النجفَ وحوزتها وأطيافها، مهما نأتْ به الأيامُ عنها، ظلَّ نجفيًا أكثرَ من النجفيين، لم يتمكن من الإفلات من ماضيه النجفي الذي يصفه في العنوان الذي انتقاه لمذكراته بأنه “ماضٍ لا يمضي”. كان رجلَ دينٍ بروحانية متسامحة، ومدنياً بروحانية رجل دين. كان تجسيدًا لروحانيةٍ ترى كلَّ دينٍ صيغةً لتجربة الحقيقة على شاكلته، وتذوقًا لتجليات الحقّ وإشراقات أنواره على الخلق. كان مولعًا بالحاضر لا بالماضي، بالواقع لا بالتراث، لم يكن رجلَ دينٍ يقلقه التفكيرُ الحر، أو يخشى الأسئلةَ المشاغبة، انشغل بتطوير أسئلته الخاصة باستمرار، وظلَّ يحرص على تعميقِ هذه الأسئلة، ويترقب أن تتوالد الإجاباتُ في سياق انبثاق أسئلةٍ جديدة منها. لم أسمعه يوما ينشغل بما ينشغل به بعضُ رجال الدين من كلامٍ عن التحريم والتأثيم واللعن والتكفير والتبديع والتفسيق، أو عوالم القبر والبرزخ وما بعد الموت، وتدبيج مشاهد وحكايات تثير الهلع في قلوب الناس، من الكتب المليئة بالحكايات الغرائبية والمشاهد الكئيبة. لا يكفُّ عن الحديث حول الحياة وتمجيدِ الدين لقيمتها، ورفضِ تحريم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات في الدنيا.

أما لبنان؛ فكان مسكونا بلبنان الوطن الجامع، شعارُه المزمن: “الوطن نصابنا، الوطنية هويتنا”، وان رصيدَ لبنان وثروتَه تكمن في تنوعه وتعدّد مكوناته. يتنوع ويتعدّد الانتماءُ في ضمير هاني فحص بتعدّد مكونات لبنان الدينية والمذهبية والإثنية والثقافية، لا يترّدد في مغامرةِ اقتحام الأحداث العاصفة، والتضامنِ مع ما عاشته بلدانٌ متيم بها ويشعر بعمق الانتماء اليها. كأن خطواتِه ومواقفه صدىً لهموم وأوجاع الإنسان في تلك البلدان، فلم يمنعه الانتماءُ لوطنه لبنان من الانتماءِ للعراق، وفلسطين، بل الانتماءِ الى الإنسان حيثما وأنّى كان. تتوحد في ضميره هذه الانتماءات، وكأنها قصيدةٌ لا تنشد ألحانَها إلا همومُ الإنسان.

الأديانُ والمذاهب والطوائف ترسم لانتماء أغلب الناس حدودًا يصعب تخطيها، وتسعى أن تضعهم داخل أسوارٍ مغلقة ليس بوسعهم الإفلاتُ منها. لدى أغلب رجال الدين تصير هذه الأسوارُ صارمةً لا يتخطاها إلا الأفذاذ. ما لفتني في هاني فحص هو عبورُ كلِّ الأسوار، فهو عابرٌ للطائفية والطائفة، بل والديانة، هاني فحص يتحدث خارج الطوائف، يكتب خارج الطوائف، يقاوم خارج الطوائف، ينفر من أي استثمارٍ لشعارات ومعتقدات الطوائف. على الرغم من انه مكرّسٌ بإيمان عميق، لم يتخلف عن عبادة يفرضها اعتقادُه الديني، وتعبّدُه الفقهي الجعفري. كلّما حسبته بعيدا عن التشيّع وعبور طائفته، برهنتْ مواقفُه وممارساتُه أنه منخرطٌ في كلِّ هموم البؤساء والمحرومين من الشيعة.كان يلفتني هذا الإيقاعُ المتناغم في تبّنيه لآلامِ الشيعة وآمالهم، بموازاة آلام وآمال مواطنيهم اللبنانيين من الطوائف والأديان الأخرى، وآلامِ الإنسان أينما كان ضحية ومهمشًا. لم أجد لمواقفه تفسيرًا سوى أنه كان عابرًا لكلِّ ما هو طائفي، كان هاجسُه المزمن همومَ الناس. يجد هاني فحص ذاتَه تشترك مع كلِّ الناس، حيثما تحقّق ما هو إنساني، يعثر دائمًا على ما هو مشترَك، وكأنه لا يرى ما هو خاص. لا تسجنه حدودٌ دينية أو طائفية، ولا تكبّله تصنيفاتٌ لاهوتية، ولا تمنعه هوياتٌ إثنية، ولا تعطله خرائط اعتقادية. كان يسمعُ صوتَ الله في صوت البؤساء والمعذّبين، يكتشف سبيلَ الله بوصفه سبيلا يمرّ عبر الإنسان، وتتجلى له رحمةُ الله برحمة الإنسان، ويبصر نورَ الله بإشراقه في قلب إنسان ضحية، ويجد كرمَ الله بإكرام الإنسان، وأن حُبَّ الله يتجسّد في حُبّ الإنسان. كان يشتكي لي على الدوام في السنوات الأخيرة قبيل رحيله من أن مجتمعاتٍ تمّزقها الحروبُ وينهكها التسلطُ والاستبداد، يصبح عبورُ الطائفة فيها غربة، أما ممارسةُ التسامح واحترام كرامة الإنسان من دون تمييزٍ بين الأديان والطوائف فأشدُّ اغترابًا.

حين نلتقي لا يكفُّ عن متابعة ورصد الإنتاج الفكري، يتساءل عن الأعمال الجادّة الجسورة، وما يمكن أن تسهم فيه المؤسسةُ الدينية العريقة من اجتهادات، تضع الفكرَ الديني في الإسلام اليوم في سياقٍ يتخطى استهلاكَه في الطقوس المهرجانية، ويعيد الصورةَ المفتقدة للإسلام التي أنهكها التوحشُ وشناعاتُ الدم المسفوح، والعدوانُ على ما يرمز للحياة والسلام والفرح والجمال.

في كلِّ محطات حياته كانت رسالتُه إسلاما ينشد السلام، ويمجّد كرامةَ الكائن البشري، ويحمي حقوقَه في الحرية والمواطَنة والعيش الكريم. كان قلقا من أننا كمن يربي ثعابين إلا أنه يطاردها بعد فرارها من أوكارها. نطارد الانتحاريين، لكنا نهمل المعتقداتِ والمفاهيمَ التي سمّمت أرواحَهم، وأفسدت ضمائرَهم. مادامت هذه المعتقداتُ والمفاهيم متفشيةً في منابرنا ومقرّرات التربية والتعليم في مدارسنا وجامعاتنا، وما تذيعه فضائياتُنا ووسائلُ إعلامنا، فلن تتوقف ولادةُ المزيد من الانتحاريين في مجتمعاتنا.

في كلَّ مرةٍ ألتقيه العامَين الأخيرين قبل رحيله يحدّثني جذلًا عن مبادرةٍ إنسانية يتولاها هو بمعية فريقٍ من رجال الدين من طوائف أخرى، في جمعية “فرح العطاء”، هدفُها التربية على: المحبة والتسامح والاحترام المتبادل، والسعي لإنقاذ أطفال العراق، عبر تضميد جراح قلوبهم، وتكريس السلام في أرواحهم، ورسم ابتسامة على وجوههم الحزينة. أحيانا أجده كالسمكة المختنقة، تلتقي في مشاعره أوجاعُ العراق المريعة. يتمنى ويقترح ويبادر بفتح أية نافذٍة للنور تفضح ما تختنق فيه بلادُنا من ظلام. يتصيد على الدوام صوتَ الفرح في زمنٍ تضجرنا فيه أصواتُ البكاء.

كنت كما جيلي من المتدينين الشباب في العراق في سبعينيات القرن الماضي مسكونين بيوتوبيا هذه الدولة، كانت صورتُها الرومانسية في مخيلتنا كأنها عصا سحريةً تفعل كلَّ شيءٍ بضربة واحدة، كأنها سفينةُ خلاصٍ تنقذنا من فاشية صدام حسين، وكلِّ ألوان الاضطهاد والتمييز الذي كنا ضحاياها، لأنها كما كنا نتوهم الفردوسُ الأرضي الذي لا تشبهه دولةٌ في الشرق أو الغرب. أتذكر حين كنتُ أقرأ أدبيات الإسلام السياسي في مطلع السبعينيات، وأنا تلميذٌ في الثانوي، كنتُ أتقد حماسة، أنفعل وأهيج وأتشوق، أكاد لفرط أشواقي لهذه الدولة المتخيَّلة أطير في السماء، إذ يُخيَّل اليّ كأن الدنيا تتحول إلى فردوس أبدي. شعاراتُ هذه الأدبيات تذكي الغرائز، وتؤجج المشاعرَ والعواطف، توهم الإنسانَ بأن كلَّ مشاكله الشخصية والعائلية والمجتمعية، بل كلَّ مشاكل العالم ستحل بشعارات وعبارات لا صلةَ لها بالواقع، وتنتقل البشريةُ فجأةً لعالم كلّه قسط وعدل وحق وخير ورخاء وتضامن وتراحم وسعادة، لا فقير فيه أو محروم. طفقتُ أفتش عن جماعةٍ دينية تنشد هذه الوعود، واستبدّتْ بي روحٌ رسولية إنقاذية تسعى لتغيير العالم، كي أحلَّ مشاكلَه كلَّها دفعةً واحدة، وأنجز أنا ورفاقي خلاصَه الأبدي. لم تتمزّق أوهامي واستفِق من هذه المتاهة العبثية إلا بعد سنوات، بعد أن تكشّف لي أن تلك الوعود ليست إلا أحلامَ أرواح معذبة، تفتّش عن ملاذٍ تحتمي فيه، ودواءٍ يخفض من أوجاعها.

التقيتُ هاني فحص قبل نحو 40 عامًا، بعد أن أدركتُ وقتئذٍ أن الدولةَ من أعقد المؤسسات التي ابتكرها الإنسانُ بعد مسيرةِ محطاتٍ شاقة، وأنها أعمق وأغنى وأهم مؤسسة سياسية حقوقية إدارية اجتماعية اقتصادية ثقافية أبدعها التفكيرُ والخبرة البشرية، عبر تجارب خطأ أرشدته للصواب، وهدمٍ أرشده للبناء، وحروبٍ أرشدته للسلام، وصراعاتٍ أرشدته للحوار، ونزاعاتٍ أرشدته للتفاهم، وممانعاتٍ أرشدته للتسويات. قرأ هاني فحص الفقهَ وعلومَ الدين في مدرسة النجف، فأدرك أن هذا التراثَ يتعذّر عليه بناءُ دولةٍ حديثة، ونظرَ في آراء فقهاء النجف منذ الشيخ محمد حسين النائيني مرورًا بالشيخ محمد مهدي شمس الدين حتى السيد علي السيستاني فاكتشف أنهم لم يفكروا بدولةٍ تولد في سياق المدونة الكلامية والفقهية.

يسألني هاني فحص بألمٍ وحسرة عن سبب إخفاق الإسلاميين في العراق في بناء الدولة، على الرغم من وفرة موارد بترول العراق وثرائه المتنوع، فأقول له: يمكننا التعرّف على وعي الجماعات الدينية ونمطِ تفكيرهم عبر النظر للأدبيات التي يعتمدونها في التربية والتثقيف. في هذه الأدبيات لا نعثر على ما يشي بمفهومٍ واضح للدولة والوطن والوطنية والمواطنة بمعناها الحديث في الفكر السياسي، وأحيانًا نقرأ رفضًا صريحًا للمشروعية الشعبية والتعدّدية السياسية والمساواة بين المواطنين على أساس الانتماء لأرضٍ واحدة. قد ترد إشاراتٌ في كتاباتهم لأمثلةِ ما قبل الدولة الحديثة، كدولة الخلافة والدولة السلطانية. أكثُر رجال السلطة لا يعرف أن الدولةَ الحديثة ظاهرةٌ مركبة عميقة واسعة، ذاتُ طبقات وأبعاد مختلفة، تتطلب خبراَء من ذوي التكوين الممتاز في: الحقوق والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والأموال، والتجارة، والتنمية، والإدارة، والتربية والتعليم، والزراعة، والصناعة، والصحة، والثقافة، والاعلام… وغير ذلك من العلوم والمعارف الجديدة. أكثرُ رجال السلطة في العراق اعتمدوا أميين ومتملقين ومتسلقين، واستبعدوا العلماءَ والحكماء والخبراء. أنساهم إغواءُ السلطة الوطن، وأكثرُهم استبدل الوطنَ بالعائلة والمداحين. رأيتُ أكثرَهم في السلطة يعملون لأنفسهم، يعملون لأنفسهم لا للعراق، يعملون مع أنفسهم والمتملقين لهم.كلُّ شيء هدفُه البقاءُ في الحكم، ‏مهما كان الثمنُ الذي ينهك الوطن. ينشغل بعضُهم بالكلام وثرثرة الشعارات المملة عن العراق، ويحسب نفسَه يعرف كلَّ شيءٍ عن كلِّ شيء، يتحدّث ويكتب عن قضايا تخصصية مختلفة لا يفهمها بشكلٍ دقيق، ولا يستطيع أن يعطي الرأيَ الصائب فيها سوى المختصين من ذوي التكوين العلمي الرصين. معظمُ قادة الجماعات الدينية ممن أصبحوا زعماءَ للدولة من الأطباء والمهندسين والمختصين في العلوم الطبيعية، لا يمتلكون معرفةً عميقة بالتراث ومسالكه المتنوعة، لم يتخصّصوا في الاقتصاد والإدارة والعلوم السياسية والقانون وعلوم الإنسان والمجتمع. لا يعبؤون بذوي الاختصاص، تجدهم أحياناً يكتبون ويتحدثون في مختلف التخصّصات، ويتكلمون في مناسبات مختلفة، ويصدرون الأحكامَ في الدين والدولة بلا درايةٍ وخبرة. الفهمُ المتفشي في أدبيات الجماعات الدينية للدولة والسلطة ركيكٌ مبسَّط لا يكاد يتخطى السطح، مثلهم كمن يحسب البحرَ بعمق سنتمتر واحد. الدولةُ اليوم لا يبنيها سوى الخبراء من مختلف التخصّصات، وتطبيق القانون العادل بصرامة على الجميع بلا تمييز. معيارُ الهوية السياسية في بناء الدولة اليوم هو الانتماءُ للوطن دون غيره، وتقديمُ مصالحه في الحاضر والمستقبل على مصالح أية دولة أو طائفة أو جماعة غير الوطن.

محطاتُ حياة هاني فحص وأقدارُه ومسيرته غيرُ أقداري ومسيرة ومحطات حياتي، طريقةُ تفكيري ليس بالضرورة تلتقي وطريقةَ تفكيره.كما تتغذّي الصداقةُ على العواطف الصادقة تتغذّى أيضًا على تنوع الآراء وعقلانيتها وواقعيتها. وإن وحّدت قلبينا المحبّةُ والوفاءُ للإنسان بما هو إنسان، والعملُ على حماية كرامته وحقوقه وحرياته، إلا أن كلَّ واحدٍ منا يعمل على شاكلته. هاني فحص يجدُ ذاتَه في السياسة لحظة يراها تحرّر الإنسانَ والأوطان، كان يحتفي باليومي والعابر والراهن، يتوهج حضورُه في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والورقية، لا يتردّد في الاستجابة لأية دعوةٍ صادقة. لا يفكر كثيرًا بالبرتوكولات والديكورات والعنوانات والألقاب، بل يهبّ مستجيبًا للإسهامِ في فعاليات وأنشطة منتديات ومؤسسات وندوات وحلقات دراسية ونقاشات مع مختلف الجماعات، عندما يظن أنها تنشد بناءَ الأوطان وحمايةَ كرامة الإنسان.

أنا بطبيعتي أهربُ من الحضور الإعلامي، قلّما أظهر على شاشة التلفزيون، أتمنّع من الحديث في الراديو وغيرِه من وسائل الإعلام، أنفر من الإلحاح على المقابلات في الصحف والدوريات والفضائيات، وأحاول أن ألتمس الأعذارَ لتأجيلها. لم أجد ذاتي في مشاغلِ السياسيين وأحاديثِهم ومواقفِهم ومراوغاتِهم في بلادنا، أضجر من ثرثراتهم اليومية. منذ 40 عامًا غادرتُ العملَ السياسي إلى الأبد، لحظة أدركتُ أن ليس كلُّ إنسان مخلوقًا لهذا العمل، وجدتُ أن هذه المهنة تهدم سكينةَ الروح وتعبث بسلامِها. تفرغتُ لحياة يشغلها اكتشافُ الذات والطبيعة الإنسانية والعالم، وكرّستُ طاقتي للمعرفة، صار عالمي الأوراقَ والكتب، مضافًا إلى الكمبيوتر والإنترنيت اليوم.

أتعلّم من تجارب حياتي الموجعة وجروحها المؤلمة، وما ارتكبتُه من أخطاء، وما تورطتُ فيه من متاهات مريرة. أتعلّم من الجميع، وأحترم رأيَ كلِّ إنسان صادق وإن كان على الضدِّ من رأيي. لا أتخذ قراراتٍ صعبةً لحظة الانفعال واتقاد المشاعر وغليان العواطف. رأيتُ هاني فحص يتعجل بإعلان مواقف في وقائع غامضة تختلط فيها الأوراق أحيانًا، وتتطلب الكثيرَ من التريث والدراسة وتقليب الخيارات.

 

رابط النشر: