Category: المخيال

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الولادة الثانية للدين في المتخيل عند عبد الجبار الرفاعي

الولادة الثانية للدين في المتخيل عند عبد الجبار الرفاعي

د. تحسين الشيخلي

استمعت مساء الأربعاء 9 – 9 – 2026 في “منتدى حوار التنوير” بألمانيا، إلى محاضرة مثيرة للدكتور عبد الجبار الرفاعي، حملت عنوان: “الولادة الثانية للدين في المتخيل”، ضمن منتدى حوار التنوير. تناول الرفاعي موضوعًا جديدًا في الدراسات الدينية العربية، لا يحضر كثيرًا في خطابنا الديني، على الرغم من امتداد أثره إلى مساحة واسعة من حياتنا. فنحن نناقش الدين عادة من خلال النص والعقيدة والفقه والتفسير والتاريخ، ونادرًا ما نتوقف عند السؤال الذي جعله الرفاعي محور محاضرته: كيف يعيش الدين في مخيلة الإنسان، وكيف تعيد الجماعات إنتاجه عبر الصور والرموز والحكايات والطقوس والذاكرة والهوية، وكيف يمكن لهذه الولادة الثانية أن تصبح أشد تأثيرًا في حياة المؤمن من الولادة الأولى للدين؟

وفي حدود اطلاعي، كان الرفاعي أول مفكر منحدر من الحوزة ومعاهد التعليم الديني الإسلامي يتناول “المتخيل الديني” بوصفه حقلًا مستقلًا وضروريًا للدراسة، ويكشف دوره في إعادة إنتاج الدين وتوسيع فضاء المقدس، وتحويل الصور المتخيلة إلى حقائق راسخة في وعي الجماعة وذاكرتها. وتنبع أهمية طرحه من انتقاله بدراسة الدين من الاقتصار على النصوص والعقائد إلى استكشاف الصور العميقة التي يصنعها المتخيل، وتغدو أكثر حضورًا وتأثيرًا وسلطانًا من النص المؤسس نفسه. كانت المحاضرة شيقة بالنسبة لي؛ لأنها تجاوزت الحديث عن مفهوم فلسفي، وكانت دعوة إلى النظر في منطقة خفية من الوعي الديني، لا تكفي أدوات الفقه أو علم الكلام التقليدي للوصول إليها؛ إذ تتشكل في الوعي واللاوعي، وتسهم في تكوينها الذاكرة والتاريخ والمجتمع والعاطفة والخوف والأمل والحاجة إلى المعنى.

بدأ الرفاعي من الخيال، ورآه إحدى القوى الأساسية في تكوين الإنسان. فالإنسان ليس كائنًا عاقلًا فقط، وإنما هو كائن يتخيل أيضًا، فما يضيق به الواقع يتسع له الخيال. ومن دون هذه القدرة ما كان الإنسان قادرًا على تجاوز شروط وجوده المباشر، ولا على إنتاج الشعر والفن والأدب، وكثير من الفرضيات العلمية والاختراعات التي بدأت صورة في المخيلة قبل أن تتحول إلى شيء في العالم.

وظهرت أهمية المحاضرة بوضوح عندما انتقل الرفاعي من الخيال الفردي إلى المتخيل الجمعي، ثم إلى “المتخيل الديني”. هنا يصبح الأمر معقدًا؛ لأن المخيلة لا تنتج الجمال والإبداع وحدهما، فقد تنتج الأسطورة، والصورة المضخمة للزعيم والشيخ والمؤسس، وتمنح أشخاصًا ومؤسسات وأحداثًا تاريخية حصانة رمزية تجعل إخضاعها للنقد بالغ الصعوبة.

ومن الأفكار التي وجدتها جديرة بالتوقف عندها قول الرفاعي إن لكل دين ولادتين: ولادة أولى في عصر المؤسس، ثم ولادة ثانية بعد غيابه، حين تبدأ الجماعة بإعادة إنتاج صورته، وتأويل النص المؤسس، وتراكم الحكايات والرموز والتصورات والتفسيرات حول الدين. ومع مرور الزمن، قد تصبح هذه الطبقات جزءًا من صورة الدين في الوعي الجمعي، إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين الأصل وما صنعه التاريخ حوله. تفتح هذه الفكرة بابًا مهمًا لفهم كثير من مشكلات الإصلاح والتجديد الديني؛ فقد انشغلت مشاريع الإصلاح والتجديد الحديثة بالنص والتفسير والفقه والعقل والاجتهاد، غير أنها لم تمنح المتخيل الديني ما يستحقه من اهتمام. وكان إهمال المتخيل، كما أشار الرفاعي، أحد الأسباب الخفية لتعثر كثير من محاولات الإصلاح والتجديد؛ فالإنسان لا يعيش معتقداته من خلال الأفكار المجردة وحدها، وإنما يعيشها أيضًا من خلال الصور الراسخة في الذاكرة، والطقوس والرموز والحكايات والمخاوف والآمال التي ورثها عن الجماعة. لا يكفي تقديم تفسير عقلاني جديد للنص، ما دام المتخيل القديم فاعلًا في الأعماق؛ فقد تتغير الأفكار، فيما تلبث الصور الموروثة راسخة. يبدأ التجديد الحقيقي حين يبلغ البنية المنتجة للمعنى الديني.

وكان من أجمل ما طرحه الرفاعي تمييزه بين الخيال والوهم؛ فالخيال ليس وهمًا، وليس خصمًا للعقل، وإنما هو قدرة خلاقة تشارك العقل في إنتاج المعرفة. أما الوهم فينشأ حين تتحول الصورة التي صنعتها المخيلة إلى اعتقاد زائف يتعامل معه المتوهم كأنه حقيقة. وهنا تظهر الحاجة إلى عقل نقدي لا يقتل الخيال، وإنما يمنعه من التحول إلى سلطة مغلقة تستعبد الإنسان. وتوقفت أيضًا عند حديثه عن المقدس والتقديس. أشار الرفاعي، من خلال استقراء الاستعمال القرآني، إلى أن القرآن لم يصف الأنبياء بأنهم أشخاص مقدسون، وإنما تحدث عن الإنسان بلغة التكريم والاصطفاء والاجتباء والنبوة والرسالة. أما القداسة فوردت في سياقات تتصل بالله وما ينسب إليه، كروح القدس والأرض المقدسة والوادي المقدس. ومن هنا يبرز سؤال تاريخي بالغ الأهمية: كيف اتسعت دوائر التقديس بعد عصر الرسالة حتى شملت أشخاصًا ومؤسسات وتفسيرات وموروثات؟ لا يستهدف هذا السؤال إلغاء الاحترام أو إنكار المكانة الدينية، وإنما يرسم فاصلًا ضروريًا بين التكريم والتقديس. فحين يتحول الإنسان إلى كائن فوق النقد، ويتحول التفسير البشري إلى حقيقة لا تقبل المراجعة، نكون أمام صورة صنعها المتخيل التاريخي أكثر مما فرضها النص المؤسس.

ما أعجبني في حديث عبد الجبار الرفاعي أنه لم يتعامل مع الدين من خارجه، ولم يتحدث عنه بلغة الخصومة أو الدفاع التقليدي. كان يتحدث من داخل تجربة إيمانية، بعقل نقدي لا يخشى الأسئلة. وهذه منطقة فكرية دقيقة؛ لأن النقد من داخل الإيمان أصعب بكثير من النقد الذي يبدأ من خارجه. غاية الرفاعي ليست التخلص من الدين، وإنما تحريره مما تراكم حوله من صور تحجب قدرته على منح الإنسان المعنى والكرامة والأخلاق والحياة الروحية.

خرجت من المحاضرة وأنا أفكر أن مفهوم “الولادة الثانية للدين” الذي تحدث عنه الرفاعي بمداخل محورية، وهو يستحق أن نتوقف عنده طويلًا؛ فالأديان لا تعيش في النصوص وحدها، وإنما تولد مرة أخرى في عقول الناس وذاكرتهم ومخيلتهم، وفي الحكايات التي يروونها، والصور التي يصنعونها، والشخصيات التي يرفعونها فوق منزلتها البشرية، والأماكن التي يضفون عليها المعنى، والطقوس التي يعيدون من خلالها بناء علاقتهم بالمقدس.

السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع جاد لتجديد الفكر الديني لا يقتصر على: كيف نقرأ النص من جديد؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق: كيف نقرأ المخيلة التي قرأت النص طوال قرون؟ في تقديري، كانت محاضرة الدكتور عبد الجبار الرفاعي هذا المساء من تلك المحاضرات التي لا تنتهي بانتهاء وقتها؛ لأنها لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تترك في ذهن المستمع أسئلة جديدة. وهنا تتجلى قيمة الفكر الحقيقية حين نغادر المحاضرة ونحن نحمل أسئلة أكثر مما حملنا عند دخولها، وأن نعيد النظر في أشياء اعتدنا رؤيتها حتى حسبناها حقائق نهائية، فيما يكون بعضها نتاج تلك القوة العجيبة والخفية التي تحدث عنها الرفاعي طويلًا: قوة المتخيل وإنتاجه نسخة ثانية للدين غير ما ولد في عصر المؤسس.

 

https://www.almothaqaf.com/qadaya/989816

في الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف

في الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف

   د. عبد الجبار الرفاعي

الفيلسوف يفكر بعقله، غير أن هذا العقل لا يعمل في فراغ، وإنما يسكن جسدًا، ويتفاعل مع المزاج والعاطفة، ويتأثر بالأوجاع، وما يختزنه اللاوعي من قلق وخوف وحرمان وجروح. لذلك لا يكتمل فهم بعض المواقف الفلسفية الكبرى من دون قراءة السيرة الذاتية للفيلسوف، وما عاشه من أمراض جسدية، أو أزمات نفسية، أو عزلة، أو إخفاق، أو شعور بالغربة عن العالم، وما أحاط به من أنماط عيش وثقافة وظروف عائلية تركت آثارًا عميقة في تكوينه النفسي.

مع ذلك، لا تتولد الأفكار الكبرى من هذه العوامل، وإنما من العقل وهو يعيد بناء خبرات الحياة، ويحولها إلى مفاهيم ورؤى وأسئلة كونية. العقل مرجعية الفيلسوف النهائية، هو الذي يصوغ فلسفته ويمنحها تماسكها ومنطقها الداخلي. للسيرة الذاتية أثر في إبداع الفيلسوف ومنح فلسفته فرادتها؛ فقد يتحول الجرح الشخصي إلى سؤال وجودي، والألم إلى تفكير عميق، والمعاناة إلى أفق لاكتشاف الذات والبحث عن معنى الحياة والمصير. أحيانًا يولد السؤال الفلسفي من لحظة انكسار داخلي، ثم يعيد العقل بناءه في رؤية فلسفية مبهرة، لذلك تحمل بعض الفلسفات في أعماقها سيرة خفية لفيلسوفها، وإن تجلت في صورة مفاهيم وتجريدات عقلية.

طالما وقع الفيلسوف في صراع بين قوة العقل ونداء العاطفة، ربما تستبد به حالة عاطفية مفرطة تخمد عقله في لحظة معينة. يقول الفيلسوف وليم جيمس (1842–1910): “إن تاريخ الفلسفة يمكن فهمه بوصفه صراعًا بين أمزجة كبرى، لا مجرد صراع بين حجج مجردة”. الفيلسوف يفكر في إطار ذاكرة مثقلة، وطفولة مجروحة أو آمنة، وجسد موجوع أو معافى، وعلاقة معقدة أو منسجمة مع الأب والأم والعائلة والمجتمع. ينعكس في فلسفته أفق انتظاره، ومضمراته، وأحكامه المسبقة، وأحيانًا نصغي إلى صدى جراحه في مفاهيمه، حتى يغدو المفهوم أثرًا لتجربة حية.

ففي ضوء معاناته الجسدية وتوتره بين العقل والإيمان يمكن أن نفهم شيئًا من هشاشة بليز باسكال (1623–1662). فقد نشأ في أسرة متدينة، وفقد أمه وهو في الثالثة من عمره، وعانى هشاشة صحية مزمنة لازمته طوال حياته. أورثته هذه الخبرات المبكرة شعورًا عميقًا بضعف الإنسان وقابليته للفناء، فصاغ رؤيته للإنسان بوصفه كائنًا يتأرجح بين العظمة والبؤس، لا يكتمل بذاته، ولا يعثر على طمأنينته إلا في الإيمان بالله. جاءت فلسفته مشدودة إلى هشاشة الوجود الإنساني، وإلى حاجة الإنسان إلى معنى يتجاوز العالم، فلم يكن الإيمان في رأيه يُنال بالبراهين العقلية الجافة، بل عبر “القلب” الذي يدرك ما لا يدركه العقل، استجابةً للقلق الوجودي المرير والبحث عن الخلاص.

ويمكن أن نفهم شيئًا من تشاؤم آرثر شوبنهاور (1788–1860) في ضوء معاناته وعلاقته المضطربة بأبيه وأمه، وانعكاس ذلك على تفكيره بما هو تفاعل بين الجرح الشخصي والفكر الفلسفي. فقد نشأ شوبنهاور في بيت مضطرب؛ كان أبوه تاجرًا صارمًا سوداوي المزاج، ويرجح عدد من الباحثين أنه أنهى حياته منتحرًا، فترك ذلك أثرًا عميقًا في ابنه، وجعل الموت والعبث واليأس حاضرًا في وعيه المبكر. أما أمه، فكانت أديبة لامعة، وسيدة مجتمع تميل إلى حياة الصالونات الأدبية والعلاقات الاجتماعية الواسعة، ولم تكن علاقتها بابنها مستقرة أو دافئة، وإنما غلب عليها التوتر والنفور المتبادل، حتى انتهت إلى القطيعة. عاش شوبنهاور شعورًا عميقًا بالعزلة، وفقد كثيرًا من ثقته بالناس، ونظر إلى العلاقات الإنسانية بعين الارتياب والتشاؤم. لم يرَ الحياة ميدانًا للسعادة، وإنما فضاءً للألم والرغبة العمياء والحرمان، في فلسفته يظهر العالم محكومًا بإرادة عمياء لا عقل لها ولا غاية أخلاقية، تدفع الإنسان إلى الرغبة، ثم تتركه نهبًا للشقاء؛ فإذا تحققت الرغبة وُلد الملل، وإذا لم تتحقق وُلد الألم، كما يرى. لا تخلو هذه الرؤية من أثر لمعاناته الشخصية، فقد رأى في الألم الحقيقة الأكثر رسوخًا في الوجود.

وهكذا يمكن أن نفهم شيئًا من قلق سورين كيركغورد (1813–1855) بوصفه مثالًا على تفاعل المزاج والجرح النفسي بالفكر الفلسفي. فقد عاش هذا الفيلسوف تحت ظل أبٍ سوداوي شديد التدين، كان يعيش شعورًا غريبًا بأن الأسرة واقعة تحت غضب إلهي بسبب خطيئة ارتكبها في شبابه. أورثه ذلك شعورًا عميقًا بالذنب والخوف والقلق الديني، حتى غدا القلق عند كيركغورد خبرة وجودية، لا مفهومًا ذهنيًا مجردًا. كما أن علاقته المعقدة بخطيبته ريجينا أولسن، وقراره الانفصال عنها رغم حبه لها، عمّقا إحساسه بالعزلة والتناقض الداخلي. يمكن أن تُقرأ فلسفته، إلى حد ما، في ضوء هذه الخبرات الوجودية؛ فقد انشغلت بالفرد القلق، والاختيار، واليأس، والإيمان بوصفه قفزة وجودية، ولم تظهر الحقيقة عنده في نسق عقلي منتظم، وإنما في تجربة وجود تقف بقلق أمام الله.

كذلك يمكن أن نفهم شيئًا من فلسفة فريدريك نيتشه (1844–1900) في ضوء معاناته الجسدية المزمنة وصراعه المرير مع المرض، وربما أمكن قراءة تمجيده “إرادة القوة” تعبيرًا عن توقه إلى التعالي على الضعف البيولوجي الذي لازم حياته. فقد نشأ نيتشه في عائلة عرفت المرض والموت المبكر، مات أبوه، وكان قسيسًا بروتستانتيًا، وهو ما يزال طفلًا، بعد معاناة مرضية قصيرة، ثم توفي أخوه الصغير بعد ذلك بوقت قصير، فعاش طفولة يخيّم عليها الحزن والغياب. تربّى بين أمه، وأخته، وجدته، وخالاته، في مناخ ديني محافظ، ثم انقلب لاحقًا على المسيحية التي رأى أن أخلاقها تمجّد الضعف والاستسلام. لازمته طوال حياته آلام جسدية قاسية؛ صداع مزمن، واضطرابات عصبية، وضعف شديد في البصر، وانهيارات صحية متكررة، اضطرته إلى ترك التدريس وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وعاش سنوات طويلة في عزلة وارتحال بحثًا عن واقع يخفف آلامه. يمكن أن تُقرأ فلسفته، إلى حد ما، في ضوء هذه المعاناة؛ فقد انشغلت بالقوة، والصحة، والتغلب على الذات، وتمجيد الحياة في مواجهة الوهن والانطفاء.كان نيتشه يرى أن التسامح لا يكتسب قيمته إلا إذا صدر عن قوة وامتلاء داخلي، لا عن خوف أو عجز أو استسلام. انتقد الأخلاق المسيحية لأنها مجّدت الشفقة والتسامح والتواضع، ورأى أنها كثيرًا ما تعكس ما سماه “أخلاق العبيد”. أما الإنسان القوي، في نظره، فيتجاوز الإساءة ويتسامح لأنه لا يشعر بالتهديد، ولا يبقى أسير الحقد والضغينة.

مع ذلك، لا يصح اختزال فلسفة أي فيلسوف في مرضه، أو طفولته، أو علاقته بعائلته، أو نمط عيشه، أو ثقافة مجتمعه وديانته، وإن كان لها أثر محدود. الفيلسوف نابغة لا يكرر ما تمليه عليه سيرته الشخصية، وإنما يعيد بناء خبراته بعبقرية مدهشة، وقدرة استثنائية على التأمل، وموهبة نادرة، وبراعة في إبتكار المفاهيم، وإعادة صياغة الأسئلة الكبرى، واقتراح أجوبة لها. فرادة الفيلسوف تتجلى في فرادة فلسفته، الفلسفة لا تتولد من المرض، أو العاهة، أو الجرح النفسي، غير أن هذه الخبرات تفتح للفيلسوف زاوية أخرى لرؤية الإنسان والمعنى والعالم. المادة الخام تأتي من الحياة، أما الفلسفة فتولد حين يعيد العقل المبدع تشكيل هذه المادة، ويحول التجربة الشخصية إلى رؤية للعالم تتجاوز صاحبها، وتغدو قادرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان.

 

___https://alsabaah.iq/134821-.html

 

الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية

الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية

 د. عبد الجبار الرفاعي

الدين كائن حي، يتشكل ويتحول تبعًا لتحول أنماط الفهم والعيش. يتطور حين تنبض فيه الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، ويذبل حين تنغلق آفاقه ويغدو تفسير نصوصه أسير التكرار والاجترار. ما من ديانة بقيت على صورة واحدة في التاريخ؛ فكم من ديانة انفتحت على الإنسان والعالم ثم انكمشت في قوالب مغلقة، وكم من ديانة ضاقت آفاقها في مرحلة من تاريخها ثم استعادت حيويتها وانفتاحها في مرحلة أخرى. ذلك أن مفسري النصوص الدينية لا يقرؤونها خارج شروطهم الإنسانية، وإنما تتدخل في فهمهم رؤيتهم للعالم، وثقافتهم، ونمط عيشهم، ونشأتهم، وتربيتهم، وتكوينهم المعرفي، وأحكامهم المسبقة، وآفاق انتظارهم من الدين. من هنا يتجدد فهم النصوص بتجدد الإنسان، وتتغير طرائق تفسيرها بتغير الأسئلة التي يفرضها العصر، والحاجات التي يستيقظ عليها الوعي البشري في كل زمان. من هنا تنشأ الحاجة إلى تتابع النبوات في تاريخ الأديان، وإلى ظهور المصلحين والمجددين، وتنبثق الضرورة الدائمة لإصلاح التدين، وتجديد فهم الدين، وإعادة تفسير نصوصه بما يوقظ ما تختزنه من طاقات روحية وأخلاقية وجمالية قادرة على إرواء الظمأ الأنطولوجي للإنسان، وصون كرامته، وإثراء حياته، وتجديد صلته بالمعنى الروحي والأخلاقي الذي تتطلبه حياته في كل عصر.

دراسة أثر كل دين وأنماط التدين التي تتشكل في فضائه تتطلب أن يعتمد الدارس معادلة مثلثة للفهم، إذ لا بد أن يعاين الدارس ذلك الدين بوصفه نصًا أولًا، ويتعرف ثانيًا على شخصية الإنسان المعتقد بهذا النص فردًا ومجتمعًا، ويكتشف طبيعة الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان وكل ما يحفل به عصره ثالثًا. هذه العناصر الثلاثة تشكل توليفة متفاعلة يؤثر كل منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماط التدين تبعًا لاختلاف الناس أفرادًا ومجتمعات، واختلاف واقعهم وعصرهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلاف كيفية تلقي النصوص الدينية. ربما يكون التدين دافئًا، لينًا، رقيقًا، رحيمًا، كما لدى القليل من الأشخاص الذين يولدون في واقع يستمعون فيه إلى صوت المحبة والعطف والشفقة والتراحم، ويحظون بتربية وتعليم سليمين. وربما يكون التدين شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرضون إلى اضطهاد وعنف في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمين.

تنشأ الثغرات في دراسة الأديان من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المثلثة للفهم، لذلك تتطلب دراسة الأديان أن يتعاطى الدارس مع نصوصها وتراثها الديني بمنطق الباحث الذي يعتمد مناهج البحث العلمي، وينشد فهم المغزى العميق لهذه النصوص، ويهمه التعرف على دلالات التراث في فضاء السياقات الخاصة التي تشكل فيها، والسعي لاكتشاف الآثار الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتها نصوص هذه الأديان، وكيفيات تمثلها في الحياة البشرية. ولا أظن أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها، لو كان الدارس مولعًا بالتبشير بمعتقده ولا يريد إلا ترويجه، والحرص على إدخال الآخر فيه، على وفق اعتقاده بأن معتقده هو الحق، وكل ما سواه باطل.

الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدراسات الدينية من الرؤية التقليدية، التي كانت ترى الدين ونصوصه مرجعية نهائية في تفسير وفهم كل شيء، إلى رؤية تخضع تعبيرات الدين وتجلياته في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تمثلات بشرية، وكل ما هو بشري يقع في مدارات عقل الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. وإن كانت نصوص الدين مقدسة، غير أن تفسيرها وتأويلها وفهمها يتجلى فيها الأفق التاريخي الذي يتموضع فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهم عابرًا للإطار المعرفي لذلك الإنسان.

ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران. الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه. وتتجلى هذه المشروطيات في: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان، ولا يتجسد الدين في حياة الإنسان إلا من خلال هذه المشروطيات، إذ يتلقى الإنسان النص الديني ويفهمه ويؤول دلالاته في ضوئها. لذلك يتنوع فهم الدين وتفسير نصوصه بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم، واختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وتجاربهم في الحياة. النص الديني واحد، غير أن معناه يتكشف في آفاق متعددة، تبعًا لتنوع طرائق التلقي، وتعدد الخبرات الإنسانية، وتنوع الشروط التي يتكون في سياقها وعي الإنسان ورؤيته للعالم.

الرؤية اللاتاريخية للدين ترى الأديان قارة ساكنة، وكأن الأديان تؤثر في المجتمعات وتعمل على تغييرها من دون أن تتغير هي أو تتأثر. أما الرؤية التاريخية العلمية فتذهب إلى أن الأديان تتأثر بطبيعة المجتمعات الإنسانية المتنوعة، تبعًا لتنوع الزمان والمحيط والإثنية والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أن هناك تأثيرًا وتأثرًا متبادلًا بين الدين والمجتمع. مثلما يؤثر الدين في المجتمع، ويسهم في إنتاج رؤيته للعالم، ويعمل على صوغ نمط حياته، يعمل المجتمع أيضًا على إنتاج صورته الخاصة للدين، وصياغة نمط التدين الذي يشبهه. لو ظهرت البوذية في الجزيرة العربية لأضحت مشابهة للمجتمع العربي، ولو ظهرت الهندوسية في اليونان لأضحت مشابهة للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحية في الصين لأضحت مشابهة للمجتمع الصيني، وهكذا الحال في الأديان الأخرى. وكما تؤثر المجتمعات في الأديان، تؤثر الأديان في المجتمعات، فما فعلته البوذية في المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة لها لا يقل عن فعل المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة للبوذية فيها، وما فعله الإسلام بالأندلس لا يقل عن فعل الأندلس بالإسلام.

لا يكفي الحكم على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدونتها، أو بشهادات أتباعها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها، إنما يتم ذلك بمقارنتها بالديانات الأخرى، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعات، في الماضي والحاضر.

ليس هناك دين يحتكر المحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخ دين منزه عن التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصح نسيان مظالم الفتوحات الإسلامية، مثلما لا يصح نسيان مآسي الحروب الصليبية، والجرائم الشنيعة للصهيونية في فلسطين ولبنان وغيرهما.

المعروف عن البوذية أنها ديانة غير تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سلمًا، فلم يتحدث لنا التاريخ عن حروب تم خوضها أو دماء أبرياء سفكت باسمها، كما هو معروف عن ديانات أخرى، لكن مع كل ذلك تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومشاهد مريعة لأعمال عنف مأساوية ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعات بوذية بتحريض رهبان بوذيين متطرفين.

‏الموقف الأخلاقي يفرض على أتباع كل دين الكشف عن أرشيفات الماضي، وإعلان كل ما يختبئ فيها، وفضح منابع التعصب والكراهية في تراثهم مثلما يفضحونها لدى غيرهم، والاعتراف بأخطائهم كما يتحدثون عن أخطاء غيرهم.

 

الملاحم الكبرى: سرديات ارتقت إلى مرتبة المقدس

الملاحم الكبرى: سرديات ارتقت إلى مرتبة المقدس

د. عبد الجبار الرفاعي

السرديات نصوص أدبية طويلة، تحكي قصصًا ذات طابع أسطوري وتاريخي، ولا تخلو أكثرها من معنى ديني. تتناول موضوعات، تلتقي فيها حكايات وأساطير ذات نسق واحد، وتمثل بنية رمزية شاملة، وتقدم إطارًا تفسيريًا كليًا للوجود والعالم والمجتمع والتاريخ. هذا الإطار يمنح الإنسان معنى لوجوده وحياته، ويرسم رؤيته للعالم، والخير والشر، والحياة والموت، ويعمل على تشكيل هويته الفردية والمجتمعية، ويزوده برؤية بما جرى في الماضي، ويتنبأ بما يجري في المستقبل. تولد هذه الحكايات والأساطير من متخيل المجتمع، ليعبر فيها الإنسان عن كيفية تعريفه لذاته، وللزمان والمكان والتاريخ، وما يلون به صورته من مزاعم بمنجزات خارقة، وانتصارات وبطولات وأمجاد ومكاسب استثنائية في حروبه ومغامراته، وتجاهل لخساراته وهزائمه. تطغى في هذه النصوص عبارات، تمتزج فيها أحلام المجتمعات بتوهم تفوقها المبهر، وتطرحها وكأنها حقائق نهائية لا تناقش، من دون أن تستند إلى أية أدلة أو معطيات ووثائق تؤكدها.

السرديات بما هي نصوص أدبية استطاعت حفظ اللغة والدين والهوية والذاكرة، لأنها لم تكن مجرد نصوص تُروى، بل كانت أنساقًا رمزية حيّة تستعاد في التعليم والمسرح والاحتفالات، وأحيانًا في الطقوس، وبمرور الزمن اكتسبت هذه النصوص سلطة رمزية في الوعي الجمعي. حفظت هذه السرديات اللغة، لأنها صاغتها بأجمل أشكال التعبير الشعري والنثري، فصارت معيارًا للبلاغة، ومصدرًا للتداول، ومعجمًا للمفردات. أمّا الهوية والذاكرة فقد حفظتهما النصوص، لأنها قدمت سرديات تأسيسية تعرف الجماعة بذاتها، وتعيد إنتاج أمجادها، وترسخ صورتها عن الأصل والمصير. اللغة، بوصفها وعاءً للمعنى، لم تحفظ النصوص من النسيان فحسب، بل حولتها إلى نص سردي متجدد، يستأنف حضوره في كل جيل، ويعاد تأويله، فغدت نصوصًا خالدة، لأن اللغة التي حملتها قادرة على تحديث معجمها، وعلى حماية الذاكرة من زمن إلى آخر دون أن تفقد دلالاتها الرمزية. اللغة التي احتضنتها هذه السرديات لم تكن وعاءً عابرًا، بل صارت قوة تصونها من التبدد، وتحرسها من النسيان، وتعيد بعثها في كل جيل، لتغدو نصوصًا أبدية تحيا بحياة اللغة، وتحيا بها اللغة أيضًا. وبذلك لم تكن السرديات حكايات بطولية فقط، بل مرايا لهوية المجتمعات وذاكراتها، تحفظ انتصاراتها، وتمحو من الذاكرة إخفاقاتها وهزائمها وانكساراتها، وتمنحها المعنى الذي يعزز ثقتها بذاتها، وشعورها بالتفوق والانتصار المستمر.

الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار هو من صاغ مصطلح السرديات في سياق نقده للحداثة، مؤكدًا أن مرحلة ما بعد الحداثة تتسم بفقدان الثقة بهذه السرديات. لا أتحدث هنا عن السرديات بما هي أيديولوجيات تفسيرية شمولية، تدعي تفسير التاريخ والواقع وفق منطق حديث، مثل: الماركسية والقومية والتنوير والليبرالية وغيرها، إنما أتحدث عن السرديات بما هي نصوص أدبية كبرى، تمثل صوتًا فريدًا لمجتمعها، وتشترك في تقديم إطار شامل يفسر الوجود الإنساني ويمنحه معنى، مثل: ملحمة جلجامش التي تعود أصولها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ودونت ألواحها المسمارية في الألف الثاني قبل الميلاد في حضارة سومر وأكد، وحفظتها لنا النسخة البابلية التي جمعها الكاتب البابلي “سين-لقي-أونيني” بين القرنين الثالث عشر والعاشر قبل الميلاد، وتتألف من اثني عشر لوحًا طينيًا، وهي النسخة الأشمل مقارنة بالنسخة الأكدية المدونة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، التي تعد أول محاولة لصياغة الملحمة بشكل موحد، لكنها لم تصلنا كاملة. تقدم هذه الملحمة صورة إنسان بلاد الرافدين الباحث عن الخلاص من قلق الموت، وتعكس تأملاته في اكتشاف معنى الموت والخلود، حيث يسعى جلجامش لفهم مصيره بعد فقدان صديقه أنكيدو، ليصبح النص رمزًا للبحث الإنساني عن معنى وجود الإنسان وموته.

الإلياذة والأوديسة، المنسوبتان إلى هوميروس، والمدونتان في القرن الثامن قبل الميلاد، تمثلان ذروة التعبير الملحمي في الحضارة اليونانية، حيث صاغتا الوعي الجمعي، عبر سرد بطولي يلتقي فيه الإنسان مع الآلهة والمصير. تتألف كل منهما من أربعة وعشرين نشيدًا مكتوبًا في الوزن السداسي، وتتناولان موضوعات الحرب والبطولة والعودة والحنين، وقد بلغ عدد أبيات الإلياذة نحو 15693 بيتًا، بينما تضم الأوديسة حوالي 12110 أبيات، وفق أكثر الإصدارات النقدية اعتمادًا، مما جعلهما نموذجين تأسيسيين للملحمة بوصفها نصًا كونيًا يعيد تشكيل الذاكرة والهوية الجمعية.

وتمثل المهابهاراتا والرامايانا ذروة التعبير الملحمي في الهند، حيث تتداخل فيهما الأسطورة مع الفلسفة والسرد البطولي بالتأمل الروحي، في نسيج لغوي وثقافي وديني، جمع لهجات الهند ومفاهيمها الدينية في نصين تأسيسيين للوعي الهندوسي. المهابهاراتا، المنسوبة إلى الحكيم فياسا، تروي صراعًا ملحميًا بين قبيلتين ملكيتين، وتُعيد إنتاج مفاهيم الكارما والدارما ضمن رؤية كونية للواجب والقدر. بدأ تدوينها في القرن الرابع قبل الميلاد واستمر حتى الرابع الميلادي، لتغدو أوسع ملاحم الهند وأطولها، بأكثر من مئة ألف بيت شعري، موزعة على ثمانية عشر كتابًا. أما الرامايانا، المنسوبة إلى فالميكي، فتسرد رحلة الأمير راما لاستعادة زوجته سيتا من ملك الشياطين رافانا، وتعبر عن التجلي الإلهي في قالب سردي طقوسي، يستخدم حتى اليوم في المسرحيات والاحتفالات الدينية. هاتان الملحمتان، رغم طابعهما السردي، تعيدان تشكيل البنية الاجتماعية والروحية للهند، وتخلدان مفاهيم التضحية والبطولة في فضاء رمزي ارتقى إلى مرتبة المقدس. ولدى الرومان كتب فرجيل “الإنيادة”، الذي عاش بين 70 و19 قبل الميلاد، وهي واحدة من السرديات الكبرى التي صاغت الأساس الرمزي والخيالي لفكرة روما الأبدية، حتى غدت بمثابة نص مؤسس لهوية الرومان. دوّن فرجيل رحلة البطل الطروادي إينياس، وهو بطل أسطوري من بقايا طروادة المدمَّرة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريبًا، مصورًا مسيره من دمار الماضي إلى تأسيس لافينيوم[1] ثم روما بوصفه رمزًا لولادة أمة جديدة من رحم المأساة. جعل فرجيل من إينياس الجد الأسطوري للرومان، فكرس نسبًا متصلًا يربط الطرواديين باللاتينيين وينتهي إلى رومولوس مؤسس روما سنة 753 قبل الميلاد، بما يمنح المدينة قدرًا سماويًا وشرعية تاريخية. لم تكن الإنيادة مجرد قصيدة شعرية بل نصًا وظيفيًا ارتقى إلى مستوى السردية المقدسة، إذ رسخت قيم الوفاء للأسرة والآلهة والوطن في مواجهة الهياج والعنف، وقدمت للرومان وعيًا جماعيًا بأصولهم وقدرهم في التاريخ. كتبت الملحمة في ظل الإمبراطور أوغسطس، الذي حكم بين 27 قبل الميلاد و14 للميلاد، فجاءت أداة أيديولوجية لترسيخ شرعية الحكم الجديد بعد الحروب الأهلية، إذ ربطت بين إينياس والسلالة اليولية، وهي سلالة يوليوس قيصر الذي عاش بين 100 و44 قبل الميلاد واغتيل في روما، وأوغسطس، بوصفهم ورثة القدر الطروادي وحملة رسالة الآلهة. أعيد إنشادها وتدريسها في المدارس، وتحوّلت إلى كتاب هوية جمعية وتعليم يتلقاه الناشئة جيلًا بعد جيل، حتى ارتقت في وعي الرومان إلى مقام النص المقدس الذي يمنح أصلًا ومعنى ورسالة، ويمدهم بإحساس بأن روما ليست مجرد قوة عسكرية محلية، بل قدرًا كونيًا مرسومًا لها رسالة هيمنة سياسية وعسكرية وتمدينية على الشعوب الأخرى. وظيفة روما نقل القانون والنظام والثقافة الرومانية إلى هذه الشعوب الخاضعة لها، وهي لم تكن توسع عدواني، بل إرادة الآلهة، أي أن رسالة الإمبراطورية الرومانية ليست خيارًا سياسيًا بل مصيرًا مقدرًا. هكذا صارت الإنيادة سياسيًا هوياتيًا لترسيخ الإمبراطورية. الرومانية نصًا جامعًا يخلد الذاكرة ويحفظ اللغة ويؤسس لهوية راسخة.

الشاهنامه هي الملحمة الفارسية الكبرى التي أنشدها أبو القاسم الفردوسي بين عامي 977 و1010م، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل، تعد من أعظم القصائد الملحمية في الأدب العالمي. يقال إنها تتألف من ستين ألف بيت شعري بالفارسية القديمة، غير أن النسخ المتداولة، كالنسخة التي صححها جلال خالقي مطلق، تضم نحو 49,530 بيتًا، وتكشف مقارنات الخبراء المتخصصين أن أقدم المخطوطات الكاملة القريبة من تلك النسخة، مثل مخطوطة لندن المؤرخة بسنة 675هـ، تحتوي 49,618 بيتًا، وهذا يعني أن التقدير الشائع بأنها مؤلفة من نحو ستين ألف بيت لا تؤيده الأصول الموثوقة. تستند الشاهنامه إلى مصادر زرادشتية وتاريخية أبرزها: “خداي نامه”، الذي جمع الروايات الأسطورية للملوك الإيرانيين قبل الإسلام. جاءت هذه الملحمة بعد قرون من الفتح الإسلامي، في لحظة فارقة من التاريخ الإيراني، لتعيد تشكيل الوعي القومي، وتبعث اللغة الفارسية بوصفها لغة ثقافة وأدب وهوية مشتركة، وترمم الذاكرة الجمعية، عبر سرد بطولي يمتد من خلق العالم إلى الفتح الإسلامي، يعمل على إحياء كلمات الفارسية القديمة، قبل تشبع هذه اللغة بالمفردات العربية بعد الإسلام. سألت الدكتور حسين علي محفوظ[2]، الخبير في اللغة الفارسية، عن نسبة المفردات العربية في الفارسية الحديثة، فأجاب: “تبلغ في المعاجم نحو 60% تقريبًا”، ويقول المتخصصون في هذه اللغة: إن المفردات العربية في الاستعمال اليومي لا تتجاوز عادة 25 إلى 30%. في الشاهنامه حاول الفردوسي أن يعيد للفارسية معجمها القديم قبل تغلغل العربية فيها، فلم يستخدم من المفردات العربية سوى 800 إلى 1000 كلمة تقريبًا، ضمن نص شعري يناهز 60 ألف بيت. بغية حفظ المفردات الفارسية من الاندثار، مما جعل الشاهنامة رمزًا للمقاومة الثقافية وإحياء الهوية القومية. لذلك ارتقت هذه الملحمة إلى رتبة المقدس الرمزي، فصارت تقرأ بوصفها نصًا مؤسسًا للذات الإيرانية.

لدى اليابان الكوجيكي، الذي دوّن سنة 712م، ونيهون شوكي، الذي دوّن سنة 720م. وهما نصّان أسطوريان تاريخيان دوِّنا في فترة نارا لتأسيس سردية يابانية جامعة. جمع الكوجيكي، الذي دوّنه العالِم أونو نو ياسومارو (توفي 723م)، أساطير نشأة الكون بحسب الشنتو، وقصص ولادة الآلهة، ونزول الإلهة الشمسية آماتيراسو (إلهة أسطورية)، وربط نسب الأباطرة بها ليمنح العائلة الإمبراطورية قدسية. أما نيهون شوكي، فقد أشرف على تدوينه الأمير تونِري (676–735م)، فجاء أكثر تفصيلًا وتوثيقًا بالصينية الكلاسيكية، جامعًا بين الأسطورة والتاريخ، وموثقًا أصول اليابان وأحداثها السياسية المبكرة. وقد ارتقيا في الوجدان الياباني إلى مقام النصوص المقدسة، إذ لم يُعاملا ككتب تاريخية فقط، بل كنصوص طقسية تُقرأ في الشعائر الشنتوية، ويُستعاد مضمونها في الاحتفالات الإمبراطورية، وتُلقَّن للأجيال بوصفها رواية الأصل ومعنى الوجود الجماعي، وبذلك تحوّلا إلى ذاكرة مقدسة تحفظ هوية اليابان وتمنح الدولة والأباطرة هالة تتجاوز السياسة إلى المصير الأسطوري.

وفي إيطاليا كتب الكوميديا الإلهية دانتي أليغييري بين عامي 1308 -1321، وهي تعد من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ الأوروبي، إذ جسدت رحلة رمزية للروح من الجحيم إلى الفردوس، ورسمت خريطة كونية للمصير الأخروي في الوعي المسيحي الوسيط. تتألف الكوميديا الإلهية من ثلاثة أقسام: الجحيم، والمطهر، والفردوس، ويضم كل منها ثلاثًا وثلاثين نشيدًا، إضافة إلى نشيد افتتاحي، ليبلغ مجموعها مئة نشيد مكتوبة باللسان الفلورنسي، في الوزن الثلاثي المقفى المعروف بالتيرزا. في هذا العمل، يدمج دانتي اللاهوت المدرسي بعلم الفلك الأرسطي والخيال الشعري، ليقدم سردية كونية شاملة، تتداخل فيها: الفلسفة، والسياسة، والتاريخ، والشعر، وتعكس رؤية مسيحية للخلاص والعدالة والنعيم الأبدي. ارتقت الكوميديا الإلهية إلى رتبة المقدس الرمزي، فغدت نصًا مؤسسًا للهوية الروحية والثقافية للغرب اللاتيني، واستخدمت في التعليم والوعظ والتأمل، وظلت تستعاد بوصفها تأويلًا شعريًا للاهوت، وتجسيدًا سرديًا للعدالة الإلهية. لم يقتصر أثر الكوميديا الإلهية على الفكر الديني والأدبي، بل امتد إلى الفنون التشكيلية والموسيقى، فألهمت أعمال بيوتشيلي، ودوريه، وميكيل انجلو، ورودان، كما غذت موسيقى ليستش وتشايكوفسكي، لتغدو علامة كبرى على تلاحم الفن بالمقدس في المخيال الأوروبي.

في الصين برزت سرديتان كبريان صارتا جزءًا من ذاكرة الأمة ووجدانها الجمعي. الأولى: رومانسية الممالك الثلاث التي دوِّنت بين القرن الرابع عشر والقرن السادس عشر الميلادي، ونسبت إلى لوه قوان تشونغ “توفي نحو 1400م”، وهي ملحمة تاريخية سياسية تسرد وقائع انهيار أسرة هان وصراعات الممالك الثلاث “220–280م”، وتصور الصراع على السلطة، والدهاء السياسي، وقيم الولاء والبطولة، فصارت من أهم نصوص الهوية القومية الصينية ومصدرًا للأمثال والحِكم الشعبية. والثانية: رحلة إلى الغرب، فقد ظهرت في القرن السادس عشر الميلادي على يد وو تشنغ إن “1500–1582م تقريبًا”، وهي ملحمة روائية دينية رمزية تروي رحلة الراهب البوذي شوانزانغ إلى الهند في القرن السابع الميلادي. في ملحمة “رحلة إلى الغرب”، الشخصية الأبرز والأكثر شعبية هي سون ووكونغ، المعروف بـ “ملك القردة أو القرد الملك”. وقد مزجت هذه الملحمة بين البوذية والطاوية والميثولوجيا الشعبية، لتصبح من أبرز نصوص المخيال الصيني. ومعًا شكّلتا سرديتين كبريين: الأولى سياسية تاريخية تعلي من قيمة التخطيط والوفاء، والثانية دينية رمزية تعكس البحث عن التنوير الروحي، وكلاهما ارتقى إلى نص مقدس يختزن هوية الصين ويغذي خيالها الثقافي عبر القرون.

دون كيخوتي دي لا مانتشا، هي الرواية التي كتبها ميغيل دي ثيربانتس، ونشرت بجزئيها عامي 1605 و1615. هذا العمل يعد نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأدب الأوروبي، إذ دشن الميلاد الأول للرواية الحديثة، وأعاد قراءة البطولة والأسطورة بوعي ساخر يفكك يقين السرديات القديمة. في هذه الرواية، تتحول شخصية الفارس الحالم إلى مرآة للإنسان الذي يسعى نحو العدالة والخير، وسط عالم ساخر لا يعترف بالمثال، فتغدو رحلته نوعًا من الرحلة الداخلية، تتجاور فيه البطولة مع الجنون، والحلم مع الخيبة، والنية الطيبة مع النتائج المأساوية. وعلى الرغم من أن الرواية لا تنتمي إلى الأدب الديني، إلا أنها تلامس المقدس من جهة الرمز، إذ تجسد مفارقة الإنسان بين المثال والواقع، وتعيد تشكيل صورة الذات بوصفها كائنًا سرديًا، يبحث عن معنىً يتجاوز حدود التجربة اليومية. بهذا المعنى، ترتقي دون كيخوتي إلى رتبة المقدس الرمزي، وتضاهي في وظيفتها بعض النصوص الدينية، لأنها تمنح الإنسان تعريفًا متخيلًا عن ذاته، وتضفي على حياته معنىً يتجاوز الزمان والمكان.

الملاحم الكبرى لم تخلد لأنها نصوص أدبية مطولة فحسب، بل لأنها ارتقت إلى مكانة النصوص المؤسسة التي حفظت اللغة والدين والهوية والذاكرة معًا. فقد تحولت اللغة فيها إلى مستودع للمعاني والرموز، فغدت الإلياذة والأوديسة حافظتين للروح اليونانية، والمهابهاراتا والرامايانا معينًا للسنسكريتية، والشاهنامة حصنًا للسان الفارسي القديم بعد أن تهدده الزوال، والكوميديا الإلهية جسرًا أعاد للفلورنسية قوتها فكانت منبع الإيطالية الحديثة، ودون كيخوتي نصًا جامعًا وحارسًا للإسبانية. في هذه النصوص يظهر كيف تحرس الملحمة الدين وتعيد إنتاج المقدس في صور بلاغية ورمزية، فالبهاغافاد غيتا في قلب المهابهاراتا نص ديني حيّ، والكوميديا الإلهية رسمت الجغرافيا الأخروية في اللاهوت المسيحي، وملحمة جلجامش حملت السؤال الأول عن الموت والخلود، بما هو سؤال أنطولوجي مهّد الطريق للوعي الديني.

لم نقرأ في اللغة العربية نصوصًا أدبية مدونة طويلة تتناول الحكايات والأساطير، قبل ظهور الإسلام أو بعده، يمكن أن ينطبق عليها وصف “السرديات الكبرى”. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من أبرزها: غياب الإمبراطورية أو الدولة المركزية في الجزيرة العربية، وتنوع القبائل وحياتها البدوية في الصحراء، والتنافس القبلي الذي يقوم على التفاخر والارتجال، لا على البناء التراكمي للنصوص؛ فكل شاعر أو راوٍ كان يسعى لتمييز نفسه وقبيلته، لا لبناء سردية مشتركة، مما أعاق نشوء سرديات طويلة ذات طابع جماعي تأسيسي. يضاف إلى ذلك قلة المدن وضعف الحياة المدينية في الجزيرة العربية، وسيادة الشفاهية، مما حال دون تراكم سردي موسع قبل الإسلام يمكن تدوينه لاحقًا، بسبب شح التدوين أو ندرته. لذلك كانت الذاكرة مستودعا يستوعب الشعر والقصص والأساطير، دون أن يتحول ذلك إلى سرد طويل مدون يحمل وظيفة تأسيسية مرجعية. وقد أدت هذه العوامل إلى عدم تشكل هوية جامعة تعبر عن أحلام قومية تلتقي حولها تطلعات أمة واحدة، تصاغ فيها رؤيتها للعالم، وتتخذ مرجعية معرفية وثقافية محورية.

هذا ما كان عليه العرب قبل ظهور الإسلام، أما بعد نزول القرآن الكريم فأصبح هذا الكتاب هو المرجعية، لا فقط مرجعية دينية، بل معرفية وثقافية وجمالية، وأضحى هو المعيار المركزي لمشروعية ما ينتجه التفكير والمتخيل، والثقافة والآداب، وللذائقة الفنية والجمالية، فغدا نصًا مؤسسًا للوعي، ومنبعًا لإعادة تشكيل اللغة والخيال والرؤية للعالم. حتى اللغة خضعت لهذا المعيار في تدوين معجمها، وصياغة أساليبها البيانية، بحيث جرى تجاهل لهجات القبائل العربية المتنوعة، واعتمدت لهجة وحيدة، وفي سياقها تم بناء قواعد الكلام والكتابة فيها. في فضاء هذا الواقع لم تجترح المخيلة الملاحم المليئة بالقصص الأسطورية سواء أكانت شعرية أو نثرية، لأن “أساطير الأولين” وردت في سياق الذم في آيات عديدة. وأمسى الشعر، الذي كان “ديوان العرب”، خاضعًا لمرجعية القرآن، فلم يعد الشعراء يقولون ما تجترحه مخيلتهم بلا معايير محددة.

تشكلت في الثقافة العربية بعض القصص، مثل قصة عنترة التي تعود جذورها إلى ما قبل الإسلام، وامتزج فيها التاريخ بالأسطورة، وتحولت لاحقًا إلى سيرة شعبية مدونة. ومن القصص التي ظهرت بعد الإسلام، سيرة بني هلال، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذي يزن، وهي نصوص سردية، جمعت بين البطولة الشعبية والخيال الرمزي، وتناقلتها الأجيال شفاهة قبل أن تدون في مراحل متأخرة. وكانت أوسع هذه السرديات وأكثرها تنوعًا: “ألف ليلة وليلة”، التي جاءت بوصفها نتاجًا لتراكم سردي ممتد، تم تدوينه عبر قرون، من دون أن نعرف بشكل دقيق من ألّفها أو جمعها أو صاغ بنيتها النهائية. ورغم غناها الرمزي وتعدد مصادرها الثقافية، فإن هذه النصوص لم ترتق إلى مستوى السرديات الأدبية الكبرى التي شكّلت مرجعيات في حضارات أخرى، ولم تحتل المكانة المماثلة لها في الوعي الجمعي العربي، بل ظلت في إطار الحكاية الشعبية، ولم تعامل كنصوص تأسيسية للهوية أو الوعي الجمعي، ولم تدمج في مشروع أدبي أو معرفي يعيد تعريق الذات والهوية والرؤية للعالم، كما فعلت الملاحم الكبرى في الثقافات والحضارات: الرافدينية، واليونانية، والهندية، والفارسية، والأوروبية، التي ارتقت إلى رتبة المقدس الرمزي، وحفظت اللغة والدين والذاكرة والهوية معًا.

[1] لافينيوم مدينة قديمة في لاتيوم بإيطاليا ، على الساحل الجنوبي من روما، تبعد 30 كيلومترًا جنوب روما ، وتعد المركز الديني للشعوب اللاتينية المبكرة.

[2] حسين علي محفوظ (1926–2009) عُرف في الأوساط الأكاديمية العراقية والعربية بوصفه واحدًا من أكبر الخبراء في اللغة الفارسية وآدابها. نال الدكتوراه في الأدب الفارسي من جامعة طهران سنة 1955، وكان أول عراقي يحصل على هذه الدرجة من طهران.

كتاب دروب المعنى

كتاب دروب المعنى[1]

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أكتب هذا الكتاب كتابة متواصلة، ولم أخطط لإصدار كتاب بهذا العنوان.كنت، كلما ولدت في ذهني فكرة، أو ألهمتني مطالعاتي، أو حاولت تقديم تفسير لظاهرة معينة، أدوّن رأيي في دفتر خاص، وبعد شيوع الهاتف الذكي، اتخذته وسيلة لتدوين هذه الأفكار. قبل استعمالي لهذا النوع من الهواتف، كانت بعض الأفكار تولد قبيل النوم، وأنا في الفراش، فأعمل لها صياغة لغوية في الذهن، وأقرر تدوينها صباحًا، غير أن ذهني يخذلني، وأنا أبحث بلا جدوى عنها، وعن أية ومضة لكلمة ترشدني إليها، مما دعاني إلى المبادرة بتدوينها قبيل النوم، وإن كنت أحيانًا، لفرط الإرهاق، لا أجد في نفسي القدرة على النهوض من الفراش والكتابة في الهاتف. هربت من ذهني أفكار وتفسيرات لظواهر، أظن كان تسجيلها مفيدًا لي وللقراء، لو تم تدوينها لحظة انبثاقها كضوء قبل أن ينطفئ. حاولت بعد عدة سنوات تنظيم ملفات لكل مجموعة، وبعد مضي عشرين عامًا تراكم لدي ما يقرب من مئة وخمسين ملفًا، يتسع كل ملف إلى مئة فقرة أو أكثر. كنت أعود إليها أحيانًا حين أتذكر، وأنا أكتب، أنني تناولت هذه القضية وكتبت عنها بإيجاز يومًا ما، عساني أقرأ ما يمكنني من العثور على مفاتيح تهديني إلى الحديث عنها. وكلما رجعت إلى هذه النصوص، رأيت فيها ما هو جدير بالنشر.

بعد تنقيح هذه النصوص وتصفيتها وغربلتها، اخترت منها مجموعة ضمها هذا الكتاب، واستشرت في نشرها بعض القراء ممن أثق بذكائهم ومواهبهم، فاتفق كل مَن اطلع عليها على ضرورة نشرها، بل حثني بعضهم على إصدارها، لأنهم رأوا أنها ستكون مقروءة أكثر من مؤلفاتي الأخرى، لكونها تتناغم مع إيقاع القراءة في عصر يكاد كثير من القراء يغادرون فيه الكتب الكبيرة، ويبحثون عن شذرات ونصوص وفقرات صغيرة، تقدم فكرة ذات صلة مباشرة بحياة الإنسان.كان بعض القراء، ممن لا أعرفهم، يستحثني على الاختزال والتكثيف في الكتابة، وتقليل عدد كلمات المقالة، حين يطالعون مقالاتي الأسبوعية التي أنشرها منذ سنوات في الصحف والمجلات. أدركت أننا نعيش مع قراء مختلفين في العصر الرقمي، الذي يفرض علينا إيقاعه المتعجل، ويلزمنا أن نواكبه بما نمتلك من طاقة واستعداد، لئلا يسحقنا قطاره إن تباطأنا أو توانينا عنه. القراء من الجيل الجديد أشد استعدادًا منا للتناغم مع إيقاع سرعة قطار الذكاء الاصطناعي المذهلة. حفزني ذلك على مراجعة هذه النصوص، وعندما طالعتها بمجموعها، قلت: لمَ لا أعمل منها كتابًا يعكس خلاصة رؤيتي للإنسان والدين والعالَم، ويتعرف فيه القارئ على دعوتي لتجديد الفكر الديني، ويقدم أفكاري في نصوص صغيرة لا تتجاوز بضع كلمات، وتكون مقالاتي فيه بمثابة “مقالة في فقرة”، مقالة تستوفي ما أريد قوله بكلمات قليلة، تحاول التخلص من فائض الألفاظ، وتبتعد ما أمكن عن المحسنات البلاغية، والتفاصيل والجزئيات، لتعرض للقارئ رأيي ورؤيتي بصورة مكثفة. وأخيرًا، اقتنعت بضرورة نشر هذا الكتاب، لمن يبحث عن خارطة طريق واضحة، تدله على المفاهيم المحورية في تفكيري الفلسفي والديني، وفهمي للإنسان والحب والدين والحياة.

كما استحثتني أكثر الطلبات التي تصلني على الدوام من طالبات وطلاب دراسات عليا يكتبون عن أعمالي، تدعوني لإنارة مصابيح تضيء لهم طريق البحث، وهم في أول دروب اكتشاف رؤيتي، والأفكار المحورية في أعمالي. خاصة أن رؤيتي وأفكاري مبثوثة في هذه النصوص، بتعبيرات وتنويعات كثيرة. حين ينشد أحد التعرف على فهمي للفلسفة وضرورة حضورها اليوم، وكيف أن الحاجة المعرفية لها تتجدد وتتعمق وتتضاعف بازدياد الأسئلة الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي، تلك الأسئلة التي عجز العلم عن الجواب عنها، كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب عنها، هذا الذكاء لا يتوقف عند تعميقها فقط، بل يجعلها تتوالد ولادات متواصلة لإنتاج أسئلة أعقد وأعمق منها، تواجه العقل والدين والقيم، ولم يطرحها العقل والعلم والمعرفة البشرية من قبل. وحين ينشد أحد التعرف على تفسيري لحاجة الإنسان إلى الحب والدين، بوصفهما من أغزر منابع المعنى لحياة الإنسان، في زمان تبددت فيه معاني الحياة، وخسر الإنسان بفقدانها السكينة والطمأنينة والأمان، وأصبح يعيش في عالم تتكدس فيه الأشياء المادية، وتتلاشى فيه معاني الحياة.

لا يلتقي القارئ في هذا الكتاب برؤى وتفسيرات غريبة عمّا ورد في مؤلفاتي، أو رؤى تتنكر لما كتبته في سلسلة مؤلفاتي عن الإنسان والحب والدين والفلسفة، وإنما يقرأ أفكاري ذاتها، بلغتي وكلماتي ذاتها، وما أضيفه هنا هو شروح ومزيد من التوضيحات لتلك الأفكار. لا حاجة للقول إني مدين لكل كتاب أحدث انعطافة في طريقة تفكيري، ودعاني للعودة إلى المفاهيم الأساسية في ذهني، وتفحصها وغربلتها وتمحيصها من جديد، واختبار عقلانيتها، وقدرتها على الصمود عند النقد العقلاني الصارم. وهذا ما يدعوني لأن أعترف بأني تلميذ لكل معلم كبير من الكتّاب الذين قرأت لهم. فقد أنفقت حياتي في القراءة، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب. حاولت أن أقرأ الكل، وأنسى الكل، كي أنتج قراءتي الخاصة للإنسان والحب والدين والعالم.

مكثت مدة أفتش عن عنوان يتناسب ومحتوى هذا الكتاب، بوصفه يتسع لسيرة كاتب، وتطور فهمه لحياته وقراءته وكتابته، وكيفية تشكّل فهمه وتفسيره للإنسان، وطبيعته المتضادة في ذاتها، واغترابه الميتافيزيقي، وظمئه الأنطولوجي، واحتياجاته العميقة للمعنى، إثر هذا الاغتراب والظمأ، مما يفرض ضرورة حضور العقل والحب والدين في حياته، ليحدث توازن بين العقل والروح والقلب، ويظل العقل مرجعية نهائية في الحكم نفيًا وإثباتًا. لم يولد العنوان إلا بعد انتخاب مجموعة عناوين، واستبعاد أخرى، والتردد، وانتقاء أحدها لأشهر، والانصراف عنه لاحقًا، واختيار غيره، وهكذا. أخيرًا، في يوم الإخراج النهائي للكتاب لدى الناشر، وقع اختياري على عنوان: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”. عنوان “دروب المعنى” يعرّف حياتي بأنها رحلة للبحث عن المعنى، والسعي للكشف عن منابع إنتاجه في الفلسفة والدين والحب. وبما أنه العنوان الأساسي للكتاب، فهو يستوعب أكثر مضامين النصوص الواردة فيه.

في عنوان هذا الكتاب فضلت استعمال مصطلح “الدروب” وفقًا لمارتن هايدغر، بدلاً من “الطرق”. في الدروب، يسير الإنسان بلا خارطة مسبقة، تتكشف له الخارطة تدريجيًا وهو يسير، وكأنه يسير في غابة بحثًا عن معنى وجوده وحياته، بخلاف الطرق التي تكون فيها الخارطة واضحة قبل السير.

يرى القارئ أن هذه النصوص تتحدث عن أسئلتي وتأملاتي واعترافاتي، وشيء من إجاباتي المقترحة عن الأسئلة، فقد كنت وما زلت أبحث في الفلسفة والدين والحب عن المعنى لوجودي كإنسان، والمعنى لوجود العالم الذي أعيش فيه، ولوجود كل شيء فيه. ويلاحظ القارئ الذي يواكب صدور مؤلفاتي هذا الخيط الناظم لما انشغل فيه عقلي من أسئلة وتفسيرات ورؤى واقتراحات لأجوبة عن أسئلة المعنى المتنوعة والمتوالدة. عنوان “دروب المعنى” يعكس ما ورد من نصوص ترسم خارطة لطريقة تفكيري الفلسفي، وكيفية تذوقي للحب، وحضوره في قلبي بوصفه أعذب معاني الحياة، وكيف صيّرني الحب مستثمرًا أبديًا فيه، بعد أن تذوقت فيه ما لم أتذوقه في سواه. من صنائع الحب في حياتي أنه أسهم بفعالية عالية في خلاصي من ارتداد الآثار الموجعة للشر الأخلاقي على حياتي، وأسهم في تهذيب أخلاقي، وتطهير سلوكي، وجعل كل إنسان في مأمن مني، مهما كان مشاكسًا، أو مختلفًا عني في آرائه ومعتقده ومواقفه وسلوكه. ومن صنائع الحب ظهور أثره في حمايتي من شرور الإنسان، وخفض أثر النزعات العدوانية له في العبث بأمني الشخصي. وصار الحب مرآة يتجلى فيها الإيمان بالله في حياتي، بما هو منبع لسكينة الروح وطمأنينة القلب، عساني أستطيع أن أصيّر حب الله دينًا، ودين الله حبًا.

وردت نصوص هذا الكتاب متنوعة، ولم تنتظم في مجموعات تترتب موضوعيًا. أظن أن هذا النوع من الكتابة الحرة يعكس رؤية جمالية في تنوع الموضوعات، بكيفية تتيح لمن يقرأ هذا الكتاب أن يقرأ أية صفحة في نهايته، أو وسطه، أو بدايته، فيتلذذ فيها بمتعة القراءة، ولا يعاني من الرتابة والملل،كما يحدث عادة في الأعمال المنتظمة منطقيًا، والمكتوبة بلغة جافة.كنت أنشد من عدم تسلسل نصوص الكتاب وانتظامها موضوعيًا أن يشعر القارئ أيضًا بتفاعل وحيوية في التنقل من نص في الحب مثلًا، إلى نص في الفلسفة، إلى نص في الدين، إلى نص يتناول موضوعًا آخر، وكأن القارئ سائح في مدينة تتنوع الأنماط المعمارية لمبانيها، أو حديقة تتنوع أشكال وألوان وعطور أزهارها. ومن أجل تيسير البحث في الكتاب، بادر الأخ عبد العاطي طلبة، مشكورًا، بوضع كشاف للموضوعات في خاتمة الكتاب، يشير إلى الأرقام المتسلسلة الواردة فيها موضوعات النصوص، حسب موقعها في الكتاب.

[1] مقدمة كتاب: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، لعبد الجبار الرفاعي، يصدر الكتاب في جزئين قريبا عن: دار خطوط وظلال في عمّان – الأردن.

 

https://alsabaah.iq/118623-.html

في الفلسفة كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده

في الفلسفة كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده[1]

     د. عبد الجبار الرفاعي

الدهشة بصيرة الفلاسفة، يندهش الفيلسوفُ بالأشياء التي تحسّها هامشيةً وبسيطة وعابرة، ليغوص فيها ولا يخرج منها إلا بأسئلةٍ مجهولة وإجابات ذكية. تنبعث الفلسفةُ لحظةَ إيقاظ العقل وانبعاثِ الأسئلةِ العميقة في الوعي. ‏الإنسان الذي يندهش، وينقد، ويتأمل، ويتساءل أسئلةً كبرى، لديه استعداد لأن يكون فيلسوفًا. لا معنى للفلسفة من دون الأسئلة الكبرى والنقد العميق، الفيلسوف يمارس النقد العقلي بلا قيود وحدود، تتوالد أسئلتُه في سياق النقد،كما يتوالد نقدُه في سياق أسئلته. يلبث الفيلسوفُ يفكّر في جواب لا ينتهي إليه إلا بعد تأمل، وتمحيص، ونقض الإجابات المتهافتة المختلفة. النقد بوابةُ الدخول للتفكير الفلسفي، نشر فيلسوفُ الأنوار كانط أعمالَه الأساسية، وهو يصدّرها بكلمة نقد: “نقد العقل الخالص” 1781، و”نقد العقل العملي” 1788، و”نقد ملكة الحكم” 1790 ، على التوالي، وخلص من هذه الأسفار العقلية الصبورة إلى نشر كتابه الثمين: “الدين في حدود العقل” 1793.

الفلسفةُ إيقاظٌ متواصل للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والخرافات، والأوهام، والسلطات بأنماطها المتنوعة. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والبداهات غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.

كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى تصنيفَ وتوصيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.

عمليةُ التفكير وظيفةُ العقل، العقلُ لا غير هو الحاكمُ على صوابِ أو خطأ نتائجِ أيِّ تفكير. لا العلم ولا اللاهوت ولا الأدب ولا الفن يضع حدودًا للعقل، لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقل، إن كانت للعقل حدود. أيةُ محاولةِ نفي للفلسفة تتضمن التدليلَ على حضورِ الفلسفة في النفي مثلما تحضر في الإثبات. نفيُ الفلسفة ضربٌ من التفلسف، حتى الغزالي الذي حاول في “تهافت الفلاسفة” نفيَ الفلسفة أخفق،كما اعترف تلميذه أبو بكر ابن العربي بقوله: “شيخنا أبو حامد بلع الفلسفة، وأراد أن يتقيأها فما استطاع”. الفلسفةُ لا تموت ولن تموت مادام هناك إنسانٌ يتساءل الأسئلةَ الكبرى حول المبدأ والغاية والمصير، ولا يجد جوابًا نهائيًا لها.

الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. ‏هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام. تنحسر مرجعيةُ العقل في مجتمعاتٍ غير متعلمة تتفشى فيها العبوديةُ الطوعية، واستعبادُ الوعي، والانقيادُ الأعمى، وتخديرُ الضمير الأخلاقي. العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعود سوءُ الفهم بين الفلاسفة وطرائق فهمهم إلى تأثير الذات والعاطفة والروح في تفسيرات العقل وأحكامه، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتمادِ العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفتَه، ويكتشف مصادرَ معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.

العقلُ الفلسفي هو الذي أولدَ العقلَ الحديث، تَوالدَ هذا العقلُ وتشكّل في فلسفة فرنسيس بيكون وديكارت وكانط وغيرهم من الفلاسفة، فكان العقلُ الفلسفي الحديث باعثًا أساسيًّا على وضع التاريخ البشري في مسارٍ جديد، غادر فيه حالتَه الرتيبة التكرارية الطويلة، بعد أن لبثت البشريةُ آلاف السنين لم تحقّق المكاسبَ العلمية من الاكتشافات والاختراعات والتكنولوجيات المنجزَة في القرون الثلاثة الأخيرة، وتحول عبرها الإنسانُ من الآلات اليدوية إلى المحرِّكات الحديثة، ومن وسائل النقل البدائية إلى القطار والسيارة والطائرة ووسائل النقل المتطورة. وهكذا تواصلت هذه المكاسبُ بقفزات على شكل منعطفات، إلى أن وصلنا إلى هندسة الجينات، وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.

كانت الفلسفةُ وستبقى تتفاعل مع النظريات العلمية والاكتشافات، تؤثر وتتأثر بها، تستجيبُ لما يستجدّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء والأحياء وغيرهما من العلوم. لعلم الفلك الحديث، الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده، وهكذا تأثر هذا التفكيرُ بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، والنظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955)، وقبل ذلك تأثر بنظرية التطور لتشارلز داروين (1809 – 1882).

الفلسفة لا تنتهي ولن تتوقفَ مادام الإنسانُ يندهش، ويفكّر، ويتساءل، ويشكّك، ‏ ويناقش، ويتحاور، ويختلف. لا تمثل الفلسفةُ مرحلةً من مراحل تطور الوعي، الفلسفةُ تواكبُ الوعيَ ولا تتخلّف عنه، حتى لو سادَ العلمُ الحياةَ. العلمُ يطرح على الفلسفة أسئلتَه ومشكلاتِه العويصة، وما يعجزُ عن اكتشافِ طرق الخلاص منه في فضاء المادة والمحسوس والتجربة، الفلسفةُ لا سواها مَنْ يجيب عن ذلك. لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة، ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلات، ومشاكلَ معقدة، وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية ومعرفية، سواء أكانت هذه المشكلات والأزمات فرديةً أم مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغني عن الفلسفة، مهما بلغ تقدُّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه. حين يفكر الفيلسوفُ يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطحَ الأشياء والظواهر، يحاول أن يفسّر حقيقةَ العلم وماهيته، ويقدم إجابات لمشكلات العلم وأسئلته العميقة خارجَ حدوده. الفيزياء والكيمياء والعلوم المختلفة تنشغل باكتشافِ قوانين الطبيعة ومعادلاتِها، ولا تعرف حقيقةَ ذاتها، ولا تعرف حقيقةَ العلم وماهيته. الفيلسوف يحاول أن يفسّر حقيقةَ الوجود والظواهر والأشياء والعلوم وماهيتَها، مما هو خارج حدود العلم.

إيقاعُ التقدّم المتسارع للذكاء الاصطناعي والروبوتات، والتكنولوجيات المتعدّدة التي تتحدث لغةَ الذكاء الاصطناعي وبرمجياته، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، يخلقُ طورًا وجوديًّا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء في المحيط الذي يعيش فيه، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدّمُ المتسارِع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقداتِ، والثقافاتِ، والاقتصاداتِ، والنظمَ السياسية، والسياساتِ المحلية والإقليمية، والعلاقاتِ الدولية، والعلاقاتِ الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخّم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى، وأزماتُ العقل والروح والعاطفة ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

التشديدُ على العلم، واختزالُ العقل والمعقولات والتفكير بحدوده، يشاكس العقلَ الفلسفي، وينتهي إلى افتقار العلم إلى إجاباتٍ لأسئلته الحائرة ومشكلاته العويصة، وكلِّ ما لا يجد له حلًّا في فضائه وسياقاته وحدوده. تختنق المعرفةُ حين توضع في الفضاء الذي يخضع لحدود العلم الطبيعي ومجاله الحسّي خاصة، وحين تعتمد مقاييسَه وأدواته التجريبية ووسائله ومنطقه ولغته وأحكامه. تلك هي أدلجة العلم عندما يتحول العلمُ إلى “أيديولوجيا علموية” تعطّل العقلَ الفلسفي. حدود العلم الطبيعي وحقله يتمثلان في كلّ شيء في الطبيعة والكون المادي، الفلسفة لا حدودَ لها، بوصفها فعلَ تفكير عقلي يتجاوز الظواهر للبحث في حقيقة العلم وماهية المعارف والموجودات.

الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‏‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالدها المتواصل من الإجابات.

من مظاهر افتقار الفلسفة لمعناها البدايةُ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية، بغيةَ ترسيخ اليقين بمسلمات لاهوتية. الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي خارج اللاهوت، لغةُ الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةُ حدوده. لا تلتهم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغةَ ومفاهيمَ اللاهوت والمتخيَّل والمثيولوجيا واللامعقول. العقلُ معيارٌ وسلطةٌ على كلِّ ضربٍ من أنشطةِ الذهن مهما كان. واحدةٌ من مشكلاتِ التفكير الديني التفكيرُ بالفلسفة ضدّ الفلسفة، والتحدث والكتابة بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة إلا أنها ضدّ الفلسفة. يجري توظيفُ التصوف واللاهوت في الفلسفة، والتفكيرُ في فلسفة الدين بعقلٍ كلاميّ من شأنه أن ينقض كونها فلسفة،كما نقرأ لدى مَن يفكرون في التعدّدية الدينية بعقل متكلم، أو فقيه. يتسيّد تفكيرٌ لاهوتي بالعربية يكتب الفلسفةَ برؤية علم الكلام للعالم ومقولاته، وذوقٌ صوفي يكتب الفلسفةَ بمرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعة جماعة من المفكرين الذين نحتوا لهم أسماء كبيرة، أُغرم بهم شبابٌ عرب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتاباتُ هؤلاء المفكرين مواقعَ متقدّمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون في الفلسفة بعقلٍ كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصدرون مقولات كلامية وفتاوى فقهية لا صلة لها ‏بالتفكير الفلسفي، وإن تدثرت بلغة الفلاسفة. هذه المحاولات المتنوعة تسعى لخلع غطاء ديني على الفلسفة وتعمل على أسلمتها. أسلمة الفلسفة ضربٌ من التفلسف ضد الفلسفة، وإن كان مَن يدعو لذلك عبقريًّا. وهذا ليس غريبًا، فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا فذًّا في مجالٍ يقظٍ من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في مجالٍ نائمٍ من عقله. يتراجعُ العقل وينزاح بالتدريج أحيانًا، بعد أن تتسعَ المساحة النائمة للعقل فتعطّل ما هو يقظ. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. هذا هو السرّ الذي يجعل هؤلاء يبدؤون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة[2].

على الرغم من أن الفلسفةَ تستعمل العقل خارجَ الوصايات، إلا أن العقلَ وقع تحت وصاية علم الكلام، حين أجهضت المقولاتُ المغلقة لبعض المتكلمين العقلَ الفلسفي في الإسلام. وتسيّد عمليةَ التفكير بكلِّ شيء هاجسُ الحرام، فصار سؤال المسلم عن كلّ صغيرة وكبيرة في كلِّ شؤون حياته، حتى في نوع العلوم والمعارف والثقافة، وفي أيّ شأن كان، عن كونه حرامًا أو ليس بحرام، وانتهى هذا المسار إلى تحريم الفلسفة. صدرت فتاوى من مختلف فقهاء المذاهب بتحريم تعاطي الفلسفة، أشهرها فتوى ابن الصلاح الشهرزوري (577 – 643 هـ/ 1181م – 1245م) التي جاء فيها: “الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرتُه عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليمًا وتعلمًا قارنه الخذلانُ والحرمانُ، واستحوذ عليه الشيطان… وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخلُ الشرِّ شرٌّ، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر مَن يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية”[3]. عندما وقع العقلُ تحت وصاية فتاوى الشهرزوري وأمثاله، انغلق على نفسه، واستنزف التفكيرَ الديني في الإسلام التكرارُ والاجترار المملُّ، ونامت الأسئلةُ الكبرى، واضمحل حضورُ العقل النقدي الخلّاق.

يصعب جدًّا فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية،كلُّ محاولةٍ للفهم تفكر في إطارٍ معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الحديثة تفضي إلى نتائجَ تفرضها مقدماتٌ تصورية وبراهين وأشكال قياسات المنطق الأرسطي. وهو ما سقطتْ فيه محاولاتُ جماعة من المهتمين بهذه الفلسفة في معاهد التعليم الديني وغيرها من مؤسّسات التعليم التقليدي والحديث، ممن أتقنوا المنطقَ الأرسطي وتشبّع ذهنُهم بمقدّماته التصورية وبراهينِه وأشكالِ قياساته، وتمرّسوا في استعمالِ أدواتِه في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. هناك خبراءُ ممن يمتلكون تكوينًا أكاديميًّا جادًّا في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفةٌ جيدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، يتسيّدون المشهدَ الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيون متديِّنون، غير أنهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءاتٍ موهِمةً ومضلّلة للفلسفة الحديثة، تُلوّنها بألوان مشوّهة، وتُقَوِّلها ما لا تقول، القارئُ الخبير يدرك أنهم يتفلسفون ضدَّ الفلسفة.

الفلسفةُ تتطلب مَن يمتلكُ موهبةَ التفلسف، التفلسفُ وعيٌ عقلي تأملي عميق، لا يجيده كلُّ عقل، يحتاج التفلسفُ عقلًا ذكيًّا فطنًا مندهشًا متسائلًا. الموهبةُ لا تكفي وحدَها، يتطلب التفلسفُ إنفاقَ سنوات طويلة في التعلُّمِ، وترويضِ الذهن وتدريبه على التفكير الصبور، والشكِّ، ومساءلةِ المسلّمات وغربلتها، وتمحيصِ ما تَسَالم الناسُ على أنه من البداهات،كما يحتاج كلُّ علم ومعرفة وفنّ إلى التعلّم، والتفكير، والمران المتواصل. مَنْ يريد تعلّمَ التفلسف عليه أن يصغي لأحد المعلّمين الماهرين للفلسفة.

تعليم الفلسفة تعليم التفكير الفلسفي، لا يتفلسفُ الإنسانُ بتعلم تاريخ الفلسفة. التفلسف يتطلب التعرفَ إلى مفاهيم وآراء الفلاسفة الكبار في العصور المتوالية، بغضّ النظر عن اتجاهاتهم، ومواطنهم، ومسائلتها، والحوار معها. تراكم المعلومات وتكديس الإجابات لا يوقظ بالضرورة العقل، غير أن سؤالًا عميقًا واحدًا يمكن أن يوقظه، إن كان العقلُ نابهًا. تدريب التلميذ على النقد والتساؤل ضروري لبناء مَلَكة النقد والتفكير الإبداعي. تَعلُّمُ التلميذِ التفلسفَ هو تعلُّمُ التساؤل والتفكير النقدي، وليس استِظهار النصوص، والمزيد من حفظ آراء الفلاسفة وتكرار أسمائهم. طريقة تعليم التفلسف تعني تدريبَ الذهن على التأمل العميق والتريث في التفكير، والتوقفَ عن إصدار الأحكام المتعجّلة قبل الفهم والتفسير والتحليل والتمحيص، والنظرَ للفلسفة بوصفها إيقاظًا للعقل بالتساؤل والنقد، وغربلةً للوثوقيات والجزميات.

العقلُ الفلسفي ينبغي أن تكون آفاقُه رحبة، يفكّر خارجَ المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة. الأُطر المقيِّدة للتفكير العقلي الحرّ تمارس تَمْويهًا بعنوانات مراوغة عبر الأدب والفن والدين، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقداتُ والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامَها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. العقلُ الفلسفي قلَّما يتوطن في بيئة الثقافة الشعرية، الفلسفة تعكس أعمقَ تجليات العقل البرهاني، الشعر يتوالد ويزدهر في فضاء المخيّلة، ويعاند العقلَ البرهاني. إن كانت البيئةُ فلسفيةً بالأصل، كما في ألمانيا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، تصبح بيئةً خصبة لظهور شعراء يبدعون شعرًا مشبعًا برؤيا فلسفية، على غرار هولدرلين (1770 – 1843) في ألمانيا. وإن كانت بيئةُ الثقافة شعريةً بالأصل فنادرًا ما نرى فيها ولادةَ فيلسوف، كما في تمركز الثقافة العربية على الشعر قبل الإسلام. الإنتاج الثقافي للبيئة يشبهها، في البيئة الفقيرة عقليًّا تسود ثقافةٌ تخيّلية، في البيئة الخصبة عقليًّا، تزدهر المعرفةُ المركبة العميقة. بعد عصر البعثة توالد التساؤل والنقد والتفلسف في التفكير الديني لدى المسلمين في سياق تأويلهم لآيات القرآن الكريم الاعتقادية، وما ولد في آفاقها من أسئلةٍ حول القضاء والقدر، وغير ذلك من المعتقدات. إثر ذلك ظهرت المدارس الكلامية المعروفة في القرون الأولى، وظهرت الفلسفة، فكان الكندي (185 هـ/805 – 256 هـ/873)، والفارابي (260 هـ/874 – 339 هـ/950)، وابن سينا (370 هـ /980 – 427 هـ /1037)، وغيرهم من الفلاسفة في الإسلام.

‏‏ ما ينقل الذهنَ للتفكير الحرّ خارجَ الأسوار المغلقة هي الكتابةُ الفلسفية التي تدعو للتفكير ضدّ المألوف والسائد بلا دليل. لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفية بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ مكرّرة، قيمة هذه الكتابة بقدرتها على تحريض العقل على توليد أسئلةٍ عميقة، يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والتفكير غير المتعجِّل. لم تشهد المكتبةُ الفلسفية العربية غزارةً في الإصدارات كما يحدثُ في السنوات الأخيرة نتيجةَ تعدّدِ المؤسسات الراعية للترجمة، والمبادراتِ الفردية والجماعية في التأليف، واتساعِ التعليم العالي وكثافةِ وتنوع رسائل الماجستير والدكتوراه في الدراسات العليا للفلسفة، والنشرِ الورقي والإلكتروني.

غزارةُ المطبوعات الفلسفية وتنوّعُها بقدر ما يثري المكتبةَ الفلسفية كميًّا، إلا أنه قلّما يكشف عن عمق التفكير الفلسفي والخروجِ من تكرار الشروح، وشروح الشروح، والتعليقات الانطباعية، وأحيانًا العبثية، على أقوال الفلاسفة. لا يدلّنا رواجُ سوق كتابٍ على فرادته وقوة مضمونه، ولا تعني غزارةُ الكتابة وكثافةُ الإصدارات القدرةَ على التأملِ والتفكيرِ المتمهل، وامتلاكِ البصيرة الثاقبة. أعرفُ مَنْ يتحدث ويكتب بغزارة في الفلسفة من دون أن يدرسَ أو يقرأ أيَّ نصٍّ فلسفي، وكأن الكتابةَ والحديثَ في الفلسفة أمست مهنةَ مَنْ لا مهنةَ له. يتفلسف بعضُ هواة الفلسفة بحفظ النصوص، وهو لا يدري أن الحفظَ شيءٌ والتساؤلَ والتفكير النقدي والإبداع شيءُ آخر. الكتابةُ والحديث في الفلسفة يمارسها مثل هؤلاء من دون أيّ تأهيل أكاديمي، ولا قراءات معمّقة لتراثنا الفلسفي والفلسفة الحديثة. لستُ ضدّ تبسيط الفلسفة وتيسيرها للقراء، غير أن لغةَ الكتابة يفرضها نوعُ مفاهيمها، وغايةُ تفهيمها. تبسيطُ المعارف والعلوم الذي يتولاه خبراء في كلِّ حقل ضرورةٌ لفهمها وتنمية الوعي المجتمعي. ‏التدريس مثلًا ضربٌ من التبسيط، إشاعةُ المعرفة تتطلب تبسيطًا يتولاه المتخصِّصُ في كلِّ حقل معرفي، تبسيطُ غير المتخصِّص لأيّ علم ومعرفة يزيّفها.                                           إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عنوانات فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها يتحدث لغةَ الفلسفة. عندما يصادفني كتابٌ أو مقال فلسفي يتحدث لغةَ الفلسفة وينقد ويتساءل أشعر كأني عثرتُ على كنز مفقود. يبهرني العقلُ اليقظ البارع بمحاكمته لآراء فلاسفة كبار وتقويضه لها، مثلما تبهرني براعتُه ببناء رؤىً فلسفية ينفرد بها، وإن كنتُ لا أتفق مع كلِّ نقاشاته وأدلته ورؤاه وآرائه ونتائجه. ليس المهمّ أن نتفق أو نختلف مع طريقة تفكير مَنْ يتفلسف ومحاججاته وتقويضاته ونتائجه، المهم أن نقرأ عقلًا يفكِّر فلسفيًّا بطريقته الخاصة، ويكتب الفلسفةَ بلغة الفلسفة. الفيلسوف يفرض على قارئ الفلسفة المتمرّس الاعترافَ بعبقريته الفلسفية. عبقريته يعكسها خروجُه على طريقة التفكير المتداولة، ولأكثر مَنْ نقرأ لهم من كتّاب اليوم.

بعض مَن يكتبون تحت عنوانات فلسفية يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، يكتبون موضوعاتٍ عويصة، وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية. تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّط في دلالتها ولا تفصح عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّف على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجد أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّره لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعلّم الفلسفة وتعليمها، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشد لنفسها إيقاظَ العقل.

كتابُ: “الدرس الفلسفي في المدارس الدينية” وُلد في سياق مخاضٍ طويل لكاتبه في دراسة الفلسفة وتدريسها لمدة طويلة تجاوزت الأربعة عقود من حياته. تمخَّضت هذه الممارسةُ بتعليم الفلسفة عن رؤيةٍ تقدم للقارئ تقويمًا لواقع الدرس الفلسفي في الحوزة وآفاق انتظاره، وقراءةً تواكب الدورَ الذي اضطلع به العلامة محمد حسين الطباطبائي ببعث الفلسفة في معاهد التعليم الديني، وتنمية نطاق تدريسها والكتابة فيها، وحضورها اللافت عبر مؤلفاته، وما نسجه تلامذتُه من تعليقات وشروح لتلك المؤلفات، وأثرهم في تعليم الفلسفة داخل معاهد التعليم الديني والجامعات.

 

[1]  مقدمة كتابي: “الدرس الفلسفي في المدارس الدينية”، صدر الكتاب حديثا عن منشورات تكوين الكويتية، ودار الرافدين بيروت – بغداد.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

[3] فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ – ٢١٢) .

 

https://altanweeri.net/12970/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8E/

تقديسُ المتخيّل للحيوان إهدارٌ لحقوق الإنسان

تقديسُ المتخيّل للحيوان إهدارٌ لحقوق الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الاحتفاء بالحياة والأحياء والطبيعة وحمايتها شيء، وتقديسُ الأحجار والأشياء والحيوانات شيءٌ آخر. الأول يعكس موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا عظيمًا، والثاني يعكس تضحيةً بالإنسان وإهدارًا لكرامته. عندما يغالي الإنسانُ بقيمة أيِّ شيء غيره ويقدّسه يقدّم منزلتَه قربانًا للشيء الذي قدّسه. أنا شخصيًا من المدافعين عن حقّ الكائنات الحيّة في العيش، وأدرك ضرورةَ حمايتها لحفظ التوازن الحيوي الخلّاق في الطبيعة، وأحترم الأبعادَ القيمية في الأديان الحريصة على حماية حقِّ الكائنات في العيش في الطبيعة والرفق بالحيوان. أتألم من صيد الحيوان، أرى الصيدَ يقترن بالإكراه والمطاردة وتعذيب الحيوان، من أجل أن يلهو الصيادُ ويستمتع بمأساة هذا الكائن الذي يسلبه الحقَّ في الحياة.كذلك تؤلمني مشاهدُ الحيوانات المحنّطة، عندما تُعرض في بعض المحلات أو البيوت كديكور يكتمل به تجميلُ المكان. ‏التحنيط يتمّ بعد القتل العدواني، ‏يثير هذا النوعُ من القتل للحيوانات في داخلي فجيعةَ نهايات الحياة بالعنف.

الإعلاءُ من مكانة الأحجار والأشياء والحيوانات وتقديسُها ينتهي إلى التضحيةِ بمكانة الإنسان والحطِّ من قيمته وإهدارِ كرامته وحقوقه.كانت الحيواناتُ ترمز للآلهة في مجتمعات عديدة في العالم القديم، ففي مصر ارتبطت القططُ بالآلهة “باستت Bastet”، وباستت هى ربّة المرح والسعادة والراحة، والخصوبة والولادة في مصر القديمة. وفي مصر والهند واليونان وروما إلى المكسيك،كان يُنظر للكلاب كـآلهة، ففي الحضارة المصرية يظهر “أنوبيس” على شكل رجل برأس كلب سلوقي، أو برأس وجسم ابن آوى. وهو الاسم اليوناني لإله الموتى القديم، الذي يصّور بمهام متنوعة، فتارةً بوصفه “حارسًا للمقابر”، ودليلًا للموتى المؤخرين وحارس الدنيا السفلى، وأخرى “مرشدًا للأرواح في الحياة”، وثالثة “مسؤولًا عن التحنيط”، وغير ذلك. واتخذت تماثيلُ بعض الآلهة رأسَ البقرة رمزًا لها، “بات “Bat كانت إلهةٌ بقرةً في الديانة المصرية القديمة، تُصوَّر بوجه آدميّ وأذنَي بقرة وقرنيها[1]. ولم يعد يُنظر للبقرة أو غيرها اليوم كحيوان مقدّس إلا في الديانة الهندوسية، فقد “ارتبطت البقرة بأفكار عدة؛ مثل عدم الإيذاء، والنقاء والطهر، والطيبة، والأمومة في وهبها ورعايتها، ليس فقط لِعِجْلِها وإنما للجميع. وفي الفترة الفيدية، كانت تُقدَّم البقرة أحيانًا كقربان، لكن صار أكْلُها جريمة لاحقًا… وأشيرَ إلى الأبقار والنساء – على حدٍّ سواء – على أنهما إلآهات، وإن كانت للأبقار على ما يبدو مكانة أعلى بسبب طهرها وقيمتها كمصدر للعطاء. وفي القرن التاسع عشر … وفي ظل زيادة الوعي الذاتي الديني بين الجماعات الإصلاحية، صارت حماية البقرة رمزًا للهوية الهندوسية. وأصبحت البقرة، شأنها شأن المرأة الهندوسية، تُعرَّف بأنها أم الأمة. وكتب كلٌّ من داياناندا ساراسواتي، مؤسس حركة آريا ساماج، وغاندي عن الأهمية القومية لحماية البقر، وتأسست جمعيات محلية بجميع أنحاء الهند لإشراك عامة الهندوس في الحفاظ على هذا الرمز العظيم… مكانة البقرة في الهندوسية كانت موضع شك أيضًا من الهندوس أنفسهم، وذلك بوصفها رمزًا لهيمنة كبار رجال الدين، ولِمَا تحمله من إشارات ضمنية إشكالية عن المنبوذين الذين تأكدت مكانتهم المتدنية بتمثيل البقرة للطهر”[2].

تقديسُ البقرة في الهندوسية مثلًا، مهما كانت التأويلاتُ لهذا النوع من التقديس، أراه يصادر كرامةَ الإنسان، وينتهك حقوقَه، ويرهق عيشَه بأعباء لا طاقةَ له على تحملها، ويهدّد البيئةَ باستهلاكِ الغطاء الأخضر، ويغرقها بفضلات الأبقار، وما يتسرب من تلك الفضلات للمياه الجوفية ويلوثها. وانبعاثِ غاز الميثان والغازات الدفيئة، الناتجة أثناء عملية هضمها، مما يؤدي إلى تغيّر المناخ وارتفاع درجات الحرارة، إذ يعدّ غاز الميثان أكثر فاعلية بحوالي 25 مرة من ثاني أكسيد الكربون في الاحتباس الحراري، وإن كان يتحلّل أسرع منه[3].كذلك يؤدي الاستيلاءُ على مساحات شاسعة من الأراضي إلى حرمانِ الإنسان والحيوانات الأخرى من استهلاك إنتاجها الزراعي، وتعطيلِ التربة واستنزافِ خصوبتها في المراعي الواسعة للأبقار، وتبذيرِ الموارد المائية، لأن الأبقار تشرب كمياتٍ كبيرة من المياه، وتحتاج مراعيها إلى كميات أكبر. والعبث بالتنوع البيولوجي للطبيعة، ومصادرة الحيز الخاص بالإنسان في المجال العام. وبسبب ذلك ظهرت دعواتٌ في الهند أخيرًا لاستهلاك روث الأبقار في توليد الطاقة.

وفي تقريرٍ لصحيفة لوفيغارو يقول الصحفي إمانويل ديرفيل: إنه التقى بمجموعة من الفلاحين الغاضبين في قرية مارجوبور على بعد تسعين كيلومترا شرق نيودلهي، لأن الأبقار السائبة أفسدت حقولهم. ويضيف أن هذه الأبقار يمكن أن تبتلع في ليلة واحدة محصولا كاملًا، مشيرًا إلى أن بالهند 190 مليون رأس من الأبقار، على وفق إحصاء 2012، وقد تتسيب منها 13 إلى 15 مليون بقرة كلَّ عام، استنادا إلى بيانات صادرة عن ذي إنديان إكسبريس. ويروي أحدُ المسنين في المنطقة أن هذه القطعان تسبّبت في الكثير من حوادث السير الدامية. وفي مارغو بوبور التي تقطنها غالبيةُ مسلمة، تفرض الشرطةُ غرامةَ 50 ألف روبية (630 دولارا) على من قتل بقرة، وتقوم مليشياتٌ متشدّدة بأعمال عنف ضدّ من لا يحترم البقر، ما أثر سلبًا على اقتصاد هذه المنطقة التي تعدّ مركزًا للدباغة والجزارين. وأوضح الكاتبُ أن بعضَ المنظمات الهندوسية تقتل من يعتدي على البقر، مشيرا إلى أن مركزا هنديا أحصى 46 جريمة قتل بين 2014-2018، غالبية ضحاياها من المسلمين والمنبوذين[4].

هوس المتخيَّل الديني وانفلاته من حاكمية العقل النقدي يجعل الإنسانَ يقدّس حيوانات تهدّد عيشَ الإنسان وأمنَه ومحيطَه ومنشآته في الأرض، ففي ولاية “راجستان” بالهند مثلًا يضم معبد “كارني ماتا” أكثر من 20 ألف فأر أسود. “كارني ماتا” امرأة هندوسية عبدها أتباعُها في القرن الرابع عشر الميلادي. يعتقد أتباعُ هذا المعبد بأن الفئران تجسيدٌ حيّ لهذه الإلهة، ويقدّم أتباعُ المعبد الحليبَ والجبن والأطعمة المطبوخة وأنواع الحلوى لها. وتحظى الفئرانُ بالحماية والرعاية وتمنع أذيتَها، ويعاقب مَن يقتل أحدَها في المعبد[5].

ويشيع في الهندوسية تقديسُ حيوانات مؤذية أخرى غير الفئران، إذ يجري الاحتفاءُ بها ورعايتُها على حساب الإنسان وعيشه وأمنه وسلامه وصحته. من الأعياد المعروفة في هذه الديانة مثلًا الاحتفالُ بـعيد “الأفاعي المقدّسة”. يحتفل “الهندوسُ في الهند والنيبال ودول أخرى بمهرجان الأفاعي سنويًا، أو ما يعرف بالـ “ناغا بانشامي”، وهو عيدٌ مخصّص منذ مئات السنين لتكريم الـ “ناغا” وتعني الأفاعي باللغة السنسكريتية. هذا اليوم هو يوم عطلة رسمية في الهند… يُحتفل بهذا المهرجان كلّ سنة، في اليوم الخامس من شهر شرافان الهندوسي القمري، ويحلّ عادةً بين شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، وهو الشهر المخصّص لتكريم أحد أكبر آلهة الهند شيفا. من تقاليد العيد، أن يحتلّ مروّضو الأفاعي زوايا في الساحات العامّة، فيتحلّق الناسُ حولهم لتقديم الحليب لثعابين الكوبرا كي تشربه. وتشمل الطقوسُ أيضًا الصومَ، والامتناعَ عن حراثة الأرض، خشية مُضايقة الأفاعي. وفي هذا المهرجان أيضًا، يرتِّل الناسُ أسامي عددٍ من آلهة الأفاعي المعروفة، طالبين منها الزواجَ والوفرَ المادي والحمايةَ من لدغاتها القاتلة. وتنتشر كذلك تماثيلُ صغيرة لأفاعي الكوبرا، في البيوت والشوارع، وتُضاء لها الشموع.كما يسعى الناسُ لاقتناء رسومات ملونة لبعض أشهر الأفاعي المقدّسة… في رمزيته، يعدّ مهرجانُ ناغا بانشامي، طريقةً للتأكيد على عدمِ الخوف من الموت. تمثّل الأفاعي اللانهايةَ والرغبةَ والطاقةَ والحكمةَ والثراءَ، وترتبط بالأنهر والبحيرات والينابيع. لذلك يقدّم المصلون في هذا اليوم زهرةَ لوتس، ويتركونها تطوف فوق مياه نهر الغانج… ملك الثعابين فاسوكي، رمز مقدس في العديد من ديانات الشرق الأقصى، وليس فقط في الهندوسية. وتقول الأسطورة إنّ الآلهة استخدموه لخضّ محيط الحليب، لاستخراج إكسير الحياة الخالدة، لذلك تُبجَّل الأفاعي بتقديم الحليب لها (مع أنها لا تشربه)”[6].

[1] موسوعة معرفة، نسخة على الإنترنت.

 

[2] نوت، كيم، الهندوسية: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة: أميرة علي عبد الصادق، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد، ص 120، 2017، مؤسسة هنداوي.

[3] محمد سناجلة، “زيادة درجة حرارة كوكب الأرض .. ما دور الأبقار في ذلك؟”، موقع فضائية الجزيرة، 15/9/2022.

[4] “لوفيغارو: البقرة المقدسة تعرقل اقتصاد الهند”، قناة الجزيرة الفضائية، (28/1/2019).

[5] صحيفة “الوطن” الكويتية اليوم الأحد (3 يوليو / تموز 2016). وراجع ويكيبيديا، ” معبد كارني ماتا”.

[6] موقع B.B.C NEWS عربي، “الأفاعي المقدسة في الهند: ما رمزيتها وحكاية مهرجانها؟”، بتاريخ 24 يوليو/ تموز 2020.

 

https://alsabaah.iq/94092-.html

يقدّسُ المتخيّلُ الحيوانَ حين ينامُ العقل

يقدّسُ المتخيّلُ الحيوانَ حين ينامُ العقل

د. عبد الجبار الرفاعي

في محاولةٍ للاحتماء من الاغتراب الميتافيزيقي تنشط فاعليةُ المتخيَّل في إنتاج المقدّس، ولا يكفّ المتخيَّلُ الديني عن خلع القداسة على أشياء دنيوية متنوعة، وكأنه كلّما أمعن في هذه الممارسة وأضاف مزيدًا من المقدّسات خفض شعورَ الإنسان المرير بغربته ووحشته في الوجود. أما ما يقدّسُه المتخيَّل فهو: الإنسانَ، والمكان، والزمان، والحيوان، والنبات، وكائناتٍ متنوعة، بل يمكن أن يقدّسَ أيَّ شيء في الأرض والسماء، وفضلات الحيوان، حتى الحيوانات المؤذية كالأفاعي يمكن أن تتقدّس في بعض الأديان.

‏عندما تشتدّ غربةُ الإنسان في العالم، يعيش حالةَ وحشة من الكائنات في الطبيعة، ‏فيلجأ للمتخيَّل الديني ليقدّس هذه الكائنات، خاصة المخيفة منها كالأفاعي مثلًا، ليشعر بالألفة معها، ولا تعود تثير خوفَه واضطرابه واشمئزازه وذعره. بعد تمثّله تخييليًّا يتقدّس الحيوان المخيف، فيشعر الإنسانُ بالأمان لحظة يراه بفضاء مقدّس، ويتمكن عندئذٍ من التناغم والانسجام معه، وان كانت الأفاعي تظلّ بعد تقديسها لا تفتقر لشيءٍ من الهالة والهيبة والرهبة. المتخيَّل يعيد توطينَها وإدراجَها في فضاء يخرجها من وجودها الحقيقي، بعد أن يخلع عليها صورةً تتنكر لطبيعتها السامّة. وكأن المتخيَّلَ يعقد تسويةً بين الإنسان وبينها، يتنازل الإنسانُ لصالحها فيقدّسها ليأمن عدوانيتَها. المتخيَّلُ يفعل ذلك كما لو أنه يعقد تسوية بين غالبٍ ومغلوب، يتنازل فيها الثاني للأول بغية استرضائه واتقاء ما يصدر عنه مما يهدّد حياةَ المغلوب.

الجغرافيا والبيئة المحلية بكلِّ تعبيراتها وتفاصيلها تؤثر في حياة الإنسان العقلية والأخلاقية والروحية، وشكل تديّنه، ورؤيته للعالم، وثقافته. للبيئة والجغرافيا أثرُهما الواضح في كيفية إنتاج المتخيَّل لنمطِ المقدّس وانتشاره، وكيفيةِ تقديس الأماكن والأشخاص والكائنات والأشياء. تنشط فاعليةُ المتخيَّل وتتضاعف قدرتُه على توليدِ المقدّس وتزايدِ نفوذه واشتدادِ حضوره، باستغلالِ مكان مولد مؤسّسي الأديان واحتضانِه لآثارهم وحوارييهم وأتباعهم الأوائل. المكان الذي ينتمي إليه الإنسانُ، إن كان مقدّسًا، يكتسب من يتوطن فيه شيئًا من القداسة بنظر من يؤمن بهذا المقدّس خارج حدود ذلك المكان. إلى ذلك يعود احتفاءُ مجتمعات كثيرة بأشخاص يعيشون في مدن يعتقدون بقدسيتها، بل تكتسب بعضُ الأشياء قدسيتَها من الوقوع في فضاء ذلك المكان.

لم أعاشر الإنسانَ الهندي ولم أتوطن ببلاده، على الرغم من أني قرأت كثيرًا عن هذه البلاد، منذ وقت مبكر في حياتي، ومازلتُ أتابع ما يحدث فيها، الهند طافحة بالتنوع والعجائب والغرائب. يدهشني الاختلافُ الذي يصل حدّ التضادّ بين الأديان والطوائف والمذاهب والإثنيات والثقافات. تتسع الهندُ لأكبر تجمع بشري على الأرض اليوم[1]، يعيش التعدّد والتنوع بأديانه وطوائفه ومعتقداته وثقافاته ولغاته في دولة واحدة، من دون حروب أهلية مزمنة، ولا هشاشة في الدولة. يبهرني حضورُ الهند الخلّاق في إثراء وتطوير التكنولوجيات المتقدمة في الكمبيوتر والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وأمثالها، وأقدّر ما يقدّمه العقلُ الهندي للبشرية من مكاسب ثمينة في الاختراعات والاكتشافات العلمية، بنحوٍ فرض هذا العقلُ حضورَه الهائل في الأكاديميات ومراكز البحوث والمصانع في الغرب وبلدان العالم المختلفة، فضلًا عن مكاسبه في التطور العلمي والتكنولوجي في موطنه.

حتى الإسلام الهندي تميّز بمسارين متوازيين،كلُّ واحد منهما له بصمةٌ لافتة في مجتمعات عالم الإسلام. صار الأولُ مرجعيةً لبناء المقولات المحورية في الأدبيات الأصولية. مقولات مثل “الحاكمية” وغيرها على وفق صياغة أبي الأعلى المودودي ومدرسته، ابتنت عليها واشتُقَت منها آراء ومفاهيم متنوعة تغلغلت في أدبيات الإسلام السياسي. في المسار الآخر نرى للإسلام الهندي بصمةً مضيئة وتأثيرا واضحا في دعوات ومقولات التجديد في عالم الإسلام، فقد اعتُمِدت آراء محمد إقبال في “ختم النبوة” و “الوحي” و”التجربة الدينية” و”الاجتهاد بوصفه مبدأ الحركة في الإسلام”، لبناء الرؤية التجديدية لدى مفكري الإسلام في العصر الحديد في إيران وغيرها.

كذلك يدهشني إنسانُ هذه البلاد حين أرى اتساع فضاء المقدس في عالمه، وكأنه يولد وتولد معه نزعةٌ ميتافيزيقية تلازمه كلَّ حياته، ويولد معه شغفٌ بتقديس الآلهة والأشخاص والكائنات الحية والأشياء. الشخصية الهندية مركبة عميقة متعدّدة الوجوه، المجتمع الهندي تلتقي فيه الأضداد، ويتجلى ذلك باختلاف الأديان واللغات والثقافات وتنوّعها في الهند. يحفل الفضاءُ الميتافيزيقيُّ بتنوّعٍ وتعدّد ديني مُدهش، وتقديسِ أماكن كثيرة في مساحتها الشاسعة، وتفاقمِ نشاط المتخيَّل بنحوٍ خلع المقدّس فيه غطاءَه حتى على بعض الحيوانات كالبقر، وبعض النباتات والكائنات المختلفة في هذه البلاد. في الدين الهندوسي لا يُقتل أيُّ حيون، يحتفي هذا الدينُ وغيرُه من أديان ذلك الفضاء الروحي بالكائنات الحية ويحميها من الإنسان، مستجيبًا لأثر هذه الكائنات في الأرض، لكنه يغالي في ذلك بشكلٍ مهول وأحيانًا مبتذل، بنحوٍ تصير فيه حياةُ الإنسان وعيشُه وحقوقُه وأمنُه مهدّدةً من فتك كائنات حيّة مؤذية.

الإنسان كائن مدهش، يتوق للاستعباد والعيش في كهوف الظلام حين ينام عقلُه. المفارقة أن الإنسانَ يحاول الهروبَ من غربته في العالم بتقديس الحيوانات، فيتورط في اغتراب وعي مريع.كأن هذا الإنسانَ مشلولُ العقل والإرادة حين يتنازل عن إنسانيته، ويقدّم نفسَه عبدًا ذليلًا لحيوان أعجم. وهو في ذلك يتطوع ليسقط في إرهاقٍ مضنٍ يشتدّ فيه عبثُه بذاته، عندما يضحّي بكرامته، واحتياجاته الروحية والنفسية والأخلاقية والجمالية، وما يتطلبه جسدُه، ويصبح خادمًا لحيوان، كالبقرة المخلوقة لتلبية حاجته للغذاء، ولا يتوقف الأمرُ عند هذا الحد، بل يعبث بمحيطه، ويفرط بأمنه وسلامه وكلِّ شيء، لأجل حيوانات أخرى مؤذية أحيانًا.

كانت الأديانُ في المجتمعات كلها ومازالت منجمًا لإنتاج الرموز وإثرائها بالمعاني المتدفقة على الدوام، دلالات الرمز تتدفق كسيلٍ بلا انقطاع. تغرق الأديانُ في متاهات عندما تمعن في جعل الكائن الحي المؤذي مصونًا، بذريعة أنه يرمز لتقديس الحياة، ولا تكترث بمصادرة فرص عيش الإنسان وغذائه، وسلب أمنه، وإهانة كرامته، والفتك بحياته. يشطح الإنسانُ عندما ينشغل بتأويل الرمز خارج مرجعية العقل، ويتمادى فينسج أوهامًا غير معقولة تحت غطاء التأويل، وأحيانًا يتعسف في اختراع دلالات تهدر كرامتَه. غياب العقل ينتهي إلى تضخمِ اللامعقول في حياة الفرد والمجتمع، وتعطيلِ الإبداع والابتكار والإنتاج والبناء. لا يحدث تفشي التقديس، وانتشارُه المهول في الفضاء العام الذي يشلُّ الحياةَ، إلا بتغييبٍ للعقل، وتعطيلٍ للأسئلة العميقة، وإيقافٍ للتفكير النقدي.

[1] سنة 2021 بلغ عدد سكان الهند مليار و408 مليون.

https://alsabaah.iq/93775-.html

 

بعد تمثلها تخييليًّا تتقدّس الأشياء

بعد تمثلها تخييليًّا تتقدّس الأشياء

د. عبد الجبار الرفاعي

كما أن المتخيَّل هو الحقل الخصب لولادة الأسئلة الوجودية الكبرى، هو حقلُ توالد الأجوبة، والأساطير، والتقديس. تجيب الأساطيرُ في شيء منها عن هذه الأسئلة، لتُطمئن الإنسانَ، الذي لا يفكر بعقلٍ نقدي، وتُشعره بالثقة عندما تصنع له ماضيًا بمقاسات رغباته وأمانيه وأحلامه، وتوهمه بقدرته على امتلاك ما يفتقر إليه في الواقع الذي يعيش فيه،كما كان أسلافُه في الأزمنة البعيدة يمتلكون كلَّ شيء يتمناه اليوم. في الأساطير ينشط المتخيَّلُ لينسج حكاياتٍ مقدّسة، تتكشف فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم بوضوح لافت. عندما ينضب الواقعُ يتدفق شلّال المتخيَّل بما يفيض فيه من أسرار مدفونة في الأعماق. المتخيَّل أرشيف يختزن أحلامَ الإنسان وطموحاته ومثله العليا، وتتوطن فيه ذكرياتُه بعد إعادة إنتاجها وتمثلها تخييليًّا.

لا يتقدّس الشيء إلا بعد تمثله تخييليًّا. ربما لا يستغني عن المقدّس إنسانٌ، حتى الملحد أحيانًا لديه مقدّساتُه الخاصة، قد يراه في شخصيات استثنائية، يعتقدُ أنَّها خارقةٌ تتجاوز تناهي الكائنِ البشـري وقدراتِه المحدودة وقصوره، ويتخيّلُ أنها عابرةٌ لحدود الطاقة البشـرية. يتخيّلُ رموزًا وأشياء متنوعة يحسبها تعبيراتٍ للمقدّس، وإن كان يُعلِن تنكّره لذلك. لا يقع المقدّس موضوعًا للعقل النقدي، أو موضوعًا للعلم، لأن المقدّس خارج حدود العلم وأدوات كشفه، ولا يخضع لـ “معيار قابلية التكذيب”، فكلّ فكرة لا تقبل الدحضَ والإبطالَ والتكذيبَ لا ينطبق عليها عنوانُ العلم، على وفق “منطق الكشف العلمي” لكارل بوبر[1].

يبدأ التقدّيس عندما يتنكّر المتخيَّلُ لحقيقة الأشياء والأشخاص والكائنات، ويخلع عليها جلبابَ القداسة، بعد سلخِها من كينونتها وغايتها الوجودية، وافتعالِ غايةٍ مقدّسة لها تعطّل غايتَها الحقيقية. التنكّر لطبيعة الحجارة وتكوينها وقدراتها ووظيفتها يمكن أن يحولّها إلى مقدّسة، التنكّر لطبيعة الحيوان وماهيته ووظيفته يمكن أن يحولّه إلى مقدّس،كما في الهندوسية وغيرها من الأديان.

من نتائج تقديس البشر فرضُ تراتبيةٍ هرمية في الهندوسية وأديان أخرى، إذ يجري تكريسُ طبقةٍ نبيلة عليا تتفوق على سواها، وطبقةِ منبوذين سفلى في أحطّ منزلة من أتباع الديانة الهندوسية. الاعتقاد بالتناسخ وحضور الروح في عالَم يسبق هذا العالم في هذه الديانة، هو الذي يعطي الإنسانَ المكانةَ في عالمنا، فيجعله كبيرًا أو صغيرًا. تصنيف السلالات البشرية محفوظ في ذلك العالم قبل الولادة حسب معتقدات الهندوسية. يولد الإنسانُ وتولد معه تلك الروحُ النبيلة أو الوضيعة وترسم له أقدارَه ومصائرَه الأبدية، ويظلّ مسجونًا حتى موته في هذا القدر الوجودي الذي يستلب كرامتَه وحقوقَه كما في طبقة المنبوذين، أو يمنحه كرامةً وحرياتٍ وحقوقًا وامتيازات فائضة، يتفوق فيها على كلِّ إنسان ينتمي لطبقة أدنى منه، من دون أن يبذل أيَّ جهد لينالها،كما تستحق ذلك بالولادة طبقةُ البراهمة.

تصنيفات البشر إلى طبقات في سلّم هرمي، فرضتها الهوياتُ الدينية والإثنية المغلقة، وهي من بقايا ترسبات عصور الاستعباد المريرة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل خلقت هذه التراتبية. حتى لدى المتصوّفة والعرفاء، كان ومازال مفهومُ الشيخ والمريد مفهوما طبقيًا استعباديًا بقناعٍ ديني. الكرامة مقام وجودي، ليس من حقّ الإنسان أن يتنازل عن كرامته لصالح حجر أو كائن حيّ أو إنسان أو أيّ شيء آخر، بمعنى أن الإنسانَ يولد مكرّمًا، ولا يكتسب الكرامةَ بعد ولادته من الانتماء: لدينه أو جنسه أو إثنيته أو ثقافته أو جغرافيته. الكرامة والمساواة والحرية، يحتاجها كلُّ إنسان بما هو إنسان، بغضّ النظر عن جنسه وعرقه وموطنه وثقافته ودينه. هذه قيم كونية واحدة أبدية لا يستغني عنها أيُّ إنسان، ولا تخضع للأديان والطوائف والهويات والخصوصيات والأزمنة والأمكنة والثقافات والاختلافات مهما كانت[2].

في المتخيل الإسلامي ‏المتخيل الصوفي والشيعى هما الأشد قوة ونشاطًا وفاعلية، ‏يتضخم في هذا النوع من المتخيل تقديسُ الأشخاص والأشياء والأماكن، بشكل يستنزف روحَ الدين وأهدافه الكلية الروحية والأخلاقية والجمالية. التنكّر لطبيعة الإنسان جعل المتصّوفةَ وغيرَهم لا يقبلون بتفسير سلوك شيوخهم بما يتناغم وكونهم بشرًا.كان محيي الدين بن عربي مثلًا إنسانًا كأيِّ إنسان، لديه احتياجاتٌ تفرضها طبيعتُه البشرية العاطفية والجسدية، ويتذوق الجمال كأي إنسان سليم الذوق، ديوانه يكشف عن هذه الطبيعة، المريدون لا يقبلون أن يكون أمثالُ هؤلاء بشرًا. “ترجمان الأشواق” ديوان كتبه محيي الدين حين أحبَّ النظام، وتلقب بـ “قرة العين”، وهي بنت أستاذه في مكة، أنشدَ هذا الديوانَ في عشقها والتغزّل بها. المتصوّفة من أتباعه يعتقدون أن هذا شعرٌ لا علاقة له بعشق المرأة بوصفها جسدًا وجمالًا وعاطفة، يؤولون ما ورد فيه بأنه ضربٌ من التغزّل الصوفي بالله. إلا أن محيي الدين بن عربي يتحدث بوضوح عن تجربة عشقه لهذه الفتاة بقوله: “فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولًا بنفسه، مشغوفًا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نزيل مكة البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه الله … وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام؛ تلقب بعين الشمس، وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم. ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه … ثم إني عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف … ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض السيّئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفى خُلُقها الذي هو روضةُ المزنِ، شمسٌ بين العلماء، بستان بين الأدباء، حُقَّةٌ مختومة، واسطة عقدٍ منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها .. مسكنُها جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه … عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ … فقلّدناها من نظمنا في هذا الكتاب (ترجمان الأشواق) أحسن القلائد، بلسانِ النسيبِ الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس من كريم ودِّها وقديم عهدِها … إذ هي السُّؤْلُ والمأمول، والعذراءُ البتول، ولكن نظمنا فيها بعضَ خاطر الاشتياق، من تلك الذخائرِ والأعلاق … فكلُّ اسمٍ أذكرُه في هذا الجزء فعنها أكنِّي، وكل دارٍ أندبها فدارها أعني”[3].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ط 2، ص 231-232، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[3] ابن عربي، ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، ص 1 – 3، 2006، دار الكتب العلمية، بيروت.

https://alsabaah.iq/93332-.html

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

د. عبد الجبار الرفاعي

تتواصل الولاداتُ المتوالية للدين في فضاء المتخيَّل، بعد الخضوع لظروف إنتاج المتخيَّل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية، وما تفرضه الولاداتُ المتسلسلة للدين بتضخم المقدّس فيه مع كلّ ولادة. مفهوم الدين غير مفهوم المقدس، وإن تطابقت كثيرٌ من مصاديق المقدس مع ما يتوالد للدين في المتخيَّل بأزمان لاحقة لزمن المؤسِّس. الدينُ حياةٌ في أُفُق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياته الفردية والمجتمعية. المقدَّسُ سـر غامض، كنهُهُ مجهول. للمقدَّسِ سحرٌ وهالةٌ، يشعرُ معها الإنسانُ الذي يعتقدُ به بهيبةٍ وسطوة، وصمتٍ ودهشة وذهول أحياناً. المقدَّسُ قريبٌ بعيد، المقدَّسُ قريبٌ يشعرُ معه الإنسانُ كأنه حاضرٌ بمعيته، المقدَّسُ بعيدٌ لا يمكن أن يقبضَ عليه الإنسانُ أو يراه أو يتلمس وجوده، لا يتجلّى المقدَّسُ إلا عبرَ آثاره[1]. تغوّل المقدَّسُ يستنزف الدين ويستهلك طاقاته الخلاقة في منح حياة الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي تسعى لحصاده من الدين.

الدين في عصر المؤسِّس لا يتقدّس فيه إنسانٌ أو أيُّ شيء، كما نلاحظ في البوذية وغيرها. بوذا “563 ق.م – 483 ق.م”[2] كان بشرًا، انخرط في حياة التأمل والزهد ليستنير روحيًا، لم يعلن عن أن شخصيتَه مقدّسة، ولم يُشِر إلى تقديس أتباعه المعاصرين له، ولا أية كائنات حيّة أو غيرها. بعد غياب مؤسِّس الدين البوذي نشطت فاعليةُ متخيَّل الأتباع، فصار بالتدريج بوذا مقدّسًا، ونُحتت له تماثيل من الذهب والجواهر النفيسة، وبُنيت معابدُ بأنماط معمارية مدهشة، وبدأ تقديسُ أشياء متنوعة، وتراكمت واتسعت عملياتُ التقديس بفاعلية مكثّفة. وبموازة ذلك اضمحلت تعاليمُ بوذا، وأُعيد إنتاجُها في فضاء التقديس، واختُرعت تقاليدُ صارمة لارتياضِ الرهبان وتكريسِ النفس لخدمة بوذا، وخِيطت أزياء لهم، واقترنت تلك التقاليدُ بطقوس خاصة في معابد مهيبة. في فضاء الجغرافيا المقدّسة للبوذية ينبغي أن تُبنى المعابدُ في أماكن تعدّ مقدّسة. فاعليةُ التقديس في هذه الديانة تسري على غيرها، وفقًا لما يتشاكل مع كلّ ديانة وبيئتها. في الديانة البوذية لم يقدّس مؤسُّسها ذاتَه، ولم يقدّس أيَّ شخص ممَن أتبعه، بعد وفاته مارس البوذيون عمليات التقديس للأشياء والأشخاص والأزمنة والأماكن، ووصلوا هذه الديانةَ الأرضية بآلهة لم ينصّ عليهم بوذا أو تشِر إليهم تعاليمُه.

في المتخيَّل تتعاظم قوةُ التقديس وفاعلياتُها المذهلة، ‏وتتمدّد وتنتشر بسرعة، فيبصم على أشخاص وكائنات وأشياء وأزمان وأماكن ذات صلة بالديانة، فيصير إنسانٌ عاش في زمان مؤسِّس الديانة مقدّسًا، وتتسع الجغرافيا المقدّسة لتستوعب أماكنَ مختلفة بمرور الزمان، ويتمدّد الزمان المقدّس ليضيف على الدوام أيامًا جديدة، وهكذا يتقدّس أشخاصٌ وكائنات وأشياء لم ينصّ عليها كتابُ الديانة.كلما اتسعت مساحةُ المقدّس نضبت قدرة الدين وعجز عن توليه المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الضروري لسلام الإنسان وسكينته، وبناء علاقات إنسانية تضامنية في المجتمع. كما يصادر المقدَّسُ فضاءَ الحرية تبعًا لتضييق مساحة الدنيوي، وينعكس ذلك على رؤية الفرد والمجتمع للعالَم، وعلاقات الإنسان، واقتصاده ونمط عيشه، وثقافته، وسائر شؤونه. ويشتدّ ذلك إن كانت المجتمعاتُ التي تحتضن المقدّس أميّةً فقيرة تخضع لتراتبية طبقية، واستعملته السلطةُ السياسية في منحها المشروعية، ووظّفت إمكانات الدولة ومؤسسات المجتمع للتبشير به وتغذيته وتكريسه.

مقولة الإنسان الكامل في التصوف مثلًا وُلدت وتضخمت في المتخيَّل، بوصف هذا الكامل كائنًا مقدّسًا. ومادام الإنسانُ بطبيعة نقصه غير كامل، يظل يبحث عن صورة إنسانية للكمال الاستثنائي، فيسعفه المتخيَّل بنحتها ورسم صورتها في ضوء احتياجاته النفسية والروحية والعقلية، وما يفرضه شعورُه بالهشاشة، وحاجتُه للحماية بكائنات ميتافيزيقية محايثة للإلهي، وقادرة على الإتحاد بشيء من أسمائه وصفاته اللامحدودة. تشبّع في الصورة المتخيَّلة للحلاج وأمثاله اللاشعورُ الجمعي، وانعكست على آثار المتصوفة المختلفة وغيرهم. صورة الحلاج المتخيَّلة وأمثاله، وإن وُلدت وتضخمت في متخيَّل المتصوفة، وإن أدرك العقلُ النقدي كونَها صورةً غير واقعية، تتنكر لها الطبيعة الإنسانية الناقصة، لكن قلبَ الإنسان يعشق مثل هذه الصورة المجردة العابرة للزمان والمكان والواقع الذي عاشت فيه، الحلاج المتخيَّل وأمثاله يحتاجه القلبُ، وإن كان العقلُ يكذّب وجودَه بوصفه كائنا أرضيا.

الأسئلة اللاهوتية الكبرى على الرغم من أنها أيقظت العقلَ إلا أنها لا جواب نهائي لها، هذه الأسئلة واحدة في بواعثها ومضمونها، لا تختلف جوهريًّا إلا في تعبير الإنسان عنها وصياغتها تبعا للُّغات، والثقافات، والتطور الحضاري، والعصور، وأنماط العيش وظروف الإنسان المتغيرة. تعدّدت وتنوعت الإجاباتُ عن هذه الأسئلة، وتكاثرت الأديانُ بشكل لافت إثر تعدّد وتنوّع تلك الإجابات، وتظلّ الولاداتُ المتواصلة داخل الدين الواحد للفرق والمذاهب والجماعات، مادامت هذه الأسئلةُ داخل الأديان مفتوحة، لذلك تلجأ الأديانُ لإسكاتها في وقتٍ مبكر بعد صياغة إجابات أخيرة لها، ثم غلقها وإصدار أمر تُلزِم فيه السلطاتُ السياسية والروحية أتباعَ الديانة بالكفّ عن تداولها، ومَن يتورط فيطرحها مجدّدًا، أو يتحدث بجواب لها خارج الأسوار المغلقة لمجموعة الإجابات الممضاة من المؤسسة الروحية للدين، يعدّ مُبتدِعًا وزنديقًا.‏ الأجوبةُ النهائية عن هذه الأسئلة أغلقتها، وعطّلت السؤالَ اللاهوتي وأقفلت آفاقَ التفكير العقلاني، الذي ينشغل بطرح الأسئلة وإنتاج إجابات لها تتناغم مع إيقاع الحياة المتغيّر. فرضت السلطاتُ اجتهادًا واحدًا وعدّته هو الصواب لا غير، وشطبت كلَّ اجتهاد مغاير مهما كان عقلانيًّا، فانعكس ذلك بشيوعِ القول بانحصار الخلاص في دين خاصّ أو فرقة أو جماعة داخل فرقة، وغلقِ الطريق على ولادة أيّ اجتهاد مخالِف يجيب عن أيّ سؤال لاهوتي أساسي. ولو تورط متكلّمٌ فأعلن موقفًا يخالف الموقف المعلَن للسلطة السياسية والدينية يقدِّم رأسَه قربانًا لموقفه. وهذا ما حدث في العصر الأموي مع الجعد بن درهم الذي كان ضحيةَ اتهامه بالقول بخلق القرآن، فذبحه خالد بن عبد الله القسري والي هشام بن عبد الملك على الكوفة، يوم عيد الأضحى سنة 124 ه. قال خالد وهو يخطب لصلاة العيد، كلامًا عنيفًا جاء فيه: “أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر”[3]. وبعد تولِّيه الخلافة قتل هشامُ بن عبد الملك غَيْلانَ بن مسلم الدمشقي بطريقة شنيعة، لقوله بحريةِ الإرادة، وآراء تخالف ما تقوله سلطةُ الخلافة ومتكلّموها وفقهاؤها. “اعتقل هشامُ غَيْلانَ، وفي مجلس الخلافة زعق فيه: مد يدك، فمدها غيلان، فضربها الخليفة بالسيف فقطعها، ثم قال: مد رجلك، فمدها، فقطعها الخليفةُ بالسيف الباتر .. وبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحي الدمشقي الفقير، والذباب يقع بكثرة على يده المقطوعة، فقال الرجل ساخرًا: يا غيلان، هذا قضاءٌ و قدر! فقال له: كذبتَ، ما هذا قضاء ولا قدر .. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على إحدى أبواب دمشق”[4]. الجهم بن صفوان من المتكلمين الأوائل، وممن صحب الجعد بن درهم،كان يقول بالتنزيه وامتناع رؤية الله، ويحتج بالآية: “لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ”[5]، ويرى بأن كلام الله صفة فعل وهو مخلوق لله، أمر الوالي نصر بن سيار عبد ربه بن سيسن فقتله سنة 128 ه[6].

بعد عصر المأمون الذي احتضن الاعتزالَ ودعمه، أمسى منذ عصر المتوكل، الذي أقصى المعتزلةَ واحتضن أحمدَ بن حنبل والحنابلة،كلُّ متكلّم يدلي بقول خارج عقيدة الخلافة مُبتدِعًا. وظهر أشدُّ هذه المواقف وأكثرها صرامة حين جرى تقنينُ هذا الموقف التسلطي الاحتكاري بنصٍّ معروف كتبه القادرُ بالله “381 – 442هـ” واشتهر باسم “الاعتقاد القادري القائمي”([7]). تَبَنَّى الميثاقُ الاعتقاديُّ رؤيةَ الحنابلة الاعتقادية، وانحاز بإسـراف إلى مواقفهم، في حين استهدف المسلمين الآخرين، واستباح دماءَ بعضهم لمجرد تمسُّكهم بمعتقد يخالف ما جاء فيه، فمثلًا ورد فيه أنَّ “مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه”([8]). وعندما أخرج القائمُ بأمر الله “الاعتقادَ القادري” سنة 432هـ وقُرئ في الديوان بحضور الفقهاء كان “ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر”([9]). وذكر ابنُ الجوزي أنَّ القادرَ بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ “فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطَهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستنَّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام”([10]).

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 193 – 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[2] ذهب بعض المؤرخين إلى أن بوذا شخصية منحولة لا وجود لها، نسج وجودها وديانتها ودورها وتعاليمها متخيّل البوذيين الأوائل.

[3] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ترجمة الجعد بن درهم.

[4] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج:48، ص:186-212.

[5] الأنعام، 103.

[6] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، أحداث سنة ثمان وعشرون ومئة.

([7]) طرابيشي، جورج، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام. بيروت: دار الساقي، 1998، ص95.

([8]) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت: دارصادر، ج8: ص109 – 110.

([9]) المصدر السابق، ج8: ص109.

([10]) المصدر السابق، ج7: ص287.

https://alsabaah.iq/92966-.html