Category: المكتبة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

مسرّات الكتابة ومخاض القراءة

مسرّات الكتابة ومخاض القراءة

د. حسن مدن

ما أجمل أن يُقدّم كاتب نفسه إلى قرائه، ليس بوصفه كاتباً فحسب، وإنما بوصفه قارئاً بالدرجة الأولى، موحياً بأنه لولا القراءة لما أصبح الكاتب الذي نعرف، وتزيد أهمية هذا التقديم حين يأتي من كاتب له مكانة صنعتها مؤلفاته المميزة، كالكاتب العراقي عبد الجبار الرفاعي، الذي أفرد كتاباً ماتعاً قدّم فيه شهادته عن علاقته بالقراءة وبالكتابة معاً، كفضاءين شديدي الارتباط والتداخل ببعضهما بعضا.

الرفاعي كاتب ومفكر وأستاذ فلسفة إسلامية، حاصل على دكتوراه فلسفة إسلامية، وماجستير في علم الكلام، بعد أن انهى دراسته الجامعية الأولى في الدراسات الإسلامية، وانصبت جلّ مؤلفاته في بناء علم الكلام الجديد، ومن عناوين هذه المؤلفات: «تمهيد لدراسة فلسفة الدين»، «مقدّمة في علم الكلام الجديد»، «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، وسواها من مؤلفات تتصل بالحقل نفسه، كما تقارب موضوع الهوية بأوجهها المتعددة، أما الكتاب الذي نحن بصدده وعنوانه «مسرّات القراءة ومخاض الكتابة – فصل من سيرة كاتب»، فإن قراءته تعين القرّاء في التعرف إلى جذور تكوين الكاتب المعرفية والفكرية، وتنم عن انفتاحه الفكري على الآراء المختلفة، ومقدرته على تجاوز القيود التي تحدّ من هذا الانفتاح، فضلاً عن وقوفه عند أهمية القراءة وطقوسها وعوالمها.

يحكي عبد الجبار الرفاعي في هذ الكتاب الصادر عن داري «منشورات تكوين» و«الرافدين»، شغفه بالقراءة الذي بدأ مبكراً، وهو شأن كل من جذبهم هذا العالم الرحب إلى فضاءاته، ليبني لا معارفهم وحدها، وإنما شخصياتهم أيضاً، ولعله أمر ذو مغزى أن يكون الكتاب الأول الذي أسر الرفاعي الفتى، يومها، هو كتاب عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي الموسوم «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» في جزئه الأول، بعد أن وقعت عليه عيناه ويداه وهو لما يزل تلميذاً في بداية المرحلة الثانوية في مكتبة عامة في مدينة الشطرة جنوبي العراق، قريبة من مدرسته، وفيها تعرف إلى الكتب، التي كان من بينها كتاب الوردي هذا.

لم يكن الرفاعي قد سمع يومها باسم هذا الكاتب، ولكنه بُهر بلغته الواضحة المباشرة، «كأنه حكواتي» و«بشجاعة عقله وتحليله للظواهر الاجتماعية المختلفة وتفسيرها بطريقة علمية»، تعرّف إليها للمرة الأولى في حياته. تلك كانت البداية فقط، ولم يكن كل ما قرأه من طراز كتاب الوردي، فثمّة كتب كانت بالنسبة له «نفقاً مظلماً ومتاهة خطرة» ضاع فيها مدة، قبل أن تجد خطاه طريق الخروج منها.

يطوف بنا الرفاعي الذي يقول عن نفسه: «أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء»، في رحلة شائقة ماتعة في هذا الكتاب، نخرج في نهايتها بعدّة من المتعة والمعرفة معاً.

 

https://www.alkhaleej.ae/2023-11-14/%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9/%D8%B4%D9%8A%D8%A1-%D9%85%D8%A7/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7?fbclid=IwAR1xtqv9DS6F_u6q0CzqXoFK1_K33pZ-MYNNuWmX2z8VvrvU4DJe00adOVs

‏ متعة تسوّق الكتب

متعة تسوّق الكتب

د. عبد الجبار الرفاعي

الاهتمامُ بالكتاب صفةٌ حميدة، يحكي جعفر الخليلي في كتابه “هكذا عرفتهم” عن أحد أصدقائه من تجار النجف الأميين،كان يمتلك مكتبةً واسعة تضمُّ آلافَ الكتب، يشتري كلَّ جديد ويجلّده تجليدًا فاخرًا، ويودعه في مكتبته. لا أستطيع المكوثَ ببيتٍ بلا مكتبة، لم أتذمّر يومًا أو أندم من هذا الشره إلى شراء الكتب، ولا أنزعج من تكرار محاولاتي بإعادة تأسيسِ مكتبةٍ كلّما خسرت واحدة منها. في حوزة قم أنشأتُ مكتبةً في ثمانينيات القرن الماضي. متعةُ تسوّق الكتب من أعذبِ متع حياتي، في قم سوقٌ من عدة طوابق يضمُّ مجموعةَ مكتباتٍ لبيع الإصدارات العربية. معظمُ أصحابِ المكتبات من الأصدقاء العراقيين، أتردّد عليهم باستمرار، وأشترى ما أراه جديدًا. أسعار الكتب رخيصة، تنامى رصيدُ المكتبة عاجلًا، بمدة قصيرة تجاوزت مقتنياتها 1000 كتاب. تواصل الشراءُ فضاق البيتُ بالكتب، بعد أن تجاوز عددُها 6000 كتابٍ ومجلة. أمسى مصيرُ المكتبة البيعَ أيام إصدار مجلة قضايا إسلامية معاصرة سنة 1997، وسلسلة الكتاب الرديفة لها. اشترت الكتبَ بمجموعها مكتبةٌ عامة قيدَ الإنشاء تخطّط لأن يكون رصيدُها مليونَ كتاب. اكتأبت العائلةُ واكتأبتُ أنا، وكأن قدرَنا الأبدي رثاءُ مكتباتنا، عندما يتكرّر فقدانُ المكتبة، لأيّ سبب من الأسباب، يغرق الإنسانُ بكابوس خسرانِه كنوزَه النادرة. المكتبةُ مكونٌ جميل لذاكرتنا، ومستودعُ أثمن مقتنياتِنا. زوجتي أم محمد اكتأبت جدًا وعاشت ساعاتٍ مريرة، أجهشت بالبكاء لحظة نزولها للطابق الأسفل، لحظة صدمت بوحشة هذا الطابق؛ وكأنه يرثي رحيلَ المكتبة وهجرانَها للبيت الذي احتضنها وآواها. تصف حالتَها وهي تبكي بكاءً شديدًا، فتقول: شعرتْ كأنَّ روحي انتزعت مني وهرولت بعيدًا عساها تدرك المكتبة.كنتُ أقتّرُ على نفسي بكلِّ شيء غير أساسي، لفرط شغفي حدَ الهوس بالكتب، كنتُ أغفل فأقدّم شراءَ الكتاب على تسوق الفاكهة لأولادي. لا أنسى كلمةً، كلّما تذكّرتها شعرتُ بتأنيب ضميرٍ من تقصيري، قالها ولدي محمد باقر “مواليد 1982” حين كان طفلًا، وهو يراني لحظةَ عودتي للمنزل لا أحمل إلا عدة َكتبٍ، وأنسى شراءَ الفواكه عدةَ أيام، فقال بهدوء ولطف: بابا ليش “لماذا” ما تشتري لنا فواكه!

بعد بيع المكتبة، لم أترك منذ الأسبوع الأول الإدمانَ المزمن على زيارة سوق الكتب، كذلك تكثّفت زياراتي لمعرض الكتاب،كنتُ أذهب مرة أو مرتين، صرتُ أحضر أكثرَ أيام المعرض. أنهمك من الصباح إلى المساء بشراء كمياتٍ من الإصدارات المتنوعة لدور النشر العربية، أسعارُ الكتب مناسبة، أيام وزارة محمد خاتمي لوزارة الإرشاد ثم رئاسته للجمهورية كانت الوزارة تقدّم دعمًا سخيًا لمطبوعات الناشرين المحليين بالورق، وتدعم مختلفَ مبيعات كتب المكتبات من خارج إيران في المعرض. تراكمُ الكتب دعاني لتخصيصِ طابقٍ بتمامه في البيت للمكتبة. استوعبت المكتبةُ المجموعاتِ الكاملة لدورياتٍ عربية وفارسية معروفة، تصلني باستمرار عبر البريد دورياتُ دراساتٍ ومجلاتٌ ثقافية عربية تصدر في بيروت والقاهرة وبلاد الخليج ولندن. راسلتُ مجلةَ المستقبل العربي أطلب منحي اشتراكًا مجانيًا، لم يهمل مركزُ دراسات الوحدة العربية رسالتي؛ فبعث لي جوابًا يشير إلى تسجيل اشتراكٍ ريثما يتبرع أحدُ أصدقاء المركز باشتراكاتٍ مجانية لقراء المجلة، وصلني العددُ الشهري للمجلة بعد مدة وجيزة، مرفقًا بفاتورة اشتراك سنوي أهداه متروك الفالح الذي لم أكن قبل ذلك سمعتُ اسمه، الفالح سعودي أحد أصدقاء المركز المعروفين. يتجدّد هذا الاشتراكُ التطوعي لسنواتٍ متوالية، فتصلني المستقبلُ العربي بلا انقطاع، تمنيتُ أن ألتقي هذا الإنسانَ الكريم يومًا لأشكره.

أضحى رصيدُ الكتب والدوريات يتضاعف سريعًا في المكتبة، في الألفية الجديدة نشأت لدي مكتبةٌ ثانية مودَعة في بيروت، يتراكم فيها فائضُ كتبٍ ودورياتٍ أشتريها من دور النشر اللبنانية، في كلِّ مرةٍ يزيد ما أنقله بعد عودتي في الطائرة عن الوزن الذي أستطيع حملَه. بعد عودتي للوطن وإقامتي ببغداد تكوّنت بالتدريج مكتبةٌ أخرى تملأ اليوم كلَّ غرف البيت. تجمع مكتباتي نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية. لم أعد أحتاج الكتبَ لمطالعتها إلا قليلًا بعد شيوع الكتب الإلكترونية، أحتاج الكتابَ اليوم بوصفه صديقَ العمر الأبدي، الذي مكث معي بعد مغادرةِ كثيرٍ ممن أحبّهم إلى الدار الآخرة، أو هجرتهم إلى بلاد نائية، بعد إكراه المواطن العراقي على العيش خارج أرضه، أو بعد أن عزلتهم الشيخوخةُ عن الحضور التفاعلي في الحياة. وجودُ الكتب في كلِّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلقِ الموت. أتحسّس الكتبَ كائناتٍ حيّة تتغلغل في العاطفة، ويبهجُ حضورُها العقل.كأنها تناديني بلغة عتابٍ حين أنشغل طويلًا بالكتابة والمطالعة على الكمبيوتر. أتحسّس مؤلّفي هذه الكتب كأنهم يتحدّثون إليّ وأتحدث إليهم، يضحكون فأضحك معهم، يبكون فأبكي، يتألمون فاتألم، يكتئبون فأكتئب. حتى لو لم أقرأ أيَّ كتابٍ لا أستطيعُ العيشَ في بيتٍ بلا كتب.

‏لم تعد الحاجةُ للكتاب اليوم كما كانت أمس، بعد الانتشار الواسع للكتاب الإلكتروني وحضوره في كلِّ مكان، وتعدّد مصادر المعرفة وتنوعها وتيسيرها للجميع عبر تطبيقات وسائل التواصل المرئية والمسموعة. أظنّ لإعلاءِ الكتّاب ومدمني القراءة، وأنا منهم، من قيمة الكتاب وتأثيره الاستثنائي الفعّال، وربما تمادى بعضُهم فنفى تأثيرَ ما سواه؛ بواعثَ كامنة في الأعماق، تشي بالشعور بتفوق ثقافتهم ومعرفتهم بالإنسان والعالم على غيرهم، وأن مَن لا يقرأ كأنه لا يعرف الحياةَ مثلما يعرفونها. الكاتبُ الذي يُنتِج الكتاب، ويقرأه، ويعيش مصطحبًا إياه بوصفه رفيقًا للعمر حيثما كان، ويرتبط بصلة عاطفية حميمة معه، يصرّ على الإشادةِ بدور الكتاب المعرفي والثقافي، وأثرِه في إنتاج معنىً لحياته وتسليته. تغذي النرجسيةُ تمجيدَ الكتاب والاحتفاءَ به أحيانًا، والمبالغةَ بتأثيره الواسع، والتعويلَ عليه في إحداث التغيير والتحولات الكبرى في زماننا، والنظرَ إليه بوصفه أساسا لبناء الفرد والمجتمع والدولة. تجاربُ الحياة علّمتني أن بعضَ الأشخاص، ممن لا يعيشون بين أوراق الكتب؛ يعرفون الإنسانَ جيدًا من خلال تفاعلهم اليومي مع الواقع، ربما أكثر مما نعرفه نحن جماعة الكتاب والقراءة، رأيتُهم أكثرَ قدرةً على التكيّفِ مع الواقع، وبناءِ علاقات وثيقة بغيرهم، منا معشر الكتّاب والمثقفين.

قراءةُ الكتب ليست الوحيدةَ اليوم المثمرة في التثقيف وتلقي المعرفة وفهم الإنسان والعالم. مشاهدةُ الأفلام وحضورُ السينما والمسرح العالمي، والأسفارُ والرحلات لمختلف بلدان العالم، والعيشُ مع الناس في المقاهي والأسواق الشعبية، وممارسةُ مختلف المهن الفنية، والفلاحةُ والتأمل في فضاء الطبيعة الممتع،كلُّها تفتح آفاقًا للحياة يتعلّم فيها الإنسانُ طرقَ العيش، ويتعرّفُ على الذات، ويكتشفُ ما يشترك معه من كائناتٍ في الأرض. ممارسةُ السياسة والعمل التنظيمي الحزبي والنقابي، وحتى التجارب المريرة في السجون، تمنح الإنسانَ خبراتٍ ودروسًا لا يعرف معظمَها إنسانٌ قلّما يتفاعل مع الواقع ونادرًا ما يكدح في الحياة، ولا يستطيع العيشَ بعيدًا عن أوراق الكتب.

أبقى صامتًا، عندما أستمع إلى ما يحكيه ولدي علي عن أفلام هوليوود، يشرح قصصًا بمضمون فلسفي عميق لأفلام المخرجين والممثلين المشاهير، وكيف تتكشف بها بشكل درامي تناقضاتُ الإنسان ومصائرُه وأقدارُه المفروضة عليه. علي مغرم بالسينما، بدأ يشاهد أفلام هوليود بعمر 14 سنة، نحو أربع ساعات يوميًا، منها تعلّم الانجليزية بطلاقة، وصار خبيرًا بعلم النفس. أفتقرُ لنمط ثقافته ومعرفته الغنية المتنوعة، أرى ثقافتي فقيرةً مقارنة بنوع ثقافته وجيله؛ ممن يمتلكون مصادرَ بديلة للمعرفة غير الكتاب. لم يقرأوا كثيرًا، إلا أن مصادرَهم في تلقي المعرفة غزيرةٌ تفرض عليك الاهتمامَ بها وتقديرها، خاصة في عصرنا الذي يزيح فيه الإنترنتُ وتطبيقاتُ وسائل التواصل الكتابَ والورقَ بالتدريج.

أدركتُ متأخرًا أن واحدةً من ثغرات شخصية مَن يعيش معظم حياته في فضاء الكتب هي نسيانُ الواقع، والجهلُ بأكثر ما يطفو على سطحه، وما هو محتجبٌ في مدياته الواسعة وطبقاته القصية. لا يتعلّم الإنسانُ من الكلمات الا قليلًا، الواقعُ معلّمٌ عظيم، مَن يهرب من خوض معارك الواقع ولا يطيق الانغمارَ في شجونه، يخسر أكثرَ ما يزجّه العيشُ فيه من معارك مباغتة، ويظلّ عاجزًا عن معرفة كثيرٍ مما يضمره البشر، ويصدمه بعضُ الأصدقاء بمواقفهم المستهجنة أحيانًا، ويستغرب من الناس سلوكَهم الذي اعتادوا عليه. ‏يتطلب التعلّمُ العملي أن يعيش الإنسانُ الواقعَ بكلِّ تناقضاته، ويتذوق ما يحفل به من عطايا، ويتجرّع مراراته، ويكتشف ما تفرضه عليه الحياةُ من ضروراتٍ لابدّ منها.

أنا وأمثالي يفاجؤنا الواقعُ، وأحيانًا يصدمنا سلوكُ الإنسان، بما لا يفاجئ ولا يصدم غيرَنا، ممن اختبروا الواقعَ ومحصوه؛ عبر التوغلِ في طبقاته الظاهرة والخفية، ووعي طرائق العيش، ومواجهة مختلف المواقف الأخلاقية واللاأخلاقية، وشهودِ ما يفعله الناسُ من تمويهٍ ومراوغةٍ واختباءٍ خلف الأقنعة. الكتبُ تسكن الكاتبَ مثلما يسكنها، لذلك يعيش مغترِبًا مَن يغادر الحياةَ ويطمر نفسَه في أوراقها. هذا الإنسانُ يظلّ يفتش عن حياةٍ على شاكلة الكتب التي يقرأها، وتلك الحياة لن يراها أبدًا، مهما بحث عنها في كلِّ زوايا الواقع المعيش.

 

 

 

 

كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم

كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم

د. عبد الجبار الرفاعي

غامرت بالفرار إلى الكويت في متاهات الصحراء ليلًا، رغم وضعي الأمني الطارئ ببلد دخلته بلا جواز سفر، حرصت على اقتناء الكتاب أكثر من حرصي على أي شيء آخر أول وصولي،كثيرٌ من الممنوعات ذلك الوقت في العراق مسموح ببيعها في المكتبات هنا. متعةُ الظفر بكتاب ممنوع بعد سنواتٍ من البحث عنه لا يعرفها إلا هواةُ الكتب. في زمن غياب المنع ووفرة الكتب الورقية والإلكترونية، يخسر القارئ هذا النوع من الشوق الغريب للممنوع، ولا يبتهجُ بمتعة الظفر بكتاب بعد سنواتٍ مديدة من البحث عنه. بعد أيام من وصولي بدأت تتشكل مكتبة في مقر إقامتي الجديد، تضاعفت أعداد الكتب وتنوعت بمدة قليلة، ولأول مرة تتغلب كتب الفلسفة والعلوم الإنسانية على الكتب الدينية في مقتنيات المكتبة. أرتاد مكتبات البيع باستمرار، أحاول التعرّفَ على جغرافيا توزيعها في مدينة الكويت. في مكتبة دار البحوث العلمية تعرّفت على مجلة المسلم المعاصر، ومحيي الدين عطية شقيق رئيس تحرير المجلة مدير الدار، ومؤسّسِها جمال الدين عطية. نشأت صداقة مع الأخوين، الأول عبر اللقاء عند زيارة دار البحوث العلمية، والثاني عبر المراسلة. من العدد الأول كنت أقرأ أعدادَ المسلم المعاصر بتمامها غالبًا، كانت أعدادُ السنوات الأولى تناقش موضوعاتٍ تتّصل بواقع حياةِ المسلم اليوم وشؤونه، يتّسع هامشُ الحرية لنقاش أصواتٍ متعارضة على صفحاتها، قبل أن يضيق أفقُ هذه المجلة بعد سنواتٍ من صدورها، ويحتكرها صوتٌ واحدٌ ينطق بكلماتٍ متشابهة وألفاظٍ مكرَّرة. نشرتُ فيها سلسلةَ موضوعات، لم أظفر بأعدادها الجديدة بعد مغادرة الكويت، بعد سنواتٍ نسيت ما نشرته فيها،كان المحرّرُ نبيلًا، إذ تلقّيت شيكًا بقيمة 800 دولار مكافأة لم أتوقّعها، وأنا في ضائقةٍ مادية حرجة نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

تضاعف عددُ مقتنياتِ مكتبتي في الكويت بمدة محدودة، تجاوز عدد عناوينها 1000 كتاب، لم أبخل بشراء أي َّكتابٍ أحتاجه أو أتوقّع احتياجَه غدًا. ساعات اليوم تمضي في العمل، والمهام المتنوعة والعلاقات، لم أستطع تخصيصَ وقتي بتمامه للقراءة، تراجع نصيب الكتاب من ميزانية الوقت، لم يختص إلا بساعاتٍ قليلة ليلًا. باغتتنا حوادثُ طارئة، لا أعرف من يقف وراءها، اضطررت لمغادرة الكويت فجأة. كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم،كان مصير هذه المكتبة مشؤومًا، لفرط خوفه مما تتضمّنُه محتوياتُها أرسلها صاحبُ البيت الذي استأجرته عاجلًا إلى المحرقة فاستحالت رمادًا. ليس في كتبي كتابٌ واحدٌ ممنوع، تفهّمت ظروفَ الرجل وما تعرّض له من إكراهٍ يفوق طاقتَه فعذرته. كان لا يقرأ ولا يكتب، ظلت تقلقه نشاطاتي ورفاقي ضد نظام صدام، هو إنسان طيب يمقت العملَ السياسي.

أعاد لي حدثُ احراق مكتبتي المرير شريطَ صور مجازر المكتبات وحرائقها الانتقامية في مختلف العصور. أكاد أتحسس ابادةَ مكتبات بغداد المريعة، بعد سقوطها بيد هولاكو وجيشه المتوحش سنة 656 ه/1258م، وحرائقَ مكتبات الأندلس بعد سقوط غرناطة، فمثلًا أصدر الكاردينال سيسنيروس أمرًا سنة 1501 بحرق مكتبة “مدينة الزهراء” التي تضم كثير من الكتب بغرناطة، وسلسلةَ حرائق المكتبات في مدن الأرض المنكوبة على مر التاريخ[1]. عندما أراجع المصنفات القديمة المختصة بالمصنفين وآثارهم،ككتاب الفهرست لابن النديم، أقرأ مئات العناوين البائدة، والمبادة بدوافع سياسية واعتقادية وانتقامية، تارة بالحرق، وأخرى بغسل كتابتها بالماء، وثالثة بالإغراق، وبمختلف أفعال التدمير الأخرى. فقد تعرض تراث أديان وفرق ومذاهب للتدمير المريع،كما حدث مع المعتزلة وتضييع جواهر مؤلفاتهم. أحيانًا يلجأ المدون الرسمي للعقيدة لطمس مؤلفات علماء لديهم آراء تتعارض ورأيه، وإن كانوا من مجتهدي الفرقة ذاتها. الأقسى من ذلك أن يعمد أحدُ العلماء إلى ابادة مؤلفاته، كما فعل أبو حيان التوحيدي وغيره احتجاجًا على نكد الأيام. يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء: “وكان أبو حيّان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلّة جدواها، وضنّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته. وكتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمّد يعذله على صنيعه، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه. فكتب إليه أبو حيّان يعتذر من ذلك… وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع، على ظماء برح منّي إليه، وشكرت الله تعالى على النعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد ذكر الشوق إليّ والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء”. وأضاف أبو حيّان التوحيدي، وهو يسوق أسباب ذلك الفعل الموجع: “وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدًا وفقهًا وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلّنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطيّرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار”[2].

[1] ذكر ناصر الحزيمي في كتابه “حرق الكتب في التراث العربي”، المكتبات التي تم حرقها وتدميرها في مدن الإسلام. صدر الكتاب عن دار الجمل ببيروت.

[2] ياقوت الحموي، كتاب معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق: إحسان عباس، ترجمة أبو حيان التوحيدي، ط1، ١٤١٤ – ١٩٩٣، دار الغرب الإسلامي، بيروت. النص منقول من نسخة المكتبة الشاملة.

https://alsabaah.iq/82454-.html

مكتباتنا أرشيف ذكرياتنا

مكتباتنا أرشيف ذكرياتنا

د. عبدالجبار الرفاعي

كلُّ كتابٍ في المكتبة يحكي قصةً ويؤرّخُ لمناسبة في حياة القارئِ والكاتب، حين أتناول كتابًا بعد سنوات طويلة من اقتنائه تأتي معه سلةُ ذكرياتٍ وحكايات. أكثرُ المرات أتذكّرُ الشخصَ الذي ابتعتُ منه الكتاب، والمكتبةَ والمعرض والمدينة، وربما تاريخَ الشراء والسعر أيضًا. إن كان الكتابُ هديةً من عزيز وموشى بتوقيعه، تظلّ بصمتُه ضوءًا لا تمحوه الأيام بعد رحيله من الدنيا. يعرف مَن يعيش في فضاء الكتب ما تتحدث إليه لوحاتُ أغلفتِها وألوانها وأشكالها، وما تحكيه خطوطُ عناوينها، وإخراجُ صفحاتها وحروفُ كلماتها، وما تبثّه روائحُها ونكهةُ أوراقها. المولعون بالكتب يشعرون بالهدوء والأنس لحظةَ تحدّثهم وينصتون إليها بعيدًا عن أيّ شيء سواها.

المكتبةُ متحفٌ يكتنزُ أثمنَ ما يمتلكه الكاتبُ بحياته. نشأت أوّلُ مكتبةٍ لديّ بتراكم كرّاساتٍ مستلّة من ألف ليلة وليلة، مطبوعةٍ على ورقِ جرائد رخيص. أخذتُ أذنًا من أهلي باستعمال حقيبةٍ معدنية صغيرة أودع فيها تلك الكراسات، أعود إليها لأستأنف مطالعتَها باستمرار. حدث تزويدٌ لهذه المجموعة عندما انتقلتُ إلى الشطرة، فبدأت تتراكم شهريًا أعدادُ مجلة العربي، مضافًا إلى بعض الكتب والكتيّبات والمطبوعات الحكومية بأسعار تشجيعية. في الصف الخامس الثانوي امتلأت الحقيبةُ المعدنية الصغيرة، فأهدتني والدتي صندوقًا خشبيًا كبيرًا، أفرغتُ محتوياتِه اليسيرة من ثيابٍ قديمة وأشياءَ بسيطة في صندوق أكبر، رافقها ذلك الصندوقُ منذ أيام زواجهما الاولى هي وأبي. ليس هناك أثاثٌ للزواج غير هذا الصندوق في حياة الآباء، هذا كلُّ أثاثِ زواج سكان “الصرائف”[1] ذلك الزمان. الكتب القديمة المكدّسة في الصندوق تشبّعث بدخان النار الموقدةِ داخل الصريفة المغلقة بلا نوافذ في الشتاء، بنحو تبدّل لونُ أوراقها فصار قاتمًا.

بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكمُ الكتب يتنامى ويضيق معه فضاءُ الصندوق بالكتب المضافة. لا دروس لديَّ يوم الخميس، مقرّ إقامتي في السكن الطلابي بمنطقة أبو غريب بضواحي بغداد ذلك الزمان، أذهب بعد الإفطار صباحًا إلى مكتباتِ التحرير في شارع السعدون. أكرّر هذه الجولة أسبوعيًا، لا أترك مكتبةً أراها، في كلّ مكتبةٍ أزورها أمكث طويلًا، أفتّش عن كتابٍ لا أدري ما هو، لا أعرفه ولا أعرف مؤلّفَه! أقرأ عنوانات الكتب وكأني تائه، أكتشف في رحلة التيه الممتعة بعضَ الكتب الثمينة، تعرّفت على مؤلفين لم أسمع عنهم من قبل. بعد هذه السياحة في مكتبات التحرير، أتّجهُ للمركز الثقافي السوفياتي قرب فندق السفير أول شارع أبو نواس ببغداد، يعرض المركزُ مطبوعاتٍ عربية دعائية مجانًا. في تلك السنوات كنت أزورُ معرضَ بغداد الدولي التجاري “ليس معرضًا للكتاب”، أجنحةُ الدول في المعرض تعرض صناعاتِها ومنتجاتها، الجناح الكوري الشمالي هو الوحيد الذي ينشغل بتوزيعِ أكداسٍ لكتب بحجم ٍكبير بالعربية مجانًا، مطبوعةٍ بأفخر أنواعِ الورق والأغلفة. تحمل الأغلفةُ صورةَ زعيمها كيم إيل سونغ جد حاكم كوريا الشمالية اليوم. بعد قراءة المقدمة والاطلاع على محتويات الكتاب وتقليبِ صفحاته، لا تستهويني لغتُه، ولا أتفاعل ومقولاتِه، أمقت استبدادَه واستعبادَه لشعبه.

في حوزة النجف كنتُ أحضر مزادَ الكتب الذي يقيمه محمد كاظم الكتبي صاحبُ المكتبة الحيدرية صباحَ يوم الجمعة، مزادُ الكتب يستحثّ عشّاقَ الكتاب للحضور، لا أشتري إلا قليلًا جدًا مما يتنافس عليه المشترون، وإن كنتُ أتلهّف لاقتناء كتبٍ تضيق قدرتي المالية عن ثمنها. يجلب طلابُ الحوزة كتبًا يضطرون لبيعها لضروراتٍ معيشية ولو كانوا محتاجينفي دراستهم إليها، أو أنها فائضة عن الحاجة. بعضُ الورثة يتخلّصون عاجلًا من مكتبات الآباء فيبادرون لعرضِها في المزاد، أو طردِها بطريقةٍ مهينة من مأواها. نقل لي أحدُ الأصدقاء واقعةً مأساوية لمصير مكتبة قيِّمة لأحد تجار بغداد بداية القرن الماضي، يقول: كان هذا التاجرُ من عشّاق الكتاب، لديه خبرةٌ جيدة بالكتب والمؤلفين، يقتني المطبوعاتِ والمخطوطاتِ النفيسة، وكان ضنينًا بالإعارة، لا يسمحُ أن يخرجَ أيُّ كتاب من بيته. ظلّ يتربص بعضُ أصدقائه يوم وفاته، عسى أن يستعيروا كتبًا بحاجة إليها من ورثته، بعد مضي أيامٍ قليلة على وفاته ذهبوا للأبناء لاستعارة ما هم بحاجةٍ ماسة إليه، فقال الورثة: ليتكم جئتم أبكر، بعد فراغنا من عزاء الوالد كنا بحاجةٍ ماسة لتفريغ غرفِ المكتبة، فوضعنا كلَّ الكتب في أكياسِ بضائعَ كبيرةٍ وألقيناها في نهر دجلة. آغا بزرك الطهراني يروي في موسوعتيه: “الذريعة إلى تصانيف الشيعة”، و”طبقات أعلام الشيعة” قصصًا مؤلمة عن مصير بعض المكتبات، لفرط اعتزازِ أصحابِها بالكتابِ يرفضون إعارتَه، تلاشت بعد وفاتهم مكتباتُهم ببيعِها من الورثة بطريقةٍ عشوائية، أو إهمالِها والتفريطِ بمقتنياتِها. أظنُّ هذه كانت نهايةَ مكتباتٍ عديدة لا نعرفها، ولعل هذا ما ينتظر مكتباتٍ أخرى يعتزُّ بها أصحابُها ويدخرون فيها أغلى ذكرياتِهم.

نأمل أن يتنبّه الورثةُ لما كابده الآباءُ في بناء مكتباتِهم،كلُّ كتابٍ يسجّل أحدَ قصصِ حياة الآباء. الوفاءُ خُلُقُ النبلاء، مصيرُ المكتبات يتحكمُ فيه الورثة، أحيانًا يجهل الورثةُ قيمةَ الكتب، وأحيانًا يكون الورثةُ بلا وفاءٍ وبلا ضميرٍ أخلاقي، ولذا فعلى صاحبها وهو حيّ تأمينُ ما تؤول إليه غدًا، وإن كان أملُ الإنسان بالخلود في الحياة الدنيا لا يدعوه للاهتمام بما تؤول إليه مكتبتُه وأشياءُ ثمينة غيرها من ممتلكاته. المكتبةُ أحدُ مكونات الهوية الشخصية، وأرشيفُ ذكرياتِ مَن أنشأها، لا يشعر بقوة حضورِها في وجدانه غيرُ صاحبها. لتشبّعِ الكاتب بمناخاتِ مكتبته، وعيشِه أكثرَ عمرِه داخلها، تحدث صلةٌ حيّة بينه وبينها، لحظة يموت كأن مكتبتَه تكتئب ولا تطيق الحياةَ بدونه، فتعلن التحاقَها به أيضًا، لفرطِ صدمتِها قد يكون موتُها انتحارًا. عالمُ الأبناء غيرُ عالم الآباء اليوم، حياتهم تغيّرت كثيرًا، نمطُ العيش في البيوت الواسعة بدأ ينحسر، فرض تضخمُ المدن واتساعُها أفقيًا وابتلاعُها المزارعَ والبساتين والغطاءَ الأخضر، الانتقالَ للمباني العمودية ووحداتها السكنية الضيقة، أغلبها بالكاد يتسع للأثاث المنزلي، فأين تأوي رفوفُ الكتب الممتدة. أغلب الجيل الجديد يقرأ الكترونيًا، ويفتقر لحنين الآباء للورق، ولدي محمد حسين الرفاعي أخبرني أنه اعتمد على كثير من المرجع أغلبها الكترونية، عندما كتب أطروحتَه للدكتوراه.

بعد اشتداد الرقابة، وازدياد عدد العنوانات الممنوعة في العراق بشكل واسع، أضحى تزويدُ المكتبات من إصدارات بيروت والقاهرة وغيرهما شحيحًا أواخر سبعينيات القرن الماضي. قلّما تُضاف عنوانات جديدةٌ لمطبوعاتٍ من خارج العراق. أكرّر زيارةَ المكتبات في النجف أكثر من مرة أسبوعيًا، أحيانًا أجد كتابًا جيدًا بثمن زهيد، أنفق نسبةً مما يصلني من راتب محدود في الحوزة على شراء الكتب. اتسعت المكتبةُ بسرعةٍ تفوق ما أتوقّع، إثر تزويدها المتواصل بعنوانات كتبٍ منتقاة، من المقرّراتِ الدراسية في الحوزة وشروحِها لمرحلتي المقدّماتِ والسطوح. نسبةٌ ليست قليلةً من الكتب الفقهية والأصولية كانت بطبعاتٍ حجرية بحجم الموسوعات، تزدحم داخلَها شروحٌ وتعليقاتٌ وحواشي فقهاء وعلماء أصولٍ لامعين،كثيرٌ منها تستوعب مجموعةُ صفحاتها عدةَ كتبٍ متجاورة، مرسومةٍ بأشكالٍ هندسية متناظرة، مدونةٍ بخطوط متنوعة غاية في الروعة. تجاوز عددُ مقتنيات المكتبة مدة إقامتي بالنجف 800 كتاب. بعضُها مجلات صدرت في النجف وبغداد قبل سنوات، مثل: الأضواء، الإيمان، النجف، رسالة الإسلام، وغيرها. أكثر ما تحتويه المكتبةُ قرأتُه بعناية، أنكبُّ ساعاتٍ طويلة على قراءة المطبوعات الحجرية، قراءةُ المجلاتِ والكتب محطةُ استراحة. أقرأ سريعًا، كأني أمام امتحان، لا أفرغ من كتاب إلا وحفظت شيئًا من محتوياته. في يومين فرغت من مطالعة كتاب: “لمحات من تاريخ العالم”، يتضمن رسائلَ جواهر لال نهرو لابنته أنديرا غاندي من سجنه، عدد الرسائل 196 رسالة، من أكتوبر 1930 إلى أغسطس 1933. رأيته من أمتعِ الكتب وأكثرها نفعًا تلك الأيام.كتابٌ زاخرٌ بالوقائع والمعلومات، والرؤى الذكية لسياسي واقعي متمرس، يهتم بدراسةِ وتحليلِ مواقفَ صنّاعِ التاريخ واستخلاصِ دروسِ حياتهم. نهرو وريث المهاتما غاندي السياسي، غاندي ونهرو مؤسسا الدولة الحديثة في الهند بعد تحررها من الاستعمار البريطاني، أمرَ نهرو بسنّ دستور الهند سنة 1950، الذي كفلَ التداول السلمي للسلطة في بلاد شاسعة تتجاور على أرضها أديانٌ وطوائفُ وقومياتٌ وثقافاتٌ ولغاتٌ متنوعة. منذ لحظة الانطلاق مازال المجتمعُ الهندي يراكم تطورًا علميًا لافتًا، ويساهم بابتكار أحدث البرمجيات وكلِّ ما يتصل بالكمبيوتر وغيره من التكنولوجيات المتقدمة.

أُكرهت على مغادرة بيتي في النجف، وفقدان ما أمتلكه، ولم يكن غير أثاث منزلي الزهيد، لم أكترث بأي شيء نُهِب سوى المكتبة حيث أودعت أغلى ذكرياتي في حوزة النجف.كلُّ شيء في البيت وقع في قبضة شرطة الأمن، لا أتذكّر أيَّ شيءٍ أقسى مرارةً من ضياع كتب عشت معها وعاشت معي، وأنفقت وقتي بدراستِها ومطالعتها.

[1] الصرائف نمط موروث من البيوت، الشائعة في حياة سكان الأهوار في العراق، مبنية بالقصب والحصران “البواري” المصنوعة من القصب.

https://alsabaah.iq/82007-.html