Category: النزعة الإنسانية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html

عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

د. حسن حنفى[1]

أثناء زيارة قم بعد قيام الثورة، وبالمصادفة تعرفت على شاب عراقى فى مقتبل العمر في حوزة قم، يجتهد ويفكر فى مدينة الاجتهاد والتفكير. حوّل بيته إلى مكتبة، وحصير غرفه إلى منتدى فكري وقاعات للاستقبال والدراسة، على طريقة العلماء القدماء. هو وأسرته يستقبلون الطلاب. لا فرق بين منزل وجامعة، بين طعام الجسد وطعام الروح.

هو فقيه وعالم من علماء التراث، منفتح على قضايا العصر، مثل عديد من العلماء فى قم الذين يحملون همّ نشر التراث، كما تفعل مؤسسة آل البيت لإحياء التراث للعلامة جواد الشهرستانى، التى أسسها وأنفق عليها، ويعمل فيها المححقون الشبان. ومثل أصحاب مكتبات التراث التى تزخر بها شوارع قم، فالدين والعلم قرينان. كما تزخر قم بعديد من مراكز الأبحاث لتربية العلماء الشبان، إقامة ودراسة،كما كان الحال فى تراثنا القديم، حتى أروقة الأزهر القريبة العهد. لا يحتاج العلم إلى دولة ترعاه، أو مؤسسة تسانده، بل يكفى أن يتطوع عالم بمفرده بكل ذلك، على سنة القدماء أو ما يسمى قطّاعا خاصا أو مؤسسات ثقافية للمجتمع المدنى. فالعلم هو الدولة، والدولة صرح يشيده العلماء.

بدأت الأعداد الأولى لمجلته “قضايا إسلامية معاصرة” فى الصدور، تنبئ بمضمونها واتجاهها، الطريق الثالث الذى يتجاوز السلفيين والعلمانيين. وتفتح صفحاتها إلى عديد من المفكرين الجدد الذين يمثلون هذا التيار، فى شكل حوارات معهم أو مقالات منهم، واضحة ومفهومة، وقادرة على إقناع القراء بما تريد. فما كنت أفكر فيه: في إنشاء مجلة فصلية “اليسار الإسلامى” ها هى تصدر فى قم، بصرف النظر عن العنوان. والأفكار تتوالى بصرف النظر عن المكان، قم أم القاهرة، مما يدل على مدى الحاجة إليها وواقعيتها. فقد آن الأوان لتطوير الفكر الإصلاحى، من الخطاب الأخلاقى الوعظى إلى الخطاب العلمى التحليلى.

 

هو عراقى مهاجر إلى حوزة قم، بعد أن حُكم عليه بالإعدام فى بغداد، أيام حكم الاستبداد السابق، ومطاردة العلماء والقادة الوطنيين. لم تكن الهجرة إلى باريس أو لندن للنضال من بُعد، بل كانت إلى قم مدينة العلم والثورة، والقريبة إلى بغداد. واستمر النضال الثقافى كأساس للنضال السياسى فى أيام الثورة الأولى، التى كانت تمثل أملاً للمسلمين جميعا، خاصة فى فلسطين بعد أن تحولت سفارة إسرائيل المفتوحة أيام الشاه إلى سفارة لفلسطين.

وصدرت الأعداد الأولى لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وكأننى أقرأ نفسى، لا فرق بين شيعة وسنة. تحمل نفس الهموم، قضايا “التراث والتجديد”، متجاوزة ما كان يصدر فى العالم الإسلامى، فى الكويت، أو فى ماليزيا. تحمل همومًا ثقافية، وإن لم تشر صراحة إلى العراق أو إيران أو الثورة الإسلامية. وقد تجلى ذلك فى المقابلة مع عبد الجبار الرفاعى، بعنوان “قم تسأل، والقاهرة تجيب”، مما أحزن بعض علماء قم، وكأن قم هى الحائرة، والقاهرة هى التى لديها الخبر اليقين، وهو غير صحيح على الإطلاق.كان يمكن أن يكون العنوان بالعكس “القاهرة تسأل، وقم تجيب”. فالسؤال أحيانا أهم من الجواب.

وفى القاهرة صدر العدد الأول من “اليسار الإسلامى” عام 1980 حاملاً همّ الأمة، فى العراق وفلسطين وكشمير والحجاز. فلماذا لا تتعدد البؤر الثقافية للإسلام التنويرى على مختلف مداخله، فى قم والقاهرة وفى كل مدينة ثقافية إسلامية. فالبحث جار عنه فى أندونيسيا وماليزيا وجنوب أفريقيا، يساهم فى تحرير الشعوب ونهضتها، وإنشاء جيل جديد يشق طريقه بين السلفيين والعلمانيين، بين القدماء والمحدثين، بين التقليديين والتجديديين، مثل “نهضة العلماء” فى أندونيسيا.

وتحويل “قضايا إسلامية معاصرة” من قم إلى بغداد، وعودة مؤسسها إلى موطنه الأصلى، شجاعة كبيرة فى جو العراق بعد نهاية الاستبداد، حيث الاحتلال مازال جاثما بطريقة أو بأخرى، وما يهدد العراق من مخاطر التجزئة. فالتحرر الحقيقى لا يأتى فقط عن طريق المقاومة العسكرية للاحتلال، أو مقاومة التجزئة الطائفية والعرقية، بين الشمال الكردى والوسط السنى والجنوب الشيعى، بل يأتى عن طريق العمل الثقافى على الأمد الطويل، وإعادة تفسير التوحيد بما يحقق وحدة العراق، والعدل بما يحقق العدالة الاجتماعية، والنبوة والمعاد كبعد للتاريخ بين الماضى والمستقبل، والإيمان والعمل هو الحاضر والتأثير فيه. ولا يكفى فقط إعادة قراءة العقائد، بل أيضا الأحكام الشرعية، وإعطاء الأولوية للمعاملات على العبادات. تستطيع “قضايا إسلامية معاصرة”  أن تكون منبرا للحوار الوطنى بين مثقفى العراق وعلمائه، وليس فقط بين ساسته. فالثقافة السياسية لها الأولوية على العمل السياسى.

شارك عبد الجبار الرفاعى فى أعمال الجمعية الفلسفية المصرية فى مؤتمرها بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية، وهو أحد أعضائها البارزين.كان سيقدم هذا العام سيرته الذاتية، لولا أن منعته الظروف من الحضور. وهو يمثل تيارا تنويريا فى العراق وإيران. كما يمثل “اليسار الإسلامى” هذا التيار فى مصر. وقد أصبح هذا التيار شائعًا كموضوع دراسة فى الماجستير والدكتوراه.

ومازالت هناك صعوبات أمام التيار الذى تمثله “قضايا إسلامية معاصرة”، و”اليسار الإسلامى”. كيف يمكن تحويل اجتهادات فردية فى بغداد والقاهرة إلى تيار فكرى، له مفكروه وطلابه وأنصاره وتأثيره؟ فمازال الاستقطاب بين التيارين الكبيرين، الإسلامى والعلمانى شديدًا، لدرجة الخصومة والتناقض، بل والعداوة والعدوان. الإسلاميون يكفّرون المدنيين، والمدنيون يخوّنون الإسلاميين، لدرجة قسمة البلاد إلى فريقين متناحرين متنازعين. ونسى كلاهما العداوة الرئيسية للاستبداد فى الداخل، والعدوان فى الخارج، والتبعية لأمريكا، والاستيطان الإسرائيلى. مازال كل فريق يتسابق نحو السلطة، ظانا أنه إذا حصل عليها استطاع أن يحقق برنامجه الدينى أو المدنى: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

لا تتبنى الرفاعي أية مؤسسة، أو أى حزب، أو أى نظام سياسى. فمازال المنطق السائد هو منطق “إما… أو” على النقيضين، وليس منطق “معًا” أو “سويًا”، تحت تأثير حديث الفرقة الناجية، ووجود الحق من جانب واحد. بل إن الإصلاح الذى حاول التجديد والخروج من مأزق الاستقطاب كبا أكثر من مرة، بسبب اضطهاد الإسلاميين وسجنهم وتعذيبهم، فارتدوا معظمهم سلفيين محافظين.

الكل ينادى بالحل الثالث، وضرورة تجاوز الاستقطاب، لكن الواقع لا أحد يريده أو يفهمه، لأنه لا يطالب بالسلطة مطلب الفريقين المتنازعين. ويعمل على الأمد الطويل، التغيير الثقافى، والانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة. يتهمه العلمانيون بالإسلامية المتخفية، ويتهمه الإسلاميون بالعلمانية المتخفية. ليس له منبر يستطيع التحدث من خلاله. مازال تيارًا فكريًا يتمثله بعض المثقفين. وهو بعيد عن الوسطية التى تنتهجها التيارات الإسلامية المحافظة، لأنه يتطلب أحيانًا الثورة والتطرف فى أخذ حقوق الفقراء من أموال الأغنياء، وحقوق المستضعفين من نهب المستكبرين. لا يتعامل مع نظم سياسية، حتى لا يفقد استقلاله، ويظل تيارًا فكريًا يخاطب المثقفين، لإعادة بناء الثقافة الشعبية. هذا ما تمثله “قضايا إسلامية معاصرة” بإشراف وتوجيه عبد الجبار الرفاعى.

تحتاج المجلة إلى مزيد من التعريف والانتشار خارج العراق. ومازالت فى حاجة إلى تعدد كتّابها، وعدم قصرهم على فئة واحدة. وكل شىء يبدأ صغيرًا وينتهى كبيرًا. و قضايا إسلامية معاصرة بدأت كبيرة ومازالت تكبر، بفضل صاحبها ومؤسسها وراعيها وحاميها من غوائل الزمان عبدالجبار الرفاعي.

نعيد نشر هذه الشهادة تخليدًا لذكرى الصديق العزيز المرحوم الدكتور حسن حنفي، الذي كتبها بمناسبة صدور العدد 60 التذكاري لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. عندما كانت كتاباته حاضرة بكثافة في المجلة، خاصة في موضوع “علم الكلام الجديد”، الذي خصصت له المجلة ستة أعداد في سنواتها الأولى، وغيره من محاور المجلة في سنوات لاحقة.

[1] مفكر مصري.

 

https://tafker.net/2024/07/11/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A8%D9%82%D9%84/

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

ميسلون هادي

يقف الدكتور عبد الجبار الرفاعي في الضد من الذين يمزقون النسيج المجتمعي، والعبث بأمنه وسلامته بذريعة الإيديولوجيا، وتقديم المعتقد على الوطنية، وينتقد دفاع حسن حنفي المستميت عن أفكار سيد قطب، التي غرست كراهية عميقة لمجتمعه، ولكل مختلف بمعتقده عنه، بل وصنّفت كل ما حوله على أنه (جاهلية). فدعوة حسن حنفي لتجديد (التراث بالتراث) قد أَهدرتْ، حسب الرفاعي، قرنين من الزمان، لم تحرز فيه نجاحا يذكر. لأن من يحولون الدين إلى أيديولوجيا يختزلونه في قوانين ثابتة وقوالب جامدة لا تلتفت الى الواقع المتحول كشلال متدفق.

يسجل الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المهم وقفات مستفيضة إزاء بوصلات التفكير لمجموعة من المفكرين الذين خاضوا في مسألة نقد الفكر الديني وتجديده:

  1. علي الوردي، وهو أول مثقف ديني نقدي في العراق، حسب الرفاعي، وكان جسوراً في طروحاته، التي مثلت صرخة جريئة مدوية بالنسبة لزمانها، إذ كتب الدكتور علي الوردي بلغة الناس المحكية البسيطة، فوصلت بساطتها إلى فئات مختلفة من القراء، ووجدت لغته الساخرة والحيوية الآذان الصاغية لها، لأنها ظلت بعيدة عن الوعظ المباشر لرجال الدين. غير أن بذرة المثقف الديني النقدي لم تكتمل، وانصرف الوردي تدريجيا عن الدين، واهتم بدراسة وتحليل قضايا مجتمعية أكثر قربا من اختصاصه. يأخذ عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنه كان حماسياً في بعض طروحاته، فثبت على مبدأ التناشر والازدواجية في الشخصية العراقية، مع أن المجتمع قد تغير كثيرا من حوله، كما أنه ركز على جوانب سلبية من الشخصية العراقية، قد يكون وجودها طبيعياً، مثلها مثل باقي البشر، وتجاهل مزايا أخرى تمتعت بها. وقد نقد الوردي نفسه حول ذلك، وقال لاحقا أن النهج العلمي يحتم عليه أن يذكر المحاسن والمساوئ دون مبالغة أو مغالاة.. وأخيراً يتوقف الرفاعي مع الوردي عند مسألة مهمة هي الأخطاء اللغوية التي تعتور كتاباته، وقد اعترف علي الوردي بها، بل ودافع عن تلك الأخطاء، التي يصعب عليه استدراكها، لصعوبة قواعد اللغة العربية ووعورتها. وهنا يعرج الرفاعي إلى ضرورة تيسير اللغة العربية، وتخليصها من القواعد الصعبة التي تؤثر على سلاسة إيصال المعنى، كما يعترف الرفاعي (بتواضع العلماء) أنه يحيل أعماله إلى محرر لغوي، لكي تخرج سليمة من الأخطاء النحوية.
  2. حسن حنفي، الذي نادى باليسار الإسلامي، ويسميه الرفاعي بجامع الفلسفة مع الكهنوت، أي جامع الأشياء المتنافرة مع بعضها البعض، ومع أن كتاباته تخلو من التحريض على المذاهب، واللوثة الطائفية لم تصبها، غير أنه حاول استعارة جلباب التراث وخلعه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، أي أراد تجديد التراث بالتراث، وهذا تناقض بحد ذاته، لأنه يعزل المجتمع عن العلوم والمعارف الحديثة، كما أنه يقدم توفيقا ملفقا بين الفرق والتيارات والاتجاهات والايديولوجيات المختلفة.
  3. داريوش شايغان، الفيلسوف المغمور الذي حذر من أدلجة الدين، لأنه يحوله إلى شأن دنيوي. بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي. يتحمس الرفاعي لشايغان لأن الأيديلوجيا ليست معادية للدين فقط، وإنما معادية للفلسفة.
  4. سيد حسين نصر، وهو من جماعة الحكمة الخالدة، أو المعرفة الأزلية المتعالية على الزمان والمكان، أي أن العالم كله وطنها. وهو أيضا صاحب فرضية العلم المقدس، التي يأخذ عليها الرفاعي هجاء الفكر الغربي، ورفض الحداثة الغربية لأنها مادية.
  5. أحمد فرديد، الفيلسوف الشفاهي، أو الفيلسوف ضد الفلسفة. أي أنه يبدأ بمقدمات منطقية وينتهي بنتائج لاهوتية. ويخلط أيضا بين صوفية مجردة وفكرة فلسفية، فينتزع مفاهيم ابن عربي مثلا من فضائها الروحي، ويقحمها في مجال التاريخ البشري. كما نحت مصطلح (وباء الغرب) أو (الغرب زدكي) ويعني أن الغرب وباء أصاب العالم منذ الحضارة اليونانية وحتى اليوم. ويأخذ عليه الرفاعي هذا الدمج اللامنطقي بين العرفان والفلسفة.
  6. محمد عمارة، المتحول في رحلته الطويلة من الماركسية إلى السلفية، وكيف أصبحت آثاره المتأخرة تنفض آثاره المبكرة، ومن الطبيعي أن يحدث هذا التغيير، كما دافع عن ذلك عالم الاجتماع علي الوردي في تغير مواقفه، عند تحديث المعطيات الاجتماعية المحيطة بنا، لكن عمارة، الذي يعتبر واحدا من رواد النهضة المجددين والعقلانيين، لا ينطبق عليه هذا الحراك الفكري في محطته الاخيرة، أو كيف تحكمت هذه الانتقالات في بوصلته الفكرية، فكان أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد واستباحة دمه. يأسف الرفاعي لظاهرة الهروب للماضي كلما تقدم العمر ببعض مفكري اليسار الاسلامي أو الفكر العربي المعاصر بشكل عام، فنراهم بعد حياة فكرية تسودها العقلانية النقدية يحتمون بكهف الماضي من قلق الموت الوشيك، ويعودون إلى الأصولية، وكأنها توبة من إثم عقلي ارتكبوه في شبابهم.
  7. مالك بن نبي، مفكر جزائري أصابه ذعر ضياع الهوية بسبب الاستعمار الفرنسي، وبالتالي تنفجر الهوية عنده إلى شقين متلازمين: المقاومة أولا من أجل التحرير، والانغلاق ثانيا على زمن الانتصارات والأمجاد في العصر الاسلامي الأول. لم يخرج ابن نبي كثيرا عن آراء ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب، ولكن الرفاعي يأخذ عليه تورطه بالتعميم، فيختفي عنده التمايز الواضح داخل طيف واسع من التدين التركي والإيراني والعربي والاندونيسي.. الخ. كما أن انتهاك الاستعمار لهويته وهوية أهله في الجزائر وضع ذهنه داخل إطار مغلق لم يتحرر منه، فأصبح التفسير التآمري هو الأداة الوحيدة لتشخيص الفشل في بلاده.
  8. جودت سعيد، رجل دين سوري يتصرف كفلاح، مولع بسقي النباتات وتربية النحل ورعاية الخضرة، وكان صديقا للأرض نابذا للعنف، ومن عاداته كتابة آيات القران على الورق، ويعلل ذلك بقوله : كل نص نفهمه أكثر حين نعيد كتابته بأيدينا. نشر بيانا استثنائيا للسلام في كتابه (مذهب ابن ادم الأول)، فهو يرى أن تهمة الملائكة للبشر في سفك الدماء، لا تزال قائمة في جميع التيارات اليمينية واليسارية، أما تفسيره للجهاد الأكبر فهو تحصيل العلم والمعرفة. وهنا يتساءل الرفاعي: هل يمكن الخلاص من العنف بالنوايا الطيبة، أو بكلمتين فقط هما (موت الحرب)، وهو شعار رومانسي متخيل تبناه جودت سعيد في كتاباته الاخيرة؟. كيف يمكن ذلك والعنف هو من الثوابت الأبدية في الطبيعة الانسانية، كما يقول علم النفس وعلم الأعصاب المعرفي.

هذا السؤال نوجهه بدورنا إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي ينطلق في كتاباته من مبدأ رومانسي أيضاً هو الرحمة، ويشدد على مفهوم روحاني في فهم الدين، فيقول بأن الدين كي يحقق وظيفته في حياتنا اليوم لا بد أن نفهمه بوصفه نظاما لانتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. صحيح أنه يخص النفس المتزمتة بهذه البراءة في نظرتها إلى الدين، ويعلن إنها تحتاج إلى القلب بموزاة العقل لكشف الابعاد الروحية والجمالية العميقة في جوهر الدين، ولكن أين من عيني أولاء الرحماء قبل أن يكونوا عباقرة ومنظرين؟ وما هي المعجزة التي ستجعلهم يغيرون نهجهم هذا؟

الرفاعي أيضا يجمع نقيضين في جملة واحدة وهما اللاهوت والحرية، ويضعهما في مبدأ واحد هو لاهوت الحرية، وفهمت منه دعوة مثالية تجمع بين توحيد الله وتحرير الإنسان من كل أشكال العبوديات. فهو يشدد على أن الايمان بالله والتوحيد هو حجر الزاوية في بناء الحياة الرحيمة في الاسلام، وهذا اليقين الروحاني لم نجد له تمثلات راسخة في عالم الشهادة، بل اعترضته جدران متسلسلة من التزمت والتمذهب والانغلاق، هاجمها المفكر الجزائري أركون وأسماها (الجهل المؤسس). يعزو الدكتور عبد الجبار الرفاعي ذلك إلى عدم تدبر هذا الحضور المكثف لله في القرآن، وما يحيل اليه هذا الحضور من دلالات روحية لا تنضب.

هنا يخالف الرفاعي أغلب المفكرين العلمانيين الذين قرأت لهم، فهم برأيي الشخصي يتحدثون عن الدين، وهم في منطقة الشك أو الإلحاد، لكنهم لا يجاهرون بذلك خشية خدش مشروعهم التنويري وتعريضه لتداعيات اخرى، بينما يُفصح الرفاعي دائما عن إيمانه العميق بالله، ويعتبر هذا الايمان منبعا ملهما للحق والعدل والسلام والخير والمحبة، بل هو المنقذ للانسان من اغترابه الوجودي الذي يمزق سلامه وسكينته الداخلية. وبهذا يكون الدين أوسع بكثير من الكتب المقدسة، ويمتد ليشمل سلوك الانسان وتكريس مواقفه المشرقة من الحياة، وإيقاظ المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في حياته.

لم يصل الرفاعي الى هذه النتيجة بقفزة فكرية مفاجئة، وإنما مر خلال حياته بمراحل متعددة اعتنق فيها مدارس دينية مختلفة وتبنى أفكارها، ثم مع كل بوصلة يتوقف عندها يكتشف أن هناك دائما من يحول الدين إلى أيدولوجيا، وهذا هو أشد ما يعارضه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المؤثر والمهم.

 

https://www.almadapaper.net/view.php?cat=313715&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR2BlX7_STyjxQJYxCnyowbyzy0aMdVCOB1V8kyROvpg-m7qc76zQXmYLzY_aem_AYsGCqaR7jai6VNe8p-_QNG7QahiiRTDZHu4MKQfqtkN0Ve1kqOvFdnqjmHsB9X2_zqekkObRx4AB6n6DqFCa2fy

عبد الجبار الرفاعي من أسلمة الإنسانيات إلى أنسنة الإسلاميات

من أسلمة الإنسانيات إلى أنسنة الإسلاميات

الدكتور ضياء خضيّر

يظل الخطاب الديني الذي بدأه الدكتور عبد الجبار الرفاعي منذ أكثر من أربعين عاما مثيرا للاهتمام والمتابعة، بسبب من تميّزه وغزارته وروحه الإنساني المتسامح، وحرارة اللغة التي يجري التعبيرُ بها عنه. وقد شدّني، كما شدّ الكثيرين من الذين تابعوا هذا الخطاب وكتبوا عنه، إعجابي بالرجل، وليس فقط بجِدة هذا الخطاب واختلافه، لأنه يجسّد في خلقه الرفيع وسلوكه العملي أنموذجا للشخصية العراقية المثقفة، والمتحررة من الإلزامات التقليدية التي تميل برجل الدين عادةً نحو هذا الطرف أو ذاك. فنحن هنا أمام رجل دين عراقي آخر، يمتلك خطابا قادرا على اجتياز الحواجز الموضوعة في طريق كل الناس الذين يمارسون حياتهم في مجتمعات إسلامية ما يفتأ رجل الدين فيها يحتكر سلطة المعرفة الدينية والفقهية والتشريعية التي تحدد ما هو محلل، وما هو محرم في سلوك “المكلفين” من أتباعه في هذا المذهب أو ذاك. ومن النادر الوقوف بين ركام هذه الخطابات القديمة والمعاصرة، الشفوية والمكتوبة، على هذا النوع الذي يجعل الدين في خدمة الإنسان، بصرف النظر عن مذهبه ولونه وعرقه، ولا يجعل الإنسان خادمًا لهذا الدين وأصحابه.

عبد الجبار الرفاعي يجعل من نفسه مكمّلا ووريثًا لسلسلة من المفكرين ورجال الدين الذين أنجبتهم أو احتضنتهم الحوزةُ النجفية في عهود مختلفة من عصرنا الحديث مثل محسن الأمين، وهبة الدين الشهرستاني، ومحمد جواد البلاغي، ومحمد رضا المظفر، ومحمد تقي الحكيم، ومحمد باقر الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله، وغيرهم ممن أشار إليهم الرفاعي نفسه لتميّزِهم ومحاولتهم الخروجَ بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يحضر في خطابه النقل أكثر من العقل.

وهو إذ يتفق مع رجال الدين هؤلاء، الذين يخرجون على “خطاب تبجيل كلّ شيء في التراث، وفي سعيهم لاستيعاب شيء من عناصره استيعابا نقديا، والجرأة في نقد بعض المقولات والآراء، وعملهم في البحث عن آفاق لقراءة النص وتفسيره في سياق الواقع ومعطياته واستفهاماته، ومحاولتهم الكشف عن شيء مما هو نسبي في ميراث المتكلمين والفقهاء”، لا يخفي معرفته بأن بعضَ محاولاتهم تلك لم تغادر المناهجَ التقليدية الموروثة بشكل كامل، فيما نجح هو في فعل ذلك، وحاول منذ البدء أن يجعل من خطابه الديني مختلفا، يمدُّ به إلى شريحة أوسع من الناس، كما لو كان  جسرا  يعبُرُ من خلاله نحو أولئك الفقراء مثله في حياته المبكرة، التي تشكلت فيها بوادرُ وعيه الديني ويقظته الروحية الأولى. يستنهض الغنى الكامنَ في نفوسهم، ويحرّك بلغته البسيطة المؤثرة ما ينطوون عليه من عوالم خير داخلية لا حدود لثرائها واستعداداتها الفطرية التي وُجِد الدينُ في الأصل لإرواء ظمئها الأنطولوجي، وتوفير كرامتها، وتخليصها من الاغتراب الميتافيزيقي الملازم لحياتها، وغير ذلك مما يرافق حياتنا جميعًا من قلق وارتباك وجودي ظاهر أو مضمر.

وهو يقول إن أكثر من سبقوه على هذا الطريق كانوا غيرَ قادرين على توظيف مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديث في فهم الدين ونقد التراث، وما هو مستتر من نظم إنتاج المعنى الكامن فيه.

وعلى الرغم من أننا لا نكتفي في هذا الكتاب، كما سيرى القارئ، بعرض ما نظنّ أنه يمثل المفاصل الأساسية في خطاب الدكتور الرفاعي، ونحاول أن نقدم له قراءةً نقدية فاحصة، نعتقد أن لا جدوى من الاكتفاء بعرض جوانب من فكر الرجل من دونها، فإننا ندرك أيضًا أن التناول العقلي أو المنطقي المجرد لهذا الخطاب الموزّع على عدد كبير جدا من الكتب والمباحث، قد لا يتمثل بشكل صحيح روحَ هذا الخطاب، وربما يسيءُ إلى صورته العامة التي تشيع فيها فيها روحُ التسامح والمحبة، وتحيل مجملُ المباحث الكلامية الجديدة فيه إلى رؤية عرفانية صريحة أو مقنعة غير قابلة في نفسها لأي مقاربة نقدية لا تراعي طبيعتها الأخلاقية والروحية، أو المشاعر الوجودية الخاصة لأصحابها. وهي،كما سنرى، مطروحةٌ ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية تكرهُ الخضوعَ لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس وغير المقدس في موضوعات محددة تقتضي وجوبَ التسليم بنوع من العلاقة الخاصة والاستثنائية بين البشري والإلهي الذي يجسْده الوحيُ النبوي، وقدسيةُ النص القرآني، وما يتصل بذلك من أمور إشكالية يتمّ بحثها باستمرار في كتابات الدكتور الرفاعي، كالعلاقة بين الدين والأيديولوجيا، أو بينه وبين الدولة، والطريقة التي يجري فيها (تحيين) النصوص القرآنية على الطريقة الهرمنيوطيقية التي جرت عند الغربيين للكتاب المقدس منذ زمن طويل. وأسفرت عن نتائج حاسمة في علاقة المجتمعات الغربية بديانتها المسيحية، التي جعلت من عبارة السيد المسيح في إنجيل مرقص التي تقول “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” معيارًا ومثالًا للعلاقة المزدوجة بين الديني والدنيوي. وهي، كما نعرف، عبارة تمَّت مناقلتُها من سياقها التاريخي الخاص بسؤال بعض اليهود للسيد المسيح عن جواز دفع الجزية لقيصر، لتكون إجابتُه عليها دليلًا على هذه العلاقة التي لا يجب أن يتدخل فيها الإلهي المقدس في الدنيوي الخاص بمجريات الحياة المدنية، مثلما لا يتدخل الدنيوي في حياة المقدس ذي الطبيعة الروحية المختلفة. في حين ما زالت هذه العلاقة الخاصة ببناء الدولة والسلطة السياسية الحديثة في مجتمعاتنا الإسلامية مختلطة غامضة، على ما أصابها من عدوى التأثر بالنظام السياسي الغربي خلال العهد الاستعماري لبلادنا أو بعده. حيث ينفصل القول النظري فيها عن الواقع العملي، وتكتسب فيه عبارة السيد المسيح السابقة معنى آخر قد يكون فيه “ما لله وما لقيصر لله وحده” في إطار الرؤية الدينية المتسلطة، و”ما لقيصر وما لله كليهما لقيصر وحده” في إطار الرؤية الدنيوية المنفلتة. وكل ذلك يحدث في إطار ما نقرؤه ونشهده من مفارقات وغرائب مرافقة لتكوين الدولة وأمثلتها الواقعية التي يمتلئ بها تاريخنا الإسلامي القديم والحديث.

وفي الوقت الذي لا يجري فيه الاعتراض عندنا على وجود عنوان (الإسلام دين الدولة) من الناحية الدستورية، لا نجد أحدا يبالي بغياب هذا الإسلام أو عدم حضوره، ولو بروحه الأخلاقي والتربوي في مفاصل هذه الدولة. وهو ما يشير إلى جانب من بنية الانفصام العميقة القائمة بين النظرية والواقع لدى نخبِنا الدينية وأحزابها السياسية بشكل خاص، ومجتمعنا العربي الإسلامي بشكل عام.

الدعوة إلى “أنسنة الإسلاميات، لا أسلمة الإنسانيات”، التي أطلقها الدكتور الرفاعي تظل شعارًا لدى المتنورين القلّة من رجال الدين في هذه الدولة، ولكنه شعار غيرُ قابلٍ للاشتغال لدى آخرين غيرهم، ما زالوا يتدخلون في حكم هذه الدولة ويعبثون بمصالح الناس فيها تحت عناوين وشعارات إسلامية وديمقراطية مضلّلة.

وما ينطوي عليه خطابُ الدكتور الرفاعي في هذا الشأن من شفافية وغنى دلالي، وما يوفره لقارئه من عناصر اتزان عقلية ونفسية، هو الذي يحفّزنا على جعل بعضِ جوانبه موضعَ نقاش واستفهام من أجل تعميقه وإثارة الأسئلة المعترضة أو المحفّرة للحوار والنقاش حوله. وصاحبُ هذا الخطاب لا يضيق بالأسئلة، ويقول إنه لا يملك، مثل أصحاب التدين السياسي، إجاباتٍ جاهزة تتكرر فيها الشعارات التي لا معنى لها، ولا قيمة.

ومنطلقُنا في كلِّ ذلك يظل هو الإيمان المشترك بالدين عنصرًا لا غنى عنه في حياة كل إنسان، وبالحق سبحانه وتعالى خالقًا ومدبرًا لهذا الكون، لا ينتج من المواقف والآراء الفكرية التي تتبع القول برفعه من دواخلنا غيرُ أن يصبح كلُّ شيء مباحًا في هذا العالم، كما كان ديستويفسكي يقول.

وكوني أديبًا أو ناقدًا غيرَ متخصص بالشأن الديني لا يكفي للقول بأني أتدخل هنا فيما لا يعنيني، بل ربما يمنحني، على العكس من ذلك، ميزةَ رؤية هذا الخطاب من زاوية أخرى قد لا تتوفر بنفس القدر والدرجة لمتلقي هذا الخطاب من علماء دين ومتخصصين. فالمنهج ونظرية المعرفة الخاصة بنظم التفكير في إطرها العامة ليست حكرا على رجال دين ومثقفين دون غيرهم، لاسيما في خطاب يتعدى الأساليب التقليدية، ويحاول أن يستخدم المناهج العلمية والفلسفية في مقاربة موضوعاته الدينية. إضافةً إلى وجود علاقة خاصة بيني وبين الدكتور الرفاعي قد لا يعرفها غيري وغيرُه، تدفعني إلى إعارة مزيد من الاهتمام لما يكتبه ويقوله دون خوف من التجاوز على النظرة الموضوعية المحايدة. فهذا الرجل الذي هو أستاذ ومعلم في هذا الشأن للكثيرين في العراق وخارجه على نحو مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك المتكلم نفسه، كان في يوم ما تلميذا من تلاميذي!

نعم، تلميذ من التلاميذ الكثر الذين لا أعرفهم، ولا يعرفونني أحيانا إلا في وقت متأخر تقود إليه أحيانًا نوعٌ من الصدفة المحض. وليس غريبًا في تاريخ العلم أن يصبح الطالبُ أستاذا لأستاذه في هذا الجانب أو ذاك من العلم. وهو شيء أتشرف به ولا أنكره، لأن قراءتي المتأخرة لعبد الجبار الرفاعي واطلاعي على سيرته الذاتية قد أضافت لي الكثير، وعلمتني درسا آخر من الدروس الأخلاقية والتربوية الجديرة بالتقدير والاعتبار، يقدمها رجلُ دين عرفاني ومثقف استثنائي في واقعنا العراقي والعربي المعاصر. وأنا لا أتردد من الاعتراف بذلك وتقديم الشكر والعرفان بالجميل لصاحبه. فضلًا عن أن تلك التلمذة لم تكن تزيد في الواقع على الصورة الرسمية والشكلية التي لا علاقة خاصة فيها بين التلميذ وأستاذه، حينما كنت أنا وإياه في ثانوية قلعة سكر بمحافظة ذي قار التي انتقل إليها عبدالجبار الرفاعي بعد إكماله الابتدائية في مدرسة القرية القريبة من قضاء الرفاعي نهايةَ الستينات من القرن الماضي، فيما كنتُ قد بدأتُ حياتي الوظيفية مدرسًا للغة العربية، ثم مديرًا لهذه الثانوية الكبيرة خلال الأعوام ١٩٦٧و١٩٧٠ نفسها، ثم في مدينتي ومسقط رأسي (الشطرة) التي أصبحتُ مديرًا لمتوسطتها في نفس السنة التي انتقل عبد الجبار الرفاعي هو الآخر إلى المدينة، التي ألّفت مرحلة تكوينيّة بالغة الأهمية في حياته الفكرية واتجاهه الديني اللاحق، كما في حياتي واتجاهي الأدبي السابق واللاحق. وقد عمدت إلى وضع نص القصيدة التي نشرتها بمجلة الآداب اللبنانية عام ١٩٧٠ أثناء وجودي في مدينة قلعة سكر لأشير إلى أني كنت أنا الآخر مشغولًا منذ ذلك الوقت الذي مضى عليه الآن أكثرُ من نصف قرن بالبحث عن طريق مناسب للإيمان والمعرفة.

كلُّ هذا ونحن لم نلتق ولَم نتعرف على بعضنا بشكل مباشر بعد، مع أن ما قرأناه فيما بعد من سيرة بعضنا البعض في كتب متبادلة كان بالنسبة إليّ على الأقل صادمًا، أحيانًا، فيما يتصل بالظروف المتشابهة لمعاناتنا المشتركة، شأنَ الكثيرين من أمثالنا من أبناء الجنوب العراقي الفقراء؛ وما يواجهونه من ضيق وعَنَتٍ لا يغطي مع ذلك على طموحاتهم الأدبية والفكرية ورغبتهم في الخروج إلى عالَم أوسع من الحياة والفكر، على ما هنالك من اختلافات فردية طبيعية في الأهداف والتطلعات والظروف الشخصية والعائلية المرافقة.

وحين أجرينا أولَ اتصال بالتلفون بيننا بعد سنين طويلة من ذلك التاريخ البعيد، الذي لم نلتق فيه حتى الآن وجها لوجه، لم ينكر الدكتور الرفاعي أن صوتي مألوفٌ بالنسبة إليه، ويكاد أن يعرفه من نبرته كما قال لي. في حين أشعرُ أنني حين أكتب عنه الآن فإنني اكتبُ عن جانب غائب أو مفقود في حياتي نفسِها.

وقد كان لخالي المرحوم عطا القزاز مدرس العربية المعروف في الكرخ أؤخرَ القرن الماضي وبداية القرن الحالي، دخلٌ في هذا التعارف المتأخر الذي حدث بيني وبين الدكتور الرفاعي. فقد أُولعَ هذا الرجل في سنواته الأخيرة بفكر الدكتور الرفاعي الديني على نحو استثنائي، وجعل من قراءة البحوث التي تنشرها مجلته (قضايا إسلامية معاصرة) وكتاباته رفيقا ملازما له خلال قعوده الطويل في بيته، على نحو عجيب تحول فيه من حال إلى حال. وقد كان التبدّل الذي طرأ على حياته وفكره الذي انتقل فيه من يساري ماركسي إلى متدين مؤمن بسبب من تلك القراءات مثيرًا للحيرة والتساؤل بالنسبة إليّ ولكل من يعرف الأستاذ عطا من أفراد عائلته وأصدقائه. وقد أخبرني الدكتور عبد الجبار فيما بعد أنه كان يبعث بكتبه بيد المهندس فراس ابن المرحوم عطا المقعد في بيته في الإسكان غربي بغداد، بعد أن نقل له تحيات أبيه وشغفه بقراءة كتاباته. وينقل إليّ الدكتور عبد الجبار متأثرا كيف أن المرحوم عطا كان يعبر له عن امتنانه وشكره في كل مرة يتصل فيها به عن طريق الهاتف قائلا له: “إنك أنقذتني، وجعلتني أعثر ُعلى نفسي، وعلى المعنى الذي كنتُ أبحث عنه لحياتي”.

وأنا أروي هذه الحادثة الصغيرة التي يظهر من خلالها مدى التأثير الذي مارسه فكرُ الدكتور عبد الجبار الرفاعي الديني الجديد على الكثير من الناس الذين يعرفهم أو لا يعرفهم، لأبيّنَ، كما ذكرت، جانبًا من السبب الشخصي الذي عزّز فيّ الرغبة والفضول للتعرف على الرجل وفكره، ثم الكتابة عنه وأنا في مقامي البعيد في كندا.

وقد سبق للناقد العراقي المعروف الدكتور عبد الله إبراهيم أن التقى قبلي بالدكتور عبد الجبار، وكتب عن تأثيره فيه، على ما بينهما من اختلاف، مقالا في جريدة الصباح وصف فيه ما رآه في شخصية الرفاعي من نبل ونقاء وتواضع وطيبة، وكيف أن تعليم الدكتور عبد الله الدنيوي الحديث لم يمنعه من أن يخصه الدكتور الرفاعي باهتمامة وتكوين علاقة خاصة معه. بعد أن كان كما يقول شديدَ النفور من ذلك النمط من رجال الذين تخمّرت كتلتها في الأروقة المعتمة، وعلى نحو لا يختلف كثيرا عما كنتُ اشعر به، أنا الآخر، إزاءَ بعض رجال الدين قبل أن أتبيّن حقيقة عديدين منهم من خلال هذا الرجل الذي تتلمذ إليهم وعاش بين ظهرانيهم وخرج عن منهج الكثيرين منهم. فللرّفاعي، كما يقول الدكتور عبد الله “شيوخٌ معمّرون، أثقلت رؤوسهم العمائمُ السّود والبيض، وأطالوا المقام في الظّلال، وتلقّف عنهم أصول الفقه، وعلم الكلام، والعقائد، فضلاً عمّا كان يتلقّاه طلبة علوم الدّين عن شيوخهم من دروس المنطق الصّوري، والنّحو القديم، والبلاغة المدرسيّة، بوصفها من الوسائل الضروريّة لمقاربة العلوم الدّينيّة، كما انحدر إليهم ذلك من شِعاب الماضي، فالمرجّح أن يكون قد أوغل في كلّ ذلك حتّى حاز درجة الدكتوراه فيه، وأحسب أنّه تآلف مع تلك الأجواء بفعل المعاشرة، ودوام التعلّم، والتّعليم، والمدارسة، مدّة طويلة، قبل أن ينأى بنفسه عن ذلك”. (د عبد الله إبراهيم، جريدة الصباح، ٢٩/١١/٢٠٢٣)

والدكتور الرفاعي يشير في أحد كتبه إشارةً دالة إلى أن أكثر الباحثين ممن يمتلكون خبرةً بمناهج القراءة الجديدة عندنا في العراق يهربون من توظيفها في قراءة النص الديني، وغالبا ما يوظفونها في قراءة النص الأدبي والأعمال الفنية والإبداعية المختلفة الأخرى.

وتلك حقيقة من حقائق الثقافة العراقية التي يغلب عليها الطابعُ الأدبي والشعري أكثرَ من الطابع الفكري والعقلاني. وعبارة محمود درويش التي تقول “كن عراقيًا لتكون شاعرًا”، لا ينبغي أن تُقرأ وفق جانبها الإيجابي الجميل فقط، بل هناك جانب سلبي لا يجب إغفاله، هو أننا، نحن العراقيين، كثيرا ما نفكر ونتصرف بطريقة شعرية لا تراعي الضرورات الواقعية.

وربما كان واحدٌ من نتائج غياب الكتابات الفلسفية والاجتماعية الفاعلة في المجال الديني في وسطنا الثقافي العراقي قد دفع عديدا من الكتاب والأدباء إلى تولّي زمامِ المبادرة، ومحاولة تناول يوميات الواقع العراقي، وما فيه من إشكالات فكرية واجتماعية ونفسية، وما خلّفته الحروب الخارجية والداخلية في هذا الواقع على الذات العراقية الجريحة من ندوب غير قابلة للشفاء بسهولة.

وهذه الكتابات غيرُ معنية في جملتها بوجود الدين والروح الإيماني، أو عدم وجودهما فيما تكتب. فالمهم والأكثر إلحاحا في سنوات الجمر والجبهات الملتهبة هو وجود البشر أحياء، وتوفر حاجاتهم الأساسية، وليس كيفية ما سيكونون عليه من ماهية في هذا الوجود. والتقى المفاجئُ والعودة إلى الله يمثّل نوعا من ردة الفعل والخوف من المصير المجهول أحيانا أكثر من الإيمان المتولد عن قناعة وتأمل بالموضوع الديني، الذي ما فتئ الدكتور الرفاعي يكافح من أجل البحث عنه والتأكيد عليه ونشره ممزوجا بهذه المسحة الخفيفة من التصوف العرفاني أو ما يقع في دائرته.

وما يضيفه الدكتور الرفاعي إلى عبارته السابقة من تفسير لانصراف الباحثين عن استخدام أدواتهم المنهجية في الكتابة عن الأمور الدينية، يتمثّل في انهم “يبحثون عن ملاذ يحتمون فيه من غضب أنصار التراث” قد لا يكون صحيحًا قدْرَ صحةِ اختلاف التوجهات الناتجة عن نوع التعليم والمواد المقدمة في المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية العراقية التي كان نقلُ المناهج الأدبية التراثية والغربية الحديثة الخاصة بالنقد الأدبي والفني يزيد على ما سواه من برامج ومواد دينية وفلسفية متوفرة. ولم تكن الحوزة الدينية الشيعية في النجف الأشرف، كالأزهر الشريف في مصر، منفتحةً على تعليم ديني ودنيوي يغطي كامل التراب الوطني ويصنع كوادر دينية مثقفة بثقافة دينية وعصرية متوازنة. وقد خرّجت النجف وبقيةُ مدن الجنوب العراقي الشيعية أعدادًا من الشيوعيين أو المنتمين للفكر اليساري الماركسي أكثرَ مما خرجت من رجال دين ومتدينين.

ولذلك فإن الموقف الذي عبّر عنه الدكتور عبد الله إبراهيم في هذا المقال يعبّر بالفعل عن موقف الغالبية العظمى من هؤلاء الأدباء والكتاب العراقيين من ذوي التعليم العام والثقافة الأدبية والنقدية الحديثة، التي يغلب عليها طابعُ الفكر اليساري الذي لا يميل، ولا نقول يعادي، إلى صورة رجل الدين التقليدي كما عرفها هؤلاء الأدباء في تعليمهم المدرسي وحياتهم الثقافية العامة.

وعنوان كتابنا هذا الذي يجمع بين (التصوف العرفاني) و (علم الكلام الجديد) في إطار واحد، ناتجٌ عن طبيعة التركيب أو المزج الذي حاول الدكتور الرفاعي نفسُه إدخاله على مجمل مدونته والفكرية والكلامية التي لم يكتفِ فيها برفض أغلب ما رآه فيها من تراث الفقهاء والمتكلمين القدماء، وإنما أراد أن يضفي عليها مسحةً أخلاقية وروحية متمثلة في ما يسميه تصوف العرفان والعرفاء. وسنكرّس الكلام في الفصل الأول من الكتاب للجانب الفقهي والكلامي وفلسفة الدكتور الرفاعي في النظر إليهما، فيما سيجري تناولُ الجانب العرفاني التصوفي في كل فصل من فصول الكتاب الأربعة، نظرا لحضوره الكثيف في كل منظومة الدكتور الرفاعي الدينية، التي لا شك عندنا في أن التصوف في صورته العرفانية الموجودة في كلّ كتب الدكتور تقريبًا، هو حصيلة شخصية ونتاجٌ لتجربة فردية، وتأثر بقراءات رجال دين وعرفاء آخرين حسب تسميته، مثل محي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، والعلامة الإيراني محمد حسين الطبطبائي (١٩٠٤ – ١٩٨١)، الذي منحه الدكتورُ الرفاعي على صعيد الدراسة والتدريس قدرًا من الاهتمام لم يمنحه لآخر سواه من المفسرين والفلاسفة والعرفاء المعاصرين. ولعلّ التشابه الذي وجده الدكتور الرفاعي بين حياة هذا الرجل (الإلهي) وبين حياته نفسها أن يكون ملهما ومعينا له على فهمه، والارتباط الصميم بفكره وآرائه الكلامية ومواقفه الصوفية أو العرفانية. فقد عاش الطباطبائي رحمه الله بين تبريز والنجف وقم، مثلما عاش الرفاعي نفسه، في رحلة معاكسة، بين مدينة الرفاعي والنجف وقم، حياةَ نضال وكفاح لا شبيه لها في قسوتها وقدرتها على معاندة الظروف الاجتماعية والسياسة المحيطة. ولكن ذلك لم يثنه، كما لم يثنِ تلميذه العراقي عن موصلة الدراسة والتحصيل العلمي الذي أنتج هذا القدر من الوعي والإحاطة بالمعارف الدينية والفلسفية، التي فتح الله عليهما فيها بما ينير بصيرتهما وبصيرة الكثيرين من بعدهما، ولنرى في حصيلتها هذا النوع من الرجال الذين يعدلون في ثقلهم المعرفي والروحي والأخلاقي الآلافَ من الذين خرجوا من بينهم، فأعانوهم أو وقفوا في وجوههم، ولكن ما أودعه الله فيهم من أدبٍ وسماحة خلق يقتضيهما الدينُ الحق، لا يجعلهم بعيدين عن أن يكونوا في الموضع الذي يكون فيه أيُّ واحد من أولئك الفقراء في المادة والروح من الذين خرجوا من بينهم، ولم يتسنَ لكثير منهم أن يقرأوا أو يسمعوا مثل هذا الصوت الذي يمكن ان يتسرب بيسر إلى أعماقهم.

وتلك، في تقديري المتواضع، هي القيمةُ الأساسية لخطاب الدكتور الرفاعي الروحي والأخلاقي، أعني سعة أفقه وانتشاره وقدرته على ملامسة جوانب حاضرة أو غائبة عن حياة كثير من الناس، بما في ذلك البسطاء منهم.

واللهَ تعالى نسألُ التوفيقَ والسداد.

الدكتور ضياء خضير

تورونتو/ كندا/٢٠٢٤

 

ملاحظة: تنشر هذه المقالة بالتزامن مع نشرها في العدد الجديد من مجلة الأقلام “العدد الرابع، السنة الثامنة والخمسون، ٢٠٢٤”، التي تصدرها دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد.

 مقدمة الدكتور ضياء خضيّر لكتاب: “الرؤية العرفانية والكلامية الجديدة: قراءة نقدية في مشروع عبد الجبار الرفاعي الديني”، تحت الطبع. الدكتور ضياء خضيّر ناقد وباحث وأستاذ جامعي عراقي متقاعد يقيم في كندا حاليا؛ يحمل شهادة دكتوراه دولة في الآداب من جامعة أكس اون بروفانس الفرنسية، وبكالوريوس وماجستير من جامعة بغداد. له أبحاث وكتب أدبية ونقدية عديدة، من بينها ثنائيات مقارنة، والقلعة الثانية، والمقامات العمانية، والتشكل التاريخي الكاذب، والأثر الأجنبي في المسرح العراقي خلال مائة عام.

 

 

 

لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق

لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق

د. حميدة القحطاني[1]

البحث عن المعنى والشعور بالسعادة المعنوية من ضمن الدوافع الكبيرة التي تدفعني إلى تكرار قراءة مؤلفات د. عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، فهي تنعش روحي وتلامس قلبي وتثير فكري وتساعدني على ايقاظ ذهني. تعودت منذ فترة ان أراقب مؤشر الرضا والسعادة في عالمي الداخلي، واجتهد لإعادة منسوب السعادة بدرجة المقبول فما فوق. أسرع للبحث عما يلامس الروح ويثير الشغف ويعيد الوهج، ويجعلني أكثر تقبلا ليومي، وان أتشبع بالرضا والسكينة، وأشعر بشيء من الضوء في نفسي.

أقرأ كتب الرفاعي على الدوام، مرة أنتقي “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ومرة أخرى أعرج إلى كتاب “الدين والكرامة الإنسانية”، وثالثة “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”، وأعماله الأخرى،كي أرفع مؤشر المعنى في أيامي. اليوم تجولت في “الدين والكرامة الإنسانية”، هذا الكتاب كرّس قاعدة احترام الذات في كينونتي، وفي كينونة كل شخص آخر يقرأه.كم تسحرني مقولة الرفاعي: “الكرامة مقصد مقاصد الدين وأسمى أهدافه”. كما يبهرني هذا النص الآخر، وأقف بصمت رهيب أمامه: “أكثر الكتابات المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثر الكتابات المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدين يبدأ باكتشاف الإنسان واعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان”.

التعريف الخاص للدين الذي وضعه الرفاعي بكتابه هذا وغيره من كتبه، يبتني على تعريفه للإنسان بأنه: “كائنٌ عاقلٌ، عاطفيٌّ، أخلاقيٌّ، دينيٌّ، جماليٌّ، اجتماعيٌّ، تاريخيٌّ. الإنسانُ كائنٌ متفرّدٌ، يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ: العقل، واللغة، والعواطف، والمخيّلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز.كلُّ إنسان واحدٌ في الوقت الذي هو فيه متعدّد، ومتعدّدٌ في الوقت الذي هو فيه واحد”. وفي ضوء ذلك يعرف الرفاعي الدينَ بأنه: “حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويعقب على تعريفه بقوله: “هذا هو تعريفي للدين الذي اقترحته ويعرفه من يقرأ كتاباتي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كتاباتي، ورؤيتي لله والإنسان والعالم”.

الرفاعي هنا يرسم أبهى صورة للدين أتمعن هذا النص وأدبر كثافته وأبصر معانيه العميقة.كم يكشف أمام قلبي قيمة مشرقة سامية للإنسان يدلنا عن حاجات وجودية يساهم الدين في تجلياتها والابداع في مضمارها، انتاج معنى روحي واخلاقي وجمالي. يلفت قلوبنا وعقولنا هنا الرفاعي للجانب السامي في الإنسان، ذلك الجانب الذي يبرهن حياة الإنسان في الإنسان، الجانب المضيء العطر المثمر المتوهج. تشدني قراءة نصوص هذا الكتاب وترشدني احياناً كثيرة لدروب الحياة في الحياة. أحفظ بعض نصوصها وأرى بعض منها مادة أولية اساسية لصياغة بعض قواعد حياتي. رافد من روافد سعادتي المعنوية وأداة كبيرة لرفع منسوب السكينة والرضا، مفتاح جميل لفهم بعض طلاسم النفس البشرية التي أتلمسها في نصوص الكتاب.

هكذا أتلذذ في قراءة مؤلفات الرفاعي ومنها هذا الكتاب، حيث لا تستوعب مقالة واحدة ايضاح قراءتي له، وتصوير روعة شعوري وانا أتمعن وأتذوق وأتزود من نصوصه. ما أجمل وأكثف عناوين موضوعاته كل عنوان يحمل من الكثافة والجمال ما يجعله منهج تربية أو علامة ترشد الحائر للطريق. المميز في هذا الكتاب لغة عباراته التي ينصت لها القلب بدفئه، ويستيقظ أمامها العقل ويقف بإجلال عند معانيه، وتحلق الروح في عالم السمو والمعنى في حضرته.

المقدمة في كتب الرفاعي لا تكفيها قراءة واحدة، ولا تناسبها مهارات القراءة السريعة، المقدمة عبارة عن سيرة ذاتية يبطن فيها الجمال والعمق والحب والحزن والألم، مرة أخرى يعلمنا الرفاعي بصورة غير مباشرة كيف للتواضع من تجليات واعترافات تبني الأنسان وتزيد من ضوء روحه فيقول: “ليس هناك كتابة مكتفية بذاتها، أعترف أن كتاباتي جهد لا يختص بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دور مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهد مشترك فيه كل من يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها”.

نص آخر يدلني عن الالتصاق بالذات الحقيقية والبعد عن النرجسية: “ما أكتبه يظل مفتوحا ينضج ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة”. وستلهمني ذات الاشارة في قوله: “يظل النص مفتوحا ينمو باستمرار تبعا لآفاق الكاتب، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيد من القراءة والمراجعة والتأمل، يتطور النص بالتدريج ويتكامل، وان كان لن يبلغ نهاياته ويكتفي بذاته مهما امتد عمر الكاتب”.

يكرس لنا الرفاعي مفهوم النفس الواحدة في نص يحمل من الضوء والجمال لكل من يرى “ان انتهاك كرامة أي كائن بشري هو انتهاك يطال كرامة غيره من البشر أيضاً “.كثيرة هي النصوص التي يقف ضميري وعقلي امامها وتنصت روحي ولايرغب قلبي مغادرتها واني لأتسائل لماذا لا تنتخب هذه المؤلفات وأمثالها في مناهجنا الدراسية؟ لماذا لا نعلم ابنائنا وبناتنا اهم حاجاتهم الوجودية ونبين لهم ان سلوكهم وانفعالاتهم وحتى احلامهم وأهدافهم واضطراباتهم وإرهاصاتهم النفسية ماهي الاتجليات وتعبير واشارة وصرخة لعدم الالتفات لتلبية هذه الحاجات.

نص آخر التقيه كعلامة ترشد وتهدي الى طريق الارتقاء “إنسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني اخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في حياته، عالم تزداد فيه كآبته، ويشتد اغترابه”. ثم علامة أخرى ترشدنا وتدلينا على الطريق، إذ يقول الرفاعي: “قراءة الفكرة لا تكفي وحدها لتطبيقها، ما لم تتبناها سلطة تفرض حضورها، أو تتجند لها جماعة تحشد كل طاقاتها من أجلها “.

في نص آخر أبصر أهمية الانتقاء، الانتقاء وسيلة مهمة ليقظة الإنسان داخلنا، الانتقاء عامل مهم يساهم ويساعد في انتاج معنى لأيامنا، فيقول الرفاعي وكأنه يشير لنا إلى أهمية الانتقاء، إذ يقول: “بعض الكتاب اتخذتهم جماعات يسارية وقومية وأصولية مرجعيات لها، ففرضت كتاباتهم حضورها في ضمير القراء، وان كانت هذه الكتابات سطحية هشة، تفتقر إلى اي مضمون متماسك رصين، ويدثرها ركام شعارات تذكي العواطف وتثير المشاعر”.

الإيمان يتكلم لغة واحدة، أتى الرفاعي بهذه الجملة اللافتة عنوانا لأحد موضوعات كتابه، وهكذا بقية العناوين يجدها القارئ لوحة جديرة بالتذوق والتزود من الجمال الكامن فيها وبنفس الوقت تثير الشغف لمعرفة المخفي منها أي لغة يتكلم الإيمان؟

لنتذوق ونتزود ونسمو مع هذه النصوص “يسكن الإيمان الروح مثلما تسكنه، ويرتوي بالروح مثلما ترتوي به”، و “أودع الله في كل إنسان روحا منه، إلا ان هذه الوديعة تحتجب متى احتجب الانسان عن الله”، و”الله لا ينسى الإنسان إلا عندما ينساه الإنسان”، و “يضيء الإيمان الروح لحظة تحققها به، مثلما تضيء الكهرباء المصباح المظلم لحظة وصله بها، وهذا معنى كونه حالة نتذوقها كما نتذوق الطعام الشهي والشراب العذب”.

ليس لدي القدرة على الاستمرار في قراءة تامة وكتابة مراجعة لهذا الكتاب في مقالة واحدة، فنصوصه تفرض على ضميري الأخلاقي وذائقتي وقلبي وعقلي أن أجزئ مراجعتي لهذا الكتاب. أرى كل عنوان داخل مكنون هذا الكتاب الثري جدير بالوقوف بكل حب واجلال أمام نصوصه وكتابة مقال في مراجعته. لذا اضطر للتوقف عند هذه النصوص لعلي أهضم جمالها واستدل بعض الطريق بعلاماتها، وامنح عقلي وقلبي وروحي فرصة وفضاء اوسع للسياحة في معانيها،كوجبة شهية جدا نصوص هذا الكتاب أود التهامها في الوقت ذاته.

نختم بهذه النصوص: “الإيمان مستقره القلب، ومأواه الروح، انه ليس صورة ندركها، الصورة يختزنها الذهن. خلافا للفهم والمعرفة، لا يتحقق بالنيابة”، و”الإيمان وحب الله كلاهما كيمياء للروح،كلاهما ينبثقان من جوهر واحد”. “في الإيمان تتناغم الاديان وتتعايش وتأتلف، بعد ان تكتشف شفرة اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلمها الإيمان”. “لغة الإيمان مضيئة، لغة الإيمان عابرة للغات والمعتقدات والفرق والمذاهب”.

[1] دكتوراه فلسفة القانون الدولي العام. قراءة لكتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”.

القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

 د. عبد الجبار الرفاعي

كان لمطالعاتي المتواصلةِ للكتاباتِ العقلانية النقدية أثرٌ ملموسٌ في إيقاظِ ذهني، وتحرّرِه من الأوهام المتضخمة. لن أنسى أثرَ أعمال علي الوردي وغيرِه من ذوي التفكير النقدي الحرّ في إيقاظِ ذهني، واستردادِ عقلي الذي استلبته أوهامٌ بضعةَ سنوات، لبثَ فيها تأسره مفاهيمُ لا صلةَ لها بحياتي ومعاشي، ولا علاقةَ لها بمشكلاتِ الناس وآلامِهم.كنت عاجزًا عن استبصار العوامل المختلفة المعقدة المكونة للواقع، أحسبُ الواقعَ المركب بسيطًا، أفهمُ ظواهرَ اجتماعية معقدة تنتجها سلسلةُ عوامل عميقة ظاهرة ومضمرة فهمًا ساذجًا، لا أعرف شيئًا عن التفسير العلمي للظواهر السائدة في المجتمع. كنتُ أعتقد أن الناسَ يتغيرون بالمواعظ فقط، أتقنتُ صناعةَ الكلام، من دون أن أعرف شيئًا من أسرارِ الطبيعة الإنسانية الدفينة. لم أكن أعرفُ أن إصلاحَ ظروفِ عيش الناس، وإعادةَ بناء وعيهم وثقافتهم، هو الذي يتكفل بتغييرهم.

حذّر الوردي ممن يريد أن يغيّر الناسَ بالكلام، من دون أن يعرف الطبيعةَ البشرية، ويدرس الظواهرَ الاجتماعية دراسةً علمية، تتعرّف على أسبابها ومكوناتها وآثارها، ويبحث في كيفية الخلاص منها. البشرُ لا يتغيرون بالكلام، وأن ما هو عميقٌ في الطبيعة البشرية لا يمكن استئصالُه؛ ذلك ما دعا الوردي للشكوى ممن يعمل بذلك بقوله: “ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الأفلاطونيين، الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عما يتخيلون من مُثل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل… إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة، ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة… لقد جرى مفكرونا اليوم على أسلوب أسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم بثقافة حديثة أو قديمة،كلهم تقريبًا يحاولون أن يغيّروا طبيعة الإنسان بالكلام. وكثيرًا ما نراهم بمواعظهم يطالبون الناس أن يغيروا من نفوسهم أشياء لا يمكن تغييرها، فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدى هذا بالناس إلى أن يعتادوا سماع المواعظ، من غير أن يعيروا لها أذنًا صاغية”[1].

الوردي يعلن انحيازَه للتطور، لذلك يتكرّر في كلِّ كتاباته التشديدُ على أن كلَّ شيء في العالم يتغير ويتطور، الإنسانُ كائن تفرض عليه بيئتُه ومحيطُه وظروفُه المعيشية نوعَ ثقافته وقيمَه وشكلَ تدينه، بناء على أن كلَّ عصر يمتلك معاييرَه الخاصة للمعرفة والقيم والجمال والزمن وغيرها.

حدث تحولٌ في رؤيةِ الوردي للعالَم ومنظورِه للقيم وفهمِه للحياة ووعيه للواقع عندما انخرط في الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وذلك ما قاده للقول بنسبيةِ الأخلاق، واختلاِفها باختلاف الثقافات والمجتمعات والعصور، كما يصرّح بقوله: “الأخلاق نسبية كما لا يخفى. فما يعدو في نظرهم بريئًا قد يعتبر عندنا فسقًا وفجورًا. وربما تنقلب الأحوال عندنا في المستقبل، فيصبح مقياسنا في شؤون الأخلاق مخالفًا لمقياسنا الحاضر. ولستُ أنكر أني قد ذُهِلْتُ حينما رأيتُ في جامعات الغرب ذلك الاختلاط العجيب بين الجنسين لأول مرة، واعتبرته من قبيل الإباحية والفسق، حيث كنت آنذاك لا أزال تحت تأثير التفكير الوعظي الذي نشأتُ فيه في بيئتي الشرقية المتزمتة”[2]. أبدى الوردي دهشتَه من الاختلاط لأحد أساتذته، فأجابه الأستاذ بقوله: “إننا إذا منعنا طلابنا وطالباتنا عن الاختلاط المكشوف لجؤوا إلى الاختلاط المستور بعيدًا عنا، في جو ملؤه الريبة والإغراء. إننا إذ نعترف بما في الطبيعة البشرية من قوى، ونهييء لها ما ينفّس عنها في جو من البراءة والطمأنينة، نكون بذلك قد وقينا الإنسان من مزالق الشطط ومغريات الخفاء”[3].

الأخلاق ليست كلها نسبية كما يرى الوردي، ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات يحكم بهما العقلُ العملي “الأخلاقي”. “الحُسن والقُبح” الذاتيان، مثل حُسن الصدق والعدل والأمانة، وقُبح الكذب والظلم والخيانة، حكم الحُسن أبدي لما هو حسن بالذات، وهكذا القُبح أبدي لما هو قبيح بالذات، لكن معرفة حدوده في الواقع وتطبيقاته، وما يصدق عليه في الحياة، ينكشف بالتدريج. اكتشافُ مصاديق ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات نسبيٌ، بمعنى أن الإنسانَ لا يدرك كلَّ المصاديق، إلا بعد نضجِ عقله، وتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته عبر التاريخ، وادراكه للحريات والحقوق المستحقة للإنسان بما هو إنسان. الحقيقة الأخلاقية تتكشف بالتدريج للإنسان بمختلف أبعادها وحدودها ومصاديقها، في ضوء اكتشافه لذاته، والعالَم من حوله، وتطور علومه ومعارفه المتنوعة، وتراكم خبراته وتجاربه وتنوعها.كلما اكتشف الإنسان ذاته والعالَم من حوله، تكشفت له حدود الأخلاق، واتضح ما هو نسبي متغير وأبدي ثابت فيها.

الحُسن والقُبح غيرُ الذاتيين، وأعني بهما كلَّ مالم يحكم العقلُ العملي بأنه حسنٌ وقبيحٌ بالذات. ما كان حُسنهما وقُبحهما لسبب ما خارجَ ذات الفعل، سببٌ يتحقّقُ في مجتمع وثقافة وزمان ما، في مثل هذه الحالة الحُسن والقُبح نسبيان، يزولان بزوال سببهما. ذلك ما نراه في مختلف العادات والتقاليد والأعراف والثقافات المحلية المتنوعة بتنوع المجتمعات، والمتغيرة بتغيّر ظروف الإنسان وأحواله.

الحُسن والقُبح الذاتيان النسبيُ فيهما هو التعرّف على المصاديق. معرفةٌ المصاديق تتأثر بدرجةِ التطور الحضاري وتكاملِ الوعي البشري بذات الإنسان والعالم، كما تتأثر بمختلف أنماط عيش الناس، والظروفِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في حياتهم. يدرك الإنسانُ حُسنَ العدلِ بذاته في كل زمان ومكان.

العدلُ قيمةٌ أخلاقية وحقوقية تطور اكتشافُ مصاديقه بتطور وعي الإنسان بالكرامة والحرية والمساواة، لم يولد هذا الوعي مكتملًا مع أول إنسان عاش في الأرض. تفشَّت العبوديةُ ولم يصدر تشريعٌ بتحريم الرقِ، مع كل ما يتضمنه الرقُّ من هتك لكرامة الإنسان، إلا قبل أقل من قرنين. الكرامةُ والحرية والمساواة مفاهيمُ تطور اكتشافُ مصاديقها وتحقّقُها بالتدريج تبعًا لتطور الوعي البشري فيها، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

الكرامةُ والحريةُ والمساواةُ كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعيُ بمصاديقها دفعةً واحدة، بل تطلَّبَ وصولُ البشرية إلى وعيها بمعانيها المعروفة، والتعرّف على حدودها وتطبيقاتها عبورَ عدة محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا مضمخًا بالدماء. تطلبَ ذلك طيُّ مراحل وعرة تطورت فيها عبر آلاف السنين،كي يتحقّق الوعي بحدودها وتتحقّق بشكل واسع في المجتمعات البشرية.كتاباتُ المفكرين والكتاب، وجهودُ المصلحين، وتضحياتُ الأحرار في العالَم؛كان أثرُها ملموسًا في تكامل الوعي بهذه القيم وتحقّقها بالتدريج في الحياة.

لم يُنظر لاسترقاق البشر على أنه ظلمٌ وانتهاك للكرمة البشرية إلى القرن التاسع عشر. أضحى اليوم يُنظر إليه بوصفه ظلمًا قبيحًا، وانتهاكًا سافرًا للكرامة البشرية.كان فلاسفةٌ مثل أفلاطون وأرسطو وغيرُهما من الفلاسفة لا يقبلون أن يكون كلُّ الناس بمرتبة واحدة في استحقاق الحقوق، رفضوا أن يكون الكلُّ في المرتبة ذاتها في نيل الحق بالكرامة والحرية والمساواة. يرى أرسطو أن العبيدَ طبيعتُهم البشرية العبودية، والأحرارُ طبيعتُهم البشرية الحرية، اليوناني والأوروبي حرٌّ لأن لديه روح، والآسيوي عبدٌ لأنه لا روح له. جعل أفلاطون في “الجمهورية” البشر طبقاتٍ ليست متكافئةً في المكانة والحقوق والوظيفة، إلى الحدّ الذي وصف فيه كارل بوبر أفلاطونَ، في كتابه: “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، بأنه المنظّر للتوتاليتارية والملهم للشمولية. في العصر الحديث يرى ديفيد هيوم (1711 – 1776) الزنوج وكل إنسان غير أبيض أدنى بطبيعته البشرية من الإنسان الأبيض. هذا الرأي لهيوم، على الرغم من كل ما أنجزته آثار هذا الفيلسوف العقلانية. هذه نماذج فقط من مواقف فلاسفة معروفين، وشرعنتهم للاستعباد وعدم المساواة، وعدم رفضها أخلاقيًّا. وليست غريبة هذه المواقف على معاصريهم أو مَن سبقوهم أو ظهروا في عصور تالية، قبل القرن التاسع عشر.

 

[1] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، ص 5 – 6.

[2] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، لندن، دار كوفان، ص 9، ط 2، 1995، الهامش رقم (1).

[3] المصدر السابق، ص 9.

 

https://alsabaah.iq/84721-.html?fbclid=IwAR2P1aA55lEFaLr3a2UJHZJ18L3djw4m2ETzqcykSfIjMjwubkjwzfOBnSQ

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

د. عبد الجبار الرفاعي

رحيلُ صفوةِ الأخوةِ يهدم ركنًا أساسيًا بداخلي، أشعر كأن أحدَ أعضاءِ جسدي يرحلُ معه إلى القبر. لحظةَ أقرأ نبأَ وفاةِ إنسانٍ يحتضنه القلبْ أبكي، ويسعفني القلمُ لأرسمَ صورةَ الحزنِ الذي يباغتني بفقدانِه. نادرًا ما أعيشُ صدمةً تحبسُ البكاءَ، وتُخرسني عن الكلامِ والكتابة كما حدث برحيلِ أخي العلامة السيد محمد حسين الأمين، فقد غرقت في حالة ذهولٍ أنستني الكلمات وعطلت قلمي عن الكتابة، لم أكابدْ مثلَ هذه الحالةِ من قبل. كنت أفتش عن دمعةٍ تطفئ جمرةَ القلب، فلا تسعفني عيناي، البكاءُ المؤجلُ أقسى أنواع البكاء مرارةً. لم أكن أدرك حجمَ حضورِ هذا الإنسان بداخلي، ولم أتحسس قبلَ ذلك ما يفرضه رحيلُه المفاجئ المفجع من صدمة عنيفة تكفُّ فيها الكلماتُ عن الإصغاء لوجع القلب، وتصمت الحروفُ عن النطق. أعرف غزارةَ ما تجودُ به عيناي من دموعٍ لحظاتَ الحزن وحتى الفرح، لكن لم أكن أعرف كيف تحتجبُ الدموع.

لن أنسى في حوزة النجف السيدَ الشهيدَ محمد باقر الصدر ولن ينطفئ ألقُ حضورِه العاطفي في ضميري، ملأ فكرُه الدنيا وشغل الناسَ في عصره، ووجّه التعلقُ بفكره وشخصيته بوصلةَ مستقبلي في الحوزة منذ سنة 1978، ولن أنسى في لبنان السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص. قلما عاشرتُ رجلَ دينٍ فرض حضورَه في قلبي بلا حدود، واحتلَّ هذه المكانةَ في مشاعري بلا حدود كالسيد محمد حسن الأمين، الذي يجهلُ مواهبَه وتكوينَه الفكري والثقافي والأدبي كثيرون ممن لا يعرفون إلا اسمَه وشخصَه.كان الأمين أخلاقيا نبيلًا، مفكرًا موسوعي الثقافة، أديبًا وناقدًا ذكيًا، وشاعرًا مطبوعًا، يمتلك ذائقةً فنية ورؤيةً جمالية للعالَم، لم أشهد صفاتَه تلتقي لدى أكثر مَن تعرفت عليهم.كان الأمينُ أمينًا على الأخوة بلطفٍ وذوق متفرّد يختصّ به،كان أعذبَ معمّم صادقتُه في حياتي.كنت أتذوقُ الجمالَ في طريقة تفكيره وعقله الخلّاق، ولطفه، ومشاعره الدافئة، ولغته الآسرة، وأدبه وشعره الرقيق. هذا رجلٌ كبير، خسرتُ برحيله صديقًا صدوقًا لا يمكن أن يعوضني شيءٌ بفقدانه. سيدرك مَن يقرأ فكرَه بتأمل، وتتكشف له سيرتُه لاحقًا: أنه كنبيٍ ضيّعه قومُه. قلّما عاشرتُ إنسانًا كان مرآةً أرى فيها كثيرًا مما أتمناه وأحلم به وأطمح إليه في حياتي كهذا الرجل المهذب. صلتي العميقة بالسيد الأمين كشفتْ لي مثالًا فريدًا تجلّت في تفكيره ومواقفه نسخةٌ نادرةٌ من الإنسان. لم يكن الأمين نصفَ عالمٍ، ولا نصفَ أخلاقيٍ، ولا نصفَ مفكرٍ، ولا نصفَ شاعرٍ، ولا نصفَ ناقد. لم يكن مراوغًا، لم يكن زئبقيًا، لم يكن هشًا في كلماته وكتاباته ومواقفه.كان مفكرًا عقلانيًا حرًا جسورًا صلبًا، يمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا.

مازالت بصمةُ بعض اللبنانيين العامليين[1]من جيل الأمين مضيئةً، لم تنطفئ آثارُها تمامًا في الحياة العلمية والأدبية والثقافية في النجف، مازالت تضيء حيثما رحلوا وأقاموا في الأرض. ما كان عددُهم كبيرًا مقارنة بغيرهم من طلاب الجنسيات الأخرى، غير أن دورَهم كان أثرى وأوسع من عددِهم. فاعليةُ حضورهم على الدوام كانت لافتةً في حلقاتِ الدرسِ الحوزوي وكليةِ الفقهِ والرابطةِ الأدبيةِ والمنتدياتِ والأنشطةِ الثقافيةِ النجفية. صدرت مجلةُ “الأضواء” استجابةً لتحديات الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي الجديد وأعاصيرِه بعد ثورة 14 تموز 1958، كانت المبادرةُ ذكيةً بتوقيتِ صدورها، ونمطِ الكتابة الجديد فيها، ونوعِ موضوعاتها المبتكرة، صوتُها لم يكن صدىً لما يُدرس في المدارس الدينية. طالعتُ المجموعةَ الكاملةَ لأعداد الأضواء، عندما كنتُ أدرس في حوزة النجف أواخرَ سبعينيات القرن الماضي. اكتشفتُ أن كلمةَ تحريرِ المجلة كان يكتبها في بعض أعدادها السيدُ محمد حسين فضل الله، وصدرت لاحقًا في كتابه “قضايانا على ضوء الإسلام”، وكانت المحاضراتُ النوعية للشيخ محمد مهدي شمس الدين على طلاب كلية الفقه لافتةً بتفسيرها التحليلي للتاريخ، مضافًا إلى كتاباته المتميزة المنشورة في هذه المطبوعة وغيرها.كما طالعتُ معظمَ أعدادِ مجلةِ النجف الصادرةِ نهايةَ ستينيات القرن الماضي عن كلية الفقه، رأيتُ هيئةَ تحريرِ هذه المطبوعة تألفت من: السيد محمد حسن الأمين، والسيد هاني فحص، والسيد عبد الهادي الحكيم.

لا أتذكر لقاءً جمعني بالأمين غابتْ فيه أطيافُ ألقِ النجف وحوزتِها ومنتدياتِها، كأن النجفَ تتحدث إليك في قلبه. سكنتْ روحُه نجفَ أمير المؤمنين “ع”، وتغذّت بفضائها الرمزي عواطفُه، واتسع لعلومها عقلُه، كأن ذاكرتَه ارتوت حتى فاضت بما في النجف من ثروةٍ رمزيةٍ وروحيةٍ وعلميةٍ وأدبية. غادر الأمينُ النجفَ المكانَ، إلا أن ذاكرةَ النجف الحيّة لم تصمت في ضميرِه يومًا. غالبًا ما أدهشني ألقُ حضورِ النجف الطاغي في وجدانه، وحماسُه المتدفقُ وبهجتُه لحظةَ الحديثِ عن النجف. بعد 12 سنة من الدراسة والتدريس في الحوزة وكلية الفقه عاد السيد الأمين إلى بلده، وكان صوتُه أصفى ما يعبّر عن رسالة النجف الثمينة، بكلِّ ما تجلّى في مدرسة النجف من تنوعِ عميق للاجتهاداتِ الفقهية والأصولية، وإبداعٍ أدبي غزير، وألوانِ طيفٍ فكري تتجاورُ فيه مدوناتُ التراثِ الواسع، ومفاهيمُ وأفكارُ أحدثِ الكتب والمجلات الأدبية والثقافية الصادرة في بغداد وبيروت والقاهرة وغيرها.

يعتزّ الأمين بدينِه وتشيّعه، ودراستِه في مدرسة النجف، ويعتزّ بتاريخِه الشخصي وانتمائِه لعائلةٍ دينية عريقة، أنجبتْ السيدَ محسن الأمين العاملي الذي كان شجاعًا في الدعوة لتنقية الشعائر الحسينية وتنزيهِها في النصف الأول من القرن العشرين. لم تشغل السيدَ محمد حسن الأمين صغائرُ الأمور، ظلّ كبيرًا على الدوام، عابرًا للهموم الطائفية الضيقة.كان وطنيًا قبل أن يكون طائفيًا، لبنانيًا قبل أن يكون مذهبيًا،كان بارعًا في التنقيب عن المشتركات والإصغاء للنداء الإنساني الذي يوحّدها. لم يكن عبورُ الأمينِ بمعنى الهجران، حين يعبرُ من لبنان إلى العروبة يظلّ يحمل لبنانَ وهمومَه معه حيثما كان، لا يختنق وعيُه بالأيديولوجيا القومية المتعصبة للحصري وأمثالِه، بل ينتمي للعربية بوصفها لغةً وثقافة وتاريخًا مشتركًا، لا يقف عند آفاقِ العروبةِ المحدودة، بل يتجاوزُها إلى آفاقِ الإنسانية الرحبة. حين يعبرُ من التشيّع إلى الإسلام يظل ضميرُه يحتضنُ كلَّ همومِ التشيعِّ الكبرى، وحين يعبر من الإسلام إلى الأديان يظلّ وعيُه يحتضنُ الروحَ والأخلاق وقيمَ التراحمِ والسلام في الإسلام، وحين يعبر من الأديان إلى الإنسانية يظلّ يحتضنُ أغنى ما يتكشفُ في جوهر الأديان، كان الأمين إنسانيًا قبل وبعد كلِّ شيء.

فرض العامليون بعد عودتهم إلى وطنهم حضورَهم على الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ملأ صوتُهم الآفاقَ بلبنان وغيرها من البلدان. جهودُهم متنوعة بتنوع الأديان والطوائف اللبنانية، مُبادِرة بإرادةٍ واثقة حيثما كان مَن يترقب مبادراتِها في ترسيخ السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي. عدة مرات حضرنا معًا، السيد الأمين وأنا، مؤتمراتٍ وندوات ومناسبات ثقافية واجتماعية، خارجَ فضاءِ الاجتماع الشيعي، أتفاجأ باحتفاءِ النخبة اللبنانية بالأمين وبمن معه. قبل نحو 30 عامًا فوجئتُ بظهور جماعة من الشباب العامليين من جيل تلامذتي في حوزة قم، زاروني يحملون معهم مطبوعةً كثّروها بالاستنساخ تعدُ بوعي جديد. أتذكر منهم: الشيخ حيدر حب الله، والسيد مهدي الأمين، والشيخ أحمد أبو زيد، تحسّستُ في أحلامهم ما يشي باستفاقةِ وثبةِ الروح العاملية في مدرسة النجف وانبعاثِها لديهم مجددًا. ثابر هؤلاء الشبابُ على الدراسة والتدريس عدة سنوات، وانشغلوا بالبحث والكتابة، وكانت لهم إسهاماتٌ في مجالات متنوعة. إلا أن الرياحَ شاكستهم، فلم تفرض جهودُهم حضورَها في موطنهم، ولم نسمع بأصداء لمنجزِهم، تتناسبُ وحجمَ ونوعَ العطاءِ الجديرِ بالاهتمام الذي قدموه.

نحن مدعوون لإعادة اكتشافِ فكرِ العلامةِ الأمين غيرِ المنشور، وتوجيهِ طلاب الدراسات العليا في كليات الشريعة والعلوم الإسلامية للكتابة عن آثاره. أشهدُ أن فكرَه يمكن أن يُحدِثَ أثرًا إيجابيًا طيبًا في إيقاظ الحياةِ الروحية والأخلاقية للشباب، وتقديمِ صورةٍ ناصعةٍ للدين، الجيلُ الجديد في عالَم الإسلام بأمسّ الحاجة إليها اليوم.كان الأمين مفكرًا شفاهيًا، لم يحرص على تدوينِ أفكاره، والتعريفِ باجتهاداته في الفقه والقضاء، ولم يجمع شعرَه الغزير في ديوان بحياته. أدعو العزيز السيد مهدي الأمين والعائلةَ الكريمةَ للمبادرة بجمع آثاره، من: محاضراتٍ، وندواتٍ، ومقابلاتٍ وحواراتٍ صوتية، ومقالاتٍ متناثرةٍ في صحفٍ ومجلات متنوعة، وإعادةِ تحريرِها وتنقيحِها، وإصدارِها عاجلًا عن دار نشر عراقية لبنانية؛ لئلا يغيبَ إنتاجُه الفكري عن النجف، ويقرأ المهتمون وفاءَ الأمين لمدرسة النجف التي حمل رسالتَها بكفاءة استثنائية كلَّ حياتِه؛ لبثت النجفُ مقيمةً بقلبه ولم يبرد حنينُه إليها في مختلفِ مراحلِ حياتِه.

لم تحتبسْ عقلَ الأمين أسئلةُ: الإيمان والإلحاد، والمادية والدين، والاشتراكية والإسلام، وأشباهُها من أفكار تصارعت منتصفَ القرن الماضي، أسئلةٌ اندثرت ونسيتها الأجيالُ اللاحقة، واختفت من اهتماماتِ أكثرِ الباحثين والدارسين والمثقفين، ونادرًا ما تحضر تلك الاهتمامات في أسئلة الجيلِ الجديد. واكب الأمينُ الأسئلةَ الجديدة، وتحدث بلغة تتناغمُ ومنطقَ الواقعِ وآفاقَ أسئلةِ اليوم. استمعتُ إلى شيء من حواراتِه ومداخلاتِه في ندوات اشتركنا فيها معًا، وتحدثنا ساعاتٍ طويلةً في جلسات كثيرة بمختلفِ قضايا: الحداثةِ والتراثِ، والأصالةِ والمعاصرة، والدولةِ والسلطةِ، والهويةِ، والتعدديةِ والاختلافِ، والتسامحِ، وأسئلةِ الفكر الديني العربي والإيراني الحديثِ والمعاصر، وغيرها.كنا نقضي أثرى الليالي في بيروت وصيدا ودير كيفا في جنوب لبنان بحوارٍ مثمر. انشغل الأمين بقضايا: العقلانيةِ النقديةِ، والدعوة للانتقالِ إلى عصر أنوار إسلامي، وتجديد مناهج الاجتهاد، وإعادةِ بناء الفكر الديني ليكون من أجل الإنسان، واقتراحِ صيغةٍ إسلامية للعيش المشترك بين الأديان، وتحريرِ الوعي الديني من التشوهات الطائفية، وبناءِ رؤيةٍ تكاملية للوحدة، والتثقيفِ على الحقوق والحريات وتعزيزِها، وتكريس الشعور بالكرامةِ، والحقِ في الاختلافِ، والتنوعِ، والتعدديةِ، والعيشِ المشترك، والتسامحِ، والاحترامِ المتبادل، والهويةِ، والدولةِ المدنية، والمشروعية الشعبية، والتداولِ السلمي للسلطة، والتنميةِ، والتحديث.

شهد الأمين تزعزعَ الكيان اللبناني، وعواصفَ الحرب الأهلية المريرة، وما أعقبها من تداعياتٍ ومواجعَ في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته. لم يكن متفرجًا ولا محايدًا في عصر تفجرت فيه التناقضاتُ الطائفية والنزاعات، وسادته ظروفٌ بالغةُ التعقيدِ والتوتر. ظل صوتُه وفيًا للحرية والوضوحِ والصراحةِ والصرامةِ بمختلف محطات حياته، وتقلباتِ السياسة والفكر في وطنه.كرّس جهودَه للعيش المشترك في إطار التنوعِ والاختلاف. في ضراوة لهيبِ الحربِ وأنينِ الدم المسفوحِ لم يكف صوتُه عن إعلان رسالة السلام في الإسلام، في تلك الظروف الكئيبة كان يصرّ على ضرورةِ إيقاظ جوهرِ رسالةِ الأديان في التراحم والتضامن والسلام، بوصفها فريضةً دينية وضرورةً أخلاقية واجتماعية وسياسية لحماية المجتمعِ من العنفِ والحربِ الأهلية.

[1]لعامليون تسمية اشتهر بها اللبنانيون في حوزة النجف.

 

رابط النشر:

كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي: جدل المؤمن أم جدل الإنسان؟

كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي: جدل المؤمن أم جدل الإنسان؟

عبدالحق الزموري[1]

صدر للصديق العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي منذ سنتين كتاب جديد في سلسلته الخماسية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، بعنوان “الدين والكرامة الإنسانية”، وقد صدرت طبعته الثانية المزيدة والمنقّحة سنة 2022 عن دار الرافدين بالعراق. ينقسم الكتاب (وقد ورد في 340 ص) إلى ستة فصول، يمكن إجمالها في قسمين كبيرين يتساويان في عدد الفصول، يتناول في الأول مسائل الإيمان والدين والتديّن، وفي الثاني مسائل الكرامة وبنيتها الأخلاقية الإنسانية.

يضع عبد الجبار الرفاعي خارطة طريق مرسومة بعناية ووضوح لمن يهمه دراسة أعماله، يتدرج فيها بخطوات تبدأ من معرفة الإنسان، إلى معرفة الدين، والوحي، والنبوة، والإسلام. في ضوء ذلك يبتني الفكر الديني كما يشدد هو على: إعادة تعريف الإنسان، ويتفرع عليه إعادة تعريف الدين ورسم حدوده، ويتفرع عليه إعادة تعريف الوحي، ويتفرع عليه إعادة تعريف النبوة، ويتفرع عليه إعادة تعريف الإسلام ورسم حدوده. “الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” كما يعرّفه الرفاعي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كل كتاباته، ورؤيته لله والإنسان والعالم. يندرج هذا الكتاب،كما يعبّر الرفاعي عن ذلك في كل مرّة يتعرض فيها لأعماله كتابةً أم مشافهة، في ما يسمّيه “تنويعات لرؤية واحدة، رؤية تحاول أن تتعرّف على الدين عبر اكتشاف الانسان”.

ما فتئ الرفاعي يُخبرنا إنه يدعو إلى الإيمان باعتباره حاجة أنطولوجية للإنسان، لكنه ينأى بنفسه عن أشكال التدين المعلومة، ويختار إعادة اكتشاف الدين عبر كرامة الانسان الأصلية، مؤكدا أن أي جُهد تجديدي في المجال لا بد أن يبدأ بإعادة تعريف الانسان والدين، وبالتالي فهو يقترح علينا تعريفه الخاص للدين جاعلا “الإنسان وكرامته وسكينته وطمأنينته وإسعاده غاية ما ينشده الدين”؛ بل إنه يذهب أبعد من ذلك عندما يُعلن بصرامة إن “المعيار الكلي لاختبار إنسانية أي دين هو كيفية تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقع الذي تحتله الكرامة في منظومة القيم لديه”. يصف الرفاعي عمله هذا بقوله: هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَد مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض، “مقدمة الطبعة الثانية للدين والكرامة الإنسانية”.

ولأن الرفاعي في كتابته لا يتحرك في فضاء الأكاديميا وصرامتها المنهجية والنظرية “التجريدية” أحيانا، بل من صيرورة الدين الحية وديناميكيتها، سواء في استعماله لجزالة الكلمة وسيولتها، أو في استهدافه لجمهور واسع ومتنوع من المتلقين، فإنه لا يتحرج في وضع سياقات عملية لنجاح المقترح الإيماني الذي يدعو إليه، عندما يذهب إلى أن قوة الأفكار الواردة في الكتاب “لا تكفي وحدها لتطبيقها” ما لم تتبناها سلطة سياسية تفرضها، ومؤسسة دينية تتبناها، وحاضنة مجتمعية تلوذ بها. هنا نخرج سريعا (وبدون مقدمات أو تبرير عقلي ربما) من ساحة الوجود الانطولوجي التكويني للكرامة إلى ساحة الفاعل المجتمعي ذي الأدوات “القهرية” في مقاربة تلك الكرامة وفي تحويلها إلى “تشكيل” ينافح عنها.

ورغم إن تلك المعادلة / التقاطع تحتاج إلى نقاش واسع، إلا أن ذلك لا ينفي المهارة الفائقة التي عالج بها عبد الجبار الرفاعي واحدة من القضايا الشائكة في سياقات الفكر الديني، ولا يحجب الشجاعة التي خطّ بها طريقه رفضًا لصور الدين وأشكال التدين التي تنصّبُ نفسها متعالية على الكرامة الإنسانية، ومتعرضا بسببها إلى التصادم مع جمهور عريض من المتدينين، وهو المؤمن سليل الحوزة العلمية في النجف وقم.

الكرامةُ في هذا الكتاب هي القيمةُ العليا التي تعلو على كل القيم، والمساواةُ لدى الرفاعي هي التعبيرُ العملي عن حضور كرامة الفرد والمجتمع، كما يقول: “لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان. الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه، كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها”.

[1] كاتب تونسي.

 

رابط النشر:

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

براء ريّان[1]

يبدأ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” بالحديث عن نشأة علم الكلام، وأسباب النشأة ودوافعها، إن كانت داخلية أو خارجية. علم الكلام لم ينشأ كنوع من الترف الفكري كما يعتقد البعض، بل نشأ تلبية لحاجات فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي والديموغرافي والثقافي والعقدي. يوضح د. عبدالجبار الرفاعي في هذا الكتاب المخاوف التي أصابت الفقهاء من هذا العلم الذي يحاول عقلنة أصول الدين وإثباتها بطرق عقلية. عارض كل من الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل هذا العلم، وهذا التعاض يعكس البنية السوسيولوجية والمعرفية التي لم تتهيأ في تلك اللحظة التاريخية لاستيعاب التفكير العقلاني الفلسفي بطريقة شبيهة لمن يرفض العقلانية الحديثة. مثّل علم الكلام في تلك اللحظة قمة الفكر العقلاني في الإسلام بجرأته ومقولاته المتنوعة وأسئلته. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي: ان تراجع علم الكلام بدأ عندما نُقلت الحوارات الكلامية من دور العلم إلى بلاط السلطان وخضعت للسياسة،كان الاعتزال ضحية هذا الانتقال من التفكير خارج حدود عقلانية السلطة. عندما تأدلج علم الكلام وتوقف التفكير العقلاني فيه دخل مرحلة السبات، وصار ضحية الوثيقة القادرية ( ٤٠٨ هـ ) التي فرضت مذهباً رسمياً واحداً لا يحق لأحد الخروج عليه وهو المذهب الحنبلي، وحرّمت التفكير الاعتزالي، فكانت هذه ضربة موجعة للتفكير الكلامي العقلاني، بعد أن تحول لمقررات ومراسيم وأوامر تفرضها السلطة السياسية. لم يستسلم الفكر الكلامي كليا لهذه التحولات، بل نهض علم الكلام مجدداً بعد زمان على أيدي متكملين كبار كنصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي، وغيرهما، وهو ينهض اليوم مجددا في علم الكلام الجديد.

كان لنشأة الفكر الكلامي في عالم الإسلام دور هام بتوليد الأسلئة العقلانية التي تبحث قضايا الاعتقاد لتولد منه تساؤلات ومقولات متنوعة. حضور العقل في التفكير الكلامي وعقلنة العقائد الدينية، وبحث كبرى الأسئلة العقلية كالجبر والاختيار والتوحيد والعدل وغير ذلك، تسبب بمحاربة التفكير الكلامي من تيارات رأته يشكل تهديداً لأصول الشريعة. نضج علم الكلام ليشكل الرؤية الكونية في الإسلام، وليشكل نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي كما يرى أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.كل ذلك كشفه الرفاعي في علم الكلم القديم، فأدرك سطوته على العقل الإسلامي، بل أدرك أنه المنبع العميق لأصول الفقه والآراء والمواقف الفقهية وتفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف.

تحدث الرفاعي عن محاولات التأسيس الحديث لعلم الكلام وتجديده منذ أيام ولي الله الدهلوي مروراً بسيد أحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، وانتقالاً للمدرسة الإيرانية في مشروع القراءة الهيرمونيطيقية عند محمد مجتهد شبستري، إلى القبض والبسط وبسط التجربة النبوية عند عبد الكريم سروش، والعقلانية والمعنوية عند مصطفى ملكيان، ثم المدرسة العربية المتمثلة بالقراءة الألسنية عند نصر حامد ابو زيد، والإسلاميات التطبيقية عند محمد أركون، والتراث والتجديد عند حسن حنفي، وغيرهم. كتابات كثيرة مر عليها أستاذنا الرفاعي واستوعبها استيعاباً نقدياً وناقش أصولوها ومرجعياتها، مما جعلته يضع جهده الأكبر في رسم ملامح علم الكلام الجديد، ووضع مقدمة هذه كي تحاول رسم حدود هذا العلم وموضوعه ومنهجه، محاولاً تمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم من جهة، والكشف عن المحاولات الشكلية لتجديد علم الكلام.

يرى الرفاعي ان علم الكلام القديم لبث يفكر في إطار العقلانية القروسطية، وفي ظل منطقها وفلسفتها، وفي ظل نظامها المعرفي، والعلوم الطبيعية السائدة آنذاك. نشأ علم الكلام ليجيب عن أسئلة المسلم في تلك القرون، فمع تطور المنطق والفلسفة ونشوء علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وتطور العلوم الطبيعية لدرجة القطيعة الابستمولوجية مع الطبيعيات القديمة، وتطور أسئلة المسلم المعاصر، نشأت حاجة يفرضها الواقع، لنشوء علم كلام جديد، يستوعب الطفرات الفلسفية الحديثة والعلوم الإجتماعية والمناهج الإبستمولوجية، ليخلق حواراً فكرياً ينطلق من واقع المسلم. وعلى هذا الساس تسقط بعض الدعوات التي ترى علم الكلام الجديد نوعا من الترف الفكري والإدعاءات، فنظرة سريعة لما نحن فيه ندرك فيها الحاجة الماسة التي فرضها الواقع لإنشاء علم الكلام الجديد. لا يمكن مثلاً بناء حياة متصالحة مع العصر للمسلم في ظل مقولات الولاء والبراء والفرقة الناجية وتكفير المسلم المختلف في عقيدته التي ترسخت في علم الكلام القديم.

معيار علم الكلام الجديد عند الرفاعي

يضع الرفاعي معياراً واضحاً لتمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم، والمعيار يتمثل كما يرى في الفهم الجديد للوحي. يرى الدكتور الرفاعي أن كل شيء يحدد فهمه تعريفنا للوحي، إذ يقول: (يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. في حدود تعريف الوحي يتحدّد مفهومُ النبوة، ويتحدّد حضورُ الإلهي في القرآن في حدود فهم النبوة، ويتحدّد معنى الكلام الإلهي).

مسألة فهم الوحي أخذت مسارين في الفكر الإسلامي المعاصر، كما يقول الدكتور الرفاعي:

1- مسار يرى الوحي بتعبير د. نصر حامد ابو زيد (منتَج ومنتِج ثقافي) حيث يكون في فترة التكوين مرآة للثقافة، وما بعد التكوين يتحول لموجِّه للثقافة. يعتمد هذا المسار علوم الإنسان والمجتمع والفلسفة في تفسير تمثلات الوحي وأصله، فيقعون في بعض الأحيان في إنكار البعد الغيبي للوحي، ونرى في بعض الأحيان عبارات لهم يعترفون بها بالأصل الغيبي للوحي، وإن كانوا يرون أن الوحي مرآة انعكس فيها واقع عصر البعثة الشريفة ولغة ذلك العصر. ويرى الرفاعي هذا في كتابات: نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون وحسن حنفي وعبد المجيد الشرفي.

2- مسار يتعامل مع الوحي بكونه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، ويبحث في أصل ونشأة الوحي أكثر مما يبحث في تمثلاته في الحياة الإجتماعية، ويعتمد هذا التيار آثار العرفاء والفلاسفة في دراسة أصل الوحي، وعلوم الانسان والمجتمع في تفسير تمثلات الوحي في الواقع، ويرى الرفاعي هذا في كتابات: محمد اقبال وفضل الرحمن ومحمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش.

فهم الرفاعي للوحي

يقول الرفاعي: (الفهم الذي أتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحيُ، على الرغم من توظيف هذا الفهم لشـيء من أدواتِ فلسفة الدين وعلمِ الأديان المقارن وعلومِ الإنسان والمجتمع، للكشف عن البُعد البشـري التاريخي في تمثلات الوحي في الواقع. البُعد الإلهي في الوحي لا يقعُ في إطار صيرورة التَّاريخ وسياقاته، البُعد البشـريّ في الوحي يقع في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته. كلُّ ما هو تاريخي بشـري وكلُّ ما هو بشـري تاريخي،كلُّ ما هو إلهي بوصفه إلهيًّا خارج التاريخ، وكلُّ ما هو خارج التاريخ لا يخضع لمعادلات دراسة الواقع وأدوات فهمه وتفسيراته). فهم الدكتور الرفاعي للوحي يشدد على مضمونه الميتافيزيقي الغيبي، ولا يتجاهل البُعد البشري في شخصية النبي “ص”. يفهم الرفاعي الوحي بطريقة ديناميكية وهي تختلف عن الطريقة الميكانيكية التي ترى النبي “ص” مجرد وعاء مر من خلاله الوحي من دون أي تفاعل منه. الرفاعي يرى أن النبي متفاعل إيجابي مع الوحي. للوحي جانبان كما يرى الرفاعي: إلهي / بشري، بشري / إلهي، الإلهي يتمثل بعقيدة التوحيد والقيم الكبرى التي نطق بها القرآن الكريم الأبدية التي تنطبق على كل إنسان مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان، والبشري يتمثل بانعكاس حياة النبي الخاصة “ص” والظروف الخاصة بمجتمعه وواقع عصر البعثة الشريفة على الوحي. وبهذا لا يكون النبي متفاعلا سلبيا مع الوحي، بل يكون متفاعلا إيجابيا تظهر شخصيته وحياته بوضوح في الوحي. في ضوء فهم الرفاعي يتضح أن كل من لا يفهم الوحي فهماً ديناميكياً لا يمكن أن يصنف متكلماً جديداً. ويعلن الدكتور الرفاعي عن فهمه للنبوة وصلة النبي بالغيب، والفرق بين النبي وبين غيره ممن لا صلة له بالغيب، عندما يقول الرفاعي: (النبي ليس شاعرًا، ولا كاهنًا، ولا متنبئًا، ولا متأملًا يقوده تفكيره لمقام النبوة، النبيُّ نبيٌّ وكفى. لا يتمثل الوحيُ بمشاهدة النبي لأحلام في حالة النوم، أو صورٍ ينسجها خيالُ النبي، أو حالة نفسية، أو محصِّلة ارتياض صبور، أو تأمُّلات عقلية. التفسيرات من هذا النوع تهبط بمقام النبي، ولا تتنبه للتكامل الوجودي الذي تسامى إليه النبي وانفرد فيه. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية بالله).

يصنف البعض خطأ بعض الكتابات التي تكتب بلغة جديدة وتنحت مصطلحاتها الخاصة على أنها كلام جديد، لكن هذه الكتابات لا يمكن ان تصنف كلاماً جديداً وفق معيار الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لهذا يرفض الرفاعي أن يصنف الدكتور طه عبد الرحمن على أنه متكلم جديد ولا يصنف كتاباته كلاماً جديداً، لأن د. طه وفيٌّ للتراث والمدونة الكلامية ومقولات الاشعري والغزالي وابن تيمية تماماً، وإن نحت معجمه اللغوي الاصطلاحي المبتكر. العقل التراثي عقل مقيد بالتراث لا يجرؤ الخروج على مسلماته. د. طه عبد الرحمن حلقة تأخذك لكل مسارات اللغة والفكر ولكنها تعيدك في نهاية المطاف للتراث. المشكلة اننا لا نجرؤ على نقد التراث، ونقد العقل والمناهج والوسائل التي توالد من خلالها. المشكلة في عدم تحررنا من النظام المعرفي والقيمي الحاكم على المنظومة التراثية، لا نعرف سوى أن نقول تجاه العلوم الحديثة أنها نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي معين لكي نرفضها، ثم ننسى أن نطبق هذا على علومنا التي نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي قائم على العقلانية الأرسطية والرؤى التراثية. نحن نعي جداً أن هذا النظام المعرفي والقيمي كان حاكماً على كل المعارف الإسلامية، لكننا نرفض أن نفكر في ضوء العقلانية الحديثة ولوائح حقوق الإنسان. تربينا على كراهية عصرنا ومنجزاته، هكذا تعيش أجسادنا في العصر الحديث، لكن فكرنا مازال في القرون الهجرية الأولى، تشكله مقولات الشافعي والأشعري والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

 

مناقشة الرؤى الرسولية للدكتور عبد الكريم سروش

يقول د. عبد الكريم سروش في بسط التجربة النبوية (تحدثنا في كتاب القبض والبسط عن بشرية وتاريخية المعرفة الدينية، وفي هذا الكتاب “بسط التجربة النبوية” نتحدث عن بشرية وتاريخية الدين والتجربة الدينية نفسها)، ثم إنتقل عبد الكريم سروش في كتابه الاخير ( كلام محمد، رؤى محمد) للحديث عن فهم للوحي بوصفه أحلاما يشاهدها النبي “ص” في المنام.

في سياق نقده للدكتور سروش ينطلق الدكتور الرفاعي من رؤية يؤسس عليها نقده، إذ يقول: (لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه). مادام لكل شيء حقيقته الخاصة التي يتم التعرف عليها من خلال فضائه الخاص، ومادام لكل من الفن والعلم والغيب حقيقته، ويتم التعرف على هذه الحقيقة من داخلها، لذلك لا يمكن تفسير البعد الغيبي للوحي بمناهج علم النفس، لأنها مناهج تتعاطى مع ما يدور في النفس الإنسانية بمنطق علم النفس الحديث، ولا صلة لها بما يدور في الغيب وما وراء الطبيعة، فأي دراسة للغيب في الوحي تعتمد مناهج علم النفس سترى أن الوحي حالة سيكولوجية يعيشها النبي “ص” تخطئ الطريق كما يرى الرفاعي، إذ ستبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار. يمكن دراسة كل ما ينتمي لعالم الطبيعة في الوحي من خلال المناهج العلمية لعلوم الانسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، لكن ما يتعلق بالبعد الغيبي في الوحي فهو بحث يقع خارج الإطار البحثي لعولم الإنسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، في ضوء هذه الرؤية يناقش الدكتور عبدالجبار الرفاعي نظرية الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية، حيث يرى الدكتور سروش أن الوحي عبارة عن رؤى عرضت في المنام للنبي، وللرؤى لغتها الخاصة حيث لا تخضع لقوانين المجاز والكناية، فلغة الاحلام تحتاج لتفاسير الأحلام، وبهذا ربما نحتاج للجوء لتفسير الوحي سيكولوجياً. في سياق نقده لسروش ورفضه لاعتماد اعتمادُ مناهج البحث في العلوم الطبيعية والانسانية في تفسير البعد الغيبي للوحي يقول الرفاعي: (يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن الكريم، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة، دراسةُ الميتافيزيقا وما بعد الطبيعة أحدُ حقول الفلسفة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي والنظرُ إليه على أنّه حالة سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقت محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وحقيقتَه وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. يمكن التعّرفُ على شيءٍ من ملامحِ الغيبيات وصفاتِها ومظاهرِها وتجلياتِها بما تتحدّث به آياتُ القرآن. الآياتُ تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها لأنها لا صورةَ لها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية). النبوة عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي مقام وجودي يحتاج الإنسان إلى تكامل وجودي واصطفاء إلهي يؤهله لتلقي الوحي، كما تشير الآية: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، التأهيل لتلقي هذا القول الثقيل لا يمكن أن يكون من خلال الرؤى، النبوة هي الطور الوجودي الذي يكون أكمل طور وجودي ومقام وجودي يرتقي إليه الإنسان كما يرى الرفاعي.

يؤكد الدكتور عبد الجبار الرفاعي: إن كانت عمليات إعداد قادة العسكر والفكر والسياسة تحتاج لبرامج تعليمية لسنوات طويلة، فكيف يمكن لإنسان يؤهل لمقام تلقي الوحي الذي يصفه القرآن الكريم بـ (القول الثقيل) أن يتحقق من خلال الأحلام. يقول الرفاعي: (إن كان الإنسان لا يبلغ مرتبة النبوة إلا إذا تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمالٍ إستثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي الفريد، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكامله وبناءِ إستعداده الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقيه. تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي/ الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم، لأن النبوةَ ذاتُ طابعٍ وحياني. الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي وليس بالمعنى المادي للوجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل كينونةُ الإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والنبوةَ كالشعر ينفي كونَ النبوة مقامًا وجوديًا يبلغه الإنسان، الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على إبداع الشعر، مرتبةُ الشاعر الوجودية هي مرتبةُ غيره من البشر. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت، ولذلك اصطفاه اللهُ للنبوة).

تمييز علم الكلام الجديد عن فلسفة الدين

يضع استاذنا الرفاعي معياراً للفصل بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، المتكلم الجديد مؤمن بالوحي والنبوة، ويبحث تحت سقفهما، أما فيلسوف الدين فمن الممكن ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن ويبحث في كل شيء بحثاً حراً من دون سقف معين. فلسفة الدين فلسفة، الفلسفة حكم العقل لا غير كما يقول الرفاعي: (‏الفلسفة تعني حكم العقل لا غير. الفلسفة مرجعية العقل في كل قضية إثباتًا أو نفيًا). وفي هذا السياق يرفض الرفاعي محاولات “أسلمة الفلسفة” ويراها ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، يقول بصراحة: (لا يكون التفكير فلسفيًا إلا أن يقع خارج إطار المعتقدات والأيديولوجيات والهويات المغلقة. كل الأُطر المقيدة للتفكير العقلي تمارس تمويهًا بعناوين مراوغة عبر الأدب والفن، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقدات والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. محاولات “أسلمة الفلسفة” ضرب من التفلسف ضد الفلسفة. كتبت عن ذلك أكثر من مرة في مقالاتي ومؤلفاتي). وهذا تمييز واضح يرفع الالتباس الذي وجد مع الشيخ مصطفى عبد الرازق حيث عد علم الكلام هو الفلسفة في الاسلام، الفلسفة يفترض أن تكون بحثاً عقلياً محايداً، وعلم الكلام ينحاز لجملة من المسلمات الاعتقادية. أي فكرة ترى في الفلسفة خصوصية ستنتهي بأدلجة الفلسفة. العلم ربما ينحاز، لكن لا يمكن للفلسفة أن تنحاز.

 

استعادة المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الكلام الجديد

غاب الإنسان عن المدونة الكلامية القديمة، وتخصصت هذه المدونة في ذات الله عز وجل وصفاته وما يتفرع عنها، ونست الإنسان الذي كُلف بأعظم مهمة في الوجود وهي الاستخلاف. علم الكلام الجديد يستعيد للإنسان مركزيته في الوجود التي اكتسبها من كونه خليفة الله في الأرض. يرى الرفاعي انه لا تعارض بين مركزية الإنسان في الكلام الجديد مع مركزية الله عز وجل وهو رب الإنسان كما حصل في بعض الفلسفات المعاصرة، بل يكتسب الإنسان هذه المركزية نتيجة ما وهبه الله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة). لا يدرس الدكتور عبد الجبار الإنسان وحاجاته بمعزل عن الله كما حصل في رؤية حسن حنفي التي وصلت إلى ما أسماه الرفاعي (نسيان الله في تفسير حنفي للقرآن) فنسيان الله ينتهي إلى نسيان الإنسان (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

يرى الرفاعي ان اخراج الدين من حدوده الأنطولوجية وترحيله لحدود أيديولوجية انتهى إلى نزع المضمون الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وتحويله من وسيلة لإنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي إلى أداة أيديولوجية يصبح فيها وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة. هذا الترحيل من الفضاء الأنطولوجي للفضاء الأيديولوجي رصده علم الكلام الجديد، لذلك يبحث عن سبيل لإستعادة الدين إلى فضائه الأنطولوجي ليكون حسب تعريف د. الرفاعي: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويشتق الرفاعي “من ‏هذا التعريف كل شيء يكتبه ويقوله عن الدين”. في كتابات الدكتور الرفاعي إنقلاب مضمر مستتر على تيارات فكرية معاصرة، أخرجت الدين من دائرة الأنطولوجي إلى دائرة الأيديولوجي، فأخضعت النصوص القرآنية لمقولاتها الخاصة، وأصبح النص ينطق عندهم بما تتضمنه مقولات مثل “الحاكمية” ، “بناء فوقي وبناء تحتي” ، “ديالكتيك صاعد هابط” والخ، من مقولات إسلامية مختلطة بماركسية أُلبسب على النص، لذلك أخذ الكلام الجديد عنده مهمة إعادة الدين لفضائه الأنطولوجي ليكون منبعا للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. يشدد الرفاعي على أن “أي معرفة لا يعرف فيها الدين حدوده فهي معرفة غير منتجة”.

العقلية الكلامية القديمة

لم يستطع أكثر من يكتبون في الدين الخروج على العقلية الكلامية القديمة، والتفكير بآفاق علم الكلام الجديد.كتابتهم تولد فجوة عميقة بين جيل نشأ على كتابات صنعت متخيلهم نحو الحياة والمختلف في المعتقد وبين جيل الشباب المسلم.كتابات تضع الذات في قفص وهاجس “الهوية”، ككتاب (جاهلية القرن العشرين)، تضعهم مقابل الجيل الجديد من أبناء الإسلام، الذي لا يُغذي متخيله هذه الكتابات بل إشتق له طريقاً آخر. لا تفضيل لمتخيل جيل على جيل آخر، فلكل جيل خصوصيته التي أحترمها. شعر جيلٌ كامل بالخيبة، آمن تارةً بحلم الدولة الوطنية، وتارة بشعارات ناصرية قومية، ثم بالخيبة الكبرى بدولة الإسلام السياسي، التي سجنت إيمانه بقفص “الأيديولوجيا” وفشلت ببناء الدولة. غذت متخيله كتابات العقلية الكلامية القديمة بمصطلحات لا وجود واقعي لها: (كالجيل القرآني الفريد، والعزلة الشعورية عن المجتمع، والدولة الإسلامية، والجاهلية، والنظام الإسلامي، والخ). صدمات متتالية وتجارب باءت بالفشل، جعلت كثيرون يرون في نصوص جلال الدين الرومي ملاذاً، حيث لا قفص للإيمان، ولا كراهية للآخر، طريق الإيمان لديه هو طريق الحب. ما الضير في هذا، أيُلام جيل تحمل صدمات الفشل المتكررة التي زعزت كل شيء عنده، ثم لجأ للكنوز الروحية حفاظاً على المعنى الذي يتولد عنده من الإيمان. ينزعج البعض من الاهتمام المعاصر بشخصيات كالتوحيدي والرومي وابن عربي أكثر من الاهتمام بأبي حامد الغزالي وابن تيمية. الإهتمام بالتوحيدي والجاحظ ومسكويه وابن سينا وابن رشد وابن طفيل يفوق الإهتمام بالغزالي وابن تيمية والإمام الشافعي، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لماذا هذا الانزعاج من تحول الاهتمام بشخصيات معينة إلى شخصيات أخرى؟ العقل الإسلامي تغذى على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ونسوا كتاب تهافت التهافت لفيلسوف قرطبة ابن رشد. لم نقرأ نزعة الأنسنة عند الجاحظ والتوحيدي ومسكويه، حتى قدوم الفيلسوف محمد أركون ليحيي هذه النزعة ويقدمها لنا. إن الاهتمام الحالي في جيلي بالشخصيات المعاصرة كالجابري وأركون ونصر حامد ابو زيد وناصيف نصار ومحمد إقبال وفضل الرحمن وعبدالجبار الرفاعي يفوق الإهتمام بالندوي والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب وأبو يعرب المرزوقي وطه عبد الرحمن. ينتمي كل جيل منا لكتّابه الذين يخاطبون عقليته ويعرفون احتياجاته. لن نحاكم ما تقرؤون، ولا تحاكمون ما نقرأ، قد وُلد كلٌ منا لزمان مختلف وتحدياتٍ ورهاناتٍ مختلفة.

وأخيراً هذه جهود مهمة، سيكون لها نتائجها في يوم ما، وعلينا ألا نظلمها ونحملها فوق طاقتها، فما زال الفكر الكلامي الجديد لم يتجاوز المئة وخمسين عاما، ويحتاج إلى وقت للتبلور والنضوج مثله مثل أي علم آخر. شكراً لاستاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذه الرحلة الممتعة في هذا الكتاب الرائع.

[1] براء ريّان، كاتب عراقي.

 

رابط النشر:

الولاء والبراء ‏في ضوء الإنسانية الإيمانية

الولاء والبراء ‏في ضوء الإنسانية الإيمانية

د. عبد الجبار الرفاعي

 

1

فعلُ الخير ليس مشروطًا

‏الإنسانيةُ غيرُ المشروطة منبعُ كلِّ خير يقدمه الإنسان لكلِّ مخلوق. ‏طاقةُ الإنسانية غيرُ المشروطة تضيء العالَم بأجمل ما يمتلكه الانسان. ‏الإنسانيةُ غير المشروطة على الضد من ‏إنسانية مشروطة تحصرها بهوية أو معتقد أو دين أو أيديولوجيا أو قومية أو جغرافيا أو ثقافة محلية، وأمثالها من شروط وقيود وأوصاف تسجنُ استعدادَ الإنسان لفعل الخير وتضعه في حدودها. مَنْ هو محتاجٌ للإغاثة والحماية والدعم والرعاية والرحمة يستحقها، بغض النظر عما تفرضه الهويات الاعتقادية من حصر فعل الخير ووضع أسوار تحدده في اطارها. في ‏الإنسانية غير المشروطة يُنظَر إلى حاجة المخلوق ويغاث تلهفه، ولا ينظر إلى مَنْ هو المخلوق ولا إلى هويته.

مَنْ يعتنقُ عقيدةً انحصارية، تحصرُ النجاةَ في الدنيا والآخرة بمعتقده، ولا ينجو من النار ويدخل الجنة في الآخرة أيُّ إنسانٍ لا يعتقدُ بعقيدته، يكون لديه فعلُ الخير مشروطًا، بنحو لا يصدقُ عنوانُه وفقًا لمعتقده إلا على ‏مَنْ ينتمي إلى هويته الاعتقادية. هذا الإنسانُ الذي لا يصدق عنوانُ فعل الخير لديه على أيِّ إنسان ‏لا يعتقدُ بعقيدته، لا يجدُ حافزًا دينيًا يدعوه لفعل الخير من أجل إنسان مختلف في المعتقد. فعلُ الخير في نظره يصدقُ على عنوان الهوية الاعتقادية لا غير، لا على الإنسان بوصفه إنسانًا. العقيدةُ الانحصاريةُ تفرض على كلِّ مَنْ يعتقدُ فيها أن يعيشَ وذهنُه وضميرُه الأخلاقي ومشاعرُه مسجونةٌ داخلَ هويته الاعتقادية. لا يكون الإنسانُ في هذه العقيدة إلا أداة تُستخدم لأجل العقيدة، كما تُستخدم الأشياء أداة لتحقيق غرض معين.

مَنْ يتمسك بمعتقد انحصاري يجعل ‏الغايةَ معتقده، الإنسانُ ليس غايةً، الإنسانُ أداةٌ لتحقيق ما تفرضه عليه هويتُه الاعتقادية، لذلك لا يفعل خيرًا من أجل الإنسان بما هو إنسان، وإنما يفعل الخير من أجل المعتقد الذي يحدد له مَنْ ينطبق عليهم عنوانُ فعل الخير من البشر، وهم كلُّ مَنْ يعتقد بمعتقده خاصة من دون غيره من الناس.كلُّ شيء يفعله لا يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا موضوعًا للتكريم والاهتمام والاحترام، وإنما يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا يعتقدُ بمعتقدٍ معين موضوعًا، فالتكريم والاهتمام والاحترام يبدأ بالإنسانِ الذي يشترك معه بمعتقده، وينتهي عندما لا يكون الإنسانُ مشتركًا معه في الهوية الاعتقادية. يكتب ابن تيمية: (وأمّا الكفار فلم يأذن الله لهم في أكل أي شيء، ولا أحلّ لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا”، فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالًا، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمنين به، فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا، ولهذا لم تكن أموالُهم مملوكةً لهم ملكًا شرعيًا، لأنّ الملك الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم، والشارع لم يبح لهم تصرفًا في الأموال إلا بشرط الإيمان.. والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها ملكوها شرعًا، لأنّ الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)[1]. الغريبُ أن الخطابَ في الآية القرآنية التي استدل بها “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا” يشمل كلَّ الناس، ولم يختصّ بالذين آمنوا، فكيف يُستدلّ بها ويحصرها بالمؤمنين خاصة. الاستدلالات من هذا النوع الغريب الذي يقرأ الآيات في ضوء معتقد المفسّر والفقيه في مدونة التفسير والفقه لمختلف المذاهب ليست قليلة.

في ضوء مفهومي لـ “الإنسانية الإيمانية” يصدق فعلُ الخير على كلِّ عملٍ يساهمُ في حماية كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا بغض النظر عن معتقده ورعايته وإسعاده، ويحرصُ على حقوق كلِّ فرد، إلى أي جنس، أو أي دين، أو أية ثقافة، أو أية هوية ينتمي. فعلُ الخير هو كل مسعى يعمل على بناء الحياة، باستثمار قيم الخير والحق والعدل والسلام، وتكريس ما يسعد الإنسان ويجعل العالَم أجمل، ويحرص على نفع الناس وحل مشكلاتهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف مع هؤلاء الناس في المعتقد أو الهوية أو الثقافة، وغيرها. عندما تكون الإنسانية هي المنطلق والغاية يصدق حينئذ على كلِّ مسعى من أجل إسعاد الإنسان أنه فعلٌ للخير.

فعلُ الخير في “الإنسانية الإيمانية” موضوعُه الإنسانُ من حيث هويته الإنسانية لا غير، يبدأ بالإنسان وينتهي بالإنسان بوصفه إنسانًا، بلا تصنيفات إضافية أيديولوجية واعتقادية وعرقية وثقافية وجغرافية تتعالى على هويته الإنسانية. الإنسانيةُ وحدها هي مناط التكريم والاحترام، الاهتمام بالإنسان ‏بوصفه إنسانًا بذاته، إنسانًا قبل كل شيء وبعد كل شيء. ‏عندما تكون الغاية هي الإنسان من حيث هو إنسان، وليس الإنسان من حيث هو أداة من أجل عقيدته أو هويته أو إثنيته، حينئذ يكون فعلُ الخير من أجل الإنسان، لا من أجل ‏عقيدة الإنسان. في “الإنسانية الإيمانية” العقيدة هي الأداة والإنسان هو الغاية، العقيدة أداة من أجل احترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه واسعاده. ‏

في “الإنسانية الإيمانية” يقترن الإيمان بالعمل الصالح، فقد وردت كلمة الصالحات 180 مرّة في القرآن الكريم، وجاء العمل الصالح ملازمًا للإيمان في 75 موردًا في القرآن، وذلك يشي بأن الأثر الطبيعي للإيمان هو العمل الصالح، ففي “المواضع التي يذكر فيها القرآن الذين آمنوا يقرن بينهم وبين العمل الصالح بشكل صريح، فيما يقرن الإيمان بألوان من الرؤى‏ والقصد والسلوك في المواضع الأخرى‏، يجسد العمل الصالح روحها، ويمثل مادتها التي تتقوم بها، فإن أركان الايمان، وثمراته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، كلـها تأتلف مع العمل الصالح متواشجة في منظومة واحدة، يكتسي ظاهرها وباطنها بالعمل الصالح. ويتجلى‏ لنا ذلك بوضوح عندما نتأمل الآيات التي اقترن فيها الإيمان بالله بالعمل الصالح، فقد ارتبط العمل الصالح ارتباطًا عضويًّا بالإيمان، وبدا العمل الصالح كمعطى للإيمان”[2]. الإنسان يكون صالحًا بقدر جهوده وأثره وثمراته الطيبة في الحياة، وبما يقدمه من عطاء يجعل العالَم أجمل. العمل الصالح معنى عام يصدق على كل جهد يعمل على بناء الحياة، وكل ما ينفع الناس ويحل مشكلاتهم ويسعدهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف معهم في المعتقد والهوية والثقافة، “وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، الرعد، 17.

 

2

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

مفهوم فعل الخير والعمل الصالح اللامشروط يتنافى مع مفهوم فعل الخير والعمل الصالح في ضوء مقولة الولاء والبراء، إذ لا يصدق فعلُ الخير والعمل الصالح فيها على المختلف في المعتقد. في إطار مقولة “الولاء والبراء” لا يكون فعلُ الخير خيريًّا أو العمل الصالح صالحًا بذاته، وبوصفه فعلًا يُسعِد الإنسان المتلقي له والمبادر به، وإنما يستمدُ فعلُ الخير قيمتَه من كونه متصفًا بالخيرية بحسب المعايير والحدود المرسومة في مقولة “الولاء والبراء”، وهذه الصفة لا تتحقّقُ إلا عندما يكون ذلك الفعلُ من أجل المشتركين في العقيدة، فيكتسب قيمتَه الخيرية وصلاحه من حكم العقيدة بأنه فعلُ خير وعملٌ صالحٌ، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الحكمُ مطابقًا في كل الحالات لحكم العقل الأخلاقي “العقل العملي”، لأن أحكامَ العقل الأخلاقي لا تقبلُ التقييد بهوية اعتقادية أو سواها من الهويات القومية وغيرها. أحكامُ العقل الأخلاقي لا تقبل التقييد، فالكذبُ قبيحٌ والصدقُ حَسَنٌ مع كل الناس، والظلمُ قبيحٌ والعدل حَسَنٌ مع كل الناس، والأمانةُ حَسَنةٌ والخيانة قبيحةٌ مع كل الناس، بغض النظر عن معتقداهم الدينية وهوياتهم المجتمعية وغيرها.

عندما يشدّدُ من يتبنى “الولاء والبراء” على أن أيَّ فعلِ خيرٍ وعملٍ صالح يجب أن يكون لله، ولا يُشرك به أحدًا من الخلق، يريد بذلك أنّ كلَّ فعل لا يتصف بالخيرية إلا إن كانت تنطبق عليه المعايير والقيود والشروط المنصوص عليها في العقيدة كما يفهمها ويفسّرها هو، وهي تعني ألا يفعل فعلًا من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا، بل يفعله لمن ينتمي إلى معتقده خاصة[3]. وإن كان المقصودُ هو الإنسان في بعض الحالات فإنه مقصودٌ لسبب ما، وليس لكونه إنسانًا فقط، وهو ما تحيلُ إليه الرؤية التوحيدية السلفية الذي تتفرع عنها مقولةُ “الولاء والبراء”. لذلك لا يبادر مَنْ يعتنقون هذا المعتقدَ إلى فعل الخير للناس من دون نظر لعقيدتهم، يختص فعلُ الخير لمن يشترك معهم في المعتقد دون سواه، بمعنى أن التديّنَ الذي يبتني على هذه الرؤية يرى أن الصلةَ بالله لا تتحقّق إلا من خلال ميثاقٍ خاص للاعتقاد، وما يرسمه هذا الميثاق من حدود تفصيلية دقيقة لمعتقداتِ المتديّن وسلوكِه. الميثاقُ يتضمن مقولاتٍ اعتقاديةً تمنع فعلَ الخير لمن يعتقد بمعتقد آخر في بعض الحالات، وترسم بوصلةً ترشد لخارطة الخيرية التي حدودها أهل المعتقد، داخل هذه الحدود تكون للفعل قيمة دينية تجعله مصداقًا لعنوان كونه خيريًا وصالحًا.

إن مقولة “الولاء والبراء” وغيرَها من مقولات اعتقادية ترسم حدودًا صارمةً لفعل الخير الذي الذي ترى أنه يُرضى الله، وهو كلُّ فعلٍ مشروعٍ بالمعنى الذي تضع حدودَه مدونة الاعتقاد، وكلُّ ما لا يرضى اللهُ عنه على وفق هذا المعنى لا يكون مصداقًا لفعل الخير. وعلى هذا لا يكون الإنسانُ الذي ينطبق عليه عنوانُ ديني أو مذهبي آخر موضوعًا لفعل الخير والعمل الصالح. ولا ينظر إليه من أجل كونه شريكًا في الإنسانية أو محتاجًا لفعل الخير، لأن مثلَ هذا الفعل ليس مطلوبًا لله من منظور أكثر متكلمي الفرق.

إن العملَ الخيري لأجل الإنسانِ بما هو إنسان ليس مصداقًا لفعل الخير لدى أتباع مَنْ يحرّم حتى المبادرةَ بتهنئة مَنْ ينتمي لدين آخر في أعياده، ويحرّم تحيتَه والسلامَ عليه. يقول ابن القيّم: “وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب… وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك”[4]، بل يحرّم بعضُهم أكلَ ذبيحة مَنْ لا يصلي، ودعوته لأية مناسبة، ويفرض مقاطعةً شاملةً عليه. فقد “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[5]، “البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[6]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته. هذا هو الصواب… إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[7]. وقد بلغ الأمر لدى ابن تيمية أقصى مدياته عندما منعَ الإفادةَ من خبرات ومعارف غير المسلم ومنعَ تقليدَه حتى في ما فيه مصلحة للمسلم، إذ يقول: “لا تقلدهم حتى في ما فيه مصلحة لنا، لأن اللهَ إما أن يعطينا في الدنيا مثله أو خيرًا منه، وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة”[8]. وهذا يعني مقاطعةَ المسلمِ للعالَم غير المسلم كلِّه، وذلك متعذر، لأن العالَم اليوم متداخلٌ ومتفاعل ومتشابك كنسيج مترابط في تواصله وتبادله وتفاعله في مختلف مجالات الحياة، وليس بوسع مجتمع يريد أن يحضر في العالَم العيش وكأنه في جزيرة يغلقها على نفسه.

تورّطت أكثرُ الأديان المعروفة بالتكفير في مرحلة من مراحل تاريخها، ولم ينفرد فيه دينٌ واحد فقط، على تباين في درجة التكفير واختلاف في أنواعه وآثاره وحدوده. التكفيرُ مأزق الأديان، التكفيرُ يُفشِّل كلَّ محاولة جادّة للحوارٍ والتعايش بين الأديان. يتنكّر أكثرُ أتباع الأديان للتكفير في أديانهم وتراثهم وتاريخهم، وينزعج كثيرون من الحديث عن التكفير لدى الفرق والمذاهب في تراثنا، وعادة ما يُتهَم مَنْ يكشف ذلك بأنه يُشهِّر بالدين والمذهب الذي ينتمي إليه. وكأنهم لا يعلمون أن التكفيرَ يتفشى في مقولات علم الكلام القديم لكل الفرق.

تحولت مقولةُ “الولاء والبراء” بوصفها رديفة للتكفير إلى سلطة تغلغلت في ضمير المسلم المعتنق لها، بنحو كان معه ومازال المسلمُ الذي يتبناها عاجزًا عن بناء ضمير أخلاقي إنساني حرّ، يسمح له ببناء علاقات إنسانية إيجابية مع أتباع الأديان الأخرى، بل كثيرًا ما عجز المسلم المعتنِق لها عن بناء علاقات ثقة مع المسلم الذي ينتمي لمذهب آخر، لأن عقيدة “الولاء والبراء” تفرض عليه أن يتخذ موقفًا عدائيًّا مع الغير، وهو ما يشدّد عليه بعضُهم بقوله: “واعلم أنه لا يستقيم للمرء إسلامٌ ولو وحّد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين”[9].

الاقتصارُ على إيراد الأقوال والفتاوى السلفية هذه لا يعني شذوذَها ولا أنها الوحيدةُ التي تشدّدُ على ذلك في تراثنا، بل لأنها مازالت مؤثّرة وفاعلة في مواقف أكثر مَنْ يعتقد بها. الواقعُ الذي يعيشه أكثرُ المسلمين غير السلفيين فرض عليهم تجاوزَ تلك المقولات والأحكام في تعاملهم مع المختلِف في المعتقد. تفرض قوةُ الواقع منطقَها لتتغلب على حجج الذين يعاندون صيرورةَ التاريخ مهما كانت. تحدّثنا صيرورةُ التاريخ عن أنَّ مَنْ يمكث في خصومةٍ حادة مع الواقع لن يلبث طويلا في مواقفه ولن يستطيع الصمودَ في مواقعه مهما فعل،كما رأينا ذلك يتكرّر في كلّ الأديان والمعتقدات والهويات والثقافات.

التكفير يمزق أواصرَ العيش المشترك في المجتمع، ويزجّ المجتمع الواحد في حروب مفتوحة. فضحُ أرشيف التكفير ضرورة لاستئناف حضور قيم القرآن الكريم الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم، وتحرير ضمير المسلم من التراث التكفيري المظلم.

 

-3-

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

التديّن الذي يتأسّس على “الولاء والبراء” لا يكون سبيلُ الإنسان فيه متحدًا مع سبيل الله، ولا يمرُّ الطريقُ إلى الله فيه عبر الإنسان، ولا ينطبق على بعضٍ من أفعال الخير فيه عنوانُ “في سبيل الله”، إن كانت من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا. سبيلُ الله على وفق هذا النوع من التديّن لا يتّحد دائمًا مع سبيل الإنسان، أي لا يصدق على فعلِ الخير والعمل الصالح للإنسان أحيانًا أنه في سبيل الله إلا عندما يكون ذلك الإنسانُ متحدًا معه في المعتقد، ومعنى ذلك أن الإنسانَ بوصفه إنسانًا لا غير لا يستحقّ أن يتعامل معه كما يتعامل مع من ينتمي إلى معتقده، ولا ينطبق عنوانُ فعل الخير على ما يفعله من أجله بوصفه إنسانًا إلا في بعض المواقف الخاصة.

تتكرّر في القرآن آياتٌ عديدة تحثّ على إقراض الله، وفي هذا السياق آياتٌ تتحدث عن قضايا أخرى مماثلة يطلب فيها اللهُ أن يقدّمَ الإنسانُ له شيئًا وهو يريد بذلك أن يقدّمه الإنسانُ للإنسان، من هذه الآيات: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” ، “إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ الله”، “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”. اللهُ غنيٌ عن العالمين غير محتاج لأحد، إقراضُ الله إقراضُ الإنسان، تكريمُ الله تكريمُ الإنسان، حُبُّ الله حُبُّ الإنسان، كلُّ خيرٍ وعملٍ صالح يقدّمُه الإنسانُ للإنسان يقدّمُه لله. ليس هناك طريقٌ إلى الله خارجَ طريق رعاية الإنسان واحترامه وتكريمه. يكتب محيي الدين بن عربي: “فقلتُ له: فأين حظي من ذاتك؟ قال: في إيثارك بأقواتك؛ ألم تعلم يا بُنيّ أنّه لولا الجود ما ظهر الوجود”[10].

عندما لا يتطابق سبيلُ الإنسان وسبيلَ الله لا تُصان حقوق الإنسان بما هو إنسان، ويمكن أن تُصادر حرياتُه في حالات متعدّدة بذريعة حماية حقوق الله، على الرغم من أن اللهَ يعفو عن الإنسان لو عصاه وفرّط بحقوقه حين يستغفر. الله يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، ولا يتنازل عن العدوانِ على أيّ إنسان، وانتهاكِ كرامته وتضييع حقوقه. ذلك حقّ ‏للإنسان، ‏له أن يتنازل عنه، وله ألا يتنازل عنه. يتحدث القرآنُ الكريم عن المغفرة والتوبة والعفو واليسر، فقد وردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها 234 مرةً في القرآن، تكرّر ذكر كلمة الجزاء 117 مرة، والمغفرة ضعف هذا العدد أي 234 مرة، وكلمةُ التوبة ومشتقاتُها 87 مرة، وكلمةُ العفو ومشتقاتُها 27 مرة، وكلمةُ اليسر 3 أضعاف كلمة العسر، فذكر اليسر 36 مرة والعسر 12 مرة. عدلُ الله يقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر لانتهاك كرامة الإنسان، ويعاقب من ضيّع حقوقَه عقابًا أليمًا، ويقتصّ ممن سرق أموالَه ويعاقب مَن أهدرَ كرامته، ويكون العقابُ على شاكلة الفعل.

في ضوء مفهومي للإنسانية الإيمانية يتّحد سبيلُ الإنسان بسبيل الله، سبيلُ الإنسان هو سبيلُ الله، ومفهومُ سبيل الله المنفصل عن سبيل الإنسان لا يوصل إلى الله. سبيلُ الإنسان وسبيلُ الله يتحقّقان معًا، وأن نفيَ سبيل الإنسان يعني نفيَ سبيل الله، كلاهما وجهان لحقيقةٍ واحدة. ذلك هو المضمونُ الإنساني للتوحيد، الذي تنعكس أجلى تعبيراته بالمحبّة والتراحم والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة. أسرع مَن يصلون في سفرهم إلى الله ويحضرون في ملكوته أولئك الذين يجعلون همَّهم الدائم إسعافَ المكروب وإدخالَ السرور على قلبه الكئيب ولو بكلمة محبة صادقة.

مأزقُ التديّن الذي يتأسس على “الولاء والبراء” يكمن في أن الضميرَ الديني يتغلّبُ فيه على الضمير الأخلاقي، وأعني بالضمير الديني ما هو غاطسٌ في البنية اللاشعوريّة، وما تفرضه عليه مقولةُ “الولاء والبراء” ومرجعياتُها الكلامية. يتساءل الضميرُ الديني دائمًا عن تكليفه لحظةَ الإقدام على فعل شيءٍ ما، أو عند ترك شيءٍ ما، يريد معرفةَ موقفه في ضوء معتقده الكلامي، كي يتحدّد موقفُه العملي. أعني بالضمير الأخلاقي ما يحكم به العقلُ الأخلاقي “العقل العملي” بشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ عنوان اعتقادي أو ديني أو هوياتي أو أيديولوجي، ففعلُ الخير على وفق منطق العقل الأخلاقي هو ما تقدّمه للإنسان المحتاج بعنوان كونه إنسانًا لا غير، من دون أيّ توصيفٍ إضافي، سواء كان هذا التوصيفُ الإضافي دينيًا أم هوياتيًا أم ثقافيًا أم عرقيًا أم جغرافيًا أم غيره.

عندما يبتني الضميرُ الديني على الأخلاق يكون هو ‏ذاته الضمير الأخلاقي، ‏وهو يختلف عن الضمير الديني الذي يبتني على مقولة “الولاء والبراء”. في سياق مقولة “الولاء والبراء” يوجدُ الضميرُ الديني عندما يوجدُ التكليفُ بمدلوله في علم الكلام القديم، وينتفي هذا الضمير عندما ينتفي التكليفُ. فعلُ الخير على وفق مفهوم “الولاء والبراء”، هو ما تقدّمه للإنسان بتوصيفه وعوانه الإضافي، وهو عنوانُ كونه من دينك أو من مذهبك، لذلك لا يجد المُعتقِد بذلك، في أكثر الحالات، حافزًا لأن يفعلَ خيرًا ويعمل صالحًا للإنسان بعنوان كونه إنسانًا، لأنه غيرُ مكلّفٍ بذلك، فينحصر فعلُ الخير والعمل الصالح في ضميره الديني بما يقدّمه للإنسان بعنوان كونه من مذهبه أو دينه، انطلاقًا مما ينغرس في ضمير المتديّن من أن مفهومَ الخير لا يصدق على أيِّ فعلٍ مالم يكن خيرًا بالمعنى المكلَّف فيه المتديّن. هذا المنطق لا يختصّ بدين خاص أو معتقد معين، هذا المنطق يفرض على كلِّ صاحبّ عقيدة دينية من أيّ دين أن يكون فعلُ الخير مختصًا بدينه، إن كان فعلُ الخير في عقيدته مشروطًا بأتباع دينه ولا ينطبق على غيرهم.كما يتسلّط هذا المنطقُ ويأسر كلَّ إنسان ينطلق في فعل الخير من عنوانٍ للإنسان مُقيَّدٍ بتوصيفٍ إضافي مهما كان، سواء كان ذلك القيدُ دينيًا أو هوياتيًا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو جغرافيًا أو حزبيًا أو غيره. خلافًا لمن ينطلقُ في فعل الخير من الضمير الذي يحكمُ به العقلُ الأخلاقي، فهو يتألمُ لآلامِ الناس بوصفه شريكًا لهم في إنسانيتهم، ويشعرُ باحتياجاتهم وآلامهم بغضّ النظر عن كونِهم شركاء في ملته أو خارجها، أو اتفاقِهم معه بأيّ توصيف آخر خارج عنوان كونهم شركاء في الإنسانية.

الضميرُ الأخلاقي يفسد إن كان مشروطًا، لأن الضميرَ الأخلاقي حرٌّ بطبيعته لا يقبل أيَّ قيد، بمعنى أن التعاملَ بصدق وأمانة وعدل حسنٌ مع كلَّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضّ النظر عن دينه ومعتقده وجنسه وثقافته، والتعاملَ بالكذب والخيانة والظلم والتمييز بين الناس قبيحٌ مع كلّ إنسان بوصفه إنسانًا. التربيةُ على “الولاء والبراء” وغيرها من المقولات الاعتقادية المماثِلة تفرض سلسلةً من الشروط لتصنيفِ البشر على مراتب، وعدمِ إنصاف الناس، والتمييزِ بينهم في المعاملة على أساس معتقداتهم، فمن تتطابق معتقداتُه معك يستحقّ أن تعامله كنفسك، في حين لا يستحقّ المختلِفُ عنك في الدين الحقوقَ التي يستحقّها الشركاءُ في معتقداتك.

لا يمكن بناءُ حياة روحية وأخلاقية أصيلة في مجتمع تتفشّى فيه ثقافةٌ يتسلط فيها التكفيرُ على الضمير الديني ويُلزِم المتديّنَ بمقاطعة المختلِف في المعتقد. لا يستطيع قلبٌ يمتلئ بكراهية الإنسان المختلِف في المعتقد، وروحٌ لا تشعر بالانتماء للعالَم، وعقلٌ ينهكه التشاؤمُ والاغترابُ والارتيابُ من الآخر، أن يؤسّس لحياة روحية وأخلاقية حقيقية، تشفق على المعذّبين، وتتضامن مع الضحايا، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وإثنياتهم، وتتصالح مع العقل وقيم الحق والخير والسلام والجمال في الحياة.  يمنع أحد رجال الدين السلفيين تداول “كل عام وأنتم بخير” حتى بين المسلمين بذريعة أنها مستعمَلة عند غير المسلم، إذ يقول: (أمَّا “كل عام وأنتم بخير”؛ هذه تحية الكُّفَّار، سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا)[11]. العقل السلفي يستفزّه التحدّثُ أيام المسرات والأعياد بأية عبارة لم تكن متداولة في مدونات الحديث، وكأن اللغة ولدت في هذه المدونات واكتفت إلى الأبد بمعجمها، ولا مشروعيةَ خارج هذه المدونات لأية كلمة عند الاحتفاء بالإنسان الذي نشترك معه في الإنسانية بالأعياد وغيرها من المناسبات السارة.

في ضوءِ ذلك نفهمُ لماذا يشحّ حضور عطاء مَن يعتقد بذلك في قائمةِ أعظمِ المتبرعين بثرواتهم من أجل الإنسانية ككل. لا نرى حضورًا لأصحاب الثروات ممن يعملون بـمقولة “الولاء والبراء” بما يتناسب مع نسبتهم من سكان الأرض، ونفهم السببَ الذي لا يجد معه رجالُ الأعمال دافعًا للعطاء من أجل إسعاد الإنسان بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن دينه،كما يفعلُ أصحابُ الضمائر الأخلاقية اليقظة، الذين ينصتون لنداء العقلِ الأخلاقي، من مالكي الثروات الهائلة في العالم، الذين لا ينظرون إلا لاحتياجات الناس الذين يستحقون الرعاية، ولا يهتمون بمعتقداتهم وهوياتهم الإثنية، فينفقون في أعمال الخير مليارات الدولارات، ولا تختصّ مشاريعُهم بصنفٍ من البشر دون غيرهم.

أخلاقُ الإنسان مرآةُ إنسانيته. خلصت من كلِّ تجارب حياتي إلى أن الإنسانَ الوحيد الذي يمكنُ أن أراهن عليه هو مَن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا غير مشروط، بغضِّ النظرِ عن دينه وهويته وقوميته وثقافته وجنسه ولونه وموطنه، وبغضِّ النظرِ عن مقامه الاجتماعي والسياسي والمالي والثقافي.

هوامش:

السمهوري، رائد، نقد الخطاب السلفي، ابن تيمية نموذجًا، ص 34 – 35، ط 1، ٢٠١٠، طوى للثقافة والنشر.  [1]

 الرفاعي، عبد الجبار، تحديث الدرس الكلامي والفلسفي في الحوزة، بيروت، دار المدى، 2010، ص 76. [2]

 وردت كلمة “خير” في 109 من الآيات القرآنية، وسياق أكثر الآيات فيها يشير إلى عنوان عام لفعل الخير يشمل الكل. كما جاء “العملُ الصالح” مقترنًا بالايمان في سياق يتحدث عن عنوان عام يشمل كل فعل حَسَن يفعله المؤمن لأجل الناس جميعًا.   [3]

   أحكام أهل الذمة 1، 205.[4]

 الولاء والبراء، 1، 18، “المكتبة الشاملة”. [5]

 ابن عثيمين، فتاوى متفرقة، 13، 28، “المكتبة الشاملة”. [6]

   مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274، “المكتبة الشاملة”. [7]

   ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 172، “المكتبة الشاملة”.[8]

 إنجاح حاجة السائل، فصل في بيان حقيقة الإسلام والشرك، ج1، ص 10، “المكتبة الشاملة”.[9]

 ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى.  [10]

https://www.al-albany.com/audios/content/4586/%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%82%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%AA%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B1  منشورة بصوته على الرابط التالي في الأنترنيت: [11]

رابط النشر: