Category: الهوية الرقمية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان

تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الحرية لا تبلغ نهاياتها، فهي مشروع لا ينتهي، ومسعى متواصل لا يعرف الاكتمال. كلما بلغ الإنسان محطة في سعيه نحو التحرر، قادته تلك المحطة إلى أفق أوسع، ونقطة أبعد، لتحطيم قيود أخرى لم يكن يراها من قبل.كلما انعتق من قيد، تكشفت له قيود جديدة تحاصره من حيث لا يدري، تتوالد في كهوف السلطة، وتتغذى من الاستبداد، وتنبعث من تسلط الشركات الرأسمالية العملاقة للذكاء الاصطناعي، وتسلط المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية. حتى ما يبدو تطورًا تكنولوجيًا، لا يخلو من وجه آخر يقيد الإنسان ويحد من حريته.

يتبدل مفهوم السلطة كلما تطور واتسع حضور الذكاء الاصطناعي، فلم تعد السلطة يحتكرها السلاح، وإنما تتجسد في رؤوس أموال شركات هذا الذكاء العملاقة، بما هي قوة شاملة تعيد تنظيم العالم وتوجيه مساراته المتنوعة. المال لم يعد أداة تبادل، وإنما صار بنية حاكمة توجه إنتاج المعرفة، وتحدد حدودها واتجاهاتها وغاياتها، وتقرر مَن يملك حق الوصول إليها ومَن يحرم منها. مَن يمتلك المال يمتلك اقتصاد المعرفة، ومَن يمتلك اقتصاد المعرفة يمسك بالمفاتيح الخفية للسلطة والهيمنة، حيث تصاغ الخوارزميات، وتدار البيانات، ويعاد تعريف الإنسان بوصفه معطى رقميًا قابلًا للاستثمار والتوظيف. في هذا الواقع تفقد المعرفة حيادها، وتخضع لمنطق السوق، وتنقطع عن وظيفتها الإنسانية، فتتحول من أفق للتحرر إلى أداة سيطرة شاملة، تعيد إنتاج اللامساواة بين البشر، على أساس القرب من منابع المعرفة والتحكم بها.

التربية والتعليم تتحكم بمخرجاتها سلطة رؤوس الأموال ومتطلبات أسواق العمل، ذلك ما نراه في انصراف الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون وتضخم التخصصات التي تستجيب لطلبات أسواق العمل. تخضع التربية والتعليم اليوم لسلطة السوق في توجيه مخرجاتهما، فتغدو المعرفة محكومة بمنطق الربح المالي والطلب، لا بحاجات تكوين الإنسان وبناء عقله وتنوير وعيه، وايقاظ القيم وترسيخها في ضميره، ولا بإنتاج وتنمية المعاني الأخلاقية والروحية والجمالية لديه. يظهر ذلك بوضوح في انصراف أعداد متزايدة من الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون، بوصفها معارف لا تحقق عائدًا ماليًا سريعًا، ويواكب هذا الانصراف تضخم التخصصات التي تستجيب لمتطلبات أسواق العمل. في هذا الواقع تخسر التربية والتعليم وظيفتهما بوصفهما أفقًا لبناء العقل وتنمية القدرة على التساؤل والنقد وتنوير الوعي، وتنمية الحس الأخلاقي، وبناء المعنى، وتصيران مسارًا تقنيًا يجري اعداد الطالب فيه لمهنة تلبي متطلبات أسواق العمل، وتقاس قيمة هذه المهنة بما تقدمه من عوائد مادية سريعة، لا بما تسهم به في اثراء وعي الإنسان وحماية كرامته وتوسيع أفق إنسانيته. هكذا تنشأ سلطة وتتغول لتحدد وجهة التفكير بما تنشده أسواق العمل، وتوجه الرغبات، وتحدد ما يظهر وما يغيب، وفي عالم تحكمه هذه السلطة تغدو معركة الإنسان معركة على المعنى، وعلى تحرير المعرفة من قبضة المال، وردها إلى موقعها بوصفها شرطا لكرامة الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه.

الذكاء الاصطناعي، بكل ما يعد به من تسهيلات، ينطوي على تهديد متصاعد لحرية الفرد واستقلال إرادته، ما لم تضبط مساراته بقيم إنسانية، وتشريعات عادلة، ورقابة أخلاقية حقيقية. وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي يمارسان شكلًا جديدًا من الإكراه، لا يستند إلى العنف الظاهر، بل يتسلل إلى وعي الإنسان بالإغراء والتكرار، وضيق مساحة الاختيار. ما يتاح له أن يراه أو يتلقاه أو يثق به، ليس ما ينشر وحده ما يصوغ هذا الإكراه، بل الخوارزميات نفسها، التي تتحكم في آلية التوزيع، لا تعمل بوصفها أدوات محايدة، بل تمارس تحيزاتها الخفية، وتعيد توجيه الرغبات، وتعيد هندسة الذائقة، كما لو أن هناك أيديولوجيا خوارزمية تشتغل في الخفاء.

في التطور الفائق للذكاء الاصطناعي تعاد صياغة الوعي، ويضيق أفق الأسئلة، وتخفت إمكانيات التأمل الحر،كلما طال مكوث الإنسان وغرق في نسيج الخوارزميات. حين يألف نمطًا واحدًا من التفكير والتلقي، يتبلد عقله النقدي، وتتراجع حاجته إلى الآخر المختلف، ويبدأ في الانغلاق على هويته الصلبة بوصفها كل العالم في نظره. عندئذ، تتقوض التربية بوصفها مشروعًا لتحرير الإنسان، وتفقد المعرفة قدرتها على الكشف، وتغدو مجرد تكرار لما تنتجه الآلة، لا لما تتطلبه حرية الفكر وطرق اكتشاف الحقيقة. بدلا من أن تكون التكنولوجيا أداة لتوسيع الأفق، تتحول إلى قيد جديد، ينقض ما تبقى من حرية الإنسان في التفكير والتعبير والاختيار.

الذكاء الاصطناعي قدر عصرنا، لا مهرب من التعايش معه، ولا سبيل لعزل الحياة عنه. المشكلة لا تكمن في وجوده، بل في أثره المتزايد على حرية الإنسان واختياراته وإرادته. تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش سلطة الإنسان، فكلما تقدم الذكاء الاصطناعي خطوة، تقلص معها هامش الحرية، واتسع مجال تسلطه، وضاق مجال سلطة وقرار البشر، حتى يغدو الإنسان تدريجيًا كما لو أنه آلة تنفذ ما تمليه عليها خوارزميات خفية.

من أخطر الآثار السلبية لتطور الذكاء الاصطناعي تخدير الذهن وكسله وشعوره بالعجز حيال الأسئلة العويصة، حين يتكفل بالإجابة السريعة عن كل شيء، فيغري العقل بالاكتفاء، ويصرفه عن عناء التفكير العميق. عندئذ تخبو ملكة التأمل، ويضعف الشغف بالتعلم الذي يوقد طاقة الابداع وإنتاج المعرفة، ويوقظ الأسئلة الخاملة، ويحرك القلق الخلّاق في الوعي. في هذا الواقع يدمن العقل على الاتكاء على غيره، ويفقد ثقته تدريجيًا بقدرته على الإجابة عن الأسئلة الحائرة والبحث والتمحيص، مع أن نموه الحقيقي لا يتحقق إلا حين يعتمد على نفسه، ويخوض تجربة السؤال والجواب، ويتدرب على بناء المعرفة داخله، لا استهلاكه لها جاهزة.

في ظل هذا الواقع يتراجع الاجتهاد، وتضمحل الحاجة إلى امتحان العقل بالتفكير الصبور العميق، ويستبدل الوعي الإنساني بوعي مستعار يمليه الذكاء الاصطناعي. لا يقتصر أثره على المعرفة فقط، بل يمتد إلى تشكيل نمط وجود الإنسان وإعادة تعريفه لذاته وهويته، وتهديد بنية الثقافة، وتفكيك الذاكرة الجمعية. يتسلل تأثير الذكاء الاصطناعي إلى عمق الذات، ويعيد ترتيب صلاتها بالعالم، على نحو يزعزع الأسس التي يتكون فيها المعنى، وتتجذر فيها المرجعيات الشخصية والاجتماعية.

في هذا العصر نواجه ضربًا جديدًا من التشييء، لا يفرضه عنف مباشر، بل يتسرب ببطء حتى تتآكل الحرية، وتذوب الذات في صيغ برمجية لا تتيح لها أن تكون حرة فاعلة مختلفة. الذكاء الاصطناعي يهدد بتحولات بنيوية للحياة الإنسانية، ما لم يضبط بمبادئ قيمية وضمائر أخلاقية يقظة، ويحصن بضوابط قانونية صارمة بتطبيقها، تراعي كرامة الإنسان، وتحمي حرياته من الذوبان في نسيج الخوارزميات. لا يمكن الوثوق بما يعد به التطور الفائق للذكاء الاصطناعي من تسهيلات، إن لم تخضع لرقابة الأخلاق، ومساءلة القيم، واستحضار الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.

أخطر ما يهدد مصير الإنسان وحضارته أن ينفلت الذكاء الاصطناعي من قبضته، ويدير ذاته بمعزل عن إرادة الإنسان، فتغدو كيانًا مستقلًا لا يسهم الإنسان في توجيه مساره، ولا يملك زمام قراراته. ذلك ما تلوح بوادره في تنبؤات بعض خبراء الخوارزميات، وما يتكشف في الأفق من سيناريوهات تنذر بانقلاب العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حتى يغدو الإنسان ملحقًا به، لا صانعًا له. حين تقصى القيم الإنسانية من هندسة هذا الذكاء، وتختزل الغايات في الكفاءة والربح المادي فقط، يتحول التطور الفائق للذكاء الاصطناعي إلى تهديد وجودي، ويغدو ما ينتج باسم التقدم سببًا في غربة الإنسان عن كينونته الوجودية، وضمور جوهره الأخلاقي والروحي والعاطفي، وتشويه ذائقته الفنية، وإضعاف حسه الجمالي، وتجفيف منابع وعيه وعقله النقدي.

الإنسان ليس أداة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وظيفة في نظام آلي، يجرده من إرادته، ويصادر حريته في أن يكون ذاته. مستقبل الإنسانية مرهون بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي على أساس إنساني عميق، يستعيد فيه الإنسان مركزيته، ويعيد توجيه الذكاء الاصطناعي ليكون خادمًا لحاجاته، لا سيدًا لمصيره. التقدم الحقيقي لا يقاس بما تتيحه الآلة من قدرات، بل بما تحتفظ به الروح من إمكان للسمو، وبما تصان به كرامة الإنسان من الضياع في مدارات الوظائف والسرعة والعائد المادي. الذكاء الاصطناعي الفائق الذي لا يحرسه القانون العادل، ولا توجهه الأخلاق، يتحول إلى قوة عمياء، تهدم ما يبدو أنه يبنيه، وتفرغ الحياة من معناها، وتقصي الإنسان عن موقعه بوصفه سيدًا للأرض.

https://alsabaah.iq/128253-.html

 

الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة

الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة

د. عبد الجبار الرفاعي

ينحاز بعض الكتّاب إلى موقف يصور التكنولوجيا بوصفها آلات وأدوات مادية صماء، يمكن استعارتها من الآخر من دون أن تمس معتقداتنا وقيمنا وثقافتنا والمعاني التي تنشدها حياتنا، ومن دون أن تحدث تحولًا في رؤيتنا للعالم، أو في منظومتنا القيمية والمجتمعية، لذلك تراهم يوصون باستيراد التقنية، مع التشبث والإصرار على حماية البنية التقليدية الموروثة في إدارة الحياة. هذا التصور يجافي الفهم العميق لأثر التكنولوجيا، ويكشف تبسيطًا شديدًا للواقع. التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، إنها رؤية للعالم، ونمط من التفكير، ومنظومة قيم، وطور وجودي جديد يتحقق فيه الإنسان، يعيد تشكيل الإدراك الإنساني، ويفرض نمطًا مغايرًا للعيش والمعنى والقيم والعلاقة بالعالم. إنها تعمل على تصدع البنى التقليدية، وتنخر الأسس القديمة للمعرفة والتنظيم، ثم تهشمها لاحقًا. هذا ما أدركه الفيلسوف مارتن هايدغر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا بل ميتافيزيقيًا، فهي لا تكتفي باستخدام الموجودات، بل تحول الكائن إلى مجرد مورد قابل للتوظيف، وتخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الاستهلاك والسيطرة، وتسلب الوجود معناه العميق، إذ تختزل العالم إلى مخزون طاقة جاهز للاستغلال.

في هذا السياق لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا من خارج شروطها الوجودية، ولا يمكن إدارة الحياة الحديثة بمعايير رؤية ولغة تراثية. العصر الرقمي، بكل ما أفرزته ميتافيزيقا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، لا يغير أدوات الإنسان فحسب، بل يعيد تشكيل وجوده نفسه، وينتج نمطًا جديدًا من الوعي، والعلاقة بالذات، والآخر، والعالم. إعادة بناء العقل شرط لا بد منه لفهم رؤية التكنولوجيا والتكيف معها من دون تضحيات أخلاقية أو خسائر حضارية، وهذا لا يتحقق بخطابات التحذير وحدها، ولا بالأساليب الوعظية، بل بالاستيعاب النقدي للفلسفة، والانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمكننا من إعادة تعريف الإنسان في زمن تتضاعف فيه قدرات الآلة، ويتهدد فيه جوهر الإنسان بالتشييء وتبدد مفهوم الإنسان. لقد بات لزاما علينا ألا نكتفي بتفسير الظواهر التقنية، بل نخوض غمار مساءلة كبرى للوجود، ترى الإنسان بما هو كائن في عطش أبدي إلى المعنى، لا إلى مزيد من الأدوات. ليس التقدم ما نراه في وفرة السلع وتضخم الأسواق، بل ما نلمسه في استعادة سلام الروح، وصيانة الكرامة، وتحرير الإنسان من عبوديته للآلة.

نحن الآن نعيش عصرًا جديدًا هو العصر الرقمي، الذي يتسيد فيه الذكاء الاصطناعي، وهذا الذكاء يحدث تغيرات هائلة في نظم التربية والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقيم، والمعتقدات، والدين، والعلاقات الاجتماعية، وبنية العائلة، والمجتمع، والدولة، العلاقات الدولية، والحرب، والسلام. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفًا حاسمًا يعيد إنتاج كل شيء في حياة الإنسان على وفق رهاناته، إنه منعطف لم تشهد البشرية ما يحدث آثاره كيفًا وكمًا في مراحل تاريخها المختلفة حتى اليوم. وتيرة التغيير في هذا العصر، الذي صار قدرًا للعالم، سريعة جدًا، فما كان يستغرق سنوات طويلة، بات يتحقق في أيام معدودة، وربما ساعات. هذا التغيير المتعجل يحدث تحولات كبرى في الاقتصاد، والسياسة، والمعتقدات، والقيم، والثقافات، والعلاقات، والتربية والتعليم، والسياسات المحلية والعلاقات الدولية.

الذكاء الاصطناعي، كما إنه تحد للإنسان، هو أيضًا فرصة عظيمة تعد بأن تجعل حياة الإنسان في المستقبل أيسر، إذا أحسن الإنسان استثماره في حل مشكلاته. التقدم العلمي يخدم الإنسان، غير أنه في الوقت ذاته ينتج مشكلاته الخاصة، إذ كثيرًا ما يفضي الانتقال من نمط ألفه الإنسان إلى نمط جديد لم يألفه إلى عواصف نفسية وعاطفية وروحية وقيمية وعرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مزلزلة، تقذف بالإنسان في متاهة اغتراب موحش، خاصة إذا كانت النقلة نوعية هائلة.

مكاسب الذكاء الاصطناعي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما أعظم، من حيث آثاره بعيدة المدى، من اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مختلف مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لوطننا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمق اغترابنا عن العصر.

ما دام العلم يواصل عمله على معالجة مشكلات تقدمه، فإنه كلما حقق تقدمًا عبر طفرات نوعية، تعاظمت قدرته على استحداث حلول للأزمات والمشكلات الناجمة عن هذا التقدم نفسه. العلم كما يقدم حلولًا لمشكلات الحياة، فإنه يقدم حلولًا للمشكلات الناتجة عنه. ليس هناك مَن يمتلك قدرة على حل هذه المشكلات مثل العلم الذي أحدثها، والفلسفة التي تجيب عن أسئلة العلم التي لا جواب لها في حقله.

مَن يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك التحكم بمستقبله ومستقبل العالم، الذكاء الاصطناعي قوة مهولة، بقدرات استثنائية لم تعرفها البشرية في تاريخها كله. يمكن أن يستثمر هذا الذكاء في البناء والتنمية الشاملة، وتأمين الاحتياجات المتنوعة للإنسان وإسعاده، كما يمكن أن يوظف في إنتاج أنواع الاسلحة الآلية والكيميائية والبيولوجية الفتاكة في الحروب، وتخريب الطبيعة، وكل ما يتسبب ببؤس الإنسان وشقائه. لا يقي الإنسان من الأخطار المتوقعة من الذكاء الاصطناعي إلا سن القوانين العادلة التي يصوغها علماء الحقوق والقانون، والقيم والأخلاق، ومخترعون وخبراء في هذا الذكاء، والصرامة في تطبيقها على الجميع بعدالة لا تستثني أحدًا، ويقظة القيم وترسيخها.

https://alsabaah.iq/123492-.html

 

الهوية والمواطنة

الهوية والمواطنة

د. عبد السلام فاروق[1]

لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه “الهوية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.

يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا. وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية – تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.

 معادلة المواطنة

يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟

إن انقلاب هذه المعادلة – بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن – هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.

يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر “أدنى” من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.

هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.

يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى “غنيمة يتقاسمها المنتصرون”. هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.

إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.

إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.

الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.

الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة

تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته “صناعة الهوية” – وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.

المواطنة المشروطة

أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة – سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.

هذه “المواطنة المشروطة” تخلق نظامًا طبقياً سياسياً، حيث يتحدد مركز الفرد في الدولة ليس بناء على كفاءته أو إنسانيته، بل بناء على انتمائه العرقي. وهذا بدوره يخلق دوامة من الاستياء والاحتقان، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتنفجر.

الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل

تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:

– نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة

– نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة

– نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية

والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث – رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.

 الثنائية المنسية

قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات. كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟

 من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة

إن تحول الوطن من “غنيمة” للجماعة الغالبة إلى “شركة” بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب. فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟

[1] كاتب مصري.

https://almothaqaf.org/readings-2/984331

تحديات اللغة في العصر الرقمي

تحديات اللغة في العصر الرقمي

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

اللغة مفتاح دراسة أديان المجتمعات وقيمها ورؤيتها للعالم وثقافاتها، وهي المرآة التي تتجلى فيها هوياتها وطرائقها في تمثل ذاتها وتمثل الآخر المختلف عنها. تختزن اللغة ثقافات المجتمعات وأساطيرها وأحلامها وصورها المتخيلة عن العالم، ومنها يتشكل وعيها بذاتها وبما يحيط بها. من هنا يتبدد الوهم القائل بحياد اللغة، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني فحسب، وإنما تنطوي على رؤية الناطقين بها للعالم، وتفصح عن خلفياتهم الثقافية وأحكامهم المسبقة التي تسقطها الكلمات على الواقع.

تعيش اللغات في العالم اليوم ومنها العربية تحديًا غير مسبوق، يتمثل في قدرتها على التكيّف مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي عليها. الذكاء الاصطناعي يتغلغل في كل مجال، ويغزو مختلف الفضاءات، فارضًا إيقاعه السريع على العلم والمعرفة والتقنية، والسياسة والاقتصاد، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، والفنون والآداب، وفهم الدين وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية والدولية، وكل حقول حياة الإنسان. لم يعد ممكنًا لأي من هذه الحقول أن تظل بمنأى عن هذا الزحف العاصف، بعدما بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الواقع، وينتج عوالم غير مألوفة للإنسان من قبل، ويبدل ظروف عيشه، وطرائق تفكيره، وأساليب تعبيره، وكيفيات تواصله.

في ضوء الرؤية التي تتعامل مع اللغة بوصفها أفقًا لرؤية العالم، وموطنًا للذات، وتجليًا للتجربة الروحية، والحالة العاطفية والشعورية، ووعي الإنسان بما حوله، لا مجرد أداة للتخاطب، يبتكر الذكاء الاصطناعي نمطًا من التعبير يختزل المعنى في الأداء والوظيفة، ويهمّش الأبعاد الوجودية والعاطفية والشعورية والجمالية والرؤيوية للغة، إذ تنزع لغة هذا الذكاء نحو الرقمنة والتكميم والتنميط، وتخضع دلالات الكلمات لمقتضيات الخوارزميات، فتغيب الإيحاءات التي تنبعث من التأمل، والأحاسيس الباطنية، والتجارب الروحية، ويخفت وهج الرمز والإشارة والعلامة.

يعيد (تشات جي بي تي) وسائر نماذج الذكاء الاصطناعي تشكيل اللغة خارج حدود المعجم المألوف، مستجيبًا لحاجات الاستعمال المتجددة، بما يحدثه من ألفاظ ورموز تعبيرية تنسجم مع السياق، فارضًا أشكالًا جديدة لتوليد المعاني، وصياغة مفردات لا تقيدها دائمًا طرائق الاشتقاق أو القواعد والأدوات المعهودة في اللغة. ويبرز أثره في انتاج أساليب غير مألوفة للبيان، وطرائق بديلة للتعبير، يعكسها تدفق إجاباته الغزيرة التي تنهال كالشلال، لتغطي مساحات واسعة من الأسئلة الممتدة إلى مختلف ميادين الحياة، فتفتح للغة آفاقًا لم تختبرها من قبل، وتمنحها قدرة على تشكيل صيغ جديدة من الدلالة والتأويل.

تتراكم كل ساعة كميات هائلة من المفردات للغات العالم المختلفة، فتثري قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database). هذه الإضافات لا تقتصر على كلمات النصوص المدونة في معاجم تلك اللغات، بل تضخ في قاعدة البيانات مادة غزيرة من الكلام الشفاهي للندوات والمحاضرات وأحاديث البودكاست، باللهجات المتنوعة في كل لغة. فتمتص اللغة كلمات جديدة، ويولِّد الذكاء الاصطناعي من المفردات الأكثر تداولًا ألفاظًا خارج معاجم اللغات المعروفة، ثم يرسخها بكثرة الاستعمال، ويقلل حضور كلمات أخرى قليلة التداول، ويهمل مفردات نادرة في الاستعمال. وتظهر بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في اللغة الشفاهية والمدونة، “وبحسب دراسة للأوراق الأكاديمية المنشورة عام 2024 عبر العالم فإن 13.5 في المائة من ملخصاتها تحمل بصمات معالجة أو صياغة بأدوات ذكاء اصطناعي، لتصل النسبة في بعض التخصصات والمؤسسات إلى 40 في المائة… ويحيلنا القائمون على الدراسة حول التساؤل المستحق عن تأثير هذه البصمة اللغوية للآلة إلى منطق (الدائرة الثقافية المغلقة)؛ حيث النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتغذى على اللغة البشرية، ثم تعيد إنتاجها وفق تفضيلاتها، فيتبناها البشر، فتعود هذه اللغة المعدّلة لتغذية النماذج اللاحقة. ومع كل دورة، تضيق فسحة التنوع الأسلوبي، وتتراجع اللهجات والأنماط الهامشية أمام مركز لغوي واحد، فائق النعومة، شديد الانضباط، كثير الشبه بنفسه. وهذه بالطبع ليست فروضًا قسرية، بل هيمنة ناعمة. فالنماذج مثل (تشات جي بي تي) لا تفرض على المستخدم أن يتبنى أسلوبها للتواصل، لكنها تمنحه – من خلال الإيحاء الاجتماعي والمكافآت النفسية غير الملحوظة – شعورًا بالرضا عن الذات للظهور بشكل أكثر احترافية، وأكثر وضوحًا، وربما أكثر ذكاء حين يتحدث بلغتها. وهكذا، يصبح أسلوب الآلة معيارًا غير معلن، يقاس عليه (جمال) النص و(قيمة) الخطاب، بينما يدفع من يكون مغايرًا بشكل تدريجي إلى الهامش نحو مساحات تصنف ضمنيًا على أنها أقل رصانة، أو أقل مهنية”. (حطيط، ندى، “كيف يُعيد «تشات جي بي تي» تشكيل اللغة؟”، جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 25 أغسطس 2025).

تغدو فرادة الإبداع الأدبي مهددة بالاحتجاب خلف بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يتلاشى تميز لغة الكاتب المبدع وسط ركام المفردات والأساليب المتشابهة، فيفقد الأدب خصوصيته التي تنبع من حساسية الكلمة، وتشرق بجمال العبارة، وتضيء بصور مبتكرة تتفجر من أعماق التجربة الروحية والعاطفية والجمالية. تفاقم عملية التنميط بنحو تتحول الكتابة إلى صوت يكرر لحنه بنغم واحد، وتذوب ملامح التعدد والتفرد في سيل من نصوص متماثلة.كلما تقدمت الأجيال المتطورة للنماذج الذكية، ترسخت حالة التنميط أشد، حتى تبدو الكتابة كأنها بقلم كاتب واحد، تحاكي نصوصه نصوص غيره، وتنسكب رؤاه في قوالب صماء، ينطفئ فيها بريق التميز، ولا يستمع القارئ إلى إيقاع كلمات الكاتب وهمس لحنه، وتنكمش رحابة الخيال المبدع.

هكذا تضمحل في اللغة قدرتها على الكشف عن فرادة الإنسان، وتغترب عن ذاتها، حين تتحول إلى أداة تعيد خلق أساليب بيانية مكررة، لا يُسمع منها صوت الشعور، ولا تتجلى فيها بصمة القلب، ولا تنبض بإيقاع الحياة الباطنية. فيمسي الأدب هيكلًا بلا روح، ويخفت صوت المعنى العميق الذي لا يضيئه سوى الإنسان في لحظة حضوره الوجودي. احتجاب فرادة الكتابة خلف التنميط الآلي ليس خطرًا على الأدب وحده، بل هو نذير بانطفاء شعلة الإبداع، حيث تتحول اللغة من فضاء للمعنى إلى مرآة باهتة، تنعكس فيها كلمات خالية من وهج القلب وأشواق الروح.

تخوض اللغة العربية كغيرها من اللغات اليوم هذا التحدي، وتكشف مظاهر التحول عن تبدل تدريجي في بنيتها التعبيرية، وتحول في معجمها، واندفاع نحو السرعة والرمزية الرقمية. تحل التعابير الموجزة محل الجمل البلاغية المتعارفة، ويتقدم الرمز التعبيري، أو الوسم الرقمي، أو العبارة الهجينة التي تصوغها تطبيقات التواصل على التعبير المكثف. فمثلًا تذوب مشاعر الحزن العميق في رمز تعبيري لوجه دامع، وتتقلص مشاعر الحب في صورة قلب أحمر، وتضمحل الأشواق في التداول العاطفي الرقمي، فتتقدم عليها كلمات برمجية مكررة تستعير الإشارة للمشاعر، كأنها تحاكي حضورها، من دون أن تعبّر عن إشراق الأشواق، وكنايات الايحاء بها. وتنطفئ الصور البلاغية المضيئة، وتفقد الاستعارات الأدبية توهجها، حين يستعاض مثلًا عن بيت شعر المتنبي: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ، فلا تقنع بما دونَ النجومِ” في رمز لصاروخ أو سهم متجه للأعلى. وبيت الجواهري: “أتعلَمُ أم أنتَ لا تعلَمُ، بأن جِراحَ الضحايا فمُ” بكلمة خاطفة مثل “صامد”، وتبهت الصورة الناطقة بالحرية وكرامة المقهورين، ويتقلص أثر الكلمة التي توقظ وعيًا، ويستفيق بها الضمير، وتلتهب بها مشاعر الشعب وشهامته. في مثل هذا الانكماش، تتوارى اللغة عن وظيفتها، وتتخلى عن أثرها الشعوري، وتتحول إلى رموز وصور باردة لا تمس القلب، ولا تستفز العقل، فتفقد العبارة ما يحمله الشعر من شعور جارف، وما تشعه الصورة من أفق للعزة والشموخ.

تختفي المفردات التي كانت تضيء الوجدان، وتضيق مساحة المجاز والتأمل، حين تذوب المعاني الكثيفة في رموز مفرغة من دلالتها، إثر استنزاف معناها بتكرار استعمال الكل لها، وتتبخر حرارة الكلمة التي ظلت قرونًا تصوغ وعيًا، وتوقد شعلةً في القلب. وتغيب صور تحفيز الخيال، وتختصر في أيقونة جامدة لا تتسرب إلى وجدان القارئ، ولا توقظ تأملًا أو انفعالًا. كذلك تنطفئ لغة التدفق العاطفي المؤثرة، وموسيقى كلمات العشاق، بعد أن تزيحها عبارات نمطية منطفئة، مثل: “وحشتني” أو “وينك”، بلا دفء الحنين أو صورة ترسم الاشتياق بكلمات ساحرة. حتى مفردات المدح والهجاء في التراث الأدبي، الزاخرة بالتوريات والمجازات والكنايات، تُختزل في كلمة واحدة، مثل: “يجنن”، أو “مزيف”، حين تطلق دون سياق، وتستهلك بلا تذوق.

كما يغيب وهج التعبير القرآني الذي يتدفق بلغة القلب وأشواق الروح، فتختفي عبارات، مثل: “ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين”، ويحل محله قول مستعجل مثل: “يارب عوضني”، أو تتوارى كلمات الرجاء، مثل: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، ليأخذ مكانها نداء مقتضب مثل: “يا الله كفاية”. كذلك تستنفد الكلمة طاقتها الدلالية، ويخفت صوت المناجاة، عندما تغيب لغة التضرع عن فضائها الروحي، ويفقد البوح صدقه وقدرته على ملامسة أعماق القلب، ويتوارى صوت النبي أيوب الذي انبعث من أعماق الألم، وصدى أنين النبي يونس وهو ينادي في الظلمات: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ويتقدم بدلًا من هذه الاستغاثات نداء مستعجل، مثل: “يا الله فرّجها” أو “طفح الكيل”، يُكتب على عجل، ويرمى بمستودع رقمي مكتظ، من غير خشوع، ومن دون أثر لتجربة الانكسار، ولا صدى لنداء يخرج من أعماق الروح.

وتضمحل في الوقت نفسه شحنة أدعية تنسكب من القلب، مثل: “إلهي، ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك”، ويحل محلها نداء متعجل، مثل: “يارب سهلها”، نداء لا يتجاوز الشفتين، ولا يمس الشعور، ولا يعكس تجربة وجودية مشبعة بالوجد، بل يعكس حالة استعجال، تغيب فيها الأبعاد الجمالية والعاطفية والروحية، التي تتوهج بمناجاة العارفين. وتتقلص مساحة الدعاء، ويضيق أفق التضرع، وتخفت حرارة البوح، عندما تنكمش الكلمة في عبارة قصيرة تخلو من خشوع القلب، وبوح  المشاعر، وتدفق التجربة الروحية.

فرق بين كلمات يستقي بها القلب وترتوي بها الروح، وكلمات يتأمل دلالتها الذهن. ينحسر النوع الأول من الكلمات في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يتبدل نمط الدعاء، وتخسر لغة القلب طاقتها الروحية والعاطفية، عندما تقيدها وهي تخاطب الله القوالب الجاهزة، وتحبسها الأنساق الجامدة، فيتلاشى أثر التجربة الوجودية التي تضيء الحياة بكلمات مشبعة بوهج الروح وابتهالاتها. وتغيب صور التضرع والتبتل التي كانت تنبع من أدعية الأمهات والآباء، وتتراجع أمام نسق جاف يستمد لغته من محرك بحث آلي أو تطبيق أدعية على الإنترنت، من غير حرارة داخلية، ولا نبض شعوري.

في فضاء هذا التحول العاصف، يظهر جليًا أن اللغة التي تواصل الحياة، وتنتشر في العالم، هي اللغة التي تواكب صيرورة الواقع، وتتناغم مع معطيات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتنازل عن جوهرها الإنساني، وثرائها الدلالي، وطاقتها الرمزية. هكذا تفرض علينا هذه التحولات المتعجلة أن نعيد تأمل اللغة، ونحررها من أسر الأداء التقني، ونصون تنوعها، ونحمي عمقها الوجودي، حتى تواصل أداء وظيفتها، بوصفها كيانًا حيًا تتجلى فيه الرؤية للعالم، وطرائق التفكير، وأشواق الروح، وتعلن فيها الذات عن حضورها.

https://alsabaah.iq/120020-.html

الكتب التي توقظ الوعي نادرة

الكتب التي توقظ الوعي نادرة

د. عبد الجبار الرفاعي

نادرة هي الكتب التي تمنحنا المعنى الذي نبحث عنه لوجودنا وحياتنا، وتعمل على تغيير وعينا وتغيّر مواقفنا وسوكنا، وقليلة هي الكتب التي تفسّر لنا طرائق عيشنا، ونكتشف فيها ذاتنا ونحقّقها، ونرى الواقع بوضوح، ونتعرف على العالم من حولنا، وكثيرة هي الكتب التي تكرّر المكرّرات المملّة حدّ الضجر.كتب نقرؤها من الغلاف إلى الغلاف أحيانًا، ولا نعرف منها إلا شيئًا واحدًا، هو: أن كتّابها لم يفكّروا بأي شيء لحظة كتابتها، فلا نحن نفهم ما يكتبون، وأظنهم لا يفهمون شيئًا ذا معنى لما كتبوه، نرى ركام ألفاظ لا ينتج معنى.

قراءة الفلسفة توقظ العقل وتعيد بناء الوعي، الفلسفة تأخذنا لقراءة كلّ كلمة وعبارة بدقة وتدبّر، وتأمل الفكرة وتمحيصها قبل عبورها. أعمال فرنسيس بيكون وديكارت وكانط وغيرهم من الفلاسفة شكّلت العقل الحديث، لولاها للبث العالم قابعًا في ظلام العصور الوسطى. ولدت في فضاء العقل الحديث الخلّاق اكتشافات: غاليلو، ونيوتن، وباستور، وتسلا، وجيمس واط، وأديسون، واختراعات واكتشافات آلاف المكتشفين والمخترعين في العلوم النظرية والطبيعية والتكنولوجيا.

الفلسفة تجعلنا نرى الذات والآخر والعالم من حولنا ببصيرة حاذقة، وتحطّم السلاسل المقيّدة بها أدمغتنا، أحيانًا قراءة فكرة لفيلسوف تفتح لك بابًا للعبور ومن ثم للنظر العميق في أفكار ومقولات ومعتقدات لبثت تتحكم بعقلك سنوات طويلة من عمرك. أتذكر عبارة لفيلسوف الأنوار إيمانويل كانط يصف فيه قراءته لديفيد هيوم بقوله: “أيقظني مِن سُباتي الدوغمائي”. وأتذكر رأيًا لجورج طرابيشي، قرأته قبل أكثر من 40 سنة، في مجلة الوحدة المغربية، في مراجعة كتبها بعد قراءته “تكوين العقل العربي” لمحمد عابد الجابري، فقال ما مفاده: “هذا كتاب يغيِّر، خرجت منه بعد قراءته وانا غيري حين دخلته”، وإن نقد طرابيشي لاحقًا هذا الكتاب وغيره في كتابه الذي صدر في أربعة أجزاء: “نقد نقد العقل العربي”. أنا شخصيًا فتحت لي بابًا للعبور والنظر العميق في الأيديولوجيات الأصولية والقومية والبنى الواحدة لهما، وفضحتْ قناعات راسخة في ذهني، قراءةُ صفحة ونصف من كتاب محمد عابد الجابري: “الخطاب العربي المعاصر”، الذي قرأته بطبعته الأولى سنة صدوره 1982 عن دار الطليعة ببيروت، ففوجئت بحفرياته الحاذقة وكشفه التوافقَ حدّ التطابق، لتضخم الذات وتوهم “قيادة الإنسانية” في رؤية سيد قطب، وهو أشهر منظّر عربي للإسلام السياسي، في كتاباته، ورؤية منيف الرزاز وإلياس فرح وغيرهما من أبرز منظّري حزب البعث بكتاباتهم.كنت قبل ذلك على قناعة موهومة بالاختلاف الجوهري بين أيديولوجيا حزب البعث القومي العلماني وأيديولوجيا الإسلام السياسي الأصولية، إلى أن قرأت كلام الجابري فاستفقت، وحين رجعت إلى نصوص الأيديولوجيتين تمزّق الوهم تمامًا لحظة اكتشفت التطابق في البنية المشتركة للتفكير ومنطلقاتهما وما ينشدانه، ومنذ ذلك الوقت وأنا أرصد تطابق الرؤيتين والمسارين والتجربتين والمآلين، وأساليب التعبئة والتحشيد المحاكية لكلٍّ منهما، وما أحدثاه بتجربتَي حكمهما العنيفة لبعض بلادنا العربية من مصادرةٍ للحريات والحقوق، ومن مآسٍ وبؤس وكوارث لم نخرج منها حتى اليوم.

أما أعمال الأدباء الخالدة، فوهبتنا وعيًا نكتشف فيه ذاتنا ونحقّقها، ويمكّننا من النظر بعمق للإنسان والعالم من حولنا. نتعرف في هذه الأعمال على شيء من أسرار الطبيعة الإنسانية وما تنطوي عليه من دوافع متضادة، قارئ روايات دوستويفسكي مثلًا يتعرف فيها على شخصيات: فيلسوف، وعالم نفس، وعالم اجتماع، وأنثروبولوجي، وشاعر، ومؤمن وملحد، وأخلاقي ومنحط، ونبيل وقذر، وخيِّر وشرير، ومجرم وبرئ، وقاتل ورحيم، وشقي وسعيد، ومعذّب ومرفّه، وأمير وحقير، وسيد وعبد، وماكر وصادق، وخائن وأمين، وغادر ووفي. استطاع هذا الأديب العبقري أن يكتشف العناصر المتضادّة في طبيعة الإنسان الواحد، ويشرح لنا ما تختزنه الطبيعة الإنسانية من تناقضات حادّة. قارئ دوستويفسكي فضلا عن أنه يقرأ نفسه، يقرأ الإنسان من حوله، بقراءة روايات هي كنز ممتلئ بالمعارف الثمينة المختلفة. ربما يصاب القارئ البريء لدوستويفسكي بالذعر، إثر انكشاف حقائق مخيفة في أعماق الإنسان ظلت محجوبة عنه، ربما كان يرى براءة إنسان لبق، ولا يدري بما يستبطنه في أعماقه من شخصية مخيفة تتنكر بهذه الكلمات. زوال الجهل يبدّد الحيرة ويخفض الخوف والقلق، القارئ الذكي لهذه الروايات تتكشف له بعض الأسرار في أعماق شخصيات أقرب الناس إليه ويزول جهله بها، ولا يقع في صدمة وذهول صدور مواقف غدر لئيمة من هؤلاء تباغته فجأة.

ليس كل قراءة قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج التفكير النقدي، أعرف قراء يقرأون طيلة حياتهم، بعضهم في العقد العاشر من عمره، لم تلهمه القراءة رؤية تقوّض ما بذهنه من أغلال معتقداته المغلقة، ولم تزعزع مفاهيمه التي يحرسها كمومياء محنطة. عن نفسي لو سألتني أو سألني أي إنسان، ما الذي تعرّف نفسك به ثقافيًا؟ أعرّف نفسي بهاتين الكلمتين: “أنا قارئ”، هذا هو الشغف الذي كأنه ولد بولادتي، وسيلبث مقيمًا بداخلي مادمت قادرًا على القراءة. سألني صديق: لو وضعوك في حبس وسألوك ما الذي تود أن يرافقك في هذا السجن، أجبته: المرأة والكتاب، فقال لو خيّروك بأحدهما، قلت له: الكتاب. أعرف أن هذا الكلام يزعج المرأة، وإن نالت اهتمامي الأعلى بوضعها في خيارين لا ثالث لهما، غير أن المرأة لا ترضى إلا أن تكون لها الأولوية على كلّ شيء في حياة الرجل. لا أكذب على نفسي، ولا على المرأة، ولا على القراء، أنا إنسان صامت طوال الوقت، وحضور المرأة يكسر الصمت أحيانًا. الهاتف لا أستعمله إلا حالة الضرورة، ولا أحضر إلا نادرًا المناسبات الاجتماعية الخاصة لفرح أو حزن، وإن كانت تفرض حضورها في أعرافنا. ما يكسر صمتي ورطة صباح نهاية الاسبوع بملصقات: “جمعة مباركة”، هذه ظاهرة غريبة تفشت في السنوات الأخيرة، ففي يوم الجمعة تصل لي عشرات الرسائل أكثرها ملصقات. على الرغم من أن هذا ‏شيء مكرّر، مملّ يثير الضجر أحيانًا، هذه الملصقات لا تبوح بمعنى حين تدور على الجميع، أخجل من عدم الجواب، أعرف أن هؤلاء الذين يرسلون الرسائل يحتاجون إلى أية إشارة للتعبير عن التقدير والامتنان، فأجيب على الجميع بتحية أكتبها إكرامًا لمبادرتهم. لا أريد الحديث عن صمتي واعتكافي بعيدًا عن الصخب.

أعرف شبابًا اليوم يمتلكون رؤية واقعية للحياة لا ينشغلون بالقراءة ولا يقتنون الكتب، متابعة أفلام هوليود السينمائية وغيرها، واليوتيوب ووسائل التواصل المرئية، وخوض معارك الواقع، علّمتهم أعمق مما يتعلمون من الكتب. وعي هؤلاء الشباب أكثف وأدقّ وأشدّ بصيرة من وعيي وأمثالي من المهووسيين بالقراءة. اعترف بممارسة القراءة بوصفها هواية، لا تغويني هواية سواها كما ذكرت، لا لأنها المنبع الوحيد للمعرفة بالضرورة، ولا لأنها الوسيلة الأفضل لوعي الواقع المركب المعقد، ولا لآثارها المتنوعة النافعة. أمارس القراءة بوصفها هواية أنشرح بها، وليست مهنة أتكسب منها، أو أظفر فيها بمقام يعزّز مكانتي في مجتمعي، القراءة سلوة حين أفتقد أية سلوة تمنح حياتي المزيد من الهدوء والسلام، بعيدًا عن ضوضاء المجتمع وما يضجّ فيه من أصوات ناشزة مؤذية.

ما أقرأه عن وعود الذكاء الاصطناعي يذهلني، هذا الذكاء على وفق ما يقوله المتخصصون سيغيّر من كمية وكيفية القراءة والكتابة، وكلّ شيء نعرفه ونستعمله في حياتنا. تعاملت مع الجيل الأخير من ChatGPT الذي أُعلن عنه نهاية سنة 2022 فأدهشتني إجاباته عن أسئلتي المتنوعة في المعارف والعلوم المختلفة. قرأت عن أجياله اللاحقة أنها تحقّق قفزات نوعية لامحدودة بتزويدنا بما نحتاج إليه من إجابات مختلفة. قبل 40 سنة ما كنت أحلم إلا بكتاب أبحث عنه سنوات عديدة عسى أن يقع بيدي في أية مكتبة، لم أكن أتوقع العيش في عصر يخرجني رغمًا عني من فضاء الورق إلى عالم لا متوقع، تحضر فيه لي بيسر وسهولة سلة العلوم والمعارف والتكنولوجيا دفعة واحدة، وتحضر لغيري من الشغوفين بالمعرفة في شتى أرجاء الأرض، وكأنها مكتبة تتسع لما أنجزه الوعي البشري عبر تطوره بمراحله المتنوعة منذ فجر التاريخ حتى اليوم.

 

 

 

 

التعليم في عصر الهوية الرقمية

التعليم في عصر الهوية الرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة والإعلام في عصر الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والافتقار للإرادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشة، وعدم الحماس للانخراط في العصر الرقمي لدى القيادات، والافتقار للخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًّا لإنجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة لولادتها وتنميتها.

هوية جيل الألفية الجديدة رقمية، هذه الهوية وُلدت في فضاء وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، تواصل الهويةُ الرقمية ولاداتِها باستمرار في فضاء الذكاء الاصطناعي المتدفق كشلالٍ هادر. الهوية الرقمية لا تشبه أيّةَ هوية من الهويات الدينية والعقائدية والأيديولوجية والإثنية الموروثة، ‏الهوية الرقمية سيالة في صيرورة متعجّلة سريعة التحول، لا تستقرّ على حال أبدًا، ولا تلبث في حالةٍ واحدة لسنوات، أو حتى سنة واحدة. هذا يعني أن الجيل الجديد يتفاعل بنحو مختلِف مع الهويات الرقمية وينتمي إليها بطريقته، لا كما كان يجري في الانتماء ‏لهويات العصر ما قبل الرقمي، ما يحدث تناشزًا حادًا تزداد وتيرته وتتسع فجوته بسرعة، بين نظامِ التربية والتعليم التقليدي، والهويةِ الرقمية المتغيّرة والمتواصلةِ الولادات وإعادةِ التشكل. في عصر الهوية الرقمية يتفاقم اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، ويُحدث ذلك تناشزًا يتضخم كلَّ يوم بينهما، وينتهي إلى المزيد من الأمية المعرفية والثقافية والرقمية، التي تنعكس في الآتي:

  1. إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والرقمي، وليس الزمان بمعناه الفيزيائي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو واقع العالَم اليوم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن كلَّ شيء في ذلك الماضي صوابٌ أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ واقع العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي والعيش في الواقع، ووعي نمط وجوده في عصر الهوية الرقمية المتغيرة، واستثمار ما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة والذكاء الاصطناعي من جديد العلوم والمعارف والثقافات يوميًا.

2.كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي المشتقَّ منه والمتناغمَ مع إيقاع صيرورته، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. نمطُ الوجود في عصر الهوية الرقمية يفرض عقلانيتَه ورؤيتَه للعالم وقيمه وثقافته، لا يستطيع الإنسانُ التغلبَ عليه مهما عاند الانخراطَ في هذا العصر، أو الاحتماءَ من آثاره، والتحكمَ الكامل بحضوره الهائل. ذلك ما يدعو الإنسانَ في بلادنا لمواكبته، في سياق رؤية تتسع لاستيعاب مكاسبه، وبناء أخلاقيات تقي الإنسانَ من ارتدادته المربكة والعاصفة.

  1. النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ في عصر الهوية الرقمية، غيرُ النظام التعليمي التقليدي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ عصر الهوية الرقمية، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.
  2. العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوِّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.
  3. عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.
  4. تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بعصر الهوية الرقمية الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.
  5. الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سميراميس بنت ابنتي د. تُقى، عندما كانت بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدٌ طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.
  6. لا يهتم النظامُ التعليمي بالاختلاف بين استعدادت الأطفال ومواهبهم، وما يفرضه موقعهم الطبقي من تفاوت في تكوينهم المبكر. تكوين الأطفال يختلف تبعًا للإمكانات المتاحة لهم، كما كشفت عن ذلك دراسة في أمريكا عن الأثر الذي يحدثه تلقي الأطفال للغة في مرحلة مبكرة من حياتهم في بناء وعيهم ورؤيتهم للعالَم، وكيف يتناسب وعيهم مع ما يتلقونه من اللغة، فتبين وجود تفاوت فاحش في تلقي اللغة تبعًا للتفاوت الطبقي، إذ ان أبناء العوائل الغنية إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم يكونون قد استمعوا إلى 43 مليون كلمة، لكن أبناء العوائل الفقيرة إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم لم يستمعوا إلا إلى 13 مليون كلمة. والمعروف أن نضج الذهن ونموه يتناسب وامتلاك اللغة وحضورها وتفاعل الذهن معها في الصغر، فكلما كانت الحصيلة اللغوية أثرى نضج الذهن أسرع واتسعت آفاق الوعي أكثر.
  7. مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عصر الهوية الرقمية وهو لا يشبه عصرَهم أمس، عصرٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العصرُ مَن لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورُه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العصر، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في وجدانهم، والسطوةِ على مشاعرهم. الماضي مكوّنٌ عميقٌ للاوعي الأساتذة من جيل الآباء، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه.
  8. إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة.كما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا يرتقي بكفاءة أدائها،كذلك هو النظام التعليمي في عصر الهوية الرقمية ، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.
  9. لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين الأكاديمي والثقافي والرقمي في عصر لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في عصر الهوية الرقمية تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.
  10. يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة من التلميذ، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتعليم المستمر، وتنمية التكوين الأكاديمي، والحرص على الحضور في الفضاء الرقمي ومواكبة وتيرة تطوره الفائقة. وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ، ولا يوسّع متخيّله وأحلامه العلمية.

 

 https://alsabaah.iq/99240-.html