Category: الهوية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

مشروع عبد الجبار الرفاعي.. قراءة تفكيكية في الدين والإنسان والمعنى

مشروع عبد الجبار الرفاعي

قراءة تفكيكية في الدين والإنسان والمعنى

 د. تحسين الشيخلي *

أبتعد اليوم عما دأبت عليه في السنوات الأخيرة من الانشغال بالأنظمة الذكية والتحولات الرقمية، وما تفتحه التقنية من أسئلة حول الإنسان والعقل والمستقبل، لأعود إلى حقل لا يقل تعقيدًا وخطورة، هو حقل الدين والمعنى وتأويل المقدس. والعودة هنا ليست انتقالًا من سؤال إلى آخر، بقدر ما هي عودة إلى الجذر الذي تتفرع منه أسئلة الإنسان كلها: كيف نفهم وجودنا؟ وكيف يتشكل معنى العالم في وعينا؟ وكيف تتحول النصوص من كلمات مقروءة إلى سلطات ورؤى ومؤسسات وأنماط عيش؟

وقبل أن أدخل في هذه القراءة، أود الإشارة إلى ملاحظة أراها ضرورية. قد يتساءل بعض الأصدقاء: ما الذي يدفع رجلًا جاء من عالم علوم الحاسوب والهندسة إلى قراءة مشروع في علم الكلام الجديد؟ وهو سؤال مشروع، غير أنه يفترض أن الأفكار الكبرى لا يجوز الاقتراب منها إلا من داخل حدود التخصص الضيقة، وأنا لا أشارك في هذا الافتراض.

لا أكتب هذه القراءة بوصفي متكلمًا أو فقيهًا أو متخصصًا في الدراسات الدينية، ولا أناقش مسائل العقيدة من داخل علم الكلام التقليدي، وإنما أقرأ مشروعًا فكريًا من منظور الفلسفة ونقد الخطاب والتفكيك، وهي أدوات لا تقل شرعية في مقاربة المشاريع الفكرية الكبرى. وحين يتحول علم الكلام الجديد إلى مشروع فلسفي يستعين بالهرمنيوطيقا وفلسفة الدين والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية، فإنه يغادر بطبيعته حدود التخصص المغلق، ويدعو إلى حوار متعدد الحقول.

لعل خلفيتي العلمية نفسها منحتني حساسية خاصة في قراءة البنى المعرفية، وكيف تتشكل المفاهيم، وكيف تعمل الأنظمة الفكرية، وما الذي تفترضه مقدماتها قبل أن تعلن نتائجها. لا أبحث هنا عن صحة قضية كلامية أو خطئها، وإنما أحاول تفكيك منطق الخطاب نفسه، والكشف عن افتراضاته وحدوده وإمكاناته، وهذا هو مجال الفلسفة بامتياز. لقد تعلمت خلال سنوات دراستي في فرنسا أن الفكر لا يعترف بالحدود الصارمة بين التخصصات، وأن الفلسفة كانت، ولا تزال، مساحة يلتقي فيها الفيزيائي بعالم الاجتماع، والمهندس باللاهوتي، والمؤرخ بعالم اللغة. فالأفكار الكبرى لا تنتمي إلى أصحاب الاختصاص وحدهم، وإنما إلى كل من يمتلك أدوات قراءتها قراءة رصينة ومسؤولة.

من هنا، ليست هذه المقالة محاولة للحديث باسم علم الكلام، وإنما هي محاولة للحوار مع أحد أبرز مشاريعه المعاصرة، بالاستفادة من أدوات التفكيك الفلسفي التي أجدها قادرة على الكشف عما تقوله النصوص، وما تؤجله، وما تفترضه، وما تتركه مفتوحًا أمام القارئ. أفعل ذلك وأنا أقرأ مشروع صديقي، المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من دون أن أتعامل معه مشروعًا مكتملًا ينبغي الاحتفاء به من خارجه، أو خصمًا فكريًا ينبغي نقضه، وإنما نصًا حيًا يستحق أن ندخل معه في حوار عميق، وأن نفكك منطقه الداخلي، ونستخرج توتراته، وننصت إلى ما يقوله وما يتعذر عليه قوله في الوقت نفسه. إن تكريم مشروع فكري كبير لا يكون بتحويله إلى موضوع للمديح، وإنما بجعله قادرًا على تحمل الأسئلة التي يثيرها، وربما الأسئلة التي يحاول تأجيلها أيضًا.

ينطلق الرفاعي في مشروعه من تشخيص واضح لمأزق علم الكلام القديم. لا يكتفي بالدعوة إلى إدخال مسائل جديدة في منظومته، وإنما يطالب بتجديد موضوعاته وأهدافه ومناهجه ولغته ومبانيه وهندسته المعرفية. كما يميز بوضوح بين الإحياء والإصلاح والتجديد؛ فالإحياء عنده يعيد القديم كما كان، والإصلاح يرمم البناء من دون أن يمس أسسه العميقة، أما التجديد فهو تفكيك البنية التحتية التي أنتجت معارف الدين، ثم إعادة بنائها في ضوء الفلسفات والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة.

يجعل الرفاعي “الفهم الجديد للوحي” معيارًا للتمييز بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد. ليست هذه النقلة بسيطة في بيئة اعتادت أن تنظر إلى علوم الدين الموروثة وكأنها امتداد مباشر للمقدس ذاته. تكمن أهمية مشروع الرفاعي في فصله بين نص الكتاب المقدس والأدوات البشرية التي أنتجت فهمه التاريخي، وتأكيده أن مناهج التفكير ونظريات المعرفة وأدوات النظر التي صاغت معارف الدين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية مشروطة بزمانها وثقافتها. من هنا يفتح نافذة واسعة لإعادة التفكير في التراث، لا باعتباره كتلة واحدة ينبغي قبولها أو رفضها، وإنما مجالًا للصراع بين ما هو حي ومحيي، وما هو ميت ومميت.

القراءة التفكيكية لا تتوقف عند الإقرار بهذه الجرأة، وإنما تبدأ منها. إنها تسأل: هل ينجح المشروع بالفعل في مغادرة البنية التي ينتقدها، أم أنه يعيد إنتاج بعض افتراضاتها بلغة جديدة؟ هل يكفي أن نستبدل أدوات علم الكلام القديم بأدوات الهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وفلسفة الدين لنكون قد غادرنا منطقه؟ أم أن المركز القديم قد يتراجع اسمه ويعود في صورة مركز آخر، أكثر مرونة وجمالًا وإنسانية، لكنه يظل مركزًا يتحكم في إنتاج المعنى؟ التفكيك، كما تعلمناه من دريدا، لا يعني هدم النص من خارجه، ولا البحث عن ثغرات لغوية لإسقاطه، وإنما يعني تتبع الحركة التي يعمل بها النص ضد استقراره المعلن. كل نص يؤسس نظامه على تمييزات: أصل وفرع، حضور وغياب، حقيقة وتأويل، دين وتدين، مقدس وبشري، حي وميت، جوهر وعرض. لكنه لا يستطيع المحافظة على نقاء هذه الحدود إلى النهاية؛ فكل طرف يحتاج إلى الآخر ليتحدد، ثم يتسرب الآخر إليه ويزعزع استقلاله. النص يقول شيئًا، لكن طريقة قوله تفتح إمكانًا يتجاوز ما يريد تثبيته.

 

يمكن أن نبدأ بالسؤال عن التمييز المركزي في مشروع الرفاعي بين الدين ومعارف الدين، أو بين المقدس وفهم البشر للمقدس. هذا التمييز ضروري للتحرر من هيمنة التراث؛ إذ ينزع القداسة عن الفقه والكلام والتفسير والتصوف، ويعيدها إلى مصدرها. لكنه يفترض، في الوقت نفسه، إمكان وجود دين خلف تراكمات الفهم التاريخي، دين يمكن إعادة اكتشاف وظيفته الأصلية في إمداد الحياة بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. هنا تتقدم القراءة التفكيكية لتسأل: أين يوجد هذا الدين قبل أن يتحول إلى فهم ولغة وتأويل؟ كيف يمكن الوصول إليه خارج الوسائط البشرية التي يظهر من خلالها؟ وهل نستطيع التمييز بالفعل بين الدين في ذاته وأشكال حضوره في التاريخ؟

لا نعرف الدين إلا عندما يدخل اللغة، ولا يصل النص إلينا إلا عبر قراءة، ولا تتحول التجربة الروحية إلى معنى إلا عندما تسكن رمزًا، أو حكاية، أو مفهومًا، أو طقسًا. التأويل ليس مجرد غطاء بشري يضاف لاحقًا إلى حقيقة دينية مكتملة، وإنما هو أحد شروط ظهورها لنا. لا يعني هذا إنكار وجود الوحي أو اختزاله إلى اللغة، وإنما يعني أن حضور الوحي في العالم البشري لا يحدث خارج التاريخ واللسان والذاكرة والتلقي. وبذلك تصبح الحدود بين المقدس وتأويله أقل صلابة مما تبدو عليه. حين يقول الرفاعي إن كل عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدسة، فإنه يضع بيده المبدأ الذي يمكن أن يزعزع فكرة المعنى الأصيل القابل للاستعادة. فإذا كان كل عصر ينتج فهمه، فإن المعنى لا يكون وديعة ساكنة داخل النص تنتظر قارئًا أكثر كفاءة ليستخرجها، وإنما يكون حدثًا يتشكل في العلاقة المتغيرة بين النص والقارئ والتاريخ. وعندئذ يتحول السؤال من: ما المعنى الحقيقي الذي ينبغي استرداده؟ إلى: كيف ينتج المعنى في كل مرة؟ ومن يملك شروط إنتاجه؟ وما السلطات والمؤسسات واللغات التي تسمح لبعض المعاني بالظهور، وتدفع معاني أخرى إلى الهامش أو الصمت؟

الرفاعي واع بسلطة إنتاج المعنى، ومن هنا يمنح المتخيل الديني مكانة أساسية في مشروعه. ويرى أن من يمتلك وسائل إنتاج هذا المتخيل يمتلك السلطة والتحكم في حاضر الناس ومستقبلهم، وأن المقدس نفسه يتسع تاريخيًا تحت تأثيره. وهذه واحدة من أخصب أفكار المشروع؛ إذ تنقل النقاش من مضمون المعتقد إلى الشروط الثقافية والنفسية والسياسية التي تصنع حضوره. غير أن التفكيك يدفع بهذه الفكرة إلى مداها الأبعد: إذا كان المتخيل يسهم في تكوين المقدس واتساعه، فهل يبقى بالإمكان رسم حد نهائي بين ما هو مقدس في ذاته وما أنتجته المخيلة الدينية؟ وهل المتخيل مجرد غشاوة ينبغي للعقل النقدي أن يضعها في حدودها، أم أنه عنصر لا غنى عنه في كل علاقة بالمقدس؟

ليس الإنسان كائنًا يعيش بالمفاهيم العقلية وحدها، فهو يسكن الاستعارات والرموز والصور والطقوس والذكريات المؤسسة. حتى أكثر الخطابات عقلانية لا تعمل من دون متخيل خاص بها. العقلانية نفسها قد تبني صورة خلاصية عن العقل، والحداثة قد تنتج أساطيرها، والتجديد قد يتخيل أصلًا نقيًا أو مستقبلًا متصالحًا لم يوجد قط. ومن ثم، ليس المطلوب وضع المتخيل في مقابل العقل، كأن الأول مصدر التضليل والثاني مصدر الخلاص، وإنما تفكيك الطريقة التي يسكن بها المتخيل كل ممارسة عقلية، بما فيها ممارسة التجديد نفسها.

يعلن الرفاعي أن بوصلة التجديد هي إعادة تعريف الإنسان والدين ووظيفة الدين، وأن ما يمكن للدين أن يقدمه يتمثل في إشباع الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجمالية، ومنح الروح السكينة، والقلب الطمأنينة، والحياة الرحمة والرفق. ويذهب إلى أن ما يقع خارج ذلك ينبغي أن يستمده الإنسان من العقل والعلوم والمعارف والخبرات البشرية. تمثل هذه الرؤية انقلابًا إنسانيًا على لاهوت الهيمنة الذي جعل الإنسان تابعًا للمؤسسة والعقيدة والسلطة. إنها تنقل مركز الاهتمام من الدفاع عن المعتقدات إلى حماية الحياة الداخلية للإنسان، ومن تضخم الدين في المجالين السياسي والاجتماعي إلى استعادته أفقًا للمعنى.

لكن السؤال التفكيكي هنا هو: من الإنسان الذي يصبح بوصلة للتجديد؟ وهل “الإنسان” مفهوم محايد ومستقر، أم أنه بدوره نتاج تاريخي وفلسفي؟ حين نعيد تعريف الدين انطلاقًا من احتياجات الإنسان، فإننا نفترض تصورًا سابقًا لماهية الإنسان واحتياجاته الأصيلة. لكن الإنسان ليس جوهرًا واحدًا يظل ثابتًا عبر الثقافات والعصور. حتى مفاهيم الروح والسكينة والجمال والكرامة والحرية ليست خارج التاريخ، فدلالاتها تتغير وخبراتها تتعدد.

ربما يكون مشروع الرفاعي قد انتقل من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان، لكنه لم يتخل تماما عن الحاجة إلى المركز، والمركز الجديد، وإن كان أكثر إنسانية من المركز القديم، يظل معرضًا لأن ينتج استبعاده الخاص. فمن يحدد حاجات الإنسان الروحية؟ وما الذي يجعل تجربة دينية ما أصيلة وأخرى زائفة؟ وما معيار التمييز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”؟ لا شك في أن التمييز بينهما يمتلك قيمة أخلاقية وتحررية واضحة، خاصة حين يتحول التصوف إلى طاعة عمياء لشيخ الطريقة واستسلام يفتك باستقلال الفرد. لكن كل ثنائية من هذا النوع تحتاج بدورها إلى تفكيك؛ فالحرية قد تنشأ، في أغلب الأحيان، داخل تقاليد الطاعة، كما قد تتحول خطابات التحرر نفسها إلى سلطات رمزية جديدة.

لا يقلل هذا من أهمية الانحياز الأخلاقي في مشروع الرفاعي، ويكشف الرهان العميق الكامن فيه. فهو لا يقدم نظرية وصفية محايدة في الدين، إذ ينحاز إلى صورة محددة له: دين الرحمة والحب والسلام والكرامة والمعنى والجمال. هذا الانحياز مصدر قوة المشروع، ويمثل في الوقت نفسه افتراضه الذي ينبغي التصريح به. المشروع لا يستخرج هذه القيم من النصوص وحدها؛ إذ يدخل إليها حاملًا حساسية أخلاقية حديثة، تشكلت تحت تأثير فلسفات الإنسان والحرية والحقوق والكرامة. إنه يعيد قراءة الدين من داخل أفق إنساني معاصر، لا من خارج كل أفق. هنا لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر على أنه نقص ينبغي إخفاؤه، على العكس، تصبح قوة المشروع أكبر عندما يعترف بأن التجديد ليس اكتشافًا لمعنى صاف كان موجودًا منذ البداية، وإنما هو إنتاج مسؤول لمعنى ديني يحتاجه الإنسان اليوم. والفرق مهم بين من يزعم أنه يستعيد الجوهر الأبدي للدين، ومن يقر بأنه يدخل في عملية تأويل تاريخية وأخلاقية لا تستطيع الادعاء بأنها الكلمة الأخيرة.

إن رؤية “الفهم الجديد للوحي”، التي يجعلها الرفاعي معيارًا لعلم الكلام الجديد، تحمل في داخلها هذا التوتر. فالجديد لا يكون جديدًا إلا إذا اختلف عن القديم، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل فهمًا للوحي ذاته. وهذا يعني أن المشروع يتحرك بين الوفاء والاختلاف، بين المحافظة على هوية المرجع وتغيير نظام دلالاته. لا يمكنه الانفصال تماما عن القديم، وإلا فقد اسمه كلامًا دينيًا، ولا يمكنه البقاء داخله، وإلا تحول إلى تكرار. إنه يقيم في منطقة برزخية، لا تنتمي بكلياتها إلى التراث ولا تنفصل عنه، ولا تذوب في فلسفة الدين الحديثة ولا تبقى أسيرة لعلم الكلام الموروث. هذه المنطقة الوسطى ليست عيبًا، فهي موضع الخصوبة الحقيقي في المشروع.

غير أن الخطابات التجديدية تميل عادة إلى إخفاء هذا التردد، إذ تحتاج إلى رسم حدود واضحة بين القديم والجديد. يعيد التفكيك الاعتبار إلى التردد، لا باعتباره ضعفًا، فهو اعتراف باستحالة القطع النهائي مع ما ننتقده. نحن لا نغادر التراث كما يغادر المرء بيتًا قديمًا؛ فاللغة التي ننتقده بها مشبعة بآثاره، والأسئلة التي نوجهها إليه ولدت في داخله أو في الصراع معه. كما أننا لا نستورد الحداثة أداة محايدة؛ فالهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة الغربية تحمل هي الأخرى تاريخها وتحولاتها ومركزياتها وأزماتها.

عندما يدعو الرفاعي إلى توظيف الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة في قراءة النص الديني، فإنه يقوم بخطوة ضرورية، لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا: هل هذه العلوم أدوات خارجية نستخدم منها ما يصلح ثم نعيدها إلى مكانها، أم أنها خطابات تعيد تشكيل موضوعها بمجرد دخولها إليه؟ لا يمكن للأنثروبولوجيا أن تدرس الدين من دون أن تغير مفهومنا عنه، ولا يمكن للتحليل النفسي أن يقترب من التجربة الروحية من دون أن يعيد توزيع العلاقة بين الوعي واللاشعور والرغبة والرمز. كذلك لا تدخل الهرمنيوطيقا إلى التفسير أداة كالمطرقة أو المجهر، فهي تمثل تحولًا في مفهوم الحقيقة والفهم واللغة. من هنا يبدو مشروع الرفاعي أكثر ثورية مما يصرح به في الغالب. فالقبول الحقيقي بهذه المناهج لا يقتصر على تغيير أجوبة علم الكلام، وإنما يغير طبيعة أسئلته وحدود موضوعه، وربما يزعزع اسمه نفسه. وقد لا تنتهي العملية إلى “علم كلام جديد” بالمعنى الدقيق، وإنما إلى حقل يقع بين فلسفة الدين والهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا واللاهوت والنقد الثقافي. يلاحظ الرفاعي نفسه غياب الحدود الدقيقة بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، لكنه يبقي على اسم علم الكلام، ربما حفاظًا على الصلة بالذاكرة الإسلامية، واستمرارًا للحوار مع المؤسسة الدينية.

غير أن الاسم ليس تفصيلًا بريئًا، فالاحتفاظ باسم “علم الكلام” يمنح المشروع شرعية داخل التراث، لكنه يحمل معه أيضًا آثار تاريخ طويل ارتبط بالدفاع عن العقيدة، وترسيم حدود الإيمان، والفرقة الناجية، والخصم المخالف. فهل يستطيع الاسم القديم احتواء تحول معرفي جذري من دون أن يعيد إخضاعه لذاكرته؟ أم أن الجديد يظل معرضًا لخطر التحول إلى هامش داخل بنية القديم؟ هنا يظهر الاختلاف بين التجديد والتفكيك. التجديد يفترض إمكان إعادة بناء المنظومة على أسس أصلب وأكثر ملاءمة للعصر. أما التفكيك فيتردد أمام فكرة البناء النهائي؛ إذ يرى أن كل بنية جديدة تحمل في داخلها شقوقها، وأن كل مركز يؤسس هامشه، وكل تعريف ينتج ما يستبعده. التجديد يريد نظامًا بديلًا لإنتاج المعنى الديني، بينما يسأل التفكيك: هل يمكن امتلاك نظام يحكم المعنى من دون أن يتحول إلى سلطة جديدة عليه؟

لكن التفكيك الذي أدافع عنه هنا لا يدعو إلى ترك المعنى في فوضى مطلقة، ولا إلى مساواة التأويلات بعضها ببعض. إنه يطالب فقط بأن تظل عملية إنتاج المعنى واعية بحدودها، ومتواضعة أمام ما تستبعده، وقادرة على مراجعة نفسها. لا نحتاج إلى معنى بلا قرار؛ نحتاج إلى قرار يعرف أنه ليس أبديًا. ولا نحتاج إلى تأويل بلا معيار؛ نحتاج إلى معيار أخلاقي لا يدعي أنه خارج التاريخ أو فوق السؤال. في هذا الجانب يلتقي مشروع الرفاعي مع الروح الأعمق للتفكيك، حتى حين يختلف معها فلسفيًا. فالدعوة إلى دين يحمي الكرامة، ويمنح الإنسان الحب والرحمة والسكينة والجمال والسلام، ليست مجرد إعادة تعريف لعلم الكلام؛ إنها مقاومة لأنظمة دلالية استعملت المقدس في إنتاج الخوف والطاعة والإذلال. والتفكيك، في جوهره الأخلاقي، هو أيضًا انحياز إلى من تستبعدهم البنى المغلقة، وإلى الأصوات التي لا يسمح المركز بسماعها.

من هنا لا أقرأ عبد الجبار الرفاعي مجددًا يبحث عن طلاء حديث لبناء قديم؛ أقرأه مفكرًا يحاول نقل الفكر الديني من سؤال: كيف نحمي العقيدة؟ إلى سؤال: كيف نحمي الإنسان من التأويلات التي تحطم روحه وكرامته؟ وهذه النقلة هي الإنجاز الأهم في مشروعه. غير أنه، مثل كل مشروع كبير، يفتح أسئلة تتجاوز الأجوبة التي يقدمها: هل يمكن تحرير الدين من التاريخ من دون أن نفقد تاريخية ظهوره؟ هل نستطيع فصل الوحي عن سلسلة تأويلاته؟ هل الدين أفق للمعنى نعثر عليه، أم أفق نسهم في بنائه باستمرار؟ وهل الانتقال من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان يلغي المركز، أم يمنحه اسمًا جديدًا؟

ربما لا تتمثل قيمة مشروع الرفاعي في تقديم أجوبة نهائية عن هذه الأسئلة؛ إذ تكمن قيمته في جعل طرحها ممكنًا من داخل الثقافة الدينية نفسها. لقد فتح الباب من داخل البيت، لا ليحرقه، ولا ليعيد ترتيب أثاثه فقط، وإنما ليسمح بدخول هواء لم تعتده غرفه المغلقة. أما مهمة القراءة النقدية فهي أن تبقي الباب مفتوحًا، وألا تسمح للغة التجديد بأن تتحول بدورها إلى يقين جديد أو مؤسسة جديدة تحتكر تعريف الدين والإنسان والمعنى.

أكتب هذه القراءة تكريمًا لمشروع صديقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأفهم التكريم هنا اعترافًا بحق المشروع في أن نقرأه بجدية، ونفككه بحب، ونضعه في مواجهة أصعب الأسئلة التي يوقظها. المشاريع الصغيرة وحدها تحتاج إلى المديح كي تبقى، أما المشاريع الحية فتزداد حيوية كلما دخلت في حوار واختلاف.

لعل أفضل ما يمكن قوله عن مشروع الرفاعي أنه لم يعد يسمح لنا بأن نتحدث عن الدين بعده بالطريقة نفسها التي كنا نتحدث بها قبله. غير أن الوفاء الحقيقي لروحه التجديدية يقتضي ألا نتعامل حتى مع مفاهيمه كنهايات. الدين، مثل اللغة، لا يمنح معناه دفعة واحدة، والإنسان لا يستقر في تعريف، والنص لا يغلق أبوابه بعد قراءة واحدة. وما نسميه تجديدًا لا يعني الوصول إلى المعنى الأخير؛ إنه إبقاء المعنى قادرًا على الولادة، وإبقاء السؤال حيًا في وجه كل سلطة تريد أن تعلن أن الكلام قد اكتمل.

 

د. تحسين الشيخلي: أكاديمي عراقي، حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في هندسة المعلوماتية من فرنسا، وأستاذ مشارك في جامعة كينغستون في لندن، ومدير مركز دراسات وبحوث المستقبل في لندن.

 

https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/988702-%D8%AA%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89

 

حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا

حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما تتشكل الهوية في سياق إمبراطوري، فإنها تتغذى من نرجسية الكبرياء الإمبراطوري، وتولد مشبعة بشعور الغلبة، ممتلئة بإحساس الثروة المادية والثراء المعنوي والرمزي، فخورة بذاتها، مركزية في رؤيتها للعالم، تتوهم أنها المعيار الوحيد لغيرها، وأنها الأصل وما عداها فروع وهوامش. أما حين تتشكل الهوية في سياق احتلالات متعاقبة واستعباد أجنبي، فإنها تولد مقهورة مستلبة، متشظية البنية، مكسورة الإرادة، عاجزة عن الاعتزاز بالذات أو استشعار السيادة. الهوية التي تنمو على الهامش تصير جرحًا مفتوحًا، فلا ترى نفسها بما يليق بها، وإنما تثقلها عقدة النقص، فتتطلع إلى الآخر بعين الهيبة والإجلال، وتظل عالقة في مراياه، تدور في مداراته، وتسقط أحلامها في مشاريعه، وتعيش على تصوراته عن الذات والتاريخ والعالم.

الهوية المتشكلة في بلد محتل، يعاني من الاضطهاد، ويفتقر الى منابع الشعور بالعزة والكرامة والفاعلية، تنتج انسانًا مأزومًا مقهورًا، يفشل في تعريف ذاته، مشدودًا الى الخارج بحثًا عن بديل. يسعى الإنسان في هذه الحالة الى تقمص هوية الآخر للهروب من واقعه، فيغترب عن نفسه، ويغدو منفيًا في داخله، مستلبًا في وجدانه، غريبًا في وطنه. هذا ما عاشه العراقي طويلًا تحت وطأة الاحتلالات والسلطات الوافدة، التي لم تعبر عن ذاته، ولم تنبع من ثقافته، ولم تجسد إرادته، فأعاق ذلك بناء وتجذير هوية وطنية ترسخ شعوره العميق بالانتماء لأرضه، وتغذي الذاكرة الجمعية بالروح الوطنية.

في سياق ذلك تشكل لدى العراقي وعي مأزوم، وشعور بالانتماء إلى هوية معاقة، جعله في كثير من الأحيان ينظر إلى الخارج مرجعًا للشرعية ومصدرًا للقوة. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية إلى جرح مفتوح يعطل إمكان ولادة وعي وطني سيادي، ويفاقم هشاشة الانتماء، ويضعف القدرة على بناء دولة حديثة تنبثق من الذات، وتستعيد ثقتها بنفسها. دولة تستلهم حضارات العراق وثقافته ورموزه، وتوظف معطيات الفكر السياسي الحديث، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يعيد للمواطن شعوره بالعزة والكرامة، عبر انتمائه إلى أرضه ومصالحه المشتركة مع شركائه في التاريخ والمصير.

مقارنة الهوية الوطنية العراقية بهويات وطنية لشعوب أخرى تكشف حجم الفارق، إذ استطاعت شعوب عانت من الاحتلال والقهر، أن تولّد من جراحها طاقة إيجابية، وبنت على آلامها وعيًا سياديًا،كما فعلت بعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو شعوب فيتنام وشرق آسيا، التي نهضت من ركام الاستعمار والحروب لتؤسس دولًا حديثة صناعية. أما العراقي فبفعل توالي الاحتلالات وطول أمدها، وغياب دولة وطنية متجذرة في لاشعوره السياسي ظل أسير وعي مأزوم، عاجزًا عن تحويل مأساته الى مشروع جامع، ولبث في دائرة التبعية والبحث عن خلاص خارجي. هنا تكمن المفارقة، إذ نجحت شعوب في تحويل جراحها الى ولادات جديدة، في حين ظل الجرح العراقي مفتوحًا، يعيد إنتاج الاغتراب السياسي، الذي يعيق إقامة دولة المواطنة الحديثة.

واحدة من أبرز آثار الاحتلالات الأجنبية المتوالية لبلاد الرافدين أن المحتل كان يفرض تغييرًا في البنية الديموغرافية، وذلك التغيير يقود إلى اختلال النسيج المجتمعي لأهل الأرض الأصليين. المحتل يصحبه جنوده ولا يأتي وحده، وغالبًا ما ترافقه كتل بشرية من قومه تقيم مستوطنات في الأرض المحتلة. هؤلاء، حين يمكثون في البلاد لسنوات، يتحولون إلى مكون من مكونات المجتمع، لكنهم يواجهون عقبات متعددة في عملية الاندماج، ويستبطنون دائمًا هوياتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وقيمهم، الراسخة في لاشعورهم الفردي والجمعي. إثر ذلك ينشأ اضطراب الهويات، ويظهر ازدواج الولاء، إذ يظلون منتمين في لاشعورهم السياسي إلى أقوامهم وقيمهم وثقافاتهم وأرضهم وأوطانهم من جهة، ومن جهة أخرى يسعون للانتماء إلى هوية البلاد التي استوطنوها، فيواجهون ممانعة ورفضًا. يؤدي هذا الاضطراب إلى تصدع الهوية الوطنية للسكان الأصليين كلما تعرض الوطن للاجتياح، خاصة في بلد مثل العراق توالت عليه الاحتلالات في عصوره المختلفة.

الامتداد المتصل لسلطات محتلة لم تتجذر في تربة العراق، واستيعاب كتل بشرية لم تنبثق من نسيجه الاجتماعي والقيمي والثقافي والرمزي التاريخي، رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، وأعاق تشكل هوية وطنية جامعة، وقوّض الإمكان التاريخي لولادة دولة تمثل الهوية الوطنية العراقية. تلك السلطات، ومن هاجر معها من أقوامها، لم تنبثق من الأرض العراقية، ولم تتجذر في ثقافتها وذاكرتها، وإنما بددت إمكانات ولادة دولة تعبر عن الهوية العراقية وتكرس الانتماء للوطن. هذا الامتداد الطويل للسلطات غير الوطنية أفضى إلى انقطاع الذاكرة السياسية، وتعطيل تراكم الخبرة المحلية، وحال دون تشكّل مدينة عراقية تعكس معنى الدولة، وتؤسس لنمط عيش حديث يقوم على القانون والمؤسسات، وعندما تندثر المدينة تندثر معها البنية المؤسِّسة للدولة.

غيابُ أيِّ أفقٍ للتربية على المواطنة في أدبيات الإسلام السياسي السني والشيعي يُفضي إلى إضعاف الضمير الوطني، ويطفئ في وعي الإنسان إحساسه العميق بالانتماء إلى هويته الوطنية. حين تستبدل الهوية الوطنية بهوياتٍ مستعارة، يتآكل الشعور بالمصير المشترك، ويغدو الوطن كيانًا باهتًا في الوجدان، لا يوقظ ولاءً ولا يستدعي تضحية. عندئذٍ تتبدد رمزية الوطن في المخيلة، ولا يكترث أبناؤه بما يعكس حضوره ويكرسه في الوجدان، بل يزدرى بعضهم رموزه، كالميراث الحضاري العريق، والعلَم، والنشيد الوطني، والفنون، والرياضة، وأمثالها. مثلًا ‏التأهل لكأس العالم يمثل قيمة ثمينة، تعزز رصيد الوطن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتلتقي عليها الهوية الوطنية لكل أبناء الوطن، وتحتجب الهويات الطائفية والعرقية وكل ما يتسبب في الانقسام.

التأهلُ لكأس العالم ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، إنما هو لحظةٌ كثيفةُ المعنى في وعي المواطن، تتجلى فيها طاقةُ الانتماء في أبهى صورها. حين يحضر الوطن في هذا المحفل الكوني، يتعزز رصيده السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتحوّل إلى حضورٍ رمزيٍّ يوقظ الشعور بالكرامة، ويُنعش الإحساس بالمصير المشترك. في هذه اللحظة، تلتقي الهوية الوطنية بكل تنوّعاتها، وتتراجع الهويات الضيقة، الطائفية والعرقية، إلى الظل، وينفتح الأفق أمام معنى جامع يرى الإنسان فيه ذاته جزءًا من كلٍّ أكبر يحتضنه. لهذا تنفق الدول موارد هائلة من أجل هذا الحضور، كما فعلت قطر في قرارها الذكي، حين انفقت 120,000,000,000$ من أجل أن تستضيف كأس العالم، ولتكون مركزًا كونيًا في لحظة رياضية جامعة للعالم. ما يتحقق في كأس العالم يُقاس بما يخلقه من رأسمال رمزي، وصورةٍ ذهنيةٍ للوطن في الوعي العالمي، وما يغرسه في وجدان أبنائه من ثقةٍ بأنفسهم، واعتزازهم بوطنهم. إن حضور كأس العالم يتجاوز الرياضة إلى كونه فعلًا يعيد بناء المعنى الوطني السياسي، ويمنح الدولة مكانة دولية استثنائية، ويرسخ الانتماء للوطن لدى أهله، في لحظة تلتقي فيها القلوب قبل الشعارات، وتتوحد فيها المشاعر قبل الخطابات، وتستفيق فيها الذاكرة الوطنية بوصفها حاضنة لمعانى المصالح والمصائر والعيش المشترك.

 

https://alsabaah.iq/132252-.html

الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض

الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض

د. عبد الجبار الرفاعي

ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر المتضامنة، وعلى شعور حي بالانتماء إلى الوطن، بوصفه أفقًا جامعًا وملاذًا إنسانيًا يأوي إليه الجميع. تتحقق دولة المواطنة حين تتجسد المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق وأمام القانون، ويتكافأ الجميع في الفرص، وتُسند المسؤوليات إلى كل مواطن وفقًا ومواهبه وإمكاناته وتكوينه العلمي وتخصصه، في إطار نظام عادل يضمن كرامة الإنسان ويصون حرياته ويحمي حقوقه، ويؤسس لعقد اجتماعي يربط بين الدولة ومواطنيها على قاعدة العدالة والإنصاف.

أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء إلى العقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه إلى وطن آخر، حتى لو كان في أقصى أطراف الأرض، إذ تتراجع الجغرافيا في هذه الحالة إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الرابط العقدي هو المحدد لشكل الانتماء وحدوده. في حين تحرس الحدود الوطنية سيادة الدولة وتصونها من أي نفوذ خارجي أيًا كان مصدره، ولا تسمح بتوظيف موارد الوطن وثرواته خارج مصالح أبنائه تحت أية ذريعة. حدود الدولة الوطنية ترسمها خارطة الأرض، وما تعكسه من إرادة سياسية وهوية جامعة تتجسد في حماية المجال الوطني، وضمان توجيه ثرواته لبنائه وعيش مواطنيه.

الحدود الأيديولوجية لا تحمي الأوطان، إنها تفتّت خرائطها، وتحولها إلى كيان مفتوح لا يختص بالمواطنين، يتّسع لكل من يعتنق أيديولوجيا السلطة. تكشف ذلك تجارب الأنظمة اليسارية والقومية، منذ تأسيس الاتحاد السوفياتي وما تلاه، كما يتكرر اليوم في أنظمة أصولية في بعض الدول. في هذا الواقع يُعامل الأجنبي المتبني للأيديولوجيا ذاتها بوصفه شريكًا كامل الشرعية، يتمتع بحقوق واسعة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وقد يفضي هذا النمط من الشراكة إلى اختلال ميزان السيادة، حين يتمادى هذا الشريك في توظيف موقعه، فيتجاوز حدود المشاركة إلى الهيمنة، ويغدو في بعض المواقف أقدر على توجيه القرار من الحاكم والمواطن معًا.

ينبغي أن يتجذر الحس الوطني في تشكل الهوية في وعي كل مواطن في مجتمعنا، على أساس أسبقية الانتماء إلى الوطن بوصفه الإطار الجامع، فيرى العراقي نفسه عراقيًا أولًا، ثم عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، ثم مسلمًا أو مسيحيًا أو مندائيًا أو إيزيديًا، ثم شيعيًا أو سنيًا أو كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا أو أرثوذكسيًا، وهكذا في تدرج يرسخ وحدة المجال الوطني من دون أن يلغي تنوع الانتماءات. في هذا الترتيب لا تذوب الهويات الفرعية، وإنما تنتظم في أفق وطني أوسع، يضمن تماسك المجتمع، ويحول دون انقسامه إلى ولاءات متنازعة تقوّض الدولة، وتبدد إمكان العيش المشترك. هذا التسلسل الهوياتي يمكننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، ويؤسس للمواطنة الدستورية بوصفها القاعدة التي تقوم عليها الدولة اليوم، حيث تنتظم الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي واحد، ينتمي فيه الجميع إلى أرض مشتركة، ومصائر مترابطة، وتاريخ واحد، ويتضامنون على مصالح جامعة. في سياق هذا الفهم لا يُلغى التنوع، وإنما يُعاد ترتيبه داخل إطار وطني يضمن تماسك المجتمع واستقرار الدولة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتتقدم الطائفة أو القومية، ويتراجع الوطن إلى مرتبة دنيا، يتعذر تشييد دولة المواطنة بمعناها السياسي، ويخفق مشروع الدولة الحديثة، لأن الولاءات المتنازعة تستنزف المجال العام وتبدد إمكان بناء عقد وطني جامع.

اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يزيح الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص تحكمه العصبية، ويقيمه هاجس الدفاع عن الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية الجامعة. حين تتصدر القومية أو الطائفة موقع الهوية الأولى، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، يتآكل المعنى الذي يجمع المواطنين في إطار واحد، ويضمحل أثر المصالح المشتركة والمصائر المتداخلة والتاريخ المشترك في بناء الدولة. في هذا المجتمع يتفكك المجال العام إلى ولاءات متنازعة، ويغدو العقد الوطني هشًا، عاجزًا عن تأسيس سلطة عادلة تمثل الجميع وتصون كرامتهم. عندئذ تتوارى الهوية الوطنية خلف الهوية الفرعية، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن، ويغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها يظل مشروطًا بولاء سابق أو موازٍ للجماعة، ووضع كهذا لا يتيح قيام عقد اجتماعي يلتقي عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية الطائفية والقومية وتغيب الهوية الوطنية، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بسواه ممن يعيش معه على أرضه ويلتقي معه في المصائر والمصالح، فيغدو الوطن ساحة لصراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المتضامنة.

تفشت في جيلنا والجيل السابق اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي ينتمي إلى فضاء أيديولوجي عابر للحدود قبل انتمائه إلى وطنه، فيرى ذاته في الاتحاد السوفياتي ومحوره، أو في الصين والدول التي تدور في فلكها، يستمد منها تصوره للسياسة والدولة والمجتمع. وكان القومي العربي يقدم انتماءه إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية على انتمائه الوطني، ويرتبط رمزيًا بقيادتها وتنعكس في رؤيته ومواقفه السياسية مواقفها ورؤيتها. كما تمثلت في تجربة جمال عبد الناصر وأمثاله من القوميين، بما حملته من قدرة على تعبئة الجماهير، وصياغة خطاب تجييشي عاصف عابر للحدود. ثم اتخذ الانتماء لدى تيارات الإسلام السياسي مسارًا مماثلًا، إذ غدا الارتباط بالدول أو المرجعيات الدينية، كل بحسب موقفه المذهبي، متقدمًا على الانتماء الوطني، بما يعيد إنتاج ولاءات تتجاوز الدولة وتضعف مركزيتها في وعي المواطن.

عشتُ اضطرابات الهوية السياسية بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يمثل الهوية الأصلية، وأن العقيدة لا تحدها أرض، كما رسخته أدبياتها في وعينا. في تلك المرحلة تراجع حضور الوطن بوصفه أرضًا وتاريخًا وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة، وتوارى في وعينا، فلم نعد نرى في الانتماء إليه إطارًا جامعًا يوحّدنا مع أبناء هذه الأرض الذين نتقاسم معهم العيش على تربة العراق الطيبة. هيمنت ولاءات عابرة للحدود، تستمد معناها من خطاب أيديولوجي يعلو على الواقع ويتجاوز شروطه، فحجبت معنى الوطن، وأضعفت الشعور بالانتماء إليه.

لم تنكشف لي هويتي العراقية، وتنبعث في ضميري، ولم يترسخ انتمائي الفعلي إلى وطني، إلا في تجربة المنافي، حين عشت سنوات طويلة في أكثر من بلد.كنت أواجه في كل مرة نظرة الآخر إلي بوصفـي أجنبيًا، منزوع الحقوق قياسًا بما يتمتع به هو، ومقيد الحريات قياسًا بما يملكه. في ذلك الامتحان القاسي للغربة أخذت الهوية الوطنية تستيقظ في أعماقي، حتى استفاقت بكامل حضورها، لحظة تذوقت معنى الخلاص من اغتراب امتد عقودًا، وعشت بهجة الكرامة تحت سماء وطني العراق، إذ لا سماء كسماء وطني. منحني العيش على أرض العراق، بعد عودتي من المنفى، شعورًا بالثقة والعزة والرفعة، وأنا أستعيد صلتي بأرض انتميت إليها وجودًا وثقافة وتاريخًا، وتكونت في أفيائها هويتي الوطنية الأولى.

 

الهوية الوطنية بمعنى والهوية العقائدية بمعنى آخر

الهوية الوطنية بمعنى والهوية العقائدية بمعنى آخر

د. عبد الجبار الرفاعي

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصاب الهوية الوطنية يتأسس على الانتماء إلى رقعة جغرافية، ومصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ تتوالى فيه التجارب، وذاكرة جمعية تتشكل في وعي الناس، وتتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة تتحذر في اللاشعور السياسي، لا تلغي الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، بل تحتضنها في أفق عيش مشترك. وتتكشف ملامح هذه الثقافة فيما يتراكم في العقل الجمعي من سرديات تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الممتدة في الزمن، بحيث تغدو الهوية الوطنية إطارًا جامعًا يمنح المعنى للانتماء، ويصون كرامة الإنسان بوصفه مواطنًا قبل كل انتماء آخر.كما تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة، وفي كل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه عبر التاريخ، وأسهمت في تشييد كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. وتنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية، وفي الأديان والمعتقدات، والأساطير والأمثال، والعلوم والمعارف المتنوعة. كذلك يكون الشعار الرسمي للدولة مرآة لهذه الهوية، مضافًا إلى النشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتستعيد ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا في وعي الجماعة. وتتكشف الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وفي كل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم جزءًا حيًا من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركين في مصيره، ومسؤولين عن تنميته وحمايته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تنغلق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. إنها هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وتؤمن بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بحق المواطن أن يكون مختلفًا في إطار كيان سياسي واحد، وعلى شراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته.

تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتؤسس للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص بوصفهما شرطًا للكرامة والعيش المشترك. وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ “العدالة بوصفها إنصافًا”، كما بلوره جون رولز (1921–2002) في كتابه “نظرية في العدالة”، حيث لا تتحقق العدالة إلا حين تُصان حقوق الجميع على قدم المساواة، وتُوزع الفرص بما يضمن لكل إنسان إمكانات متكافئة في بناء حياته والمشاركة في صناعة مصيره. وتخضع الجميع لسلطة القانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية، بل تعيد إدماجها في أفق الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فروعًا تلتقي جميعها فيه.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، حين يتحول هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية الأيديولوجية بالانغلاق، إذ تنبني على يقين مغلق يختزل العالم في ثنائية حادة: مَن ينتمي إليها، ومَن يقع خارجها. في أفقها يتضخم وهم الاصطفاء، ويتشكل وعي متعالٍ يستمد شرعيته من شعور بالتفوق المتخيل، فتغدو الهوية الجمعية مشروطة بنفي الآخر وإقصائه، لا بالانفتاح عليه أو الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. في هذا الواقع، لا يعود الانتماء للوطن مرجعية جامعة، إذ يتراجع لصالح ولاء ضيق يستمد معناه من الجماعة العقائدية، فتتآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا مشتركًا، وتختزل في كيان هش لا يحتمل التعدد. ومع هذا الاختزال، تُهمَّش المصلحة الوطنية، ويعاد ترتيب سلم القيم على نحو يجعل الولاءات الفرعية مقدمة على كل أفق جامع، فينحسر المعنى الإنساني للسياسة، وتفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معاني العيش المشترك الذي يؤسس للسلم والعدالة.

تنتج الهوية الأيديولوجية العقائدية خطابًا تعبويًا مشحونًا باليقين المغلق، لا يعترف بالتنوع، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يقر بحق الآخر في العيش المشترك. ينظر إلى الحقيقة بوصفها ملكًا حصريًا لا يقبل القسمة، فتتحول اللغة في هذا الواقع إلى أداة تعبئة، وتغدو الهوية سورًا يحاصر المعنى ويمنع انفتاحه، فيُختزل الإنسان في انتمائه، ويُختزل العالم في صورة واحدة لا ترى إلا ذاتها. في مقابل ذلك، تمثل الهوية الوطنية مشروعًا لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، يقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون، حيث تكون المواطنة أساس الانتماء، والعدالة شرط الشرعية، وأفقًا مفتوحًا تتعايش فيه الاختلافات وتتكامل فيه الخصوصيات دون أن تفقد وحدتها في إطار جامع. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار للمعنى والسلطة والوطن والمواطن، تختزل الحقيقة في تفسير واحد، وتختطف الوطن لحساب جماعة، فتقوض وحدة المجتمع، وتزعزع أسس الدولة الوطنية، لأن الكيان السياسي لا يستقر إلا حين يقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء، ولا على ادعاء امتلاك الحقيقة باسم العقيدة.

حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يجري ترحيله من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُعاد توطينه في حقول الصراع على السلطة والثروة، كما جرى في تجارب الأيديولوجيات القومية واليسارية. في هذا التحول يفقد الدين رسالته بوصفه أفقًا للمعنى، ويتحول إلى أداة للاستحواذ، ويُختزل في تنازع النفوذ والسيطرة، وتُسخَّر لغته لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. عندئذ تهبط رسالة الدين من غايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى وظيفة أيديولوجية مغلقة لا ترى في العالم إلا ساحة صراع. في هذا الواقع، لا تعترف الأصوليات بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، ولا تُقر بشرعية الدولة التي تقوم على هذه الهوية وتكفل استيعاب التنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، إنما تعمل على تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية، فتفكك المجال العام، وتُقوّض إمكان بناء دولة تحتضن الجميع على أساس المساواة والعدالة والمواطنة وحق كل مواطن أن يكون مختلفًا.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=385190

خذلان الجغرافيا لبلاد الرافدين

خذلان الجغرافيا لبلاد الرافدين

     د. عبد الجبار الرفاعي

قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.

لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.

مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.

أما بلاد الرافدين فكانت دومًا مطمعًا للغزاة، لما تنفرد به أرضها من خصوبة، ووفرة مياه، وغنى بالثروات، وافتقار إلى أسوار طبيعية تصد المحتلين. تمتد أرض الرافدين السهلية من الشمال إلى الجنوب، ويخترق سهولها نهران عظيمان، دجلة والفرات، فيمنحانها شروط الري ويوفران المياه بغزارة، وهي الشرط الضروري للزراعة ولأشكال الحياة المتنوعة. هذا الانفتاح الجغرافي لبلاد الرافدين جعلها هدفًا دائمًا للقوى الطامعة بثروتها الزراعية وغيرها وموقعها التجاري. منذ سقوط بابل تعاقبت على احتلالها إمبراطوريات وقوى خارجية متعددة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات متكررة في مسار التجربة التاريخية لإنسان هذه الأرض، فعطّل التراكم الاقتصادي والمعرفي والرمزي، وأضعف شروط تشكّل الدولة، وأخّر انبثاق وعي سياسي وطني وتجذره. هكذا أصبحت الجغرافيا التي أنجبت حضارات عظيمة في وادي دجلة والفرات هي نفسها التي جعلت هذه الأرض مكشوفة أمام الغزاة، فكان تاريخها سلسلة متواصلة من الصعود الحضاري تتخلله انقطاعات موجعة بسبب الغزو الخارجي.

لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.

لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.

الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.

 

https://alsabaah.iq/130095-.html

 

 

لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين

لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين

د. عبد الجبار الرفاعي

في دولة المواطنة، يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته. المواطنة رابطة حقوقية قانونية جامعة، لا امتيازًا تمنحه السلطة، ولا منزلة تُمنح بدرجات متفاوتة. جميع المواطنين متساوون في الانتماء إلى الوطن، ومتساوون في الحريات والحقوق والواجبات، ومتساوون أمام القانون. لا تقوم الدولة الحديثة على أيديولوجيا دينية أو طائفية أو قومية مغلقة، لأن هذه الأيديولوجيات تضيق بالتعدد، وتعيد إنتاج الانقسام، وتهدد وحدة المجتمع، وإنما تنهض الدولة الحديثة على ميثاق وطني جامع يحتضن التنوع والخصوصيات الثقافية والدينية، وينظم حضورها في الفضاء العام، من غير أن يسمح لها بتفكيك الوحدة الوطنية أو تقويض العقد الاجتماعي. تمثل الهوية الوطنية الإطار الجامع الذي تنتظم فيه سائر الهويات، وتكتسب معناها، وتتحول إلى مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع. دولة المواطنة والقانون لا تعادي الدين، ولا تنفي القيم الأخلاقية، وإنما تحرر الدين من التوظيف السياسي، وتصون الأخلاق من الابتذال الأيديولوجي، فتتيح للدين أن يبقى تجربة روحية وأفقًا للمعنى، وتمنح الأخلاق مجالها الإنساني، وتمنع تحويلهما إلى أدوات للهيمنة أو الإقصاء. بهذا المعنى، تحقق الدولة الحديثة شرط العيش المشترك، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، وتحمي كرامته، وتؤسس لمجتمع يرى في القانون ضمانته، وفي المواطنة رابطته الجامعة، وفي التعدد ثراءً لا تهديدًا.

لم تتأسس دولة المواطنة الحديثة على الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية، وإنما قامت على منظومة الحقوق والحريات، وعلى سيادة القانون بوصفه الأساس الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطبيقه بعدالة. تصون قوانين هذه الدولة المساواة بين المواطنين جميعًا، وتكفل تطبيقها من دون تمييز، بغض النظر عن دين المواطن، أو معتقده، أو جنسه، أو لونه، كما تعترف بحقه في الاختلاف، وتعدّه جزءًا من حماية كرامة الإنسان وحريته الاعتقادية. يتساوى الجميع في الانتماء إلى الوطن، وكل مَن يكتسب جنسية الدولة، ويتبنى نظامها القانوني، يمتلك النصاب الكامل في الحقوق والواجبات، ويتمتع بفرص متكافئة، ويُعامَل بوصفه مواطنًا، لا بوصفه تابعًا لهوية دينية، أو طائفية، أو قومية. تقوم المواطنة في الدولة الحديثة على الشراكة الكاملة في الانتماء والمسؤولية، ولا تعرف درجات أو مراتب، لأنها تتأسس على عقد قانوني يحدده الدستور، ويضبطه القانون، ويجسده العيش المشترك، بعيدًا عن منطق الأيديولوجيات المغلقة، أو الامتيازات القائمة على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي.

لا يسهم في بناء دولة المواطنة مَن لا يؤمن بالوطن بوصفه كيانًا سياسيًا يحتضن الجميع، وطنًا تتوحد فيه الهويات المتنوعة ضمن إطار مشترك، وتلتقي على هوية جامعة تنظّم التنوع، وتمنحه أفقًا مشتركًا للانتماء، والعيش معًا على أرض واحدة، تتولد فيها المعاني العامة للكرامة، والحرية، والمساواة، وتُصان فيها الحقوق، ويتقاسم الجميع مسؤولية حماية المصالح والمصير المشترك. لا تُقصي الهوية الوطنية الهويات الدينية، أو الاعتقادية، أو المذهبية، أو القومية، أو الثقافية، ولا أي هوية فرعية أخرى، وإنما تدخل معها في علاقة تكامل وتفاعل، فتغتني بها، وتمنحها إطارًا جامعًا للعيش المشترك. تتعايش هذه الهويات كلها في ظل ميثاق وطني شامل، يتسع للوحدة داخل فضاء الاختلاف، ويحتضن التعدد والتنوع، من غير أن ينقلب إلى صراع أو نزاع. تمثل الهوية الوطنية القاعدة التي تنتظم فيها سائر الهويات، وتتحدد ضمن أفقها، وتتحقق من خلالها المواطنة بوصفها رابطة جامعة ومسؤولية مشتركة.

يتطلب غرس هذا الفهم وترسيخه مراجعة جذرية لأنظمة التربية والتعليم، من المراحل الأساسية حتى التعليم العالي، لتنشئة الإنسان على وعيٍ يرى الهوية الوطنية في الدولة الحديثة إطار الانتماء الأول الذي يحتضن سائر الانتماءات، ويمنحها معناها المشترك. من دون وعي يُرسّخ الانتماء للوطن، لا تقوم دولة وطنية حديثة تحترم التعدد، وتنهض على مبدأ المواطنة، وتكفل المساواة في الكرامة والحقوق لجميع المواطنين من غير استثناء. أسهم صعود الهويات الطائفية وحدّة الاستقطاب الذي تزامن مع الألفية الجديدة في إعاقة تشكّل الهوية الوطنية في بلادنا وغيرها، وأفضى إلى اضطراب الوعي بالانتماء، وأضعف إدراك الحاجة إلى الدولة الحديثة بوصفها الإطار الضامن للعيش المشترك، وحماية الحقوق، وصيانة المصير الواحد. إن التربية على المواطنة لا تُختزل في المقررات الدراسية، وإنما تتجسد في بناء وعي مدني يرى في الوطن فضاءً جامعًا، وفي الدولة أداة لخدمة الإنسان، لا ميدانًا لصراع الهويات المغلقة.

لا تقوم الدولة الوطنية الحديثة على حدود أيديولوجيا عقائدية تضيق برؤية الإنسان خارج تصوراتها، ولا على منظور طائفي أو قومي مغلق يعجز عن احتضان التعدد. إن تقديم الهوية الاعتقادية، أو الطائفية، أو القومية على الهوية الوطنية يُفشل مشروع الدولة الحديثة، ويعيد إنتاج الانقسام، ويقوّض إمكان قيام دولة جامعة يجد فيها الوطن أبناءه جميعًا، ويؤمّن لهم شروط الأمن، والعدالة، والحرية، والمساواة. تتأسس الدولة الوطنية على ميثاق وطني جامع يحتضن الخصوصيات الثقافية والدينية، ويمنحها إطارًا للعيش المشترك، من غير أن يسمح لها بتصدّر المجال العام أو التحول إلى أدوات لتفتيت أسس الدولة المدنية أو تهديد عقدها الاجتماعي. الوحدة الوطنية تمثل الأفق الذي تنتظم فيه الانتماءات الفرعية، وتكتسب معناها، وتغدو مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع والانقسام. في هذا الأفق تتجلى الدولة بوصفها فضاءً أخلاقيًا لحماية كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا جهازًا لفرض هوية واحدة أو احتكار معنى الانتماء، إذ لا يكتمل معنى الوطن إلا حين يشعر كل فرد أن انتماءه إليه لا يُنتقص بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته، وأنه شريك متكافئ في الحقوق والواجبات. المواطنة ليست توصيفًا قانونيًا مجردًا، إنها تجربة عيش يومي يتجسد فيها الاعتراف المتبادل، ويترسخ فيها الشعور بالانتماء، ويتحول فيها التنوع إلى طاقة خلّاقة لبناء الحياة المشتركة.

حين تستبدل الهوية الوطنية بهويات ضيقة يتولد اغتراب سياسي في وعي الإنسان، فيشعر أنه يعيش في وطن لا يعترف به، فيتصدع الانتماء ويضعف الإحساس بالمصير المشترك وتتآكل الثقة، فيغدو الوطن مجال تنازع واحتراب. أما الدولة التي تقوم على العدالة والحرية وعقد اجتماعي عادل، فإنها تتيح للإنسان أن يكون ذاته من غير خوف، وأن يعبّر عن معتقده من غير إقصاء، وأن يشارك بوصفه مواطنًا لا تابعًا. في هذه الدولة تلتقي الانتماءات في أفق إنساني مشترك تصوغه الحرية والمساواة والاحترام والتضامن، فتتشكل هوية وطنية حيّة تتجدد مع صيرورة الزمن، وتغدو ضمانة للاستقرار وأفقًا يتسع للجميع.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384854

المواطنة شراكة متكافئة

المواطنة شراكة متكافئة

د. عبد الجبار الرفاعي

مفهوم “مسلم” الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم “مواطن” الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي “الخليفة” حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.

المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم “المجتمع” بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم “الأمة” في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.

سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.

ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.

فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.

بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384068

الحق في الكرامة والهوية المغلقة

الحق في الكرامة والهوية المغلقة

د. عبد الجبار الرفاعي

الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسسة أو الجماعة. كل دين لا يتخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس دينًا إنسانيًا. جوهر إنسانية الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كل أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم. لا يتحقق دين الرحمة والمحبة والكرامة والمساواة والحرية، من دون مناهضة احتقار الإنسان، ورفض إذلاله، وانتهاك كرامته، وسلب حريته، بسبب اختلاف العقيدة، أو اللون، أو الطبقة، أو الجنس. الكرامة لا تتحقق من دون مساواة، والعدالة لا تقوم بلا كرامة. خلق الله الناس متساوين في إنسانيتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقي للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع. تختبر أخلاقية أي ديانة بما ترسخه من قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة والحقوق، وبما تسهم فيه من تحرير الإنسان من الاستعباد بكل صوره، وبقدرتها على حمايته من الإحتقار والإذلال والنبذ والاستعباد.

الدين بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي ليس هوية مغلقة ترفض حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، بل هو رسالة روحية أخلاقية جمالية تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعًا، لا لجماعة دون أخرى. الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا يصبح هوية مغلقة، تنكر حق الإنسان في أن يكون مختلفًا في معتقده، أو في تدينه، أو في تميز فهمه للحياة ورؤيته للعالم. العدالة إذا لم تتأسس على المساواة تفرغ من كونها عدالة، لأنها لا تنصف الإنسان، ولا تفي بحقه في الكرامة والحرية. الكرامة ضرورة للفرد كما هي ضرورة للمجتمع، تبدأ بكرامة الفرد وتنتهي بكرامة المجتمع. لا كرامة لأمة تهان فيها كرامة أبنائها، ولا لمجتمع تستلب فيه حرية أفراده وتنتهك إنسانيتهم. لا يمكن تصور وطن كريم وأفراده محتقرون، أو مجتمع متضامن وأفراده مهمشون، أو دولة تروج لحداثة شكلية ومظاهر زائفة للتدين، وهي تهمش إنسانها وتجرده من كرامته. كل مجتمع تنتهك فيه الكرامة الفردية هو مجتمع مهدد في إنسانيته ومعرض لانهيار بنيته القيمية. ما دام الفرد مهانًا فلا كرامة لمجتمعه ولا لمؤسساته ولا لدولته، مهما رفعت من شعارات أو تزينت بأقنعة براقة تخفي تصدعها الأخلاقي.

هناك قيم كونية واحدة تتجلى في الكرامة والحرية والمساواة والعدل. هذه القيم ليست حاجة طارئة تعكس ضرورات ظرفية مؤقتة، ولا منتجًا محليًا لثقافة بعينها، بل هي احتياج وجودي لكل إنسان بما هو إنسان، من دون التفات إلى لونه أو عرقه أو موطنه أو معتقده أو طبقته الاجتماعية أو لغته أو ثقافته. تصنيفات البشر في سلّم هرمي تُمنح فيه القيمة على أساس الهوية أو النسب أو اللون أو الدين لا تنتمي إلى جوهر الدين، بل تعبر عن ترسبات عصور الاستعباد، حين كانت الأديان تستثمر في شرعنة الهيمنة وتكريس الاستعلاء الديني أو العرقي أو الطبقي. لا ينكر حضور الهويات في المجتمعات المختلفة، فهي جزء من البناء الرمزي للشعوب، ومكون طبيعي للذاكرة الجمعية، لكن المرفوض هو تحول الهوية إلى عقيدة استعلائية مغلقة، تقصي الآخر وتنكر عليه حقه في الكرامة والحرية والمساواة، وفي أن يكون مختلفًا، أو أن يفكر خارج إكراهات الجماعة وأسوارها الهوياتية. القيم الكونية لا تلغي الهويات، لكنها تعيد بناء وعينا بها على نحو يحررها من النزعة الاحتكارية ويجعلها قابلة للتعايش، لا وسيلة للإقصاء أو التسلط أو الاستعباد والخضوع.

الكونية هي الميزان الذي تقاس به أبدية القيم الأخلاقية وشمولها وعبورها للزمان والمكان. الكونية تعني ما يمكن أن يكون عامًا من قيم روحية وأخلاقية وجمالية، بوصفها صالحة لكل إنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دينه أو إثنيته أو ثقافته أو لغته أو موطنه أو نمط عيشه. الحياة الأخلاقية ليست ممكنة من دون الإيمان بوجود قيم تعبر عن المشترك الإنساني وتخاطب الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو تابع لهوية مخصوصة، أو مأسور في سجن انتماء لهوية مغلقة. لم تعد الكرامة والحرية والمساواة والعدالة قيمًا محلية أو غربية أو وافدة، كما يروج بعض دعاة الهوية المغلقة شرقًا وغربًا. هذه القيم ليست نتاج ثقافة مخصوصة، بل ثمرة معاناة الإنسان المريرة وتضحياته المفجعة آلاف السنين، للتحرر من الاستبداد والاستعباد والتمييز والاحتقار، وسجل لصراعه العنيف من أجل أن ينتزع الاعتراف بإنسانيته. الكونية في معناها العميق ليست نفيًا للخصوصية، بل هي اعتراف بإنسانية الإنسان قبل كل انتماء، وإقرار بأن الإنسان لا يستحق الكرامة لأنه مؤمن بمعتقد خاص أو منتم لأيديولوجيا أو هوية مغلقة، بل يستحق الكرامة والحرية والمساواة لأنه إنسان لا غير.

ما يرفع من شعارات عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية كثيرًا ما تكون قناعًا مموهًا لرفض حقوق الإنسان الكونية، وتبرير التمييز، واستمرار استعباد المختلف، وإعادة إنتاج التفوق الديني أو الإثني أو الثقافي أو الجغرافي، وإن تلبس ذلك بلغة الأصالة أو حماية الذات الحضارية. الخصوصية حين تنقلب إلى أداة لنفي الإنسان تفتقر إلى معناها الإنساني، وتناهض التفاعل الخلّاق بين الثقافات. لا معنى لهوية دينية أو قومية أو ثقافية تنتج الكراهية، وتكرس التمييز، وتقصي المختلف. الكونية لا تلغي التنوع بل تحتضنه، وتؤسس لفهم تعددي للوجود الإنساني داخل إطار احترام الكرامة الإنسانية والحقوق المتساوية. الكرامة لا تكون كرامة إلا إذا شملت الجميع من دون استثناء، ولا يعلق الاعتراف بها على شرط الإيمان أو الطاعة أو الولاء لهوية محددة.

الولادة الثانية للدين في المتخيل الجمعي، كما أنتجتها المؤسسات الدينية، ورسختها المجتمعات الدينية عبر العصور، لا تشبه الولادة الأولى لحظة الوحي. ففي لحظة الوحي كان الدين نداء للحرية، وبشارة بالكرامة، ورسالة للعدل والمساواة. لكن هذه الرسالة شوهت حين أعيد إنتاج التراتبية باسم الدين، وأسبغت شرعية دينية على التمييز والاستعلاء وحتى الاستعباد. وتشوهت طرائق التربية الروحية، التي يفترض بها أن تعبر حدود التراتب وتسمو على الفوارق والامتيازات، فلم تسلم من هذا المرض. العلاقة بين الشيخ والمريد كما تجلت في كثير من الطرق الصوفية كثيرًا ما أعيد إنتاجها بوصفها علاقة سيادة وخضوع، لا علاقة تربية روحية أفقها الحرية، ومداها الأنس بالسير إلى الله. تحول الشيخ إلى رمز مطلق للسلطة الروحية، والمريد إلى تابع مقهور منزوع الإرادة، ينتزع منه صوته باسم الأدب، ويسلب عقله باسم التسليم. لا خلاص من هذه التراتبية المقيتة إلا بإحياء روح الدين ومقاصده الروحية والأخلاقية والجمالية، وقراءة النصوص الدينية في أفق القيم الكونية التي ينشدها الإنسان اليوم، في: الكرامة والحرية والمساواة والعدالة. فكل ما يناقض هذه القيم حتى وإن تستر بالدين هو نقيض لإنسانية الدين ومضاد لجوهر رسالته.

القيم الأخلاقية يحتاجها كل إنسان بوصفه إنسانًا. ليست الأخلاق الكونية خاصة بهوية أو قومية أو جنس أو لون أو ثقافة أو ديانة أو زمان أو مكان. التعبير عن الأخلاق في مواقف الإنسان وسلوكه يعكس وعيه بالحق في الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، وسعيه لتجسيد هذه القيم في حياته. كما تعبر الأخلاق عن حق الذات في الكرامة والمساواة والحرية والعدالة، فإنها بموازاة ذلك تعبر عن حق الذات الإنسانية الأخرى بهذه الحقوق بالدرجة ذاتها، مهما كانت مختلفة في الهوية أو القومية أو المعتقد أو الجنس أو اللون أو الموطن. هذه الحقوق هي الأفق الأبدي الذي يسعى الإنسان بما هو إنسان إلى تحقيقه في حياته.

من صور الكرامة المهدورة المتفشية في مجتمعات عديدة اليوم ظاهرة ما يسمى بالخدم، والتعامل معهم وكأنهم لا يفكرون ولا يشعرون ولا يتألمون مثل كل إنسان. عندما لا تحضر كرامة الآخر في الوعي الجمعي يحدث ما يشبه التواطؤ على غض النظر عن إهدار كرامته. كأن أكثر الناس لا يعرفون أن كرامة هذا الإنسان هبة الخالق له، وهي مكون عميق لكينونته الوجودية لا يمكن سلبها منه. هذا الإنسان قد يكون أذكى وأنبل ممن يستخدمه، لكن أكرهته الفاقة والحرمان والجوع، وانعدام فرص العمل الكريم على الزج بنفسه في هذا النوع من العمل المزري الذي يمتهن فيه الإنسان. هذا الإنسان ينفعل، ويتألم، ويحزن، ويكره، ويحب، ويشعر بالسعادة، ويسأم، وينزف قلبه أسى لحظة تعرضه للإهانة والاحتقار والتنكيل. مع ذلك يتعامل كثير ممن يستخدمونه وكأنه محكوم بالاكتئاب والأسى الأبدي. هذا الإنسان له احتياجات جسدية وعاطفية ونفسية وروحية وأخلاقية. يحتاج الحياة العاطفية والجنسية مثلما يحتاجها كل كائن بشري. يحتاج الضحك، والبكاء، والفرح، والحب، والرحمة، والحنان. يحتاج الاعتراف به وبمنجزه مهما كان، يحتاج الاحترام والشكر والتبجيل والتكريم، كما يحتاج ذلك كل إنسان. أحيانًا يحتاج التأوه والتوجع والاستغاثة والصراخ، مثلما يحتاج كل كائن بشري يرزح تحت نير الاحتقار وإهدار الكرامة. هذا الإنسان الضحية محروم من كل ذلك في العلن غالبًا، لأن أكثر مَن يستخدمونه لا يشعرون بضراوة الألم الذي يكابده، ولا بالجروح النازفة في قلبه، ولا بالحريق المتواصل في أعماقه.

يملي علينا الموقف الأخلاقي أن نفضح منابع الكراهية والتعصب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين أخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقي. إن تنمية الوعي الأخلاقي وإيقاظ الضمير تستدعي مراجعة ما ترسب في تراثنا من عنف باسم المقدس، وأحكام إقصائية، ورؤى مغلقة، ومقولات تحرض على الكراهية، وتعيد إنتاج العداوة، وتفرق بين الناس على أساس الدين والمذهب والهوية.

لا يمكن أن نقدم فهمًا إنسانيًا للدين ما لم نعترف بما في تراثنا من أخطاء مريرة أسهمت في تشويه صورة الدين، وتحويله إلى أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعًا للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة والعدالة. الدين، كما أفهمه، ليس مدونة أحكام فقط، ولا هو خزان لمرويات العنف، بل هو طاقة روحية وأخلاقية ملهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيا كان دينه أو انتماؤه. إن أول الطريق لتحرير الدين من تواطئه مع العنف، هو الاعتراف الصريح بما في ماضينا من عنف ومظالم باسم المقدس، ومراجعة تراثنا الذي كرست مقولاته الكلامية وأحكامه الاستعلاءَ المذهبي والديني والعرقي، ورفضت حق الآخر في أن يكون مختلفًا.

 

https://alsabaah.iq/124494-.html

في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي

في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي
فاطمة أبو ناجي، كاتبة صحفية مغربية.
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد: “الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم “العدالة بإنصاف”.
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.

الهوية والمواطنة

الهوية والمواطنة

د. عبد السلام فاروق[1]

لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه “الهوية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.

يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا. وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية – تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.

 معادلة المواطنة

يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟

إن انقلاب هذه المعادلة – بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن – هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.

يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر “أدنى” من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.

هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.

يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى “غنيمة يتقاسمها المنتصرون”. هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.

إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.

إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.

الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.

الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة

تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته “صناعة الهوية” – وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.

المواطنة المشروطة

أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة – سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.

هذه “المواطنة المشروطة” تخلق نظامًا طبقياً سياسياً، حيث يتحدد مركز الفرد في الدولة ليس بناء على كفاءته أو إنسانيته، بل بناء على انتمائه العرقي. وهذا بدوره يخلق دوامة من الاستياء والاحتقان، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتنفجر.

الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل

تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:

– نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة

– نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة

– نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية

والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث – رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.

 الثنائية المنسية

قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات. كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟

 من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة

إن تحول الوطن من “غنيمة” للجماعة الغالبة إلى “شركة” بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب. فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟

[1] كاتب مصري.

https://almothaqaf.org/readings-2/984331