Category: تفسير القرآن الكريم

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

التديّن الذي يتأسّس على “الولاء والبراء” لا يكون سبيلُ الإنسان فيه متحدًا مع سبيل الله، ولا يمرُّ الطريقُ إلى الله فيه عبر الإنسان، ولا ينطبق على بعضٍ من أفعال الخير فيه عنوانُ “في سبيل الله”، إن كانت من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا. سبيلُ الله على وفق هذا النوع من التديّن لا يتّحد دائمًا مع سبيل الإنسان، أي لا يصدق على فعلِ الخير والعمل الصالح للإنسان أحيانًا أنه في سبيل الله إلا عندما يكون ذلك الإنسانُ متحدًا معه في المعتقد، ومعنى ذلك أن الإنسانَ بوصفه إنسانًا لا غير لا يستحقّ أن يتعامل معه كما يتعامل مع من ينتمي إلى معتقده، ولا ينطبق عنوانُ فعل الخير على ما يفعله من أجله بوصفه إنسانًا إلا في بعض المواقف الخاصة.

تتكرّر في القرآن آياتٌ عديدة تحثّ على إقراض الله، وفي هذا السياق آياتٌ تتحدث عن قضايا أخرى مماثلة يطلب فيها اللهُ أن يقدّمَ الإنسانُ له شيئًا وهو يريد بذلك أن يقدّمه الإنسانُ للإنسان، من هذه الآيات: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” ، “إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ الله”، “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”. اللهُ غنيٌ عن العالمين غير محتاج لأحد، إقراضُ الله إقراضُ الإنسان، تكريمُ الله تكريمُ الإنسان، حُبُّ الله حُبُّ الإنسان، كلُّ خيرٍ وعملٍ صالح يقدّمُه الإنسانُ للإنسان يقدّمُه لله. ليس هناك طريقٌ إلى الله خارجَ طريق رعاية الإنسان واحترامه وتكريمه. يكتب محيي الدين بن عربي: “فقلتُ له: فأين حظي من ذاتك؟ قال: في إيثارك بأقواتك؛ ألم تعلم يا بُنيّ أنّه لولا الجود ما ظهر الوجود”[1].

عندما لا يتطابق سبيلُ الله وسبيلَ الله لا تُصان حقوق الإنسان بما هو إنسان، ويمكن أن تُصادر حرياتُه في حالات متعدّدة بذريعة حماية حقوق الله، على الرغم من أن اللهَ يعفو عن الإنسان لو عصاه وفرّط بحقوقه حين يستغفر. الله يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، ولا يتنازل عن العدوانِ على أيّ إنسان، وانتهاكِ كرامته وتضييع حقوقه. ذلك حقّ ‏للإنسان، ‏له أن يتنازل عنه، وله ألا يتنازل عنه. يتحدث القرآنُ الكريم عن المغفرة والتوبة والعفو واليسر، فقد وردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها 234 مرةً في القرآن، تكرّر ذكر كلمة الجزاء 117 مرة، والمغفرة ضعف هذا العدد أي 234 مرة، وكلمةُ التوبة ومشتقاتُها 87 مرة، وكلمةُ العفو ومشتقاتُها 27 مرة، وكلمةُ اليسر 3 أضعاف كلمة العسر، فذكر اليسر 36 مرة والعسر 12 مرة. عدلُ الله يقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر لانتهاك كرامة الإنسان، ويعاقب من ضيّع حقوقَه عقابًا أليمًا، ويقتصّ ممن سرق أموالَه ويعاقب مَن أهدرَ كرامته، ويكون العقابُ على شاكلة الفعل.

في ضوء مفهومي للإنسانية الإيمانية يتّحد سبيلُ الإنسان بسبيل الله، سبيلُ الإنسان هو سبيلُ الله، ومفهومُ سبيل الله المنفصل عن سبيل الإنسان لا يوصل إلى الله. سبيلُ الإنسان وسبيلُ الله يتحقّقان معًا، وأن نفيَ سبيل الإنسان يعني نفيَ سبيل الله، كلاهما وجهان لحقيقةٍ واحدة. ذلك هو المضمونُ الإنساني للتوحيد، الذي تنعكس أجلى تعبيراته بالمحبّة والتراحم والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة. أسرع مَن يصلون في سفرهم إلى الله ويحضرون في ملكوته أولئك الذين يجعلون همَّهم الدائم إسعافَ المكروب وإدخالَ السرور على قلبه الكئيب ولو بكلمة محبة صادقة.

مأزقُ التديّن الذي يتأسس على “الولاء والبراء” يكمن في أن الضميرَ الديني يتغلّبُ فيه على الضمير الأخلاقي، وأعني بالضمير الديني ما هو غاطسٌ في البنية اللاشعوريّة، وما تفرضه عليه مقولةُ “الولاء والبراء” ومرجعياتُها الكلامية. يتساءل الضميرُ الديني دائمًا عن تكليفه لحظةَ الإقدام على فعل شيءٍ ما، أو عند ترك شيءٍ ما، يريد معرفةَ موقفه في ضوء معتقده الكلامي، كي يتحدّد موقفُه العملي. أعني بالضمير الأخلاقي ما يحكم به العقلُ الأخلاقي “العقل العملي” بشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ عنوان اعتقادي أو ديني أو هوياتي أو أيديولوجي، ففعلُ الخير على وفق منطق العقل الأخلاقي هو ما تقدّمه للإنسان المحتاج بعنوان كونه إنسانًا لا غير، من دون أيّ توصيفٍ إضافي، سواء كان هذا التوصيفُ الإضافي دينيًا أم هوياتيًا أم ثقافيًا أم عرقيًا أم جغرافيًا أم غيره.

عندما يبتني الضميرُ الديني على الأخلاق يكون هو ‏ذاته الضمير الأخلاقي، ‏وهو يختلف عن الضمير الديني الذي يبتني على مقولة “الولاء والبراء”. في سياق مقولة “الولاء والبراء” يوجدُ الضميرُ الديني عندما يوجدُ التكليفُ بمدلوله في علم الكلام القديم، وينتفي هذا الضمير عندما ينتفي التكليفُ. فعلُ الخير على وفق مفهوم “الولاء والبراء”، هو ما تقدّمه للإنسان بتوصيفه وعوانه الإضافي، وهو عنوانُ كونه من دينك أو من مذهبك، لذلك لا يجد المُعتقِد بذلك، في أكثر الحالات، حافزًا لأن يفعلَ خيرًا ويعمل صالحًا للإنسان بعنوان كونه إنسانًا، لأنه غيرُ مكلّفٍ بذلك، فينحصر فعلُ الخير والعمل الصالح في ضميره الديني بما يقدّمه للإنسان بعنوان كونه من مذهبه أو دينه، انطلاقًا مما ينغرس في ضمير المتديّن من أن مفهومَ الخير لا يصدق على أيِّ فعلٍ مالم يكن خيرًا بالمعنى المكلَّف فيه المتديّن. هذا المنطق لا يختصّ بدين خاص أو معتقد معين، هذا المنطق يفرض على كلِّ صاحبّ عقيدة دينية من أيّ دين أن يكون فعلُ الخير مختصًا بدينه، إن كان فعلُ الخير في عقيدته مشروطًا بأتباع دينه ولا ينطبق على غيرهم.كما يتسلّط هذا المنطقُ ويأسر كلَّ إنسان ينطلق في فعل الخير من عنوانٍ للإنسان مُقيَّدٍ بتوصيفٍ إضافي مهما كان، سواء كان ذلك القيدُ دينيًا أو هوياتيًا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو جغرافيًا أو حزبيًا أو غيره. خلافًا لمن ينطلقُ في فعل الخير من الضمير الذي يحكمُ به العقلُ الأخلاقي، فهو يتألمُ لآلامِ الناس بوصفه شريكًا لهم في إنسانيتهم، ويشعرُ باحتياجاتهم وآلامهم بغضّ النظر عن كونِهم شركاء في ملته أو خارجها، أو اتفاقِهم معه بأيّ توصيف آخر خارج عنوان كونهم شركاء في الإنسانية.

الضميرُ الأخلاقي يفسد إن كان مشروطًا، لأن الضميرَ الأخلاقي حرٌّ بطبيعته لا يقبل أيَّ قيد، بمعنى أن التعاملَ بصدق وأمانة وعدل حسنٌ مع كلَّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضّ النظر عن دينه ومعتقده وجنسه وثقافته، والتعاملَ بالكذب والخيانة والظلم والتمييز بين الناس قبيحٌ مع كلّ إنسان بوصفه إنسانًا. التربيةُ على “الولاء والبراء” وغيرها من المقولات الاعتقادية المماثِلة تفرض سلسلةً من الشروط لتصنيفِ البشر على مراتب، وعدمِ إنصاف الناس، والتمييزِ بينهم في المعاملة على أساس معتقداتهم، فمن تتطابق معتقداتُه معك يستحقّ أن تعامله كنفسك، في حين لا يستحقّ المختلِفُ عنك في الدين الحقوقَ التي يستحقّها الشركاءُ في معتقداتك.

لا يمكن بناءُ حياة روحية وأخلاقية أصيلة في مجتمع تتفشّى فيه ثقافةٌ يتسلط فيها التكفيرُ على الضمير الديني ويُلزِم المتديّنَ بمقاطعة المختلِف في المعتقد. لا يستطيع قلبٌ يمتلئ بكراهية الإنسان المختلِف في المعتقد، وروحٌ لا تشعر بالانتماء للعالَم، وعقلٌ ينهكه التشاؤمُ والاغترابُ والارتيابُ من الآخر، أن يؤسّس لحياة روحية وأخلاقية حقيقية، تشفق على المعذّبين، وتتضامن مع الضحايا، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وإثنياتهم، وتتصالح مع العقل وقيم الحق والخير والسلام والجمال في الحياة.  يمنع أحد رجال الدين السلفيين تداول “كل عام وأنتم بخير” حتى بين المسلمين بذريعة أنها مستعمَلة عند غير المسلم، إذ يقول: (أمَّا “كل عام وأنتم بخير”؛ هذه تحية الكُّفَّار، سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا)[2]. العقل السلفي يستفزّه التحدّثُ أيام المسرات والأعياد بأية عبارة لم تكن متداولة في مدونات الحديث، وكأن اللغة ولدت في هذه المدونات واكتفت إلى الأبد بمعجمها، ولا مشروعيةَ خارج هذه المدونات لأية كلمة عند الاحتفاء بالإنسان الذي نشترك معه في الإنسانية بالأعياد وغيرها من المناسبات السارة.

في ضوءِ ذلك نفهمُ لماذا يشحّ حضور عطاء مَن يعتقد بذلك في قائمةِ أعظمِ المتبرعين بثرواتهم من أجل الإنسانية ككل. لا نرى حضورًا لأصحاب الثروات ممن يعملون بـمقولة “الولاء والبراء” بما يتناسب مع نسبتهم من سكان الأرض، ونفهم السببَ الذي لا يجد معه رجالُ الأعمال دافعًا للعطاء من أجل إسعاد الإنسان بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن دينه،كما يفعلُ أصحابُ الضمائر الأخلاقية اليقظة، الذين ينصتون لنداء العقلِ الأخلاقي، من مالكي الثروات الهائلة في العالم، الذين لا ينظرون إلا لاحتياجات الناس الذين يستحقون الرعاية، ولا يهتمون بمعتقداتهم وهوياتهم الإثنية، فينفقون في أعمال الخير مليارات الدولارات، ولا تختصّ مشاريعُهم بصنفٍ من البشر دون غيرهم.

أخلاقُ الإنسان مرآةُ إنسانيته. خلصت من كلِّ تجارب حياتي إلى أن الإنسانَ الوحيد الذي يمكنُ أن أراهن عليه هو مَن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا غير مشروط، بغضِّ النظرِ عن دينه وهويته وقوميته وثقافته وجنسه ولونه وموطنه، وبغضِّ النظرِ عن مقامه الاجتماعي والسياسي والمالي والثقافي.

 

 ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى.  [1]

https://www.al-albany.com/audios/content/4586/%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%82%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%AA%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B1  منشورة بصوته على الرابط التالي في الأنترنيت: [2]

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

د. عبد الجبار الرفاعي

مفهوم فعل الخير والعمل الصالح اللامشروط يتنافى مع مفهوم فعل الخير والعمل الصالح في ضوء مقولة الولاء والبراء، إذ لا يصدق فعلُ الخير والعمل الصالح فيها على المختلف في المعتقد. في إطار مقولة “الولاء والبراء” لا يكون فعلُ الخير خيريًّا أو العمل الصالح صالحًا بذاته، وبوصفه فعلًا يُسعِد الإنسان المتلقي له والمبادر به، وإنما يستمدُ فعلُ الخير قيمتَه من كونه متصفًا بالخيرية بحسب المعايير والحدود المرسومة في مقولة “الولاء والبراء”، وهذه الصفة لا تتحقّقُ إلا عندما يكون ذلك الفعلُ من أجل المشتركين في العقيدة، فيكتسب قيمتَه الخيرية وصلاحه من حكم العقيدة بأنه فعلُ خير وعملٌ صالحٌ، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الحكمُ مطابقًا في كل الحالات لحكم العقل الأخلاقي “العقل العملي”، لأن أحكامَ العقل الأخلاقي لا تقبلُ التقييد بهوية اعتقادية أو سواها من الهويات القومية وغيرها. أحكامُ العقل الأخلاقي لا تقبل التقييد، فالكذبُ قبيحٌ والصدقُ حَسَنٌ مع كل الناس، والظلمُ قبيحٌ والعدل حَسَنٌ مع كل الناس، والأمانةُ حَسَنةٌ والخيانة قبيحةٌ مع كل الناس، بغض النظر عن معتقداهم الدينية وهوياتهم المجتمعية وغيرها.

عندما يشدّدُ من يتبنى “الولاء والبراء” على أن أيَّ فعلِ خيرٍ وعملٍ صالح يجب أن يكون لله، ولا يُشرك به أحدًا من الخلق، يريد بذلك أنّ كلَّ فعل لا يتصف بالخيرية إلا إن كانت تنطبق عليه المعايير والقيود والشروط المنصوص عليها في العقيدة كما يفهمها ويفسّرها هو، وهي تعني ألا يفعل فعلًا من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا، بل يفعله لمن ينتمي إلى معتقده خاصة[1]. وإن كان المقصودُ هو الإنسان في بعض الحالات فإنه مقصودٌ لسبب ما، وليس لكونه إنسانًا فقط، وهو ما تحيلُ إليه الرؤية التوحيدية السلفية الذي تتفرع عنها مقولةُ “الولاء والبراء”. لذلك لا يبادر مَنْ يعتنقون هذا المعتقدَ إلى فعل الخير للناس من دون نظر لعقيدتهم، يختص فعلُ الخير لمن يشترك معهم في المعتقد دون سواه، بمعنى أن التديّنَ الذي يبتني على هذه الرؤية يرى أن الصلةَ بالله لا تتحقّق إلا من خلال ميثاقٍ خاص للاعتقاد، وما يرسمه هذا الميثاق من حدود تفصيلية دقيقة لمعتقداتِ المتديّن وسلوكِه. الميثاقُ يتضمن مقولاتٍ اعتقاديةً تمنع فعلَ الخير لمن يعتقد بمعتقد آخر في بعض الحالات، وترسم بوصلةً ترشد لخارطة الخيرية التي حدودها أهل المعتقد، داخل هذه الحدود تكون للفعل قيمة دينية تجعله مصداقًا لعنوان كونه خيريًا وصالحًا.

إن مقولة “الولاء والبراء” وغيرَها من مقولات اعتقادية ترسم حدودًا صارمةً لفعل الخير الذي ترى أنه يُرضى الله، وهو كلُّ فعلٍ مشروعٍ بالمعنى الذي تضع حدودَه مدونة الاعتقاد، وكلُّ ما لا يرضى اللهُ عنه على وفق هذا المعنى لا يكون مصداقًا لفعل الخير. وعلى هذا لا يكون الإنسانُ الذي ينطبق عليه عنوانُ ديني أو مذهبي آخر موضوعًا لفعل الخير والعمل الصالح. ولا ينظر إليه من أجل كونه شريكًا في الإنسانية أو محتاجًا لفعل الخير، لأن مثلَ هذا الفعل ليس مطلوبًا لله من منظور أكثر متكلمي الفرق.

إن العملَ الخيري لأجل الإنسانِ بما هو إنسان ليس مصداقًا لفعل الخير لدى أتباع مَنْ يحرّم حتى المبادرةَ بتهنئة مَنْ ينتمي لدين آخر في أعياده، ويحرّم تحيتَه والسلامَ عليه. يقول ابن القيّم: “وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب… وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك”[2]، بل يحرّم بعضُهم أكلَ ذبيحة مَنْ لا يصلي، ودعوته لأية مناسبة، ويفرض مقاطعةً شاملةً عليه. فقد “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[3]، “البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[4]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته. هذا هو الصواب… إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[5]. وقد بلغ الأمر لدى ابن تيمية أقصى مدياته عندما منعَ الإفادةَ من خبرات ومعارف غير المسلم ومنعَ تقليدَه حتى في ما فيه مصلحة للمسلم، إذ يقول: “لا تقلدهم حتى في ما فيه مصلحة لنا، لأن اللهَ إما أن يعطينا في الدنيا مثله أو خيرًا منه، وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة”[6]. وهذا يعني مقاطعةَ المسلمِ للعالَم غير المسلم كلِّه، وذلك متعذر، لأن العالَم اليوم متداخلٌ ومتفاعل ومتشابك كنسيج مترابط في تواصله وتبادله وتفاعله في مختلف مجالات الحياة، وليس بوسع مجتمع يريد أن يحضر في العالَم العيش وكأنه في جزيرة يغلقها على نفسه.

تورّطت أكثرُ الأديان المعروفة بالتكفير في مرحلة من مراحل تاريخها، ولم ينفرد فيه دينٌ واحد فقط، على تباين في درجة التكفير واختلاف في أنواعه وآثاره وحدوده. التكفيرُ مأزق الأديان، التكفيرُ يُفشِّل كلَّ محاولة جادّة للحوارٍ والتعايش بين الأديان. يتنكّر أكثرُ أتباع الأديان للتكفير في أديانهم وتراثهم وتاريخهم، وينزعج كثيرون من الحديث عن التكفير لدى الفرق والمذاهب في تراثنا، وعادة ما يُتهَم مَنْ يكشف ذلك بأنه يُشهِّر بالدين والمذهب الذي ينتمي إليه. وكأنهم لا يعلمون أن التكفيرَ يتفشى في مقولات علم الكلام القديم لكل الفرق.

تحولت مقولةُ “الولاء والبراء” بوصفها رديفة للتكفير إلى سلطة تغلغلت في ضمير المسلم المعتنق لها، بنحو كان معه ومازال المسلمُ الذي يتبناها عاجزًا عن بناء ضمير أخلاقي إنساني حرّ، يسمح له ببناء علاقات إنسانية إيجابية مع أتباع الأديان الأخرى، بل كثيرًا ما عجز المسلم المعتنِق لها عن بناء علاقات ثقة مع المسلم الذي ينتمي لمذهب آخر، لأن عقيدة “الولاء والبراء” تفرض عليه أن يتخذ موقفًا عدائيًّا مع الغير، وهو ما يشدّد عليه بعضُهم بقوله: “واعلم أنه لا يستقيم للمرء إسلامٌ ولو وحّد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين”[7].

الاقتصارُ على إيراد الأقوال والفتاوى السلفية هذه لا يعني شذوذَها ولا أنها الوحيدةُ التي تشدّدُ على ذلك في تراثنا، بل لأنها مازالت مؤثّرة وفاعلة في مواقف أكثر مَنْ يعتقد بها. الواقعُ الذي يعيشه أكثرُ المسلمين غير السلفيين فرض عليهم تجاوزَ تلك المقولات والأحكام في تعاملهم مع المختلِف في المعتقد. تفرض قوةُ الواقع منطقَها لتتغلب على حجج الذين يعاندون صيرورةَ التاريخ مهما كانت. تحدّثنا صيرورةُ التاريخ عن أنَّ مَنْ يمكث في خصومةٍ حادة مع الواقع لن يلبث طويلا في مواقفه ولن يستطيع الصمودَ في مواقعه مهما فعل،كما رأينا ذلك يتكرّر في كلّ الأديان والمعتقدات والهويات والثقافات. التكفير يمزق أواصرَ العيش المشترك في المجتمع، ويزجّ المجتمع الواحد في حروب مفتوحة. فضحُ أرشيف التكفير ضرورة لاستئناف حضور قيم القرآن الكريم الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم، وتحرير ضمير المسلم من التراث التكفيري المظلم.

الهوامش:

 وردت كلمة “خير” في 109 من الآيات القرآنية، وسياق أكثر الآيات فيها يشير إلى عنوان عام لفعل الخير يشمل الكل. كما جاء “العملُ الصالح” مقترنًا بالايمان في سياق يتحدث عن عنوان عام يشمل كل فعل حَسَن يفعله المؤمن لأجل الناس جميعًا.   [1]

   أحكام أهل الذمة 1، 205.[2]

 الولاء والبراء، 1، 18، “المكتبة الشاملة”. [3]

 ابن عثيمين، فتاوى متفرقة، 13، 28، “المكتبة الشاملة”. [4]

   مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274، “المكتبة الشاملة”. [5]

   ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 172، “المكتبة الشاملة”.[6]

 إنجاح حاجة السائل، فصل في بيان حقيقة الإسلام والشرك، ج1، ص 10، “المكتبة الشاملة”.[7]

فعلُ الخير ليس مشروطًا

فعلُ الخير ليس مشروطًا

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الإنسانيةُ غيرُ المشروطة منبعُ كلِّ خير يقدمه الإنسان لكلِّ مخلوق. ‏طاقةُ الإنسانية غيرُ المشروطة تضيء العالَم بأجمل ما يمتلكه الانسان. ‏الإنسانيةُ غير المشروطة على الضد من ‏إنسانية مشروطة تحصرها بهوية أو معتقد أو دين أو أيديولوجيا أو قومية أو جغرافيا أو ثقافة محلية، وأمثالها من شروط وقيود وأوصاف تسجنُ استعدادَ الإنسان لفعل الخير وتضعه في حدودها. مَنْ هو محتاجٌ للإغاثة والحماية والدعم والرعاية والرحمة يستحقها، بغض النظر عما تفرضه الهويات الاعتقادية من حصر فعل الخير ووضع أسوار تحدده في اطارها. في ‏الإنسانية غير المشروطة يُنظَر إلى حاجة المخلوق ويغاث تلهفه، ولا ينظر إلى مَنْ هو المخلوق ولا إلى هويته.

مَنْ يعتنقُ عقيدةً انحصارية، تحصرُ النجاةَ في الدنيا والآخرة بمعتقده، ولا ينجو من النار ويدخل الجنة في الآخرة أيُّ إنسانٍ لا يعتقدُ بعقيدته، يكون لديه فعلُ الخير مشروطًا، بنحو لا يصدقُ عنوانُه وفقًا لمعتقده إلا على ‏مَنْ ينتمي إلى هويته الاعتقادية. هذا الإنسانُ الذي لا يصدق عنوانُ فعل الخير لديه على أيِّ إنسان ‏لا يعتقدُ بعقيدته، لا يجدُ حافزًا دينيًا يدعوه لفعل الخير من أجل إنسان مختلف في المعتقد. فعلُ الخير في نظره يصدقُ على عنوان الهوية الاعتقادية لا غير، لا على الإنسان بوصفه إنسانًا. العقيدةُ الانحصاريةُ تفرض على كلِّ مَنْ يعتقدُ فيها أن يعيشَ وذهنُه وضميرُه الأخلاقي ومشاعرُه مسجونةٌ داخلَ هويته الاعتقادية. لا يكون الإنسانُ في هذه العقيدة إلا أداة تُستخدم لأجل العقيدة، كما تُستخدم الأشياء أداة لتحقيق غرض معين.

مَنْ يتمسك بمعتقد انحصاري يجعل ‏الغايةَ معتقده، الإنسانُ ليس غايةً، الإنسانُ أداةٌ لتحقيق ما تفرضه عليه هويتُه الاعتقادية، لذلك لا يفعل خيرًا من أجل الإنسان بما هو إنسان، وإنما يفعل الخير من أجل المعتقد الذي يحدد له مَنْ ينطبق عليهم عنوانُ فعل الخير من البشر، وهم كلُّ مَنْ يعتقد بمعتقده خاصة من دون غيره من الناس.كلُّ شيء يفعله لا يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا موضوعًا للتكريم والاهتمام والاحترام، وإنما يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا يعتقدُ بمعتقدٍ معين موضوعًا، فالتكريم والاهتمام والاحترام يبدأ بالإنسانِ الذي يشترك معه بمعتقده، وينتهي عندما لا يكون الإنسانُ مشتركًا معه في الهوية الاعتقادية. يكتب ابن تيمية: (وأمّا الكفار فلم يأذن الله لهم في أكل أي شيء، ولا أحلّ لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا”، فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالًا، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمنين به، فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا، ولهذا لم تكن أموالُهم مملوكةً لهم ملكًا شرعيًا، لأنّ الملك الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم، والشارع لم يبح لهم تصرفًا في الأموال إلا بشرط الإيمان.. والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها ملكوها شرعًا، لأنّ الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)[1]. الغريبُ أن الخطابَ في الآية القرآنية التي استدل بها “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا” يشمل كلَّ الناس، ولم يختصّ بالذين آمنوا، فكيف يُستدلّ بها ويحصرها بالمؤمنين خاصة. الاستدلالات من هذا النوع الغريب الذي يقرأ الآيات في ضوء معتقد المفسّر والفقيه في مدونة التفسير والفقه لمختلف المذاهب ليست قليلة.

في ضوء مفهومي لـ “الإنسانية الإيمانية” يصدق فعلُ الخير على كلِّ عملٍ يساهمُ في حماية كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا بغض النظر عن معتقده ورعايته وإسعاده، ويحرصُ على حقوق كلِّ فرد، إلى أي جنس، أو أي دين، أو أية ثقافة، أو أية هوية ينتمي. فعلُ الخير هو كل مسعى يعمل على بناء الحياة، باستثمار قيم الخير والحق والعدل والسلام، وتكريس ما يسعد الإنسان ويجعل العالَم أجمل، ويحرص على نفع الناس وحل مشكلاتهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف مع هؤلاء الناس في المعتقد أو الهوية أو الثقافة، وغيرها. عندما تكون الإنسانية هي المنطلق والغاية يصدق حينئذ على كلِّ مسعى من أجل إسعاد الإنسان أنه فعلٌ للخير.

فعلُ الخير في “الإنسانية الإيمانية” موضوعُه الإنسانُ من حيث هويته الإنسانية لا غير، يبدأ بالإنسان وينتهي بالإنسان بوصفه إنسانًا، بلا تصنيفات إضافية أيديولوجية واعتقادية وعرقية وثقافية وجغرافية تتعالى على هويته الإنسانية. الإنسانيةُ وحدها هي مناط التكريم والاحترام، الاهتمام بالإنسان ‏بوصفه إنسانًا بذاته، إنسانًا قبل كل شيء وبعد كل شيء. ‏عندما تكون الغاية هي الإنسان من حيث هو إنسان، وليس الإنسان من حيث هو أداة من أجل عقيدته أو هويته أو إثنيته، حينئذ يكون فعلُ الخير من أجل الإنسان، لا من أجل ‏عقيدة الإنسان. في “الإنسانية الإيمانية” العقيدة هي الأداة والإنسان هو الغاية، العقيدة أداة من أجل احترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه واسعاده. ‏

في “الإنسانية الإيمانية” يقترن الإيمان بالعمل الصالح، فقد وردت كلمة الصالحات 180 مرّة في القرآن الكريم، وجاء العمل الصالح ملازمًا للإيمان في 75 موردًا في القرآن، وذلك يشي بأن الأثر الطبيعي للإيمان هو العمل الصالح، ففي “المواضع التي يذكر فيها القرآن الذين آمنوا يقرن بينهم وبين العمل الصالح بشكل صريح، فيما يقرن الإيمان بألوان من الرؤى‏ والقصد والسلوك في المواضع الأخرى‏، يجسد العمل الصالح روحها، ويمثل مادتها التي تتقوم بها، فإن أركان الايمان، وثمراته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، كلـها تأتلف مع العمل الصالح متواشجة في منظومة واحدة، يكتسي ظاهرها وباطنها بالعمل الصالح. ويتجلى‏ لنا ذلك بوضوح عندما نتأمل الآيات التي اقترن فيها الإيمان بالله بالعمل الصالح، فقد ارتبط العمل الصالح ارتباطًا عضويًّا بالإيمان، وبدا العمل الصالح كمعطى للإيمان”[2]. الإنسان يكون صالحًا بقدر جهوده وأثره وثمراته الطيبة في الحياة، وبما يقدمه من عطاء يجعل العالَم أجمل. العمل الصالح معنى عام يصدق على كل جهد يعمل على بناء الحياة، وكل ما ينفع الناس ويحل مشكلاتهم ويسعدهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف معهم في المعتقد والهوية والثقافة، “وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، الرعد، 17.

 

السمهوري، رائد، نقد الخطاب السلفي، ابن تيمية نموذجًا، ص 34 – 35، ط 1، ٢٠١٠، طوى للثقافة والنشر.  [1]

 الرفاعي، عبد الجبار، تحديث الدرس الكلامي والفلسفي في الحوزة، بيروت، دار المدى، 2010، ص 76. [2]

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي

د. عبد الجبار الرفاعي

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي يتحدث عن طبيعة الإنسان كما هي، لا يخفي المواقف والاستجابات المختلفة للإمكانات والقدرات والأبعاد المتنوعة في شخصيته. يكشف لنا القرآنُ مواطنَ الهشاشة وغيرها من حالات ضعف الإنسان، كما يكشف مواطنَ القوة والتفرد والتفوق على كل المخلوقات، بخلقه في أحسن تقويم، وتكريمه، واستخلافه في الأرض، وغيرها من حالات وخصائص استثنائية ينفرد فيها. نرى صورتين متقابلتين للإنسان القرآني، وهما:

أ. إنسان يتصفُ بأنه مخلوقٌ ظلوم، جهول، يئوس، كفور، وغير ذلك. يعرض القرآنُ الإنسانَ في صورة غالبًا ما يقترن ذكرُه فيها بحالات وصفات تكشف عن ضعفه، ولا تخفي آياتُ القرآن هشاشة هذا الكائن بطبيعته، إذ تعلن عن ألمه، وغروره، وطغيانه، ويأسه، وقنوطه، وسأمه، وغير ذلك من توصيفات، مثل: “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ”[1]، “وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا”[2]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ”[3]، “فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ”[4]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ”[5]، “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ”[6]،  “بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ”[7]،  “وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا”[8]، “وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا”[9]، “خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ”[10]، “وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا”[11]، “وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”[12]، “أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ”[13]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا”[14]، “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ”[15]، “كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ”[16]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ”[17]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ”[18]، “وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا”[19]، “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً”[20]، “وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ”[21]، “خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ”[22]، “وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا”[23]، “وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا”[24]، “لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ”[25]، “نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ”[26]، “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي”[27].

ما نستفيده من هذه الآيات هو أن اتصافَ الإنسان بهذه الحالات يعني أن لديه إمكانيةَ الاتصاف بأضدادها. وأن القرآنَ هنا في مقامِ تعريفِ طبيعة الإنسان وتوصيفها، والإخبارِ عن طبائعه وقدراته وإمكاناته وأحواله، والكشفِ عن عجزه، وليس في مقام إنشاء إهانةٍ أو توبيخٍ أو ازدراء، ولا في مقام إنشاء معايير، أو إصدار أحكامٍ قدحيةٍ عن الإنسان.

توصيفاتُ القرآنِ لهشاشة الإنسان واقعية، يتحدث القرآن الكريم بصراحة عن عجز الإنسان بأساليب شديدة الايقاع، في أكثر من 25 موردًا نرى عرضًا مدهشًا لغُربة الإنسان وغرابته في العالَم، وقصوره وغروره وطغيانه ووهنه[28]. وبموازاة ذلك يرشدنا القرآن على أنه ‏لا يمكن ‏أن يتخلص الإنسانُ من قصوره ووهنه، وغربته واغترابه الوجودي إلا بالإيمان. ‏‏القرآنُ ينبوعٌ لن يجفَ، يتدفقُ كالشلال ليستمد منه الايمانُ جذوتَه الحية، إنه أحدُ أغزر منابع المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، لمن يمتلك مفاتيح اكتشاف كنوز المعنى فيه، لا تنضب طاقة قيم القرآن، ولا تنتهي حاجة الإنسان إليها.

لو توفرت كلُّ حاجاتِ الإنسان المادية والبيولوجية، مثل حاجته للهواء والماء والطعام، والنوم والجنس وكل الأشياء الأخرى المماثلة، كما نرى في حياة الأثرياء المتخمين بتكديس الأشياء والإفراط في استهلاكها، فإن كلَّ هذا الاستهلاك لا يضمن لهم توفير طمأنينةَ القلب وسكينةَ الروح. يظلُ الإنسانُ محتاجًا إلى ما يؤمِن له سلامًا داخليًا، ولن يتحقّقَ ذلك إلا ببناء صلة وجودية بالله. القرآنُ مفتاح بوابة العبور إلى عوالم الملكوت وبناء صلة يقظة بالله.

مالم يتحسَّس الإنسانُ صوتَ الله في داخله لن يتخلص من الاغتراب الوجودي، عندما يموتُ صوتُ الله داخل الإنسان يموت الإنسانُ. وإن كانت “هناك فكرة شائعة، ليس فقط عند عامة الناس بل عند الكثير من العلماء أيضًا، مفادها أنَّ الإنسان هو آلة تعمل طبقًا لشروط بعينها، فهناك الجوع والعطش والحاجة للنوم وللجنس ولأشياء أخرى. لابد إذن من تلبية الحاجيات الفيزيفية والبيولوجية. وإذا لم تشبع هذه الحاجات فإن الإنسانَ يصبح عصابيٌّ أو يموتُ كما هو الشأن في حالة الجوع، وإذا أُشبعت فإن كلَّ شيء يكون على ما يرام. والظاهر أن هذا غير صحيح، فقد يحصل أن تشبع كلُّ الرغبات الفيزيفية والبيولوجية، وعلى الرغم من ذلك لا يشبع الإنسان، بمعنى أنه لا يعيش في سلام مع نفسه، بل يكون لظروف معينة جدًّا مريضًا، حتى وإن كان يمتلك ظاهريًّا كل ما هو في حاجة إليه. ما ينقصه إذن هو منشط يمكن به إيقاظ نشاطه”[29].

يخبرنا القرآنُ أن طبيعةَ الكائن البشري مادامت بهذا الشكل من الضعف والعجز والافتقار فهي لن تستغني بذاتها مهما كانت، إنها محتاجة للإيمانِ، وبناءِ صلةٍ وجوديةٍ بالله. وذلك ما يتحدّث عنه الحضورُ الواسعُ المهيمنُ لله في القرآن. إن خلاصةَ رسالة القرآن، تتمثّل في بيان حاجة الإنسان للدين، من خلال الكشف عن فقره الوجودي، مقابل الحديث التفصيلي عن كمالات الله، واستغنائه عن كلِّ شيء، ومنحِه الإنسانَ ما يفتقر إليه من حاجة وجودية، لا يستطيع بعقله وخبراته وتجاربه وحدها تأمينَ تلك الحاجة أبدًا، وذلك ما بحثتُه في كتاباتي المتنوعة[30].

عند مراجعة الكتابات العربية حول النزعة الإنسانيّة في الإسلام نراها تنسى كلَّ آيةٍ تشير إلى الإخبار عن هشاشة الكائن البشري، وغالبًا ما تهمل آياتٍ تتحدّث عن طبائعِ الإنسان وأحوالِه، وحالاتِ ضعفه وعجزه وغروره وطغيانه، فيما تنتقي تلك الكتاباتُ آياتٍ أخرى تتحدّث عن مزايا الإنسان وحقوقِه وتكريِم الله له ومسؤولياتِه.

القرآنُ كتابٌ إلهيّ لا يرسمُ صورةً مثاليةً للإنسان، كما تفعل بعضُ النصوص، ولا ينظرُ له وكأنه ملاكٌ كله محبة ورحمة وخير وحق وعطاء وسلام، وإنما يتعاطى مع الإنسان كما هو، ويتحدّث عن طبيعته كما هي، يصفها بمختلف أبعادها، ولا يختزلها في بعدٍ واحد. لا يرسمُ القرآنُ صورةً زائفةً للإنسانِ، ولا يريدُ أن يُهملَ طبيعتَه البشريةَ المتنوعة الأبعاد. القرآنُ كتابُ هداية، وهذه الغايةُ الكبيرةُ لا تتحققُ إلّا بالتعرّفِ على حقيقةِ الإنسان كما هي، والإفصاحِ عمّا لا يظهره الإنسان، أو يتعمّد إخفاءَه من مواقف متضادّة أحيانًا.

ب. إنسانٌ يتصفُ بأنه مخلوقٌ في أحسن تقويم، نفخَ اللهُ الروحَ فيه، وأمر الملائكة بالسجود له، ونص على تكريمه، وسخّر له ما في الأرض والسماء، وعلّمه الأسماء، وحمّله الأمانة، وأناط به مسؤولية الاستخلاف. وهذه صورةٌ أخرى يقترن فيها ذكرُ الإنسان في القرآن بحالات وإمكانات وخصائص تكشف عن أنه المتفوق على كل مخلوق، حيث يتفرّدُ الإنسانُ في القرآن بما يلي:

  1. يتفرّدُ الإنسانُ في خلقِه فِي أَحْسَنِ صورةٍ يمكن أن يُخلَق فيها مخلوق، كما تقول الآية: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”. التين، 4.
  2. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي نفخ اللهُ فيه من روحه عند خلقه، فصارت هذه الروحُ مكونًا أساسيًّا لكينونته الوجودية، مما تسامى بمقامه إلى مرتبة لن يبلغها مخلوقٌ سواه في مكانته، كما تقول الآية: “فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ”. (ص، 72).
  3. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي استحق أن تسجد له الملائكة،كما تقول الآية: “فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ”. (ص، 72).
  4. يتفرّدُ الإنسانُ في تكريمِه وتشريفه وتفضيله على ما سواه من الخلق،كما جاء في الآية: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”. (الإسراء، 70).
  5. يتفرّدُ الإنسانُ في تسخّير الله له كلَّ ما في السّماواتِ والأرض، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ”. (لقمان، 20).
  6. يتفرّدُ الإنسانُ في تعليم آدم الأسماء، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا”. (البقرة، 30).
  7. يتفرّدُ الإنسانُ في تعليمه البيان، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ”. (الرحمن، 4).
  8. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية حمل الأمانة الإلهية، وهذا الضربُ من التكريم الوجوديّ هو الذي استحق الإنسانُ بسببه أن تُناط به مسؤوليةٌ عظمى. حملُ الأمانة الإلهية مهمةٌ جسيمة لا يقوى عليها إلّا الإنسان، كما تقول الآية: “وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”. (الأحزاب، 72).
  9. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية الخلافة الأرضية نيابة عن الله، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً”. (البقرة، 30).

 

 إبراهيم، 34.  [1]

 الإسراء، 67. [2]

 الحج، 66.[3]

 الشورى، 48.[4]

 الزخرف، 15. [5]

 عبس، 17. [6]

 القيامة، 5.[7]

 الإسراء، 100. [8]

  المعارج، 21.[9]

 الأنبياء، 37. [10]

 الإسراء، 11. [11]

 الأحزاب، 72.[12]

 يس، 77. [13]

 المعارج، 19.[14]

 البلد، 4.[15]

 العلق، 6.[16]

 العاديات، 6. [17]

 العصر، 2.[18]

 النساء، 28.[19]

 الروم، 54.[20]

 هود، 9.[21]

 النحل، 4.[22]

الإسراء، 83.[23]

 الكهف، 54.[24]

 فصلت، 49.[25]

 التوبة، 67.[26]

 يوسف، 53.[27]

 “حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ”، لقمان، 14.[28]

 فروم، إريك، حب الحياة: نصوص مختارة، تقديم: راينر فونك، ترجمة: حميد لشهب، ص 98.[29]

 تتناول الكتب الأربعة التي أصدرتها في السنوات الأخيرة تحليلَ ومعالجةَ حاجة الانسان الوجودية “الأنطولوجية” للدين، وبيانَ الحدود التي ينجز فيها الدين وعوده في حياة الفرد والجماعة، وبيان ما هو خارج حدود الدين، مما يتكفله عقله وعلومه ومعارفه وخبراته وتجاربه. أصدرتُ هذه الكتب تحت عنوانات: 1. الدين والنزعة الإنسانية 2012، 2. الدين والظمأ الأنطولوجي 2016، 3. الدين والاغتراب الميتافيزيقي 2018، 4. الدين والكرامة الإنسانية 2021. [30]

 

 

مفتاحُ تفسيرِ الكتاب الكتابُ نفسُه

مفتاحُ تفسيرِ الكتاب الكتابُ نفسُه

د. عبد الجبار الرفاعي

مفتاحُ تفسير كلِّ كتاب هو الكتابُ نفسُه، لأن نصوصَه مُضاءٌ بعضها بالبعض الآخر، سواء كان كتابًا مقدّسًا أو غيره. آياتُ القرآن الكريم تفسِّر إحداها الأخرى، وذلك ما دعا أكثر من مفسِّرٍ لتبنى تفسير القرآن بالقرآن. ويعدّ هذا المنهج من أدق مناهج التفسير الموروثة، غير أن مَن اعتمده لم يكن استثناء، فكان اختيارُه لتفسير آيةٍ بآية وكلمةٍ قرآنية بآية وآيةٍ بكلمة يخضع لرؤيته للعالَم وتكوينِه المعرفي ومعتقده ولغته الأم.

القرآنُ الكريم ليس ديوانًا للشعر، أو كتابًا في الفلسفة، أو التاريخ، أو الجغرافيا، أو العلم، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو غير ذلك من أجناس الكتابة. القرآنُ كتابٌ متفرّدٌ ليس كمثله كتابٌ، لا يشبه غيرَه ولا يشبهه غيرُه، حقيقتُه أنه قرآنٌ وكفى. القرآنُ مفتاحُ بوابة الارتواء من منابع النور، وضوءٌ لبصيرة مَنْ ينشد بناءَ صلة وجودية بالله.كان وما يزال وسيظل هذا الكتابُ الكريمُ يوقظ صوتَ الله داخل الانسان. القرآن منجم عظيم، لا يفصح هذا المنجم عن كنوزه إلا بمفاتيح يمتلكها ذوي البصيرة النورانية. القرآنُ الكريم مرآةٌ يتجلى فيها الله، وذلك ما يقرأه كلُّ متدبّر لآياته “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”[1]، ويراه كلُّ مَنْ توقظ قلبَه الأنوارُ الإلهية، وتتذوق روحُه الإشراقاتِ الرحمانيةَ. ذلك ما يشير إليه قولُ الإمام جعفر الصادق “ع”: “لقد تجلى الله لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون”[2].

القرآنُ الكريم يركزُ على الغيب بشكل مدهش، وذلك يعني كثافة حضور ما هو ميتافيزيقي في دلالاته، عالَمُ الغيب لا نفقه منه شيئًا إلا بحدود ما تشير إليها لغةُ الغيب الرمزية. لا طريقَ للتعرّف على ما ينتمي إلى عالَم الغيب إلا أن نستنطقَ القرآن، القرآنُ يحدّدُ نوعَ المعنى الذي تنطقُه لغةُ الغيب. القرآنُ يتحدّثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ لغة الغيب وآياته تأويلًا يخضعها لمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الإصغاء لنداء الوحي هو النافذة الوحيدة للإطلالة على الغيب واكتشاف آفاقه. كلُّ لغة تتحدثُ عن الغيبِ لا تتحدثُ بلغة العلم، لغةُ الغيب ترسمُ صورةً مألوفة لتقريب ما لا صورةَ له إلى ذهن الإنسان. عالمُ الغيب عالمُ الأسرار، الأنطولوجيا الميتافيزيقية في القرآن فضاءٌ لعالَم الأسرار. في لغة القرآن يمكن تمييزُ نوعين من الدلالات، دلالاتُ آياتٍ تتحدّثُ عن الغيب، لغتُها تمثيلٌ ومجازات وكنايات واستعارات وتشبيهات ورموز تشيرُ لحقيقةٍ لا مرئية ولا محسوسة ولا صورة لها، ودلالاتُ آياتٍ لغتُها تتحدّثُ عن الإنسانِ والكائنات والأشياء والقوانين في الطبيعة، هذه اللغةُ تتبادر لنا دلالاتُها الظاهرة، ونتعرفُ على معاني كلماتها عبر الاستعمال، وفي معاجمِ اللغة، وما تكشفُه العلومُ المتنوعة من عناصرها وتركيباتها وخصائها وآثارها[3].

القرآنُ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، عند العودةِ إليه والنظرِ فيه بتدبّرٍ نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه ماثلًا بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر في الأديان. ورد ذكرُ اسمِ “الله” 2699 مرّة في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة “رب” 124 مرّة. الكثافةُ اللافتةُ لحضورِ “الله” وأسمائِه وصفاتِه المتنوّعةِ تدلّل بوضوحٍ على أن القرآنَ يشدّد على الإيمانِ بالله، ويجعله حجرَ الزاوية في بناء الحياة الدينية في الإسلام، ويؤشر إلى ضرورة وصل نظام القيم في الحياة الفردية والمجتمعية بالله، بالمعنى الذي يصير فيه الإيمانُ بالله منبعًا مُلهِمًا للحق والعدل والخير والسلام والمحبة والجمال في العالَم، وخلص الإنسان من الشرِّ الأخلاقي. وتظهر القيمةُ العظمى للإيمان في تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي. فهذا الاغترابُ يُفضي إلى استلابِ ذات الكائن البشري، لأنه اغترابٌ لكينونة هذا الكائن عن وجودها، ومن هذا الاغتراب يحدث القلقُ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقدُ الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال الهشاشة والتشظّي، وربما يتردّى إلى حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية. ‏

ابتكر القرآنُ نظامَه الدلاليَّ الخاص، فأسّس شبكةَ علاقات دلالية محورهُا الله والرؤيةُ التوحيدية للوجود، وكلُّ المفاهيم الأخرى مشبَعةٌ بدلالتها، لأنها تصدر عنها وتنتمي إليها. لا تحتفظ الكلماتُ العربية المستعملة في معجمِ القرآن بالضرورةِ بدلالاتها السابقة في اللغة، بعد أن وظّفها القرآنُ في حقله الدلالي، ودخلت في شبكة العلاقات الجديدة التي محورها اللهُ والرؤيةُ التوحيدية للوجود. يشرح توشي هيكو إيزوتسو (1914-1993) ذلك بقوله: “إن المفاهيم لا توجد منعزلة وحدها، بل تكون دائمًا منظمة إلى أقصى حد داخل نظام أو أنظمة… هذا يعني أن كلمة (كتاب) البسيطة بمعناها البسيط، حالما أُدخلت في نظام خاص، ومنحت موقعًا محددًا ومعينًا فيه، اكتسبت العديد من العناصر الدلالية الجديدة الناشئة عن هذا الوضع الخاص، وعن العلاقات المتنوعة التي شكلتها لتحملها إلى المفاهيم الرئيسية لذلك النظام. وكما يحدث غالبًا، فإن العناصر الجديدة تميل إلى التأثير بعمق في بنية المعنى الأصلي للكلمة، بل إلى تغييرها جوهريًا”[4].  ويكتب إيزوتسو في موضع آخر: “إن هناك نوعًا من التماسك المفهومي في الرؤية القرآنية للعالَم، وإحساسًا بنظام حقيقي يقوم على مفهوم الله ويتركز حوله، وهو ما لم يكن موجودًا في النظام الجاهلي. من أجل هذا كل الحقول الدلالية وتبعًا لذلك كل المصطلحات المفتاحية في هذا النظام الجديد تقع تحت سلطة هذه الكلمة – المركز العليا. وفي الحقيقة لا يمكن لشيء أن يفلت منها، ليس فقط تلك المفاهيم التي ترتبط مباشرة بالدين والإيمان بل كل الأفكار الأخلاقية، حتى المفاهيم التي تمثل الأوجه الدنيوية، مثل الزواج والطلاق والإرث والمسائل التجارية، كالعقود والديون والربا والمكاييل والمقاييس… إلخ، كلها قد تم إدخالها في علاقة مباشرة مع مفهوم (الله)”[5].

في ضوء ذلك، على مَنْ يريد أن يفسِّرُ القرآنَ أن يكتشف حقلَه الدلالي وشبكةَ علاقات الكلمات في سياق آياته، بوصفها اصطبغت برؤيتِه التوحيدية للوجود. وذلك ما لم يتنبه إليه بعضُ المفسّرين الذين ضاعوا في متاهات المعاني اللغوية للكلمات، أو الدلالات البديلة الغريبة على نظامه الدلالي، التي أسقطتها على الحقل الدلالي للقرآن بيئاتٌ ثقافية وقيمُ ومفاهيم مجتمعات متنوّعة دخلت الدينَ الجديد، بعد امتداد عالَم الإسلام من الأندلس إلى الصين، وتشبّع شيءٌ من كلماته بدلالات الفلسفة اليونانية وغيرها في عصر الترجمة، وبمرور الزمان خضع تفسيرُ آياته لحقل دلالي مشبع برؤية كلامية فقهية. في العصور التالية لعصر البعثة الشريفة تسيّدت الحياةَ الدينية، بكلِّ تجلياتها، لغةٌ مشتقةٌ من رؤية علم الكلام والفقه. تحضرُ الذهنَ غالبًا في عملية التفكير بالدين الكلماتُ المشبعة بدلالات لغة الكلام والفقه، وهكذا تحضرُ هذه الكلماتُ بكثافةٍ في التعليم الديني. في أحاديث خطباء الجمعة والمحاضرات على منابر المساجد ووسائل التواصل لا يخرج المتكلمُ عن الحقل الدلالي الكلامي والفقهي إلا في حالات محدودة، ولا يتبادرُ إلى ذهن المتلقي إلا المعنى الراسخُ في هذا الحقل الدلالي. في الحياة اليومية للمسلم، حينَ يتحدثُ عن أيِّ شأن يتصلُ بالدين، يتكررُ في أحاديثه ما تحيلُ إليه هذه الكلماتُ من مفاهيم كلامية وفقهية، وعندما يتناول أيُّ كاتبٍ موضوعاتٍ تتصلُ بالدين يستقي من هذا الحقل الدلالي. أكثرُ مفسِّري القرآن الكريم المتأخرين لا يرون معنًى لآياته خارج فضاء لغة الكلام والفقه، وقلّما تُستعمَل كلمةٌ أو مصطلحٌ في الحياة الدينية خارج أُفق رؤية المتكلمين والفقهاء للعالَم.

اللغةُ ليست محايدةً أو قوالبَ فارغة، ولا يصحُّ توصيفُها بوعاءٍ يمكن أن يُملأ بأيّ معنى. اللغةُ ترسمُ خارطةً للذهن، وتحدّدُ مساحةَ التفكير ومدياته وكيفيته. اللغةُ بوصلةُ توجيه الفهم والمولِّدة لوجهة عملية التفكير. اللغةُ ترسم الرؤية للعالَم، يقول فيلهم فون همبولد (1767-1835): “من خلال الارتباط المتبادل بين الفكر والكلمة يصبح بديهياً أن اللغات ليست وسائل لتمثيل حقيقة معروفة من قبل، بل هي أكثر من ذلك، إنها وسائل للكشف عن الحقيقة غير المعروفة بعد، وإن تنوع اللغات، إذاً، ليس تنوعاً في الأصوات والعلامات فحسب، بل تنوع في رؤى العالم”[6]. مادام مضمونُ لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علمَ الكلام والفقه، فحدودُ تعريف الدين ومفهومه وأدوات قراءة القرآن والسنة قلّما تتجاوز رؤيةَ المتكلم والفقيه.

 محمد، 24.[1]

 [2]  المجلسي، محمدباقر، بحار الأنوار، ج 89، ص 107، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

 الرفاعي، عبدالجبار، مناقشة الرؤى الرسولية لعبدالكريم سروش، جريدة الصباح، بغداد، الصادرة في 22-9-2022.[3]

 إيزوتسو، توشي هيكو، الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالَم، ترجمة، هلال محمد الجهاد، ص 66، ط1 ، 2007، المنظمة العربية للترجمة، بيروت.[4]

 المصدر السابق، ص 78.[5]

 الزواوي بغوره، اللغة ورؤية العالم، في: كيف تعمل اللغة وتؤثر علينا، اعداد: عبد العزيز العوضي، ص 20، 2019، صوفيا حروف، الكويت. [6]

 

رابط النشر

 

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

د. عبد الجبار الرفاعي

هناك مَنْ يتعاطى مع الإنسان بوصفه كائنًا لا يتغير ولا يتحول أيُّ شيء فيه، وهناك مَنْ ينظر إليه بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في كلِّ أبعاد وجوده، لا يرى كينونةً وجودية جوهرية ثابتة فيه،كلُّ شيء فيه متغيّر بتغيُّر الأحوال والظروف المتنوعة بتنوع نمط العيش والمحيط والثقافة. وقد انتهى هذا الموقفُ إلى القول لدى بعض المفكرين بنسبية الحقيقة وكلِّ القيم والأخلاق، والارتياب في كلِّ شيء له صلة بالإنسان، ولم يعد هناك شيءٌ ثابت، أو قيمة روحية وأخلاقية وجمالية كونية على رأيهم. الثابتُ الوحيد هو عدمُ الثبات، اللامتغير الوحيد هو التغيرّ الكلي المستمر، وهذا ضربٌ من الارتياب الذي ينتهي إلى نفي كلِّ شيء.

تختزل كلا النظرتين الإنسانَ في بُعد واحد، فهو إما ثابت لا يتغيّر أبدًا مهما تغيرت ظروف حياته، وهذا فهم متحجّر يراه كأنه صخرة، أو متغير على الدوام لا شيءَ ثابت في وجوده، والمبالغة في هذا الفهم تنتهي إلى ارتيابية لا تعلم بشيء. القرآنُ الكريم يتحدث عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعدٍ منهما يُتخَذ موضوعًا لنوعٍ من أحكامه وقيمه:

الأول: الإنسانُ ببُعده الفيزيائي الأنثروبولوجي الثقافي، الإنسانُ الذي يعبّر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي المتحول، الإنسانُ بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحوُّلات الواقع والظروف ومختلف أنماط العيش. هذا البُعد للإنسان هو الموضوع الذي تدرسه العلومُ الإنسانية، وتتحدث عن تغيّره المستمر تبعًا للتحولات في واقعه وظروف عيشه وأحواله. وهو الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش، ومختلف المعطيات السائدة في الواقع.

الثاني: الإنسانُ ببُعده الوجودي، الإنسانُ بجوهره الفلسفي، من حيث هو إنسان أبديّ لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغضّ النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقعُ وكيفيةُ العيش، بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًّا أو جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا أو هوياتيًا. يتحدث القرآن عن الإنسان بالنظر إلى كينونته الوجودية وراء المعنى الفيزيائي والثقافي والأنثروبولوجي المتغيّر، الإنسانُ بهذا العنوان الثابت هو موضوعُ الكرامة والحرية والمساواة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم.

في ضوء فهمنا لهذين البُعدين يكون الإنسان موضوعًا لنوعين من الأحكام في القرآن:

  1. الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًّا متغيِّرًا: يعبّر عنه عنوانُ الإنسان بلحاظ هوياته المتغيرة، الإنسان منظورًا إليه هنا بوصفه إنسانًا عاش في زمان ومكان وبيئة وثقافة وواقع خاص، ومأخوذة كلّ هذه الأحوال في كونه موضوعًا للأحكام. في ضوء هذا المفهوم للإنسان تتغير الأحكامُ بتغير الأحوال والظروف والأزمان، لأن الموضوعَ فيها مأخوذٌ بنحو القضية الخارجية كما يصطلح علماءُ أصول الفقه[1]. هذا هو الإنسانُ التاريخي الذي يقع موضوعًا لآيات الأحكام الخاصة بذلك الزمان، ومن أوضحها مصداقًا آياتُ الرقّ، وغيرها من أحكام معاملات أمضاها الإسلام مؤقتًا لضرورات فرضها الواقع، وهي كلُّها تمثّل عصر البعثة الشريفة. أحكامُ الرق مثلًا ليست منسوخةً، لا حكمًا ولا تلاوة، ومع ذلك نسخها تغيّرُ الزمان والمكان والبيئة والواقع. تضمن القرآنُ الكريم آياتٍ تتحدّث عن أحكام الرقّ، لا يعمل بها أحدٌ اليوم، مثل: “وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، النساء:25. “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ”، المؤمنون:5-6. “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”، القصص،3. أحكامُ الرقّ مثالٌ لموارد متنوعة من آياتِ أحكام المعاملات الخاصة بذلك العصر، أمضاها القرآنُ مؤقتًا[2]، الحكمُ فيها يتغيّر تبعًا لتغيّر الواقع.
  2. الإنسان ببُعده الوجودي الذي لا يتغيّر: يعبّر هذا المعنى عن الإنسانِ بوصفه فردًا، إنسانٌ ينطبق على حقيقةِ الإنسان الفرد الوجودية، ما ينطبق عليه عنوانُ الإنسان في الحياة الدنيا وبعد الموت في الحياة الآخرة. هذا هو البُعد الذي يعبّر عن كينونة وجوديّة جوهرية لا تتغيّر في الإنسان،كما يعبّر هذا المعنى عن الإنسان بوصفه إنسانًا كليًّا.كينونةُ الإنسان العاقل أمس ووجودُه هي ذاتها كينونةُ الإنسان ووجودُه اليوم، لا اختلافَ في صدق مفهوم الإنسان عليها مهما اختلف الواقعُ وتغيّرت أنماطُ العيش والثقافة والأحوال. نعني به الإنسانَ بوصفه ذلك الجوهر الواحد الذي يشتركُ فيه كلُّ كائنٍ بشري مع غيره، والمتمثّل في ما يصيِّر كلَّ إنسانٍ إنسانًا.

الموضوعُ هو كينونة الإنسان ووجودُه العابر للزمان والمكان والظروف والبيئة والثقافة والهويات والواقع، موضوعُ الأحكام مأخوذٌ فيه عنوانُه بنحو القضية الحقيقية حسب مصطلح الأصوليين. هذا العنوانُ للإنسان هو موضوعُ القيم الأخلاقية والروحية والجمالية في الآيات القرآنية. وهو ما تخاطبه آياتُ القرآن في حديثها عن الله والتوحيد والغيب وكلِّ القيم الكونية المشتركة.

على هذا الأساس يبتني تصنيفُنا لمضامين آياتِ القرآن، واعتماد ذلك معيارًا في اكتشاف المعنى الديني الذي ينشده القرآنُ في الظرف الخاص بعصر البعثة، والمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الشامل الذي يتسع لكلِّ عصر، وفي ضوء ذلك نفهم ما هو ثابت وما هو متغير، على وفق لما يلي:

  1. آيات تتضمن أحكامًا وتشريعاتٍ تعكس واقعَ مجتمع عصر البعثة، مثل آيات الرق، وغيرها من آيات تتحدّث عن معاملات متنوعة، وهي أحكامٌ ليست كونية عامة، ولا تستوعب كلَّ العصور.
  2. آيات تتضمن قيمًا إنسانيةكلية، قيمٌ أبدية، قيمٌ يحتاجها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، في كلِّ زمان ومكان، قيم غايتها أن يعيش الإنسان في أُفق المعنى، قيمًا تنشد بناءَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

هذا هو المفتاح المحوري للمنهج الذي أعتمده لتفسير القرآن الكريم، وهو الأساس الذي يبتني عليه ويتفرّع عنه ما أوردتُه بتنويعات وتطبيقات كثيرة في مؤلفاتي.

مازال كثيرٌ من الكتابات تخلطُ بين الإنسانِ بوصفه كينونةً لا تتغيّر، الإنسان بالمعنى الوجودي الفلسفي، الإنسان وراء هويته الفيزيائية والأنثروبولوجية المتغيّرة، الإنسانُ الذي يكونُ موضوعًا للقيم الكونية الكلية، وبين الإنسانِ بوصفه هويةً متحولة، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي، وهو ما يكون موضوعًا للأحكام الظرفية المتغيّرة.

 “القضية الحقيقية والقضية الخارجية للأحكام؛ الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية وأخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الإفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. والحكم في الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد”. الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج 1، ص 150 – 101. نسخة إلكترونية على شبكة الإنترنت. [1]

 الأحكام الإمضائية، وهي “الأحكام التي لم يؤسّسها الشارع وإنّما كانت موجودة فأمضاها بالقول و اللفظ أو العمل أو السكوت وعدم الردع ، أو التي كانت في الشرائع السابقة وأمضاها الشارع الإسلامي ، ففي بعض الموارد أمضى الشارع ما عليه العرف والعقل بالأدلّة اللفظية، وفي كثير من الموارد استكشف الإمضاء من عدم الردع”. مقالة الأحكام الإمضائية في: الموسوعة الفقهية، ج۱۷، ص۲۵۹-۲۶۸، نسخة إلكترونية منشورة على شبكة الإنترنت.. [2]

 

رابط النشر:

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

د.علي أحمد الديري*

جمعتني والرفاعي طرقٌ ومسالك تحت مظلات كثيرة، منها: الأستاذية وما فيها من لذة المريد، والصداقة وما فيها من قوة العلاقة، واللقاء وما فيه من قوة الشوق، والكتابة وما فيها من كلّ ذلك.

أكتب هذه الشهادة وأنا أتنقل بين مطارات الهجرة على موعد للقاء بيروتي يجمعنا بعد انقطاع يقترب من سبع سنوات. نعم، نحن أصحاب الأوطان المؤجلة، نجد فيما يجمعنا وطنًا ليس بديلًا لكنه أثير.

أكتب في هذه اللحظات – في ناشئة من لحظات ما قبل الفجر التي يقهرك عليها السفر الطويل بين القارات – مُستلهمًا فكرة من إشارة وردت في مقاربة الرفاعي لمفهوم الوحي في علم الكلام الجديد، وأوقفتني على فتح لطيف لمعنى الثقل في الآية “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا”، المزمل، 5. يفسّر الرفاعي الثقل بالتكامل الوجودي للنبي “ص”، الذي جعله مستعدًا لتحمل هذا النوع من قول الوحي بصلابة وقوة وعزم وإيمان وتسامٍ وإصرار، الوحي بهذا التحمل صلة استثنائية بالله، حالة وجودية: إلهية بشرية/بشرية إلهية. أي أن الثقل، يكمن في الذات، في وجودها الذي تُنشئه بقوة روحها وعقلها وهي تَشق معنى النص الذي يُوحى إليها، بقدر ما النص يشق سمعها.

هكذا أفهم النص الديني باعتباره قولًا ثقيلًا بما فيه من قوة تكوين وفتح وإنشاء وفرادة، يتطلب منا أن نتلقاه بقلوب مشعة بالإيمان وعقول مليئة بالنور، وقراءات مفعمة بالتأويل الذي يُعمّر الأرض بالخير والسلام والسكينة، لا العنف والقتل والتوحش.

كلُّ ما يُلقى من خطاب، يحمل قوة الفكرة وأفق الغيب واتساع الأرض وسر الإنسان، أعتبره قولًا ثقيلًا، يستدعي الصداقة والصحبة واللقاء والأستاذية والمريدية، فأنت تحتاج إلى من يشاركك حمله بأحد هذه العناوين. جمعتني صحبة “القول الثقيل” مع الرفاعي، فنحن نتشارك حمل هذا القول وتقليبه بأفهام متعددة، وتخليصه من ثقل العنف، وشحنه بثقل المعنى.

تجربة الوحي في فهم علم الكلام الجديد، وفي فهم العرفاء والمتصوفة لا تنتهي ولا تنقطع، ما دامت السماء مُلهمة والأرض عامرة. ينتهي التشريع، لكن لا تنتهي مهمة الإنسان في قراءة القول الثقيل، يظل الإنسان يسعى لإعطاء القول الثقيل معنى دنيويًا يعيش به، ويخفف به ثقله المادي، ليغدو كائنًا خفيفًا، وفق نظرية الصوفية في الكثائف واللطائف.

القول الثقيل حين يتجسد في لغة حية، يعطيها من غيب وحيه، وتُعطيه من شهود أرضها، تمامًا كما قال محمود درويش، وهو يتحدث على لسان إدوارد سعيد في طباقه مع هويته: “ولي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات، ولي لغة من حوار السماء مع القدس، لكنها لا تُسعف مخيلتي”. في حوار السماء مع القدس، تلتقي لغة الوحي المقدسة مع لغتنا العربية المعيشة في التاريخ والمجتمع، هنا ينشأ ما يمكن أن نسميه إشكالًا ثقيلًا، يحتاج إلى جهود بشرية تبتكر له حلولًا وشروحًا وتأويلات غير منتهية.

أشترك مع الرفاعي في هذا الحوار، نطوّع لغتنا وأفكارنا وكتاباتنا، لتقليب هذا القول الثقيل، وفهم إشكال لقاء الغيب مع الأرض فيه، وإعطائه معنى دنيويًا، من دون أن يفقد خزائن غيبه المكتنزة بالمجاز.

لا أحد يحتكر شرح القول الثقيل ولا تأويله ولا تنزيله في قلوب الناس وعقولهم، سيغدو علم الكلام الجديد في مقاربة الرفاعي، محاولة لتنزيل القول الثقيل، لخدمة الإنسان وحفظ كرامته، وذلك بأن يكون نازلًا فيه وله، لا عليه، بمعنى نازلًا من أجله، لتلطيفه وترقيقه، لا نازلًا كأجل عليه، لتعنيفه وتغليظه.

في عام 2002 كنت رفيق الرفاعي لزيارة صديقنا المفكر جودت سعيد، أستعيد الآن هذه الزيارة، باعتبارها صداقة ولقاء مع أحد مؤولي القول الثقيل، وأحد الشخصيات التي بذلت جهدًا كبيرًا لتخفيف ثقل العنف من أفهام من يعتقدون أن ثقل القول يعني صرامة الحدود، وكثرة الفروض، وشدة العقاب، وغلظة البراءة من المختلف، ونافحت من أجل توجيه معنى الثقل إلى وزن الروح وعمق الجمال وتجرّد المطلق.

الذين لا يتلطف ثقل القول في أفهامهم، لا يتجاوزون جرن الناقة، ويظلون يرددون للانبهار الخارجي: “إن النبيّ (ص) كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يُسرَّى عنه”، الجِرن هو باطن العنق، إذا برك البعير ومدّ عنقه وصدره على الأرض، قيل: ألقى جِرانَ بالأرض. إنها صورة تعبر عن ثقل ما يتلقاه النبي (ص) من قول، وكذلك هي صورة لطبيعة حياة النبي في الأرض، بشر يمشي في الأسواق ويركب دابته، ويتفاعل مع الغيب من فوق ظهر ناقته، نحتاج لهذه الصورة المركبة للنبي كلّها لنقدم كلامًا جديدًا، كلامًا يمد عُنق النصّ، لا يلوي عنق النصّ، ولا يتوقف عند جِرن عنق الناقة.

الذين يظلون في ثقل الظاهر، يفقدون خفة الباطن، ولا يتجاوزون ثقل جرن الناقة، إلى جِرن العقل والروح حيث الأفكار تُطحن وتُدق وتسوّى، وهذه واحدة من معاني الوصل بالغيب وتحقق الوحي، والنبوة بما هي صلة بالغيب، هي رسالة بفكر جديد وفهم جديد وكلام جديد، ومن هنا يأتي معيار الكلام الجديد في فهم الرفاعي: أن يُقدّم المتكلم فهمًا جديدًا لمعنى الوحي.

من يتمكنون من توطين أنفسهم على تحمّل مشقة الوصل بالغيب، ليشقوا سمعًا جديدًا، يتكلمون كلامًا جديدًا، يُنشئون به فهمًا جديدًا للوحي، وهذا عين ما قاله ابن عربي: “فإن الله سبحانه لما أغلق دون الخلق باب النبوة والرسالة أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه (ص) في كتابه العزيز”[1]. يبقى الغيب حاضراً في الفهم كرزق وفتح من الله: “وكان علي ابن أبي طالب يقول: إنّ الوحي قد انقطع بين رسول الله، وما بقي بأيدينا إلا أن يرزق الله عبداً فهماً في هذا القرآن “[2].

وصل الفهم هو ما بقي من الوحي بعد ختم وحي الشريعة، به نجدد معنى ثقل القول، ويحرص ابن عربي على تذكيرنا بالصحبة والتخلق والأدب، فبهم نستعين لتوطين النفس على تحمّل مشقة القول الثقيل. وهذا ما لمسته في صحبة الرفاعي التي لا تنفك عن التأدب والتخلق. وقد صحبني في تقديم كتابين لي عن ابن عربي، فمقاربة خطاب ابن عربي بما يحمله من قول ثقيل بحاجة إلى أن تُلقي عليه جرانك أي توطن نفسك عليه، ولا يكفي ذلك، بل أنت بحاجة إلى صاحب يطمئنك إلى أنك تلقيت هذا القول الثقيل بما يليق به، فوجدت السكينة في شهادة الرفاعي حين كتب لي: “إنها المرة الأولى التي يأخذني باحث إلى فضاء لا مفكر فيه في ميراث محيي الدين العميق، الدقيق، الخصب، المركب … شكرًا لك لأنك اجتهدت في عبور المكررات والاجترار الأجوف والترميق اللفظي والنصوص الوثوقية في دراسة هذا الكنز المجهول في دنيا العرب”.

في كتابي الثاني عن ابن عربي، اهتممت بتخفيف ثقل مقولة (وحدة الوجود)، لأنزلها من صومعة التصوّف إلى الأرض المحتربة بالتكفير، كانت صحبة الرفاعي تقول لي، لا ينسيك الاحتفاء الشيعي بابن عربي، الأصوات التي كفرّته وزندقت قارئه الأكبر ملا صدرا الشيرازي، من داخل الخطاب الشيعي نفسه، فتداركت بصوت الصحبة، ما كان سيبدو نقصًا معيبًا.

هكذا، تغدو صحبتنا دومًا، على مفترق قول نُقلّبه ونخففه بحُبّ وشغف ومتعة.

 

 

 

 

*  باحث وناقد من البحرين.

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص285 .

[2] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص 258.

 

رابط النشر:

لا تكتسب النبوة مقامَها السامي من الأحلام: مناقشة “الرؤى الرسولية” للدكتور عبد الكريم سروش

لا تكتسب النبوة مقامَها السامي من الأحلام

مناقشة “الرؤى الرسولية” للدكتور عبد الكريم سروش

 

د. عبد الجبار الرفاعي

لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه. التعرّفُ على الغيبِ في القرآن الكريم يكونُ من خلال ما تتحدّث به آياتُه. لا يخضع الغيبُ في اكتشافِ ذاتِه ومعرفةِ حقيقته للعلمِ ومناهجِه المعروفة، وإن كانت العلومُ هي الأداة الأساسية في التعرّف على تأثير الغيب في الواقع ودراسةِ تعبيراته في الحياة الفردية والمجتمعية.

يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي، والنظرُ إليه على أنّه حالةٌ سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقتْ محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار، كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. الآياتُ القرآنية تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية.

الوحي طورٌ وجودي استثنائي للإنسان، يتسعُ فيه وجودُ النبي ويتكاملُ عبر صلته بالله. ليس الوحي استنارةً ذاتية مقطوعة الصلة بالله، أو صورًا ذهنية مجردة، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرةً بيولوجية نشأت عن نشاط هرموني، أو تساميًا للروح من دون صلة بالله.                                                                                                                                    في ضوء ما تقدّم يمكن مناقشةُ رأي الدكتور عبد الكريم سروش في: “الرؤى الرسولية”، الذي يذهب فيه إلى أن ما جاء من مشاهد للقيامةِ في القرآن الكريم وقصصِ الأنبياء وغيرِها لم يكن النبيُّ محمد “ص” فيها ناقلًا لأخبار تلقاها، بل كانت أحلامًا ورؤىً وقعتْ له وشاهدها مباشرةً بنفسه في منامه، يتحدّثُ النبيُّ في القرآن عن مشاهداته ولا يروي عن غيره. يتساءل سروشُ عن المناظرِ والمشاهداتِ المتنوعةِ الواردةِ في آيات القرآن: “‏أين وقعت تلك المناظر والمشاهدات؟” ويجيب بقوله: “‏وقعت في الرؤيا”[1]. وأن ما ورد في القرآن على لسان النبي من مشاهد للجنة والنار والقيامة ‏ويوم الحساب، وما وقع من حوادث للأنبياء، مثل انشقاق البحر لموسى وغيرها، رآها النبيُّ في أحلامه، ‏وتحدّثَ عنها ووصفها كما رآها. يقول سروش: “هو رآها بنفسه وعينه. كان ناظرًا وراويًا لتلك المناظر، رأى أهلَ الجنة يتنازعون الشراب، ورأى أهلَ النار تسلخ جلودهم كلما نضجت”[2].

‏ ينبّهُ الدكتورُ عبد الكريم سروش إلى أن لغةَ الأدب وما فيها من مجازاتٍ وكناياتٍ واستعاراتٍ وتشبيهات غيرُ لغةِ الأحلام. لغةُ الأحلام تتحدّثُ عن مشاهدات مباشرة، مَنْ يرى الرؤيا يشاهدُ الحدثَ ويصف ما رآه، ويصوّر المواقفَ والأحداثَ والوقائع كما شاهدها هو. وذلك يعني أنه لا يتحدثُ لغةَ المجازات والاستعارات والكنايات والتشبيهات. يقول سروش: “‏لغة الأحلام لا تحتوي على المجازات والاستعارات والكنايات، بمعنى أن التصورات التي يراها الحالم في منامه لا تحمل إلا على معانيها الحقيقية، وليست بحاجة إلى مراجعة القواميس اللغوية للوقوف على معاني الألفاظ ودلالتها. ولعل مفسري الأحلام هم القادرون على فهم دلالتها… لغة الأحلام تختلف عن لغة الأدب”[3]. الأحلامُ غيرُ منتظمةٍ في سياقٍ منطقي، ‏ولا تكون بالضرورة محكومةً بنظام السببية المعروف، ولا تنطبق عليها دائمًا قوانينُ الطبيعة المكتشفة. كثيرًا ما ‏يرى الإنسانُ الأحلامَ مشتتة خارجَ إطار التراتبية المعروفة للحوادث ‏في الواقع الذي يعيشه. ‏يقول سروش: “‏لابد من الإذعان إلى أن تلك الفوضوية ليست من فعل الأعداء ولا غفلة الجامعين، ولا هي دون علم صاحب الوحي، وإنما راوي السور المبتنية على الرموز والرؤى غالبًا ما يفتقر إلى المنطق والتسلسل فيفقد الانسجام والانتظام. هذا هو أدب المنام، ولا وجود لليقظة فيه”[4]. ‏وقد يختلط الواقعُ بالأحلام بالخيال، ففي “حديث النبي عن حروب زمانه ‏خلطَ بين الواقع والخيال، حيث ينقل خبرَ نزول آلاف الملائكة لنصرة المؤمنين”[5]. في سياق مناقشة رأي العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ‏بكون “المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالمًا ملكوتيًّا، ذا أفق أعلى نسبة إلى هذا العالم المشهود”، يجيب سروش بقوله: “‏ولو تنبّه صاحبُ الميزان إلى أن رمي الشياطين بالشهب كان في عالم الرؤيا لما احتاج إلى كل تلك التأويلات، ولذهب إلى خبير في الأحلام والأنثربولوجيا يدله على معنى أن شخصًا في تاريخ وجغرافية الحجاز ومن ثقافة تلك الحقبة، يرى في المنام أن الشياطين تقذف الشهب”[6]. هذا ملخص شديد لما أفاده الدكتور عبد الكريم سروش في “الرؤى الرسولية”.

‏   النبيُّ محمد وغيره من الأنبياء يعيشُون وفقًا لطبيعتهم الإنسانية،كما يعيشُ أيُّ إنسان يحتاجُ أن يتنفسَ الهواء، ويشربَ الماء، ويأكلَ الطعام، وغيرها من الاحتياجات. النبيُّ إنسانٌ يفرحُ ويحزن، يبكي ويضحك، يتألمُ ويرتاح، يشبعُ ويجوع، يصحو ويمرض، يستيقظُ وينام ويرى الرؤيا في المنام. ‏النقاشُ مع الدكتور عبد الكريم سروش ليس في مقام رؤية النبي للرؤيا في منامه، النقاشُ في كيفية تفسيره للوحي وما ورد في القرآن من مشاهدَ القيامة، والقصصِ النبوي، وغيرها، بوصفها أحلامًا شاهدها النبي الكريم في منامه.

‏إن كان الإنسانُ لا يبلغ مرتبةَ النبوة إلا إذا تسامت كينونتُه الوجودية وتحقّق بكمالٍ استثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكاملِه وبناءِ استعدادِه الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقِّيه. النبوة مقامٌ لا يناله كلُّ إنسان، المرتبة الوجودية للنبوة تتحقّقُ باستعدادٍ وتأهيلٍ بشري واصطفاءٍ إلهي. لم تعرف التربيةُ إعدادَ إنسان وتأهيلَه لأيةِ مهمةٍ حياتية عبر الأحلام، فكيف يمكن افتراضُ إعداد إنسانٍ تُناط به وظيفةٌ إلهية استثنائية، ويصطفيه اللهُ ويوكل إليه أداءَ مهمةٍ عظمى في الحياة، ويؤهله لتحمّل رسالته من خلال أحلامٍ يراها في المنام. الإنسانُ العادي لا يمكن إعدادُه لتحمِّل أية مسؤولية باعتماد الأحلام، فكيف إذا كانت مسؤوليةُ هذا الإنسان إلهيةً وهي أكبرُ من كلِّ مسؤولية، ووظيفتُه أعظمُ من كلِّ وظيفة. وكيف إن أناطَ اللهُ بهذا الإنسان بناءَ أسس التوحيد في مجتمعٍ مُشرِك، وتحمّلَ رسالةَ الله الخاتمة للعالمين. إنها وظيفةٌ لم يكن بإمكانه إنجازُها إلا بعد أن يتحقّقَ بطورٍ وجودي أوسع وأعمق وأغنى وأسمى.

‏   لا تكتسبُ النبوةُ مقامَها السامي من الأحلام، ولا يمكن أن يكتسبَ إنسانٌ إمكاناته الوجودية وقدرته على تحمّل الرسالة الإلهية من المنام. ‏يلزمُ من القول بالأحلام النبوية ‏أن تكونَ مهمةُ النبي في إبلاغِ الرسالة وتلقيها أهونَ من مهمة رجل العلم والسياسة والعسكر والتجارة وأمثالهم، لأن إعدادَ هؤلاء لا يمكن أن يعتمد على الأحلام. يكونُ إعدادُ الإنسان للمهمات الكبيرة من خلالِ برامجَ تربوية وتعليمية، وتراكمِ خبرات عملية تتطلب المواظبةُ عليها إنفاقَ سنوات عديدة من أعمارهم من أجل التأهيل لمثل هذه المهمات، مضافًا إلى توفر مواهب ومؤهلات ذاتية تمكّنهم من التصدي لها.

‏   ‏يمكن تشبيهُ النبوة بحالةِ استضافة الغيب للإنسان واستضافةِ الإنسان للغيب. ‏هذا المستوى الفريد من الضيافة، الذي يكون المُضيّفُ فيه اللهَ والضيفُ النبي، لا يمكن أن تتوفر الإمكانات الوجودية لتنفيذه بكفاءة تتناسب معه عبر رؤى في المنام. الوحيُ ليس شعورًا نفسانيًّا باطنيًّا، وليس حوارًا صامتًا تستبطنه الذات،كي نتعرفَ على حقيقته بقراءةِ مدرسةِ التحليل النفسي للأحلام ونظرياتِ علماء النفس وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة. الوحيُ حقيقةٌ من حقائق الغيب، ‏هذه الحقيقةُ ينكشفُ فيها الإلهيُّ للبشري، ويتجلّى فيها للإنسانِ ما هو إلهي. شهودُ ‏الإنسان للإلهي لا يتحقّقُ إلا إذا تكامل الإنسانُ في طورٍ وجودي يفتقر إليه غيرُه من البشر؛ ‏ذلك ما يؤهله لأن يكون نبيًّا. تظهر تمثُّلاتُ الوحي وآثارُه في لغة وثقافة وتقاليد ومواقف الإنسان ‏فردًا وجماعة، وهذه الآثار تُدرسها العلوم والمعارف البشرية المتنوعة كما تُدرس غيرُها من الظواهر في حياة الإنسان، لكن لا يمكن أن ندرس البُعدَ الغيبي في الوحي بأدوات هذه العلوم والمعارف.

‏تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم. النبوة ذاتُ طابعٍ وحياني، الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي للوجود وليس بالمعنى المادي للموجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل الكينونةُ الوجوديةُ للإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًّا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والمبدع والمخترع، ويفسِّر مقامَ النبوة كالشعر والإبداع والاختراع لا يرى النبوةَ مقامًا وجوديًّا استثنائيًا للإنسان. الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على الإبداع، مرتبةُ الشاعر الوجودية وهكذا مرتبة الرسّام والمخترع هي مرتبةُ غيرهم من الناس. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت فاصطفاه اللهُ للنبوة.

الوحيُ صلةٌ وجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة تصيّر ‏النبيَّ شاهدًا للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلّى على مرآة البشري، وإن كان النبيُّ بوصفه بشرًا يلبث على انتمائِه لعالمنا، ولا يفتقد بصلتِه بالغيب كونَه إنسانًا يعيش في الأرض. النبيُّ من جهة الوحي يشهدُ عالمَ الغيب، وبوصفه بشرًا يحتفظُ بحضورِه في عالم الشهادة، أي يحتفظ بطبيعته التي يشتركُ فيها مع الكلِّ وتنعكس فيها بشريتُه. ما هو مرآة عالَم الغيب الوحيُ الإلهي، ‏وما يعكسُ عالم الشهادة الطبيعةُ البشرية، ‏وهذا ما ينكشفُ بوضوحٍ في القرآن: “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ”[7].

‏ لا يمتلك كلُّ إنسان إمكاناتِ وجودٍ تمكّنه من شهود الغيب، ‏الإنسانُ الذي ينكشفُ له الغيبُ يحدثُ تكاملٌ في ‏كينونته الوجودية، بنحوٍ يسافر صعودًا ليبلغ مرتبةً يتجلى له الإلهي. يحدثُ لدى النبي تحولٌ أنطولوجي في كيفيةِ وجوده، بالشكل الذي يتّسعُ وجودُه فيتجلى له الحقّ. ‏الإنسانُ الذي يتحقّقُ ‏له هذا الطورُ ‏يصل مقامًا وجوديًّا لا يناله غيرُه من الناس، يكتسبُ وجودُه في هذا المقام غناه بإمكانات إضافية تجعله قادرًا على شهود الغيب. عندما يتحقّقُ الإنسانُ بهذا الطور الوجودي يكون مؤهَّلًا لمقام النبوة، وكلّما اتسع وجودُ الإنسان وكانت مرتبتُه أكملَ اتسعت تبعًا لذلك نبوتُه وصارت رسالتُه بسعة إمكانات وجودِه. يواصل النبي سفرهَ الوجودي ما دام حيًّا، فوقَ كلِّ مرتبةِ كمالٍ ‏للإنسانِ مراتبُ أكملُ منها، ‏وهو ما تشير إليه الآية: “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا”[8]. ومهما بلغت مرتبتُه يظلُ ‏النبيُّ إنسانًا لا يفارقُ طبيعتَه البشرية.

لا طريقَ للتعرّف على الوحي بوصفه ينتمي إلى عالَم الغيب إلا أن نستنطقَ القرآن، في القرآن الوحيُ يتحدثُ عن الوحي، القرآنُ يحدّدُ نوعَ المعنى الذي تنطقُه لغةُ الغيب. عندما نقرأه نرى عدةَ آياتٍ تضيء مضمونَ الوحي، مثل الآية: “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا”[9]. القولُ الثقيلُ توصيفٌ يرمز لحقيقةٍ تنتمي إلى عالم الغيب،كلُّ شيءٍ ميزانُه بحسبه وكيفيتُه على شاكلته، “القولُ” هنا ليس ألفاظًا منطوقةً تشبه الألفاظَ المستعملة في اللغات، “الثقيلُ” ليس كميةً يمكنُ أن توزنَ بالمقاييس المادية، ونكتشفَ كيفيتَها بأدوات مادية. ‏تشيرُ الآيةُ إلى أن الوحيَ لا يتحقّق إلا إذا تحقّق طورٌ وجودي للإنسان يؤهله لتحمّل “القول الثقيل” الذي لا يطيقه وجودُ غيره. وصفُ الوحي بـ “القول الثقيل” يتطلبُ سعةً وجودية استثنائية لا يمتلكُها الإنسانُ العادي، أي أن المهمةَ التي يقوم بها النبيُّ مهمةٌ فريدة، لا يطيقها أيُّ إنسان ما لم يتكامل فيصل تلك السعة الوجودية.

آيةٌ قرآنية أخرى تشيرُ إلى أن النبيَّ اختصّه اللهُ بقربٍ لم يختصّ به أحدًا سواه: “ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى”[10]، القربُ أو البُعد في عالَم الغيب ليس إلغاءَ المسافة المكانية. القربُ أو البُعد في الغيب يشاكلُ الغيب. القربُ هنا مقامٌ وجودي يبلغُه الإنسان، إنه تعبيرٌ عن قدراتِ وجودٍ إضافية تمكّن النبيَّ من الاتصال بوجود الله المستغني عن كلِّ وجودٍ سواه.

أما قولُه تعالى: “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ”[11]، فيصوّر القرآنُ مشهدًا تهتزّ أمامه المشاعرُ. في الآية كنايةٌ عن التجلّي الوجودي للحقّ، وكيف تهشّم الجبلُ وانهار فجأة، تجلّي الله للجبل مشهدٌ أصاب موسى بالذهول وسقط مغشيًّا عليه.

نحتاجُ إلى إعادةِ تعريف الوحي وبيانِ صلته بالغيب بوضوح، وهكذا إعادة تعريف النبوة وبيان الطبيعة البشرية للنبي، ليتضحَ ما ينتمي لعالَم الغيب في النبوة، وما ينتمي للطبيعة البشرية. التعريفُ يدلنا على حدودِ المعرَّف ومجاله، وحقلِ اشتغال أدوات العلوم والمعارف البشرية في المجال الذي ينتمي للطبيعة البشرية، ويدلنا على ما هو خارج حقل اشتغال تلك الأدوات في المجال الذي ينتمي لعالَم الغيب.

الطبيعةُ تخضعُ لقوانين تتحكمُ بأسباب ونتائج الظواهر فيها، سيادةُ الإنسان على الطبيعة تتسعُ باتساع اكتشافاتِه لقوانينها وظفره بوسائل استثمارها. ما وراء الطبيعة لا يخضعُ لقوانين الطبيعة، ولا سبيلَ إلى فهمِه بأدواتها واكتشافِ آفاقه في ضوئها. القرآنُ يتحدّثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ لغة الغيب وآياته تأويلًا يخضعها لمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الإصغاء لنداء الوحي هو النافذة الوحيدة للإطلالة على الغيب واكتشاف آفاقه.

كلُّ لغة تتحدثُ عن الغيبِ لا تتحدثُ بلغة العلم، لغةُ الغيب ترسمُ صورةً مألوفة لتقريب ما لا صورةَ له إلى ذهن الإنسان. عالمُ الغيب عالمُ الأسرار، الأنطولوجيا الميتافيزيقية في القرآن فضاءٌ لعالَم الأسرار. في لغة القرآن يمكن تمييزُ نوعين من الدلالات، دلالاتُ آياتٍ تتحدّثُ عن الغيب، لغتُها تمثيلٌ ومجازات وكنايات واستعارات وتشبيهات ورموز تشيرُ لحقيقةٍ لا مرئية ولا محسوسة ولا صورة لها، ودلالاتُ آياتٍ لغتُها تتحدّثُ عن الإنسانِ والكائنات والأشياء والقوانين في الطبيعة، هذه اللغةُ تتبادر لنا دلالاتُها الظاهرة، ونتعرفُ على معاني كلماتها عبر الاستعمال، وفي معاجمِ اللغة، وما تكشفُه العلومُ المتنوعة من عناصرها وتركيباتها وخصائها وآثارها. تنطقُ لغاتُ الأرض بدلالات يرسمُ خارطتَها ويحددُ مجالَها المحيط الذي يعيشُ فيه الإنسانُ، وليس بوسع اللغة أن تطلَّ على ما هو خارج مديات محيطه إلا بتمثيل ومجاز وتشبيه وكناية واستعارة تشير إلى ما وراء المادة. الكلمةُ تبوحُ بالمعنى الذي تتسعُ له، الكلمةُ لا تتسعُ إلا للمعاني المتداولة في موطن ولادتها وفضاء تشكّل دلالتها، يقول فتغنشتاين: “إن حدودَ لغتي تعني حدودَ عالمي”.

للغيب مفاتيحُه الخاصةُ وللطبيعة مفاتيحُها الأخرى، مَنْ يؤمنُ بالغيب يعرفُ أن مفاتيحَ الغيب وما وراء الطبيعة مستودعةٌ في القرآن. من مفارقاتِ كتاب “الرؤى الرسولية” لعبد الكريم سروش ما يظهرُ من تضادٍ بين ما يدللُ بشكلٍ لافت على ايمانه بالله والغيب والوحي والنبوة في مختلف محاضراته وكتاباته، وبينَ تفسيرِه للوحي والنبوة ومشاهد القيامة والقصص في القرآن الكريم في كتابه هذا. مفارقةٌ أخرى في “الرؤى الرسولية” وأشباهها من كتاباته ومحاضراته تتمثلُ في ضيق مرجعية القرآن، وتسيّدِ مثنوي جلال الدين الرومي وحضورِه الطاغي في تفكيره وتعبيره، واتخاذِه أساسًا في تفسير القرآن وتأويل عالم الغيب فيه. جلال الدين الرومي يبتكرُ لغتَه المكتنزة بالمعنى، وهي تتميزُ بالجمال والسهولة في التعبير عن المعاني بحكايات واستعارات وكنايات وأمثال متنوعة، غير أن لغتَه لا تؤسس قواعدَ عامة أو ترسمَ خرائط يمكنُ اعتمادها لفهم الوحي والغيب في القرآن. عندما يتخذُ سروش أبياتَ شعر المثنوي أساسًا لفهم الغيب ويعتمدها في استنطاق آياتِ القرآن فليس بالضرورة أن يهتديَ للطريق الذي تنكشفُ له فيه آفاقُ الغيب. مفتاحُ فهم الغيب في القرآن ما تقوله آياتُه، والمرجعيةُ في تفسير الغيب ما تشي به دلالاتُها. جلال الدين الرومي والعرفاء يفسّرون القرآنَ في ضوء بصيرتهم أحيانًا، حتى لو كانت بصيرتُهم حاذقة إلا أنها قد تشطح. الطريقُ لتفسير القرآن أن نستنطقَ آياتِه بآياتِه لاكتشاف ما ورد فيها من ملامح للغيب. بوسعنا أن نستضيء باستبصارات العرفاء وبما يقوله المفسّرون غير أنها تظل اجتهاداتٍ بشرية، وكلُّ اجتهاد عرضةً للخطأ.

في الوحي بُعدان، بُعدٌ إلهيٌّ وآخرُ بشري، لا يمكنُ دراسةُ البُعد الإلهي الغيبي في الوحي في ضوءِ المناهج العلمية المعروفة لدراسةِ الطبيعة ومَنْ يعيشُ فيها. النبيُّ لا يفقدُ بشريتَه عندما يتلقى الوحيَّ، يمكنُ دراسة البُعدِ البشري في شخصية النبي وحياته الخاصة والاجتماعية والواقع الذي كان يعيشُ فيه في ضوء المعطيات العلمية. إنكارُ البُعد الغيبي في النبوة هو ما يفعله المُنكِر للوحي الإلهي، وإنكار البُعد البشري في شخصية النبي هو ما يفعله الغلاةُ وبعضُ المتكلمين القدماء. محمدٌ نبيٌّ مبعوثٌ برسالة إلهية يُوحى إليه، إنه إنسانٌ يعيشُ حياتَه البشرية كما يعيشُ الناسُ. ‏محمدٌ رسولُ الله “يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ”[12]، ويفرح ويحزن، ويبكي ويضحك، ويتألم وينشرح. محمدٌ إنسانٌ يمتلكُ بصيرةً نورانية، وعبقريةً فذة، ومشاعرَ نبيلة، وخُلُق عظيم: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”[13]. محمدٌ إنسانٌ تجذّرت في ذاته الرحمةُ الإلهية بوصفها ضميرَ النبوة.

[1] سروش، ‏عبد الكريم، كلام محمد رؤى محمد، ترجمة: أحمد الكناني، ص 82، 2021، دار أبكالو، بغداد.

[2] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 77.

[3] سروش، ‏عبد الكريم،‏ كلام محمد رؤى محمد، ص، 84.

[4] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 107.

[5] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 107.

[6] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 87.

[7] الكهف، 110.

[8] طه، 114.

[9] المزّمِّل، 5.

[10] النجم، 8 – 9.

[11] ‏الأعراف، 143.

[12] الفرقان، 7.

[13] القلم، 4.

 

رابط النشر:

 

صديقي الأخلاقي المفسر دكتور محمود البستاني

صديقي الأخلاقي المفسِّر دكتور محمود البستاني

 

د. عبد الجبار الرفاعي

كتبتُ هذا المقال تخليدا للذكرى الخامسة لرحيل صديقي المرحوم الدكتور محمود البستاني إلى الملكوت الأعلى. ولد محمود البستاني في النجف 1937، وتوفي في مدينة قم يوم الإثنين 9/ربيع الثاني/1432هـ الموافق 15/آذار/2011 م، ودفن في النجف.

لا يطيق الأصدقاء الاختلاف في مجتمعنا، الكل يبحث عن التطابق، وسرعان ما تتهشم علاقاتهم لو اختلفوا فكريا، وان كانوا يزعمون انهم يحترمون فكر ومواقف الآخر.كان صديقي د. محمود البستاني رحمه الله كثير الصمت حد الخمول، كثير الذكر حد الهلوسة، كثير العبادة والأوراد المتعارفة في التراث الشيعي المتأخر حد الغرابة، لا يكترث أبدا بما أقوله، كنت كثيرا ما أعلن له أني أفكر بالضد من أفكاره وآرائه ومعتقداته ورؤيته للعالَم. وربما يشي ما أقوله أحيانا بالتندر، ومع كل ذلك لم تتقوض مودتنا. لم أعثر على مثله في عمري، كان نسخة فريدة من الإنسان، وكأنه استأصل كل ما يترسب من عناصر الشر من أعماق البشر. قوته تكمن في فرادته وبصمته المميزة في معاشه وسلوكه وطريقة تفكيره وقلمه.

أرى أمثال محمود البستاني رحمه الله “وهم نادرون” كأعمدة نور في هذا العالم الكئيب، الذي يضج بالتهافت على كل شيء. في أحد الايام أفطر البستاني ببيتنا بعد ان صلى المغرب، وكان ببيتنا الصديقين السيد كمال الحيدري وجواد كسار، دخلنا معه في سجال انا وكسار. ندمت عليه لاحقا، كان حديثنا يتضمن تشكيكا بزهده بالظهور والإعلان عن نفسه، ومع ذلك تحمل كلامنا الشديد، ولم يرتب عليه اثرا، تواصلت صداقتنا كما كانت.

محمود البستاني؛ مفسر، أديب، شاعر، ناقد، ناسك، زاهد، متهجد، ورع، مدمن قيام الليل وصيام النهار. تعرفت عليه في مرحلة مبكرة من حياتي عبر كتاباته في دوريات “النجف” و”الكلمة”… وغيرهما. وتوثقت علاقتي به في حوزة قم، وتواصلت صداقتنا أكثر من ربع قرن. كنت أحرص على حضور مجلسه الأسبوعي ليلة الثلاثاء في بيته. وهو مجلس يقتصر حضورُه على عدد محدود من أصدقائه. عادة ما يفتتحه هو رحمه الله بعرض نصوص روايات أخلاقية؛ من أحاديث النبي وأهل بيته، تفوح بعبق مواعظ ووصايا تربوية وروحية، ويطلب من الحضور شرح مضمونها.

منهج البستاني أخباري في التعامل مع الأحاديث، لا يدقق في سند الأحاديث، ولا يتأمل متونها، يقرأ ما يراه في كتب الأحاديث من روايات، ويتعامل معها وكأنها نصوص مقدسة، بغض النظر عن سندها ومتنها، وأحيانا تكون مضامينها الظاهرة غير معقولة، ومع ذلك يصر عليها، مادامت مدونة في مصنف تراثي للحديث، وإن كان من المصنفات المتأخرة. كان محمود لا يتفاعل في الغالب مع وجهة نظري، عندما تشير الرواية الى ظاهرة اجتماعية، أو سلوك فردي، وأحاول أن أبحث عن تفسير وتحليل لذلك، يكشف عن أن مدلول الرواية يحتاج إلى تأمل وتدقيق ونقد، لأن مدلولها لا يؤيده العقل والعلوم والمعارف الحديثة، وأشدد على ضرورة الاعتماد في فهم مضمونها على: علم النفس والتربية والاجتماع والعلوم الانسانية الحديثة. ومع الانزعاج المضمر لمحمود من رؤيتي وفهمي إلا أن ذلك لم يفتّ أخوتنا، أو يُصدّع حميمية صداقتنا.

غالبا ما كنت أجد البستاني صائماً، حين أزوره أو يزورني نهاراً، فأدعوه الى الافطار بعد المغرب، ونحتفل معه في منزلنا وقت الافطار بمناخات روحية عبقة. تلوّنها صلواته وأدعيته واشراق وجهه أثناء تسبيحاته وأوراده وأذكاره. خاصة أن زوجتي “أم محمد” – لحظة تعدّ له الافطار – تكللها البهجة والانشراح، وهي تتلمس البركات، وتشعر بالسكينة والطمأنينة، ويملأ السلامُ روحَها، كما حدثتني هي بذلك أكثر من مرة. وكلما غاب عن بيتنا فترة، هي من كان يستحثني على الدوام على تكرار دعواته للإفطار. كل عائلتنا – أنا وهي والأبناء – تتهلل وجوهنا بالبشر، حين يحلّ علينا ضيفاً. نشعر بالغبطة لوجوده في منزلنا، وكأن أرواحنا تتطهر بطهارته، وأنفسنا تتزكى بتزكيته، فهو بالرغم من صمته، إلا ان عبادته وأذكاره، وما يبعثه من مناخات معنوية عذبة، كل ذلك يسقي حياتنا الروحية، ويكرس إيماننا، ويثري ذواتنا بمزيد من التدفق والإشراق المعنوي.

البستاني بسيط كالهواء، طري كالماء، دافئ، عفوي، جذاب. ومع أنه كان معلماً أخلاقياً، وقدوة تربوية في الحياة الروحية، لكنه لم يتهكم أو يزدري من لا يتطابق مع رؤيته وطريقة تفكيره. كان يدرك أنه ليس بالضرورة أن يتعطل عقلنا في حضرة معلم الأخلاق، أو يتوقف تفكيرنا في مقام ملهم الروح، ذلك أن مسارات القلب والروح غير مسالك العقل ودروبه. إن هذا الخلط بين المسالك والمسارات المختلفة أفضى بالمتصوفة الى تعطيل عقولهم، وجمود تفكيرهم، والركون الى مشايخهم في كل شأن دنيوي، بل اتخذ بعضهم من شيوخ الطرق الصوفية أوثاناً.

‏  ‏اختلف مع محمود في طريقة تفكيره غير العلمي، تفكيره يتماهى مع الأوهام أحيانا ويغرق في مخيلته الشعرية. نتفق في الإيمان بالغيب والثقة بالله، واحتياجات الروح للعبادة، والوفاء للأخلاق النبيلة. بالرغم من أن محمود كان مسكوناً بالتفسيرات الغيبية، وهو يعرف نحن نختلف في أسلوب فهمه، ومنهج تحليله للظواهر المختلفة، لأني أعتمد العقل والعلم في تفسيرها، وعادة لا نتفق إلا فيما يتصل بالروح والقلب والأخلاق. لم يكن يتبرم من مناقشاتي ومشاكساتي، بل كان يهتم بما تثيره أسئلتي، وأحياناً يؤشر بدفء وهدوء لاهتمامي بمناقشة كل صديق تصوّب تواتر مناظراته تفكيري، ولا تتطابق رؤاه مع أفكاري. وحين أناقشه في الكثير مما يدلي به؛ لا يتعصب، أو يضجر، أو ينفعل، أو يحتكر الكلام، أو يضع نفسه في مقام الأستاذ والمعلم، أو يفرض رأيه على المتلقي. ظلّ على الدوام مهذباً؛ يتقن فن الإصغاء، يحتفي بمن يتحدث معه، يلتزم آداب العالِم والمتعلم، وأخلاقيات أهل العلم في المناظرة. صمته أكثر من كلامه، إشارته تسبق عبارته، يتجنب كل كلمة أو عبارة حادة أو خشنة في حديثه. لم أسمع من كلماته أو أرى من إشاراته ما يشي بعنف رمزي مضمر. طالما خضنا نقاشات في الظواهر الطبيعية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والصحية، والمناخية، والجغرافية، والتاريخية المختلفة… وغيرها، التي يعللها هو؛ بما هو ميتافيزيقي، وما هو خارج العالم الطبيعي المحسوس، ويشدّد على اختزال كل ذلك ونسبته الى الغيب، والى الله تعالى مباشرة. ورغم ايماني، وعدم تنكري لعالم الغيب. إلاّ أني أسعى دائماً؛ لاستكشاف وتشريح أسباب تلك الظواهر وعللها وبواعثها، وظروفها، وعناصرها ومكوناتها، وبنيتها العميقة، وكل ما هو طبيعي من الأسباب.

البستاني كائن ميتافيزيقي، يعانق الملكوت في بصيرته. يخشع حينما يتحدث عن ملهم تجربته الروحية الحاج عبد الزهرة الكرعاوي، وسطوته العميقة على مريديه، وبراعته في التسامي بأرواحهم الى قمة مدارج السالكين. رأيت عبد الزهرة الكرعاوي للمرة الأولى سنة 1978 عندما كنت طالبا في الحوزة العلمية في النجف، في دكانه الملاصق للصحن الشريف للإمام علي بن أبي طالب، من جهة جامع الطوسي، وعادة ما كنت أشاهد السيد محمد الصدر، والشيخ غالي الأسدي، وغيرهما، يجلسون على دكة حانوته. أثار ذلك انتباهي؛ فسألت الشيخ غالي الأسدي: ماذا تفعل أنت والسيد محمد الصدر عند هذا الرجل، الذي يبيع الترب والسبح، وكراسات الزيارات والأدعية والأذكار؟ فقال: إنه شيخنا وأستاذنا، ومنبع إلهام أرواحنا، يهبنا ما نفتقر اليه في دراستنا وتدريسنا للفقه والأصول والمعارف الإسلامية، إنه يمتلك خبرات روحية، وتجارب دينية، ومعارف سلوكية هامة، تلقّاها من خبراء في هذا المجال، وتنامت بمرور الزمن، عبر التذوق المكاشفات والارتياض والأذكار والتنسك والوجد.

محمود البستاني لا يكفّ عن ذكر شيخه وملهمه الروحي، كان متيما بالحاج عبد الزهرة، يصرّ على أنه تلقى منه ما لم يحصل عليه من الدراسة الجامعية والمطالعة. ولفرط انغماره بالارتياض الروحي، وذوبانه في العبادات والطقوس، تجاهل بالتدريج ماضيه الأدبي، كشاعر مطبوع، وأديب محترف، وناقد أدبي، واسم متميز في الحداثة الأدبية الستينية في العراق، الى الحد الذي كان لا يحبذ قراءة الشعر، أو استعادة أي شيء يشير الى ذاكرته الشعرية، أو الاهتمام بما أبدعه في الشعر، بل تناسى ما نشره وكتبه من قصائد. استمر تأثير موهبته الأدبية ومطالعاته لنصوص الحداثة في كتاباته. ومع ذلك سمعت منه مرات عدة كيف نشأت وتشكلت صداقاته مع جيله من الأدباء الستينيين في النجف، من دون أن يعطله إيمانه، أو يعزله تدينه عن بناء شبكة علاقات مع رموز الحداثة الشعرية المعروفين، مثل: عبد الأمير الحصيري، موسى كريدي، عبد الأمير معلّه، حميد المطبعي… وغيرهم. لم يُهمل ذكر بعض المواقف والحوادث الجميلة، عن؛ علاقاته الثقافية، وماضيه الأدبي، وبدايات تكوينه، ونمط مطالعاته المبكرة. قال لي: في السنوات الأولى لإصدار د. سهيل ادريس مجلة الآداب ببيروت، كان لا يصل الى النجف إلاّ نسختان أو ثلاث منها، ولأني أعمل مع المرحوم والدي في السوق، أستطيع شراء واحدة منها، وبعد مطالعتي لها يستعيرها بالتناوب كل مرة؛ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله.

محمود أديب موهوب في ابداع نصوصه، يكتب بقلم مدهش، بلغة مكثفة مسبوكة بذكاء، غنية بالمفردات الحديثة، كان يكتب حتى الأوهام والخرافات بهذه اللغة، وإن كان لا يتقن الخطابة والتحدث بلباقة. بصمة بيانه المكثف تطبع الحقول كافة التي كتب فيها، ففي تفسيره وغيره ترتسم النصوص بلغة غنية، غزيرة، مضيئة، حين تقرؤها كأنك تلتقي أطياف قصيدة نثر، أو شذرات المتصوفة الكبار، كالنفري، والحلاج، وابن عربي. حتى آخر حياته؛ كان لا يزهد بمطالعة النصوص الإبداعية الأدبية، والإنتاج الفكري الجديد، فقد كان يستعير مني ما يجده من مطبوعات ودوريات جديدة، ويطالعها عاجلا.

نحن بحاجة الى استئناف النظر في تفسير البستاني “عمارة السورة القرآنية” دراسة وتدريسا؛ ذلك أنه يمثل محاولة متميزة في دراسة بنية ومنطق وشخصية السورة القرآنية، واكتشاف نسيج العناصر والمفاهيم والمقولات الخاصة المكونة لعمارة كل سورة. يجترح محمود تسمية “عمارة” لتفسيره، وكأنه يحاكي “عمارة المباني الجميلة”، بكل ما تشي به من جمال، وافتتان، ودهشة، وجلال، ولمسات فنية، وإيقاع متناغم مع البيئة. إنه يرى الآيات والسور مثلما يشاهد اللوحات الفنية المبهجة للفنانين البارعين.

التجربة الأولى التي دشنها محمود البستاني في هذا النمط من التفسير، تمثلت في نشره كتابه “في التعبير القرآني” سنة 1980، وضمّنه نموذجا تطبيقيا للتفسير البياني[1]، أو كما يصطلح عليه هو “التفسير البنائي أو العضوي”، ثم واصل تطبيق منهج التفسير البنائي على القرآن الكريم في تفسيره “عمارة السورة القرآنية”، كما استخلص رؤى أولية للأصول النظرية لهذا التفسير، والتي تمثل القسم الأول من كتابه “المنهج البنائي في التفسير”.

اقترحت على المرحوم البستاني أن أعدّ له كتاباً، يشتمل على بعض نصوصه السابقة، مع حوار أجريته معه ونشرته في مجلة قضايا اسلامية معاصرة، وأسميت الكتاب: “المنهج البنائي في التفسير”، فوافق هو على العنوان. وكتبت له مقدمة تناولت فيها ملامح هذا المنهج ونشأته وتطوره، وجهود البستاني في إغنائه وتوظيفه في دراساته القرآنية، ثم في تفسيره الموسوم بـ : “عمارة السورة القرآنية”.

حرص دكتور محمود على أن يجسد لنا ملامح منهجه في التفسير في رحلة تواكب السور القرآنية من أكبرها الى واحدة من السور الصغرى، موضحا أن الحافز الذي دفعه الى تناول النص القرآني في ضوء بنائه الهندسي أو العماري أو البنائي، يتلخص في أن القرآن الكريم مادام قد انتظم في سور خاصة فلابد من أسرار خاصة تكمن وراء ذلك، والاّ كان من الممكن أن ينتظم بصيغة أخرى، وهذا يعني أن السرّ لا ينحصر في مجرد تيسير عملية القراءة، بقدر ما يتجاوزها الى أسرار أخرى يكتشفها من يتدبر السور. ويدلّ على هذه الحقيقة ما كان يفعله النبي “ص”، حين كان يأمر كتّاب الوحي بأن يضعوا هذه الآية أو تلك في موقع معين من السورة.

اذن هناك وحدة في السورة تتجلى في موضوع أو موضوعات، ذات نسيج عضوي مترابط، على وفق تخطيط هندسي، بحيث إذا نقلنا بعض الآيات أو المقاطع ووضعناها في محل آخر، أو حذفنا أو قدّمنا أو أخّرنا بعضا منها عن الآخر، فسيحدث خلل في الموضوع، وتشوّه في الفكرة، التي تشي بها الآيات الكريمة، على وفق نظمها في السورة، أي إن النص القرآني هو وحدة موضوعية أو فكرية، تتضمن أجزاء متناسقة فيما بينها، بحيث تصب هذه الأجزاء في تلك الوحدة. لا ينبغي النظر الى كل جزء منفصلا عن علاقته بالأجزاء الأُخر، وعلاقة الأجزاء جميعا بوحدة الفكرة والموضوع؛ لأن النظر الى كل جزء منفصلا عن الآخر يجعله فاقدا لوحدته الموضوعية.

رحل محمود الروح والقلب والسيرة،كان محمود معلما للأخلاق بصمته، وملهماً للروح بوصاله مع الحق، وزاهداً في كل ما يتهافت عليه الكثير من الناس، وبعض من يزعمون انهم موقعون نيابة عن رب العالمين. ولم يسقط في ما سقط فيه غيره من معارك رخيصة على متاع رخيص، ولم يفتش عن مصفقين يمنحونه ألقاباً كاذبة، أو مهرجين يُقلدونه أوسمة زائفة، مثلما يفعل سواه في ديارنا.

ما أشد حاجتنا اليوم الى شخصيات روحية أخلاقية؛ تُكرّس تجربتها الروحية وجودنا، ويثري دعاؤها كينونتنا، ونتسامى معها الى حب الله والانسان والعالم، في مجتمعاتنا التي تختنق بدخان الحرائق، وتضج بصخب الدم المسفوح.

لا أعرف ما السرّ في رحيل أولئك الناس الذين يمنحون الناس السلام، فيما يلبث بيننا من يعبثون بحياتنا، ويملؤون عالمنا ضجيجاً وصخباً، ولا يكفّون عن الادعاء والتعالُم!

رحم الله صديقي الروحاني الأخلاقي المهذب محمود البستاني، الذي تعلمت منه شيئاً من؛ حكمة الصمت وصمت الحكمة، والهدوء والسكينة والطمأنينة، والثقة بالله، والاستغناء بالله عن كل ما سواه، والزهد بمتاع الدنيا وبريق بروتوكولاتها ومزاعمها الزائفة، وعدم الحسرة على ما فاتني، والكف عن اللهاث وراء ثرثرة المتملقين المداحين، والابتعاد عن النزاع المزمن على الألقاب والعناوين.

هوامش:

[1] ظهر هذا النوع من التفسير في العصر الحديث في الآثار القرآنية للشيخ محمد عبد الله درّاز، والشيخ أمين الخولي وتلامذته في “مدرسة الأمناء”. واصطلحت عليه د. بنت الشاطئ “التفسير البياني للقرآن الكريم”.

 

رابط النشر: