Category: تفسير القرآن الكريم

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

قائمة برسائل الدراسات العليا المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

تمت يوم الخميس 11-6-2026، مناقشة الرسالة التي قدّمها الطالب مخلوف شمس الدين في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة 2 في الجزائر، بعنوان: “علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة”. وقد مُنحت الرسالة تقدير “جيد جدًا”.

هذه الرسالة هي الحادية والثلاثون في تسلسل الرسائل المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

 وفيما يأتي قائمة بما تمت مناقشته حتى اليوم:

 أولا. الدكتوراه:

  1. الفكر الإسلامي المعاصر والتجديد في علم الكلام: عبدالجبار الرفاعي أنموذجا، اطروحة دكتوراه، صافية مناد،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر، 2020.
  2. النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر عند حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، اطروحة دكتوراه، حسين علي منصور، كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  3. في تأويلية علم الكلام: قراءة زمانية مركبة في أعمال يمنى طريف الخولي وباسل الطائي، وعبد الجبار الرفاعي ومحمد إقبال، إيمان مخينيني، أطروحة ما بعد الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سوسة في تونس، 2023.
  4. الموقف من التصوف الإسلامي في الفكر العربي المعاصر: من العراق هادي العلوي، وعبد الجبار الرفاعي، ومن مصر زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومن سوريا طيب تيزيني، وأدونيس، ومن المغرب محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن، اطروحة دكتوراه، رغد سليم داود، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد، 2024.
  5. نقد العقل التراثي، جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: “عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي”، اطروحة دكتوراه، علي المدَن، جامعة الأديان والمذاهب بقم، 2016.

ثانيا. الماجستير:

  1. التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، مروة حسن فرحان الأعرجي،كلية الآداب بجامعة الكوفة، 2017.
  2. تفكيك بنية التعصب في الفكر الإسلامي: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، علي قاسم محمد، كلية العلو الإسلامية بجامعة بغداد، 2018.
  3. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، أحمد لقمان فهمي، المعهد العالي للحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، 2019.
  4. علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي: عرض ومناقشة، راضية نوري، وفاء بن قطران، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر في الوادي بالجزائر، 2020.
  5. الانهمام بالإنسان في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي نموذجا، بن شليخ مريم،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة عبد الحميد بن باديس في مستغانم بالجزائر، 2021.
  6. التجديد الديني في الفكر الشيعي المعاصر: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، طارق أمين، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، 2022.
  7. التجديد في علم الكلام الأسلامي: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، أسعد صباح شنان،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2022.
  8. مسألة الكرامة الإنسانية في علم الكلام المعاصر بين مشروعي عبد المجيد النجار وعبد الجبار الرفاعي، مسعودة الأعور، مروة عـــــزوز، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر الوادي، 2022.
  9. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، سهيلة شريكي، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامـــــعة محمد بوضيـــــاف – مسيـــلة في الجزائر، 2022.
  10. الإنسان بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد: الراغب الأصفهاني وعبد الجبار الرفاعي نموذجا، هاجر فرزولي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة -1 الحاج لخضر، الجزائر، 2023.
  11. تجديد علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، حراث أنغام، مشري روفيدة، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامعة الشهيد الشيخ العربي التسي بتبسة، الجزائر، 2023.
  12. الكرامة الإنسانية في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه الدين والكرامة الإنسانية، زينب بشار أحمد الخفاف، كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، 2023.
  13. مبادئ تفسير القرآن عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي: دراسة نقدية،كلية العلوم والمعارف القرآنية في جامعة الاديان والمذاهب بقم، 2023.
  14. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد: دراسة مقارنة بين محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي، داود سالم عيسى حسن،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2023.
  15. مفهوم الوحي عند عبد الجبار الرفاعي وحيدر حب الله، سرى مقداد شاكر،كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  16. فلسفة الدّين في فكر عبد الجبّار الرّفاعي: أنسنة الإسلاميّات أم أسلمة الإنسانيّات؟، روي روبير عيد، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، 2024.
  17. التحربة الدينية في علم الكلام المعاصر: عبد الجبّار الرّفاعي أنموذجا، مريم عزيز عبد، كلية الآداب، جامعة واسط بالعراق، 2024.
  18. موقف عبد الجبار الرفاعي من التراث الكلامي الإسلامي: عرض ومناقشة، شروق محمد محمد هاشم بصرة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، 2024.
  19. الإنسان ومشكلة المعرفة في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منال عوني عبد الخالق غنيم،كلية الآداب بجامعة طنطا، مصر، 2025.
  20. آفاق فلسفة الدين عربيا: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، بلبية فريحة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة ابن خلدون، في مدينة تيارت، غربي الجزائر، 2025.
  21. التجربة الدينية دراسة مقارنة بين محمد إقبال وعبد الجبار الرفاعي، فاطمة صالح عزيز، كلية الامام الكاظم ببغداد، 2025.
  22. 27. سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، اعداد: شيماء قدح، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر، 2025.
  23. أثر الهرمنيوطيقا في فهم النص الديني عند عبد الجبار الرفاعي، ميس السراي، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة واسط بالعراق، 2025.
  24. تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبد الجبار الرفاعي”، بلال الحمداني، كلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، 2026.
  25. منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه مقدمة في علم الكلام الجديد، محمود الطائي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الموصل، 2026.
  26. علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة، مخلوف شمس الدين، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبد الحميد مهري، قسنطينة 02، الجزائر، 2026.

 

 

 

تطور اللغة عند أمين الخولي ومهدي المخزومي

تطور اللغة عند أمين الخولي ومهدي المخزومي

د. عبد الجبار الرفاعي

ولد الشيخ أمين الخولي سنة ١٨٩٥م بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي سنة ١٩٦٦م. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره، وتخرج في مدرسة القضاء الشرعي. أصبح مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي في ١٠ مايو عام ١٩٢٠م. وفي ١٩٢٣م، عين إمامًا للسفارة المصرية في روما، ثم نُقل إلى مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م. عاد عام ١٩٢٧م إلى وظيفته في القضاء الشرعي، وانتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب ١٩٢٨م. أسس جماعة الأمناء عام ١٩٤٤م، ومجلة الأدب عام ١٩٥٦م. وأصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام ١٩٦٦م. كتب الخولي مقالات متنوعة في الصحف والمجلات، وألف مجموعةً من الكتب، من أهمها: “من هدي القرآن في أموالهم: مثالية لا مذهبية”، و”فن القول”، و”الجندية والسلم: واقع ومثال”، و”دراسات إسلامية”، و”مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب”، و”المجددون في الإسلام”، و”كتاب الخير: دراسة موسعة للفلسفة الأدبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الإسلامي”.

ومع أن الشيخ أمين الخولي لم يدرس في الأزهر، بل تعلم في مدرسة القضاء الشرعي، لكنه درّس في الأزهر. وكانت محاضراتُه أولَ ما يُدرس من الفلسفة رسميًّا في العهد الجديد للأزهر؛ فهو بعد عودته من ألمانيا عام ١٩٢٧م، انتُدب للتدريس في الأزهر، فألقى محاضراتٍ على طلاب كلية أصول الدين في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها هو “الفلسفة الأدبية”. اهتم الخولي بتجديد البلاغة وأساليب البيان العربي، ودعا إلى تحريرها من حمولة الفلسفة والمنطق الصوري، واصطلح عليها “فن القول”. كان هاجسُه ربط أساليب البيان والتعبير بالحياة، وتكريس الذوق الفني، والانفتاح على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والكشف عن الأبعاد النفسية للبلاغة، ودشن أفقًا آخر في بيان أساليب تفسير النصوص، وما يشوبها من ملابسات الذات والزمان والمكان والبيئة. كان الشيخ الخولي أول رجل دينٍ مسلم حاول العبور من المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم الدين ونصوصه، إلى استعمال مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، وتوظيفها في بناء فهمٍ بديل ونقدِ الفهم القديم، وتميز بخبرة رصينة وشجاعة كبيرة في توظيفها. “عمل أمين الخولي في روما إمامًا للسفارة المصرية ومكث في إيطاليا عامَين، وأجاد الإيطالية، وشرع يتعرف على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين في أوروبا، كما عمل في مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م، وتعلم اللغة الألمانية. لما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام ١٩٢٧م عاد إلى مصر، واستأنف عمله في مدرسة القضاء الشرعي ثم في كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا، وأستاذًا لكرسي الأدب في عام ١٩٤٣م”.

اكتشف مدة إقامته في إيطاليا الأساليب الجديدة في التربية والتعليم في أوروبا، وتعرف عن قرب على نمط التعليم الديني في الفاتيكان، الذي جعله يدرك ضرورة إصلاح نظام التعليم الديني القديم في الأزهر. أشار هو إلى ذلك بقوله: “قصدت إلى دراسة الخطط والأساليب التي تُتبع في الدراسات اللاهوتية، كما نظرت فيما حولي من الدولة الدينية (الفاتيكان) القائمة في عاصمة الدولة المدنية (إيطاليا)، وخلال تتبع لهذه الدراسة اللاهوتية في أقطار أوروبا التي عشت فيها بعد ذلك، كألمانيا، أو أقطار زرتها مجرد زيارة، وعمدت بعد الدراسة والتفكير للكتابة عن قضية الأزهر وإصلاحه”. كتب بيانَه لتحديث الأزهر، الموسوم ﺑ “رسالة الأزهر في القرن العشرين”. نشر الأزهر عام ١٩٣٦م هذه الرسالة، ثم تكررت طبعاتُها لاحقًا، بعد أن نفدت الطبعة الأولى سريعًا.

ويعد مهدي المخزومي، الذي ولد سنة 1919 وتوفي سنة 1993، أحد أبرز أعلام الدرس اللغوي الحديث في العراق، إذ تلقى تعليمه العالي في جامعة القاهرة وتخصص في اللغة العربية وعلومها متأثرًا بمناهج البحث اللغوي الحديثة، ثم عاد إلى العراق ليعمل أستاذًا في جامعة بغداد وأسهم في تكوين أجيال من الدارسين، وانشغل بتجديد النحو العربي، فدعا إلى إعادة بنائه على أسس أقرب إلى روح اللغة واستعمالها الحي بدل الجمود على التقسيمات المدرسية الموروثة، كما اهتم بأساليب البيان العربي وسعى إلى فهمها في سياقها الأدبي والتداولي لا في حدود القوالب التقليدية، فكان مشروعه محاولة لتخليص الدرس اللغوي من التعقيد وربطه بالحياة والذوق والوظيفة التعبيرية، وقد ترك أثرًا مهمًا في تحديث الدراسات النحوية والبلاغية في العالم العربي.

حرص المخزومي على أن يستعيد النحو وظيفته، وتعامل معه بوصفه مرآة لتحولات الواقع والوعي والثقافة واللغة، لذلك دعا إلى أن يتحرر النحو من تسلط التفلسف، وأن يعاد بناؤه في ضوء ما تقوله اللغة فعلًا. النحو كما فهمه، ممارسة تتجدد بتجدد الحياة، وتصاغ من جديد كلما تغيرت سياقات الاستعمال، وتحولت الحاجات اللغوية والثقافية، وتبدلت أساليب التعبير. في ضوء هذه الرؤية، يصبح النحو تأملًا في: كيف يتكلم العربي، وكيف يُعيد تشكيل لغته، وكيف تنبثق المعاني من صميم الواقع الذي يعيشه الإنسان، وليس من قوالب جاهزة. النحو الحي يستخلص من الفضاء الذي تنبثق فيه اللغة، ومن الأصوات التي تعبّر عنها في استعمالها، ومن الواقع المتغير، والحاجات التي تفرض على اللسان أن يتغير كي يظل قادرًا على التعبير. لا يصح أن نفهم النحو إلا بوصفه مرآة للواقع اللغوي، وفضاءً للتأمل في كيفية تكلم الانسان حين يصغي الى ذاته، وحين ينصت الى الواقع، وحين يعيد بناء لغته كي تواكب ما يشعر به، وتعلن عما يريد أن يقوله. لا يستجيب النحو إلى ما يريد الإنسان أن يقوله إلا حين يتحول من قيد يكبل المتكلم الى أداة لتيسير النطق باللغة.

رفض الخولي أن تكون اللغة خاضعة للمنطق أو لآراء الفلاسفة أو تأويلات المتكلمين، ورأى أن النحو والبلاغة يجب أن ينطلقا من الاستعمال اللغوي لا من القواعد المفروضة، تمامًا كما أكد المخزومي أن وظيفة النحوي ليست فرض القواعد بل تتبع اللغة وتسجيل ملاحظاته.كما أعاد الخولي تعريف وظيفة النحوي والبلاغي، معتبرًا أن مهمتهما هي خدمة الفهم الإنساني للنصوص، لا إنتاج أنظمة مغلقة، وربط بين تجديد النحو وتجديد الدين، مؤمنًا بأن فهم الدين لا يتم إلا بفهم اللغة في حيويتها. كذلك انتقد الطريقة المدرسية في تدريس البلاغة والنحو، ودعا إلى تجاوز تقنينات السكاكي والجرجاني والعودة إلى النصوص الحيّة كما يستعملها الناطقون باللغة، مثلما دعا المخزومي إلى استفتاء “اللغة كل اللغة” لا الاكتفاء بالقواعد. اتفق الخولي والمخزومي على أن اللغة تتطور بتطور المجتمع، وأنها ليست محكومة بعقل الفرد أو منطق النحاة، بل يجب أن تدرس في سياقات استعمالها، ولهذا رفض كلاهما أن تكون الدراسات اللغوية معيارية أو فلسفية، بل وصفية تطبيقية تنطلق من الواقع.

في سياق هذه الدعوة لتجديد اللغة دعا أمين الخولي لتجديد مناهج التفسير، وضرورة استخدام المناهج الحديثة، وتجاوز الأدوات التراثية في تفسير النصوص الدينية. رأى الخولي أن التفسير فنًا للفهم، يخضع لرؤية المفسر وثقافته وأفقه التاريخي. تحدثت عن ذلك بالتفصيل في: “الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي”، وأوضحت كيف أن الخولي لم يكتف بالإنصات إلى ما يقوله النص، بل نظر إلى المفسّر ذاته وأحكامه المسبقة وواقعه الذي عاش فيه، بوصفه فاعلًا في إنتاج المعنى، وهو ما جعله يعلن أن المفسر “يُلوّن النص” بفهمه له. أسس الخولي لمنهج جديد في تفسير القرآن، يراعي ذات المفسر والواقع الذي يعيش فيه وأفق انتظاره. وبذلك تتجلى “فرادة أمين الخولي في محاولته الرائدة لتوطين الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص داخل الدراسات الدينية بالعربية، إذ يمكن القول بعد استقراء وتتبع إنه أول هرمنيوطيقي في العربية وربما في عالم الإسلام، فلم يعرف قبله من سبقه إلى هذا المنحى حتى في بلاد الإسلام غير العربية… إن ما يقوله الخولي يحيل بوضوح إلى الهرمنيوطيقا الحديثة، فهو يتحدث عن أفق المفسر ويجعل التفسير عملية حوار وإنتاج متبادل للمعنى بين النص والقارئ، لا تلقيًا سلبيًا لما يقوله النص. التفسير عنده قراءة للقراءة وفهم للفهم، يشارك فيها المفسر بمعارفه وثقافته ومسلماته المسبقة، ليولد المعنى في ضوء أفق انتظار المفسر ورؤيته للعالم، وبذلك يصبح التفسير عند أمين الخولي مقاربة هرمنيوطيقية حيّة للنص، تعيد الاعتبار لدور المفسر وتكشف عن الطبيعة المتجددة للمعنى في كل قراءة”. راجع: الرفاعي، عبد الجبار، الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي، 2025، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

دعوة أمين الخولي رأينا ثمراتها في مدرسة الأمناء التي أسسها هو بمعية الجيل الأول من تلامذته، وأبرزهم محمد أحمد خلف الله الذي كتب اطروحته الموسومة: “الفن القصصي في القرآن الكريم” لنيل شهادة الدكتوراه في العام ١٩٤٧م بإشراف أمين الخولي، لكن لجنة المناقشة رفضتها، وحجبت الدكتوراه عن كاتبها. والجيل الثاني لمدرسة الأمناء الذي تجلى في الأعمال المهمة لنصر حامد أبو زيد في الهرمنيوطيقا، وأخيرًا أعمال علي مبروك، الذي يمثل الحلقة الأخيرة من تلامذة مدرسة الأمناء.كانت سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر أقدر على التراكم والبناء على الجديد وتطويره. مثلًا ما زالت صحيفة الأهرام، التي أصدرها الأخوان سليم وبشارة تقلا، بتاريخ 5 أغسطس 1876، تواصل الصدور، بعد أن بلغ عمرها حتى اليوم 150 عامًا؛ فقد صدر العدد 50890 بتاريخ يوم الاثنين 6 أبريل 2026. ولنا أمثلة متنوعة في مجلات ثقافية معروفة، كالهلال التي أصدرها جرجي زيدان في 1 سبتمبر 1892 ومازالت تصدر.

لم تتأسس مدرسة لغوية لمهدي المخزومي تمتد في تلامذته، كما امتدت مدرسة أمين الخولي في الأمناء وتواصلت مع تلامذته؛ لذلك لبثت دعوة المخزومي أقرب إلى تجربة فردية جسورة، لم تتشكل في تيار مدرسي فاعل. نرى هذا النمط في سياقاتنا الثقافية في العراق، إذ لا نكاد نعثر على صحيفة أو مجلة ثقافية واصلت صدورها لسنوات طويلة، على نحو ما نراه في الأهرام والهلال، حيث تتراكم الخبرة، ويتصل الجهد، وتتشكل تقاليد راسخة في الإنتاج الثقافي.

بعد رحيل المخزومي خفت صوت دعوته شيئًا فشيئًا، لا لقصور في رؤيته أو ضعف في مشروعه، لكن بسبب سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في العراق التي تفرض عجزًا عن التراكم والبناء على الجديد وتطويره، إثر غياب صورة الدولة الوطنية في اللاشعور السياسي العراقي قرونًا طويلة. ولم تكن البيئة الثقافية والاجتماعية في وطننا مهيأة لاحتضان التجديد وحمايته في اللغة، وفي فهم الدين وقراءة نصوصه، في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، نتيجة تداخل هيمنة القيم القبلية مع الرؤية التقليدية للمؤسسة الدينية، فصاغ هذا التداخل مناخًا يتوجس من كل محاولة لإعادة التفكير في اللغة أو الدين، ويستشعر فيها تهديدًا للثابت التراثي الذي يحتمي فيه نفسيًا. في مثل هذا المناخ نشأ حذر شديد لدى كل مَن يفكر في المضي في هذا الطريق، خوفًا من ردود أفعال قاسية من المجتمع والمؤسسة الدينية، لذلك ينكفئ المشروع التجديدي قبل أن يتحول إلى مدرسة، ويظل أثره كامنًا في النصوص، أكثر مما يتجسد في امتداد حي يحضر في الوعي الجمعي والحياة المعرفية.

https://alsabaah.iq/130360-.html

عجز العلوم عن قراءة لغة الغيب

عجز العلوم عن قراءة لغة الغيب

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

يفتح النص الديني أفقا واسعا لفهم الطبيعة عبر مناهج التحقيق العلمي، إذ يمكن دراسة ما يتعلق بالطبيعة في آيات القرآن، من أرض وسماء، وشمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح ومطر، وجبال وبحار، ونبات وحيوان ومعادن، بمناهج تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظور علمي النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته، والشخصيات التاريخية، والأقوام مثل: قوم نوح وإبراهيم وموسى ولوط وعاد وثمود وقوم صالح وشعيب ويونس وغيرهم، ودراسة الأماكن، كأرض مدين وطور سيناء ومصر والمسجد الأقصى والمسجد الحرام والكعبة ومكة ويثرب وبدر وحنين وتبوك والحجاز، ليفتح أفقًا علميًا لتجديد التفسير، ويؤسس لفهم جديد للوحي. وتتيح مناهج علوم الإنسان المجتمع الحديثة فهم أحوال النفس البشرية، وما تحدثت عنه الآيات القرآنية من ضعف الإنسان وهشاشته وظمئه الأنطولوجي واغترابه الميتافيزيقي، ودراسة وتحليل عوامل نهوض الأمم وسقوطها، وأمثال ذلك فيما يخصّ الإنسان فردًا ومجتمعًا.

كل شيء تتسع له هذه الحقول يمكن دراسته في ضوء مناهج البحث العلمي وآخر معطيات العلوم والمعارف البشرية، لكن من العبث تطبيق هذه المناهج في اكتشاف الحقائق غير المادية وما هو خارج الطبيعة. عوالم الغيب حقائق تنتمي إلى ما وراء الطبيعة، لذلك لا يصح تطبيق مناهج علم النفس وعلم الاجتماع والانثربولوجيا وغيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية وأدواتها في الكشف عنها وتحليل مضمونها ومعرفة ماهيتها. عندما تحاول نظريات هذه العلوم تفسير البعد الغيبي في الوحي، فإن أول ما تبدأ به هو نزع مضمونه الغيبي، والنظر إليه في أفق الطبيعة والمادة. أخفقت محاولات اكتشاف الغيب بمناهج العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسان في متاهات، تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمن يحاول معرفة ذات الله وحقيقته وكنهه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. الغيب لا يُدرك بالعقل التجريبي، ولا بالأدوات التي صُممت لفهم الظواهر المادية. الغيب يشعر به الإنسان بالتجربة الروحية، ويتجلى في لحظة صفائه الباطني، ويشهده الإنسان بالبصيرة، ويتذوقه بالقلب.

لا يمكن ترجمة الغيب إلى معادلات أو نظريات. إنه سرّ لا يُمسك ولا يُحاط به، ولا يُفهم إلا بعد تجليه على روح الإنسان وقلبه، حين تصفو بصيرته، وتستعد لتلقي إشراقات النور الإلهي. محاولة اختزال الغيب إلى موضوع للبحث العلمي بالمعنى التجريبي تنتزع منه محتواه الميتافيزيقي، وتختزل حضوره في الأرقام والحسابات والمعادلات. الغيب في حقيقته ليس شيئًا يُمتلك، بل معنى يُعاش، وحقيقة يشعر بها الإنسان الذي يؤمن به. الغيب يشهد تجلياته الإنسان في الطبيعة، فينبعث من تجلياته نور يضيء روح الإنسان ويبث السكينة في باطنه. ما لم ندرك أن الغيب لا يُعرف إلا بقدر ما ينكشف لمن يتأهل لمشاهدته، سنظل نبحث عنه في الموضع الخطأ، بأدوات لا توصل الإنسان إليه، ولن يبصر منه إلا ظلالًا باهتة لا تُضيء للإنسان الطريق إليه.

التعرف على الغيب في القرآن إنما يكون من خلال ما تتحدث به آياته، وهكذا في الكتب السماوية التي تتحدث عن الغيب. في الحياة الروحية تنكشف تجليات الغيب في حياة الإنسان وتنعكس تمثلاته، الأفق الذي يتجلى فيه الغيب، بوصفه منبعًا لإرواء الظمأ الأنطولوجي، لا يتحقق في العالم الحسي الذي تحكمه قوانين الطبيعة. لا يخضع الغيب في اكتشاف حقيقته ومعرفة كيفيته للعلم ومناهج البحث العلمي، وإن كانت العلوم هي الأداة الأساسية في التعرف على تأثير الغيب في الإنسان فردًا ومجتمعًا والواقع الذي يعيش فيه، ودراسة تمثلاته في الحياة الفردية والمجتمعية. حضور الغيب لا يُقاس بأجهزة قياس حسية، ولا يبرهن عليه بالبراهين التجريبية، بل يُعاش بالتجربة الروحية، ويُذاق بالتأمل، ويُشهد بالبصيرة. الغيب في حياة الإنسان لا يعبر عن ذاته بلغة الأرقام، بل بلغة المعنى. حين يتحدث الكتاب الكريم عن الغيب، فإنه لا يقدم تقريرًا وصفيًا، بل يوقظ شعورًا، ويبث تذوقًا، ويعيد تشكيل صلة الإنسان بالحقّ، ويهبه أفقًا يتجاوز المحسوس، وينقله من ظواهر الأشياء المادية إلى عمق معانى الوجود والحياة.

لغة الدين المختصة بالغيب ضرب من الترجمة لإشارات الغيب ورموزه، ومحاولة لرسم صورة عنه في لغة الإنسان، وتجلٍّ لكلمة الله بكلمات خلقه. الترجمة لا تطابق الأصل، ولا تعكس صورته كما هي، ولا تكشف كل ملامحه، إنها تومئ إليه، وتعكس شيئًا من ملامحه. يظل فهم الغيب في الكتاب الكريم نسبيًا، المفسّر الذي يمتلك أدوات التفسير لآيات الغيب لا يكون تفسيره لها نهائيًا، لأنه يخضع في تفسيره لمشروطيات الذات، وأحكامها المسبقة، وأفق انتظارها، والزمان، والمكان، والواقع، والعوامل والمعطيات المختلفة التي تؤثر في حياته بوصفه فردًا، وفي حياته بضمن المجتمع الذي ينتمي إليها، وليس بوسعه الإفلات النهائي من تأثير هذه العوامل المتنوعة على فهمه، مهما حاول أن يكون محايدًا. لا يمكن الحديث عن تفسير نهائي أبدي لنصوص الكتب المقدسة، ولا عن قراءة أخيرة لمعاني الغيب، بل نحن بإزاء معانٍ تتجدد بتجدد أدوات القراءة وشروط التلقي، وتنبسط كلما اتسعت الرؤية، وتنقبض حيث يضيق أفق الرؤية.كل فهم نوع من التأويل، وكل تأويل اجتهاد بشري في الإصغاء لما يبوح به النص من دلالات في حالات معينة، وظرف بعينه. هذا التأويل ليس نهائيًا في تفسير الغيب، إنه ليس سوى صورة من صور التلقي المحدود.

لغة الغيب عندما تشرح وتصف تنشد أن ترسم أفقًا للشهود. هذه اللغة رؤيوية، تسعى للقبض على معنى لا محسوس، ولا تاريخي، ولا زماني، ولا مكاني، ولا مرئي، ولا محدود، وإيداعه في قالب محسوس ومرئي وضيق ومحدود. لغة الغيب تتعدد مراتبها، وتنشد تلبية مستويات متنوعة من الفهم، ومراعاة درجات مختلفة للتذوق. هذه اللغة يتخطى نداؤها العقل، إنها نداء يتجه لإيقاد طاقات الروح، وإيقاظ الضمير، وإحياء القلب، وشحذ المشاعر، وإثارة الأحاسيس، وتغذية الروح. إنها لغة لا تشرح بقدر ما تلمّح، ولا تكتفي بإبلاغ المعنى، بل تفتح أفقًا للتأمل في المعنى، تنتقل من ظاهر الحرف إلى دلالاته المحتجبة، فيتحسسها الإنسان في شعوره قبل أن تبلغ عقله. لا تُفسَّر هذه اللغة تفسيرًا واحدًا، بل تتعدد تأويلاتها بتعدد اشراقاتها على القلوب، وتتنوع أنوارها بتنوع البصائر، وتتكشف أسرارها بحسب استعداد المتلقي وقدرته على التذوق. لما كان الغيب لا يتسع له العقل، فإن اللغة التي تحكي عنه تتعدد فيها طبقات المعنى، لذلك تتوسل بالمجاز والاشارة والرمز والإيحاء،كي تستنطق ما لا يُقال بالكلمات، وتوقظ ما خفي، وتفتح أفق الشهود لما لا يُرى.

حين تصير الكلمة مرآةً للغيب، تغدو العبارة طريقًا إلى المعنى، لا قيدًا عليه، وتتحول اللغة من أداة إخبار إلى وسيلة حضور. هذه اللغة لا تنتجها قوالب الجدل الكلامي، ولا تختزل في حدود مقولة اعتقادية، ولا تقف عند ظاهر اللفظ، بل تفيض من عمق التجربة الروحية، وتنبعث من الحاجة الأنطولوجية للإنسان إلى المعنى والسلام والسكينة والطمأنينة والمحبة والرحمة الإلهية. حين ينطق بها القلب، يتدفق من الكلمة دفء، وتنبعث من العبارة حياة، ويشع من النص نور يهدي الإنسان إلى الله، لا بالخوف بل بالشوق، لا بالرهبة بل بالمحبة، لا بالإكراه بل بالوجد.

اللغة التي تتحدث عن الغيب لا تعلّم فقط، بل تُلهم؛ لا تُقنع فقط، بل تُضيء، لا تشرح فقط، بل توقظ شيئًا خفيًا في باطن الإنسان.كل فهم للغيب تأويل، وكل تأويل للغيب هو سفر إلى ما لا يراه الإنسان ولا يدركه بحواسه الظاهرة، لا يُرشد إليه إلا القلب المستعد، والروح والبصيرة المتأهبة لاستقبال النداء الذي لا يسمع بالأذن، بل يدرك في لحظة انكشاف عميق. في هذه اللحظة، تنكشف الكلمة لا بوصفها علامة صوتية، بل ككائن ينبض بالمعنى، وتتحول العبارة إلى قناة للفيض، وتكون الآية مرآة لما وراء الظاهر. هنا لا يعود النص مجرد بنية لغوية، بل يُصبح نداءً روحيًا يشرق بنداء الغيب، ويعود إليه، ويتوسل بالقلب ليفهم، وبالذوق ليُذاق، وبالبصيرة ليُرى. في هذا الأفق، يتبدى الغيب لا كغربة، بل كحنين دائم إلى الحقّ، وسفر لا ينتهي في طلب المعنى، وانتظار مستمر لإشراق الكلمة في ليل الحيرة.

بهذه المناسبة أود الإشارة إلى أنه تأتيني بين حين وآخر أسئلة من قراء مختلفين، يتساءلون عن: التفسير الذي يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في فهم القرآن الكريم، ويثق برؤيته ثقة مطلقة؟ وغالبًا ما أكرّر الجواب ذاته، مؤكدًا أن الكتاب الكريم لا يختص به المفسرون دون غيرهم، ولا يمنح أحدًا امتياز احتكار معناه، لأنه نزل لكل الناس، في كل زمان، ولكل من يتلقاه بقلبه وروحه وعقله، من دون تمييز أو وصاية لفرد أو جماعة. لهذا وجه القرآن خطابه لعامة الناس من دون تخصيصه بفئة معينة، فورد بصيغة “يا أيها الناس” عشرين مرة، و”هدى للناس” ثلاث مرات، و”ذكرى للناس” ثلاث مرات أيضًا، و”بيان للناس” مرتين، و”بلاغ للناس” مرتين كذلك.

لما كانت لغة الغيب في القرآن رمزية، انفتح المعنى فيها على تعدد التأويل، وصار كل إنسان يستوحي من رموزها ما يلهمه روحيًا، وما يضيء بصيرته، ويغذي شعوره بصلته بالله. وحين يشكّل القرآن منبعًا أساسيًا للحياة الروحية، وتتفتح هذه الحياة في آفاق ما تلهمه للتجربة الروحية من معانٍ، وما تستلهمه من اللغة الحاكية عن الغيب، تتضح كيفية هذه التجربة بوصفها تجربة شخصية لا ينوب فيها أحد عن أحد، ولا يقدر إنسان أن يهبها لغيره، ولا أن يؤديها نيابة عنه. لذلك يغدو من الطبيعي أن يبني الإنسان صلته بالقرآن بنفسه، ويتلقى نداء الله كما ينكشف له، وينصت لصوته بوصفه نورًا ينبثق في داخله، لا كما يُملى عليه من خارج ذاته، ولا كما يتلقاه من وصيّ على الفهم.

التجربة الروحية تنبع في داخل الإنسان، وتتخلق بحسب تذوق قلبه، وبصيرة روحه، واستعداد وعيه، وما يتسع له وعاء وجوده. لا تنشأ هذه التجربة خارج الذات، ولا تهبها قراءة التفسير جاهزة، ولا يكتمل معناها بتكرار قراءة تفاسير آيات الغيب. يبني الإنسان صلته بالله بنفسه، في سياق آيات الغيب في كتابه بوصفها خطابًا شخصيًا موجهًا إليه، ويصغي لصوت الله كما يتردد صداه في أعماقه، ويتعرف عليه بقلبه، ويتذوق بهجة حضوره في روحه.

القرآن ليس كتابًا خاصًا بالمفسرين، ولا يحتكر معناه أحد، لأنه نزل لكل إنسان، ولكل من ينصت لصوت الله فيه. إذا استعصى عليك فهم بعض مفرداته، يمكنك الرجوع إلى معاجم اللغة لاستيضاح معناها، من دون أن تبتعد عن نداء الله في القرآن، أو تستسلم لفهم المفسّر، كما لو كان هو المتلقى الوحيد لكلمات الله. الرجوع إلى التفسير في كل آية، واستعارة معنى جاهز من خارج التجربة الروحية، يضعف صلتك المباشرة بالقرآن، ويحوّل اللقاء بالله إلى وعي مستعار لا ينبع من ذاتك. التفاسير اجتهادات بشرية متنوعة ومتباينة، تتعدد بتعدد ثقافات المفسرين، ومذاهبهم، وعصورهم، وآفاقهم المعرفية، وكيفيات انتظاراتهم من معاني الآيات.

لا يعني هذا الكلام دعوة إلى إهمال ما أنجزه المفسرون من جهود كبيرة، أو تجاهل الإفادة منها، إنما أنشد هنا التنبيه إلى أن الحياة الروحية لا تنبع من وصاية أحد، ولا يهبها أحد لغيره، ولا يكتمل معناها إلا إذا أنشأ الإنسان صلته المباشرة بالله، وتلقّى كتابه كما لو كان نازلًا عليه.

https://alsabaah.iq/118252-.html

 

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

سبيلُ الله هو سبيلُ الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

التديّن الذي يتأسّس على “الولاء والبراء” لا يكون سبيلُ الإنسان فيه متحدًا مع سبيل الله، ولا يمرُّ الطريقُ إلى الله فيه عبر الإنسان، ولا ينطبق على بعضٍ من أفعال الخير فيه عنوانُ “في سبيل الله”، إن كانت من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا. سبيلُ الله على وفق هذا النوع من التديّن لا يتّحد دائمًا مع سبيل الإنسان، أي لا يصدق على فعلِ الخير والعمل الصالح للإنسان أحيانًا أنه في سبيل الله إلا عندما يكون ذلك الإنسانُ متحدًا معه في المعتقد، ومعنى ذلك أن الإنسانَ بوصفه إنسانًا لا غير لا يستحقّ أن يتعامل معه كما يتعامل مع من ينتمي إلى معتقده، ولا ينطبق عنوانُ فعل الخير على ما يفعله من أجله بوصفه إنسانًا إلا في بعض المواقف الخاصة.

تتكرّر في القرآن آياتٌ عديدة تحثّ على إقراض الله، وفي هذا السياق آياتٌ تتحدث عن قضايا أخرى مماثلة يطلب فيها اللهُ أن يقدّمَ الإنسانُ له شيئًا وهو يريد بذلك أن يقدّمه الإنسانُ للإنسان، من هذه الآيات: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً” ، “إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ الله”، “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ” ، “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”. اللهُ غنيٌ عن العالمين غير محتاج لأحد، إقراضُ الله إقراضُ الإنسان، تكريمُ الله تكريمُ الإنسان، حُبُّ الله حُبُّ الإنسان، كلُّ خيرٍ وعملٍ صالح يقدّمُه الإنسانُ للإنسان يقدّمُه لله. ليس هناك طريقٌ إلى الله خارجَ طريق رعاية الإنسان واحترامه وتكريمه. يكتب محيي الدين بن عربي: “فقلتُ له: فأين حظي من ذاتك؟ قال: في إيثارك بأقواتك؛ ألم تعلم يا بُنيّ أنّه لولا الجود ما ظهر الوجود”[1].

عندما لا يتطابق سبيلُ الله وسبيلَ الله لا تُصان حقوق الإنسان بما هو إنسان، ويمكن أن تُصادر حرياتُه في حالات متعدّدة بذريعة حماية حقوق الله، على الرغم من أن اللهَ يعفو عن الإنسان لو عصاه وفرّط بحقوقه حين يستغفر. الله يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، ولا يتنازل عن العدوانِ على أيّ إنسان، وانتهاكِ كرامته وتضييع حقوقه. ذلك حقّ ‏للإنسان، ‏له أن يتنازل عنه، وله ألا يتنازل عنه. يتحدث القرآنُ الكريم عن المغفرة والتوبة والعفو واليسر، فقد وردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها 234 مرةً في القرآن، تكرّر ذكر كلمة الجزاء 117 مرة، والمغفرة ضعف هذا العدد أي 234 مرة، وكلمةُ التوبة ومشتقاتُها 87 مرة، وكلمةُ العفو ومشتقاتُها 27 مرة، وكلمةُ اليسر 3 أضعاف كلمة العسر، فذكر اليسر 36 مرة والعسر 12 مرة. عدلُ الله يقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر لانتهاك كرامة الإنسان، ويعاقب من ضيّع حقوقَه عقابًا أليمًا، ويقتصّ ممن سرق أموالَه ويعاقب مَن أهدرَ كرامته، ويكون العقابُ على شاكلة الفعل.

في ضوء مفهومي للإنسانية الإيمانية يتّحد سبيلُ الإنسان بسبيل الله، سبيلُ الإنسان هو سبيلُ الله، ومفهومُ سبيل الله المنفصل عن سبيل الإنسان لا يوصل إلى الله. سبيلُ الإنسان وسبيلُ الله يتحقّقان معًا، وأن نفيَ سبيل الإنسان يعني نفيَ سبيل الله، كلاهما وجهان لحقيقةٍ واحدة. ذلك هو المضمونُ الإنساني للتوحيد، الذي تنعكس أجلى تعبيراته بالمحبّة والتراحم والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة. أسرع مَن يصلون في سفرهم إلى الله ويحضرون في ملكوته أولئك الذين يجعلون همَّهم الدائم إسعافَ المكروب وإدخالَ السرور على قلبه الكئيب ولو بكلمة محبة صادقة.

مأزقُ التديّن الذي يتأسس على “الولاء والبراء” يكمن في أن الضميرَ الديني يتغلّبُ فيه على الضمير الأخلاقي، وأعني بالضمير الديني ما هو غاطسٌ في البنية اللاشعوريّة، وما تفرضه عليه مقولةُ “الولاء والبراء” ومرجعياتُها الكلامية. يتساءل الضميرُ الديني دائمًا عن تكليفه لحظةَ الإقدام على فعل شيءٍ ما، أو عند ترك شيءٍ ما، يريد معرفةَ موقفه في ضوء معتقده الكلامي، كي يتحدّد موقفُه العملي. أعني بالضمير الأخلاقي ما يحكم به العقلُ الأخلاقي “العقل العملي” بشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ عنوان اعتقادي أو ديني أو هوياتي أو أيديولوجي، ففعلُ الخير على وفق منطق العقل الأخلاقي هو ما تقدّمه للإنسان المحتاج بعنوان كونه إنسانًا لا غير، من دون أيّ توصيفٍ إضافي، سواء كان هذا التوصيفُ الإضافي دينيًا أم هوياتيًا أم ثقافيًا أم عرقيًا أم جغرافيًا أم غيره.

عندما يبتني الضميرُ الديني على الأخلاق يكون هو ‏ذاته الضمير الأخلاقي، ‏وهو يختلف عن الضمير الديني الذي يبتني على مقولة “الولاء والبراء”. في سياق مقولة “الولاء والبراء” يوجدُ الضميرُ الديني عندما يوجدُ التكليفُ بمدلوله في علم الكلام القديم، وينتفي هذا الضمير عندما ينتفي التكليفُ. فعلُ الخير على وفق مفهوم “الولاء والبراء”، هو ما تقدّمه للإنسان بتوصيفه وعوانه الإضافي، وهو عنوانُ كونه من دينك أو من مذهبك، لذلك لا يجد المُعتقِد بذلك، في أكثر الحالات، حافزًا لأن يفعلَ خيرًا ويعمل صالحًا للإنسان بعنوان كونه إنسانًا، لأنه غيرُ مكلّفٍ بذلك، فينحصر فعلُ الخير والعمل الصالح في ضميره الديني بما يقدّمه للإنسان بعنوان كونه من مذهبه أو دينه، انطلاقًا مما ينغرس في ضمير المتديّن من أن مفهومَ الخير لا يصدق على أيِّ فعلٍ مالم يكن خيرًا بالمعنى المكلَّف فيه المتديّن. هذا المنطق لا يختصّ بدين خاص أو معتقد معين، هذا المنطق يفرض على كلِّ صاحبّ عقيدة دينية من أيّ دين أن يكون فعلُ الخير مختصًا بدينه، إن كان فعلُ الخير في عقيدته مشروطًا بأتباع دينه ولا ينطبق على غيرهم.كما يتسلّط هذا المنطقُ ويأسر كلَّ إنسان ينطلق في فعل الخير من عنوانٍ للإنسان مُقيَّدٍ بتوصيفٍ إضافي مهما كان، سواء كان ذلك القيدُ دينيًا أو هوياتيًا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو جغرافيًا أو حزبيًا أو غيره. خلافًا لمن ينطلقُ في فعل الخير من الضمير الذي يحكمُ به العقلُ الأخلاقي، فهو يتألمُ لآلامِ الناس بوصفه شريكًا لهم في إنسانيتهم، ويشعرُ باحتياجاتهم وآلامهم بغضّ النظر عن كونِهم شركاء في ملته أو خارجها، أو اتفاقِهم معه بأيّ توصيف آخر خارج عنوان كونهم شركاء في الإنسانية.

الضميرُ الأخلاقي يفسد إن كان مشروطًا، لأن الضميرَ الأخلاقي حرٌّ بطبيعته لا يقبل أيَّ قيد، بمعنى أن التعاملَ بصدق وأمانة وعدل حسنٌ مع كلَّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضّ النظر عن دينه ومعتقده وجنسه وثقافته، والتعاملَ بالكذب والخيانة والظلم والتمييز بين الناس قبيحٌ مع كلّ إنسان بوصفه إنسانًا. التربيةُ على “الولاء والبراء” وغيرها من المقولات الاعتقادية المماثِلة تفرض سلسلةً من الشروط لتصنيفِ البشر على مراتب، وعدمِ إنصاف الناس، والتمييزِ بينهم في المعاملة على أساس معتقداتهم، فمن تتطابق معتقداتُه معك يستحقّ أن تعامله كنفسك، في حين لا يستحقّ المختلِفُ عنك في الدين الحقوقَ التي يستحقّها الشركاءُ في معتقداتك.

لا يمكن بناءُ حياة روحية وأخلاقية أصيلة في مجتمع تتفشّى فيه ثقافةٌ يتسلط فيها التكفيرُ على الضمير الديني ويُلزِم المتديّنَ بمقاطعة المختلِف في المعتقد. لا يستطيع قلبٌ يمتلئ بكراهية الإنسان المختلِف في المعتقد، وروحٌ لا تشعر بالانتماء للعالَم، وعقلٌ ينهكه التشاؤمُ والاغترابُ والارتيابُ من الآخر، أن يؤسّس لحياة روحية وأخلاقية حقيقية، تشفق على المعذّبين، وتتضامن مع الضحايا، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وإثنياتهم، وتتصالح مع العقل وقيم الحق والخير والسلام والجمال في الحياة.  يمنع أحد رجال الدين السلفيين تداول “كل عام وأنتم بخير” حتى بين المسلمين بذريعة أنها مستعمَلة عند غير المسلم، إذ يقول: (أمَّا “كل عام وأنتم بخير”؛ هذه تحية الكُّفَّار، سرت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا)[2]. العقل السلفي يستفزّه التحدّثُ أيام المسرات والأعياد بأية عبارة لم تكن متداولة في مدونات الحديث، وكأن اللغة ولدت في هذه المدونات واكتفت إلى الأبد بمعجمها، ولا مشروعيةَ خارج هذه المدونات لأية كلمة عند الاحتفاء بالإنسان الذي نشترك معه في الإنسانية بالأعياد وغيرها من المناسبات السارة.

في ضوءِ ذلك نفهمُ لماذا يشحّ حضور عطاء مَن يعتقد بذلك في قائمةِ أعظمِ المتبرعين بثرواتهم من أجل الإنسانية ككل. لا نرى حضورًا لأصحاب الثروات ممن يعملون بـمقولة “الولاء والبراء” بما يتناسب مع نسبتهم من سكان الأرض، ونفهم السببَ الذي لا يجد معه رجالُ الأعمال دافعًا للعطاء من أجل إسعاد الإنسان بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن دينه،كما يفعلُ أصحابُ الضمائر الأخلاقية اليقظة، الذين ينصتون لنداء العقلِ الأخلاقي، من مالكي الثروات الهائلة في العالم، الذين لا ينظرون إلا لاحتياجات الناس الذين يستحقون الرعاية، ولا يهتمون بمعتقداتهم وهوياتهم الإثنية، فينفقون في أعمال الخير مليارات الدولارات، ولا تختصّ مشاريعُهم بصنفٍ من البشر دون غيرهم.

أخلاقُ الإنسان مرآةُ إنسانيته. خلصت من كلِّ تجارب حياتي إلى أن الإنسانَ الوحيد الذي يمكنُ أن أراهن عليه هو مَن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا غير مشروط، بغضِّ النظرِ عن دينه وهويته وقوميته وثقافته وجنسه ولونه وموطنه، وبغضِّ النظرِ عن مقامه الاجتماعي والسياسي والمالي والثقافي.

 

 ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى.  [1]

https://www.al-albany.com/audios/content/4586/%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%82%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%AA%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B1  منشورة بصوته على الرابط التالي في الأنترنيت: [2]

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

د. عبد الجبار الرفاعي

مفهوم فعل الخير والعمل الصالح اللامشروط يتنافى مع مفهوم فعل الخير والعمل الصالح في ضوء مقولة الولاء والبراء، إذ لا يصدق فعلُ الخير والعمل الصالح فيها على المختلف في المعتقد. في إطار مقولة “الولاء والبراء” لا يكون فعلُ الخير خيريًّا أو العمل الصالح صالحًا بذاته، وبوصفه فعلًا يُسعِد الإنسان المتلقي له والمبادر به، وإنما يستمدُ فعلُ الخير قيمتَه من كونه متصفًا بالخيرية بحسب المعايير والحدود المرسومة في مقولة “الولاء والبراء”، وهذه الصفة لا تتحقّقُ إلا عندما يكون ذلك الفعلُ من أجل المشتركين في العقيدة، فيكتسب قيمتَه الخيرية وصلاحه من حكم العقيدة بأنه فعلُ خير وعملٌ صالحٌ، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الحكمُ مطابقًا في كل الحالات لحكم العقل الأخلاقي “العقل العملي”، لأن أحكامَ العقل الأخلاقي لا تقبلُ التقييد بهوية اعتقادية أو سواها من الهويات القومية وغيرها. أحكامُ العقل الأخلاقي لا تقبل التقييد، فالكذبُ قبيحٌ والصدقُ حَسَنٌ مع كل الناس، والظلمُ قبيحٌ والعدل حَسَنٌ مع كل الناس، والأمانةُ حَسَنةٌ والخيانة قبيحةٌ مع كل الناس، بغض النظر عن معتقداهم الدينية وهوياتهم المجتمعية وغيرها.

عندما يشدّدُ من يتبنى “الولاء والبراء” على أن أيَّ فعلِ خيرٍ وعملٍ صالح يجب أن يكون لله، ولا يُشرك به أحدًا من الخلق، يريد بذلك أنّ كلَّ فعل لا يتصف بالخيرية إلا إن كانت تنطبق عليه المعايير والقيود والشروط المنصوص عليها في العقيدة كما يفهمها ويفسّرها هو، وهي تعني ألا يفعل فعلًا من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا، بل يفعله لمن ينتمي إلى معتقده خاصة[1]. وإن كان المقصودُ هو الإنسان في بعض الحالات فإنه مقصودٌ لسبب ما، وليس لكونه إنسانًا فقط، وهو ما تحيلُ إليه الرؤية التوحيدية السلفية الذي تتفرع عنها مقولةُ “الولاء والبراء”. لذلك لا يبادر مَنْ يعتنقون هذا المعتقدَ إلى فعل الخير للناس من دون نظر لعقيدتهم، يختص فعلُ الخير لمن يشترك معهم في المعتقد دون سواه، بمعنى أن التديّنَ الذي يبتني على هذه الرؤية يرى أن الصلةَ بالله لا تتحقّق إلا من خلال ميثاقٍ خاص للاعتقاد، وما يرسمه هذا الميثاق من حدود تفصيلية دقيقة لمعتقداتِ المتديّن وسلوكِه. الميثاقُ يتضمن مقولاتٍ اعتقاديةً تمنع فعلَ الخير لمن يعتقد بمعتقد آخر في بعض الحالات، وترسم بوصلةً ترشد لخارطة الخيرية التي حدودها أهل المعتقد، داخل هذه الحدود تكون للفعل قيمة دينية تجعله مصداقًا لعنوان كونه خيريًا وصالحًا.

إن مقولة “الولاء والبراء” وغيرَها من مقولات اعتقادية ترسم حدودًا صارمةً لفعل الخير الذي ترى أنه يُرضى الله، وهو كلُّ فعلٍ مشروعٍ بالمعنى الذي تضع حدودَه مدونة الاعتقاد، وكلُّ ما لا يرضى اللهُ عنه على وفق هذا المعنى لا يكون مصداقًا لفعل الخير. وعلى هذا لا يكون الإنسانُ الذي ينطبق عليه عنوانُ ديني أو مذهبي آخر موضوعًا لفعل الخير والعمل الصالح. ولا ينظر إليه من أجل كونه شريكًا في الإنسانية أو محتاجًا لفعل الخير، لأن مثلَ هذا الفعل ليس مطلوبًا لله من منظور أكثر متكلمي الفرق.

إن العملَ الخيري لأجل الإنسانِ بما هو إنسان ليس مصداقًا لفعل الخير لدى أتباع مَنْ يحرّم حتى المبادرةَ بتهنئة مَنْ ينتمي لدين آخر في أعياده، ويحرّم تحيتَه والسلامَ عليه. يقول ابن القيّم: “وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب… وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك”[2]، بل يحرّم بعضُهم أكلَ ذبيحة مَنْ لا يصلي، ودعوته لأية مناسبة، ويفرض مقاطعةً شاملةً عليه. فقد “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[3]، “البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[4]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته. هذا هو الصواب… إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[5]. وقد بلغ الأمر لدى ابن تيمية أقصى مدياته عندما منعَ الإفادةَ من خبرات ومعارف غير المسلم ومنعَ تقليدَه حتى في ما فيه مصلحة للمسلم، إذ يقول: “لا تقلدهم حتى في ما فيه مصلحة لنا، لأن اللهَ إما أن يعطينا في الدنيا مثله أو خيرًا منه، وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة”[6]. وهذا يعني مقاطعةَ المسلمِ للعالَم غير المسلم كلِّه، وذلك متعذر، لأن العالَم اليوم متداخلٌ ومتفاعل ومتشابك كنسيج مترابط في تواصله وتبادله وتفاعله في مختلف مجالات الحياة، وليس بوسع مجتمع يريد أن يحضر في العالَم العيش وكأنه في جزيرة يغلقها على نفسه.

تورّطت أكثرُ الأديان المعروفة بالتكفير في مرحلة من مراحل تاريخها، ولم ينفرد فيه دينٌ واحد فقط، على تباين في درجة التكفير واختلاف في أنواعه وآثاره وحدوده. التكفيرُ مأزق الأديان، التكفيرُ يُفشِّل كلَّ محاولة جادّة للحوارٍ والتعايش بين الأديان. يتنكّر أكثرُ أتباع الأديان للتكفير في أديانهم وتراثهم وتاريخهم، وينزعج كثيرون من الحديث عن التكفير لدى الفرق والمذاهب في تراثنا، وعادة ما يُتهَم مَنْ يكشف ذلك بأنه يُشهِّر بالدين والمذهب الذي ينتمي إليه. وكأنهم لا يعلمون أن التكفيرَ يتفشى في مقولات علم الكلام القديم لكل الفرق.

تحولت مقولةُ “الولاء والبراء” بوصفها رديفة للتكفير إلى سلطة تغلغلت في ضمير المسلم المعتنق لها، بنحو كان معه ومازال المسلمُ الذي يتبناها عاجزًا عن بناء ضمير أخلاقي إنساني حرّ، يسمح له ببناء علاقات إنسانية إيجابية مع أتباع الأديان الأخرى، بل كثيرًا ما عجز المسلم المعتنِق لها عن بناء علاقات ثقة مع المسلم الذي ينتمي لمذهب آخر، لأن عقيدة “الولاء والبراء” تفرض عليه أن يتخذ موقفًا عدائيًّا مع الغير، وهو ما يشدّد عليه بعضُهم بقوله: “واعلم أنه لا يستقيم للمرء إسلامٌ ولو وحّد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين”[7].

الاقتصارُ على إيراد الأقوال والفتاوى السلفية هذه لا يعني شذوذَها ولا أنها الوحيدةُ التي تشدّدُ على ذلك في تراثنا، بل لأنها مازالت مؤثّرة وفاعلة في مواقف أكثر مَنْ يعتقد بها. الواقعُ الذي يعيشه أكثرُ المسلمين غير السلفيين فرض عليهم تجاوزَ تلك المقولات والأحكام في تعاملهم مع المختلِف في المعتقد. تفرض قوةُ الواقع منطقَها لتتغلب على حجج الذين يعاندون صيرورةَ التاريخ مهما كانت. تحدّثنا صيرورةُ التاريخ عن أنَّ مَنْ يمكث في خصومةٍ حادة مع الواقع لن يلبث طويلا في مواقفه ولن يستطيع الصمودَ في مواقعه مهما فعل،كما رأينا ذلك يتكرّر في كلّ الأديان والمعتقدات والهويات والثقافات. التكفير يمزق أواصرَ العيش المشترك في المجتمع، ويزجّ المجتمع الواحد في حروب مفتوحة. فضحُ أرشيف التكفير ضرورة لاستئناف حضور قيم القرآن الكريم الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم، وتحرير ضمير المسلم من التراث التكفيري المظلم.

الهوامش:

 وردت كلمة “خير” في 109 من الآيات القرآنية، وسياق أكثر الآيات فيها يشير إلى عنوان عام لفعل الخير يشمل الكل. كما جاء “العملُ الصالح” مقترنًا بالايمان في سياق يتحدث عن عنوان عام يشمل كل فعل حَسَن يفعله المؤمن لأجل الناس جميعًا.   [1]

   أحكام أهل الذمة 1، 205.[2]

 الولاء والبراء، 1، 18، “المكتبة الشاملة”. [3]

 ابن عثيمين، فتاوى متفرقة، 13، 28، “المكتبة الشاملة”. [4]

   مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274، “المكتبة الشاملة”. [5]

   ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 172، “المكتبة الشاملة”.[6]

 إنجاح حاجة السائل، فصل في بيان حقيقة الإسلام والشرك، ج1، ص 10، “المكتبة الشاملة”.[7]

فعلُ الخير ليس مشروطًا

فعلُ الخير ليس مشروطًا

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الإنسانيةُ غيرُ المشروطة منبعُ كلِّ خير يقدمه الإنسان لكلِّ مخلوق. ‏طاقةُ الإنسانية غيرُ المشروطة تضيء العالَم بأجمل ما يمتلكه الانسان. ‏الإنسانيةُ غير المشروطة على الضد من ‏إنسانية مشروطة تحصرها بهوية أو معتقد أو دين أو أيديولوجيا أو قومية أو جغرافيا أو ثقافة محلية، وأمثالها من شروط وقيود وأوصاف تسجنُ استعدادَ الإنسان لفعل الخير وتضعه في حدودها. مَنْ هو محتاجٌ للإغاثة والحماية والدعم والرعاية والرحمة يستحقها، بغض النظر عما تفرضه الهويات الاعتقادية من حصر فعل الخير ووضع أسوار تحدده في اطارها. في ‏الإنسانية غير المشروطة يُنظَر إلى حاجة المخلوق ويغاث تلهفه، ولا ينظر إلى مَنْ هو المخلوق ولا إلى هويته.

مَنْ يعتنقُ عقيدةً انحصارية، تحصرُ النجاةَ في الدنيا والآخرة بمعتقده، ولا ينجو من النار ويدخل الجنة في الآخرة أيُّ إنسانٍ لا يعتقدُ بعقيدته، يكون لديه فعلُ الخير مشروطًا، بنحو لا يصدقُ عنوانُه وفقًا لمعتقده إلا على ‏مَنْ ينتمي إلى هويته الاعتقادية. هذا الإنسانُ الذي لا يصدق عنوانُ فعل الخير لديه على أيِّ إنسان ‏لا يعتقدُ بعقيدته، لا يجدُ حافزًا دينيًا يدعوه لفعل الخير من أجل إنسان مختلف في المعتقد. فعلُ الخير في نظره يصدقُ على عنوان الهوية الاعتقادية لا غير، لا على الإنسان بوصفه إنسانًا. العقيدةُ الانحصاريةُ تفرض على كلِّ مَنْ يعتقدُ فيها أن يعيشَ وذهنُه وضميرُه الأخلاقي ومشاعرُه مسجونةٌ داخلَ هويته الاعتقادية. لا يكون الإنسانُ في هذه العقيدة إلا أداة تُستخدم لأجل العقيدة، كما تُستخدم الأشياء أداة لتحقيق غرض معين.

مَنْ يتمسك بمعتقد انحصاري يجعل ‏الغايةَ معتقده، الإنسانُ ليس غايةً، الإنسانُ أداةٌ لتحقيق ما تفرضه عليه هويتُه الاعتقادية، لذلك لا يفعل خيرًا من أجل الإنسان بما هو إنسان، وإنما يفعل الخير من أجل المعتقد الذي يحدد له مَنْ ينطبق عليهم عنوانُ فعل الخير من البشر، وهم كلُّ مَنْ يعتقد بمعتقده خاصة من دون غيره من الناس.كلُّ شيء يفعله لا يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا موضوعًا للتكريم والاهتمام والاحترام، وإنما يأخذ الإنسان بوصفه إنسانًا يعتقدُ بمعتقدٍ معين موضوعًا، فالتكريم والاهتمام والاحترام يبدأ بالإنسانِ الذي يشترك معه بمعتقده، وينتهي عندما لا يكون الإنسانُ مشتركًا معه في الهوية الاعتقادية. يكتب ابن تيمية: (وأمّا الكفار فلم يأذن الله لهم في أكل أي شيء، ولا أحلّ لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا”، فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالًا، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمنين به، فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا، ولهذا لم تكن أموالُهم مملوكةً لهم ملكًا شرعيًا، لأنّ الملك الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم، والشارع لم يبح لهم تصرفًا في الأموال إلا بشرط الإيمان.. والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها ملكوها شرعًا، لأنّ الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)[1]. الغريبُ أن الخطابَ في الآية القرآنية التي استدل بها “يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيبًا” يشمل كلَّ الناس، ولم يختصّ بالذين آمنوا، فكيف يُستدلّ بها ويحصرها بالمؤمنين خاصة. الاستدلالات من هذا النوع الغريب الذي يقرأ الآيات في ضوء معتقد المفسّر والفقيه في مدونة التفسير والفقه لمختلف المذاهب ليست قليلة.

في ضوء مفهومي لـ “الإنسانية الإيمانية” يصدق فعلُ الخير على كلِّ عملٍ يساهمُ في حماية كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا بغض النظر عن معتقده ورعايته وإسعاده، ويحرصُ على حقوق كلِّ فرد، إلى أي جنس، أو أي دين، أو أية ثقافة، أو أية هوية ينتمي. فعلُ الخير هو كل مسعى يعمل على بناء الحياة، باستثمار قيم الخير والحق والعدل والسلام، وتكريس ما يسعد الإنسان ويجعل العالَم أجمل، ويحرص على نفع الناس وحل مشكلاتهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف مع هؤلاء الناس في المعتقد أو الهوية أو الثقافة، وغيرها. عندما تكون الإنسانية هي المنطلق والغاية يصدق حينئذ على كلِّ مسعى من أجل إسعاد الإنسان أنه فعلٌ للخير.

فعلُ الخير في “الإنسانية الإيمانية” موضوعُه الإنسانُ من حيث هويته الإنسانية لا غير، يبدأ بالإنسان وينتهي بالإنسان بوصفه إنسانًا، بلا تصنيفات إضافية أيديولوجية واعتقادية وعرقية وثقافية وجغرافية تتعالى على هويته الإنسانية. الإنسانيةُ وحدها هي مناط التكريم والاحترام، الاهتمام بالإنسان ‏بوصفه إنسانًا بذاته، إنسانًا قبل كل شيء وبعد كل شيء. ‏عندما تكون الغاية هي الإنسان من حيث هو إنسان، وليس الإنسان من حيث هو أداة من أجل عقيدته أو هويته أو إثنيته، حينئذ يكون فعلُ الخير من أجل الإنسان، لا من أجل ‏عقيدة الإنسان. في “الإنسانية الإيمانية” العقيدة هي الأداة والإنسان هو الغاية، العقيدة أداة من أجل احترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه واسعاده. ‏

في “الإنسانية الإيمانية” يقترن الإيمان بالعمل الصالح، فقد وردت كلمة الصالحات 180 مرّة في القرآن الكريم، وجاء العمل الصالح ملازمًا للإيمان في 75 موردًا في القرآن، وذلك يشي بأن الأثر الطبيعي للإيمان هو العمل الصالح، ففي “المواضع التي يذكر فيها القرآن الذين آمنوا يقرن بينهم وبين العمل الصالح بشكل صريح، فيما يقرن الإيمان بألوان من الرؤى‏ والقصد والسلوك في المواضع الأخرى‏، يجسد العمل الصالح روحها، ويمثل مادتها التي تتقوم بها، فإن أركان الايمان، وثمراته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، كلـها تأتلف مع العمل الصالح متواشجة في منظومة واحدة، يكتسي ظاهرها وباطنها بالعمل الصالح. ويتجلى‏ لنا ذلك بوضوح عندما نتأمل الآيات التي اقترن فيها الإيمان بالله بالعمل الصالح، فقد ارتبط العمل الصالح ارتباطًا عضويًّا بالإيمان، وبدا العمل الصالح كمعطى للإيمان”[2]. الإنسان يكون صالحًا بقدر جهوده وأثره وثمراته الطيبة في الحياة، وبما يقدمه من عطاء يجعل العالَم أجمل. العمل الصالح معنى عام يصدق على كل جهد يعمل على بناء الحياة، وكل ما ينفع الناس ويحل مشكلاتهم ويسعدهم، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف معهم في المعتقد والهوية والثقافة، “وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، الرعد، 17.

 

السمهوري، رائد، نقد الخطاب السلفي، ابن تيمية نموذجًا، ص 34 – 35، ط 1، ٢٠١٠، طوى للثقافة والنشر.  [1]

 الرفاعي، عبد الجبار، تحديث الدرس الكلامي والفلسفي في الحوزة، بيروت، دار المدى، 2010، ص 76. [2]

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي

د. عبد الجبار الرفاعي

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي يتحدث عن طبيعة الإنسان كما هي، لا يخفي المواقف والاستجابات المختلفة للإمكانات والقدرات والأبعاد المتنوعة في شخصيته. يكشف لنا القرآنُ مواطنَ الهشاشة وغيرها من حالات ضعف الإنسان، كما يكشف مواطنَ القوة والتفرد والتفوق على كل المخلوقات، بخلقه في أحسن تقويم، وتكريمه، واستخلافه في الأرض، وغيرها من حالات وخصائص استثنائية ينفرد فيها. نرى صورتين متقابلتين للإنسان القرآني، وهما:

أ. إنسان يتصفُ بأنه مخلوقٌ ظلوم، جهول، يئوس، كفور، وغير ذلك. يعرض القرآنُ الإنسانَ في صورة غالبًا ما يقترن ذكرُه فيها بحالات وصفات تكشف عن ضعفه، ولا تخفي آياتُ القرآن هشاشة هذا الكائن بطبيعته، إذ تعلن عن ألمه، وغروره، وطغيانه، ويأسه، وقنوطه، وسأمه، وغير ذلك من توصيفات، مثل: “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ”[1]، “وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا”[2]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ”[3]، “فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ”[4]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ”[5]، “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ”[6]،  “بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ”[7]،  “وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا”[8]، “وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا”[9]، “خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ”[10]، “وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا”[11]، “وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”[12]، “أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ”[13]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا”[14]، “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ”[15]، “كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ”[16]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ”[17]، “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ”[18]، “وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا”[19]، “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً”[20]، “وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ”[21]، “خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ”[22]، “وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا”[23]، “وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا”[24]، “لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ”[25]، “نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ”[26]، “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي”[27].

ما نستفيده من هذه الآيات هو أن اتصافَ الإنسان بهذه الحالات يعني أن لديه إمكانيةَ الاتصاف بأضدادها. وأن القرآنَ هنا في مقامِ تعريفِ طبيعة الإنسان وتوصيفها، والإخبارِ عن طبائعه وقدراته وإمكاناته وأحواله، والكشفِ عن عجزه، وليس في مقام إنشاء إهانةٍ أو توبيخٍ أو ازدراء، ولا في مقام إنشاء معايير، أو إصدار أحكامٍ قدحيةٍ عن الإنسان.

توصيفاتُ القرآنِ لهشاشة الإنسان واقعية، يتحدث القرآن الكريم بصراحة عن عجز الإنسان بأساليب شديدة الايقاع، في أكثر من 25 موردًا نرى عرضًا مدهشًا لغُربة الإنسان وغرابته في العالَم، وقصوره وغروره وطغيانه ووهنه[28]. وبموازاة ذلك يرشدنا القرآن على أنه ‏لا يمكن ‏أن يتخلص الإنسانُ من قصوره ووهنه، وغربته واغترابه الوجودي إلا بالإيمان. ‏‏القرآنُ ينبوعٌ لن يجفَ، يتدفقُ كالشلال ليستمد منه الايمانُ جذوتَه الحية، إنه أحدُ أغزر منابع المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، لمن يمتلك مفاتيح اكتشاف كنوز المعنى فيه، لا تنضب طاقة قيم القرآن، ولا تنتهي حاجة الإنسان إليها.

لو توفرت كلُّ حاجاتِ الإنسان المادية والبيولوجية، مثل حاجته للهواء والماء والطعام، والنوم والجنس وكل الأشياء الأخرى المماثلة، كما نرى في حياة الأثرياء المتخمين بتكديس الأشياء والإفراط في استهلاكها، فإن كلَّ هذا الاستهلاك لا يضمن لهم توفير طمأنينةَ القلب وسكينةَ الروح. يظلُ الإنسانُ محتاجًا إلى ما يؤمِن له سلامًا داخليًا، ولن يتحقّقَ ذلك إلا ببناء صلة وجودية بالله. القرآنُ مفتاح بوابة العبور إلى عوالم الملكوت وبناء صلة يقظة بالله.

مالم يتحسَّس الإنسانُ صوتَ الله في داخله لن يتخلص من الاغتراب الوجودي، عندما يموتُ صوتُ الله داخل الإنسان يموت الإنسانُ. وإن كانت “هناك فكرة شائعة، ليس فقط عند عامة الناس بل عند الكثير من العلماء أيضًا، مفادها أنَّ الإنسان هو آلة تعمل طبقًا لشروط بعينها، فهناك الجوع والعطش والحاجة للنوم وللجنس ولأشياء أخرى. لابد إذن من تلبية الحاجيات الفيزيفية والبيولوجية. وإذا لم تشبع هذه الحاجات فإن الإنسانَ يصبح عصابيٌّ أو يموتُ كما هو الشأن في حالة الجوع، وإذا أُشبعت فإن كلَّ شيء يكون على ما يرام. والظاهر أن هذا غير صحيح، فقد يحصل أن تشبع كلُّ الرغبات الفيزيفية والبيولوجية، وعلى الرغم من ذلك لا يشبع الإنسان، بمعنى أنه لا يعيش في سلام مع نفسه، بل يكون لظروف معينة جدًّا مريضًا، حتى وإن كان يمتلك ظاهريًّا كل ما هو في حاجة إليه. ما ينقصه إذن هو منشط يمكن به إيقاظ نشاطه”[29].

يخبرنا القرآنُ أن طبيعةَ الكائن البشري مادامت بهذا الشكل من الضعف والعجز والافتقار فهي لن تستغني بذاتها مهما كانت، إنها محتاجة للإيمانِ، وبناءِ صلةٍ وجوديةٍ بالله. وذلك ما يتحدّث عنه الحضورُ الواسعُ المهيمنُ لله في القرآن. إن خلاصةَ رسالة القرآن، تتمثّل في بيان حاجة الإنسان للدين، من خلال الكشف عن فقره الوجودي، مقابل الحديث التفصيلي عن كمالات الله، واستغنائه عن كلِّ شيء، ومنحِه الإنسانَ ما يفتقر إليه من حاجة وجودية، لا يستطيع بعقله وخبراته وتجاربه وحدها تأمينَ تلك الحاجة أبدًا، وذلك ما بحثتُه في كتاباتي المتنوعة[30].

عند مراجعة الكتابات العربية حول النزعة الإنسانيّة في الإسلام نراها تنسى كلَّ آيةٍ تشير إلى الإخبار عن هشاشة الكائن البشري، وغالبًا ما تهمل آياتٍ تتحدّث عن طبائعِ الإنسان وأحوالِه، وحالاتِ ضعفه وعجزه وغروره وطغيانه، فيما تنتقي تلك الكتاباتُ آياتٍ أخرى تتحدّث عن مزايا الإنسان وحقوقِه وتكريِم الله له ومسؤولياتِه.

القرآنُ كتابٌ إلهيّ لا يرسمُ صورةً مثاليةً للإنسان، كما تفعل بعضُ النصوص، ولا ينظرُ له وكأنه ملاكٌ كله محبة ورحمة وخير وحق وعطاء وسلام، وإنما يتعاطى مع الإنسان كما هو، ويتحدّث عن طبيعته كما هي، يصفها بمختلف أبعادها، ولا يختزلها في بعدٍ واحد. لا يرسمُ القرآنُ صورةً زائفةً للإنسانِ، ولا يريدُ أن يُهملَ طبيعتَه البشريةَ المتنوعة الأبعاد. القرآنُ كتابُ هداية، وهذه الغايةُ الكبيرةُ لا تتحققُ إلّا بالتعرّفِ على حقيقةِ الإنسان كما هي، والإفصاحِ عمّا لا يظهره الإنسان، أو يتعمّد إخفاءَه من مواقف متضادّة أحيانًا.

ب. إنسانٌ يتصفُ بأنه مخلوقٌ في أحسن تقويم، نفخَ اللهُ الروحَ فيه، وأمر الملائكة بالسجود له، ونص على تكريمه، وسخّر له ما في الأرض والسماء، وعلّمه الأسماء، وحمّله الأمانة، وأناط به مسؤولية الاستخلاف. وهذه صورةٌ أخرى يقترن فيها ذكرُ الإنسان في القرآن بحالات وإمكانات وخصائص تكشف عن أنه المتفوق على كل مخلوق، حيث يتفرّدُ الإنسانُ في القرآن بما يلي:

  1. يتفرّدُ الإنسانُ في خلقِه فِي أَحْسَنِ صورةٍ يمكن أن يُخلَق فيها مخلوق، كما تقول الآية: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”. التين، 4.
  2. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي نفخ اللهُ فيه من روحه عند خلقه، فصارت هذه الروحُ مكونًا أساسيًّا لكينونته الوجودية، مما تسامى بمقامه إلى مرتبة لن يبلغها مخلوقٌ سواه في مكانته، كما تقول الآية: “فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ”. (ص، 72).
  3. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي استحق أن تسجد له الملائكة،كما تقول الآية: “فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ”. (ص، 72).
  4. يتفرّدُ الإنسانُ في تكريمِه وتشريفه وتفضيله على ما سواه من الخلق،كما جاء في الآية: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”. (الإسراء، 70).
  5. يتفرّدُ الإنسانُ في تسخّير الله له كلَّ ما في السّماواتِ والأرض، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ”. (لقمان، 20).
  6. يتفرّدُ الإنسانُ في تعليم آدم الأسماء، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا”. (البقرة، 30).
  7. يتفرّدُ الإنسانُ في تعليمه البيان، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ”. (الرحمن، 4).
  8. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية حمل الأمانة الإلهية، وهذا الضربُ من التكريم الوجوديّ هو الذي استحق الإنسانُ بسببه أن تُناط به مسؤوليةٌ عظمى. حملُ الأمانة الإلهية مهمةٌ جسيمة لا يقوى عليها إلّا الإنسان، كما تقول الآية: “وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”. (الأحزاب، 72).
  9. يتفرّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية الخلافة الأرضية نيابة عن الله، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصّت عليه الآية: “إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً”. (البقرة، 30).

 

 إبراهيم، 34.  [1]

 الإسراء، 67. [2]

 الحج، 66.[3]

 الشورى، 48.[4]

 الزخرف، 15. [5]

 عبس، 17. [6]

 القيامة، 5.[7]

 الإسراء، 100. [8]

  المعارج، 21.[9]

 الأنبياء، 37. [10]

 الإسراء، 11. [11]

 الأحزاب، 72.[12]

 يس، 77. [13]

 المعارج، 19.[14]

 البلد، 4.[15]

 العلق، 6.[16]

 العاديات، 6. [17]

 العصر، 2.[18]

 النساء، 28.[19]

 الروم، 54.[20]

 هود، 9.[21]

 النحل، 4.[22]

الإسراء، 83.[23]

 الكهف، 54.[24]

 فصلت، 49.[25]

 التوبة، 67.[26]

 يوسف، 53.[27]

 “حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ”، لقمان، 14.[28]

 فروم، إريك، حب الحياة: نصوص مختارة، تقديم: راينر فونك، ترجمة: حميد لشهب، ص 98.[29]

 تتناول الكتب الأربعة التي أصدرتها في السنوات الأخيرة تحليلَ ومعالجةَ حاجة الانسان الوجودية “الأنطولوجية” للدين، وبيانَ الحدود التي ينجز فيها الدين وعوده في حياة الفرد والجماعة، وبيان ما هو خارج حدود الدين، مما يتكفله عقله وعلومه ومعارفه وخبراته وتجاربه. أصدرتُ هذه الكتب تحت عنوانات: 1. الدين والنزعة الإنسانية 2012، 2. الدين والظمأ الأنطولوجي 2016، 3. الدين والاغتراب الميتافيزيقي 2018، 4. الدين والكرامة الإنسانية 2021. [30]

 

 

مفتاحُ تفسيرِ الكتاب الكتابُ نفسُه

مفتاحُ تفسيرِ الكتاب الكتابُ نفسُه

د. عبد الجبار الرفاعي

مفتاحُ تفسير كلِّ كتاب هو الكتابُ نفسُه، لأن نصوصَه مُضاءٌ بعضها بالبعض الآخر، سواء كان كتابًا مقدّسًا أو غيره. آياتُ القرآن الكريم تفسِّر إحداها الأخرى، وذلك ما دعا أكثر من مفسِّرٍ لتبنى تفسير القرآن بالقرآن. ويعدّ هذا المنهج من أدق مناهج التفسير الموروثة، غير أن مَن اعتمده لم يكن استثناء، فكان اختيارُه لتفسير آيةٍ بآية وكلمةٍ قرآنية بآية وآيةٍ بكلمة يخضع لرؤيته للعالَم وتكوينِه المعرفي ومعتقده ولغته الأم.

القرآنُ الكريم ليس ديوانًا للشعر، أو كتابًا في الفلسفة، أو التاريخ، أو الجغرافيا، أو العلم، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو غير ذلك من أجناس الكتابة. القرآنُ كتابٌ متفرّدٌ ليس كمثله كتابٌ، لا يشبه غيرَه ولا يشبهه غيرُه، حقيقتُه أنه قرآنٌ وكفى. القرآنُ مفتاحُ بوابة الارتواء من منابع النور، وضوءٌ لبصيرة مَنْ ينشد بناءَ صلة وجودية بالله.كان وما يزال وسيظل هذا الكتابُ الكريمُ يوقظ صوتَ الله داخل الانسان. القرآن منجم عظيم، لا يفصح هذا المنجم عن كنوزه إلا بمفاتيح يمتلكها ذوي البصيرة النورانية. القرآنُ الكريم مرآةٌ يتجلى فيها الله، وذلك ما يقرأه كلُّ متدبّر لآياته “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”[1]، ويراه كلُّ مَنْ توقظ قلبَه الأنوارُ الإلهية، وتتذوق روحُه الإشراقاتِ الرحمانيةَ. ذلك ما يشير إليه قولُ الإمام جعفر الصادق “ع”: “لقد تجلى الله لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون”[2].

القرآنُ الكريم يركزُ على الغيب بشكل مدهش، وذلك يعني كثافة حضور ما هو ميتافيزيقي في دلالاته، عالَمُ الغيب لا نفقه منه شيئًا إلا بحدود ما تشير إليها لغةُ الغيب الرمزية. لا طريقَ للتعرّف على ما ينتمي إلى عالَم الغيب إلا أن نستنطقَ القرآن، القرآنُ يحدّدُ نوعَ المعنى الذي تنطقُه لغةُ الغيب. القرآنُ يتحدّثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ لغة الغيب وآياته تأويلًا يخضعها لمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الإصغاء لنداء الوحي هو النافذة الوحيدة للإطلالة على الغيب واكتشاف آفاقه. كلُّ لغة تتحدثُ عن الغيبِ لا تتحدثُ بلغة العلم، لغةُ الغيب ترسمُ صورةً مألوفة لتقريب ما لا صورةَ له إلى ذهن الإنسان. عالمُ الغيب عالمُ الأسرار، الأنطولوجيا الميتافيزيقية في القرآن فضاءٌ لعالَم الأسرار. في لغة القرآن يمكن تمييزُ نوعين من الدلالات، دلالاتُ آياتٍ تتحدّثُ عن الغيب، لغتُها تمثيلٌ ومجازات وكنايات واستعارات وتشبيهات ورموز تشيرُ لحقيقةٍ لا مرئية ولا محسوسة ولا صورة لها، ودلالاتُ آياتٍ لغتُها تتحدّثُ عن الإنسانِ والكائنات والأشياء والقوانين في الطبيعة، هذه اللغةُ تتبادر لنا دلالاتُها الظاهرة، ونتعرفُ على معاني كلماتها عبر الاستعمال، وفي معاجمِ اللغة، وما تكشفُه العلومُ المتنوعة من عناصرها وتركيباتها وخصائها وآثارها[3].

القرآنُ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، عند العودةِ إليه والنظرِ فيه بتدبّرٍ نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه ماثلًا بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر في الأديان. ورد ذكرُ اسمِ “الله” 2699 مرّة في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة “رب” 124 مرّة. الكثافةُ اللافتةُ لحضورِ “الله” وأسمائِه وصفاتِه المتنوّعةِ تدلّل بوضوحٍ على أن القرآنَ يشدّد على الإيمانِ بالله، ويجعله حجرَ الزاوية في بناء الحياة الدينية في الإسلام، ويؤشر إلى ضرورة وصل نظام القيم في الحياة الفردية والمجتمعية بالله، بالمعنى الذي يصير فيه الإيمانُ بالله منبعًا مُلهِمًا للحق والعدل والخير والسلام والمحبة والجمال في العالَم، وخلص الإنسان من الشرِّ الأخلاقي. وتظهر القيمةُ العظمى للإيمان في تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي. فهذا الاغترابُ يُفضي إلى استلابِ ذات الكائن البشري، لأنه اغترابٌ لكينونة هذا الكائن عن وجودها، ومن هذا الاغتراب يحدث القلقُ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقدُ الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال الهشاشة والتشظّي، وربما يتردّى إلى حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية. ‏

ابتكر القرآنُ نظامَه الدلاليَّ الخاص، فأسّس شبكةَ علاقات دلالية محورهُا الله والرؤيةُ التوحيدية للوجود، وكلُّ المفاهيم الأخرى مشبَعةٌ بدلالتها، لأنها تصدر عنها وتنتمي إليها. لا تحتفظ الكلماتُ العربية المستعملة في معجمِ القرآن بالضرورةِ بدلالاتها السابقة في اللغة، بعد أن وظّفها القرآنُ في حقله الدلالي، ودخلت في شبكة العلاقات الجديدة التي محورها اللهُ والرؤيةُ التوحيدية للوجود. يشرح توشي هيكو إيزوتسو (1914-1993) ذلك بقوله: “إن المفاهيم لا توجد منعزلة وحدها، بل تكون دائمًا منظمة إلى أقصى حد داخل نظام أو أنظمة… هذا يعني أن كلمة (كتاب) البسيطة بمعناها البسيط، حالما أُدخلت في نظام خاص، ومنحت موقعًا محددًا ومعينًا فيه، اكتسبت العديد من العناصر الدلالية الجديدة الناشئة عن هذا الوضع الخاص، وعن العلاقات المتنوعة التي شكلتها لتحملها إلى المفاهيم الرئيسية لذلك النظام. وكما يحدث غالبًا، فإن العناصر الجديدة تميل إلى التأثير بعمق في بنية المعنى الأصلي للكلمة، بل إلى تغييرها جوهريًا”[4].  ويكتب إيزوتسو في موضع آخر: “إن هناك نوعًا من التماسك المفهومي في الرؤية القرآنية للعالَم، وإحساسًا بنظام حقيقي يقوم على مفهوم الله ويتركز حوله، وهو ما لم يكن موجودًا في النظام الجاهلي. من أجل هذا كل الحقول الدلالية وتبعًا لذلك كل المصطلحات المفتاحية في هذا النظام الجديد تقع تحت سلطة هذه الكلمة – المركز العليا. وفي الحقيقة لا يمكن لشيء أن يفلت منها، ليس فقط تلك المفاهيم التي ترتبط مباشرة بالدين والإيمان بل كل الأفكار الأخلاقية، حتى المفاهيم التي تمثل الأوجه الدنيوية، مثل الزواج والطلاق والإرث والمسائل التجارية، كالعقود والديون والربا والمكاييل والمقاييس… إلخ، كلها قد تم إدخالها في علاقة مباشرة مع مفهوم (الله)”[5].

في ضوء ذلك، على مَنْ يريد أن يفسِّرُ القرآنَ أن يكتشف حقلَه الدلالي وشبكةَ علاقات الكلمات في سياق آياته، بوصفها اصطبغت برؤيتِه التوحيدية للوجود. وذلك ما لم يتنبه إليه بعضُ المفسّرين الذين ضاعوا في متاهات المعاني اللغوية للكلمات، أو الدلالات البديلة الغريبة على نظامه الدلالي، التي أسقطتها على الحقل الدلالي للقرآن بيئاتٌ ثقافية وقيمُ ومفاهيم مجتمعات متنوّعة دخلت الدينَ الجديد، بعد امتداد عالَم الإسلام من الأندلس إلى الصين، وتشبّع شيءٌ من كلماته بدلالات الفلسفة اليونانية وغيرها في عصر الترجمة، وبمرور الزمان خضع تفسيرُ آياته لحقل دلالي مشبع برؤية كلامية فقهية. في العصور التالية لعصر البعثة الشريفة تسيّدت الحياةَ الدينية، بكلِّ تجلياتها، لغةٌ مشتقةٌ من رؤية علم الكلام والفقه. تحضرُ الذهنَ غالبًا في عملية التفكير بالدين الكلماتُ المشبعة بدلالات لغة الكلام والفقه، وهكذا تحضرُ هذه الكلماتُ بكثافةٍ في التعليم الديني. في أحاديث خطباء الجمعة والمحاضرات على منابر المساجد ووسائل التواصل لا يخرج المتكلمُ عن الحقل الدلالي الكلامي والفقهي إلا في حالات محدودة، ولا يتبادرُ إلى ذهن المتلقي إلا المعنى الراسخُ في هذا الحقل الدلالي. في الحياة اليومية للمسلم، حينَ يتحدثُ عن أيِّ شأن يتصلُ بالدين، يتكررُ في أحاديثه ما تحيلُ إليه هذه الكلماتُ من مفاهيم كلامية وفقهية، وعندما يتناول أيُّ كاتبٍ موضوعاتٍ تتصلُ بالدين يستقي من هذا الحقل الدلالي. أكثرُ مفسِّري القرآن الكريم المتأخرين لا يرون معنًى لآياته خارج فضاء لغة الكلام والفقه، وقلّما تُستعمَل كلمةٌ أو مصطلحٌ في الحياة الدينية خارج أُفق رؤية المتكلمين والفقهاء للعالَم.

اللغةُ ليست محايدةً أو قوالبَ فارغة، ولا يصحُّ توصيفُها بوعاءٍ يمكن أن يُملأ بأيّ معنى. اللغةُ ترسمُ خارطةً للذهن، وتحدّدُ مساحةَ التفكير ومدياته وكيفيته. اللغةُ بوصلةُ توجيه الفهم والمولِّدة لوجهة عملية التفكير. اللغةُ ترسم الرؤية للعالَم، يقول فيلهم فون همبولد (1767-1835): “من خلال الارتباط المتبادل بين الفكر والكلمة يصبح بديهياً أن اللغات ليست وسائل لتمثيل حقيقة معروفة من قبل، بل هي أكثر من ذلك، إنها وسائل للكشف عن الحقيقة غير المعروفة بعد، وإن تنوع اللغات، إذاً، ليس تنوعاً في الأصوات والعلامات فحسب، بل تنوع في رؤى العالم”[6]. مادام مضمونُ لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علمَ الكلام والفقه، فحدودُ تعريف الدين ومفهومه وأدوات قراءة القرآن والسنة قلّما تتجاوز رؤيةَ المتكلم والفقيه.

 محمد، 24.[1]

 [2]  المجلسي، محمدباقر، بحار الأنوار، ج 89، ص 107، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

 الرفاعي، عبدالجبار، مناقشة الرؤى الرسولية لعبدالكريم سروش، جريدة الصباح، بغداد، الصادرة في 22-9-2022.[3]

 إيزوتسو، توشي هيكو، الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالَم، ترجمة، هلال محمد الجهاد، ص 66، ط1 ، 2007، المنظمة العربية للترجمة، بيروت.[4]

 المصدر السابق، ص 78.[5]

 الزواوي بغوره، اللغة ورؤية العالم، في: كيف تعمل اللغة وتؤثر علينا، اعداد: عبد العزيز العوضي، ص 20، 2019، صوفيا حروف، الكويت. [6]

 

رابط النشر

 

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

د. عبد الجبار الرفاعي

هناك مَنْ يتعاطى مع الإنسان بوصفه كائنًا لا يتغير ولا يتحول أيُّ شيء فيه، وهناك مَنْ ينظر إليه بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في كلِّ أبعاد وجوده، لا يرى كينونةً وجودية جوهرية ثابتة فيه،كلُّ شيء فيه متغيّر بتغيُّر الأحوال والظروف المتنوعة بتنوع نمط العيش والمحيط والثقافة. وقد انتهى هذا الموقفُ إلى القول لدى بعض المفكرين بنسبية الحقيقة وكلِّ القيم والأخلاق، والارتياب في كلِّ شيء له صلة بالإنسان، ولم يعد هناك شيءٌ ثابت، أو قيمة روحية وأخلاقية وجمالية كونية على رأيهم. الثابتُ الوحيد هو عدمُ الثبات، اللامتغير الوحيد هو التغيرّ الكلي المستمر، وهذا ضربٌ من الارتياب الذي ينتهي إلى نفي كلِّ شيء.

تختزل كلا النظرتين الإنسانَ في بُعد واحد، فهو إما ثابت لا يتغيّر أبدًا مهما تغيرت ظروف حياته، وهذا فهم متحجّر يراه كأنه صخرة، أو متغير على الدوام لا شيءَ ثابت في وجوده، والمبالغة في هذا الفهم تنتهي إلى ارتيابية لا تعلم بشيء. القرآنُ الكريم يتحدث عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعدٍ منهما يُتخَذ موضوعًا لنوعٍ من أحكامه وقيمه:

الأول: الإنسانُ ببُعده الفيزيائي الأنثروبولوجي الثقافي، الإنسانُ الذي يعبّر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي المتحول، الإنسانُ بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحوُّلات الواقع والظروف ومختلف أنماط العيش. هذا البُعد للإنسان هو الموضوع الذي تدرسه العلومُ الإنسانية، وتتحدث عن تغيّره المستمر تبعًا للتحولات في واقعه وظروف عيشه وأحواله. وهو الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش، ومختلف المعطيات السائدة في الواقع.

الثاني: الإنسانُ ببُعده الوجودي، الإنسانُ بجوهره الفلسفي، من حيث هو إنسان أبديّ لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغضّ النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقعُ وكيفيةُ العيش، بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًّا أو جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا أو هوياتيًا. يتحدث القرآن عن الإنسان بالنظر إلى كينونته الوجودية وراء المعنى الفيزيائي والثقافي والأنثروبولوجي المتغيّر، الإنسانُ بهذا العنوان الثابت هو موضوعُ الكرامة والحرية والمساواة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم.

في ضوء فهمنا لهذين البُعدين يكون الإنسان موضوعًا لنوعين من الأحكام في القرآن:

  1. الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًّا متغيِّرًا: يعبّر عنه عنوانُ الإنسان بلحاظ هوياته المتغيرة، الإنسان منظورًا إليه هنا بوصفه إنسانًا عاش في زمان ومكان وبيئة وثقافة وواقع خاص، ومأخوذة كلّ هذه الأحوال في كونه موضوعًا للأحكام. في ضوء هذا المفهوم للإنسان تتغير الأحكامُ بتغير الأحوال والظروف والأزمان، لأن الموضوعَ فيها مأخوذٌ بنحو القضية الخارجية كما يصطلح علماءُ أصول الفقه[1]. هذا هو الإنسانُ التاريخي الذي يقع موضوعًا لآيات الأحكام الخاصة بذلك الزمان، ومن أوضحها مصداقًا آياتُ الرقّ، وغيرها من أحكام معاملات أمضاها الإسلام مؤقتًا لضرورات فرضها الواقع، وهي كلُّها تمثّل عصر البعثة الشريفة. أحكامُ الرق مثلًا ليست منسوخةً، لا حكمًا ولا تلاوة، ومع ذلك نسخها تغيّرُ الزمان والمكان والبيئة والواقع. تضمن القرآنُ الكريم آياتٍ تتحدّث عن أحكام الرقّ، لا يعمل بها أحدٌ اليوم، مثل: “وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، النساء:25. “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ”، المؤمنون:5-6. “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”، القصص،3. أحكامُ الرقّ مثالٌ لموارد متنوعة من آياتِ أحكام المعاملات الخاصة بذلك العصر، أمضاها القرآنُ مؤقتًا[2]، الحكمُ فيها يتغيّر تبعًا لتغيّر الواقع.
  2. الإنسان ببُعده الوجودي الذي لا يتغيّر: يعبّر هذا المعنى عن الإنسانِ بوصفه فردًا، إنسانٌ ينطبق على حقيقةِ الإنسان الفرد الوجودية، ما ينطبق عليه عنوانُ الإنسان في الحياة الدنيا وبعد الموت في الحياة الآخرة. هذا هو البُعد الذي يعبّر عن كينونة وجوديّة جوهرية لا تتغيّر في الإنسان،كما يعبّر هذا المعنى عن الإنسان بوصفه إنسانًا كليًّا.كينونةُ الإنسان العاقل أمس ووجودُه هي ذاتها كينونةُ الإنسان ووجودُه اليوم، لا اختلافَ في صدق مفهوم الإنسان عليها مهما اختلف الواقعُ وتغيّرت أنماطُ العيش والثقافة والأحوال. نعني به الإنسانَ بوصفه ذلك الجوهر الواحد الذي يشتركُ فيه كلُّ كائنٍ بشري مع غيره، والمتمثّل في ما يصيِّر كلَّ إنسانٍ إنسانًا.

الموضوعُ هو كينونة الإنسان ووجودُه العابر للزمان والمكان والظروف والبيئة والثقافة والهويات والواقع، موضوعُ الأحكام مأخوذٌ فيه عنوانُه بنحو القضية الحقيقية حسب مصطلح الأصوليين. هذا العنوانُ للإنسان هو موضوعُ القيم الأخلاقية والروحية والجمالية في الآيات القرآنية. وهو ما تخاطبه آياتُ القرآن في حديثها عن الله والتوحيد والغيب وكلِّ القيم الكونية المشتركة.

على هذا الأساس يبتني تصنيفُنا لمضامين آياتِ القرآن، واعتماد ذلك معيارًا في اكتشاف المعنى الديني الذي ينشده القرآنُ في الظرف الخاص بعصر البعثة، والمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الشامل الذي يتسع لكلِّ عصر، وفي ضوء ذلك نفهم ما هو ثابت وما هو متغير، على وفق لما يلي:

  1. آيات تتضمن أحكامًا وتشريعاتٍ تعكس واقعَ مجتمع عصر البعثة، مثل آيات الرق، وغيرها من آيات تتحدّث عن معاملات متنوعة، وهي أحكامٌ ليست كونية عامة، ولا تستوعب كلَّ العصور.
  2. آيات تتضمن قيمًا إنسانيةكلية، قيمٌ أبدية، قيمٌ يحتاجها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، في كلِّ زمان ومكان، قيم غايتها أن يعيش الإنسان في أُفق المعنى، قيمًا تنشد بناءَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

هذا هو المفتاح المحوري للمنهج الذي أعتمده لتفسير القرآن الكريم، وهو الأساس الذي يبتني عليه ويتفرّع عنه ما أوردتُه بتنويعات وتطبيقات كثيرة في مؤلفاتي.

مازال كثيرٌ من الكتابات تخلطُ بين الإنسانِ بوصفه كينونةً لا تتغيّر، الإنسان بالمعنى الوجودي الفلسفي، الإنسان وراء هويته الفيزيائية والأنثروبولوجية المتغيّرة، الإنسانُ الذي يكونُ موضوعًا للقيم الكونية الكلية، وبين الإنسانِ بوصفه هويةً متحولة، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي، وهو ما يكون موضوعًا للأحكام الظرفية المتغيّرة.

 “القضية الحقيقية والقضية الخارجية للأحكام؛ الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية وأخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الإفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. والحكم في الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد”. الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج 1، ص 150 – 101. نسخة إلكترونية على شبكة الإنترنت. [1]

 الأحكام الإمضائية، وهي “الأحكام التي لم يؤسّسها الشارع وإنّما كانت موجودة فأمضاها بالقول و اللفظ أو العمل أو السكوت وعدم الردع ، أو التي كانت في الشرائع السابقة وأمضاها الشارع الإسلامي ، ففي بعض الموارد أمضى الشارع ما عليه العرف والعقل بالأدلّة اللفظية، وفي كثير من الموارد استكشف الإمضاء من عدم الردع”. مقالة الأحكام الإمضائية في: الموسوعة الفقهية، ج۱۷، ص۲۵۹-۲۶۸، نسخة إلكترونية منشورة على شبكة الإنترنت.. [2]

 

رابط النشر:

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

د.علي أحمد الديري*

جمعتني والرفاعي طرقٌ ومسالك تحت مظلات كثيرة، منها: الأستاذية وما فيها من لذة المريد، والصداقة وما فيها من قوة العلاقة، واللقاء وما فيه من قوة الشوق، والكتابة وما فيها من كلّ ذلك.

أكتب هذه الشهادة وأنا أتنقل بين مطارات الهجرة على موعد للقاء بيروتي يجمعنا بعد انقطاع يقترب من سبع سنوات. نعم، نحن أصحاب الأوطان المؤجلة، نجد فيما يجمعنا وطنًا ليس بديلًا لكنه أثير.

أكتب في هذه اللحظات – في ناشئة من لحظات ما قبل الفجر التي يقهرك عليها السفر الطويل بين القارات – مُستلهمًا فكرة من إشارة وردت في مقاربة الرفاعي لمفهوم الوحي في علم الكلام الجديد، وأوقفتني على فتح لطيف لمعنى الثقل في الآية “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا”، المزمل، 5. يفسّر الرفاعي الثقل بالتكامل الوجودي للنبي “ص”، الذي جعله مستعدًا لتحمل هذا النوع من قول الوحي بصلابة وقوة وعزم وإيمان وتسامٍ وإصرار، الوحي بهذا التحمل صلة استثنائية بالله، حالة وجودية: إلهية بشرية/بشرية إلهية. أي أن الثقل، يكمن في الذات، في وجودها الذي تُنشئه بقوة روحها وعقلها وهي تَشق معنى النص الذي يُوحى إليها، بقدر ما النص يشق سمعها.

هكذا أفهم النص الديني باعتباره قولًا ثقيلًا بما فيه من قوة تكوين وفتح وإنشاء وفرادة، يتطلب منا أن نتلقاه بقلوب مشعة بالإيمان وعقول مليئة بالنور، وقراءات مفعمة بالتأويل الذي يُعمّر الأرض بالخير والسلام والسكينة، لا العنف والقتل والتوحش.

كلُّ ما يُلقى من خطاب، يحمل قوة الفكرة وأفق الغيب واتساع الأرض وسر الإنسان، أعتبره قولًا ثقيلًا، يستدعي الصداقة والصحبة واللقاء والأستاذية والمريدية، فأنت تحتاج إلى من يشاركك حمله بأحد هذه العناوين. جمعتني صحبة “القول الثقيل” مع الرفاعي، فنحن نتشارك حمل هذا القول وتقليبه بأفهام متعددة، وتخليصه من ثقل العنف، وشحنه بثقل المعنى.

تجربة الوحي في فهم علم الكلام الجديد، وفي فهم العرفاء والمتصوفة لا تنتهي ولا تنقطع، ما دامت السماء مُلهمة والأرض عامرة. ينتهي التشريع، لكن لا تنتهي مهمة الإنسان في قراءة القول الثقيل، يظل الإنسان يسعى لإعطاء القول الثقيل معنى دنيويًا يعيش به، ويخفف به ثقله المادي، ليغدو كائنًا خفيفًا، وفق نظرية الصوفية في الكثائف واللطائف.

القول الثقيل حين يتجسد في لغة حية، يعطيها من غيب وحيه، وتُعطيه من شهود أرضها، تمامًا كما قال محمود درويش، وهو يتحدث على لسان إدوارد سعيد في طباقه مع هويته: “ولي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات، ولي لغة من حوار السماء مع القدس، لكنها لا تُسعف مخيلتي”. في حوار السماء مع القدس، تلتقي لغة الوحي المقدسة مع لغتنا العربية المعيشة في التاريخ والمجتمع، هنا ينشأ ما يمكن أن نسميه إشكالًا ثقيلًا، يحتاج إلى جهود بشرية تبتكر له حلولًا وشروحًا وتأويلات غير منتهية.

أشترك مع الرفاعي في هذا الحوار، نطوّع لغتنا وأفكارنا وكتاباتنا، لتقليب هذا القول الثقيل، وفهم إشكال لقاء الغيب مع الأرض فيه، وإعطائه معنى دنيويًا، من دون أن يفقد خزائن غيبه المكتنزة بالمجاز.

لا أحد يحتكر شرح القول الثقيل ولا تأويله ولا تنزيله في قلوب الناس وعقولهم، سيغدو علم الكلام الجديد في مقاربة الرفاعي، محاولة لتنزيل القول الثقيل، لخدمة الإنسان وحفظ كرامته، وذلك بأن يكون نازلًا فيه وله، لا عليه، بمعنى نازلًا من أجله، لتلطيفه وترقيقه، لا نازلًا كأجل عليه، لتعنيفه وتغليظه.

في عام 2002 كنت رفيق الرفاعي لزيارة صديقنا المفكر جودت سعيد، أستعيد الآن هذه الزيارة، باعتبارها صداقة ولقاء مع أحد مؤولي القول الثقيل، وأحد الشخصيات التي بذلت جهدًا كبيرًا لتخفيف ثقل العنف من أفهام من يعتقدون أن ثقل القول يعني صرامة الحدود، وكثرة الفروض، وشدة العقاب، وغلظة البراءة من المختلف، ونافحت من أجل توجيه معنى الثقل إلى وزن الروح وعمق الجمال وتجرّد المطلق.

الذين لا يتلطف ثقل القول في أفهامهم، لا يتجاوزون جرن الناقة، ويظلون يرددون للانبهار الخارجي: “إن النبيّ (ص) كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يُسرَّى عنه”، الجِرن هو باطن العنق، إذا برك البعير ومدّ عنقه وصدره على الأرض، قيل: ألقى جِرانَ بالأرض. إنها صورة تعبر عن ثقل ما يتلقاه النبي (ص) من قول، وكذلك هي صورة لطبيعة حياة النبي في الأرض، بشر يمشي في الأسواق ويركب دابته، ويتفاعل مع الغيب من فوق ظهر ناقته، نحتاج لهذه الصورة المركبة للنبي كلّها لنقدم كلامًا جديدًا، كلامًا يمد عُنق النصّ، لا يلوي عنق النصّ، ولا يتوقف عند جِرن عنق الناقة.

الذين يظلون في ثقل الظاهر، يفقدون خفة الباطن، ولا يتجاوزون ثقل جرن الناقة، إلى جِرن العقل والروح حيث الأفكار تُطحن وتُدق وتسوّى، وهذه واحدة من معاني الوصل بالغيب وتحقق الوحي، والنبوة بما هي صلة بالغيب، هي رسالة بفكر جديد وفهم جديد وكلام جديد، ومن هنا يأتي معيار الكلام الجديد في فهم الرفاعي: أن يُقدّم المتكلم فهمًا جديدًا لمعنى الوحي.

من يتمكنون من توطين أنفسهم على تحمّل مشقة الوصل بالغيب، ليشقوا سمعًا جديدًا، يتكلمون كلامًا جديدًا، يُنشئون به فهمًا جديدًا للوحي، وهذا عين ما قاله ابن عربي: “فإن الله سبحانه لما أغلق دون الخلق باب النبوة والرسالة أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه (ص) في كتابه العزيز”[1]. يبقى الغيب حاضراً في الفهم كرزق وفتح من الله: “وكان علي ابن أبي طالب يقول: إنّ الوحي قد انقطع بين رسول الله، وما بقي بأيدينا إلا أن يرزق الله عبداً فهماً في هذا القرآن “[2].

وصل الفهم هو ما بقي من الوحي بعد ختم وحي الشريعة، به نجدد معنى ثقل القول، ويحرص ابن عربي على تذكيرنا بالصحبة والتخلق والأدب، فبهم نستعين لتوطين النفس على تحمّل مشقة القول الثقيل. وهذا ما لمسته في صحبة الرفاعي التي لا تنفك عن التأدب والتخلق. وقد صحبني في تقديم كتابين لي عن ابن عربي، فمقاربة خطاب ابن عربي بما يحمله من قول ثقيل بحاجة إلى أن تُلقي عليه جرانك أي توطن نفسك عليه، ولا يكفي ذلك، بل أنت بحاجة إلى صاحب يطمئنك إلى أنك تلقيت هذا القول الثقيل بما يليق به، فوجدت السكينة في شهادة الرفاعي حين كتب لي: “إنها المرة الأولى التي يأخذني باحث إلى فضاء لا مفكر فيه في ميراث محيي الدين العميق، الدقيق، الخصب، المركب … شكرًا لك لأنك اجتهدت في عبور المكررات والاجترار الأجوف والترميق اللفظي والنصوص الوثوقية في دراسة هذا الكنز المجهول في دنيا العرب”.

في كتابي الثاني عن ابن عربي، اهتممت بتخفيف ثقل مقولة (وحدة الوجود)، لأنزلها من صومعة التصوّف إلى الأرض المحتربة بالتكفير، كانت صحبة الرفاعي تقول لي، لا ينسيك الاحتفاء الشيعي بابن عربي، الأصوات التي كفرّته وزندقت قارئه الأكبر ملا صدرا الشيرازي، من داخل الخطاب الشيعي نفسه، فتداركت بصوت الصحبة، ما كان سيبدو نقصًا معيبًا.

هكذا، تغدو صحبتنا دومًا، على مفترق قول نُقلّبه ونخففه بحُبّ وشغف ومتعة.

 

 

 

 

*  باحث وناقد من البحرين.

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص285 .

[2] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص 258.

 

رابط النشر: