Category: ذكريات

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

محطات القراءة المبكرة

محطات القراءة المبكرة

  د. عبد الجبار الرفاعي

لم أرَ في المرحلة الابتدائية كتابًا غير الكتب المدرسية، ولا أتذكرُ أني رأيتُ كتابًا في بيتِ أحدٍ في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون. عندما كان أخي الكبير يذهب لزيارة العتبات المقدّسة، يجلب معه كراساتٍ لقصص تُباع في أروقة العتبات، وكراساتِ الدعاء والزيارة. قرأتُ قصصَ: المياسة والمقداد، والسندباد البحري، وغزوة بئر ذات العلم، وعنترة بن شداد… وغيرها. أول قصة قرأتُها أشعرتني بسحرٍ غريب للقراءة يتغلغل في كياني، وأغرقتْ ذهني برحلةٍ خيالية مدهشة بمعية بطل الحكاية. منذ ذلك الحين هيمنت القراءةُ على مشاعري، بشكلٍ لا أقوى معه على التخلصِ منه والانصرافِ إلى شؤون حياتي المتنوعة. المطالعة سياحةٌ مؤنِسة،كلّما قرأتُ كراسةً من هذه القصص يتضاعف ولعي بالقراءة، بنحوٍ صار هذا الولعُ يتعاظم إلى درجة عطّل معه ولادةَ الاستعدادات المتنوعة الكامنة بداخلي. بدأ احتياجي للكتابِ يتنامى، وصرتُ أشعر بأنه يحميني من الوحدةِ ووحشةِ الحياة واكتئابِ غياب الأحبة. هذا النوعُ من تغلّب الكتاب على كيانك يجعل امتلاكَه أحدَ الأماني وأمضاها أثرًا في حياتك. نشأت مكتبتي بهذه الكراساتِ وأشباهِها، أصبحتُ أكرّر مطالعتَها، وأضيف لها ببطءٍ وعلى فترات متباعدة ما أظفر به. ما يُضاف لمجموعتي الفقيرة من كراساتٍ أطالعها، استظهر شيئًا من عباراته وفقراته. أكرّر التحدّثَ بهذه القصص لأمي وأهلي وزملائي التلامذة،كأني تلبستُ حرفةً حكواتي القرية. لم تكن توجد في ستينيات القرن الماضي مكتبةٌ لبيع الكتب في مدينتَي: قلعة سكر أو الرفاعي حيث يكون تسوّقنا. فالتسوق متباعد الفترات، لا يحدث إلا بضعةَ مرات في السنة، لا مالَ لدى الفلاحين، لا طريقَ مواصلات يربط القريةَ بالمدينة، لا وسائلَ نقلٍ غير الخيل، ولا يصطحب الآباءُ الأبناءَ للمدينة إلا في حالات الضرورة القصوى.

في الشطرة بدأتُ المطالعةَ الجادة، وفيها ولدتُ ثقافيًا، وتشكلت النواةُ الجنينية للوعي في هذه المدينة المعروفة منذ منتصف القرن الماضي بفاعليتها السياسية والثقافية. اكتسبتُ بفضل العيش فيها شيئًا من تقاليد المدن وتحضرها، وتذوقتُ بهجةَ ألقها تلك الأيام. وفّر لي السكنُ المخصّص للتلامذة، وتأمينُ متطلبات الطعام والاحتياجات الأساسية بشكل مناسب، نمطًا بديلًا لعيش الكفاف الذي لازمني وأنهكني منذ بداية حياتي. وجدتُ نفسي وسط فضاءٍ شبابي حيوي، تثريه مواهبُ متنوعة لتلامذةٍ وفدوا من مختلف أقضية ونواحي وقرى محافظة ذي قار جنوب العراق. ثانوية زراعة أكَد في الشطرة هي الثانوية المهنية الوحيدة في المحافظة ذلك الوقت. تتفاعل الحياةُ الثقافية في سكن طلابها بدينامية خلّاقة، تتنافس فيها اهتماماتٌ أدبية وفنية وثقافية بهامش حرية رحب، فتحفّز من لديه شغفٌ بالمعرفة وحرصٌ على القراءة للاندماج في إطار هذه الدينامية. عفوية هذه الحركة جذابة، لا التزامات غير الدراسة، لا اجتماعات، لا حلقات منظمة تفرض واجباتِها الرتيبة، لا أحزاب معلنة تحتكر المواهبَ وتعطلها، وتسكب التفكيرَ وتجمده في أدبياتها المغلقة وقوالبها الأيديولوجية، قلّما كان أحدٌ من الطلاب بدايةَ المرحلة الثانوية ينتمي لحزبٍ سياسي ذلك الزمان. القراءة حرّة، الصداقات تولد بعفوية، وتترسّخ بمزيدٍ من الشوق والعطاء، تحرسها المودة، ولا يهدّدها فهمٌ عميق لتناقضات الإنسان والواقع. يكرّسها الصدقُ والوفاء، ويرسّخها الفهمُ المبسّط لكلِّ شيء. أظن أن هذا النوعَ من الفهم أحدُ ضمانات الصداقة الصادقة، وأظن أن الفطنةَ والفهم العميق لتناقضات الإنسان والواقع، بقدر ما يجعلا الإنسانَ أكثرَ معرفة بالحياة، يمكن أن يفسدا عليه الصداقةَ أحيانًا. الذكاء الفائق يمحو البراءة، عندما يجعل الإنسانَ يتأمل بدقةٍ أبسطَ المواقف والكلمات العفوية، ويحاول أن يفتش عن بواعثها العميقة، وما يمكن أن تضمره من دوافع خفية ونوايا شريرة. الأخلاق الفطرية من عطايا بيئة طلاب الريف التقليدية، كانت هذه الأخلاقُ تحرس الصداقاتِ من العواصف الطائشة والمواقف النزقة، وضمنت حتى اليوم استمرارَ بعضها، وصمودَها أكثر من نصف قرن في مختلف الأحوال والتقلبات والعواصف. ما يربحه الإنسانُ من صداقات المراحل الدراسية الأولية وأيام الشباب أنها الأطول عمرًا؛ فأكثر الصداقات اللاحقة تمحوها الأيامُ بنرجسياتِ بعض الأشخاص المتضخمة، وانفعالاتِهم الطائشة، والتوقعاتِ المبالغ فيها بقدرة الآخر على العطاء العاطفي والمادي اللامحدود مجانًا.

فوجئتُ بداية المرحلة الثانوية سنة 1971 بوجود مكتبةٍ عامة في مدينة الشطرة جنوب العراق، تقع في أقرب محلة لمدرستنا. فرحتُ بالعثور عليها بدايةَ السنة الأولى من إقامتي في السكن الطلابي. الكتبُ الجديدة الواردة للمكتبة، قبل إيداعها ووضعها على الرفوف، تلبث مدةً معروضة ليتعرّف عليها القراء، تناولتُ كتابًا لمحتُه على رفوف عرض الجديد الوارد للمكتبة. قرأتُ عنوانَه على الغلاف: “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث”، الجزء الأول، تأليف: د. علي الوردي. لم أسمع بهذا المؤلف من قبل، جلستُ أطالع هذا الكتاب، بهرتني لغةُ الكاتب الواضحة المباشرة،كأنه حكواتي، وشجاعةُ عقله، وتحليلُه للظواهر الاجتماعية المختلفة، وتفسيرُها بطريقة علمية أتعرّف عليها أول مرة في حياتي. آفاق هذا التفسير تتوكأ على عقلانيةٍ نقدية، وجرأةِ تسمية الأشياء بأسمائها، تحاول اختراقَ سطح الظاهرة واكتشافَ ما هو خفيّ من عوامل توليدها. لم يكن في المكتبة العامة غيرُ الجزء الأول تلك الأيام، عندما أكملتُه تنقلتُ بين كتب عديدة. ‏أبلغني أحدُ الأصدقاء أن هذه المكتبة تمت تسويتها بالأرض،كي يشاد على أطلالها مستشفى، تألمت كثيرًا لمصيرها. هذه المكتبة أحد مكونات ذاكرة الثقافة والمثقفين، شخصيًا تقترن الصورةُ الآسرة للشطرة في ضميري بهذه المكتبة. الأرضُ واسعةٌ في هذه المدينة،كان ينبغي أن يُشادَ المستشفى في مكان آخر، وتمكث هذه المكتبة بوصفها مرآة الذاكرة المضيئة للشطرة.كنت أتمنى زيارتها لأجدد نكهة أيامي الجميلة في مدينة حيّة يتدفق فيها الإبداعُ والثقافة والسياسة.

لا أتذكر كتابًا فرضَ حضورَه بعد قراءة الجزء الأول، من “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث”، غيرَ كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب، الذي قرأتُه بعد سنةٍ من قراءة كتاب الوردي، كنتُ أقرأ أيَّ كتابٍ أراه أو يدلني شخصٌ عليه، أدركتُ متأخرًا أن “معالم في الطريق” كان نفقًا مظلمًا ومتاهة خطيرة، ضعت في تلك المتاهة مدة، وضاعت قبلي وبعدي أجيالٌ في متاهاتٍ مخيفة، لم يستطع بعضُهم الخروجَ منها كلّ حياته. بعضُهم استدرجه الافتتانُ بمقولات هذا الكتاب وشعاراته وأشباهه فانخراط بجماعات قاتلة.

في الشطرة مكتبةٌ صغيرة لبيع الصحف والمجلات الأسبوعية والشهرية صاحبها حميد ناصر المكنى “حميد أبو الجرايد”، لا تعرض هذه المكتبةُ إلا قليلًا من الكتب للبيع.كثيرٌ من زملائي في الثانوية يهتمون بقراءة المجلات، وقليلٌ منهم يهتمون بالكتب،كأنها موضةُ شباب ذلك الزمن. في هذا الفضاء شاهدتُ مجلاتٍ لم أسمع بها من قبل، لا أزهد بأية ورقة مطبوعة، يدعوني فضولُ المعرفة لقراءة ما يقع بيدي، لا أتريث بإعلان رغبتي لزملائي باستعارة ما لديهم، ولو لبضعة ساعات. اكتشفتُ مجلات فنية كـ “الشبكة” و”الموعد” و”الصياد” وأشباهها، فلم يصطدني شيء منها، فما انجذبتُ يومًا لموضوعاتها أو أغوتني اهتماماتُها بحياة نجوم الفن وتقلبات حياتهم وأحوالهم الخاصة، أدركتُ مبكرًا أن حياةَ الفنان ككلِّ إنسان شأنٌ شخصي. يزعجني التلصّصُ على الحياة الخاصة لأيِّ إنسانٍ واقتحامُ شؤونه الشخصية، مع أن هذا السلوك يتفشى في علاقاتنا الاجتماعية بأساليب مؤذية أحيانًا. وما كان يعنيني الدورُ الفني الذي يقوم فيه اليوم أو غدًا أيُّ فنان أو فنانة، ذلك ما نأى بي بعيدًا عن أن أكون أحدَ مدمني قراءة الأسبوعيات الفنية،كما هي عادةُ أقراني ممن غرقوا فيها، وعجز أغلبُهم عن الخروج منها لاحقًا إلى عالم الكتاب المتنوع الجميل.

أفتّش عن الكتب لكن لا كلّ كتاب، أقع في فتنة بعضها، ولا أنجذب لبعضها الآخر، لا أعرف البواعثَ الخفية لقبول هذا الكتاب والإعراض عن كتابٍ غيره. لا أعرف من أين يأتي الصبر على قراءة كتبٍ لا أتفاعل معها. كنتُ أحيانا أقرأ كتابًا من أوله لآخره ولا أفهم أكثرَ مضمونه، والأغرب من ذلك أن بعضَ هذه الكتب، وهي قليلة جدًا، جربتُ العودةَ إلى مطالعته في مراحل لاحقة من حياتي، فلم أتفاعل معها، فتنبهتُ إلى أن عدمَ التفاعل ينشأ من لغتِها الملتبسة، ومضامينِها المضطربة، وتشوشِ رؤية ومرامي كتابها.

بالتدريج أضحتْ تتراكم لدي مبالغُ بسيطة تمكنني من شراء بعض المطبوعات. العدد الأول الذي اشتريتُه من مجلة “العربي” كتب افتتاحيتَه د. أحمد زكي في رثاء الزعيم جمال عبد الناصر، مازلتُ أحفظ بعضَ عباراته، والفقرات المرسومة بخط مميز، أتذكر منها مثلًا: “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”. أصبحتُ أحدَ المثابرين على متابعة العربي، أقرأ كلمةَ التحرير، والاستطلاعات، ومقالات كتّاب أترقب نصوصَهم، وأشهد بالفضل لهؤلاء الكتّاب عليّ وعلى جيلي من الشباب. مؤسِّس مجلة العربي يستحقّ التبجيل، وهكذا رؤساء التحرير الذين خلفوه، لحماية هذه المطبوعة من السقوط بفخّ التشدّد والانغلاق، في زمن تضامن أيديولوجيا الإخوان المصريين والسلفيين في الخليج والسعودية. ذلك الزمن الذي تسلطوا فيه على وزارات التربية والتعليم، وأسّسوا البنيةَ التربوية التحتية العميقة لها، عبر توجيه المقررات والمناهج في مدارس وجامعات معظم هذه الدول في سياق رؤيتهم المغلقة ومقولاتهم المتشدّدة، فسقطت المدارسُ بعد منتصف القرن الماضي في قبضتهم، وكان أغلبُ المعلمين والمدرسين دعاةً لمقولاتهم.

في الوقت الذي يدين قراءُ مجلة العربي بالفضل لمؤسّسها، إلا أنه أغلقها لحظةَ انطلاقها واحتكرها لأقلامٍ اختارها بشروطه. لا أشكّك بمواهب وبراعة تلك الأقلام، إلا أن المحرّرَ أرسى تقليدًا في النشر مازالت هذه المطبوعةُ مكبلةً به منذ تأسيسها قبل 65 سنة. مللتُ من الأبواب الثابتة المحتكرة لأقلام تتناوب على الكتابة بإيقاعٍ منتظم في أعداد العربي الشهرية المتوالية لعشرات السنين، قلّما يحضر كاتبٌ غيرهم، مهما كانت موهبتُه وإبداعُه الأدبي ومقامُه الفكري،كأن لا كاتب ولا أديب ولا مفكراً عربياً سواهم. وهذا تقليدٌ استبدَّ بصحف ومجلات بلدان أخرى في الخليج خاصة ذلك الزمان. مجلة العربي مازالت حتى اليوم أسيرةَ هذا التقليد الرتيب الذي بدأ بولادتها، فمازالت مغلقةً بنحوٍ يضجر القارئَ من الحضور المزمِن لكتابٍ لا تجذبه نغمةُ أصواتهم الأبدية المتشابهة.

 

رابط النشر:

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

د. عبد الجبار الرفاعي

رحيلُ صفوةِ الأخوةِ يهدم ركنًا أساسيًا بداخلي، أشعر كأن أحدَ أعضاءِ جسدي يرحلُ معه إلى القبر. لحظةَ أقرأ نبأَ وفاةِ إنسانٍ يحتضنه القلبْ أبكي، ويسعفني القلمُ لأرسمَ صورةَ الحزنِ الذي يباغتني بفقدانِه. نادرًا ما أعيشُ صدمةً تحبسُ البكاءَ، وتُخرسني عن الكلامِ والكتابة كما حدث برحيلِ أخي العلامة السيد محمد حسين الأمين، فقد غرقت في حالة ذهولٍ أنستني الكلمات وعطلت قلمي عن الكتابة، لم أكابدْ مثلَ هذه الحالةِ من قبل. كنت أفتش عن دمعةٍ تطفئ جمرةَ القلب، فلا تسعفني عيناي، البكاءُ المؤجلُ أقسى أنواع البكاء مرارةً. لم أكن أدرك حجمَ حضورِ هذا الإنسان بداخلي، ولم أتحسس قبلَ ذلك ما يفرضه رحيلُه المفاجئ المفجع من صدمة عنيفة تكفُّ فيها الكلماتُ عن الإصغاء لوجع القلب، وتصمت الحروفُ عن النطق. أعرف غزارةَ ما تجودُ به عيناي من دموعٍ لحظاتَ الحزن وحتى الفرح، لكن لم أكن أعرف كيف تحتجبُ الدموع.

لن أنسى في حوزة النجف السيدَ الشهيدَ محمد باقر الصدر ولن ينطفئ ألقُ حضورِه العاطفي في ضميري، ملأ فكرُه الدنيا وشغل الناسَ في عصره، ووجّه التعلقُ بفكره وشخصيته بوصلةَ مستقبلي في الحوزة منذ سنة 1978، ولن أنسى في لبنان السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص. قلما عاشرتُ رجلَ دينٍ فرض حضورَه في قلبي بلا حدود، واحتلَّ هذه المكانةَ في مشاعري بلا حدود كالسيد محمد حسن الأمين، الذي يجهلُ مواهبَه وتكوينَه الفكري والثقافي والأدبي كثيرون ممن لا يعرفون إلا اسمَه وشخصَه.كان الأمين أخلاقيا نبيلًا، مفكرًا موسوعي الثقافة، أديبًا وناقدًا ذكيًا، وشاعرًا مطبوعًا، يمتلك ذائقةً فنية ورؤيةً جمالية للعالَم، لم أشهد صفاتَه تلتقي لدى أكثر مَن تعرفت عليهم.كان الأمينُ أمينًا على الأخوة بلطفٍ وذوق متفرّد يختصّ به،كان أعذبَ معمّم صادقتُه في حياتي.كنت أتذوقُ الجمالَ في طريقة تفكيره وعقله الخلّاق، ولطفه، ومشاعره الدافئة، ولغته الآسرة، وأدبه وشعره الرقيق. هذا رجلٌ كبير، خسرتُ برحيله صديقًا صدوقًا لا يمكن أن يعوضني شيءٌ بفقدانه. سيدرك مَن يقرأ فكرَه بتأمل، وتتكشف له سيرتُه لاحقًا: أنه كنبيٍ ضيّعه قومُه. قلّما عاشرتُ إنسانًا كان مرآةً أرى فيها كثيرًا مما أتمناه وأحلم به وأطمح إليه في حياتي كهذا الرجل المهذب. صلتي العميقة بالسيد الأمين كشفتْ لي مثالًا فريدًا تجلّت في تفكيره ومواقفه نسخةٌ نادرةٌ من الإنسان. لم يكن الأمين نصفَ عالمٍ، ولا نصفَ أخلاقيٍ، ولا نصفَ مفكرٍ، ولا نصفَ شاعرٍ، ولا نصفَ ناقد. لم يكن مراوغًا، لم يكن زئبقيًا، لم يكن هشًا في كلماته وكتاباته ومواقفه.كان مفكرًا عقلانيًا حرًا جسورًا صلبًا، يمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا.

مازالت بصمةُ بعض اللبنانيين العامليين[1]من جيل الأمين مضيئةً، لم تنطفئ آثارُها تمامًا في الحياة العلمية والأدبية والثقافية في النجف، مازالت تضيء حيثما رحلوا وأقاموا في الأرض. ما كان عددُهم كبيرًا مقارنة بغيرهم من طلاب الجنسيات الأخرى، غير أن دورَهم كان أثرى وأوسع من عددِهم. فاعليةُ حضورهم على الدوام كانت لافتةً في حلقاتِ الدرسِ الحوزوي وكليةِ الفقهِ والرابطةِ الأدبيةِ والمنتدياتِ والأنشطةِ الثقافيةِ النجفية. صدرت مجلةُ “الأضواء” استجابةً لتحديات الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي الجديد وأعاصيرِه بعد ثورة 14 تموز 1958، كانت المبادرةُ ذكيةً بتوقيتِ صدورها، ونمطِ الكتابة الجديد فيها، ونوعِ موضوعاتها المبتكرة، صوتُها لم يكن صدىً لما يُدرس في المدارس الدينية. طالعتُ المجموعةَ الكاملةَ لأعداد الأضواء، عندما كنتُ أدرس في حوزة النجف أواخرَ سبعينيات القرن الماضي. اكتشفتُ أن كلمةَ تحريرِ المجلة كان يكتبها في بعض أعدادها السيدُ محمد حسين فضل الله، وصدرت لاحقًا في كتابه “قضايانا على ضوء الإسلام”، وكانت المحاضراتُ النوعية للشيخ محمد مهدي شمس الدين على طلاب كلية الفقه لافتةً بتفسيرها التحليلي للتاريخ، مضافًا إلى كتاباته المتميزة المنشورة في هذه المطبوعة وغيرها.كما طالعتُ معظمَ أعدادِ مجلةِ النجف الصادرةِ نهايةَ ستينيات القرن الماضي عن كلية الفقه، رأيتُ هيئةَ تحريرِ هذه المطبوعة تألفت من: السيد محمد حسن الأمين، والسيد هاني فحص، والسيد عبد الهادي الحكيم.

لا أتذكر لقاءً جمعني بالأمين غابتْ فيه أطيافُ ألقِ النجف وحوزتِها ومنتدياتِها، كأن النجفَ تتحدث إليك في قلبه. سكنتْ روحُه نجفَ أمير المؤمنين “ع”، وتغذّت بفضائها الرمزي عواطفُه، واتسع لعلومها عقلُه، كأن ذاكرتَه ارتوت حتى فاضت بما في النجف من ثروةٍ رمزيةٍ وروحيةٍ وعلميةٍ وأدبية. غادر الأمينُ النجفَ المكانَ، إلا أن ذاكرةَ النجف الحيّة لم تصمت في ضميرِه يومًا. غالبًا ما أدهشني ألقُ حضورِ النجف الطاغي في وجدانه، وحماسُه المتدفقُ وبهجتُه لحظةَ الحديثِ عن النجف. بعد 12 سنة من الدراسة والتدريس في الحوزة وكلية الفقه عاد السيد الأمين إلى بلده، وكان صوتُه أصفى ما يعبّر عن رسالة النجف الثمينة، بكلِّ ما تجلّى في مدرسة النجف من تنوعِ عميق للاجتهاداتِ الفقهية والأصولية، وإبداعٍ أدبي غزير، وألوانِ طيفٍ فكري تتجاورُ فيه مدوناتُ التراثِ الواسع، ومفاهيمُ وأفكارُ أحدثِ الكتب والمجلات الأدبية والثقافية الصادرة في بغداد وبيروت والقاهرة وغيرها.

يعتزّ الأمين بدينِه وتشيّعه، ودراستِه في مدرسة النجف، ويعتزّ بتاريخِه الشخصي وانتمائِه لعائلةٍ دينية عريقة، أنجبتْ السيدَ محسن الأمين العاملي الذي كان شجاعًا في الدعوة لتنقية الشعائر الحسينية وتنزيهِها في النصف الأول من القرن العشرين. لم تشغل السيدَ محمد حسن الأمين صغائرُ الأمور، ظلّ كبيرًا على الدوام، عابرًا للهموم الطائفية الضيقة.كان وطنيًا قبل أن يكون طائفيًا، لبنانيًا قبل أن يكون مذهبيًا،كان بارعًا في التنقيب عن المشتركات والإصغاء للنداء الإنساني الذي يوحّدها. لم يكن عبورُ الأمينِ بمعنى الهجران، حين يعبرُ من لبنان إلى العروبة يظلّ يحمل لبنانَ وهمومَه معه حيثما كان، لا يختنق وعيُه بالأيديولوجيا القومية المتعصبة للحصري وأمثالِه، بل ينتمي للعربية بوصفها لغةً وثقافة وتاريخًا مشتركًا، لا يقف عند آفاقِ العروبةِ المحدودة، بل يتجاوزُها إلى آفاقِ الإنسانية الرحبة. حين يعبرُ من التشيّع إلى الإسلام يظل ضميرُه يحتضنُ كلَّ همومِ التشيعِّ الكبرى، وحين يعبر من الإسلام إلى الأديان يظلّ وعيُه يحتضنُ الروحَ والأخلاق وقيمَ التراحمِ والسلام في الإسلام، وحين يعبر من الأديان إلى الإنسانية يظلّ يحتضنُ أغنى ما يتكشفُ في جوهر الأديان، كان الأمين إنسانيًا قبل وبعد كلِّ شيء.

فرض العامليون بعد عودتهم إلى وطنهم حضورَهم على الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ملأ صوتُهم الآفاقَ بلبنان وغيرها من البلدان. جهودُهم متنوعة بتنوع الأديان والطوائف اللبنانية، مُبادِرة بإرادةٍ واثقة حيثما كان مَن يترقب مبادراتِها في ترسيخ السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي. عدة مرات حضرنا معًا، السيد الأمين وأنا، مؤتمراتٍ وندوات ومناسبات ثقافية واجتماعية، خارجَ فضاءِ الاجتماع الشيعي، أتفاجأ باحتفاءِ النخبة اللبنانية بالأمين وبمن معه. قبل نحو 30 عامًا فوجئتُ بظهور جماعة من الشباب العامليين من جيل تلامذتي في حوزة قم، زاروني يحملون معهم مطبوعةً كثّروها بالاستنساخ تعدُ بوعي جديد. أتذكر منهم: الشيخ حيدر حب الله، والسيد مهدي الأمين، والشيخ أحمد أبو زيد، تحسّستُ في أحلامهم ما يشي باستفاقةِ وثبةِ الروح العاملية في مدرسة النجف وانبعاثِها لديهم مجددًا. ثابر هؤلاء الشبابُ على الدراسة والتدريس عدة سنوات، وانشغلوا بالبحث والكتابة، وكانت لهم إسهاماتٌ في مجالات متنوعة. إلا أن الرياحَ شاكستهم، فلم تفرض جهودُهم حضورَها في موطنهم، ولم نسمع بأصداء لمنجزِهم، تتناسبُ وحجمَ ونوعَ العطاءِ الجديرِ بالاهتمام الذي قدموه.

نحن مدعوون لإعادة اكتشافِ فكرِ العلامةِ الأمين غيرِ المنشور، وتوجيهِ طلاب الدراسات العليا في كليات الشريعة والعلوم الإسلامية للكتابة عن آثاره. أشهدُ أن فكرَه يمكن أن يُحدِثَ أثرًا إيجابيًا طيبًا في إيقاظ الحياةِ الروحية والأخلاقية للشباب، وتقديمِ صورةٍ ناصعةٍ للدين، الجيلُ الجديد في عالَم الإسلام بأمسّ الحاجة إليها اليوم.كان الأمين مفكرًا شفاهيًا، لم يحرص على تدوينِ أفكاره، والتعريفِ باجتهاداته في الفقه والقضاء، ولم يجمع شعرَه الغزير في ديوان بحياته. أدعو العزيز السيد مهدي الأمين والعائلةَ الكريمةَ للمبادرة بجمع آثاره، من: محاضراتٍ، وندواتٍ، ومقابلاتٍ وحواراتٍ صوتية، ومقالاتٍ متناثرةٍ في صحفٍ ومجلات متنوعة، وإعادةِ تحريرِها وتنقيحِها، وإصدارِها عاجلًا عن دار نشر عراقية لبنانية؛ لئلا يغيبَ إنتاجُه الفكري عن النجف، ويقرأ المهتمون وفاءَ الأمين لمدرسة النجف التي حمل رسالتَها بكفاءة استثنائية كلَّ حياتِه؛ لبثت النجفُ مقيمةً بقلبه ولم يبرد حنينُه إليها في مختلفِ مراحلِ حياتِه.

لم تحتبسْ عقلَ الأمين أسئلةُ: الإيمان والإلحاد، والمادية والدين، والاشتراكية والإسلام، وأشباهُها من أفكار تصارعت منتصفَ القرن الماضي، أسئلةٌ اندثرت ونسيتها الأجيالُ اللاحقة، واختفت من اهتماماتِ أكثرِ الباحثين والدارسين والمثقفين، ونادرًا ما تحضر تلك الاهتمامات في أسئلة الجيلِ الجديد. واكب الأمينُ الأسئلةَ الجديدة، وتحدث بلغة تتناغمُ ومنطقَ الواقعِ وآفاقَ أسئلةِ اليوم. استمعتُ إلى شيء من حواراتِه ومداخلاتِه في ندوات اشتركنا فيها معًا، وتحدثنا ساعاتٍ طويلةً في جلسات كثيرة بمختلفِ قضايا: الحداثةِ والتراثِ، والأصالةِ والمعاصرة، والدولةِ والسلطةِ، والهويةِ، والتعدديةِ والاختلافِ، والتسامحِ، وأسئلةِ الفكر الديني العربي والإيراني الحديثِ والمعاصر، وغيرها.كنا نقضي أثرى الليالي في بيروت وصيدا ودير كيفا في جنوب لبنان بحوارٍ مثمر. انشغل الأمين بقضايا: العقلانيةِ النقديةِ، والدعوة للانتقالِ إلى عصر أنوار إسلامي، وتجديد مناهج الاجتهاد، وإعادةِ بناء الفكر الديني ليكون من أجل الإنسان، واقتراحِ صيغةٍ إسلامية للعيش المشترك بين الأديان، وتحريرِ الوعي الديني من التشوهات الطائفية، وبناءِ رؤيةٍ تكاملية للوحدة، والتثقيفِ على الحقوق والحريات وتعزيزِها، وتكريس الشعور بالكرامةِ، والحقِ في الاختلافِ، والتنوعِ، والتعدديةِ، والعيشِ المشترك، والتسامحِ، والاحترامِ المتبادل، والهويةِ، والدولةِ المدنية، والمشروعية الشعبية، والتداولِ السلمي للسلطة، والتنميةِ، والتحديث.

شهد الأمين تزعزعَ الكيان اللبناني، وعواصفَ الحرب الأهلية المريرة، وما أعقبها من تداعياتٍ ومواجعَ في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته. لم يكن متفرجًا ولا محايدًا في عصر تفجرت فيه التناقضاتُ الطائفية والنزاعات، وسادته ظروفٌ بالغةُ التعقيدِ والتوتر. ظل صوتُه وفيًا للحرية والوضوحِ والصراحةِ والصرامةِ بمختلف محطات حياته، وتقلباتِ السياسة والفكر في وطنه.كرّس جهودَه للعيش المشترك في إطار التنوعِ والاختلاف. في ضراوة لهيبِ الحربِ وأنينِ الدم المسفوحِ لم يكف صوتُه عن إعلان رسالة السلام في الإسلام، في تلك الظروف الكئيبة كان يصرّ على ضرورةِ إيقاظ جوهرِ رسالةِ الأديان في التراحم والتضامن والسلام، بوصفها فريضةً دينية وضرورةً أخلاقية واجتماعية وسياسية لحماية المجتمعِ من العنفِ والحربِ الأهلية.

[1]لعامليون تسمية اشتهر بها اللبنانيون في حوزة النجف.

 

رابط النشر:

الكتابة بوصفها تجربة وجود

الكتابة بوصفها تجربة وجود

د. عبد الجبار الرفاعي

‏   كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتُها بوصفها تجربةَ وجود. تجربة الوجود فردية، كلّ ما هو فردي ليس ملزِمًا لأي إنسان. أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحَقَّقُ فيه بطورٍ وجودي جديد. فشلتُ في أن أكونَ شخصيةً نمطية، أعرفُ أنِّي لا أنفردُ بذلك، كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ نمطيًّا.

يفرض كونُ الكتابة تجربةَ وجود على الكاتب الذي يعيشها ألا يصغي إلّا إلى ندائها، ماخلا حضورَه فيها يغيبُ الكاتبُ عن كلِّ شيء ويغيبُ عنه كلُّ شيء. لحظةَ يبدأ الكاتبُ الكتابةَ تأخذه إليها، لا تدعه يفكّر إلّا في فضائها،كلّما حاول الهربَ قبضتْ عليه من جديد كيف كان، لا تتركه مالم يمنحها كلَّ ما يمكن من ذكائه وقدراته الكامنة وصبره الطويل. الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ تمكث حياتُه الخاصة مؤجلةً على الدوام.

عندما أكتبُ أقعُ في أسرِ ما أكتبُ، كأني أسافرُ بسيارة تتيه في صحراء ليلًا، ‏أحيانا أتخبطُ وأحيانا أهتدي، يكشفُ لي التخبطُ دروبًا لم أعرفها من قبل. ‏ليست لدي قواعدُ مُلزِمة للكتابة، ولا طقوس مفروض عليّ أن أخضع لها، ولا برنامج أُكره نفسي على الانصياع له، ولا خارطة رسمتُها أنا أو رسمها غيري. لا طقوس أتباهى بها في الكتابة، لا طريقة خاصة أو عادة مستحكِمة، لا أوقات صارمة دقيقة منضبطة. أعيش الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجود أحقّقها وأتحقّق بها، أتذوقها كما يتذوق كلُّ إنسان تجربةَ وجود للذات. تجربةُ الوجود هذه شائقةٌ وشاقة، طالما وقع الكاتب المفتون بصنعته في أسرها، ولفرط اندكاكه بها ليس بوسعه الفكاكُ منها والذهابُ إلى غيرها، مهما كان اغواءُ الصنعة الأخرى ومهما كانت مكاسبُها.

‏ أكتب قناعاتي لحظة الكتابة، ‏أحاول عندما أكتب أن أكون موضوعيًا، أعبر عن ذاتي كما هي بحياد ‏ما أمكنني ذلك. أعرف أن ‏الإنسانَ عندما يتحدث عن الذات حيادُه صعبٌ جدًا. ‏الإنسان كائنٌ بارع في إخفاء عيوبه وثغراته، والتكتم على مواطن هشاشته ووهنه.   أعجز عن أن أكونَ كاتبًا تحت الطلب أو تكونَ كتابتي سلعةً معروضة للبيع، فشلت أن أكونَ شخصيةً آلية، أعرفُ أني لا أنفردُ بذلك،كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ كائنًا آليًا، تتسم كلُّ تجربة وجودٍ بفرادتها. في ممارسة الكاتب للكتابة يرى ذاتَه كلّ مرة بطورٍ وجودي آخر، لا تستنسخ أطوارُ وجوده الآتية أطوارَه الماضية. أحيانًا يكتب الجرح، كتابةُ الجرح أعمقُ تجارب الكتابة وأوجعُها وأغزرُها معنىً، عندما يكتب الجرحُ يشفى الإنسان.

يسعى الكاتبُ المبدع على الدوام أن يعثر على صوتِه الخاص، ولغتهِ الصافية، وطريقهِ الذي لا يمرّ عبر طريق غيره، طريقه الذي لا يوصله إلى نهايات مغلقة. لا يمكن للإنسان اكتشافُ الطريق حين يقاد كأعمى. هدفُ الكتابة أن يتلمس الإنسانُ الضوءَ الذي يدله على الطريق، وفي هذا الضوء يرسم خارطةَ الوصول إلى ما ينشده بأقرب الطرق. مَن يعجز عن اكتشاف طريقه بنفسه يعجز عن الإبداع. عندما يقودك دليلٌ يعرفُ الطريقَ من دون أن تكتشفَ أنت الطريق، تضيّع أثمنَ تجربة اكتشاف في حياتك، وتصبح كأنك معاقٌ يسير بغير أرجله.

لا ‏أتقيّد بخطة في الكتابة، ولا أقيّد طلابي الذين أشرف عليهم في الدكتوراه والماجستير بخطة صارمة، أقول لكلٍّ منهم ‏مارس اجتهادَك في كلِّ شيء، ‏في الكتابة، وفي رسم الخطة. في أثناء الكتابة ربما تستجدّ لديك أفكارٌ ثمينة وتظفر بمعطيات إضافية، حاول أن تضيفَ أو تحذف، حاول تبتكر، تعلّم التفكيرَ الحرّ، تمرّن على أن تناقش ما تقرأ مهما كانت مكانةُ مَن تقرأ له. ليس المهم أن تكون خطتُك كسكة قطار لا تحيد عنها. ‏الخطةُ الجيدة خارطةُ طريقٍ أولية تتوسع أو تتقلص أو تُستبدَل، حاول البحثَ عن الاختلاف أكثر مما تعمل على الاستنساخ، حاول أن تفكر بعمق أثناء الكتابة، وراجع أكثر من مرة ما كتبتَ بهدوء وتأمل فيه بدقة. اكتب وأنت تستحضر آراءَ القراء النابهين ومواقفَهم من كتابتك.

عندما أكتب أفكر كثيرًا بالقارئ، وإن كنتُ أكتب لنفسي قبل الكتابة للقراء، أخاطب نفسي قبل مخاطبة القراء، وأعلّم نفسي قبل أن أكون معلّمًا لأحد. أحاول البحثَ عن إجابات لأسئلتي الوجودية، واكتشافَ حلول لمشكلاتي الفكرية، عسى أن ينكشف لي النورُ الذي يضيء خارطةَ النجاة. يهمني أن أكتشف نفسي قبل أن أكتشف العالم، وأغيِّر نفسي قبل أن أغيّر العالم. أحاول أن أعبّر عن ذاتي كما هي عندما أكتب، أسعى بحماسٍ لأن يكون ما أكتبه وأتحدث به خلاصةَ تأملاتٍ عقلية، وتعبيرًا عن خبرةٍ روحية وحياةٍ أخلاقية. أحاول كتابةَ اكتشافاتي لذاتي، والاعترافَ بثغراتي، ومواطنِ هشاشتي، والتمرينَ على شجاعة الإعلان عن أخطائي، لعل الإعلانَ عنها يشفيني من مواجع الندم ويحرّرني من تكرارها، يهمني البوحُ بشيءٍ من جروحي الغاطسة عساني أطفئ جمرتَها بداخلي. مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ ما هو غاطسٌ في ذاتي. هذه الرحلةُ لا تتوقف، ولا تصل نهاياتِها المغلقة، ولن تبلغ قاعًا أخيرة.كلُّ يوم يتكشفُ في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله عن ذاتي، وعن الناس من حولي، وما لا أعرفه من غموض الشخصية الإنسانية وتناقضاتها.

مَن يقرأ كتاباتي بوسعه أن يرحل معي ويطلع على شيءٍ من محطات حياتي. تدور كتاباتي في آفاق سيرتي الذاتية، أحاول كتابتها بلغة صافية، وأبوح فيها بما يمكنني الإعلانُ عنه، وكأنها لوحةٌ نسجتْها أقداري وآلامي ومواجعُ حياتي. ‏أحاول التحدثَ فيها عن شيءٍ من ضعفي قبل قوتي، وهشاشتي قبل صلابتي، وجهلي قبل علمي، وعواطفي قبل عقلي، ‏وأسئلتي قبل أجوبتي. أحاول الإعلانَ فيها عن شيءٍ من إخفاقاتي قبل نجاحاتي، وضعفي قبل قوتي، وقلقي قبل سكينتي. أكتب لنفسي قبل غيري، أحاول أن أكونَ منقِّبًا ‏أكتب لأغوص في عوالم الذات. ‏الكتابة الجيدة تتكشف فيها سيرةُ الذات وأطوارُها الوجودية، كلُّ كتابة تعبّر عن تجربةٍ معيشةٍ للكاتب تكون شائقةً بمقدار ما هي شقيّة، مريرةً بمقدار ما هي عذبة.كتاباتي سيرةٌ ذاتية لما تراكم من تجارب وجروح مريرة وخبرات مختلفة عشتُها عبر محطات حياتي المتعدّدة والمتنوعة.

يخطئ من يتوهم أن كاتبَ هذا النصّ يدلي بتوصيات جاهزة لتدريب الكتّاب وتوجيه القرّاء. لا أقدّم أية توصيات، لستُ وصيًا على عقل أحد، يهمني تحريرُ العقل من الوصايات مهما كان القناعُ الذي تتلبس به، ومهما اتخذت لها من تسميات. الكتابةُ الجادة تتطلب ذاتًا صبورة، وعقلًا يقظًا، وإرادة شجاعة، وضميرًا أخلاقيًا حيًّا، وتراكمًا لقراءات نوعية، ومِرَانًا متواصلا.

 

رابط النشر: