Category: سيرة الرفاعي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

عبد الجبار الرفاعي .. مفكر أم مثقف؟

عبد الجبار الرفاعي .. مفكر أم مثقف؟

أ. د. محمود محمد علي[1]

المفكر والمثقف يبدوان للوهلة الأولى متشابهين، لكن بينهما فروق في الوظيفة وطريقة التعامل مع المعرفة والواقع. المفكر، حسب اعتقادي، هو ذلك الرجل الذي يتمتع بمواهب لا تنكر، وطلاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض على الجميع أن يكون أحد الأسماء المهمة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية التي يضعها بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون، وألا يكون مجرد مفكر يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعًا بمبادئ الحق والخير والجمال، بل لا بد أن يكون إنسانًا في تفلسفه، وفيلسوفًا في إنسانيته.

علاوة على ذلك، فإن المفكر في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخرى، منها: أن يكون مغامرًا لا يحده خوف، ومناضلًا لا تتعبه خيبة، ومقاومًا لا تكسره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتبًا لم تكن في الحسبان، بحيث يكون سلاحه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متقد انتهج النقد سبيلًا، والتجديد أسلوبًا، والكشف عن المنسي هدفًا، وألا يرضى بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يسن قلمه وينهض بنفسه في حراك لا يهدأ، سفرًا وبحثًا وإنتاجًا، وأن تكون له حركة هادرة لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة على الدوران في المعنى، والاستنطاق المستدام الذي لا يعرف السكون، وأن يكون جيشًا من الفاعلين، وأن يكون مبدعًا في أكثر من مجال، وكأنه مركز أبحاث أو خلية نحل.

بينما نجد المثقف يتميز بعدة ميزات من أهمها :

1- المثقف شخص يكوّن عبر سنوات عمره مخزونًا معلوماتيًا يحوي بيانات ومعلومات وأفكار المفكرين والمتخصصين والفلاسفة وغيرهم. فهو شخص يحمل العلم، لكنه لا يصنعه أو يصوغه أو يخلقه أو يبدعه.

2- المثقف وسيط بين المعرفة والمجتمع، يقرأ ويطلع على الفلسفة والأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية، ثم يعيد صياغة هذه المعارف في شكل خطاب موجه إلى الجمهور، مثل المقالات والمحاضرات والدروس المميزة والبرامج الإعلامية والمحاضرات الثقافية وغيرها.

3- المثقف ينشر الوعي ويدخل الأفكار في الفضاء العام، ويحول النقاش النظري إلى قضية رأي عام. قد يكون المثقف مبدعًا في أسلوبه ومناقضًا للواقع، لكنه غالبًا ما يعتمد على رصيد فكري أنتجه آخرون، ثم يعيده في ثوب سياق اجتماعي محدد.

مع ذلك، فالعلاقة بين المثقف والمفكر ليست علاقة قطيعة تامة. في أحسن الأحوال يتداخل الدوران، وذلك حين يخرج المثقف من برجه النظري ليخاطب المجتمع، ويكون المثقف مفكرًا عندما يتجاوز مجرد التعليق على الأحداث إلى إنتاج أسئلة جديدة وهدم بنى فكرية راسخة. لكن التمييز بين المفهومين يبقى مهمًا لكي نفهم أن امتلاك رصيد معرفي واسع، أو الظهور في الإعلام، لا يعني بالضرورة أن صاحبه مفكر، وأن العمل الفكري لا يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الفكرة على إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

في اعتقادي أن عبد الجبار الرفاعي (مع حفظ الألقاب) مفكر من طراز فريد، ووريثًا لسلسلة من المفكرين العراقيين النوابغ، أمثال: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد رضا المظفر، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم من الذين آثروا الخروج بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يغلب في خطابه العقلي الفلسفي على النقل. وذلك من حيث مناشدته في كل كتاباته التي كتبها لفكرة التغير الجذري الرامية إلى إحداث خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعة الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجي بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلًا الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفيًا لتقاليد الأتباع، وتأسيسًا لقيم الابتداع.

لقد كان عبد الجبار الرفاعي بارعًا في ذلك، سيما أنه نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبية مشرقة، وفكَّ أصعب مسائل قضايا العقيدة، وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية. واستطاع بكتاباته أن يخرج علم الكلام الجديد من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات، ليؤدي دوره في حياتنا الفكرية المعاصرة، وذلك من خلال سعيه إلى تقديم قراءة تأويلية إنسانية للنصوص، بعيدة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي، تهدف إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وذلك ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية، تكره الخضوع لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس والمدنس.

لذلك تميز المشروع العقدي عند عبد الجبار الرفاعي، كما قال كاظم عبد النبي لعيبي وعلي عبد الهادي المرهج، برؤية نقدية تتناول جذور الأزمات الفكرية التي أنتجت خطاب العنف، مع تأكيده على ضرورة تجديد آليات التفكير الديني لتكون أكثر انسجامًا مع المتغيرات الحضارية والإنسانية.كما يعد من الأصوات القليلة التي سعت إلى تفكيك العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، محذرًا من مخاطر التوظيف السياسي للنصوص في إذكاء الصراعات. ويبرز في فكره اهتمام خاص بالبعد الإنساني للدين، إذ يرى أن الأديان جاءت في جوهرها لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. ومن هنا تكتسب دراسة مشروعه أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في التصدي للفكر المتطرف.

عبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، ولد عام 1954 في محافظة ذي قار بجنوب العراق. يُعنى بقضايا تجديد علم الكلام والفكر الديني، ويُعرف بدعوته إلى أنسنة الدين وتطوير الفكر الديني ليكون أكثر انفتاحًا على قيم الرحمة والحرية والعقلانية. نشأ في بيئة دينية ريفية، ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية والجامعات، وله مؤلفات عديدة في الفكر الديني وفلسفة الدين.

والسؤال الآن: ما مبرراتي وإصراري على جعل عبد الجبار الرفاعي مفكرًا من الطراز الأول؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من أهمها:

أولا: أن عبد الجبار الرفاعي من المفكرين الذين جعلوا من إنتاج الأفكار مهمتهم الأولى، وذلك حين انطلق في مشروعه في فلسفة الدين بأجزائه المتعددة من أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والمعنى، ويشتغل على بناء مفاهيم جديدة أو تفكيك مفاهيم سائدة، مستخدمًا أدوات الفلسفة والنقد والتحليل المنهجي.

ثانيًا: أن ما يميز عبد الجبار الرفاعي أنه لا يكتفي بنقل المعرفة أو تلخيصها، بل يحاول إعادة بناء الإطار النظري نفسه، حيث يبتكر ويشكك ويعيد الصياغة ويقترح رؤى بديلة. لذلك كثيرًا ما نجده في صراع مع السائد واللغة اليومية، ومع البنى الراسخة في الثقافة والدين والسياسة.

ثالثًا: أن عبد الجبار الرفاعي منتج للمعنى، وليس ناقلًا ومنظمًا ومفسرًا له؛ لذلك فهو يهتم بالبنية العميقة للفكرة والأسئلة الأولى مثل: ما الحرية؟ وما الحقيقة؟ وما العدالة؟ ما الدين؟ ما الإنسان؟ وغيرها. لم يهتم بترجمة هذه الأسئلة إلى مواقف وممارسات، مثل: كيف ندافع عن الحرية في هذا البلد، أو كيف نصلح التعليم، أو كيف نواجه الاستبداد والفساد.

رابعًا: أن عبد الجبار الرفاعي غالبًا ما يظهر في كتاباته ومقالاته على المستوى النظري التجريدي، لا العمومي العملي؛ لذلك كثيرًا ما أجد لديه حديثًا عن علاقة بالسلطة والجمهور. الرفاعي غالبًا ما يكون معزولًا، يعمل في صمت، ويكتب نصوصًا قد يصعب على الجمهور الواسع قراءتها، لأنها تفكك المسلمات، وتستعمل لغة مفهومية دقيقة.

خامسًا: إن عبد الجبار الرفاعي يصر دائمًا على أن يجعل دوره كمفكر متصلًا بحركة الحياة، وهداية المجتمع، وتغيير الإنسان وإنضاجه أو تحسين حاله. وفي الوقت نفسه، أراه يتقمص وظيفة المثقف والعالم، الرامية إلى إدارة الحياة، ودفع المجتمع إلى التقدم، وتحصيل القوة والمنفعة والرفاهية، وتحسين أوضاع الإنسان.

سادسًا: أن وظيفة المفكر تتصل بحركة الحياة، وكأن عبد الجبار الرفاعي كان مصرًا على تأكيد قول علي شريعتي في كتابه “العودة إلى الذات” (2006)، بأن السمة البارزة فيه هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة، ويحسن التفاهم مع قومه، ويتقن معرفة عصره، ويعيش الإحساس بآلام العصر، ويدرك في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه، ويكون واعيًا بزمانه الاجتماعي.

سابعًا: إن أهم ما يميز فكر عبد الجبار الرفاعي أيضًا هو ما أسماه علي حرب في كتابه “أوهام النخبة أو نقد المثقف” (1996م) بـ”جبهة الممتنع”، ويقصد به ما يتصل بعالم الفكر والتفكير. لذلك يهتم الرفاعي بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، وكأنه في النهاية مفكر صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية. لذلك لم أكن مبالغًا حين نعتُه بأنه: “نحّات المفاهيم الجديدة”.

ثامنًا: من الأمور التي جعلتني أصف عبد الجبار الرفاعي بأنه مفكر من الطراز الأول نقدُه لأدلجة الدين، من خلال قضية ترحيل الدين من مجاله الأنطولوجي العميق إلى سياقات وظيفية ضيقة يُستلب فيها ويُسخَّر لخدمة أهداف محدودة، ما يميت رحمانيته ورحابته الأنطولوجية، ويجعله أكثر عنفًا وانغلاقًا ونبذًا للآخر. ومن هنا جاء نقده لـ علي شريعتي تحت عنوان: “المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا”. ونفس الشيء يُقال عن حسن حنفي حين اختزل الدين في الأيديولوجيا.

تاسعًا: كذلك لا ننسى براعة عبد الجبار الرفاعي في تأسيس فهمه للدين على: إعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي والنبوة، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادة تحديد وظيفته في الحياة، والكشف عما يمكن أن يقدمه الدين للإنسان من احتياجات روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسان من عواطف ورفق، وما يمنحه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة. في ضوء ذلك يعيد الرفاعي تعريفه الخاص للدين، بوصفه شفقة ورحمة تمنحها الأديان للحياة، فيراه في كتاباته: “حياة في أفق المعنى” استجابة لحاجة الإنسان إلى المعنى.

عاشرًا: وأخيرًا وليس آخرًا، أرفع القبعة لـ عبد الجبار الرفاعي في جمال دعوته نحو تعريف منظور حداثي للدين، حيث انتقل فيه الرفاعي من كون الدين منظومة مغلقة من الأحكام والطقوس إلى كونه تجربة وجودية مفتوحة تستجيب لحاجات الإنسان في أبعاده العميقة. فحين يعرف الدين بأنه “حياة في أفق المعنى”، فهو يعيد ربطه بالأسئلة الكبرى للوجود، ويخرجه من أسر الصراعات الأيديولوجية أو التفسيرات الجامدة إلى فضاء أرحب يلتقي فيه الروحي مع الجمالي والخلقي مع الإنسان… وللحديث بقية..

[1] مفكر مصري.

دعوة لقراءة عبد الجبار الرفاعي

دعوة لقراءة عبد الجبار الرفاعي

طالب عبد العزيز
بحكم تربيتي وثقافتي البسيطة فانا لست معنياً بأفكار وعقائد الاسلاميين اليوم، لقد تجاوزتُ مع كثيرين سواي فكرة الدولة الدينية، ووجوب قيامتها لتحقيق العدل والحياة الحرة الكريمة وإشاعة روح المواطنة. فالمنقلب العربي الأخير ينفي الفكرة هذه تماما. وتفيدنا الوقائع العربية بعد احداث الربيع العربي باستحالة قيامة الدولة هذه، وبموجب معطيات كثيرة. حتى بات الإيمان بالدولة المدنية مطلباً وبغية لبعض رجال الدين ومن كلا الفريقين، وأحسب أن الحوزة في النجف كانت قد بينت موقفها من هذه، في أكثر من مفصل. وتأتي ممارسات الحكومات والاحزاب الدينية، التي حكمت والتي تحاول وتسعى للحكم، في العراق ومصر وليبيا وسوريا لتؤكد بشكل قطعي على استحالة قيام الدولة هذه، إن لم تكن قد عملت وتعمل هي بنفسها على تقويض الفكرة، ذلك لأن الحياة الجديدة لا تحتمل هذا النوع من الأنظمة.
هل بات الدين ممارسة داخلية، حدودها الجسد والروح، وهل ينصح المفكرون بذلك، وهل نقول بوجوب تقليص فكرة التدين الى أدنى حد، بحيث لا تتجاوز المناجاة الصادقة بين الانسان وربه، بل، ألم تكن فكرة الأديان الأولى هكذا؟ ما الذي يريده الله منا بشكل عام ومجمل؟ ألم تأت التعاليم الدينية لتؤكد للإنسان وجوب أن يكون عاملا على الخير، محباً لأخيه، نافعا في مجتمعه، صادقا، منسجما مع نفسه ومحيطه. أترى أفعالا كهذه بحاجة لنظام وحكومة وجيش وتسليح ومن ثم قتل وتهجير واغتصاب ووو . الحصول على مجتمع كهذا بحاجة الى مفكرين أوفياء لبني جنسهم، تخلصوا من سطوة وقهر النص الى ما هو أبعد من حدود النص نفسه، أما حين يتعارض النص مع فكرة ووجود الانسان فلا وجوب للعمل به.
ثمة تأسيس مهم وواع في الثقافة العراقية، راح يتشكل خارج حيز الأدب والفنون يعمل عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من خلال كتبه التي أصبحت بمتناول كثيرين اليوم، وممن يتعاطون المعرفة والفكر والحياة الجديدة، واتخاذ الدين لا بوصفه عبادات وممارسات تقليدية، بعد انقشاع غيمة التشدد والطائفية والفهم القاصر والضيق للدين ومبادئه، أظنه سيزحف (التأسيس) بمنافعه على القراء الثانويين، من خارج طبقة المثقفين، وسيكون تأثيره المجتمعي شاملاً، في القريب من السنوات لا محالة، ذلك لأن الرفاعي لا يعمل على الإطاحة بالدين مثلما يدعو البعض من المفكرين العرب إنما يسعى في مشروعه إلى ما سماه( انقاذ النزعة الانسانية في الدين) وهو عنوان لأحد كتبه. أي أنه يعمل على انقاذ الإنسان من مقصلة النص.
وكأيّ من المتعجلين، الذي أخذوا فهمهم للدين عن الممارسات الشائنة لعناصر القاعدة وداعش والمليشيات أيضاً، ممن يستلون ويتعكزون في تمرير ممارساتهم وتعاليمهم على الكتب والروايات المقدسة(القرآن والحديث وكتب السير) سألته (الرفاعي) ما إذا كانت هناك نزعة انسانية في الدين؟ لم يجبْني، إنما هداني لقراءة كتابه( انقاذ النزعة الانسانية في الدين) ثم أنه تكرم وأهداني نسخة من كتابه (الظمأ الأنطولوجي) وهكذا رحت، مأخوذاً بنوع جديد من الفهم، العابر لحدود النصوص إلى ما هو انساني وحياتي، يمس روح وجسد المخلوق، من غير تشدد وعنت، ومنذ السطور الأولى وجدتني مع رجل مفكر، فيلسوف يخرق الفهم التقليدي للدين بروح صافية، ملقياً بمئات النصوص المتشددة وراء ظهره، غير عابئ بها. وحين سألته ما إذا كان قد قرأ رواية (قواعد العشق الأربعون) لأليف شافاق ؟ قال : طالعتها وقت صدورها، وروجّتها لتلامذتي وزملائي.
واضح أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يسعى بشكل غير مباشر الى تقويض أفكار ابن تيمية وسيد قطب، الأفكار التي تعد المرجعية الرئيسة لداعش والقاعدة والاخوان، ومثل ذلك يمكننا القول بان أفكار الرفاعي الجديدة ومشروعه في التنوير يتجاوز حدود ذلك إلى فك شيفرات تقاليد وتعاليم الحوزات الشيعية، فهو يشير الى ذلك بقوله: ربما لا تتطابق أسفار روحي وقلبي وعقلي من بعض الأحبّة، لكن ما يشفع لي هو أنني أمضيت أربعين عاماً، تلميذا ومعلما في الحوزة.

طالب عبد العزيز، شاعر من الصرة في العراق.

الإبداع النقدي والترتب المنهجي في كتاب: “هكذا قرأت عبدالجبار الرفاعي”

الإبداع النقدي والترتب المنهجي في كتاب: “هكذا قرأت عبد الجبار الرفاعي: لمحات حول المشروع الفكري”

علي المحمد علي[1]

تعود قراءاتي للمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي يوم كنت طالبا في المرحلة الجامعية. وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على تلك القراءة الفاحصة، نقرأ اليوم إصدارًا جديدًا لكاتبة من بلادنا تجدد مشروع القراءة لكتب الرفاعي، هذا المفكر الملهم الذي شغل الساحة الفكرية بكتاباته الفلسفية والفكرية والتجديدية في علم الكلام الجديد. فقد وجدت في كتاب «هكذا قرأت عبدالجبار الرفاعي» للكاتبة رجاء البوعلي مادة مفيدة وقراءة فاحصة تحكي قصة مفكر عاش في أروقة الحوزات العلمية الدينية والجامعات والمعاهد الإسلامية على مدى نصف قرن تقريبا، هو أستاذ ملهم عاش تجارب فكرية متنوعة، وهذا الكتاب يتحدث عن تجربته في رحلة الفكر والفلسفة وعلم الكلام الجديد، فكيف يعيش المفكر ويطرح الفيلسوف الأسئلة الوجودية، وكيف يستثمر عقله في الإجابة عنها بعمق وأصالة وتحرر من قيود الذات، وهذا ما حدا القراءة في فكر الرفاعي -مشروعًا بحد ذاته- بالكاتبة المبدعة رجاء لتُصدر هذا العمل كمشروع حي وناهض للتعريف بعطاءات مفكرًا أبدع في تقديم مشروعا معمقا لبناء حضارة إنسانية وعطاء متحرر لبقاء هذا الإنسان الذي يكافح من أجل وجوده على هذه الأرض الفسيحة.

قبل البدء في الحديث عن الكتاب، لفتتني الفرحة الكبيرة التي أعرب عنها المفكر الرفاعي على موقعه الإلكتروني، إبان صدور هذا الكتاب رغم كثرة ما كتب عنه من رسائل ماجستير ودكتوراه في أكثر من بلد عربي،حيث تُقدر هذه الإصدارات والأطروحات بالعشرات حسب اطلاعي القاصر. فيما جاء كتاب الأديبة رجاء كقراءة جادة انطلقت بها لتحرير أوراق عن أطروحاته حول تحرير الذات الفردية وبناء الفكر الإنساني في سياق علاقة إيمانية متينة تمتد من أعماق الروح الباطنية لتصل ظاهر الممارسات والسلوك للإنسان في مختلف ميادين حياته، وهذا ما استشفته الكاتبة من صفحات كتبه التي عكفت على سبرها، كما نرى من خلال عرضها المقتضب في هذا الكتاب، فقد جاء كتاب الأديبة رجاء في وقت مهم للأجيال الواعدة للتعرف على فكر رجل عملاق يقدم مشروعا إنسانيا هادفا وحضاريا للبشرية جمعاء، ويحدد مسيرة الإنسان على هذه الأرض الفسيحة بأسلوب أدبي حاذق وبليغ، حيث حاولت الكاتبة توظيف عنصرالأدب- بعد أن تخصصت في دراسة الأدب الانجليزي – حيث قرأت العشرات من كتب الأدب العالمي وحاولت بذكاء أن توظف هذا الأدب الخلاق في هذا الكتاب، فجاء مستوعبًا لحياة المفكر العربي العراقي عبدالجبار الرفاعي.

وهنا أعتقد أن عمق القراءة الجادة والتحليل الذكي لمنطلقات الكاتبة هي التي جعلت من الدراسة التي كتبتها مزيجا من الإبداع النقدي والترتب المنهجي، وهذا في مجال البحوث والدراسات يتطلب من القارئ الحصيف ذهنية وقادة وتتبع لمعرفة كل أبعاد النصوص التي يتعرف من خلالها على أطروحات الكاتب والمفكر، ومدى نجاحه في عرض الفكرة نقدا وطرحا والوصول إلى مفهوم الذات من خلال ما يعرضه للقارئ.  ومما استوقفني في هذا الكتاب قراءة عبدالجبار الإنسان والمفكر على حد سواء، والتطرق لسيرته الحياتية المبكرة منذ طفولته الواعدة إلى أن أصبح أستاذًا وواحدا من كبار المفكرين المجددين في العالم الإسلامي والعربي، وقد أشارت الكاتبة للطريق الذي أودى بها لتتعرف على فكر عبدالجبار، عبر كتبه المنشورة في أرجاء المعمورة مثل الدين والظمأ الانطولوجي، والدين الكرامة الإنسانية، والدين والنزعة الإنسانية، وغيرها من الكتب التي يصدرها سنويا. ختامًا أقول: لقد قرأت الكتاب وتعرفت على فكر الرفاعي من خلال قلم الكاتبة الأديبة، وبالرغم أني قارئٌ لنتاجه قديمًا وحديثًا، وهنا أُشير إلى كثافة الكتابات وتعدد الدراسات حول مشروع الرفاعي الفكري على مستوى البحث العلمي والأوراق الفكرية النقدية والثقافية التجديدية، في حين يأتي هذا الكتاب كإضافة للمكتبة العربية والفكرية، وكمشاركة ناهضة تعيد للفكر الإنساني حضوره الباعث لبناء حضارة روحية وإيمانية واقعية واعدة. وهنا نفتخر بصدور دراسة كتبتها أديبة من بلادنا بقلم مشرق وسيال، ولغة مفهومة بعيدة عن التكلف، ومقاربة موضوعية جادة، ومحاولة تؤكد أن القراءة الجادة العميقة هي التي صنعت هذا الكتاب. فجميل أن يقرأ الإنسان ويتابع كل إصدار، ولكن الأجمل أن يقرأ المشروع بنقد وتحليل وتعريف للقارئ وهذا ما قدمته الكاتبة رجاء، ويبقى أملي وطيدا بأن تكتب دراسات أخرى لمفكرين ومبدعين آخرين من العالم العربي.

[1] كاتب من المملكة العربية السعودية.

مغامرة تأسيس دار نشر للكتاب الورقي

مغامرة تأسيس دار نشر للكتاب الورقي[1]

د. عبد الجبار الرفاعي

بوصفي كنت قارئًا، وما زلت وسأبقى قارئًا ما دمت حيًا، فأنا مدين لكل معلم كبير من الكتّاب الذين قرأت لهم، ومدين أيضًا لكل من منحني فرصة اللقاء المباشر بمعلميّ من الكتّاب المبدعين، ورؤية الوجود في ضوء كلماتهم التي منحتني القدرة على العيش، وأهدتني بهجة معانقة النجوم. حدثني الصديق محمد عدنان سالم، مؤسس دار الفكر بدمشق، أنه كان يبيع من كل كتاب يطبعه سبعمئة نسخة لصاحب دار المثنى في بغداد قاسم محمد الرجب، خلال خمسينيات القرن الماضي، وكان يستلم ثمنها قبل صدور الكتاب.كما أخبرني قبل أربعين عامًا صاحب مكتبة جعفري تبريزي في طهران، وهو ناشر كان معروفًا قبل أكثر من نصف قرن بطهران، أن دار المثنى كانت تعيد بالأوفست طباعة ثلاثة آلاف نسخة من نشرات المستشرقين المحققة للتراث العربي، الصادرة في القرن التاسع عشر عن دار E. J. Brill في مدينة لايدن بهولندا، ومطبعة لايبزغ في مدينة لايبزغ بألمانيا، وغيرهما من المطابع ودور النشر الأوروبية العريقة المهتمة بالتراث الشرقي، فكان لا يوزع منها في إيران سوى ألف نسخة، ويرسل ألفي نسخة إلى دار المثنى في شارع المتنبي ببغداد.

هذه أمثلة عاجلة على اقتصاديات سوق الكتاب في بغداد والعراق، حين كان عدد سكان العراق لا يتجاوز خمسة ملايين في خمسينيات القرن الماضي. أما اليوم، وقد بلغ العدد ستةً وأربعين مليونًا، فإن تسويق أفضل الكتب لا يتعدى في أحسن الأحوال ألف نسخة، يجري بيعها في سنوات عديدة. لا أنكر أن عدد القراء اليوم أكبر بكثير مما كان في القرن العشرين، كما أشرت إلى ذلك في كتابي: “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب”، غير أن نوع الكتاب تغيّر، وتبدلت أساليب القراءة والتلقي. أصبح اليوم أغلب مَن يملك هاتفًا ذكيًا أو جهازًا لوحيًا يقرأ إلكترونيًا، لذا يشهد الكتاب والصحافة الورقية انحسارًا متسارعًا في السنوات الأخيرة.

لتوسيع قاعدة القراء وتقليل التكاليف؛ لجأت الصحف والمجلات في العالم إلى إصدار نسخة إلكترونية، والاحتفاظ بأرشيف دائم على الإنترنت. وأصبح عدد قراء النسخ الإلكترونية في معظم هذه الصحف أكبر بكثير من قراء النسخ الورقية، ما اضطر صحفًا ومجلات عريقة إلى حجب النسخة الورقية والاكتفاء بنسختها الإلكترونية. فمثلًا في الولايات المتحدة صدرت The Star-Ledger من نيوجيرسي عام 1832 وظلت ورقية نحو 190 عامًا قبل أن تتوقف مؤخرًا عن الطباعة وتتحول إلى إلكترونية. تليها صحيفة Seattle Post-Intelligencer التي تأسست عام 1863 وأصدرت طبعتها الورقية الأخيرة في 17 مارس 2009 لكن لم تختفِ تمامًا، بل تحولت مباشرة إلى نسخة رقمية عبر موقعها الإلكتروني، ومنذ ذلك التاريخ صارت صحيفة رقمية فقط، مع فريق تحريري أصغر بكثير مما كان في زمن النسخة الورقية. ثم The Atlanta Journal-Constitution التي تأسست سنة 1868 وما زالت تصدر ورقيًا، لكنها أعلنت أنها ستوقف الطباعة بنهاية 2025 بعد مسيرة تقارب 157 عامًا. وبعدها The News-Sentinel التي انطلقت عام 1911 وبقيت ورقية نحو 106 أعوام إلى أن صارت رقمية منذ 2017. ثم Houston Press التي ظهرت سنة 1989 وظلت أسبوعية ورقية حتى 2017 حين تحولت إلى النشر الرقمي فقط. ومن المجلات الأمريكية البارزة Newsweek التي تأسست سنة 1933 وأوقفت طبعتها الورقية في ديسمبر 2012 بعد ما يقرب من 79 عامًا، ثم عادت لاحقًا بطبعة محدودة لكنها ظلت تعتمد أساسًا على النشر الرقمي. وفي بريطانيا تأسست The Independent سنة 1986 وظلت مطبوعة ثلاثين عامًا حتى أصدرت عددها الورقي الأخير في 26 مارس 2016. وفي كندا تأسست Le Soleil سنة 1896 وأصدرت نسختها اليومية الورقية حتى 2020، ثم أنهت الطباعة كليًا في 2023، كما تحولت صحيفة La Presse (1884) إلى رقمية بالكامل منذ عام 2018. وفي آسيا توقفت The Nation التايلاندية، الصادرة منذ 1971، عن الطباعة في 28 يونيو 2019 بعد نحو 48 عامًا، لتصبح إلكترونية فقط. أما في أستراليا فقد صدرت The Morning Bulletin عام 1861، وبعد 159 عامًا أصدرت عددها الورقي الأخير في 27 يونيو 2020، وكذلك NewsMail التي تأسست عام 1925 وأوقفت نسختها المطبوعة في يونيو 2020 بعد 95 عامًا.

هذه نماذج للتوقف عن إصدار النسخة الورقية للصحف والمجلات والتحول إلى النشر الرقمي، وهو ما حدث ويحدث باستمرار منذ ظهور الإنترنت في بلدان العالم المختلفة، وتتسارع وتيرته اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي. ومثل هذا التحول تشهده أيضًا دور نشر معروفة في العالم مثل Penguin Random House وHarperCollins وHachette وOxford University Press وCambridge University Press، غير أن دور النشر هذه لم تتوقف عن النشر الورقي، بل اتجهت إلى التوسع الرقمي إلى جانب استمرارها في الطباعة، بخلاف بعض الصحف والمجلات التي أنهت كليًا نسخها الورقية.

أشفق اليوم على مَن تغويه مهنة النشر الورقي؛ إذ يستشيرني بعض الأصدقاء، بحكم خبرتي الطويلة في نشر أعمالي وصداقاتي مع الناشرين، واهتمامي بعالم الطباعة ودور النشر، بعزمهم على تأسيس دار نشر جديدة، فأصارحهم بأنها تجارة لا تخلو من مغامرة في العصر الرقمي، بعد تفشي النشر الإلكتروني، وحضور الكتاب على شبكة الإنترنت في مختلف بقاع الأرض. مَن يُقدِم على تأسيس دار نشر ورقية في هذه الظروف يحتاج إلى شغف بنشر المعرفة والتضحية من أجل ذلك قبل الانهمام بالربح المادي، بعد أن تبدلت طرائق نشر وتسويق الكتاب، وبدأ سوق النشر الإلكتروني يستحوذ على القراء، خاصة من جيل الأبناء وهم الأكثرية، وإن كان الآباء مازلوا يعشقون الورق، ويشعرون بمتعة ملمسه، وعبق رائحته الغاطسة في ذاكرة كل مدمن منهم على القراءة، ولا تغادرهم أطياف الكتب والمكتبات.

في زيارتي الأخيرة لشارع المتنبي، ومعرض الكتاب في بغداد شهر أيلول / سبتمبر 2005، التقيت بعض الناشرين من الأصدقاء، فشكو بمرارة من انخفاض مبيع الكتب وتراجع الطلب عليها، وما ترتب على ذلك من انكماش حركة نشر المؤلفات الجديدة، حتى توقفت دور نشر شهيرة في الشارع عن إصدار عناوين جديدة، بعدما كانت تصدر عشرات العناوين كل سنة. أخبرني أحد أصحاب المكتبات بأن أكثر من ثلاثين مكتبة في المتنبي أغلقت أبوابها في الأشهر الأخيرة، فيما لا يستطيع بعض أصحاب المكتبات الباقين من تغطية إيجارات محلاتهم من مبيعات الكتب، فيضطرون إلى دفع الإيجار من مالهم الخاص أحيانًا. الأزمة في سوق الكتاب الورقي لم تعد مقتصرة على ضعف الإقبال، بل غدا شارع المتنبي يفقد شيئًا فشيئًا ألقه الثقافي، إذ إن غياب بائع كتب كل فترة صار خبرًا مألوفًا بين أهل السوق، والسبب يعود إلى تراكم الأعباء الاقتصادية، وتقلص المبيعات، وتوجه كثير من القراء نحو الكتاب الإلكتروني. في بيروت والقاهرة وسواهما من عواصم نشر الكتاب العربي لا يختلف المشهد كثيرًا، فالوضع هناك ليس أفضل حالًا من بغداد.

شارع المتنبي من أوسع أسواق الكتاب في العواصم العربية، وقد أضحى أبرز منتدى ثقافي مفتوح في بغداد في السنوات الأخيرة، ينبض بالحياة نهارًا وليلًا. بموازاة مكتباته العريقة، اتسع هذا الشارع ليحتضن تجمعات ثقافية وندوات ومحاضرات وحلقات نقاشية، وحفلات فنية أسبوعية، يحضرها عدد كبير من عشاق الكتاب الذين يفدون إليه صباح كل جمعة من مختلف مدن العراق. في السنوات الأخيرة حظي المتنبي بتغطية إعلامية واسعة من الفضائيات العربية، مما جعله يستقطب السياح وزوار العراق من شتى أنحاء العالم. عندما أستضيف بعض الأصدقاء من المهتمين بالفكر من زوار العراق، يكون أول طلب لهم زيارة المتنبي، والتعرف على مكتباته ومرافقه الثقافية المتنوعة. لم يعد المتنبي شارعًا مجهولًا أو سوقًا تقليديًا لبيع الكتب، بل غدا أحد أهم المعالم الثقافية لبغداد، ورمزًا حيًا لذاكرتها الثقافية والأدبية والفنية. إن إغلاق بعض المكتبات، إثر التراجع الحاد في مبيعات الكتب، يعني عمليًا التضحية بهذا المعلم الثقافي الفريد، وتبديد ما نراه في المتنبي من ألق، واهدار قيمته الرمزية التي تشكلت عبر عقود من التراكم الثقافي والتفاعل الإبداعي. بغية حماية هذا الميراث الثقافي العراقي الثمين، أقترح أن تبادر وزارة الثقافة إلى شراء ما لا يقل عن 200 نسخة من كل كتاب تصدر دار نشر لكاتب عراقي، وتوزيعها على المكتبات العامة ومكتبات الكليات والجامعات، دعمًا للناشرين، وإنقاذًا لسوق الكتاب والنشر من الانهيار. المتنبي ليس مجرد شارع، بل هو فضاء رمزي يعكس نبض الثقافة العراقية، وحمايته واجب وطني، يتطلب رؤية استراتيجية تعيد للكتاب مكانته، وللمثقف دوره، وللمتنبي وهجه الذي لا يليق به أن يخبو.

الصديق مضر شبر خاض مغامرة تأسيس دار لندن في العاصمة البريطانية، داره تتولى طباعة الكتاب وتسويقه من لندن، المعروفة بأنها من المدن الغالية، إلى بغداد وغيرها من العواصم العربية في الخليج وغيره. راكمت دار لندن عددًا لافتًا من الإصدارات الجادة في مدة قياسية. في أول مشاركة للدار بمعرض الكتاب في بغداد هاتفني الصديق الدكتور صلاح نيازي، وطلب دعم هذه الدار الناشئة بنشر أعمالي، فقلت له أعمالي تنشرها منذ سنوات دار الرافدين، ومؤلفاتي تصدر عنها وعن دور نشر أخرى في بيروت. قبل سنة، في معرض بغداد للكتاب، زرت جناح دار لندن، والتقيت للمرة الأولى الأخ مضر شبر، فشعرت بالفخر عندما رأيت مؤلفات ودواوين بعض الأدباء والكتّاب العراقيين معروضة في جناح الدار. أعجبتني أغلفة الكتب وإخراجها الفني وكيفية الطباعة والورق ونوع الحروف. وحين سألته عن حضور مطبوعاته في العراق، أخبرني بأن لديه مكتبة تبيع إصدارات داره في شارع المتنبي. ثم بدأ يتحدث عن مشاركته النشطة في معارض الكتاب العربية ببلدان متعددة، وأشار إلى إقبال القراء الجيد على شراء إصدارات دار لندن.

[1] شهادة في افتتاح معرض الكتاب الدائم لدار لندن في المركز الثقافي العراقي بلندن يوم الأحد 30-8-2025.

تفكيك العقلِ الأحادي عمليًّا: قراءة في مفارقات وأضداد للرفاعي

تفكيك العقلِ الأحادي عمليًّا: قراءة في مفارقات وأضداد للرفاعي

د. وسام حسين العبيدي

العقلُ الأحاديُّ يُؤمنُ باليقينيّاتِ والمُطلَقاتِ في كُلِّ مجالٍ يتوجَّهُ إليه صاحبُهُ، فإذا تحدَّثتَ مع أحدِ مُمثِّلي هذا العقل “الأحادي” عن فكرةٍ أعجبتكَ؛ لِجِدّتِها، أو لواقعيّتها، أو لما فيها من بُعدِ نظر، ودقّةٍ في تشخيص مكمن الداء في ظاهرةٍ ما أو إشكاليَّةٍ ما، أو لغير ذلك من أسباب، سيواجهُكَ صاحبُ العقلِ “الأُحادي” بعيدًا عن الموضوع محلِّ الشاهد، بأنَّ صاحب الفكرة تلك، له كذا أفكار جانبَ الصوابَ فيها، أو له مواقف ضدّ الجهة التي أُواليها سياسيًّا أو دينيًّا، أو أنه ينتمي إلى الحزب الفلاني، أو الجماعة الكذائية، أو.. أو.. أو.. إلخ من إشكالاتٍ لديه كلُّها لا علاقةَ لها في الموضوع الذي طرقتَهُ عليه، هُروبًا من الاعترافِ لكَ أنَّ تلك الفكرة – محلَّ الشاهد – تستحقُّ الاحترام، أو أنها فكرةٌ جادّة بين لِداتِها من أفكارٍ في المجال نفسه. وهذا الهروبُ ليس إلا لونًا صارخًا من ألوانِ التعصُّبِ الفكري سواءَ أكان بين عامّة الناس، أم كانَ بين النُخَب، بله بين النُخبِ أكثرُ قُبحًا، وأشدَّ مضاضةً «من وقع الحُسامِ المُهنّدِ»..!

العقلُ الأحاديُّ، عقلٌ بَدائيٌّ في تكوينه، بَدائيٌّ في تفكيره، بَدائيٌّ في مُخرَجاته، لا يرى غير ما يُوافقُ ميوله وتوجُّهاته، فهي الصوابُ المُطلق، وما عداها فهو الباطلُ المُطلق، وليس لديه القدرةُ أو الشجاعةُ التي تدفعُهُ إلى مراجعة مُخرجاتهِ من أفكار فيُمارسَ النقدَ عليها، ويُعيدُ النظرَ في مرجعيّاتها تمحيصًا واختبارًا على محكِّ الوقائع المتغيّرة، أو المعلومات المُتحصَّلة لديه مؤخَّرًا، فيتأكّد من صوابها، أو يصرف النظرَ – بموجب ذلك – عن بعضها، أو يتبرّأ منها، في قبال تبنِّي سواها من أفكار أو قناعات، وهو إذا كان كذلك، فمن الطبيعيِّ أنْ لا يجرؤ على قراءة منجز الآخر المختلفِ عنه، أو يتحقّق من صدقِ ما قرَّ في وعيه من قناعاتٍ وأفكارٍ عنه سمعها من خصوم ذلك الآخر، بل لا يريد تصحيح تلك التصوُّرات الراسخةِ في مخيالهِ عن ذلك الآخر؛ لما سيترتَّبُ على ذلك التصحيح من تغييرٍ في موقفهِ عنه، وهذا ما لا يُريدُهُ مُطلقًا؛ لأنه يؤمنُ بالنظرةِ الأولى، والموقفِ الأول، بما يُشعِرُهُ ذلك الإيمانُ الأُحاديُّ من اتّزانٍ موهوم، وهويّةٍ ثابتةٍ، وهو ثباتٌ لا قيمة له ولا مُسوِّغ له عقلاً، مثل ثباتِ من اعتادَ على شكلٍ واحدٍ من الطعام يراه أطيبَ الأطعمة وهو لم يجرِّب غيرَه من طعامٍ..!!

من يقرأ «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» للمفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، سيجد – وهو يُطالع رصده لمفكرين عرب وإيرانيين في حقول معرفية متقاربة، اشتغل كلُّ واحدٍ منهم على حدة في مشروعه الخاص – أنَّ مفارقات العقل عند كلِّ واحدٍ – بحسب رصد الرفاعي لها – موجودة، ومتحقّقة سواء أكانت تلك المفارقات طوليا، أي أنها تتحقق على مر الزمن، إذ تجد المفكر من هؤلاء يتراجع عن بعض ما كان يؤمن به من أفكار، في قبال تبنّيه لأفكار أُخَر آمنَ بجدواها فيما بعد، أو تجد تلك المفارقات عُرضيًّا لدى هذا المفكر أو ذاك، بمعنى أنه في الوقت الذي تجد لدى هذا المفكِّر نزعةً فكريةً تؤمنُ بكذا من المتبنّيات، لكنّك لا تجد صدى تلك النزعة على واحدةٍ من واقعه..! أو تجده متفتّح الذهن في مسائل ينظر إليها بعقلانية ومنطقية وفي الوقت نفسه في مسائل لا تميل مع هواه يتصدّى لها رافضًا ومُفنِّدًا، وذلك في قوله: “أحيانًا ترى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظةٍ من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمةٍ من عقله. تُدهشك قدرته على توظيف المغالطات المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم” ص 301 أو ستجد من هؤلاء المفكرين الذين تعرّض لهم الرفاعي، من تبرّأ من أفكاره “العقلانية” إلى حدٍّ ما في مبتدإ نشاطه الفكري، وراح يُكفِّر عن ذلك “الإثم” في خريف عمره، بالتوغُّل في التفكير السَلَفي كاتبًا ومناقشًا ومُحاورًا، ومن هؤلاء الراحل “محمد عمارة”، وهذا يمثِّل أحد تجليات “المفارقات” التي توقّف عندها الرفاعي، إذ المنطقيُّ المُستساغُ في مسيرة التحوُّلات الفكرية عند المفكِّر – أو المشتغل عمومًا في حقل التراث – أنْ يتخلّص شيئًا فشيئًا من حمولة “النسق السَلَفي” مُحلِّقًا – كمنطادٍ كلّما يرتفع في طبقات الجوِّ يرمي من الأكياس المشدودة فيه – وصولاً إلى مناطقَ أرحبَ في عقله، يستثمرُها في قراءته التراث الذي ظلمَهُ فيما سبق، مؤشِّرا على ما فيه من مساحات مضيئة/ عقلانية تمُدُّ وعيه بمزيد من الهدوء والاتزان في تعامله مع متغيرات مجتمعه وأثر التطورات التي يفرضها منطق الزمن على تلك المتغيرات..

إنَّ ما شخّصه الرفاعي أصطلحُ عليه – وفق دراسةٍ شارفتُ الانتهاءَ منها – بـ«تمثيلات العقلِ الأُحادي» التي لا تقتصرُ هي الأخرى في مجال قراءة التراث، بل نجدُ آثارَها وتمثيلاتها في كلِّ مجالٍ من مجالات الحياة، وهي لا تقتصرُ على “عقلٍ عربيٍّ” دون “عقلٍ غربيٍّ” فهذا التشخيص «الجابري» لم يكن فيصلاً حاسمًا للتمييز بينهما، بل هي سِمةٌ عامّة للعقل البشري الذي يسكنُهُ عاملُ الانطواء على “الذات”، وعدم الاعتراف بـ”الآخر” سواءً أكان فكرًا، أم مجتمعًا مُغايرًا في العقيدة أو السلوك والعادات أو غير ذلك، تجعل الشخصَ ينطوي على تُراثه يُحاول بكلِّ ما يستطيع – ولن يستطيع – أنْ يجدَ فيه ما يُغنيه عن الآخر في كلِّ شيء – وإن كان ذلك الشيء – يُقدِّمُ البديلَ النافع، أو العلاجَ لما يُعانيه من إشكالاتٍ مُزمِنة في واقعه المعيش. وهذا ما عبّر عنه الرفاعي في موردٍ آخر – بصدد الحديث عن مشروع المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي – بـ”انفجار الهويّة السَلبي” تمييزًا له عن الإيجابي منه، إذ يعمل الأول على “تصلُّب الهوية وانغلاقها بصرامة. الهوية المغلقة لا تُطيقُ ما لا ينتمي إليها مهما كان، حتى مكاسب العلوم والمعارف الحديثة المُنجَزة خارج فضائها تستفزُّها وترتابُ وتحذرُ منها، وفي أغلب الأحيان ترفضُها، وإن اضطرّتْ إليها لا تقبلُها إلا بعُسرٍ ومَشَقّةٍ وتردُّد” ص352 وهذه ظاهرةٌ شخّصها الرفاعيُّ في كتابه هذا، عند أكثر من مفكرٍ ينطبق عليهم هذا التشخيص النقدي في مجمل مشاريعهم الفكرية، بما جعلهم يجنحون إلى تدشين قصرٍ على الرمال، تعويضًا عن ذلك الانكفاء الفكري غير المُسوَّغ، تمثّل بما اجترحوا عليه صراحةً أم ضمنًا مصطلح «إسلاميّة المعرفة» وقد رصد الرفاعيُّ أكثر من استعرضَ أو دعا إلى هذا المفهوم، من إيرانيين أو عرب، وهي دعوةٌ لا تخفي انسلاخها من هويّة العصر الحديث، وكيفية التعاطي مع مُخرجاته من معارف وعلوم وتكنولوجيا تغلغلت في كل مجالات حياتنا، فكان لهؤلاء أنْ يحتموا بالتراث، “والدعوة للعودةِ إلى ماضي الأُمّة، وعلوم ومعارف الآباء”، والكلام في هذا المورد عن مشروع الراحل “محمد عمارة” ولكنّه ينطبق بصورةٍ عامة، على من اشتغل على تكريس هذه الدعوة – إسلامية المعرفة – في خطاباته ومؤلفاته، ملتقِطًا في الوقت نفسه خيطًا آخر يشترك به عمارة وأولئك، تمثّل بـ”التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديث، بذريعة أنَّ تراثنا يختزنُ كلَّ ما تتطلَّبُهُ حياتُنا، وكلَّ حلول مُشكلاتنا، وأنَّ المعرفةَ والعلومَ الحديثةَ ما دامتْ وُلِدت في بيئةٍ غربيَّةٍ، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يُردَّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعةٍ وعباراتٍ مختلفةٍ، وصياغاتٍ ملتويةٍ أحيانًا، تتوحّدُ في أنّها تدعونا لأن نرفضَ كلَّ معرفةٍ أنتجها العقلُ البشريُّ خارجَ عالمنا” في حين أن كل هذه الدعاوى لا أثرَ لها في الحقيقة، وبحسب قوله: “فلا نحن اكتشفنا فلسفتنا وعلومنا ومعارفنا التي تستجيبُ لواقعنا، وتولد في سياق ديانتنا وثقافتنا وهويّتنا وخصوصيّتنا وراهن مجتمعاتنا ص: 319. ولا نحنُ الذين استفدنا من منجز الآخر وتعاملنا معه بموضوعية واحترام..!

والرفاعيُّ في تشخيصه النقديِّ هذه الظاهرة عند أكثر من مفكِّر، لا يخفى لأدنى مُتأمِّلٍ ما ينشدُهُ من توازنٍ معرفيٍّ بين استلهام المضيء النافع من التراث، في الوقت الذي لا يجعلنا نُشيح بوجوهنا ممّا يمكن الاستفادة منه من منجزات العلم الحديث، بما يعكسُ انتماءنا للعصر، وينمّ عن نظرةٍ فيها الكثير من الإنصاف لجهود العقل الإنساني – أيًّا كان انتماؤه – في تعاطيه أخذًا وعطاءً مع الآخر، وهو معنًى قريبٌ ممّا ذكره الراحل نصر حامد أبو زيد في وقوفه على هذه المسألة، بالقول ((ونحن نُعيدُ من حينٍ إلى حين النظر في تراثنا، ونعودُ إلى تأملهِ وتفسيرهِ وتقويمهِ. وهذه العودةُ المستمرةُ ليست نزقًا طائشًا نابعًا من عدم النضج وعدم الاستقلال، ولكنها عودةٌ نابعةٌ من ضرورةٍ وجوديةٍ، وضرورةٍ معرفيةٍ في نفس الوقت. فليس التراثُ في الوعي المعاصر قطعةً عزيزةً من التاريخ فحسب، ولكنه – وهذا هو الأهم- دعامةٌ من دعاماتِ وجودِنا، وأثرٌ فاعلٌ في مكوِّنات وعينا الراهن، وأثرٌ قد لا يبدو للوهلة الأولى بيّنًا واضحًا ولكنه يعمل فينا في خفاءٍ، ويؤثّر في تصوراتنا شئنا أم أبينا، لذلك يتعين علينا أن نتحركَ دائمًا حركةً جدليةً تأويليةً بين وعينا المعاصر وبين أصولِ هذا الوعي في تراثنا. هذه الحركةُ يتحتّمُ عليها ألا تغفل المسافة الزمنية التي تفصلنا عن التراث، وعليها في نفس الوقت ألا تقع في أسر هذا التراث رفضًا أو قبولاً غير مشروط، فالتراث – في النهاية- ملكٌ لنا، تركه لنا أسلافُنا لا ليكون قيدًا على حرّيتنا وعلى حركتنا، بل لنتمثله ونعيد فهمه وتفسيره وتقويمه من منطلقات همومنا الراهنة)) (مدخل الى السيميوطيقا: 73)

وإذا كانت هذه الظاهرة الفكرية قد استوقفتِ الرفاعيَّ منتقدًا لها، مُمحِّصًا مرجعيات خطاب أصحابها الفكريَّة، مؤمنًا بالوسطيّة في متبنّياته الفكرية باعتبارها منطلَقًا واقعيًّا، وفي خلاف ذلك تكمنُ المفارقات وتتّسعُ التضادّاتُ بين الدعوى وبين الواقع، بين من يدعو إلى “الحكمة الخالدة” التي يقف وراءها “حسين نصر” ومن سار في فلكه من مفكرين إيرانيين، وبين من يدعو إلى “أدلجة التراث” بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهذا ما عمل عليه الراحل د. علي شريعتي في قراءته بعض مفاصل التاريخ الإسلامي، وهي تنويعات أو تمثيلات بالأحرى لا تخرج عمّن دعوا إلى “إسلامية المعرفة” إلا في بعض التفاصيل التي يقتضيها توجّه كل مفكرٍ من هؤلاء، وإلا فيجمعهم الموقف المتشنِّج من العلم الحديث، إذ “يتوارى خلفه موقفٌ تبجيليٌّ يغيب فيه النقد بإزاء التراث وبعض مفاهيمه الميِّتةِ والمُميتة […] بينما تتراكم كتاباتهم في نقد الغرب الحديث، وهجاء حضارته، وقِيَمه وعلومه، بلا تمييزٍ بين وجوه الغرب المتنوِّعة” ص: 264 فهنالك ظاهرةٌ أخرى استوقفتِ الرفاعيَّ، تمثّلت بلغة الخطاب الفكري لكلِّ واحدٍ منهم، بما يؤشِّر استشعاره أهمية أنْ يكون للمفكرِ لغةٌ رشيقةٌ تُنبئ عن محتواه الفكري لا تنحطُّ عن المستوى المطلوب في الطرح، بما يجعلها لغةً سطحيةً لا تنفذُ إلى ما وراء قشر الألفاظ من أفكار، وهذا ما شخّصه بصورةٍ عامة عند عالم الاجتماع الراحل “د.علي الوردي” إذ جعلها – بحسب وصف الرفاعي – لغة “حكواتيٍّ يتحدّثُ في المقاهي الشعبيّة” أو تلك التي لمسَها عند المفكر الراحل “حسن حنفي” بما فيها من رومانسيّة عالية أبعدت الخطاب عن واقعيته وملامسته المشاكل والأزمات، فاللغةُ مهما كانت ثوريّةً لا تغيّر من الواقع شيئًا أو لا تلامس الجذور العميقة لتلك المشاكل، ما لم تستهدِ إلى الطريق بعقلٍ يقظ ووعيٍ ينطلق من صميم الطبيعة التي انبجست منها تلكم الأزمات. أو حين يقف عند المنجز الفكري عند الإيراني الراحل “داريوش شايغان” يروقُهُ منه فضلاً عن فكره الغزير ذي المنابع المتنوِّعة، مهارتُه الفائقة “في التعبير عن أفكاره، ببيانٍ مُكثّفٍ دقيق، لكنّه واضح، عباراتُه لا يُرهقهُا فائضٌ لفظي، ولا تغرقُ بغموضٍ والتباساتٍ مُبهمة. يهتمُّ بترتيب موضوعاته في سياقٍ منهجيٍّ مُنظّم. وتظهر براعتُهُ في القدرة على توظيف المصطلحات التي ينحتها أو يستعيرها، بنحوٍ اغتنت آثارُهُ بمعجمٍ اصطلاحيٍّ مُميّز، ينفردُ هو بعددٍ مما يتضمّنه هذا المعجم” ص235 . وهكذا يستثمرُ الرفاعيُّ كلَّ ما لديه من مجالات معرفيّة يُخضع فيها مشروعَ أيِّ مفكرٍ تناوله في هذا الكتاب، بما يُقلِّص النظرةَ الأُحادية التي استشرت عمومًا في واقعنا الفكري والثقافي المعاصر، وذلك في وقفاته المتأمِّلة على شخص كلِّ واحدٍ من أولئكم المفكِّرين، فيجد ما يستحقُّ الثناء عليه سواءً أكان ذلك الثناء في سيرته الحياتية أو مسيرته العلمية، في قبال ما يُشخِّصُهُ من أدواءٍ فكريّةٍ وقع فيها الكثيرُ منهم، وهذا يُمثِّل أقصى درجات الموضوعية – بمعنى الحياد – حين لا يُشطَبُ على مشروع كلِّ واحدٍ من أولئك المفكِّرين بجرّة قلم؛ لمجرّد أنّه يُخالف هوى الباحث الناقد لمشروعهم، فلغةُ التجريح والتسقيط أو الإلغاء لا تنمُّ إلا عن عقلٍ كسول لا ينتمي إلى روح العصر الحديث الذي يؤمنُ بالنسبية في كلِّ ظاهرةٍ وكلِّ منجزٍ أيًّا كان صاحبه، فضلاً عن كونها تعبِّرُ عن أحاديّته المقيتة في رؤيته الأشياء في منظورٍ واحدٍ لا يقبل التجزئة، بما يُضيِّقُ على صاحبه الاستفادة ممّا حوله، ويُحيل حياته إلى نسخِ بليدة طبق الأصلِ من شخصّيته. وهذا ما يقف منه كتاب “مفارقات وأضداد” بالضدِّ منه، فتحيةٌ لمؤلِّفه الذي يُسهم بما يستطيع في إرساء العقلانية النقدية بهدوء الحكيم.

https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A3%D8%B6%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D9%8A/

كتاب دروب المعنى

كتاب دروب المعنى[1]

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أكتب هذا الكتاب كتابة متواصلة، ولم أخطط لإصدار كتاب بهذا العنوان.كنت، كلما ولدت في ذهني فكرة، أو ألهمتني مطالعاتي، أو حاولت تقديم تفسير لظاهرة معينة، أدوّن رأيي في دفتر خاص، وبعد شيوع الهاتف الذكي، اتخذته وسيلة لتدوين هذه الأفكار. قبل استعمالي لهذا النوع من الهواتف، كانت بعض الأفكار تولد قبيل النوم، وأنا في الفراش، فأعمل لها صياغة لغوية في الذهن، وأقرر تدوينها صباحًا، غير أن ذهني يخذلني، وأنا أبحث بلا جدوى عنها، وعن أية ومضة لكلمة ترشدني إليها، مما دعاني إلى المبادرة بتدوينها قبيل النوم، وإن كنت أحيانًا، لفرط الإرهاق، لا أجد في نفسي القدرة على النهوض من الفراش والكتابة في الهاتف. هربت من ذهني أفكار وتفسيرات لظواهر، أظن كان تسجيلها مفيدًا لي وللقراء، لو تم تدوينها لحظة انبثاقها كضوء قبل أن ينطفئ. حاولت بعد عدة سنوات تنظيم ملفات لكل مجموعة، وبعد مضي عشرين عامًا تراكم لدي ما يقرب من مئة وخمسين ملفًا، يتسع كل ملف إلى مئة فقرة أو أكثر. كنت أعود إليها أحيانًا حين أتذكر، وأنا أكتب، أنني تناولت هذه القضية وكتبت عنها بإيجاز يومًا ما، عساني أقرأ ما يمكنني من العثور على مفاتيح تهديني إلى الحديث عنها. وكلما رجعت إلى هذه النصوص، رأيت فيها ما هو جدير بالنشر.

بعد تنقيح هذه النصوص وتصفيتها وغربلتها، اخترت منها مجموعة ضمها هذا الكتاب، واستشرت في نشرها بعض القراء ممن أثق بذكائهم ومواهبهم، فاتفق كل مَن اطلع عليها على ضرورة نشرها، بل حثني بعضهم على إصدارها، لأنهم رأوا أنها ستكون مقروءة أكثر من مؤلفاتي الأخرى، لكونها تتناغم مع إيقاع القراءة في عصر يكاد كثير من القراء يغادرون فيه الكتب الكبيرة، ويبحثون عن شذرات ونصوص وفقرات صغيرة، تقدم فكرة ذات صلة مباشرة بحياة الإنسان.كان بعض القراء، ممن لا أعرفهم، يستحثني على الاختزال والتكثيف في الكتابة، وتقليل عدد كلمات المقالة، حين يطالعون مقالاتي الأسبوعية التي أنشرها منذ سنوات في الصحف والمجلات. أدركت أننا نعيش مع قراء مختلفين في العصر الرقمي، الذي يفرض علينا إيقاعه المتعجل، ويلزمنا أن نواكبه بما نمتلك من طاقة واستعداد، لئلا يسحقنا قطاره إن تباطأنا أو توانينا عنه. القراء من الجيل الجديد أشد استعدادًا منا للتناغم مع إيقاع سرعة قطار الذكاء الاصطناعي المذهلة. حفزني ذلك على مراجعة هذه النصوص، وعندما طالعتها بمجموعها، قلت: لمَ لا أعمل منها كتابًا يعكس خلاصة رؤيتي للإنسان والدين والعالَم، ويتعرف فيه القارئ على دعوتي لتجديد الفكر الديني، ويقدم أفكاري في نصوص صغيرة لا تتجاوز بضع كلمات، وتكون مقالاتي فيه بمثابة “مقالة في فقرة”، مقالة تستوفي ما أريد قوله بكلمات قليلة، تحاول التخلص من فائض الألفاظ، وتبتعد ما أمكن عن المحسنات البلاغية، والتفاصيل والجزئيات، لتعرض للقارئ رأيي ورؤيتي بصورة مكثفة. وأخيرًا، اقتنعت بضرورة نشر هذا الكتاب، لمن يبحث عن خارطة طريق واضحة، تدله على المفاهيم المحورية في تفكيري الفلسفي والديني، وفهمي للإنسان والحب والدين والحياة.

كما استحثتني أكثر الطلبات التي تصلني على الدوام من طالبات وطلاب دراسات عليا يكتبون عن أعمالي، تدعوني لإنارة مصابيح تضيء لهم طريق البحث، وهم في أول دروب اكتشاف رؤيتي، والأفكار المحورية في أعمالي. خاصة أن رؤيتي وأفكاري مبثوثة في هذه النصوص، بتعبيرات وتنويعات كثيرة. حين ينشد أحد التعرف على فهمي للفلسفة وضرورة حضورها اليوم، وكيف أن الحاجة المعرفية لها تتجدد وتتعمق وتتضاعف بازدياد الأسئلة الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي، تلك الأسئلة التي عجز العلم عن الجواب عنها، كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب عنها، هذا الذكاء لا يتوقف عند تعميقها فقط، بل يجعلها تتوالد ولادات متواصلة لإنتاج أسئلة أعقد وأعمق منها، تواجه العقل والدين والقيم، ولم يطرحها العقل والعلم والمعرفة البشرية من قبل. وحين ينشد أحد التعرف على تفسيري لحاجة الإنسان إلى الحب والدين، بوصفهما من أغزر منابع المعنى لحياة الإنسان، في زمان تبددت فيه معاني الحياة، وخسر الإنسان بفقدانها السكينة والطمأنينة والأمان، وأصبح يعيش في عالم تتكدس فيه الأشياء المادية، وتتلاشى فيه معاني الحياة.

لا يلتقي القارئ في هذا الكتاب برؤى وتفسيرات غريبة عمّا ورد في مؤلفاتي، أو رؤى تتنكر لما كتبته في سلسلة مؤلفاتي عن الإنسان والحب والدين والفلسفة، وإنما يقرأ أفكاري ذاتها، بلغتي وكلماتي ذاتها، وما أضيفه هنا هو شروح ومزيد من التوضيحات لتلك الأفكار. لا حاجة للقول إني مدين لكل كتاب أحدث انعطافة في طريقة تفكيري، ودعاني للعودة إلى المفاهيم الأساسية في ذهني، وتفحصها وغربلتها وتمحيصها من جديد، واختبار عقلانيتها، وقدرتها على الصمود عند النقد العقلاني الصارم. وهذا ما يدعوني لأن أعترف بأني تلميذ لكل معلم كبير من الكتّاب الذين قرأت لهم. فقد أنفقت حياتي في القراءة، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب. حاولت أن أقرأ الكل، وأنسى الكل، كي أنتج قراءتي الخاصة للإنسان والحب والدين والعالم.

مكثت مدة أفتش عن عنوان يتناسب ومحتوى هذا الكتاب، بوصفه يتسع لسيرة كاتب، وتطور فهمه لحياته وقراءته وكتابته، وكيفية تشكّل فهمه وتفسيره للإنسان، وطبيعته المتضادة في ذاتها، واغترابه الميتافيزيقي، وظمئه الأنطولوجي، واحتياجاته العميقة للمعنى، إثر هذا الاغتراب والظمأ، مما يفرض ضرورة حضور العقل والحب والدين في حياته، ليحدث توازن بين العقل والروح والقلب، ويظل العقل مرجعية نهائية في الحكم نفيًا وإثباتًا. لم يولد العنوان إلا بعد انتخاب مجموعة عناوين، واستبعاد أخرى، والتردد، وانتقاء أحدها لأشهر، والانصراف عنه لاحقًا، واختيار غيره، وهكذا. أخيرًا، في يوم الإخراج النهائي للكتاب لدى الناشر، وقع اختياري على عنوان: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”. عنوان “دروب المعنى” يعرّف حياتي بأنها رحلة للبحث عن المعنى، والسعي للكشف عن منابع إنتاجه في الفلسفة والدين والحب. وبما أنه العنوان الأساسي للكتاب، فهو يستوعب أكثر مضامين النصوص الواردة فيه.

في عنوان هذا الكتاب فضلت استعمال مصطلح “الدروب” وفقًا لمارتن هايدغر، بدلاً من “الطرق”. في الدروب، يسير الإنسان بلا خارطة مسبقة، تتكشف له الخارطة تدريجيًا وهو يسير، وكأنه يسير في غابة بحثًا عن معنى وجوده وحياته، بخلاف الطرق التي تكون فيها الخارطة واضحة قبل السير.

يرى القارئ أن هذه النصوص تتحدث عن أسئلتي وتأملاتي واعترافاتي، وشيء من إجاباتي المقترحة عن الأسئلة، فقد كنت وما زلت أبحث في الفلسفة والدين والحب عن المعنى لوجودي كإنسان، والمعنى لوجود العالم الذي أعيش فيه، ولوجود كل شيء فيه. ويلاحظ القارئ الذي يواكب صدور مؤلفاتي هذا الخيط الناظم لما انشغل فيه عقلي من أسئلة وتفسيرات ورؤى واقتراحات لأجوبة عن أسئلة المعنى المتنوعة والمتوالدة. عنوان “دروب المعنى” يعكس ما ورد من نصوص ترسم خارطة لطريقة تفكيري الفلسفي، وكيفية تذوقي للحب، وحضوره في قلبي بوصفه أعذب معاني الحياة، وكيف صيّرني الحب مستثمرًا أبديًا فيه، بعد أن تذوقت فيه ما لم أتذوقه في سواه. من صنائع الحب في حياتي أنه أسهم بفعالية عالية في خلاصي من ارتداد الآثار الموجعة للشر الأخلاقي على حياتي، وأسهم في تهذيب أخلاقي، وتطهير سلوكي، وجعل كل إنسان في مأمن مني، مهما كان مشاكسًا، أو مختلفًا عني في آرائه ومعتقده ومواقفه وسلوكه. ومن صنائع الحب ظهور أثره في حمايتي من شرور الإنسان، وخفض أثر النزعات العدوانية له في العبث بأمني الشخصي. وصار الحب مرآة يتجلى فيها الإيمان بالله في حياتي، بما هو منبع لسكينة الروح وطمأنينة القلب، عساني أستطيع أن أصيّر حب الله دينًا، ودين الله حبًا.

وردت نصوص هذا الكتاب متنوعة، ولم تنتظم في مجموعات تترتب موضوعيًا. أظن أن هذا النوع من الكتابة الحرة يعكس رؤية جمالية في تنوع الموضوعات، بكيفية تتيح لمن يقرأ هذا الكتاب أن يقرأ أية صفحة في نهايته، أو وسطه، أو بدايته، فيتلذذ فيها بمتعة القراءة، ولا يعاني من الرتابة والملل،كما يحدث عادة في الأعمال المنتظمة منطقيًا، والمكتوبة بلغة جافة.كنت أنشد من عدم تسلسل نصوص الكتاب وانتظامها موضوعيًا أن يشعر القارئ أيضًا بتفاعل وحيوية في التنقل من نص في الحب مثلًا، إلى نص في الفلسفة، إلى نص في الدين، إلى نص يتناول موضوعًا آخر، وكأن القارئ سائح في مدينة تتنوع الأنماط المعمارية لمبانيها، أو حديقة تتنوع أشكال وألوان وعطور أزهارها. ومن أجل تيسير البحث في الكتاب، بادر الأخ عبد العاطي طلبة، مشكورًا، بوضع كشاف للموضوعات في خاتمة الكتاب، يشير إلى الأرقام المتسلسلة الواردة فيها موضوعات النصوص، حسب موقعها في الكتاب.

[1] مقدمة كتاب: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، لعبد الجبار الرفاعي، يصدر الكتاب في جزئين قريبا عن: دار خطوط وظلال في عمّان – الأردن.

 

https://alsabaah.iq/118623-.html

تحيَّة للمعلِّم عبد الجبار الرفاعي في سبعينيّته

تحية للمعلم عبد الجبار الرفاعي في سبعينيته

علي عبد الهادي المعموري[1]

لا أذكر بالضبط متى قرأت اسم الدكتور عبد الجبار الرفاعي، في مجلة او على متن كتاب، لكن الاكيد انني قرأت له أول الامر بعد ٢٠٠٣، لعلي قرأت مجلته قضايا اسلامية معاصرة، او قرأت له دراسة منشورة في مجلة جدل، لا اذكر بالضبط. تباعا صرت اقرأ له كل ما يقع تحت يدي، واتتبع اعداد مجلته المهمة بشغف، واتابع كل ما يكتبه على صفحته في الفيسبوك، لتظل معرفتي بالمعلم معرفة قراءة ومعرفة سماع ممن يشيدون بفضله، او يذكرون اخلاقه الاستثنائية.

يحرص على أن يخص متابعيه بالكتابة لهم بانتظام، داعيا بأن يكون النور نمير أيامهم، والمحبة والايمان حليف خطاهم، وكنت من بين هؤلاء الذين يفيض عليهم محبة بانتظام، بلغته الملكوتية الرضية، وكان يسأل عن أموري بين حين وآخر، حتى اخبرته بانتقالي الى العمل ببغداد ومحل عملي، فسألني عن صاحب له كاتب ورفيق درب وكتابة يثمن منجزه ويحبه كثيرا، كان في ذات المكان معي وطلب ان ارتب موعدا معه حين يكون موجودا. حين تم اللقاء كانت المرة الاولى التي ألتقيه، ليسحرني بحضوره العامر بالمعرفة والمترع بالطمأنينة، بابتسامته الرضية التي تشي بمكنونه المحب، وخلال تلك الجلسة ومع انسياب صوته السكين، ونقاشه الهادئ عكس صاحبه المقاتل، ازدادت مكانته في الروح وتعمق موضعه في القلب.كلما التقيته بعدها كنت ازداد معرفة ودرسا أخلاقيا، وهو الذي يؤكد على السلوك الاخلاقي بوصفه نهر الدين الذي يروي السالك. على الرغم من فكره النقدي، فإنك تزداد بمعرفته معرفة ايمانية، وتصالحا مع الذات والآخر، وتتعرف على المزيد من مضان المعرفة وسبلها، والكتب وغثها من سمينها، فكنت كلما خصني بلقاء في مجلسه أطير جذلا وتشوقا للمزيد من المعرفة من المعلم الذي أثّر في أجيال وأجيال ولا يزال.

بالقدر الذي تصدرت فيه مجلته قضايا إسلامية معاصرة المشهد الفكري الديني، بتحملها مسؤولية البحث المعمق في فلسفة الدين وتجلياتها المتنوعة، فضلا عن التركيز على علم الكلام الجديد، عبر استكتاب خيرة المفكرين والباحثين من كل القوميات والديانات والمذاهب، فإنه بذاته لم يكن قليل أثر في الفلسفة التي درسها ودرّسها طويلا وأنجز فيها مجموعة أعمال، منها كتابه المبكر: (مبادئ الفلسفة الإسلامية)، الذي صدر في تسعينيات القرن الماضي، وصار من الكتب الأساس التي يستعين بها طالب العلم وهو يدرج في فهم الفلسفة وتفهمها كرافد في الحياة الفكرية.

تدريسه للفلسفة ترك آثارا بينة حاضرة لليوم، فبين تلامذته مَن لا يزالون يثيرون الجدل، وإن ابتعدوا عن منابعهم، لكنهم في الوقت ذاته يمحضون الأستاذ احتراما واجلالا لافتين، دلالة على عمق تأثير سلوكه الأخلاقي في شخصياتهم. لقد تلمست هذا بيدي في الندوات التي اشتركت فيها كمتحدث، وكان لبعض تلاميذه فيها الحديث، فكانت ردوده غيث يطفئ ما يوشك أن يلتهب من النار، على أنه دائم الاحتفاظ بلغته النقدية، الدافئة التي تعلم وتستثير السؤال، وترفد العلم، دون أن تزرع البغضاء أو توري للشقاق لهيبا يحرص على تجنبه واطفائه حيث يجده.

تجد منهجه الاحتوائي النقدي هذا حاضرا في سلوكه الشخصي، فهو لا يسمح لنقد أن يتحول الى عداوة، ويلقي بأخلاقياته العالية ظلا منيفا على أي نقد لا يكون فيه من العلم ما يكفي، لتجده موجها الى سبل النقد بالمحبة، والتسامح. لا يستصغر شأن أحد ولا يستنكف من نقاش، أو يعرض عن الإجابة على سؤال، لتكون بركة حضوره مزيج من العلم والسلوك الأخلاقي المنضبط.

وهذه الاخلاقيات والمحبة التي تطبع شخصه، انعكست على طبيعة علاقاته المعرفية قبل الاجتماعية، فتجد أصدقاء الفضل والمعرفة في طريقه حيث التفت، بمختلف مشاربهم الفكرية والدينية والمذهبية، ويحاط بالاحترام الذي يستحقه حيث يحل من محافل المعرفة.

وما يؤسفني الآن أن هذا المقال لا يسع أن يحيط بمنهج الرفاعي في تجديد الفكر الديني، الذي دُرس خارج بلده العراق بشكل مكثف، بينما لا يزال في العراق بمستوى مؤسف، فتذهب الرسائل والاطاريح تجاه من لا يدنون من شأنه العلمي، ولا يضارعون منجزه، إلا أن هذه العجالة لا تمنع الإشارة الى مذهبه في الكتب والكتابة، ولو بعجالة شديدة.

إن قارئ كتبه ومقالاته يدرك من أول البدء أنه أمام مفكر مجدد، لا يخجل من مراجعة أفكاره، ونقد متبنياته القديمة مرارا وتكرارا، فهو يردد دائما أن “الكاتب الحقيقي يكتب في حياته كتابا واحدا، ما قبله تمارين، ما بعده تنويعات عليه”. أذكر أنه قال عن كتابه (مقدمة في علم الكلام الجديد) انه كتابه المركزي، ولكن منذ صدوره سنة 2021، حتى صدور طبعته الإلكترونية الرابعة هذا العام 2024 عن مؤسسة هنداوي، دأب الرفاعي على العودة إلى الكتاب، وإصدار طبعات مزيدة ومنقحة منه، الطبعة الأولى ثلاثة فصول والطبعة الرابعة الصادرة خمسة فصول، وتلك دلالة على صبره ومراجعاته المستمرة لما يفكر فيه ويكتبه.

وحاله مع المعرفة عبر القراءة لا يكاد يحيط به وصف، فهو عاشق للكتاب، لا يتوقف عن القراءة، كما نقرأ في كتابه الأخير الصادر نهاية العام الماضي 2023 بعنوان: “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل في سيرة كاتب”، حيث يقول: “أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء. لم تمنحني القراءة إجازة ليوم واحد في حياتي، لم أجد نفسي خارج أسر القراءة، وأظن أني لن أتوقف مادمت حيا”. مما يتصف به الرفاعي أنه متابع مثابر لما يكتب، فهو يقرأ للشباب بشغف القراءة للكبار، ولا يتوانى عن الاشادة بما يكتبونه، ويشير الى عملية التعلم المستمرة، وإن العلم لا يقف عند أحد، ولا يطلب من عمر محدد او من مذهب فكري محدد.

اختم هنا بالإشارة الى ركيزة اجدها مركزية في كل اعماله، وهي الانسان، وأذكر مرة أنني سألته عن الحال الحاضر للإنسانية، والنموذج الغربي الذي يقدم على أنه ذروة ما صار إليه الانسان، كيف يمكن ان يستقيم هذا الحكم عند النظر الى حال الانسان الغربي الذي تحول الى ترس في ماكنة؟

أجابني بالرضا المعهود في لغته أن هذه المعضلة ناقشتها مدرسة فرانكفورت الفلسفية، وإن ضمور الانسان لصالح المادة يضمر في ذاته محق الإنسانية واضمحلال المحبة والايمان ومعنى الحياة، وهي تشكل رافد تصب في نهر فلسفة المعنى في أعمال الرفاعي، وتتجلى في سلوكه ومنهجه.

هذه تحية للمعلم في سبعينه، ودعاء بأن يدوم وجوده المبارك.

[1] طالب دكتوراه في العلوم السياسية بكلية العلوم السياسية في جامعة بغداد.

https://altanweeri.net/14778/%D8%AA%D8%AD%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%90%D9%91%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A/

ما أثمن الكتابة رغم كونها مكابدة مخاض

ما أثمن الكتابة رغم كونها مكابدة مخاض

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ عمري أنفقته في القراءة والكتابة، أنظر لكتابتي بوصفها محاولات في فهم الوجود، واكتشاف ذاتي، وتفسير طبيعة الإنسان، ومعرفة العالم الذي أعيش فيه، وتحري وجوه الحقيقة وتعبيراتها المتنوعة، وأقرب وأوضح ما يوصل إليها من الطرق. لا أرى كتابتي جزميات ويقينيات نهائية، ذلك ما يجعلني أعيد النظر فيها وأمحّصها وأغربلها، وأحاول اكتشاف ثغراتها وأخطائها قبل غيري، وتصويبها، بلا أن يؤذيني ذلك، بل يعزز ثقتي في كلماتي بعد تصويبها وتنقيحها.

كتابتي أثمن ما أنجزته في محطات حياتي، وإن كانت كتابتي وجع ومكابدة مخاض، لكن عندما أكتب عن الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين، والإيمان والمحبة والتراحم، أشعر كأني أنصت لصوت الله في الوجود. ‏وعندما أدعو للإيمان والمحبة والتراحم والعيش في إطار التنوع والاختلاف، وأحاول أرسم بالكلمات صورة لله تضيؤها محبةُ الإنسان، تتكرس سكينة روحي وسلامي الداخلي.

‏ لا أرى نفسي مخترِعًا أو مكتشفًا، أنا إنسان مثابر على مهنتي، مدمن على القراءة والكتابة، لا أعبث بوقتي، لدي عجز مزمن في ميزانية الوقت. لم أكن أتوقع في بداية حياتي أن أصبح كاتبًا، وإن كنت أتوق لذلك منذ سنوات العمر المبكرة. وما أدركت لأول وهلة ورطة الكتابة، إلى أن تحولتْ إلى صنعة العمر، فصرت أراقب كتابتي بحذر، وأتتبع انطباعات القراء الخبراء وأرصد تصويباتهم، وما ينبغي عليّ أن أقدمه لهم. تولد كتابتي بسلسلة مراحل، ما يقرأه القارئ في الكتاب هو المرحلة الأخيرة في سلسلة الولادات. ‏أكتب العبارات في ذهني، وأعيد صياغتها مرات متعددة، قبل كتابتها. في الفراش وأنا أحاول النوم أنشغل بهذا النوع من الكتابة الذهنية، وإن كانت هذه الكتابة زئبقية، لحظة أتكاسل عن تدوينها لا أعثر عليها حين استيقظ صباحًا، قلما التقط الفكرة بعد فوات أوان حضورها الذهني، حتى لو فتشت عنها بهدوء في الذاكرة لا أراها. أسعفني الهاتف الذكي منذ سنوات، إذ منحني فرصة كتابة هذه العبارات حيثما أكون، أُملي على الهاتف ما يخطر لي، وهو يدوّن ما أقول، ولاحقًا أعود لتحريره.

الكاتب مدين للقراء، وعليه مسؤولية كبرى يفرضها ضميره الأخلاقي ليكون وفيًا لهم، القراء يأتمنون الكاتب الذي يثقون بوعيه على عقولهم وقلوبهم وأرواحهم، فعليه ألا يخذلهم، ولا يعبث بهذه الثقة الغالية. أنا قارئ شغوف بالمعرفة، عندما أقرأ بعض الكتابات وأشعر بالضجر، أتذكر مَن يقرأ كتاباتي ويعاني مثل هذا الشعور كما أعاني من تلك الكتابات، ذلك ما يستحثّني على إنفاق وقتي وطاقتي القصوى في الكتابة وإعادة الكتابة مرات متوالية.

لو أردت الكتابة أفكر طويلًا، وأقرأ كلَّ ما يتوفر في مكتبتي، وهي مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب المتنوعة، منتقاة بعناية قارئ محترف لتأمين ما يتطلبه شغفه بالقراءة وكتاباته. كنت أبحث في المكتبات الورقية، واليوم في الإنترنت، عما يخصّ الموضوع الذي أكتبه، أسعى بحدود قدرتي لدراسة الموضوع وبحثه من مداخله كافة، وصياغة رؤيتي بشأنه. لدي عادة، لا أعرف هل هي حسنة أو سيئة، كلُّ كتاب أعيد النظر فيه عند تقديمه لطبعة جديدة أعيد تأليفه، لذلك يرى القارئ الطبعة الجديد للكتاب ذاته وكأنه كتاب آخر، وإن كنت اليوم لم يعد وقتي يتسع للمزيد من عمليات إعادة الكتابة والتحرير.

خلق الخيال للإنسان، عبر الكتابة، عالمًا موازيًا للعالم الواقعي الذي يعيش فيه، ويتألم ويرتاح، ويحزن ويفرح، ويبكي ويضحك. الكتابة بمختلف فنونها وأجناسها وفرت للإنسان ملاذًا آمنًا يحميه من عبء الواقع ووطأته القاسية وعنفه. العالم الذي تصنعه الكتابة يجعل الإنسان يمتلك ما يبحث عنه، وإن كان يفشل بالظفر به في الواقع. بالكتابة يفرغ الكاتب آهاته ومواجعه بصورة كلمات، أكتم بداخلي شيئًا من آهاتي وحكايات مواجع حياتي وأخشى أن أموت قبل كتابتها. أكثر الكتّاب يداوون جروحهم بالكتابة، لولا الكتابة للبث الصراخ والآهات والأنين بين الضلوع، فمزّق الكاتب من الداخل. الكتابة تقاوم الشعور بعبثية الحياة وافتقارها للمعنى. الكتابة تضاعف قوة الذات وتخفض شعورها بالعجز، وتعزز شجاعة التفكير، وتعمل على تصلب الإرادة وتنميتها. الكتابة تخفض شعور الكاتب بقلق الموت، بل تسعى لتحدى الموت عبر تنمية الشعور بالخلود الأبدي. الكتابة مخاض لكنها كلّما تقدّم عمري ترفد سلامتي النفسية. على الرغم من إرهاق الكتابة ومشقاتها، لكن لو لم أكتب أتعب نفسيًا جدًا. أحيانًا أنقطع عن الكتابة مدة، فأشعر ببؤس حياتي وضنكها، الكتابة تنهكني لكنها تنقذني من الشعور بضراوة آلام الحياة، وهشاشة الإنسان في خوض صراعاتها المتواصلة، وتمكّني من الاصرار على الحضور في تحدياتها المنهكة.

الكتابة الحقيقية تعبير عن تجربة وجود يتحقّق فيها الكاتب بمرتبة أكمل. الإنسان بطبيعته ينشد الكمال،كما لا تنفد الكلمات أبدًا لا تنفد صور الكتابة، لتعمل هذه الصور على الامتداد الواسع لمديات التكامل. الكتابة مهارة تمنح الكاتب مقدرة على تطويع الكلمات وبراعة في تنويع استعمالاتها، بشكل يتيح له توسيع آفاق معانيها بتعدد وتنوع تركيباتها وصورها، وفي ضوء ذلك تتسع آفاق التكامل في نظره. لا تكون الكتابة كمالًا لكاتبها ومتعة لقارئها، إلا حين تبوح بغير الشائع من المعرفة العاميّة، وبما هو مودع من أسرار القلب، وتتجلى فيها استبصارات الروح. أبلغ النصوص تأثيرًا في القراء ما يكتبها الكاتب لحظة اتقاد عواطفه ووثبة قلبه ويقظة وعيه، حين يكتب القلب تتعطر الكلمات بنكهة فريدة. ما أجمل أن يحاول الكاتب جعل كتابته ضربًا من الرسم بألوان مضيئة، لحظة يراها القارئ يشعر كأنها صورًا مرسومة بألوان بهيجة.‏ هذا النوع من الكتابة يمكث طويلًا، وهي قليلة، مقارنة بالكمّ الهائل من الأوراق المكدّسة على أرفف المكتبات، الغارقة في فائض لفظي لا يتذوق فيه القارئ المحترف كلمة لذيذة، أو يكتشف في كلماته فكرة جادة. اللغة ربما تخذل كتّابًا متمرسين، ‏لحظة تنضب في مخزونهم اللغوي الكلمات المتناغمة وعمق العقل واتساع آفاق وعيه.

الإنسان كائن مسكون باكتشاف نفسه أولًا، واكتشاف الإنسان الذي يعيش معه، واكتشاف العالَم من حوله، أثمن الكتب ما يكتشف فيه الإنسان نفسه وغيره والعالَم من حوله. القراءة ضرب من الدهشة، القارئ الحاذق مكتشف، القراءة متعة الاكتشاف، عندما يقاد القارئ كأعمى تموت بهجة الدهشة، ويخسر متعة الاكتشاف. ينفر القارئ من السيرة الذاتية مثلًا، حين لا يقرأ فيها حديثًا عن الحياة الخاصة، وكشف خفايا لا يعرفها القراء عن الكاتب، ويراها تفتقر إلى نكهة الكتابة الممتعة. لا يبحث القارئ عن الذي يعرفه الناس من شؤون حياة الكاتب العامة، وما يشترك فيه مع غيره، أو ما يريد أن يستعرضه من مواطن تفوقه، ويعلنه من نرجسيته المتضخمة، وكون حياته وسلوكه استثناء، ويتحدث عن صفات اكتسبت فرادتها في شخصيته، ويستعمل كلمات تبوح بالتفاخر والتبجح. هذه الكتابة مضجرة، لأن القارئ لا يلمس فيها ما هو مختبئ في أعماق الكاتب مما يريد العثور عليه بداخله. في شخصية صاحب السيرة يفتش القارئ عن المتكتم عليه، وما يستره من ثغرات وهشاشة، يتطلع القارئ أن يرى ما تخفيه أقنعة يغطي فيها الكاتب ما تضمره أعماقه، لينكشف له ما هو غاطس في هذه الشخصية، القارئ يعلم أن العناصر الغاطسة مكونة لما هو جوهري في شخصية كلِّ إنسان.

تعلمت من الكتابة أشياء متنوعة، إلا أن أنفس ما تعلمته منها وأتعبتني به، هو الإيقاظ المتواصل للعقل والتفكير المتأمِّل، والتساؤل عن المسلّمات، وما اشتهر أنه بديهيات وقضايا لا تقبل النقاش. أعرف أن إدمانَ التفكير حالةٌ غير مريحة للروح والقلب والمشاعر، هذا النوع من التفكير إن كنا نعيشه على الدوام تنفر منه النفس لأنه لا يُطاق، التفكير المتأمل عملية شاقة يهرب منها أكثر البشر، إذا تواصلت يقظة العقل صمتت العواطف وخمدت المشاعر، وهذه حالة لا يطيقها معظم البشر. تظل للروح استبصاراتها، وللقلب لغته وذوقه، مسارات الروح والقلب والعقل في حياتي متوازية لا مترادفة، وإن كان العقل يظل مرجعية عليا يضبط احتياجات الروح والقلب، ويضيء لهما خارطة طريق إشباعها، لئلا يتخبطا في متاهات الضياع، والغرق في الوهم والخرافة والشعوذة. لا أفكر إلا بشيء أساسي في حياتي وداخل عائلتي وعلاقاتي، وهو أن أكون وفيًا لما يفرضه عليّ ضميري الأخلاقي، وما يكرّس سكينة روحي وطمأنينة قلبي ويسقيهما.

https://alsabaah.iq/105016-.html

 

قراءة تبعث المسرات وأخرى تثير الاكتئاب

قراءة تبعث المسرات وأخرى تثير الاكتئاب

د. عبد الجبار الرفاعي

الكتب نوعان، نوع يعزّز ثقتَك بنفسك، ويمنح حياتَك معنى أنت بحاجة ماسة إليه، سواء أكان هذا المعنى يوقظ عقلك، ويوسّع معرفتك ويثريها بنفسك والإنسان والعالم الذي تعيش فيه، أو يهبك هذا المعنى بصيرة وسكينة للروح، أو طمأنينة للقلب وسلامًا، أو يفرغ عليك حكمة توجه عاطفتك وتستثمرها فيما يجعل حياتك وحياة غيرك أجمل. النوع الثاني من الكتب يقذفك في العدم والفراغ الكلي، يوقد في نفسك الاغتراب الوجودي، ويبث في داخلك الاكتئاب والتشاؤم والقرف من كلِّ شيء مما حولك، ويحرضك على كراهية الكائنات في الطبيعة، ويغذّي عدوانيتك حيال الإنسان، ‏ويدعوك للتخلص من الحياة بأية وسيلة.

أندهش كلّما شاهدت إغراقَ المكتبات بمؤلفات فرانز كافكا وإميل سيوران، وأمثالها من الكتب النكدية للكتّاب المتشائمين المكتئبين، ممن لا يرون أيَّ شيء في حياة الإنسان إلا في الظلام. يحتجّ بعضهم بأن هذه النوع من الكتب ضروري ليرى القارئ ما هو محتجب داخل ذاته، وشرور الإنسان الآخر الذي يعيش معه، وخفايا العالم من حوله. قرأت بعض الكتب النكدية فلم أجد ذاتي فيها، رأيتها حافلة بالدعوة للموت، وتحريض الإنسان ضد الإنسان، ولا تخلو من ترغيب بالانتحار. لم أقرأ فيها ما يدعو للمحبة والإيمان والتراحم، وإيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. أتحدث عن تسمّم الروح بانحصار القراءة بالكتب التشاؤمية فقط لأمثال أولئك المؤلفين دون سواها. لا أعني كتب الفلاسفة الذين تأملوا كلَّ شيء بعمق، ولا أعمال علماء النفس والإجتماع والعلوم الإنسانية، وتشريحها العلمي للنفس الإنسانية ومنابع الشر الكامنة في أعماقها.

كنت ومازلت أهتمّ غاية الاهتمام بكتب علم النفس والعلوم الإنسانية والفلسفة والأديان، والروايات الثمينة لديستوفيسكي وأمثاله. الإدمان على قراءة هذا النوع من الكتب كشف لي شيئًا من المختبئ في أعماق نفسي وغيري من البشر، وتعلمت منها أحوال المجتمعات والثقافات والإثنيات والأديان المتنوعة.كذلك أحرص على قراءة الشذرات المضيئة للعرفاء، في “المثنوي” لجلال الدين الرومي “والمواقف والمخاطبات” للنفّري، وماكس إكهارت، وأمثالها من النصوص الخالدة التي تنظر للوجود بعيونٍ مضيئة، تداوي جروح الروح، وتشفي نزيف القلب، ولا تجهل الطبيعة الإنسانية. أغلب ما نقرأ ونسمع ونشاهد من أخبار تثير الكوابيس والأرق، قلما يصادفنا خبر ينعش الروح. أهرب من مشاهدة التلفزيون أيام الحروب والأهوال وهي كثيرة، أقرأ الأخبار في الصحافة اليوم التالي، لو شاهدت طفلًا أو شيخًا أو عجوزًا أو دمًا مسفوكًا في التلفزيون لا أطيق النوم تلك الليلة.

مواجع الحياة وآلامها لا تُطاق، يشكو لي بعض الشباب من أن حياتهم يعصف بها القلق والاكتئاب. أحد الشباب مولع بمطالعة الكتب النكدية، أصبح يائسًا متشائمًا قانطًا محبطًا ممزقًا من الداخل، بسبب انحصار مطالعاته بهذه الكتب. استشارني فنصحته بالعودة إلى كتب تداوي جروح الروح، وتشفي نزيف القلب. عندما قرأها أخبرني بحدوث تحول استثنائي في حياته، إذ انخفضت وتيرة القلق الوجودي لديه، وبدأ يمارس عمله بحيوية وفاعلية خلّاقة، ويخطط ويعمل من أجل مستقبل أفضل. أظن لو لم يكن محور رواية ‏أليف شفق: “قواعد العشق الأربعون”، الحياة الروحية لجلال الدين الرومي، وكيف استطاع هذا المعلم الملهِم أن يجعل من الإيمان حبًا والحب إيمانًا، لما تلقاها القراء بذلك الشغف. عندما صدرت الترجمة العربية للرواية كنت في بيروت، قرأتها مباشرة، وكتبت عنها رسالة لمن يتواصلون معي، من الأشخاص الذين يعانون من انهيارات روحية وجروح نفسية، فأخبروني أنها كانت خير علاج أسعفهم بعد الفراغ من مطالعتها. بعضهم أخبرني أنه يضع الرواية كل ليلة تحت وسادته حين ينام ليشعر بالأمن الروحي والسلام النفسي.كلّ إنسان يحتاج أن ينام بسكينة، ويتعطر بنكهة الأمل والتفاؤل والرجاء أول الصباح، وذلك يدعونا لانتقاء ما يبث السكينة والسلام من النصوص في مساء الأيام وصباحها.

الكتاب أغزر منبع للمعنى ساعدني للاستغناء عن العلاقات العشوائية، وحماية نفسي منها، احتلت الكتب النوعية مكانة هذا النوع من العلاقات العبثية. الكتاب رافقني في محطات حياتي المتنوعة، وعمل على إنقاذي من الشعور بالعزلة ومكابدة الأرق، وأغناني عن التخبط في العلاقات. لا أعني الاستغناء عن علاقات العمل المهني المفروضة على الإنسان، وإن كان يمكنه الاكتفاء بما هو أساسي وضروري منها.

لا أخرج من البيت إلا نادرًا، أنشغل بالقراءة والكتابة الوقت كله. أُعرّف نفسي بثقة واعتزاز بهاتين الكلمتين: “أنا قارئ”، هذا هو الشغف الذي كأنه ولد بولادتي، وسيلبث مقيمًا بداخلي مادمت قادرًا على القراءة. العالم يتغير بسرعة تفوق كثيرا تفكير الإنسان وتخطيطه للمستقبل. أقرأ الصحافة كلَّ يوم، أقرؤها لأرى كيف يرحل العالم للغد، ويرحّلنا معه “رغمًا عنا”، عساني ألمح ضوءًا في مصائره ومصائرنا. أقرأ ما أعثر عليه في المكتبات من جديد العلم والمعرفة، أقرأ ما لم أتعرّف عليه من كتابات عن الأديان والفلسفة والآداب والفنون والفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. لدي صلة عاطفية بالورق والكتب منذ المرحلة الابتدائية، وهذا ما يجعلها تملأ بالتدريج كلّ بيت أسكنه، وتتكدّس في غرف المنزل، حتى عند وسادتي بشكل فوضوي يزعج عائلتي أحيانًا. لا أبالغ عندما أقول إني اتحسّس الكتب ككائنات حية ينعش بنبضها شيءٌ من روحي.

‏شيوع القراءة في المجتمع يحرّر الإنسان من التشدّد ويخفض وتيرة العنف، ويعمل على اكتشاف المشتركات بين البشر، واحترام اختلاف الهويات وتنوع المعتقدات والثقافات، ويراها منجمًا للإبداع والتكامل. القراءة مسرات وأفراح، إن قرأنا الكتب الجادة المبهِجة. القراءة رحلة أعود فيها إلى الذات، لأنصت بهدوء إلى ما تقوله على إيقاع تشاكلها مع معاني ما أقرأ من كلمات. القراءة تحميني من خوض معارك الواقع ومعاناته. أنا إنسان بطبعي أحاول ما أمكنني الهروب من الندوات والمؤتمرات والفضائيات، أمتنع عن الحضور في منتديات الثقافة ومقاهيها، والأسواق، والمناسبات الاجتماعية، وغيرها. طالما اعتذرت عن دعوات محترمة، أعترف أن حالتي استثنائية ولعلها غريبة، وربما هي من عيوبي، لذلك لا يتفهمها كثيرون. حرصي على صيانة وتحصين السلام بداخلي يفوق أيّ شيء نفيس أعتزّ به، لو تصدّع هذا السلام تتبدّد طاقتي ولا أقوى على إنجاز أيّ عمل. الواقع يزدحم بالتهافت على الشاشات والمنتديات والخوض مع الخائضين في كلّ نشاط. وأنا؛ لا أقول أزهد بذلك، لئلا يقال أمنح نفسي تفوقًا على غيري، بل أقول أنا أحتاج إعجاب الناس وتسويق أعمالي بالحضور، إلا أني لا أعيش سكينة إلا في وحدتي وصحبتي للكتاب والكتابة. أعرف أن هذه حالة تزعج غيري عندما لا أستجيب لدعوته، غير أني لا أستطيع التضحية بذاتي من أجل رضا غيري. أحيانًا أشعر بحرج أخلاقي لحظة أعتذر من دعوات مهذبة تسعى للاحتفاء بمنجزي. نحن بحاجة لمحبة الإنسان، المحبة الأصيلة رصيد يثري سكينة الروح، وهي قيمة عاطفية إنسانية نبيلة لا توهَب لنا مالم نكن مستثمرين جيدين في المحبة. ذلك ما يدعوني للاستثمار في هذه الثمرة الطيبة، وينعكس بكثافة عبر تواصلي الفردي، ومبادراتي المتنوعة للاهتمام بغيري، وقوة حضوري في فضاء الصلات العائلية، والأصدقاء الصدوقين، ممن ظفرت بهم في رحلة الحياة المنهِكة ومحطاتها المضنية. المفارقة أن الأصدقاء لا يتنبهون في الغالب للدوافع الكامنة وراء العزوف عن التواصل الجمعي والحضور الجماهيري. يبهرني حماس أحد الأصدقاء، وهو كاتب وناشط سياسي وثقافي على مشارف العقد التاسع من عمره، عاش أكثر حياته خارج وطنه العراق، يبعث لي هذا الصديق روابط نشر باستمرار لكتاباته وعلاقاته المتشعبة ولحضوره الواسع في منتديات بلدان متنوعة عديدة، والمشاركة الفاعلة بتكريم الأدباء والكتاب. الطريف أن إنتاجه لم ينل الاهتمام الذي يتناسب مع حضوره المكثف، ولا يترصد القراء، ومنهم أنا،كتاباته.

 

https://alsabaah.iq/104581-.html

الهرمنيوطيقا وفلسفة الفقهِ وعلم الكلامِ الجديد في فكر الرفاعي

الهرمنيوطيقا وفلسفة الفقهِ وعلم الكلامِ الجديد في فكر الرفاعي

عبد العاطي طلبة[1]

إنَّ الحاجةَ أَصْبَحَتْ مُلِحَّةٌ إذن – كما يرى الرفاعيُّ – إلى تفعيل «فلسفة الفقه»، وإلى «علم كلام جديد»، وإلى شجاعة استخدام مناهج حديثة كـ «الهرمنيوطيقا» في تفسير النصوص وفهمها. تأتي محاولاتُ الكاتب هنا استئنافًا للمسألة الدينيّة التي تؤرِّق تفكيرَه. نعم، يحتاج الإنسانُ إلى الدِّين، لكنّ الدينَ يعيش أزمةً بما نتلقَّاه في مجتمعاتنا بمناهجه القديمه، وأفكارِه الزمانيّة المُتَجَاوَزَة، ودوائره التأويليّة الجامدة؛ ما يُحَتِّمُ علينا البحثَ عن أدواتٍ جديدةٍ للفهم، ومن ثَمَّ محاولة ابتناء مناهج فكريّة أخرى تضع الإنسانَ المسلم وغير المسلم ومصالحه وحاجاته نُصْبَ عينيها. ولهذا جاءت محاولاتُ الرفاعيّ في مساهماتٍ تجديديّة غير واهمة، لا تتنكّر للإنسان ولا آلامه وآماله، ولا للدين في أزمته المعاصرة، ولا للعالَم الواقع ومشكلاته المُتَكَاثِرَة؛ ومن هنا انْبَعَثَتْ دعواتُه التجديديّة صوب أبنية الفقه والكلام القديمة المُوشِكَةِ على الانهيار وتدمير بني آدم، وما افتعلاه من مناهج في تأويل الدين وفهم العالَم.

يميّز كاتبُنا بين الفقه وفلسفته فيرى الفقهَ «يتناول ما هو معروف الأحكامَ الشرعيّة لعمل المُكَلَّف، أي أنّه علمُ استنباط الأحكام الشرعيَّة، وتحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة بنحوٍ مستدلّ؛ بالتّوكُّؤ على أدواتٍ وقواعد يجري تنقيحُها في أصول الفقه، بينما لا تبحث فلسفةُ الفقه أسلوبَ الاستنباط، ولا علاقة له ببيان الموقف العمليّ تجاه الشريعة، وإنما يتجاوز ذلك إلى ميدانٍ آخر؛ يتناول فيه تشريحَ ماهيّة الفقه، واكتشاف طبيعة نسيجِه الداخليّ ومكوّناته، وكيفيّة نشأته وتطوّره، وتفاعله مع المؤثّرات الزمانيّة والمكانيّة والبيئة الجغرافيّة، والتأثير المتبادل بينه وبين الأعراف والعادات والتقاليد، والعصر الذي أُنْتِجَ في فضائه الثقافي ومحيطه الجغرافيّ، مضافًا إلى دراسة اصطباغ الفقه بمسبقات الفقيهِ وخلفياته ومنظوره الذاتي، ولون ثقافته، وميوله، وبيئته الخاصّة»[1].

حاز الفقهاءُ سلطةً واسعةً بوصفهم ناطقين عن الشَّارع، مُوَقِّعين عنه كما يُعَبِّر ابنُ القيِّم[2]، ولم تُعتبر نتاجاتُهم البشريّةُ بشريَّةً، وسعوا هم على مرّ التاريخ أن تكون لهم مقولةٌ في كلّ شيء يخصّ الإنسانَ من مناحي الحياة وضروبها، «واستحوذ الفقهُ على الدين الإسلاميّ بالتدريج، إلى أن احتكرَه بشكل شبه تامٍّ»[3]، فلا نكاد نجد أمرًا وإن كان مُغْرِقًا في الدنيويّة إلَّا وللفقيه قول مسموع فيه، فجرى تقديسهم عبر الزَّمان على ما حازوا من سلطان على الناس وحيواتهم باسم الكلام الإلهيّ، وصار النّاسُ في حاجة دائمة إليهم ما دامتْ لا تستقيم حياتُهم في الدنيا والآخرة إلّا بوجودِهم. يرى الرفاعيُّ دارسَ الفقه القديم لا يلبث «يغرق… في تفاصيل مدوَّنته التي تضخّمت بالتدريج، وانحسرتْ – تبعًا لتضخُّمِها- معظمُ آفاقِ التفكير الدينيّ الأخرى، وفرضت حضورَها الصّارم على كلِّ ما يتَّصِلُ بأقوال وأفعال المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها. وذلك يفرض تدشين علم قادرٍ على إجراء حفريّات عميقةٍ  في المدوّنة الفقهيّة، من خلال تفكيك الأنساق المُوَلِّدَة للمعرفة الفقهيّة، والكشف عن العناصر المختبئة في عمليّة الاستنباط، وأثرها البالغ في توالد المعرفة وتشعّبها ونموها؛ وهذه مهمّة تتكفلها (فلسفةُ الفقه)، وهي علم لا يعتمد العُدَّة المنهجية والمفاهيميّة المعروفة في أصول الفقه أو الفقه، وإنّما ينفتح على فلسفة العلم، والعلوم الإنسانية، والاجتماعيّة المختلفة، ويتوكَّأ على مناهجها ومفاهيمها»[4].

يحاول الرفاعيّ تفعيلَ فلسفتِه الفقهيّة وجعلها قَيْدَ التطبيق، وهو يدرس الخلاف المُتجدِّد كل عام حول «الهلال»[5]؛ واضعًا بها أنموذجًا تطبيقيًّا للفلسفة الفقهيّة، إذ يقوم بالحفر عميقًا في البنية الفقهيّة وهي تتناول هذا الموضوع، منتهيًا إلى أنَّ الخلافَ في حقيقته ليس إلّا «محاولة استملاكه رمزيًّا، واحتكاره بغية إثراء رأس المال المقدّس… [وأنّ] الخلاف هو على هلالَين وليس على هلال واحد، فهلال الفقهاء غير هلال الفلكيّين؛ هلالُ [الفقهاء] مؤطَّر بمعنى دينيّ، في حين أنّ هلال الفلكيّين هلال ماديّ، مجرّد من المضمون الديني؛ بوصفه ظاهرةً كونيّة»[6].

ننتقل الآن إلى ميدان الرفاعيّ الأثير الذي يراه مُنْطلقًا لأيّ تجديد حقيقيّ في الدين، أعني «علم الكلام الجديد». للرفاعيّ قدم السّبق فيه، فكان له اهتمام خاصّ بمسألة تجديد البحث الكلاميّ، بل ويراها أصلًا لأيّ عملية تجديديّة للفكر الإسلاميّ، ولا يمكن لفكر إسلاميّ جديد يريد النهوضَ بنفسه أنْ تكون له قائمة حقيقيّة ونجوع دون التَّحرر من أسر الكلام القديم، ومحاولة ابتناء علم للكلام جديد يقع الإنسانُ منه موقعَ الأصل والمركز. إنَّ «أية بدايةٍ لتجديد التفكير الديني في الإسلام لا تبدأ بعلمِ الكلام ومسلّماتِه ومقدِّماتِه المنطقية والفلسفية فإنّها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدِّمات، لأنَّ علم الكلام يمثل نظرية المعرفة في الإسلام، وهو الذي ينتج منطق التفكير الديني، ومنطق كل عملية تفكير هو الذي يُحدّد طريقةَ التفكير ونوع مقدّماته ونتائجه»[7].

صدرتْ مجلةُ «قضايا إسلامية معاصرة» – أسسها ويديرها الرفاعيُّ – مهمومةً بالتجديد، وتناولتْ في خمسة أعداد منها موضوعَ الكلام الجديد[8]. وصدر للرفاعي حديثًا كتاب بعنوان «مقدمة في علم الكلام الجديد»، يقول فيه: «انشغلتُ سنواتٍ طويلة في علم الكلام الجديد، وقرأتُ وسمعتُ البلبلةَ والغموضَ، والتشوُّشَ والالتباسَ في تعريفه، وتحديد موضوعه وأركانه ومرتكزاته، فأدركتُ الحاجةَ الماسَّةَ لتأليف مقدِّمة تحدِّد الإطار العام لهذا العلم، وتضع المعيارَ الذي يمكن اعتمادُه في تصنيف هوية المتكلم والكلام الجديد، وتوفِّر للباحثين والدارسين في علم الكلام وفلسفة الدين خارطةَ طريق ترسم المعالم الأساسيّة لعلم الكلام الجديد»[9]. تكمن أهميّة التجديد في علم الكلام لدى الرفاعيّ «في إطلاق حرية التفكير في العقيدة، وتعدُّد وتنوُّع الآراء والمواقف والمقولات الكلامية. ويعبّر اختلافُ المقولات ووفرتها عن تجسُّد اجتهادات ووجهات نظر متنوعة أفضى إليها التفكيرُ الكلاميُّ، مضافًا إلى أنَّها علامة فارقة على منح كلّ مسلم الحق في اختيار عقيدته، بل وحرمة تقليد غيره في المعتقد»[10].

يرفض الرفاعي في علم الكلام الجديد أن تكون هناك أجوبة نهائية باتّة للأسئلة الميتافيزيقيّة، فيقول: «ما قاله مؤسِّسُو الفرق ومُؤَلِّفو المقولات الكلاميّة بخصوص رؤيتِهم لله، وصفاته وأفعاله، والوحي والنبوة، وما فهموه من النصوص الدينية، ليس إلا إجابات مرحليّة؛ تعبر عن زمانهم وبيئاتهم وثقافتهم، وما اكتنف حياتَهم الشخصية، وما عاشوه من ظروف مختلفة، عبَّرتْ عنها الصراعاتُ على السلطة والثروة في عصرهم… في علم الكلام الجديد يُعاد بناءُ مفاهيم الذات والصفات، والإيمان والكفر، والقضاء والقدر… كذلك يُعاد إنقاذُ صورة الله التي تشكَّلَتْ في فضاء النِّزاعات، والحروب، والاستبداد، وتَفَشِّي العبوديات، ورسمُ صورة تليق بعدالته، ورحمته، وجماله»[11]. علم الكلام القديم الذي وُلِدَ في عصوره المختلفة إذن لم يكن إلّا «مرآة لحياة المجتمعات الإسلامية، ارتسمت فيها الأسئلة والتحديات والهموم المتداولة في تلك المجتمعات آنذاك، وتم لاحقًا تعميم الآراء والمقولات الكلامية التي تبلورت في فضاء تلك الأسئلة والتحديات. وهي مقولات وآراء لا تعرف أسئلةَ حياتنا الراهنة»[12]؛ ما يدعو إلى ضرورة العمل على ابتناء كلام جديد يناسب راهن العصر وأسئلته وتحديّاته، ويتساوق مع الإنسان ولا يتناساه؛ مُلَبِّيًا حاجاته الروحيّة والماديّة في الدّنيا قبل الآخرة.

ينبني التجديدُ في علم الكلام على أصول فصَّلها الرفاعيُّ في كتابه؛ منها: إعادة تعريف الإنسان، والكشف عمّا يمكن أن يُقَدِّمه الدينُ إليه من معنى روحيّ وجماليّ، والإقبال على التراث دراسة واستكشافًا، واستلهام جوانبه العقليّة والروحيّة منه والتقاط ما هو حيّ ومُحْييٍ منه وترك ما هو ميّت ومُمِيت فيه، والإقبال على العلوم والمعارف الحديثة ومحاولة استيعابها، ولا سيما العلوم الإنسانيّة، ومحاولة استخدام المناهج والأدوات الحديثة في فهم النصوص وتفسيرها، ودراسة الأديان ومقارنتُها، والكشف عن أنماط التديُّن والإيمان عبر التاريخ، وضرورة التحرُّر من التفسيرات الحرفيّة المغلقة للنصوص الدينيّة، وعدم الانغلاق في التراث ومحاولة استحداث أفكارٍ جديدة تخدم الإنسان دون الخروج عن النّسق الميتافيزيقي للدين؛ أفكارٍ تفسِّر الوحي تفسيرًا ديناميكيًّا لا يكون فيه النبيُّ منفعلًا بصورة سلبيَّة، بل متفاعلًا بصورة إيجابيّة، وتبني الصِّلةَ بين الله وعبده على أساس من المحبة لا على القهر والاستعباد، وتوقظ المعنى الروحيّ وتعزِّزه في النفس الإنسانية لتجد هناءها في هذا العالَم، أفكارٍ تتسامح وتعدّدية تأويل النص القرآنيّ، وتنفتح على الأفهام والأطروحات الجديدة.

إنّه مع تكاثر دعوات التجديد والإصلاح في علم الكلام، وتوالُد الأطروحات التي تتبنّى اسم التجديد، فإنّ الرفاعيّ يطرح معيارًا يمكن على أساسه تصنيف فكر ما بأنّه كلام جديد، أو مفكِّر ما على أنّه متكلِّم جديد؛ «ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأنَّ طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية»[13]. ولا يعني الرفاعيّ بالتجديد في فهم الوحي إهدارَ مضمونه الميتافيزيقي بأي معنًى، بل يرى أيّ محاولة تنأى بالوحي عن طبيعته الإلهيّة لا تدخل في نطاق الكلام الجديد، إذ الوحي – في نظره – ذو بعدَين؛ «بعد إلهيّ، وبعد بشريّ، فهو من حيث تعبيره عن الله إلهيّ، وهو من حيث تعبيره عن الإنسان بشريّ»[14]، ولذلك على المتكلم الجديد أنْ «يفكِّك بين الوحي من حيث هو، أي حقيقة الوحي، ومن حيث تمثُّلاته المتنوِّعة في الحياة الفردية والمجتمعية في مختلف العصور، و[أنْ] يحرص على تحرير معنى الوحي من إكراهاتِ التاريخ وصراعاتِ البشر وحروبِهم»[15].

جاءَ تثمينُ الرفاعيُّ للدَّورِ الذي قام به أمين الخولي في السياق العربيّ من الدعوة إلى استخدام «الهرمنيوطيقا» أداةً في فهم النصوص الدينيّة من جهة كونِه من أوائل من دعا إلى استخدم أدوات منهجية جديدة في الفهم والتأويل، بل وكان أوّل من حاول أن يجد للهرمنيوطيقا مكانًا في السياق العربي والإسلاميّ. يرفض الخولي انحصارَ الدعوة إلى الاجتهاد الفقهيّ دون الاجتهاد الكلاميّ، ويرى التطوّرَ سنةً شاملةً تُلَابِسُ جميع المعارِف الإنسانيّة بأنواعها، وهي تشمل العقائد بدورها كذلك. يجب على العقائد –مثلها مثل الأحكام الفقهيّة – مواكبة مجريات الأحداث والأزمان لتظلّ مواءمة لحاجات الإنسان الروحيّة والمعنويّة، ملبِّيَةً إيّاها، لذا يرفض الخولي أيَّ قراءة لاتاريخيّة للتراث، فالتراث بشتى أنواعه وضروبه لم يكن إلّا ناطقًا عن ظروف عصره الذي ظهر وتشكّل فيه، مُستَجِيبًا لراهن زمانه، ومعالجًا مشكلاتِه التي كان يعاني منها.

وقد تناول الرفاعيَّ أمين الخولي بوصفه أوَّل هرمنيوطيقيّ في الإسلام[16] قبل تلميذه محمد أحمد خلف الله[17]، وقبل نصر حامد أبو زيد في أعماله الهرمنيوطيقيّة[18]، يقول: «فرادةُ الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة لتوطين الهِرْمِنيوطيقا والمناهجِ الجديدةِ في تفسير النصوص في مجال الدراسات الدينية بالعربية. بعد استقراءٍ وتتبعٍ يمكن القولُ إنَّ الخولي هو أولُ هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالَم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك، حتى في بلاد الإسلام غير العربية»[19]. ورغم أنَّ الرفاعيّ يرى كلَّ مَنْ يرى رأيًا جديدًا في الوحي – داخل إطار الدينيّ لا خارجًا عنه – صاحبُ رؤية كلاميّة تجديديّة، إلّا أنّه تعثّر في الوقوف على رأي للخولي في ذلك؛ ما يحمله على القول بأنّه لم يمارس التجديد في البحث الكلاميّ، ولكنّه قضى حياتَه لابثًا في الدعوة إلى التجديد فحسب، مهمومًا بإقحام الهرمنيوطيقا داخل سياق التفكير الدينيّ لدى الباحث المسلم.

ولنعرِّج قليلًا على «الهرمنيوطيقا» ومعناها. صدرتْ عن «قضايا إسلاميّة معاصرة» خمسةُ أعداد تتناولها[20]. تعني الهرمنيوطيقا (نظرية التأويل) باختزالٍ «المبحثَ الخاصّ بدراسة عمليّات الفهم؛ وخاصة فيما يتعلّق بتأويل النصوص»[21]، وهي – حسب تعبير رودولف بولتمان Rudolf Bultmann-: «فنُّ فهمِ تعبيراتِ الحياة المكتوبة»[22]. «تأتي كلمةُ هرمنيوطيقا من الفعل اليوناني Hermeneuein، ويعني (يُفَسِّر)، والاسم Hermeneia، ويعني (تفسير). ويبدو أنّ كليهما يتعلق لغويًّا بالإله هرمس Hermes؛ رسول آلهة الأولمب[23] الرشيق الخطو؛ الذي كان بحكم وظيفته يُتْقِنُ لغة الآلهة، ويفهم ما يجول بخاطر هذه الآلهة الخالدة، ثم يُتَرْجِمُ مقاصدَها وينقلها إلى أهل الفناء من بني البشر… ومهما تكن شكوكنا حول صحة الصلة الإتيمولجية[24] بين الهرمنيوطيقا وهرمس، فإن الصلة بين خصائص الهرمنيوطيقا، وخصائص الإله هرمس هي صواب مؤكَّد»[25].

وقبل الانتقال عن علم الكلام الجديد ينبغي الإتيان على مقابلة الرفاعي بين محمد إقبال ومحمد عبده[26] والتي بَدَتْ صادمة لدى لبعض، إذ انتهى إلى زيف ما يُسْنَد إلى محمد عبده من تجديد، مُثَمِّنًا الدور الذي لعبه محمد إقبال الذي لو لم ينغمس في السياسة ودروبها لأخرج لنا منهجًا كلاميًّا متكامل البنيان. لم يتعدَّ التجديدُ المنسوبُ إلى محمد عبده نطاقَ إطلاق بعض الفتاوى الجديدة مع الإبقاء على أصول الفقه والكلام راسخًا في أصل مقالاتِه الدينيّة؛ وتجريد علم الكلام من أثقاله الخلافيّة، وتطعميه ببعض الآراء والرّؤى العقلانيّة. ورغم كل ما نسب إلى محمد عبده من إصلاح ديني وتجديد إلا أنَّه كان مسكونًا بالماضي، بل ولم يغادره قيد أنملة؛ و«بناءً على ذلك لا يمكننا وضعُ جهود محمد عبده وأمثاله في خانة الكلام الجديد، لأنه كان يفكّر بذهنيةٍ كلاميَّةٍ قديمة، ويفتقر للحسِّ التاريخي، ولم يجتهد في بناء مفهومٍ للوحي خارج الذهنية التقليدية. علمُ التوحيد لديه هو الكلامُ التقليدي ذاته»[27].

ما بدا صادمًا في رأي الرفاعيّ نجد صداه حتى لدى من يتناولون محمد عبده تناوُلًا تبجيليًّا – إن صحّ القولُ – ويرونَه مُجَدِّدًا كلاميًّا، فلأحمد الطيِّب[28] مثلًا بحث صغير بعنوان «الإمام محمد عبده متكلِّمًا»، يقول فيها: «وتُعَدُّ (رسالة التوحيد) للإمام محمد عبده النّصَّ الوحيد المُوَثَّق، الذي يبحثُ فيه عن فلسفة الإمامِ الكلاميّة، ورؤيته التجديديّة ومدى تَحَرُّرِه من علم الكلام التقليديّ أو تأثّره به»[29]. يرى الطيِّبُ أنّه رغم تحرُّر محمد عبده من المذهبيّة الكلاميّة ودورانه مع الفلاسفة تارة، ومع المتكلمين من أشاعرة ومعتزلة تارةً أخرى إلّا أنّه لم يأتِ في الحقيقة برأي جديد لم يكن موجودًا في التراث الفلسفيّ أو الكلاميّ من قبل، وأنّه إنْ أردنا الوقوف على مظاهر التجديد في رسالته تلك فإنّها لن تخرج عن كونه لا يتقيّد بمذهب عقديّ بعينه، ولا تتجاوز اعتداده الشديد بالعقل مرجعيةً يضع لها حدودَها، ولا تتعدَّى تجديدَه في أساليب البرهنة بما يُلامِسُ فلسفات عصره ومعارفها[30]. وهذا ما نراه أيضًا في تناوُلِ حسن الشافعيّ[31] لمحمد عبده إلا أنّه يزيد في ذلك حُسْنَ ترتيبه للمسائل الكلاميّة من حيث وزنها وأهميّتها في نظر الفكر المعاصر، ووقوفه موقفًا معتدلًا بين الكلام والتصوف، وبين متقدّمي المتكلمين ومتأخِّريهم.[32]

أمّا محمد إقبال فقد كان على خلاف ذلك، إذ «سعى  إلى زحزحة علم الكلام القديم، وتمحورتْ جهودُه حول بناء فلسفة بديلة للدين، ليست مكتفيةً بذاتها، وإنّما اغتنتْ بما استوعَبَتْهُ، وتمثَّلَتْه في معارف الآخر»[33] كما رأى الرفاعي. فمع إقبال يدخل الكلامُ الجديدُ مسارًا مختلفًا تُوضَع فيه لبناتٌ أساسيّة يُبْتَنَى عليها، ولا تُكَرِّرُ الماضي ولا تنحو نحوَه، وخلافًا لمحمد عبده الذي لم يَرَ رأيًا في الوحي جديدًا غير الرأي القديم الذي أعاده وكرّره بلغة مدرسيَّة، فإنّ محمد إقبال قد ناقش مسألة الوحي نقاشًا جديدًا يجعله من واضعي لبنات هذا العلم الناشئ. يقول الرفاعيّ: «كتب محمد إقبال (تجديد التفكير الديني في الإسلام)، وهو أول نصّ في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد… عالج فيه التجربة الدينيّة، وصاغ مفهومًا للوحي يتمحور حول هذه التجربة، وميَّز بين تجربةِ الأنبياء وتجربة العرفاء؛ ذلك أنَّ الثانية يبقى صاحبُها حبيسًا فيها ولا يخرج من فضائها، فيما يتخطّى النبيُّ تجربتَه الشخصيّة، لأنها تمنح شخصيّته إرادة تغيير العالَم، وجعل إقبال الحاجةَ لوحي الرسالة الإلهية تختصُّ بمرحلةٍ من مراحل الوعي البشريّ، فإذا بلغ العقلُ رشدَه اعتمد على نفسه، ولم يعُد بحاجة إلى ما هو خارج عنه كي يتطوَّر ويتكامل»[34].

وبمراعاة ما سبق ذِكرُه من أمر هذه المقارنة؛ يرجو الرفاعيُّ «الباحثين والمهتمين بالشيخ محمد عبده العودة إلى تراثه وغربلته، وتقييمه ونقده، والخلاص من الأحكام التبجيلية، ومنطق الثناء، والمديح الزائف… [التي تمنع من التمييز] بين المعرفة البسيطة في آثار محمد عبده، والمعرفة المركبة في آثار محمد إقبال»[35]، فالأزمة الحقيقيّة – كما يرى – في المحاولات التجديديّة رغم جرأتها أنّها «لم تغادرْ المناهجَ التقليديَّةَ الموروثة، إذ كان أصحابُها ينطلقون من مناهج ومفاهيم وأدوات التراث نفسه في فهمه ونقده، وقلّما حاول بعضُهم توظيفَ مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة في فهم الدِّين ونَقْدِ التُّراث»[36].

[1] عبد العاطي طلبة كاتب ومترجم مصري من الأزهر، ومعلِّم لغةٍ عربيَّة للناطقين بغيرها. له ترجمات ومقالات منشورة في بعض الصُّحف والمجلات. تخرج في جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية عام 2014م، ثم التحق بجامعة القاهرة، وتخرج في كلية الآداب، قسم الفلسفة عام 2018م. نشر هذا المقال في مجلة حكمة، حزيران “يونيو” 2022.

[1] الرفاعي، عبد الجبار، فلسفة الفقه: إشكالية النشأة والوظيفة، مجلة قضايا إسلاميّة معاصرة (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، 1999م)، ص 5.

[2] لابن القيم كتاب بعنوان: «إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العالَمين».

[3] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 229.

[4] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 168.

[5] تناول الرفاعي الخلاف حول «الهلال» في فصل تحت عنوان «الاستملاك الرمزيّ للهلال»؛ يُنْظَر: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 155 – 169.

[6] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 169.

[7] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، 2021م)، ص 20.

[8] وهي الأعدادُ 14، و15، و16، و17، و18 لِسَنَتَي 2001م، و2002م، تحت عنوان: «الاتجاهات الجديدة في علم الكلام».

[9] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 20. صدر عن هذا الكتاب طبعة ثانية جديدة مزيدة ومنقَّحة عن دار الشؤون الثقافيّة عام 2021م، في بغداد، وازداد حجمُ الكتاب في هذه الطبعة أكثر من 50 صفحة، وهي أجود وأغنى. تبنَّت جامعات ومؤسَّسَات علميّة هذا الكتاب مُقَرَّرًا دراسيًّا في علم الكلام الجديد داخل العراق وخارجها، كما يُعْمَل على ترجمته إلى عدَّة لغات (الفارسيّة، التركيّة، الإندونيسيّة).

[10] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 40.

[11] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 15، وص 18.

[12] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 47.

[13] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 18.

[14] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 134.

[15] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 132.

[16] في كتابه «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، في الفصل المُعَنْوَن «أمين الخولي والدرس الهرمنيوطيقيّ»، وفي مواضع أخرى؛ يُنْظَر: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 171 – 192.

[17] أثار جدلًا واسعًا بأطروحته: «الفنّ القصصي في القرآن»، والتي رفضتْ جامعةُ القاهرة مناقشتَها.

[18] ولا سيما دراسته الرائدة: «مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن».

[19] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 182.

[20] وهي الأعداد 53-54 (شتاء وربيع 2013م)، 57-58 (شتاء وربيع 2014م)، 59-60 (صيف وخريف2014م)، 61-62 (شتاء وربيع 2015م)، 63-64 (صيف وشتاء 2015م)، تحت عنوان «الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينيّة».

[21] مصطفى، عادل، فهمُ الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا – نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، (القاهرة: دار رؤية، الطبعة الأولى 2007م)، ص 12.

[22] بولتمان Bultmann، رودولف Rudolf، مسألة الهرمنيوطيقا، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، العددان 59 – 60، صيف وخريف 2014م)، ص 108.

[23] الألمبيون الاثنا عشر هم الآلهة الرئيسة في مجموعة الآلهة الإغريقيّة.

[24] علم أصول الكلمات.

[25] مصطفى، عادل، فهمُ الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا – نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، (القاهرة: دار رؤية، الطبعة الأولى 2007م)، ص 24.

[26] قام الرفاعي بهذه المقابلة في فصل حمل عنوان: «محمّد عبده ومحمّد إقبال: رؤية في الإصلاح ورؤية في التجديد»، يُنْظَرُ: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 207 – 224. وهذا الفصل هو الورقة التي قدّمها عبدالجبار الرفاعي في: الندوة الدولية بمناسبة الذكرى المئوية لرحيل الإمام محمّد عبده، «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى – حلب»، 9 – 10 نوفمبر 2005.

[27] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 121 – 122.

[28] شيخ الأزهر الحالي، تولّى المشيخة عام 2010م خلفًا للشيخ محمد سيد طنطاوي.

[29] نُشِرَتْ مُلْحَقَةً بكتاب «توضيح رسالة التوحيد»؛ يُنْظَرُ: عيش، عثمان عبد المنعم، توضيح رسالة التوحيد (أبو ظبي: مجلس حكماء المسلمين، الطبعة الثانية 2020)، ص 25.

[30] يُنْظَرُ: عيش، عثمان عبد المنعم، توضيح رسالة التوحيد (أبو ظبي: مجلس حكماء المسلمين، الطبعة الثانية 2020)، ص 306 – 307.

[31] أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر.

[32] يُنْظَر: الشافعي، حسن، قول في التجديد، (القاهرة، ذخائر الوراقين، الطبعة الأولى 2016م)، ص 85 – 86.

[33] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 217.

[34] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 163.

[35] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 223.

[36] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 174.

 

https://tafker.net/2024/09/01/%D8%BA%D9%8E%D9%8A%D9%92%D9%87%D9%8E%D8%A8%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87%D9%90-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%8E%D8%A7%D8%A8%D9%90%D8%B1-%D8%B9%D8%A8/