Category: علم اللغة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

معارك السلطات على اللغة والتأويل

معارك السلطات على اللغة والتأويل

  د. عبد الجبار الرفاعي

تؤلف اللغة سرديات توزع الأدوار بين بطل وخصم، ومؤمن وكافر، ومصلح ومفسد، ووطني وخائن، وثائر ومتمرد، ومحرر ومحتل، ومظلوم وجلاد. تنتقي هذه السرديات من الذاكرة ما يخدم غاياتها، وتصمت عما يربك تماسكها. لا تستمد السردية نفوذها من صدقها دائمًا؛ وإنما تكتسبه من كثافة تداولها، ومن المؤسسات والمنابر التي تتبناها وتضفي عليها الشرعية. حين تستقر سرديات السلطة في الثقافة، وتكرسها مؤسسات التربية والتعليم ووسائل الإعلام والمنابر الدينية، تحدد للمجتمع ما يتذكره وما ينساه، ومَن ينتمي إليه ومَن يقصى منه، وما يستحق التقديس وما يستوجب الإدانة. عندئذ تتحول السيطرة على اللغة إلى سيطرة على الذاكرة والهوية والخيال، فيدافع الإنسان عن تلك السرديات كأنها حقائق مطلقة؛ لأن مساءلتها تهدد نظام إنتاج المعنى الذي يمنح الأمان، وتمس موقعه داخل الجماعة. بذلك تنتقل المعركة من الحدث إلى تسميته، ومن الواقعة إلى تأويلها، ومن الحقيقة إلى صورتها المستقرة في الوعي الجمعي. وتتحول وسائل الإعلام والخطابات والرموز إلى أدوات تنتقي من الواقع ما تظهره وتخفي ما تحجبه، وتصوغ صورته بما يخدم مصالح السلطة.

تتمثل كثير من المعارك بين السلطات في التنازع على المعاجم اللغوية وأنظمة إنتاج المعنى، سعيًا إلى تفسير الواقع وتوجيه إدراك المجتمع له. لا تتصارع السلطات على القوة والثروة والمؤسسات وحدها؛ بل تتصارع أيضًا على امتلاك اللغة والتأويل والذاكرة، والتحكم في منظومة إنتاج المعنى، وتحديد الكلمات المستعملة في وصف المجتمع ذاته وغيره، والمفاهيم التي يفهم في ضوئها الحقيقة والعدالة والحرية والمساواة والحقوق والأمن والوطن والهوية. مَن يمتلك سلطة التسمية ويتحكم في إنتاج المعنى يكتسب قدرة واسعة على توجيه الوعي؛ فالاسم لا يكتفي بالإشارة إلى الواقع، بل يضعه في سياق دلالي يحدد صورته وموقعه وأثره في الوعي. هكذا يتحول النزاع على العالم إلى نزاع على تأويله ورسم صورته في الأذهان، وقد يفوق أثر الكلمة أثر القوة؛ لأن القوة ترغم الإنسان من الخارج، في حين تتسلل الكلمة إلى داخله، وتعمل على تحديد نظرته إلى ذاته والآخرين والحياة.

تتمثل أغلب المعارك بين السلطات في تنازع أنظمة لغوية على تفسير الواقع والتاريخ؛ إذ يسعى كل طرف إلى فرض معجمه وتسمياته وصوره الرمزية، كي يجعل رؤيته للعالم أرسخ حضورًا في الوعي واللاوعي. لا تصل الوقائع إلى الإنسان عارية من اللغة؛ اللغة تعيد تشكيلها داخل شبكة من الألفاظ والمفاهيم والاستعارات، تنتقي عناصرها، وتحدد سياقها، وتمنحها معنى مخصوصًا. تتحول التسمية عندئذ إلى فعل سلطوي يعيد بناء صورة الواقع ويوجه إدراك الإنسان له؛ فكل تسمية تستبطن موقفًا، وتتضمن حكمًا، وتستدعي ذاكرة وصورة وشحنة عاطفية. حين يسمى فعل ما “تحريرًا”، تفتح الكلمة في المخيلة أفق البطولة والخلاص واسترداد الحق، وحين يسمى الفعل نفسه “احتلالًا”، تستدعي صور العدوان والقهر وانتهاك السيادة. وما يقدم تحت اسم “الحماية” قد يكون ستارًا للاستعمار والوصاية، وما يسمى “إصلاحًا” قد يخفي تحجرًا، وما يعلن “حفاظًا على الأمن” قد يستر قمعًا للحريات، وما يوصف بأنه “دفاع عن الهوية” قد يتحول إلى تسويغ للتمييز والتعصب.

لا تعكس اللغة الواقع كما تعكسه مرآة صامتة؛ اللغة تسهم في تشكيل صورته وتنظيم عناصره وحضورها في الوعي. تتركز المعركة في الاسم وما يحمله من معنى؛ لأن الاستحواذ عليه يمهد لتحديد الموقف من المسمى. حين تنجح سلطة في فرض تسميتها لحدث أو جماعة أو فكرة، تفرض تأويلها للواقع، وتقدمه في صورة الحقيقة العامة. يرسم الاسم الحدود بين المقبول والمرفوض، والوطني والخائن، والمؤمن وغيره، وبين مَن يستحق الاعتراف ومَن تهدر كرامته. يبدأ العنف الرمزي حين تختزل السلطة الإنسان في تسمية تمحو فرديته وتعقيد تجربته، وتحوله إلى صورة نمطية مغلقة؛ فتصبح الكلمة تمهيدًا للإقصاء، وغطاءً يسوغ الإهانة والاضطهاد والعنف. قبل أن تستباح حياة الإنسان، تستباح صورته في اللغة، وقبل أن ينفى من المكان، ينفى من فضاء الاعتراف والاحترام في الخطاب.

يتعلم المجتمع معجم السلطة في المدرسة والإعلام والمنابر والمؤسسات الرسمية والاحتفالات العامة، ثم يعيد استعماله في حياته اليومية من دون أن ينتبه إلى ما يختزنه من مصالح وأحكام. ينتقل خطاب السلطة من المؤسسات إلى اللاوعي؛ فيراقب الإنسان لغته وأفكاره، ويخشى تسمية الأشياء كما يراها، ويردد الكلمات المفروضة عليه كأنها صوته الخاص. الإعلام ليس وسيلة محايدة لنقل الحقيقة؛ الإعلام يشارك في صناعة صورتها وترسيخها في الوعي الجمعي. لا تكمن قوته في نقل ما حدث وحده؛ بل تتجلى أيضًا في اختيار ما يعرضه وما يهمله، وترتيب الأخبار، وانتقاء الصور، وصياغة العناوين، وتحديد الأصوات التي يمنحها حق الكلام، وتلك التي يفرض عليها الصمت.

ربما لا تحتاج السلطة إلى إنكار الواقعة؛ إذ يكفي أن تعيد تسميتها، أو تنتزعها من سياقها، أو تغمرها بسيل من الأحداث الثانوية، أو تقرنها بصور عاطفية تحجب دلالتها. تستمد اللغة الإعلامية قوتها أحيانًا من كثافة تكرارها واتساع انتشارها، لا من مقدار مطابقتها للواقع. كلما تكررت الصورة وترسخت التسمية، بدا التأويل كأنه الواقعة ذاتها، وتلاشى الحد الفاصل بين ما حدث وطريقة تقديمه. الصراع اللغوي صراع على التأويل والذاكرة والهوية؛ لأن مَن يفرض روايته للماضي يوجه فهم الحاضر ويرسم أفق المستقبل.

تعيد كل سلطة كتابة الماضي بما يخدم شرعيتها؛ فتنتقي من التاريخ أبطالًا وضحايا، وتحتفي بأحداث وتتجاهل أخرى، وتمنح الأماكن والأعياد والمراحل السياسية أسماء جديدة. لا تستدعي الماضي لمعرفة ما وقع فحسب؛ وإنما توظفه في تفسير الحاضر ورسم صورة المستقبل. مَن يستأثر بسردية الماضي يستطيع أن يقدم وجوده الراهن امتدادًا طبيعيًا للتاريخ، وأن يصور خصومه خارجين على الهوية أو مهددين لها. تتحول الذاكرة إلى ميدان للصراع، ويصبح تعدد الروايات ضرورة تصون المجتمع من احتكار سلطة واحدة لمعنى تاريخه.

لا تكتمل مقاومة الهيمنة بالاعتراض على نتائجها ما لم تمتد إلى تفكيك معجمها، وكشف المصالح الكامنة في مفرداتها، والأحكام المضمرة في تسمياتها، والإقصاء الذي تنطوي عليه صورها الرمزية. قد يرفض الإنسان سلطة ما، وهو يفكر بلغتها ويقاومها بأدواتها ومفاهيمها وشعاراتها، فيعيد إنتاج سلطتها من حيث لا يدري. يقتضي التحرر استعادة الحق في التسمية، والتمييز بين الواقعة والخطاب الذي يصوغ صورتها، وفتح اللغة على تعدد الأصوات والتأويلات. لا تكتمل حرية الإنسان بقدرته على الكلام وحدها؛ إذ يحتاج الإنسان إلى لغة تعبر عن تجربته، وتصون كرامته، وتمكنه من رؤية الواقع خارج الصور التي تفرضها السلطة. حين تتحرر اللغة من احتكار المعنى تصير أفقًا للسؤال، وطاقة لكشف الهيمنة ومقاومتها، ومجالًا للاعتراف بالاختلاف.

نقد اللغة ضرب من نقد الذات والمجتمع والسلطة؛ لأنه يحرر الوعي من الأحكام الجاهزة، ويفتح أمام الإنسان إمكان تسمية عالمه بصوته، ورؤية الآخر خارج قوالب الإدانة والإقصاء. يبدأ التحرر بكشف المسافة بين الواقع وتمثلاته اللغوية، ومراجعة السرديات الموروثة، والإنصات إلى الأصوات المحجوبة بخطابات السلطة والعنف. لا يتحرر الإنسان ما لم يتحرر معجمه من كلمات الضغائن، ويسترد حقه في التعبير عن ذاته كما يراها، ورؤية غيره كما هو، لا كما تصوره خطابات نفي المختلف.

https://alsabaah.iq/138340-.html

 

 

 

تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى

تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى

  د. عبد الجبار الرفاعي

يولد الإنسان في لغة تسبقه، فيتعلم أسماء الأشياء قبل أن يسأل عن دلالاتها، ويتلقى تصنيفات الجماعة قبل أن يختبرها. تختزن الكلمات آثار تجارب وصراعات وأحكام فقدت أسبابها، غير أن ظلالها تلبث فاعلة في الاستعمال اليومي. يتوهم المتكلم أنه يتصرف في لغته بحرية، مع أن الموروث اللغوي قد يتكلم من خلاله، ويستدعي على لسانه مفاهيم لم يخترها وأحكامًا لم يفحصها. تبدأ حريته حين يعي المسافة بين صوته وصوت الجماعة في داخله، ويميز ما يعبر عن خبرته مما تفرضه العادة، ثم يعيد ابتكار لغته بما يتسع لتجربته ويحفظ حق الآخر في أن يكون مختلفًا. يقول مارتن هايدغر: “يتصرف الإنسان كما لو كان هو صانع اللغة وسيدها، في حين أن اللغة تظل سيدة الإنسان”[1].

مَن يمتلك سلطة التسمية يوجّه الوعي؛ فالاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. ومَن يحتكر تسمية الأشياء يسيطر على نظام إنتاج المعنى ويستطيع توظيفه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها منها؛ هكذا تسمي السلطة المستبدة القمع أمنًا، والاستبداد استقرارًا، والإقصاء حماية للهوية، والاحتلال تحريرًا، والامتياز حقًا، والاعتراض فتنة. تكشف التجارب المريرة للاحتلال، منذ الاستعمار الإمبراطوري القديم إلى الاستيطان الحديث، عن تعمد تبديل أسماء المدن والقرى والمواقع والأنهار والبحار والبحيرات؛ لمحو ذاكرة السكان الأصليين، وطمس هويتهم، وإعادة رسم هوية المكان بلغة المحتل. الاسم ليس علامة محايدة، إنه مستودع للذاكرة، وسجل لتاريخ الجماعة، وشاهد على صلتها بأرضها. حين ينتزع المحتل الاسم من المكان، يحاول اقتلاعه من ذاكرة أهله، وقطع الصلة بين الأجيال وتاريخها، وإحلال روايته محل روايتهم. حماية الذاكرة الوطنية تبدأ باسترداد الأسماء الأصلية، وحماية هوية المكان من المحو، وصيانة حق السكان في رواية تاريخهم بلغتهم وأسمائهم. ترسخت هذه السياسة الموجعة في المناطق التي أخضعتها القوى الأوروبية في الأمريكتين وأستراليا، وتواصلت بأقسى صورها في فلسطين، حيث لا يكون تبديل الاسم عملًا لغويًا محايدًا، وإنما أداة للاستحواذ الرمزي على المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه الأصليين. لا يستهدف هذا التغيير الأسماء وحدها، بل يسعى إلى محو ذاكرة المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه، وإحلال رواية المتغلب محل رواية أهله.

لا تغير السلطة الأسماء اعتباطًا؛ لأنها تدرك أن تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمى، ويمنح الفعل القبيح مظهرًا مقبولًا. لا تكتفي التسمية بوصف الواقع، وإنما تعيد تشكيله في الوعي، وتحدد موقع الأشخاص والأفعال والأماكن في منظومة القيم. تصير تسمية الأماكن أداة للاستحواذ الرمزي؛ فمن يفرض عليها أسماءه يحاول امتلاك تاريخها، وإعادة صياغة هويتها، والتحكم في صورتها المستقرة في ذاكرة الأجيال. هكذا يتحول الصراع على دلالات الكلمات إلى صراع على القيم والمعايير والمعتقدات، ويغدو تحرير المعجم العام شرطًا لتحرير الإنسان من الخداع والتضليل. تبدأ نهضة المجتمعات حين تسترد كلماتها من قبضة الأيديولوجيا، وتكشف ما تراكم في دلالاتها من تزييف، وتعيد إليها قدرتها على قول الحقيقة، واستيعاب السؤال والاختلاف، وابتكار إمكانات جديدة للحياة.

نقد اللغة ضرب من تفكيك سلطة الأحكام المسبقة؛ الكلمات تكشف طرائق التفكير، وأنماط الشعور، وما يختبئ في اللاوعي من أحكام مضمرة. تهذيب اللغة إعادة تربية للشعور والذوق، وتصحيح لعلاقة الإنسان بذاته وبمن يختلف عنه، وتحرير للوعي من ألفاظ التعصب والاحتقار والإقصاء. كلما تهذبت اللغة اتسعت للاختلاف، وصانت كرامة الإنسان، وفتحت أفقًا للحوار والتفاهم والعيش المشترك. تجديد اللغة ليس استبدال ألفاظ بأخرى فقط، إنه مراجعة لنظام القيم الكامن فيها، وبناء لمعجم يعترف بالإنسان، ويحمي حقه في التعبير عن ذاته، من دون أن تحاصره أحكام الآخرين وتسمياتهم الجاهزة.

لا يتحرر الإنسان من أسر اللغة إلا حين ينتبه إلى ما تخفيه كلماتها من أحكام مضمرة، وينقد دلالاتها الموروثة، ويعيد فهمها في ضوء وعيه وخبراته. الكلمات لا تصف الإنسان والعالم فقط، وإنما تسهم في تشكيل نظرته إليهما، وتحدد مواقفه منهما. حين يراجع الإنسان معجمه، ويطهره من ألفاظ التحقير والكراهية والإقصاء والعنف، يتحرر وعيه من كثير من أوهامه، وتتسع لغته للاختلاف، وتصير أقدر على حماية الكرامة وفتح أفق للتفاهم والعيش المشترك.

قد تتحول الكلمة من وصف للإنسان إلى قدر يلاحقه؛ فالتسمية التي يلصقها الآخرون به تختزله في صفة جارحة، وتضعه في سجن كئيب يحجب مواهبه، ويطمس تنوع شخصيته وثراء تجربته. يحدث ذلك حين يلصقون بفرد أو جماعة تسمية ازدرائية، فلا يقف أثرها عند حدود الحكم العابر، وإنما يمهد للتمييز والعزل والحرمان، وربما يسوغ العنف. تبدأ القسوة في المعجم قبل أن تنتقل إلى السلوك، ويبدأ الاعتراف بالآخر حين ينادى بالاسم الذي يصون كرامته ويقر بحقه في الاختلاف. العناية بالكلمات مسؤولية أخلاقية؛ لأن تهذيب اللغة يسهم في بناء علاقات راسخة، ويحول دون اختزال البشر في قوالب جامدة، ويفتح المجال أمام كل إنسان كي يعبر عن ذاته بصوته، بعيدًا عن الأسماء التي يفرضها عليه الآخرون.

ترسم اللغة للإنسان أفقًا يرى فيه ملامح العالم الذي يود أن يسكنه؛ فقد تسهم في تشكيل صورة جميلة للحياة، وقد ترسم عالمًا كئيبًا يرهقه ويستنزف روحه. اللغة مرآة تنعكس فيها أعماق الإنسان بما تختزنه من نور أو ظلمة، وقوة تسهم في تشكيل هذه الأعماق، وجسر يعبر به من العتمة إلى الإشراق، ومن ضيق الأفق إلى سعته، ومن التيه إلى المعنى الذي يبحث عنه. حين تستيقظ في اللغة طاقة الانكشاف، توقظ البصيرة، وتمنح الإنسان قدرة على رؤية ذاته والوجود بعين أكثر اتساعًا وجمالًا، وتفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل. اللغة الدافئة تنبه الضمير من غفلته، وتطهر القلب من سموم الكراهية، وترمم ما بددته القسوة والجفاء في العلاقات الإنسانية. في هذه اللغة طاقة خفية تضمد جراح النفس، وتخفف مشاعر القلق والحزن، وتصالح الإنسان مع ذاته والآخرين والحياة. الكلمة الرحيمة لا تغير العالم كله، غير أنها قد تغير عالم إنسان منكسر، وتمنحه سببًا جديدًا للأمل ومواصلة الحياة.

حين تنغلق اللغة في قوالب جامدة، تضيق دلالاتها، وتخبو قدرتها على توليد المعنى، فتتحول إلى عبء يثقل الفكر ويحبس الروح. أما اللغة الحية فتتجدد بتجدد التجربة، وتبتكر كلمات تكشف ما لم يكن مرئيًا، وتمنح الإنسان قدرة على الإفصاح عما يختبئ غامضًا في أعماقه. لا تقاس حيوية اللغة بكثرة مفرداتها، وإنما بقدرتها على الاستجابة لأسئلة العصر، واستيعاب الخبرات الجديدة، وابتكار آفاق للمعنى لم ترها الأجيال السابقة. تموت اللغة حين تكرر أجوبتها القديمة، وتفرضها على أسئلة جديدة، وتحيا حين تصغي إلى الإنسان، وتواكب تحول تجاربه، وتمنحه إمكانات أوسع لفهم ذاته والعالم. تجديد اللغة لا يعني القطيعة مع ميراثها، وإنما تحرير طاقاته الكامنة، وإعادة تأويل كلماته في ضوء حاجات الحاضر وآفاق المستقبل. كل لغة تعجز عن الإصغاء إلى إيقاع الحياة تنغلق وتتحجر تدريجيًا، وكل لغة تستوعب تحولات الإنسان تكون قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج المعنى.

[1] هيدغر، مارتن، البناء، السكن، التفكير: كتابات أساسية، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق، ج 2: ص 222، 2003، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

https://alsabaah.iq/137527-.html

 

العالم كما ترسمه اللغة

العالم كما ترسمه اللغة

 د. عبد الجبار الرفاعي

ظهر الإنسان العاقل، في صورته البيولوجية الحديثة، عبر مسار تطوري يعود إلى نحو ثلاثمئة ألف سنة، كما يقول الخبراء. غير أن قدرته اللغوية تطورت بالتدريج مع تطور دماغه وتعقد حياته الاجتماعية واتساع وعيه بذاته والعالم. لم تظل اللغة وسيلة للتفاهم، إذ غدت أفقًا تتكون فيه الخبرة، ونظامًا رمزيًا تتشكل فيه معاني الكائنات والأشياء والوجود. تمنح اللغة العالم أسماءه وصوره ودلالاته، وتعيد بناءه في الوعي والذاكرة والخيال؛ فما لا اسم له يظل مبهمًا غائمًا في الإدراك، وما تمنحه اسمًا يغدو قابلًا للفهم والتأويل والتداول. لا تنقل اللغة العالم كما هو، فهي تنتقي منه وتصنفه وتعيد ترتيب عناصره، وتكشف وجوهًا وتحجب أخرى تبعًا لثقافة المجتمع ودينه ونمط عيشه وتاريخه. يصنع الإنسان اللغة بقدر ما تصنعه؛ يبتكر ألفاظها ودلالاتها، وتصوغ تفكيره ورؤيته لذاته وللآخر والعالم.

تسهم اللغة في توجيه إدراك الإنسان، فتحدد ما يراه وما يغفل عنه؛ متى اتسعت اللغة اتسع عالم الإنسان، ومتى ضاقت ضاقت آفاق رؤيته. لا يسكن الإنسان العالم الطبيعي وحده، بل يسكن أيضًا عالمًا تشيّده اللغة والرموز والخيال، وتحفظ فيه خبراته وذاكرته وقيمه وأحلامه. باللغة يختزن تجاربه، وينقلها إلى الأجيال، ويحول الخبرة الفردية العابرة إلى ذاكرة جمعية متراكمة. هكذا غدت اللغة شرطًا لتشكل الثقافة، ونمو المعرفة، وتطور الحضارة، وبناء الهوية، وحضور الأديان وانتشارها؛ فهي ليست مجرد أداة يستعملها الإنسان، وإنما أفق يسكنه، ويرى فيه ذاته والعالم والوجود.

في فضاء اللغة صيغت القوانين، وانتظمت العلاقات والمصالح والمعاملات، وتأسست السلطات والدول والسياسات، وأعلنت القيم الأخلاقية عن أثرها في حياة الفرد والمجتمع، وتشكلت الهوية عبر السرد والخيال والذاكرة الجمعية، وبشّرت الأديان برسالاتها. غدت اللغة نظامًا ينتظم فيه العالم البشري، وتتكون صوره ودلالاته. يتجلى وعي الإنسان بذاته والآخر والعالم من خلالها، فهي حاضنة خبرته، والمشاركة في إنتاج رؤيته للوجود. باللغة يحفظ الإنسان الماضي، ويفسر الحاضر، ويتخيل المستقبل، وتنقل الأجيال معارفها وقيمها ورموزها وأديانها وثقافاتها من عصر إلى آخر.

لا تتولد اللغة وتتطور خارج حياة الإنسان وخبراته وعلومه ومعارفه وثقافته وأديانه؛ فهي تتسع مع اتساع وعيه، وتتجدد بتراكم معارفه وتحول رؤيته للعالم وتبدل أنماط عيشه. بدأت اللغة استجابة لحاجة الإنسان إلى التواصل والإشارة والتعبير، واقترنت في طورها الشفاهي المبكر بالإيماءة والإيقاع، فتكونت فيها البذور الأولى للرمز والخيال والسرد. من هذه البذور تفتحت لغة الدين ولغات الشعر والأدب والفلسفة والعلم، تعبيرًا عن تطور وعي الإنسان، وسعيه إلى فهم ذاته والعالم، وتسمية خبراته ومفاهيمه، والإجابة عن أسئلة وجوده. لا يتحدد ثراء اللغة بكثرة مفرداتها وحدها، فثراؤها يتجلى في توالد دلالاتها، وتجدد مجازاتها، واتساع قدرتها على التعبير عن الخبرات الجديدة، وبناء المعنى وتأويل الوجود. كل تحول عميق في وعي الإنسان يترك أثره في لغته، مثلما يعيد كل تحول في اللغة تشكيل وعيه ورؤيته لذاته والعالم.

تتسع اللغة وتتطور من التعبير الأولي البسيط إلى أفق حضاري تتجلى فيه خبرة الإنسان التاريخية، وينكشف له العالم بما تمنحه من أسماء ودلالات وصور ورموز. لا يقوم التاريخ على الوقائع وحدها، وإنما يتكون في اللغة، ويستعيد حضوره في السرد والتأويل والذاكرة والمتخيل والهوية. لا تحضر الأحداث في وعي الإنسان كما وقعت، بل كما يرويها ويفسرها ويسردها ويمنحها معانيها، وفقًا لما يعيد المتخيل بناءه في فضاء اللغة. هكذا تغدو اللغة أفقًا تتشكل فيه صورة الماضي، ويصوغ الإنسان من خلاله رؤيته لذاته والعالم والمستقبل.

تنقضي الوقائع، غير أن اللغة تحفظ آثارها، وتعيد ترتيبها وتأويلها، وتمنحها دلالات جديدة، وقد تحول حدثًا عابرًا إلى رمز حي في الذاكرة الجمعية، أو تهمشه وتسقطه في قاع النسيان. لا يستعيد الإنسان الماضي كما وقع، وإنما يستحضره كما ترويه اللغة، وتنتقي وقائعه، وتربط بينها، وتصبغها بمعاني الحاضر وأسئلته ومصالحه. كل سرد يعيد بناء الماضي من زاوية مخصوصة، فيضيء وقائع ويحجب أخرى، ويمنح بعض الشخصيات والأحداث حضورًا يتجاوز حضورها الواقعي ومواقفها في التاريخ. مَن يمتلك سلطة السرد يمتلك قدرة واسعة على صياغة صورة الماضي، وتوجيه فهم الحاضر، ورسم آفاق المستقبل؛ فالهيمنة لا تُمارس بالقوة وحدها، وإنما تمارس أيضًا عبر الكلمات التي تسمي الأشياء، والحكايات التي تصنع الذاكرة، والصور التي تشكل الهوية والمتخيل الجمعي. من هنا تصبح اللغة ميدانًا للصراع على المعنى والذاكرة والهوية، ويغدو تحرير الوعي متوقفًا على قراءة نقدية تكشف ما يخفيه السرد، مثلما تكتشف ما يعلنه.

لبثت اللغة أحد أسرار تفوق الإنسان؛ لأنها الفضاء الذي يتشكل فيه المعنى، ويصوغ فيه أساطيره وسردياته المشتركة، التي ربطت ملايين الغرباء بشبكات واسعة من التعاون والتضامن وتبادل المصالح. في فضاء الأسطورة تبلورت ثقافات وآداب وفنون، وغذت الأساطير المتخيّل الديني، ورسخت بعض صوره في لاشعور الإنسان، وأسهمت في امتدادها عبر التاريخ. حفظت الأساطير الذاكرة والهوية، وصاغت الصور الكبرى التي فهم الإنسان من خلالها ذاته والعالم وموقعه في الوجود، ومنحت الجماعات سرديات مشتركة يتماسك بها وعيها الجمعي.

بمرور الزمن استحوذت بعض التأويلات الدينية على مجالات متنوعة من الحياة، وضيّقت فاعلية العقل والخبرات البشرية، حين تحولت إلى يقينيات مغلقة تعطل السؤال، وتحد من حرية التفكير، وتمنع الإنسان من إعادة النظر في فهمه للعالم والحياة في ضوء ما يهديه إليه عقله وعلومه وخبراته. هكذا تكون اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل صورة العالم، وتمكن الإنسان من تحويل خوفه وقلقه وأسئلته الوجودية إلى حكايات ورموز ومعانٍ تتوارثها الأجيال.

غدت اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتمكن الجماعات من تخيل عالم مشترك، تنشأ فيه الحضارات، وتنتظم العلاقات، وتتراكم المعارف والآداب والفنون والقيم. بها حول الإنسان خوفه إلى حكاية، وتجربته إلى معرفة، وقلقه الوجودي إلى سؤال عن المعنى. لم تحبسه اللغة في الواقع، فقد فتحت أمامه أفق الممكن، فاستطاع تخيّل حياة أكثر أمنًا وعدلًا وجمالًا، وتحويل خياله إلى مشروعات ومؤسسات ومنجزات.

في اللغة تتحول الواقعة العابرة إلى خبرة ذات معنى، والإحساس الغامض إلى وعي يمكن التعبير عنه، والتجربة الفردية إلى ذاكرة قابلة للمشاركة والتوارث. تسهم اللغة في بناء صورة العالم داخل الوعي، وتصوغ علاقة الإنسان بذاته والآخر والطبيعة والوجود. من خلالها يتجاوز الإنسان أسر اللحظة الحاضرة، فيستعيد الماضي، ويتخيل المستقبل، ويفكر في الممكن، ويبتكر بدائل لما هو قائم. هكذا تحرره اللغة من الارتهان للواقع، وتفتح أمامه أفق ما يمكن أن يكون، وتمنحه القدرة على تعريف ذاته، وإعادة فهم العالم وتغيير موقعه فيه.

 

اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية

اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية 

د. عبد الجبار الرفاعي

 تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

في هذا السياق يشير مصطلح “لغة الدين” إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

ينبغي التمييز بين “لغة الدين” و”اللغة الدينية” بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. “لغة الدين” هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية للإنسان. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على المجاز والكناية والاستعارة والرمز والإشارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

“لغة الدين الحاكية عن الغيب”: هي لغة الكتب المقدسة، كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل وغيرها، حين تتحدث عن الله والغيب والوحي والنبوة والحياة الآخرة. تتخذ هذه اللغة طابعًا رمزيًا ومجازيًا وإيحائيًا؛ لأن حقائق الغيب تتجاوز حدود اللغة البشرية، ولا تستوعبها الألفاظ المتداولة في الحديث عن عالم الشهادة. تستعير لغة الغيب مفرداتها وصورها من عالم الإنسان، ثم تنقلها إلى أفق دلالي يتجاوز معانيها الحسية والمباشرة. لا يطابق اللفظ فيها الحقيقة الغيبية، ولا يحيط بها، لكنه يومئ إليها ويقربها إلى وعي الإنسان بما تسمح به قدراته اللغوية وحدود إدراكه. يظل المعنى فيها أوسع من العبارة، وتظل الحقيقة أغنى من الصورة التي تتمثل فيها. الرمز هنا ليس حجابًا يحجب المعنى، ولا زخرفة لغوية، فهو جسر يصل عالم الشهادة بعالم الغيب، ويفتح أمام الإنسان آفاقًا متعددة للفهم والتأويل. تتجدد دلالات هذه اللغة بتجدد وعي الإنسان ومعارفه وأسئلته وتجاربه الروحية، من دون أن يستنفد أي تفسير ما تختزنه من معانٍ، أو يدعي الإحاطة النهائية بحقائق الغيب.

الآيات الحاكية عن الله منبع لتنوع صوره في وعي الإنسان؛ لأنها تتحدث عنه بأسماء وصفات واستعارات وصور متعددة، فتظهر صورة الإله الخالق والرازق والرحمن والغفور والحكيم والعادل والقريب والمجيب، وتظهر بموازاتها صور الجبار والقهار والمنتقم وشديد العقاب. لا تمثل أي صورة منها الله في ذاته، لكنها تكشف وجهًا من وجوه حضوره في وعي المؤمن، وفقًا لما تمنحه اللغة وما يستقبله الإنسان في ضوء تكوينه النفسي وثقافته وتجربته وزمانه التاريخي. كل صورة تكشف معنى وتحجب معاني أخرى، وتضيء وجهًا وتترك وجوهًا خارج أفق الرؤية. حين تنتقل هذه الصور من النص إلى الوعي يعاد تأويلها وتركيبها، فيغلب لدى بعض المؤمنين إله الرحمة والحب، ويغلب لدى آخرين إله الغضب والعقاب، وتتكون بينهما صور لا حصر لها.

من هنا تغدو الآيات الحاكية عن الله منجمًا لـ “التعددية الدينية”؛ إذ لا تنشأ التعددية من اختلاف الكتب المقدسة والأديان فقط، بل تنشأ أيضًا داخل الدين الواحد، من تعدد طرائق تلقي النص، وتنوع التجارب الروحية، واختلاف صور الله في ضمائر المؤمنين. لا يعني ذلك تعدد الله في ذاته، فهذا تعدد لصوره وتجلياته في الوعي البشري؛ الحقيقة الإلهية واحدة، غير أن مرايا الإنسان متعددة، وكل مرآة تعكس من النور بمقدار صفائها واتساعها ومقام شهودها. يمنح ذلك التعددية الدينية أساسًا معرفيًا وروحيًا، ويحرر المؤمن من توهم أن صورته عن الله تطابق الله، أو أن فهمه يستنفد الحقيقة الإلهية، ويدعوه إلى التواضع في الاعتقاد، والاعتراف بحق الآخر في أن يرى من وجوه الحقيقة ما لم يره هو.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، فإن لغة الدين التي تتحدث عن الغيب تبعث الحياة الروحية، بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود.

لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

أما “اللغة الدينية” فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

“اللغة الدينية” صناعة بشرية، يعبّر بها الإنسان عن تفسيره للكتاب المؤسس، وفهمه للدين، وإيمانه به، وتمثله لقيمه، وممارسته لطقوسه وشعائره. تشمل هذه اللغة في الإسلام لغة علم الكلام والفقه والتفسير والوعظ والخطابة والتعليم الديني، ولغة الدعاء والمناجاة والذكر والابتهال، وما يعبّر به الإنسان عن تجاربه الروحية والشعورية. تنشأ هذه اللغة من قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، ومن تفاعل الإنسان مع الدين في حياته الفردية والمجتمعية، فهي ثمرة فهم بشري، لا انعكاس مباشر للخطاب الإلهي في تعاليه ونقائه الأول، ولا تطابق لغة الكتاب المؤسس أو تمتلك مكانته.

تتشكل اللغة الدينية في أفق ثقافة الإنسان ومعارفه وتجاربه وبيئته وعصره، وتتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية، وتتعدد دلالاتها بتعدد المفسرين والمتكلمين والفقهاء والمذاهب والقراء والأزمنة والمجتمعات. لا تعبّر هذه اللغة عن المعنى الديني إلا في حدود ما ينكشف للقارئ وما يتيحه وعيه وأفقه الثقافي، فتظل نسبية متغيرة، قابلة للنقد والمراجعة والتصويب وإعادة البناء، تبعًا لتطور الوعي واتساع الخبرة. وقد تتحول، حين تحتكرها المؤسسة الدينية وتوظفها في صراعات الاستحواذ على المعنى والسلطة والثروة، إلى أداة لحماية الدين المؤسسي وتكريس نفوذه، فتختزل الدين في القوانين، وتهدر فاعلية في إرواء ظمأ الروح وإيقاظ الأخلاق، وتخبو بذلك جذوة الإيمان وطاقته الملهمة، ويغدو الدين منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يخلط الإنسان بين اللغة الدينية ولغة الكتاب المؤسس، يضفي على فهمه البشري مكانة نصوص هذا الكتاب، ويرفع تفسيره النسبي إلى مرتبة الحقيقة النهائية، مع أن نصوص الكتاب أوسع من فهم المتدين، وأثرى من تفسيره.

أما “لغة الإيمان”: فهي نمط تعبيري من أنماط اللغة الدينية، يولد من تجربة المؤمن الروحية الحية وشعوره بصلته بالله، ويكشف عما يفيض في باطنه من رجاء وخوف وحب وطمأنينة وشوق وامتنان. تظهر هذه اللغة في الدعاء والمناجاة والابتهال والذكر والترانيم والشهادات الإيمانية، وفي التعبير عن التجارب الروحية. لا تتمثل وظيفة لغة الإيمان في إقامة البراهين المنطقية أو صياغة الأحكام التشريعية أو نقل المعارف الدينية؛ لأنها لغة اعتراف وبوح ونداء، تتكلم في فضاء الإيمان لا عنه، وتعبر عن حضور الله وأثره في وجدان الإنسان وحياته. لا تصف هذه اللغة التجربة الروحية من خارجها، وإنما تنطق بما يعيشه المؤمن في أعماقه، وتمنح خبرته الروحية صورة يمكن التعبير بها والتواصل من خلالها. تتسع في لغة الإيمان دلالات الرمز والاستعارة والصورة والإيحاء؛ لأن التجربة الإيمانية أعمق من أن تستوعبها العبارات التقريرية المباشرة، ويظل ما يعيشه القلب ويروي الروح فيها أغنى مما تستطيع الكلمات الإفصاح عنه.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

في هذا الكتاب حاولت أن أتناول لغة الدين في سياق فلسفة الدين الحديثة، بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه عن أسئلتي أولًا، كما هي عادتي في كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، سعيت إلى فتح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عما تختزنه من طبقات دلالية، وما تتيحه من إمكانات للتأويل وتنوع الفهم. لذلك حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت باللغة والتأويل، وأعدت التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. رأيت أن عرض هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضروري لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان تنوع المواقف في تفسيرها وتأويلها. حاولت في فصول الكتاب توضيح أن تفسير لغة الدين الحاكية عن الغيب لا يتحقق بالقراءة الحرفية، ولا بإهدار دلالتها، بل يتطلب اكتشاف منطقها الداخلي، والتمييز بين مستويات خطابها، والانتباه إلى صلة معانيها بأفق القارئ وسياقه التاريخي والثقافي وتجربته الروحية. أردت للكتاب أن يكون مدخلًا للتفكير في لغة الدين واكتشاف ثرائها الدلالي، وبيان أن تعدد تأويلاتها ينشأ من غنى بنيتها، وتنوع آفاق قرائها وعصورهم وتجاربهم وصورهم عن الله والإنسان والعالم.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب “الآجرومية” لابن آجروم، إلى “قطر الندى وبل الصدى” لابن هشام، ثم “شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك”، و”شرح ابن الناظم”، كما درستُ كما درستُ كتاب “مختصر المعاني” للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من: “موسوعة فلسفة الدين” للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت. وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

 

 

مقدمة كتاب: “اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية”، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر الكتاب عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

 

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%88%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%AA%D9%86/

 

تطور اللغة عند أمين الخولي ومهدي المخزومي

تطور اللغة عند أمين الخولي ومهدي المخزومي

د. عبد الجبار الرفاعي

ولد الشيخ أمين الخولي سنة ١٨٩٥م بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي سنة ١٩٦٦م. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره، وتخرج في مدرسة القضاء الشرعي. أصبح مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي في ١٠ مايو عام ١٩٢٠م. وفي ١٩٢٣م، عين إمامًا للسفارة المصرية في روما، ثم نُقل إلى مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م. عاد عام ١٩٢٧م إلى وظيفته في القضاء الشرعي، وانتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب ١٩٢٨م. أسس جماعة الأمناء عام ١٩٤٤م، ومجلة الأدب عام ١٩٥٦م. وأصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام ١٩٦٦م. كتب الخولي مقالات متنوعة في الصحف والمجلات، وألف مجموعةً من الكتب، من أهمها: “من هدي القرآن في أموالهم: مثالية لا مذهبية”، و”فن القول”، و”الجندية والسلم: واقع ومثال”، و”دراسات إسلامية”، و”مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب”، و”المجددون في الإسلام”، و”كتاب الخير: دراسة موسعة للفلسفة الأدبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الإسلامي”.

ومع أن الشيخ أمين الخولي لم يدرس في الأزهر، بل تعلم في مدرسة القضاء الشرعي، لكنه درّس في الأزهر. وكانت محاضراتُه أولَ ما يُدرس من الفلسفة رسميًّا في العهد الجديد للأزهر؛ فهو بعد عودته من ألمانيا عام ١٩٢٧م، انتُدب للتدريس في الأزهر، فألقى محاضراتٍ على طلاب كلية أصول الدين في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها هو “الفلسفة الأدبية”. اهتم الخولي بتجديد البلاغة وأساليب البيان العربي، ودعا إلى تحريرها من حمولة الفلسفة والمنطق الصوري، واصطلح عليها “فن القول”. كان هاجسُه ربط أساليب البيان والتعبير بالحياة، وتكريس الذوق الفني، والانفتاح على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والكشف عن الأبعاد النفسية للبلاغة، ودشن أفقًا آخر في بيان أساليب تفسير النصوص، وما يشوبها من ملابسات الذات والزمان والمكان والبيئة. كان الشيخ الخولي أول رجل دينٍ مسلم حاول العبور من المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم الدين ونصوصه، إلى استعمال مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، وتوظيفها في بناء فهمٍ بديل ونقدِ الفهم القديم، وتميز بخبرة رصينة وشجاعة كبيرة في توظيفها. “عمل أمين الخولي في روما إمامًا للسفارة المصرية ومكث في إيطاليا عامَين، وأجاد الإيطالية، وشرع يتعرف على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين في أوروبا، كما عمل في مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م، وتعلم اللغة الألمانية. لما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام ١٩٢٧م عاد إلى مصر، واستأنف عمله في مدرسة القضاء الشرعي ثم في كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا، وأستاذًا لكرسي الأدب في عام ١٩٤٣م”.

اكتشف مدة إقامته في إيطاليا الأساليب الجديدة في التربية والتعليم في أوروبا، وتعرف عن قرب على نمط التعليم الديني في الفاتيكان، الذي جعله يدرك ضرورة إصلاح نظام التعليم الديني القديم في الأزهر. أشار هو إلى ذلك بقوله: “قصدت إلى دراسة الخطط والأساليب التي تُتبع في الدراسات اللاهوتية، كما نظرت فيما حولي من الدولة الدينية (الفاتيكان) القائمة في عاصمة الدولة المدنية (إيطاليا)، وخلال تتبع لهذه الدراسة اللاهوتية في أقطار أوروبا التي عشت فيها بعد ذلك، كألمانيا، أو أقطار زرتها مجرد زيارة، وعمدت بعد الدراسة والتفكير للكتابة عن قضية الأزهر وإصلاحه”. كتب بيانَه لتحديث الأزهر، الموسوم ﺑ “رسالة الأزهر في القرن العشرين”. نشر الأزهر عام ١٩٣٦م هذه الرسالة، ثم تكررت طبعاتُها لاحقًا، بعد أن نفدت الطبعة الأولى سريعًا.

ويعد مهدي المخزومي، الذي ولد سنة 1919 وتوفي سنة 1993، أحد أبرز أعلام الدرس اللغوي الحديث في العراق، إذ تلقى تعليمه العالي في جامعة القاهرة وتخصص في اللغة العربية وعلومها متأثرًا بمناهج البحث اللغوي الحديثة، ثم عاد إلى العراق ليعمل أستاذًا في جامعة بغداد وأسهم في تكوين أجيال من الدارسين، وانشغل بتجديد النحو العربي، فدعا إلى إعادة بنائه على أسس أقرب إلى روح اللغة واستعمالها الحي بدل الجمود على التقسيمات المدرسية الموروثة، كما اهتم بأساليب البيان العربي وسعى إلى فهمها في سياقها الأدبي والتداولي لا في حدود القوالب التقليدية، فكان مشروعه محاولة لتخليص الدرس اللغوي من التعقيد وربطه بالحياة والذوق والوظيفة التعبيرية، وقد ترك أثرًا مهمًا في تحديث الدراسات النحوية والبلاغية في العالم العربي.

حرص المخزومي على أن يستعيد النحو وظيفته، وتعامل معه بوصفه مرآة لتحولات الواقع والوعي والثقافة واللغة، لذلك دعا إلى أن يتحرر النحو من تسلط التفلسف، وأن يعاد بناؤه في ضوء ما تقوله اللغة فعلًا. النحو كما فهمه، ممارسة تتجدد بتجدد الحياة، وتصاغ من جديد كلما تغيرت سياقات الاستعمال، وتحولت الحاجات اللغوية والثقافية، وتبدلت أساليب التعبير. في ضوء هذه الرؤية، يصبح النحو تأملًا في: كيف يتكلم العربي، وكيف يُعيد تشكيل لغته، وكيف تنبثق المعاني من صميم الواقع الذي يعيشه الإنسان، وليس من قوالب جاهزة. النحو الحي يستخلص من الفضاء الذي تنبثق فيه اللغة، ومن الأصوات التي تعبّر عنها في استعمالها، ومن الواقع المتغير، والحاجات التي تفرض على اللسان أن يتغير كي يظل قادرًا على التعبير. لا يصح أن نفهم النحو إلا بوصفه مرآة للواقع اللغوي، وفضاءً للتأمل في كيفية تكلم الانسان حين يصغي الى ذاته، وحين ينصت الى الواقع، وحين يعيد بناء لغته كي تواكب ما يشعر به، وتعلن عما يريد أن يقوله. لا يستجيب النحو إلى ما يريد الإنسان أن يقوله إلا حين يتحول من قيد يكبل المتكلم الى أداة لتيسير النطق باللغة.

رفض الخولي أن تكون اللغة خاضعة للمنطق أو لآراء الفلاسفة أو تأويلات المتكلمين، ورأى أن النحو والبلاغة يجب أن ينطلقا من الاستعمال اللغوي لا من القواعد المفروضة، تمامًا كما أكد المخزومي أن وظيفة النحوي ليست فرض القواعد بل تتبع اللغة وتسجيل ملاحظاته.كما أعاد الخولي تعريف وظيفة النحوي والبلاغي، معتبرًا أن مهمتهما هي خدمة الفهم الإنساني للنصوص، لا إنتاج أنظمة مغلقة، وربط بين تجديد النحو وتجديد الدين، مؤمنًا بأن فهم الدين لا يتم إلا بفهم اللغة في حيويتها. كذلك انتقد الطريقة المدرسية في تدريس البلاغة والنحو، ودعا إلى تجاوز تقنينات السكاكي والجرجاني والعودة إلى النصوص الحيّة كما يستعملها الناطقون باللغة، مثلما دعا المخزومي إلى استفتاء “اللغة كل اللغة” لا الاكتفاء بالقواعد. اتفق الخولي والمخزومي على أن اللغة تتطور بتطور المجتمع، وأنها ليست محكومة بعقل الفرد أو منطق النحاة، بل يجب أن تدرس في سياقات استعمالها، ولهذا رفض كلاهما أن تكون الدراسات اللغوية معيارية أو فلسفية، بل وصفية تطبيقية تنطلق من الواقع.

في سياق هذه الدعوة لتجديد اللغة دعا أمين الخولي لتجديد مناهج التفسير، وضرورة استخدام المناهج الحديثة، وتجاوز الأدوات التراثية في تفسير النصوص الدينية. رأى الخولي أن التفسير فنًا للفهم، يخضع لرؤية المفسر وثقافته وأفقه التاريخي. تحدثت عن ذلك بالتفصيل في: “الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي”، وأوضحت كيف أن الخولي لم يكتف بالإنصات إلى ما يقوله النص، بل نظر إلى المفسّر ذاته وأحكامه المسبقة وواقعه الذي عاش فيه، بوصفه فاعلًا في إنتاج المعنى، وهو ما جعله يعلن أن المفسر “يُلوّن النص” بفهمه له. أسس الخولي لمنهج جديد في تفسير القرآن، يراعي ذات المفسر والواقع الذي يعيش فيه وأفق انتظاره. وبذلك تتجلى “فرادة أمين الخولي في محاولته الرائدة لتوطين الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص داخل الدراسات الدينية بالعربية، إذ يمكن القول بعد استقراء وتتبع إنه أول هرمنيوطيقي في العربية وربما في عالم الإسلام، فلم يعرف قبله من سبقه إلى هذا المنحى حتى في بلاد الإسلام غير العربية… إن ما يقوله الخولي يحيل بوضوح إلى الهرمنيوطيقا الحديثة، فهو يتحدث عن أفق المفسر ويجعل التفسير عملية حوار وإنتاج متبادل للمعنى بين النص والقارئ، لا تلقيًا سلبيًا لما يقوله النص. التفسير عنده قراءة للقراءة وفهم للفهم، يشارك فيها المفسر بمعارفه وثقافته ومسلماته المسبقة، ليولد المعنى في ضوء أفق انتظار المفسر ورؤيته للعالم، وبذلك يصبح التفسير عند أمين الخولي مقاربة هرمنيوطيقية حيّة للنص، تعيد الاعتبار لدور المفسر وتكشف عن الطبيعة المتجددة للمعنى في كل قراءة”. راجع: الرفاعي، عبد الجبار، الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي، 2025، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

دعوة أمين الخولي رأينا ثمراتها في مدرسة الأمناء التي أسسها هو بمعية الجيل الأول من تلامذته، وأبرزهم محمد أحمد خلف الله الذي كتب اطروحته الموسومة: “الفن القصصي في القرآن الكريم” لنيل شهادة الدكتوراه في العام ١٩٤٧م بإشراف أمين الخولي، لكن لجنة المناقشة رفضتها، وحجبت الدكتوراه عن كاتبها. والجيل الثاني لمدرسة الأمناء الذي تجلى في الأعمال المهمة لنصر حامد أبو زيد في الهرمنيوطيقا، وأخيرًا أعمال علي مبروك، الذي يمثل الحلقة الأخيرة من تلامذة مدرسة الأمناء.كانت سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر أقدر على التراكم والبناء على الجديد وتطويره. مثلًا ما زالت صحيفة الأهرام، التي أصدرها الأخوان سليم وبشارة تقلا، بتاريخ 5 أغسطس 1876، تواصل الصدور، بعد أن بلغ عمرها حتى اليوم 150 عامًا؛ فقد صدر العدد 50890 بتاريخ يوم الاثنين 6 أبريل 2026. ولنا أمثلة متنوعة في مجلات ثقافية معروفة، كالهلال التي أصدرها جرجي زيدان في 1 سبتمبر 1892 ومازالت تصدر.

لم تتأسس مدرسة لغوية لمهدي المخزومي تمتد في تلامذته، كما امتدت مدرسة أمين الخولي في الأمناء وتواصلت مع تلامذته؛ لذلك لبثت دعوة المخزومي أقرب إلى تجربة فردية جسورة، لم تتشكل في تيار مدرسي فاعل. نرى هذا النمط في سياقاتنا الثقافية في العراق، إذ لا نكاد نعثر على صحيفة أو مجلة ثقافية واصلت صدورها لسنوات طويلة، على نحو ما نراه في الأهرام والهلال، حيث تتراكم الخبرة، ويتصل الجهد، وتتشكل تقاليد راسخة في الإنتاج الثقافي.

بعد رحيل المخزومي خفت صوت دعوته شيئًا فشيئًا، لا لقصور في رؤيته أو ضعف في مشروعه، لكن بسبب سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في العراق التي تفرض عجزًا عن التراكم والبناء على الجديد وتطويره، إثر غياب صورة الدولة الوطنية في اللاشعور السياسي العراقي قرونًا طويلة. ولم تكن البيئة الثقافية والاجتماعية في وطننا مهيأة لاحتضان التجديد وحمايته في اللغة، وفي فهم الدين وقراءة نصوصه، في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، نتيجة تداخل هيمنة القيم القبلية مع الرؤية التقليدية للمؤسسة الدينية، فصاغ هذا التداخل مناخًا يتوجس من كل محاولة لإعادة التفكير في اللغة أو الدين، ويستشعر فيها تهديدًا للثابت التراثي الذي يحتمي فيه نفسيًا. في مثل هذا المناخ نشأ حذر شديد لدى كل مَن يفكر في المضي في هذا الطريق، خوفًا من ردود أفعال قاسية من المجتمع والمؤسسة الدينية، لذلك ينكفئ المشروع التجديدي قبل أن يتحول إلى مدرسة، ويظل أثره كامنًا في النصوص، أكثر مما يتجسد في امتداد حي يحضر في الوعي الجمعي والحياة المعرفية.

https://alsabaah.iq/130360-.html

اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة

اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة

د. عبد الجبار الرفاعي

للدين أثر عظيم في حماية اللغة من الاضمحلال والانقراض وضمان استمرارية حياتها، لأنه يربط النصوص والطقوس بلسانها الأصلي، فيتحول الكتاب المؤسس للديانة إلى خزّان لغوي يحرس المفردات والتراكيب والأساليب، وتتحول الطقوس إلى طاقة متجددة تبعث اللغة في الذاكرة الجمعية وتبقيها حيّة. في المقابل تحمي اللغة الدين، إذ تغدو الوعاء الذي يحفظ نصوصه وطقوسه من التبدد ويمنحها القدرة على الاستمرار في التاريخ. في سياق التفاعل الخلاق بين اللغة والدين والثقافة تتكون الهوية وتترسخ، إذ لا تكون اللغة مجرد وسيلة للتخاطب، بل تتحول إلى نسق رمزي يؤمن استمرارية الذاكرة ويعيد إنتاج روابط الانتماء. ويؤدي الدين، بما يحمله من طقوس وأسماء وشعائر، دورًا شبيهًا بما رصده علم الأنثروبولوجيا في المجتمعات الأولى من أثر للأسطورة، بتحويل الوقائع إلى بنية من التضادات، يتميز فيها الداخل من الخارج، والمقدس من المدنس، ويصاغ التاريخ بوصفه سردية كونية تعطي معنى للوجود الفردي والجمعي معًا، فتتحقق الهوية في هذا الفضاء من التمايزات، التي تعمل على تغذيتها.

اللغة والديانة تتناوبان على حفظ بعضهما؛ فالعبرية ظلت حيّة بفضل نصوص التوراة والتلمود وصلوات اليهود وطقوسهم، إذ شكلت تلك النصوص جسرًا بين الماضي والحاضر، حتى استعادت العبرية حضورها الحديث بوصفها لغة يومية وهوية قومية بعد قرون من الانقطاع، حين تم اغتصاب فلسطين 1948. السريانية ما زالت حاضرة في طقوس الكنائس الشرقية كلغة للقداس، فحافظت الكنيسة على استمرارها وحافظت اللغة على هويتها الروحية. أما العربية فارتبطت بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، جعل النص القرآني مرجعًا لغويًا أعلى، يحمي اللغة من التآكل ويمنحها قداسة وقدرة على الاستمرار، مادام القرآن حاضرًا في حياة المسلم. اللاتينية اقترنت بالقداس الكاثوليكي قرونًا طويلة، وظلت لغة الطقوس واللاهوت؛ حتى مع فقدان أكثر الكاثوليك القدرة على فهمها، إلى أن ولد الإصلاح المسيحي ففتح الباب أمام اللغات الحيّة لتتبوأ مكانها في الكنيسة. في المندائية حفظت الآرامية المندائية بفضل كتابهم المقدس “كنزا ربا” وطقوس التعميد والترانيم، فظلت اللغة والديانة تتبادلان حماية استمرار حياتهما، على الرغم من قلة الأتباع وتشتتهم. الزرادشتية صانت لغة “الأڤستا” القديمة، فجعلتها باقية في “الغاثات” (Gathas)[1] الطقسية، على الرغم من انقراضها من الحياة اليومية. الهندوسية أبقت السنسكريتية حيّة في نصوص “الڤيدا” وممارسات الطقوس، فتحولت اللغة إلى وعاء دائم للفكر الديني والفلسفي. البوذية حفظت لغة البالي في “تيبيتاكا” (Tipiṭaka)[2] ، وتراث جنوب شرق آسيا، في لغة الرهبان والتعاليم الحية. الكونفوشيوسية بدورها أبقت الصينية القديمة حاضرة عبر الكلاسيكيات الأخلاقية التي شكلت مرجعًا معرفيًا وذاكرة جمعية للأمة. والطاوية حفظت لغة الحكمة في “تاو تي تشينغ” (Tao Te Ching / Dao De Jing) [3]، فجعلت من النص الطقسي والفلسفي سبيلًا لاستمرارها. أما السيخية فحفظت اللغة الپنجابية عبر نصوص “الغورو غرانث صاحب” (Guru Granth Sahib)[4]، التي منحتها قداسةً ومكانةً في الهوية الدينية والثقافية لجماعتها. هكذا يتضح أن الأديان الكبرى لم تكن فقط أنظمة اعتقاد، بل قوى حافظة للغات، وأن اللغات بدورها لم تكن أدوات للتواصل فحسب، بل أوعية للقداسة والذاكرة، وبفضل هذا التضامن بين الدين واللغة استطاع كل منهما أن يضمن للآخر البقاء والتواصل عبر التاريخ والجغرافيا.

كتاب الديانة المؤسس والطقس لم يكونا يومًا حارسين للديانة فحسب، بل كانا أيضًا حارسين للسان، وذاكرة الأمة، وهويتها، وثقافتها. وأن اللغة لم تكن مجرد وسيلة للتعبير بل ركنًا وجوديًا في بقاء الديانات والذاكرات الجمعية والهويات والثقافات والحضارات، فحيثما كان الكتاب المقدس متداولًا بلسانه الأصلي ظل اللسان حيًا متجددًا، وحيثما استمرت الطقوس بلغتها الأصلية مكثت الهوية متماسكة، إذ تتغذى اللغة من الدين والثقافة كما يتغذى الدين من اللغة والثقافة. وتنهض الهوية من تآزر الكل معًا، فتغدو اللغة وعاءً للمعنى الروحي والعاطفي، يغذي الوعي والذاكرة، ويغدو الدين قوة تصون اللغة من الانقراض، وتمنحها طاقة تتجدد في النصوص والطقوس، وتصير الثقافة مرآة للدين واللغة، والدين واللغة مرآة للثقافة. من هذا التفاعل الثلاثي الخلاق تنبثق الهوية وتستمد حضورها، فتتجدد إمكاناتها في الواقع، وتستعيد قدرتها على الاستمرار في عالم متغير، إذ لا تبقى أسيرة الماضي وحده ولا منقطعة عن جذورها، بل تنفتح على الحاضر وتتطلع للمستقبل، وهي مشدودة إلى لسانها وكتابها المؤسس وطقوسها، التي تروي عطش الروح وتغذي وعي الجماعة بذاتها.

كما تكون اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة، فإن الدين والهوية والثقافة مرآة للغة. إذا تحجرت اللغة تعطلت قدرتها على التعبير عن أسئلة الإنسان، فيخبو المعنى الذي ينشده الإنسان في الدين خلف خطاب لا ينتمي لواقع الإنسان ومتطلباته الروحية والأخلاقية والجمالية الراهنة، وتنغلق الهوية على ماضٍ غريب عن حاضر الإنسان، وتفقد الثقافة طاقتها الخلاقة. أما حين تتحرر اللغة وتواكب متغيرات الحياة ومستجداتها، فإنها تبقي الدين حيًا قادرًا على الإلهام، وتمنح الهوية مرونة للانفتاح على المستقبل، وتنفتح الثقافة على فضاءات الابتكار والإبداع، لتغدو جميعها قوى متجددة تمنح للإنسان معنى وجوده في العالم.

العلاقة بين الدين واللغة لا تقف عند حدود حفظ النصوص والطقوس، بل تمتد لتشكل الأساس العميق للهويات الدينية والثقافية للأمم، إذ تتحول اللغة حين تتشرب دلالات النصوص الدينية إلى علامة فارقة يتميز بها أتباع الدين عن غيرهم، وتغدو خيطًا ناظمًا يوحدهم عبر الأزمنة والأمكنة، ويحمي ذاكرتهم، ويغذي شعورهم بالانتماء لهوية وثقافة واحدة. في سياق هذه الرؤية صارت العبرية وعاءً لهوية اليهود في الشتات، والسريانية ركنًا من أركان هوية الجماعات المسيحية المشرقية، والعربية هي اللسان الذي جمع شعوبًا شتى في فضاء واحد، ورسخ صلتهم بكتابهم المؤسس وعباداتهم وشعائرهم، وشعورهم بوحدة الرسالة والمصير. بهذا الفهم تتجاوز اللغة كونها أداة للتواصل، لتغدو منبعًا للذاكرة، ومسرحًا للخيال الديني، وأفقًا يتجلى فيه الانتماء الروحي والهوياتي والثقافي، الذي يحفظ ذاكرة الأمة ويربط حاضرها بماضيها، ويفتح أمامها سبل الاستمرار في عالم بالغ التنوع.

غير أن هذه الحماية ما فتئت تنقلب عبئًا على اللغة، إذ تتمدد قدسية كتاب الديانة إلى اللغة التي دُوّن بها، فتنحبس في قوالب القداسة، وتستعمل مؤسسات الأديان سلطة التحريم لحمايتها من أي محاولة لتيسير أساليب النطق بها أو تحديث معجمها، فتفقد قدرتها على التعبير عن أسئلة الحاضر ومتطلبات الواقع اللغوي الراهن للناطقين بها. هكذا تتسع الفجوة بين اللغة التي يقدسها التراث واللغة التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية. في ظل هذا التباعد، ينشأ صراع داخلي لدى الناطقين بها، بين ولاءٍ للموروث ورغبةٍ في الانخراط في الواقع الذي يعيشونه. وإذا لم تجد هذه اللغة طريقًا إلى المصالحة بين قدسيتها التاريخية ووظيفتها الحيّة، فإنها تظل محكومة بالانحسار التدريجي، تاركة فراغًا تملؤه لغات أخرى أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع التحولات العلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

أما كيف تتقدس لغة الكتاب المؤسس؟ فإن كل شيء قابل للتقديس، وكل ما يتقدس يمكن أن يتفشى تقديسه وعبادته، فينتشر كالفيروس؛ إنسانًا كان أو حيوانًا أو جمادًا، حتى اللغة والأسماء والكتابة يمكن أن تتقدس. اللغة كائن حي، يتخلق من وعي الإنسان وتجربته التاريخية والمعيشية، ويعكس أنماط معيشته وصلاته السياسية والاجتماعية والثقافية، ويتجسد في آدابه وفنونه. حين ترحل اللغة إلى حقل المقدس تحتجب، فتعاند المراجعة والنقد والتجديد، وتتحول أي محاولة لتسير قواعدها والنطق بها وتجديث معجمها إلى مغامرة عقيمة. تقديس اللغة يزجها في حقل التحريم، فيغلق عليها منافذ الانفتاح، ويشل قدرتها على استيعاب تحولات الواقع، ويمنعها من التفاعل مع مكتشفات العلم وتكنولوجيات العصر.

عندما يصنع الإنسان مخترعاته، يبتكر معها أسماءها التي تتجسد فيها رؤيته العلمية الجديدة للعالم، وهي تختلف كليًا عن الرؤية غير العلمية التي أنجبت اللغة في فضائها التراثي. لذلك تتعذر محاكاة هذه الأسماء أو نقلها إلى لغة أخرى من دون خسارة في معناها، لأنها وليدة أفق معرفي جديد، وتجسيد لتحول عميق في الوعي، ورؤية للعالم لا تلتقي مع أفق اللغة المنقولة إليها التسميات. في هذا المأزق يفقد الإنسان لغته بوصفها أفقًا رحبًا لرؤيته للعالم، فتغدو عبئًا يقيده، بدلًا من أن تكون سبيله إلى بناء ثقافته وهويته. مع انغلاق اللغة في قوالب التحريم، تتحول من وعاء للمعنى إلى جدار يحجب عن الإنسان آفاق الإبداع، ويعطل قابليتها على مواكبة تحولات الواقع، ويمنعها من تجديد ذاتها في فضاء إنساني متنوع.

اللغة خارج سطوة التقديس وسلطة التحريم هي وحدها التي تستجيب لتحولات الواقع، وتظل قادرة على أن تكون جسرًا بين النص الديني والإنسان، ورافدًا لتجديد الهوية الدينية والثقافية وإثرائهما. الهويات التي تتغذى من لغة حيّة تظل مرنة قادرة على التكيّف والتعايش، في حين تلبث الهويات التي تحاصرها القداسة ويستبد بها التحريم متصلبة، تنغلق على ماضيها، وتتحول إلى عائق أمام حركة تيسير قواعدها وأساليب النطق فيها وتوليد معجمها. الهوية ليست جوهرًا متحجرًا يكرر ذاته كما هو، بل صيرورة علائقية تتشكل في تفاعل حواري مع لغة الآخر المختلف وثقافته ورؤيته للعالم، ويعاد تكوينها في فضاء التعدد. إذا انفتحت اللغة على التأويل تشكلت في سياقها هوية وثقافة حيّة واثقة من ذاتها، قادرة على العيش مع المختلف من دون خوف من الذوبان، أما إذا انغلقت فتتحول إلى سجن يكبلها ويستهلك طاقتها في صراع لا ينتهي. لذلك تصبح اللغة الحيّة شرطًا لازمًا لدوام الهوية وانفتاحها واستمرارها، فيما اللغة الجامدة تسوقها إلى الانكماش والتآكل.

أنتج الفكر الغربي رؤى عميقة كشف فيها عن الصلة بين اللغة والهوية والثقافة؛ فقد رأى هردر “1744-1803” أن اللغة روح الأمة ولسانها الذي يمنحها خصوصيتها، في حين أكد هومبولت “1767-1835” أن اللغة لا تصف العالم بل تصنع رؤيتنا له، ثم ارتقى هايدغر “1889-1976” بالمسألة إلى مقام أنطولوجي، حين عد اللغة بيت الوجود الذي يحدد إمكان الوجود الإنساني، وجاء تايلور “1931-” ليبين أن الهوية لا تتشكل إلا في فضاء حواري تمنحه اللغة معناه، وكشف ريكور “1913-2005” عن أن الهوية سردية تتجدد بالقصص التي تروى بلغة تحتضن تعقيد التجربة الإنسانية، وأوضح أمارتيا سن “1933-” أن الهوية متعددة الأبعاد لا تفهم إلا بلغة حيّة تعترف بالاختلاف وتتيح التعايش.

يتضح أن اللغة شرط وجودي للهوية، فإذا تجمدت في قوالب مغلقة تحولت الهوية إلى سجن يستهلك طاقتها في مقاومة موهومة، وإذا انفتحت على التجديد غدت هوية رحبة واثقة من ذاتها، قادرة على العبور إلى المستقبل، في فضاء التنوع اللغوي والديني والهوياتي والثقافي. في ضوء هذه الرؤى يتضح أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل إطار أنطولوجي يحدد إمكان الوجود الإنساني، ويمنح الهوية القدرة على الانفتاح والتجدد، أو يحاصرها بالجمود والانغلاق، إذا تحولت إلى قيد على الخيال والحوار. وهو ما يجعل واقعنا العربي اليوم في أمس الحاجة إلى وعي لغوي يستلهم هذه الرؤى، ليوازن بين حفظ أصالة اللغة والانفتاح على العصر. المستقبل لا يصان إلا بلغة حيّة قادرة على التفاعل والإبداع، تحمي الهوية من الذوبان كما تحميها من الانغلاق، وتبقيها أفقًا رحبًا يتسع للتعدد والتعايش، ويمنح الإنسان معنى حضوره في عالم متغير.

اللغة لا تحرس الهوية وحدها، بل تحفظ التجربة الروحية من أن تذوب في صخب العالم أو تنطفئ في قوالب الطقس الجامد. إذا انغلقت اللغة وغدت أسيرة الماضي تحولت إلى ظل باهت لا يوقظ ولا يلهم، أما إذا كانت منفتحة، لا تتنكر لتيسير أساليب التحدث والكتابة بها، فإنها تجعل الهوية في صيرورة دائمة، توقظ الوعي، وتعيد وصل الإنسان بالمعنى. هنا يغدو تجديد الهوية الثقافية والدينية رهينًا بتجديد اللغة، كي تظل قادرة على مخاطبة الروح والقلب والعقل معًا، وعلى تذوق صور الحضور الإلهي في الوجود، بنحو يخفض من مواجع الإنسان وآلامه، في غمرة حياة صاخبة قلقة اليوم. بذلك يتحول الدين من جدار يحرس الماضي إلى أفق ينفتح على المستقبل، وتتحول اللغة من كيان صامت إلى كائن حي يتدفق في مجرى التاريخ. هكذا يصبح التجديد اللغوي شرطًا لتجديد فهم الدين، ويغدو تجديد فهم الدين بدوره شرطًا لتجديد هوية الإنسان، إذ لا يمكن للدين أن يستعيد معناه الروحاني والأخلاقي العميق من دون لغة قادرة على إحياء التجربة الروحية وتجديد صلة الإنسان بالله، ولا يمكن للهوية أن تبقى منفتحة، في عالم يتغير فيه كل شيء، من دون دين يتكلم بلغة تشبع حاجات الأرواح والقلوب والعقول معًا للعيش سويًا في فضاء التنوع والاختلاف، ولا يمكن للثقافة أن تتفاعل مع الثقافات العالمية الحيّة في عالم متعدد، لا يتحقق فيه العيش المشترك إلا بقدر ما تتسع اللغة للحوار وتحتضن الاختلاف. اللغة التي تتحسس مواجع الإنسان العاطفية وحاجته لمعنى وجوده وحياته ضرورة قصوى، لأنها تفتح القلوب والعقول على التنوع، وتمنح الوجود البشري أفقًا يتسع للجميع، وتعيد للدين وظيفته الكبرى في إلهام المعنى، وللهوية دورها في بناء فضاء أخلاقي لإنسان أكثر رحمة وتسامحًا وإبداعًا، وتجعل الثقافة تتفاعل بلا خوف مع الثقافات العالمية.

العلاقة بين اللغة والدين والهوية لا تنحصر في بعدها الثقافي والاجتماعي والسياسي، بل تمتد إلى بعد روحي وجمالي يجعل اللغة وعاءً يحمي الهوية، ويعكس تجربة الإنسان مع الله في آن واحد. اللغة الحيّة تجعل الهوية في حالة مرنة، تمنحها القدرة على الإصغاء لأسئلة الواقع، والتفاعل مع تحولات العصر، في حين تحوّل اللغة المغلقة الهوية إلى كيان منغلق على ذاته يعجز عن مواكبة متغيرات الواقع. وبذلك يتضح أن تجديد الهوية الدينية مرهونًا بتجديد اللغة الدينية، كي تظل قادرة على مخاطبة القلب والعقل معًا، وحماية الحياة الروحية من الذبول، وفتح أفق رحب للتعدد والعيش المشترك في عالم متنوع الأديان والمذاهب. تكمن فاعلية اللغة التي يخاطب بها الدين الإنسان في قدرتها على تغذية المشاعر والعاطفة، وربط الإنسان بالمعنى الذي يمكن أن يمنحه الدين لحياته. أما إذا تحجرت اللغة وانغلقت، فإنها تسجن الهوية الدينية في ماض عقيم لا يلهم، وتفرغ الدين من طاقته الروحية والعاطفية والأخلاقية، ليغدو عبئًا على الحياة بدلًا من أن يكون أفقًا يلهم المعنى لوجود الإنسان وحياته.

[1] الغاثات (Gathas) في الزرادشتية هي ترانيم مقدسة تعتبر جزءًا من الكتاب المقدس للزرادشتية: “الأڤستا” (Avesta)، وتنسب لمؤسس الديانة زرادشت.

[2] الكتاب المقدس الخاص بـمذهب “تيرافادا” في البوذية.

[3] تاو تي تشينغ (Tao Te Ching / Dao De Jing) هو النص المؤسس للفلسفة الطاوية في الصين القديمة، وينسب إلى لاو تسي (Laozi) الذي يُعتقد أنه عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كان بعض الباحثين يرجعونه إلى القرن الرابع ق.م تقريبًا.

[4] الغورو غرانث صاحب (Guru Granth Sahib) هو الكتاب المقدس في الديانة السيخية، ويُعرف أيضًا باسم آدي غرانث (Ādi Granth).

تتعدد اللغات بتنوع سياقات استعمالها وحقول تداولها

تتعدد اللغات بتنوع سياقات استعمالها وحقول تداولها

       د. عبد الجبار الرفاعي

لا يعني الحضور الواسع للغة الإنجليزية اليوم تفوقها الذاتي على اللغات الأخرى، بل يعكس تمايز سياقات استعمالها، واختلاف حقول تداولها، وتنوع الفضاء المعرفي والديني والثقافي والسياسي والاقتصادي والمجتمعي التي نشأت وتطورت فيه اللغة، وتشكلت فيه طرائق تعبيرها ورؤيتها للعالم، وما فرضته الاحتياجات اللغوية للناطقين بها. لكل لغة أفقها المعبر عن انعكاسها في شعور ولاشعور الناطقين بها، ورؤيتها للعالم، ومجالها التداولي الذي تتجلى فيه، وتبرع من خلاله، في أفق يستجيب لاحتياجات المجتمع الذي ولدت وتطورت في أحضانه.

إذا نظرنا إلى الواقع، نرى اللغة الأكثر تداولًا في ميادين المعرفة والعلوم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والمعاملات اليومية والآداب والفنون والثقافة، هي اللغة الإنجليزية، لما تمتلكه من قدرة على التعبير المباشر، وسهولة في النطق، وبساطة بناء الجملة، ومرونة توليد المعنى من غير فائض لفظي يشتت ذهن المتلقي. من العوامل الأساسية التي أسهمت في تسيد اللغة الإنجليزية، واتساع حضورها في تدوين العلوم والمعارف المتنوعة والقوانين والتشريعات والآداب والفنون، ذلك التراكم العلمي والمعرفي والتكنولوجي والحقوقي والفني والأدبي المتواصل. وما منحته لهذه اللغة الهيمنة الاستعمارية البريطانية التي امتدت من مطلع القرن السابع عشر إلى منتصف سبعينيات القرن العشرين، واستوعبت أكثر من ستين دولة في آسيا وأفريقيا والأمريكيتين وأوقيانوسيا. فرض الاستعمار البريطاني سيطرته على شبه القارة الهندية منذ أوائل القرن السابع عشر، وتحول الحكم المباشر للتاج البريطاني عام 1858، واستمر حتى استقلال الهند وباكستان عام 1947.كما استعمرت بريطانيا مصر عام 1882، والسودان عام 1899، ونيجيريا عام 1901، وكينيا عام 1920، واستمر نفوذها في إفريقيا حتى استقلال زيمبابوي عام 1980. وفي الأمريكيتين، فقدت بريطانيا مستعمراتها الثلاث عشرة في أمريكا الشمالية عام 1783، لكنها احتفظت بجزر الكاريبي وكندا، التي ظلت تحت التاج البريطاني حتى إعلان سيادتها التامة عام 1982. أما في أوقيانوسيا، فقد بدأ استعمار أستراليا عام 1788، ونيوزيلندا عام 1840، واستمر وجودها في جزر المحيط الهادئ حتى السبعينيات. هذه الهيمنة الواسعة قبل الحرب العالمية الثانية، أفضت إلى تأسيس شبكة عالمية من المؤسسات العلمية، والأكاديمية، والسياسية، والاقتصادية، والقانونية، والشركات العملاقة، التي تبنت الإنجليزية بوصفها لغة رسمية، ومعيارًا للتشريع والمعرفة.

بعد انحسار الاستعمار البريطاني، ورثت الولايات المتحدة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، زعامة النظام العالمي، ومارست هيمنة قسرية وناعمة على مدى العقود التالية، من خلال قوتها العسكرية، وما تقوم به مؤسساتها الدولية، ونفوذها الاقتصادي، ومنتجات مصانعها الكبرى، وشركاتها المتسيدة في العالم، وما تنجزه مختبراتها التكنولوجية من اختراعات جديدة، ومنظومتها التعليمية وجامعاتها، ومراكز أبحاثها، وانتاجها الغزير من العلوم والمعارف المتنوعة. وأسهم كثيرًا في اتساع حضور الإنجليزية ما تنتجه هوليوود من أفلام سينمائية، إذ تتصدر أفلامها أعداد المشاهدين في مختلف أنحاء العالم. لذلك فرضت الإنجليزية حضورها بوصفها اللغة الأولى في البحث العلمي، والسياسة والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والقانون الدولي، ومجالات العلوم والتقنية الحديثة، والثقافة والاعلام، والآداب والفنون، والسينما، حتى غدت الإنجليزية اليوم لغة العولمة، نتيجة تراكم تاريخي طويل من الاستعمار لمختلف البلدان، وحضور سياسي واقتصادي وعلمي وتكنولوجي وثقافي واعلامي وأدبي وفني وسينمائي.

ومما رسخ حضور الإنجليزية في الحقول كافة،كون أكثر الإنتاج العلمي والأدبي والفني العالمي بات يدون بها، وتضاعفت أعداد الجامعات والمراكز البحثية المتنوعة الناطقة بالإنجليزية في العالم، وثراء إمكانات هذه الجامعات والمراكز المالية والتكنولوجية المتقدمة، وحرصها على إنتاج مصطلحات دقيقة مواكبة للتقدم العلمي والتكنولوجي، وتفرغ مؤسسات لغوية لضبطها وتطويرها، وإنتاجها للمعاجم التخصصية المتجددة في القانون، والسياسة، والفلسفة والعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية والتطبيقية والصرفة، والثقافة والآداب والفنون. فضلًا عن غزارة الترجمة من اللغة الإنجليزية وإليها، بكل اللغات في الأرض، فعزز ذلك كله حيوية هذه اللغة وتطورها وانتشارها في بلدان العالم المختلفة، وأخيرًا عملت شبكة الإنترنت العالمية على اتساع حضورها في العالم بوصفها اللغة الأولى لهذه الشبكة.

اللغة الإنجليزية تشكّلت في فضاء معرفي وديني وثقافي ومجتمعي وسياسي واقتصادي مغاير، وتطورت في بيئة لغوية احتضنت تحولات العلم والتكنولوجيا الحديثة، فاكتسبت طابعًا أكثر تحديدًا، وصارت حمولتها للأحكام المسبقة أقل، وأكثر حيادًا في التعبير العلمي، والقانوني، وصارت أوفق في صياغة التشريعات، وأغنى في ما تفرضه لغة التكنولوجيا من تداول واسع للأرقام، والمعادلات الرياضية، والفيزيائية، والكيميائية، وأشباهها، ومن صرامة في تحديد المصطلحات وتعريفها، بعيدًا عن غزارة المرادفات، وتعدد المجازات وتنوع الكنايات. تستوعب الإنجليزية قواعد أقل تنوعًا واختلافًا وتعارضًا في الآراء والاجتهادات، وأشد ضبطًا في تحديد سياق الكلمات والجمل وتعريفها، وإن كانت الإنجليزية تفتقر إلى مضاهاة العربية في المرادفات، وغزارة المجازات، وتنوع الكنايات، لكنها استجابت بسهولة للحاجة إلى وضوح المعنى المراد بلا تردد بين احتمالات عديدة، وحسمه في المجالات المتنوعة لاستعماله.

إزاء التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تواجه اللغة العربية نقصًا واضحًا في المؤسسات والمراكز البحثية القادرة على مواكبة الواقع، وملاحقة التحولات العميقة التي تمس حياة الإنسان اليوم. ما يزال حضور هذه المؤسسات محدودًا، لا ينهض بوظيفته في بناء منظومة لغوية تعبّر عن المفاهيم الحديثة، وتترجم ما يواجهه الإنسان العربي من تحديات يومية، في مجالات الحياة المختلفة. تفتقر العربية إلى مؤسسات تمتلك رؤية علمية تستوعب الواقع، وتنتج مصطلحات علمية ومعرفية وتقنية وقانونية موحدة، تتناغم مع حاجات الناطقين بها، وتستجيب لإيقاع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتخفف من تضارب الاصطلاحات، وتداخل المفاهيم. تعاني اللغة العربية من ضعف ملحوظ في حركة الترجمة، سواء منها إلى اللغات الأخرى أو من تلك اللغات إليها، مما يحد بشكل كبير من حضورها وتأثيرها في المشهد المعرفي والثقافي والأدبي العالمي. هذا الضعف يقلل من فرص انتشار الأفكار والإبداعات والآداب العربية على الساحة الدولية، ويعيق في الوقت ذاته استيعاب الأعمال الفلسفية والثقافية والأدبية العالمية باللغة العربية. نتيجة لذلك، تظل العربية بعيدة نسبيًا عن التفاعل الخلّاق مع اللغات الحيّة الأخرى، مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية والصينية، التي تلعب دوراً رئيسياً في صياغة المعجم العلمي والفلسفي والثقافي والأدبي والسياسي والقانوني للإنسان في العصر الرقمي. هذا الانفصال يحد من إسهام العربية في الحوار الحضاري العالمي، ويقلل من قدرتها على التأثير في تشكيل الرؤى والمفاهيم التي تحدد ملامح هذا العصر. إضافة إلى ذلك، فإن قلة الترجمة تؤثر سلباً على إثراء المحتوى العربي في قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database) للإنترنت، سواء في المجالات الأدبية، أو العلمية، أو الفلسفية، أو القانونية، مما يجعل اللغة العربية أقل قدرة على مواكبة التطورات المعرفية والثقافية المتسارعة في فضاء الذكاء الاصطناعي. ويعود هذا الوضع إلى عدة أسباب، منها نقص المترجمين المؤهلين، وضعف الدعم المؤسسي لمشاريع الترجمة، ومحدودية الاهتمام بتطوير استراتيجيات ترجمة شاملة تهدف إلى تعزيز مكانة العربية في الفضاء الرقمي.

تتميز اللغة العربية بثرائها الواسع، وتعددها الدلالي، وكثافة مجازها، وغلبة الشحنة العاطفية في بعض استعمالاتها، حتى غدت أفقًا للشعر، ومجالًا لتوليد الصور المتنوعة للخيال، ولغةً للمشاعر والوجدان. غير أن هذا الثراء الدلالي يقود أحيانًا إلى التباس في سياقات التشريع والتقنين، حيث تحتاج الأحكام إلى وضوح لا يحتمل التردد، وتحديد دقيق للمعنى المقصود. لذلك احتاجت العربية في موضوعات التشريع والتقنين إلى جهد كبير في التفسيرات والشروح، فنهضت علوم اللغة وعلوم التفسير بضبط المعنى، وتحديد المراد، والتمييز بين المقاصد العامة والدلالات المحتملة، كي لا تتحول سيولتها الدلالية إلى مدخل للاضطراب في فهم النصوص. غير أن هذا القصور لم يحجب ما تمتاز به العربية من براعة في ابداع الشعر، إذ تتدفق الصور والمعاني، وتتحرر طاقتها الرمزية، وما يبدعه الخيال من صور ومعانٍ لا تنفد. هكذا تكشف العربية عن وجهين متنوعين: وجه تشريعي يتطلب جهد العلماء في البيان والتفسير لتأمين الصرامة والوضوح، ووجه شعري يفيض بالصور والمعاني ويمنح الخيال والجمال مداه الأرحب. ولولا هذا الثراء لما احتلت العربية مقامها الفريد بين لغات العالم.

https://www.ahewar.org/debat/save_art.asp?action={C2CF24D0-0F10-4E5A-B317-16FFF19FD4B3}

اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها

اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها

                                                                                 د. عبد الجبار الرفاعي

الوجود الإنساني يتشكل في أفق اللغة، اللغة مرآة تتكشف فيها رؤية الإنسان للعالم، ولا تنفصل هذه الرؤية عن القواعد والأدوات والكلمات التي تتجلى بها وتعبّر عنها. اغتراب اللغة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان يعني اغتراب الإنسان عنها. حين تتيسر قواعد اللغة، ويجري تحديث أدواتها، وتواكب مفرداتها صيرورة الواقع والتحولات المتنوعة فيه، يتسع أفق الإنسان الناطق بها لرؤية العالم وإعادة تشكيله في وعيه.

يواجه دارسو العربية اليوم صعوبة بالغة في إتقان النحو وضبط حركات الكلمات عند التعبير بالفصحى، وهذه الصعوبة لا تنشأ من قصور في الفهم، أو ضعف في الذكاء، أو نفور من اللغة التي تمثل مكونًا عميقًا للهوية، أو افتقار إلى الجدية والمثابرة، وإنما تعود إلى قصور قواعد النطق عن الوفاء بمتطلبات التحدث بالعربية في العصر الراهن. هذه القواعد ما زالت أسيرة رؤية التراث للعالم، بينما يفرض وعي دارس اللغة أن ينتمي إلى الواقع الذي يعيش فيه، بكل ما يعج به من متغيرات هائلة في المجالات المختلفة. النحو لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة والمعرفة، ولا على استيعاب التطور الهائل في العلوم والتقنيات. الفلسفة والعلوم الإنسانية واللسانيات والتأويل وعلوم اللغة تطورت في العصر الحديث تطورًا واسعًا، وتفاعلت علوم اللغة مع منجزات العلوم والمعارف المتنوعة، فشكّل هذا التطور منعطفًا كبيرًا في مسار المعرفة، وترك أثرًا بيّنًا على اللغات الحية والثقافات وطرائق رؤية العالم، كما توضحه فلسفة العلم الحديثة. مع ذلك، ما زال النحو وعلوم اللغة العربية أسيرين لرؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج الإنسان العربي اليوم إلى رؤية حيّة للعالم، تواكب إيقاع العصر، وتتناغم مع شروط الواقع الذي يحياه.

حين تغترب اللغة عن الواقع يغترب الإنسان عنها، الإنسان العربي اليوم يعيش اغترابًا عن لغته لأن لغته غريبة عن واقعه، بعد أن انسلخت تدريجيًا عن إيقاع حياته وأسئلته واحتياجاته المعرفية انسلخ هو عنها. تتجلى هذه الغربة في ابتعاد قواعد العربية وأساليب تعبيرها عن واقعه، إذ ما زالت أسيرة قوالب تشكلت في سياق رؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج واقعه اليوم إلى لغة تتنفس من نبض الحاضر، وتستجيب لتحولات وعيه، وتحتضن حاجاته المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية. في زمن يتغير بإيقاع متسارع، يستحث الإنسانُ اللغةَ على أن تواكبه،كي تظل قادرة على ايصال المعنى الذي تنشده حياته، وتتناغم مع الواقع الذي يعيشه، وتسهم في صياغة رؤيته للعالم، بما يمكّنه من التعرف على ذاته في سياق صلاته المتنوعة بما حوله، وإعادة تعريفها في أفق الحاضر والمستقبل.

حضرت قبل سنوات مناقشة دكتوراه في تخصص اللغة العربية، وكان المناقشون خمسة يحملون لقب أستاذ دكتور في هذا التخصص. جلست نصف ساعة، فضجرت من كثرة الأخطاء النحوية في نطق بعضهم، حتى كاد الانتباه إلى مضمون الكلام يتلاشى تحت وطأة زلات اللسان. عندما غادرت القاعة، رأيت أحد المؤلفين المعروفين يخرج قبلي، وقد ارتسم على ملامحه تبرم شديد، لانزعاجه البالغ من أحد المناقشين الذي بدت على لسانه حروف الجر وكأنها تعطلت وظيفتها في كلامه. إذا كان هذا حال بعض المتخصصين بالعربية، فماذا ننتظر من غيرهم، كالإعلاميين وعموم الناطقين بها، أن يضبطوا قواعدها وأساليب بيانها، وهي ما زالت مثقلة بقيود تراثية تجعل النطق بها عبئًا، بدل أن تكون أداة حيّة للتواصل والتعبير عن المعنى. يقول علي الطنطاوى: “أصبح النحو علمًا عقيمًا، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عامًا، ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعللوا، وأثبتوا فيه ودللوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كل مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولا يقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول”[1].

وهذا يفرض تيسير قواعد النطق بالعربية، وتحديث أساليب التعبير فيها، واستثمار ما أبدعته الحداثة الشعرية العربية من طاقة لغوية خلاقة، وما راكمه السرد العربي الحديث من ثراء في المعجم، وابتكار في أساليب البيان، أتاح للعربية أن تنفتح على نبض الحياة اليومية، وتقترب من اللغة المحكية في أحاديث وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ونصوص الصحافة، فتغدو أكثر مرونة في التواصل، وأقدر على التعبير عن التحولات الجارية في الواقع والوعي والفكر والثقافة.

أدرك جماعة من علماء العربية في العصر الحديث هذا المأزق، فألّفوا كتبًا، وكتبوا بحوثًا متعددة، تدعو إلى تيسير النحو وتطوير أساليب التعبير بالعربية، وشكلت دعوتهم موجة لافتة في القرن العشرين، لكنها لبثت عند السطح، ولم تنفذ إلى الجذور العميقة للمشكلة، أو تستكشف العوامل المتشابكة التي صنعتها، ولم تبحث عن حلول جدية في ضوء المكاسب الحديثة لعلوم اللغة. لم تتحول هذه الدعوة إلى مشروع عملي تتبناه المجامع اللغوية ومراكز البحوث والكليات المختصة، بل أُوصدت أمامها الأبواب، فتوقف تطورها، وانحسر مداها قبل أن يبلغ آفاقًا أرحب وأعمق. مع صعود تيار العودة إلى التراث واستئنافه على صورته الموروثة كما كان، الذي قاده التيار السلفي، ورسّخه صعود الإسلام السياسي، جرى التصدي للحداثة الفلسفية والمعرفية والعلمية والأدبية، ورفض ما أبدعته العقلانية النقدية الحديثة، وحُجب صوت دعاة التجديد، وتعرضوا للملاحقة والتضييق، حتى خفتت موجة الداعين إلى تيسير النحو وتحديث أساليب التعبير بالعربية، وزُرع الخوف في نفوس تلامذتهم من مواصلة هذا الطريق.

كان من دعاة التيسير: إبراهيم مصطفى في كتابه: “إحياء النحو”[2]، وأمين الخولي في بحثه: “هذا النحو”[3]، ومهدي المخزومي في كتابه: “في النحو العربي نقد وتوجيه”[4]، وأحمد عبد الستار الجواري في كتابه: “نحو التيسير”[5]. ذكرنا هؤلاء الأعلام الأربعة بوصفهم نماذج لدعوة التيسير، مع العلم أن هناك عشرات الكتابات لغيرهم في هذا المجال. وبغض النظر عن اختلافهم في نوع التيسير وكيفيته وحدوده، لاحظتُ أن كتاباتهم تفتقر إلى الحفر في البنية العميقة للتراث التي أنتجت سلطة الفصاحة والنحو، وكرست ممانعة اللغة عن قبول أية محاولة للتحديث وتيسير النحو. البحث العلمي يتطلب اكتشاف كيفية تشكّل هذه السلطة وتغلغلها ورسوخها، بفعل تأثير لغة القرآن الكريم وتجذرها في الشعور واللاشعور الفردي والجمعي، وبفعل السلطة المعرفية والروحية التي امتدت عبر تاريخ العربية للمؤسسات الدينية ومعاهد التعليم الديني التقليدية واستحواذها على اللغة، وتأثير الرؤية التراثية للعالم على إجهاض كل محاولة للتيسير والتحديث، وتغييب معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية وعلوم اللغة الحديثة والألسنيات عن الدرس اللغوي في كثير من كليات اللغة العربية والآداب في الجامعات العربية، فضلًا عن عوامل أخرى عمّقت الهوة بين الدرس اللغوي التراثي وحاجات الواقع الحي.

العربية اليوم أحوج ما تكون إلى إعادة بناء الرؤية التي تصوغ حضورها، في أفق تتحرر فيه من القوالب التراثية المغلقة، وتنفتح على إيقاع الحياة المتجدد، بنهضة لغوية علمية، تعتمد على المكاسب الجديدة للعلوم والمعارف، وتقودها مؤسسات علمية متبصّرة بما أنجزته الفلسفة والعلوم الإنسانية والألسنيات وعلوم اللغة والشعر والأدب الحديث، وما راكمته هذه الحقول من منجزات كبرى. من دون مؤسسات تمتلك وعيًا عميقًا بالمكانة الفائقة للعربية، ودورها الحاسم في صياغة رؤية العربي للعالم، وفي بناء هويته المواكبة لمستجدات حياته، وتستجيب لتحولات واقعه، ستبقى العربية عاجزة عن التعبير عن تعقيدات الحياة التي يحياها أبناؤها في زمن الذكاء الاصطناعي. ينبغي أن تتأسس هذه النهضة اللغوية على استراتيجيات علمية شاملة، تضع نصب أعينها تطوير اللغة، وتجديد أساليب التعبير بها، وتيسير قواعدها، بما يهيئها لاحتضان المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية والنفسية والعاطفية والروحية المتسارعة، ومواكبة ما يفرضه العصر الرقمي من تحولات عميقة في الوعي والمعرفة.

من دون هذا الجهد ستظل العربية عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الإنسان العربي لغويًا ومعرفيًا وثقافيًا، كما يفرضها على كل لغة في العالم. وحين تفقد اللغة قدرتها على التفاعل مع أسئلة الحاضر وتحدياته، يبدأ مسار تهميشها تدريجيًا، ويتراجع حضورها في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء الهوية وترسيخها. لذلك ينبغي أن تنهض المؤسسات الأكاديمية الرصينة، والمجامع اللغوية، والأدبية، بمسؤولية دعم البحث اللغوي الجاد، وتعزيز حركة الترجمة، وتطوير المعجمات، وتشجيع الإبداع ومراكز الدراسات الأدبية والفكرية للغة العربية، وتعمل في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة على حضور العربية بفاعلية في الفضاء الرقمي، من خلال إنتاج محتوى ثري يعكس متطلبات العصر وتحدياته، ويجعلها حاضرة في ميادين المعرفة والتواصل الحديثة. إذا لم تتحقق هذه النهضة، ستواجه العربية خطر الانغلاق والسكون، مما سيقيد قدرتها على الإسهام في تشكيل الوعي العربي والإنساني، ويختزل دورها كأداة للتفكير الإبداعي والنقدي في التعامل مع قضايا العصر والإجابة عن أسئلته المتنوعة، ويحرمها من أن تكون لغة حيّة قادرة على مواكبة التحولات، وصياغة المعنى في عالم يتغير بإيقاع متسارع.

اللغة التي تنكفئ عن مواكبة تحولات الحياة، وتغفل الاستجابة لتغيرات الواقع ومستجداته، تفقد حيويتها، وتضعف قدرتها على توصيل المعنى، فتغدو عاجزة عن ملامسة نبض العصر، واستيعاب تحولات الواقع والفكر والشعور. في اللغة الحية تولد مفردات جديدة، ويتوارى حضور أخرى عجزت عن التعبير عن المعنى الذي يطلبه الواقع، وفقدت قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية والرمزية للمجتمع الناطق بها.كلما اتسعت خبرات الإنسان وتعمق وعيه، تجددت أدوات التعبير، وتطورت أساليب البيان، واتسعت اللغة لاحتضان مفردات تعكس تحولات المعنى في الفكر والعاطفة والسلوك. انغلاق اللغة لا يمثل اكتمالها، وإنما يعكس انفصالها عن الواقع ومنابع الحياة، وانقطاعها عن إيقاع العصر. مرونة اللغة وقدرتها على التكيّف مع تحولات الواقع، وإثراء مفرداتها وصقل أساليبها، هو البرهان الأصدق على بقائها كائنًا حيًا يواكب تطلعات الإنسان، ويغني وعيه، ويفتح له آفاقًا أرحب لرؤية العالم، والتفاعل مع معناه، وإعادة ابتكار صورته في ضوء ما يتكشف له من تجارب ومعارف متجددة.

[1] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 13، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[2] مصطفى، إبراهيم، إحياء النحو، 1959، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.

[3] الخولي، أمين، “هذا النحو”، مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، مج 7، “يوليو 1944”.

[4] المخزومي، مهدي، في النحو العربي: نقد وتوجيه، 1964، المكتبة العصرية، صيدا -بيروت.

[5] الجواري، أحمد عبد الستار، نحو التيسير، 1984، المجمع العلمي العراقي.

 

https://alsabaah.iq/119601-.html

تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة

تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة

                                                                                 د. عبد الجبار الرفاعي

تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة، اللغة ليست أداة محايدة للتعبير، بل هي الأفق الذي يرى الإنسان من خلاله ذاته والعالم. تنبثق اللغة من عمق التجربة الإنسانية، وتتشكل في تفاعل الوعي مع الواقع، وتغتني بما يختزنه الإنسان من خبرات ومعانٍ. لا تهبط اللغة من عوالم الغيب، ولا تأتي من خارج مدار الوجود البشري. لا لغة أسمى من أخرى، ولا لغة أدنى من أخرى، ولا تنقسم اللغات إلى مقدسة ومدنسة. تتجلى قيمة اللغة بقدر ما تحتضن حاجات الإنسان، وتعكس وعيه، وتترجم نمط عيشه. اللغة الحية تتحرك مع نبض الزمن، وتنفتح على تحولات الواقع، وتتحرر من جمود القوالب الجاهزة، لأنها كائن اجتماعي يخضع لقوانين النمو والتطور والتحول التي تسري في الكائنات الحية. الكائن الذي ينغلق على ذاته، ولا يتغذى، يتخلف عن إيقاع الحياة، ويفقد القدرة على التجدد، ثم ينكمش ويتحجر ويفنى. اللغة التي تتجدد وتتناغم مع إيقاع العصر تفتح للإنسان أفقًا أرحب لرؤية العالم وفهمه وإعادة بنائه.

بما أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، والفضاء الذي تتكوّن فيه رؤية الإنسان للعالم، فإن أي تجديد في هذه الرؤية يمر عبر تجديد اللغة، وإعادة بناء معجمها، وتحريرها من القوالب المغلقة، لتستعيد قدرتها على إغناء الشعور، وتحفيز الفكر، وإيقاظ الوعي. اللغة التي تنغلق على ذاتها، ولا تستجيب لتحولات الواقع، ولا ترتوي من ينابيع التجربة الإنسانية الحية، تفقد صلتها بالإنسان، وتتحول إلى كائن مشلول عاجز عن مواكبة ايقاع الحياة.

لا يمكننا تجديد رؤيتنا للعالم مالم نعمل على تجديد لغتنا، فكل كلمة في لغتنا تعكس منظورنا الذي نرى فيه العالم، ومفاهيمنا ليست إلا نتيجة لهذه المنظورات،كما يقول توشيهيكو إيزوتسو. في هذا السياق خصّص محمد عابد الجابري الفصل الرابع من كتابه “تكوين العقل العربي” لدراسة رؤية الأعرابي للعالم، وكيف كان: “الأعرابي صانع العالم العربي”، يكتب الجابري: “لقد جمعت اللغة العربية من البدو العرب الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدًا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانًا بل فضاءً فارغًا هادئًا، كل شيء فيه صورة حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو ما دامت اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين… أن يظل الذهن العربي مشدودًا، إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيده عصر التدوين، اعتمادًا على أدنى درجات الحضارة عبر التاريخ، حضارة البدو الرحل التي اتخذت أصلا، ففرضت على العقل العربي طريقة معينة في الحكم على الأشياء، قوامها: الحكم على الجديد بما يراه القديم”[1].

تمتلك العربية بنية اشتقاقية ثرية تمنح الجذر الواحد طيفًا واسعًا من المفردات، وتتيح للكلمة أن تغدو ريشة ترسم الصور الموقظة للشعور، والمحفزة للبصيرة. نشأت العربية وترعرت في بيئة مشبعة بمجازات الشعر وكناياته وصوره، وارتقت بفضل القرآن الكريم إلى أفق رمزي رحب تتعدد دلالاته، وينفتح على التأويل، ويتسع للتجربة الذوقية التي تغذي الروح وتعمق الوعي. احتضنت العربية تنويعات الميثيولوجيا والحكاية، وتغذت على عوالم السرد في “ألف ليلة وليلة”، وانفتحت على الشذرات المتدفقة من الحياة الروحية للمتصوفة، ومقامات شهودهم للأنوار الإلهية، وتجاربهم في الإشراق والمكاشفة، فاستوعبت رموز الغيب، وتلألأت كلماتها بالتعبير عن الحياة العاطفية والروحية. تنوع مفردات العربية، وغزارة تراكيبها، يعززان قابليتها على احتضان أعمق الخبرات الروحية، والانفعالات النفسية، والأحاسيس الشعورية. وبفضل شفاهيتها الأولى، وبنيتها الإعرابية، وتوالدها الاشتقاقي، اتسع مجالها لغزارة طرائق التأويل، وأسست لتقاليد راسخة في فهم النصوص، ومراكمة معانيها. هكذا حافظت العربية على مكانتها بوصفها وعاء حيًا للدين، والخيال، والأسطورة، والشعر، والسرد، وأفقًا رحبًا للمعنى. تتجدد اللغة بقدر ما يتجدد الوعي الذي تتكلمه، وتتسع بقدر اتساع رؤيتها للعالم.

بما تمتلكه العربية من طاقة مجازية عالية، وتعدد في الدلالات، وتكاثر في الاشتقاق، وتوسع في المعجم، ووفرة في المرادفات، وغزارة وتنوع في الألفاظ، فإنها قادرة على احتضان أعمق الخبرات الشعورية، وأدق الحالات الروحية، وتجليات الغيب. وبما تمتاز به من قدرة على بناء الصور الشعرية المتنوعة، وثرائها في التعبير عن أشواق العاطفة العميقة، وغنى معجمها في سرد الأساطير والملاحم والمرويات الكبرى، بما تختزنه من طاقة رمزية، وقدرة على التلميح والمجاز والإشارة والتأويل. يغتني معجم العربية في تصوير العالم اللامرئي، وتجسيد معاني الغيب، ومخاطبة العاطفة، والتعبير عن خلجات النفس وانفعالاتها. تعزز هذا الغنى بتأثير القرآن الكريم في إعادة تشكيل الذوق والخيال، حتى غدت العربية لغة تتسع للتعبير عن الغيب، وتوظيف الرموز. ورافقتها خبرة تجلت في تصوير ما يبتكره الخيال والأساطير والحكايات، وأمثال القبائل، وأناشيد الجماعة، وتنوعت تعبيراتها. وأسهم انفتاحها التاريخي على حضارات متعددة، وتفاعلها مع لغات وثقافات أخرى، ومرورها بعصور ازدهار نثري وتأويلي وفلسفي وكلامي وأصولي وفقهي، في توسيع طاقتها الدلالية، وإثراء مخيالها، وتغذية منابعها في الفنون الأدبية المتنوعة، حتى غدت اللغة لا تنقل التجربة فحسب، بل تجسدها، وتفتحها على أفق يتسع لتأويل لا نهائي.

تواجه اللغة العربية اليوم جملة من التحديات التي تحد من قدرتها على التجديد، وتبطئ قابليتها على التكيف مع الحاجات اللغوية والثقافية والمعرفية للإنسان العربي. من هذه التحديات تغلغل الرؤية الكلامية في بنية اللغة الدينية، وما تركته من أثر عميق في مفاهيمها وتصوراتها لرؤية العالم، حتى غدت أسيرة لعلم الكلام القديم، ومقيدة بسياقات تعجز عن مواكبة التحولات المتسارعة في الحياة الحديثة. هذه الرؤية هيمنت على تفسير النصوص التشريعية، وبسطت سلطانها على لغة القوانين، فتعطلت إمكانية إنتاج لغة قانونية أكثر حيادية ودقة ووضوح، قادرة على تحديد المعاني من دون تعدد في الخيارات أو التفسيرات. كما أن الأثر العاطفي العميق لحضور لغة القرآن، وفاعلية التراث في الوعي واللاوعي الجمعي، ووفرة المجازات والكنايات والمرادفات، أسهمت أحيانًا في غموض التعبير، وأثرت في لغة المصطلحات والأحكام القانونية، فغاب الوضوح، وتراجع التحديد الصريح للمراد في بعض السياقات. ومع تراكم القرون، تشبعت العربية بالمقدس، فاكتسبت شيئًا من هالته وسطوته، بوصفها لغة القرآن والنصوص الدينية والتراث الإسلامي. وحين استحوذت معاهد التعليم الديني على تعليم العربية في الماضي، واحتكارها تدريجيًا، تولى رجال الدين حمايتها، وفرضوا سلطتهم عليها، حتى غدت كل دعوة لإعادة النظر في قواعدها، أو تطوير أساليبها في التعبير، أو تحديث معجمها، تعد في نظرهم عدوانًا على المقدّس[2].

من التحديات التي تواجه العربية اليوم تفشي الازدواجية بين الفصحى والعامية، واتساع اللهجات المحلية وعمق حضورها في الوعي واللاوعي لدى الناطقين بها، حتى غدت عامية البلد الذي ينتمي إليه المتحدث هي اللغة التي يفكر بها ويعبر من خلالها الإنسان عن مفاهيمه ومشاعره، بينما تراجع حضور الفصحى في الحياة اليومية، وانحصر مجالها في الإعلام وبعض المجالات الرسمية. وبمرور الزمن، ضعف التواصل بين أبناء الضاد أنفسهم، حتى صار المتحدث بلهجة أهل المغرب لا يكاد يُفهم لدى المتحدث بلهجة أهل المشرق، فتقلص الفضاء المشترك للغة العربية، وتعرضت وحدتها الثقافية والشعورية لتهديد حقيقي.

ضعف تواصل الإنسان العربي مع العربية التي يفترض أن تعبّر عن هويته، وانصرافه إلى لهجة بلده التي أخذت بمرور الزمن تبتعد عن الفصحى وتفقد صلتها بها.كل ذلك جرى خارج أروقة المجامع اللغوية، وأسوار تصوراتها التقليدية، وانشغالها بإعادة صياغة مفردات مستقاة من التراث، وإغلاق أبوابها أمام كل دعوة لتحديث قواعد اللغة، وأساليب التعبير، وتيسير النطق بها. استكانت هذه المجامع لدور الوصي على لغة توقفت عند ما أنجزه المتقدمون من منجزات ثمينة، من دون أن تصغي لما يفرضه الواقع من حاجات جديدة في التفكير والثقافة والكتابة والتواصل ورؤية العالم، فلبثت بعيدة عن مواكبة نبض الحياة، وعن الإسهام في صياغة أفق لغوي يجدد الصلة بين الإنسان العربي ولغته.

على الرغم من أن الحداثة الشعرية والأدبية في اللغة العربية تمتد لأكثر من قرن، فإنها لم تجد ما يواكبها من تحديث بنية اللغة وقواعدها ومعجمها، ولم تنهض المجامع اللغوية بمهمة شجاعة تلامس إيقاع التحولات الشعرية والأدبية والثقافية والمعرفية، وتستجيب لمتطلبات التجديد في أساليب التعبير وبناء المعجم. منذ بدايات القرن العشرين شهد الشعر العربي تحولات زلزلت البنية التقليدية للقصيدة، وأدخلت معاني جديدة، وابتكرت صورًا واستعارات لم تألفها لغة التراث، وغيرت إيقاع التعبير، وحررت القصيدة من سلطة البحور القديمة.كان الرواد الأوائل لهذا التحول أمثال: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، وسعدي يوسف، ومحمود درويش، وبلند الحيدري، وغيرهم، ممن اشتقوا قاموسًا شعريًا جديدًا، وأغنوه بمفردات استحضرت بعض الأساطير اليونانية والرافدينية والفينيقية والفرعونية وغيرها، وبنوا تراكيب تحمل شحنة شعورية ومعرفية تعكس قلق الإنسان المعاصر واغترابه وأسئلته الوجودية. كما انعكس هذا التجديد في البنية الموسيقية للقصيدة، وفي توظيف الرموز، والانفتاح على موضوعات بديلة، تحولت فيها الشعر إلى دعوة للإصلاح التربوي والتعليمي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي، ومطالبة بمنح الشعوب حرياتها، واسترداد الحقوق الضائعة للمرأة، ومعالجة الفقر والمرض والجهل والتخلف، والالتفات إلى الطبقات المهمشة، ورصد آلام الإنسان الفرد واغترابه، وما يعتمل في داخله من أسئلة كبرى لمعنى وجوده وحياته ومصيره.

كما أن السرد العربي الحديث أعاد تشكيل أساليب التعبير، ووسع آفاق اللغة، وأدخلها في فضاءات جديدة تكشف البنية النفسية العميقة للذات، بما يداهمها من عبث واضطراب واغتراب وقلق واكتئاب وأسى، وتلامس في الوقت نفسه التحديات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والأخلاقية والثقافية التي تواجه المجتمعات. تجلى السرد العربي الحديث بأغنى أشكاله في أعمال: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وعبد الرحمن منيف، والطيب صالح، وغائب طعمة فرمان، ويوسف إدريس، وذو النون أيوب، وحنا مينه، وإدوار الخراط، وفؤاد التكرلي، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وغسان كنفاني، والمئات من الأدباء غيرهم، ممن فتحوا للسرد العربي فضاءات جديدة، وجعلوه أداة لكشف تحولات المجتمع، وتحليل أزماته، ورصد تحولات الإنسان في عمق تجربته الوجودية.

جرى التجديد الأدبي خارج سلطة المؤسسات ومجامع اللغة ومعاهد التعليم الديني، بينما ظلت لغة التراث وكثير من أنصارها تعيد إنتاج معجمها القديم، متجاهلة للتحولات العميقة في وعي الإنسان ومعارفه وثقافته ولغته، غافلة عما يعيشه الفرد والمجتمع من آلام وهموم، من دون أن تدرك الحاجة إلى تحديث أساليب التعبير، وتحرير اللغة من القوالب المتصلبة. كما لبثت لغة الفكر الديني أسيرة لسلطة التراث، فافتقرت إلى الجرأة في مراجعة أساليبها وقواعدها، وتعثرت فيها إمكانات التحديث في التعبير اللغوي، وانكمشت عن مواكبة الحياة، وعن احتضان ما يمنحه العصر من آفاق جديدة للمعنى.

[1] الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص 78، ط13، 2017، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 61 – 63، 2024، منشورات تكوين – الكويت، دار الرافدين – بيروت.

 

https://alsabaah.iq/119217-.html

لغة الغيب في سياق مقولات الخلاص الكلامية

لغة الغيب في سياق مقولات الخلاص الكلامية

 د. عبد الجبار الرفاعي

تسيّدت الحياةَ الدينية في الإسلام، منذ العصور التي تلت عصر البعثة، لغةٌ مشبعة برؤية المتكلمين، وأحكامٌ تستمد مشروعيتها من الفقه المؤسَّس على تلك الرؤية. لذلك يحضر في الذهن، عند التفكير في أي واقعة أو موقف أو فعل، معجمٌ محكوم بمقولات كلامية، ومشحون بدلالات فقهية. حين يواجه المسلم حادثةً ما، أو يريد أن يتخذ موقفًا معينًا، يتبادر إلى ذهنه السؤال: هل هذا حلال أو حرام؟ من دون أن يفكر غالبًا في دلالات الموقف الأخلاقية، أو معطياته الروحية، أو آثاره الجمالية. هكذا يغيب البُعد الأخلاقي في التفكير الديني، ويُقصى البُعد الروحي، ولا يتذوق الإنسان تجليات الله في الوجود. وتختزل العلاقة بالدين إلى منظومة أوامر ونواهٍ، يُختبر فيها الفعل بمعيار الحِلّ والحرمة، لا بأثره في الضمير، أو أثره في بناء الحياة الروحية، أو مساهمته في الحياة الأخلاقية.

تتكرر مفردات هذا المعجم في اللغة الدينية المتداولة في التعليم الديني، وخطب الجمعة، والدروس الدينية، ومنابر المساجد، ووسائل الإعلام والتواصل التي تتحدث في قضايا دينية، حتى غدت لغة الغيب أسيرة لذلك المعجم، مغلقة في حدوده، لا دلالة لها خارج مداراته. ما إن يُذكر الغيب أو أي شأن ديني، حتى يتداعى إلى ذهن المتلقي قاموس مألوف، تشبّع فيه لاوعيه الفردي والجمعي. قلّما يتخطى المتكلم أو الكاتب في الدين هذا المعجم، كذلك تلبث المعاني التي تتبادر إلى وعي المتلقي رهينة للدلالات المشبع فيها ذهنه.

في الحياة اليومية، حين يتحدث المسلم عن مسألة دينية، فإنه يعيد إنتاج المفاهيم ذاتها التي صاغها المعجم الكلامي، ويتحدث بلغته، سواء في أقواله أو في كتاباته، إن لم يمده وعيه الظاهر، تستفيق في وعيه الباطن مفردات ذلك المعجم. وحتى عندما يكتب كاتب يتوخى التعبير عن تجربة إيمانية، أو تأمل روحي، أو قلق وجودي، فإنه غالبًا ما يعيد تدوير مفردات ذلك المعجم، ويستنطق مفاهيمه، ويتكلم بلسانه، من غير أن يتحرر من رؤيته، ولو كانت تجربته الإيمانية تستدعي لغة مغايرة، أكثر إنصاتًا لنداء القلب، وأشد قربًا من

أشواق الروح إلى الأنوار الإلهية، وأرحب انفتاحًا على مكاشفات المعنى.

عند تأمل اللغة المتداولة في الكتابات العربية حول الدين، نلحظ أنها مشبعة بمقولات المتكلمين، ومقيدة بتراث جدلي مشروط بسياقاته التاريخية، ما يجعلها محدودة الدلالة، وأقل قابلية للتعبير عن أعماق التجربة الإيمانية. هذا النمط من الاستعمال يفقر لغة الغيب من طاقتها الرمزية، ويضيّق أفقها في الكشف عما تنطوي عليه آيات الغيب من إشارات وإيحاءات تتجاوز ظاهر المعنى. اللغة التي تشكلت في أفق الرؤية الكلامية غالبًا ما تعيد إنتاج المفاهيم ذاتها، ولا ترى في آيات الغيب إلا ما تسمح به أدوات علم الكلام التقليدي، ويُستعمل المصطلح الديني في الغالب في سياق هذا الأفق، الذي يحجب إمكانات الإيحاء، ويقفل نوافذ التأمل، ويختزل الدين في معايير الجدل وتفصيلات الأحكام.

قلّما تُستمد معاني المفاهيم الدينية من قيم القرآن التي تنير القلب، أو يُنظر إلى الآيات الحاكية عن الغيب بوصفها إشارات إلى أعماق التجربة الروحية، لا مجرد موضوعات للجدل الكلامي. اللغة التي رسّخها المتكلمون، وإن كانت اجتهادًا بشريًا في قراءة النصوص، لكنها ترسّبت في الوعي الفردي والجمعي في الحياة الإسلامية، واستحوذت على الفضاء الديني، حتى غدت تفهم كما لو أنها هي الدين نفسه. بذلك تعطلت دلالات كثير من الآيات الحاكية عن الغيب، وتجمدت في قوالب تلك اللغة، وانحسرت منابع التأمل، وخفَت الشعور بمعنى يتجاوز ظاهر اللفظ، وتراجع الوعي بما يشكّل جوهر التجربة الدينية. وانحسر حضور أسماء الله الحسنى، بوصفها ترسم صورة جميلة لله مشبعة بالرحمة والمحبة والجمال واللطف والعفو والمغفرة والسلام، وتغيّب أثرها في بناء الوعي الروحي. وبدلًا من ذلك غلبت على أسمائه، في التصور العام، دلالات التسلط والعقوبة والعذاب، ولم يتجلَ كما تشير إليه أسماؤه في هذه المعاني، وما تمنحه من طمأنينة للقلب وسكينة للروح.

تحوّلت أسماء الله الحسنى من رموز يتجلى من خلالها الحضور الإلهي، وتضيء بها مسالك القلب، وتنفتح بها نوافذ الوعي الروحي، إلى مفاهيم مغلقة تُشرح بمنطق الجدل، وتضيق دلالاتها في حدود المحاججات الكلامية، فخبت إشراقتها، وتراجعت طاقتها الرمزية في إنعاش الروح، وتنوير الضمير، واستنهاض الإيمان الحي. وبدلًا من أن تُفهم هذه الأسماء بوصفها شواهد على الرحمة والجمال والمحبة والسلام، غلب عليها المعنى السلطوي، وانحسرت صورتها في ضمير المؤمن إلى هيئة قاضٍ يعاقب ويعذب، وغابت عن هذه الأسماء صورة الله بوصفه الملاذ الآمن للمحبين، والملجأ الحميم للمنكسرين، والنور الذي تتضمّد به جراحات القلوب. وعلى الرغم الحضور الكثيف لأسماء الله الحسنى وصفاته، وما يتصل بالغيب في آيات الكتاب الكريم، فإن اللغة الدينية المتداولة، المشبعة برؤية المتكلمين للغيب والقوالب المسبوكة فيها هذه الرؤية، تحجب دلالات هذه الأسماء، وتكفّ إشاراتها عن الإيحاء، وتغلق نوافذها الرمزية، فلا تعود تنبض بالمعنى، ولا تُلهم القلب، ولا تسقي التجربة الروحية. ويتراجع بشكل كبير بعدها التأويلي، ويتآكل أفقها في بناء الإيمان، وتفقد قابليتها على وصل الإنسان بربه، والانعتاق من غربته الوجودية.

مادام مضمون لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علم الكلام، فإن تعريف الدين ومفهومه وحدوده ووظيفته في الحياة، وأدوات تفسير القرآن والسُّنة، ودراسة وتدريس علوم الدين، ودراسة التراث وتفسيره، تظل حبيسة رؤية المتكلم، ولا تتسع لاستيعاب الدلالات العميقة في آيات الغيب وتجلياتها على القلب. اللغة التي يُعاد من خلالها إنتاج صورة الله في وعي المسلم وتترسب في لاوعيه لا تستلهم دلالات نور الله في القرآن، لذلك لا تخاطب القلب، ولا توقظ الإحساس، ولا تهتم بالتذوق، بل تكرّر معجمًا كلاميًا موروثًا، جرّد لغة الغيب من طاقتها الإيحائية، وأضعف أثرها في الحياة الباطنية للإنسان. هذا المعجم، الذي تكرسه المؤسسة الدينية، وتسوده مقولات الكلام التقليدي، ولا تخرج عن اطار فهمه المبسط أدبيات الإسلام السياسي، لا يفسح المجال لتأويل يتجاوز ظاهر اللفظ، ولا يسمح بفهم الدين بوصفه تجربة حيّة تستجيب لما يعانيه الإنسان من ظمأ وجودي، وتخفض غربته الميتافيزيقية، وتعيد إليه شيئًا من الطمأنينة، وتنقذه من القلق الوجودي، واضمحلال المعنى.

مقولات انحصار الخلاص بفرقة واحدة، كما صاغها علم الكلام التقليدي، ترسّبت في اللاوعي الفردي والجمعي، وأعادت تشكيل وعي المسلم بالدين، حتى غدت مرجعيةً ضمنية يُحتكم إليها في تفسير النصوص الدينية، وتأويل الغيب، وإنتاج الأحكام. تلك المقولات عطّلت تبلور التصورات التي لا تتناغم مع منطق “الفرقة الناجية”، وأعاقت القراءة الرمزية والتأويل الروحي للآيات التي تتحدث عن الغيب والمصير والنجاة. بفعل هذا الإرث الكلامي، تشكّل وعيٌ ديني يعجز عن الانفتاح على إمكانات التعدد الديني، ويختزل صور الله في صورة أحادية محتكرة، محجوبة في إطار فرقة واحدة، لا ترى في الدين معنى خارج ما تراه هي، ولا تعترف بالخلاص خارج حدودها. لكن حين تُفسر آيات الغيب في سياقها القرآني، وبعيدًا عن إسقاطات مقولات المتكلمين الانحصارية، تتبدى هذه الآيات مصدرًا حيويًا لإنتاج تصورات رحبة عن الله، تتسع لاحتضان تنوع التجارب الدينية، وتبعث رؤية تحرر الخلاص من الانحصار بالفرقة الناجية، وتعيده إلى رؤية رحمانية، تتسع فيها الرحمة لكل شيء، كما تنص على ذلك الآيات القرآنية. لغة الغيب، كما تجلت في القرآن، لا تنتج تصورًا واحدًا لله، بل تنفتح على تصورات متنوعة، تتلون بأفق المتلقي، وبيئه، ومختلف المعطيات السائدة فيها، وتتجلى بقدر ما يتأهل القلب لاستقبالها. كلُّ قراءة تتذوق هذا البُعد الرؤيوي في لغة الغيب، تكتشف أن النص القرآني نداءٌ للرحمة، ودعوة للاعتراف بإنسانية المختلف، وإقرارٌ بتنوع سبل الهداية إلى الله.

انسداد آفاق التعددية الدينية، واحتكار الخلاص بفرقة واحدة، يفضي إلى تعطيل مختلف أنماط التعددية في المجتمع. انسداد آفاق التعددية الدينية يساهم في تجفيف روافد التعددية السياسية، والثقافية، واحتكار المجال العام، ولا يثري التنوع والتعدد في المجتمع، ولا يبنني أرضية لتوالد حق المواطن في أن يكون مختلفًا. حين تتجذر مقولات الفرقة الناجية في وعي الجماعة، ينغلق مفهوم الحقيقة على تصور أحادي، ويجري استبعاد أية رؤية أو تفسير لا ينسجم مع معتقد الجماعة. التعددية في المجال العام لا يمكن أن تنمو في بيئة يتسلّط فيها فكر ديني إقصائي، يحتكر الحقيقة بفهمه، ويختزل النصوص الدينية في تأويل واحد، ويعجز عن الاعتراف بالمساواة الإنسانية مع المختلف في معتقده. احتكار الخلاص يؤسّس نظامًا لإنتاج المعنى يحتكر الحق في رؤية الجماعة وفهمها، ويمنحها احتكار تمثيل الإرادة الإلهية، وتكليفها ضمنيًا بمحاسبة المخالفين ومصادرة حريتهم. إن تفكيك بنية هذا الاحتكار يبدأ من إعادة تأويل آيات الغيب بوصفها نداءً للرحمة، وشهادة على تنوع سبل الهداية، وإقرارًا بتعدد وجوه الإيمان، وتجليات الحضور الإلهي. لذلك فإن تحرير لغة الغيب من أسر مقولات الخلاص الانحصاري، يُعد شرطًا لتوليد وعي جديد، ينفتح على رحابة الحياة، وكرامة الإنسان وحريته، وحقه في أن يكون ذاته، بلا وصاية، ولا قسر، ولا إكراه.

حين تنغلق اللغة الدينية على مقولات الخلاص الكلامية، يغيب البعد الوجودي في لغة الغيب، ويتلاشى الأفق الذي كانت تنفتح من خلاله لغة الغيب الإلهية على إشارات لا تُدرك بالعبارة، بل تتذوقها الروح، ويتدفق بها ضوء البصيرة. وحين يغلق النص على التفسير الحرفي، وتنحبس دلالاته في قوالب المتكلمين، ينحسر إشعاع لغة الغيب، ويتراجع أثرها في القلب، وتتعطل قابليتها على بث الحياة الروحية في أعماق الإنسان. الكلمات الإلهية لا تنكشف للروح وتتجلى للقلب إلا بمقدار ما تنفتح عليها بصيرة القارئ، ويتأهل لتذوق أنوارها القلب، وتتهيأ لتلقي اشراقاتها الروح.

ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر المعجم الكلامي، وتعاد قراءتها بوصفها إشراقات تتكشف فيها الرحمة والمحبة والجمال والسلام، وتستنير بتجربة الإيمان الحي، سيبقى حضور الله باهتًا في وعي الإنسان، ويتحول الدين إلى سلسلة ممنوعات تصادر عليه شيئًا مما تتطلبه طبيعته البشرية من احتياجات، وتعجز عن أن تروي ظمأ قلبه، ولا تضيء ضميره، ولا تنقذه من غربته الوجودية. هناك حاجة ملحّة اليوم تتمثل في استعادة البُعد الرمزي للغة الغيب، وإحياء إشاراتها التي توقظ الشعور بحضور الله، وتبعث على التأمل، وتلهم الروح طمأنينة تستدعي شهود أنوار الله بوصفه الحبيب، والجميل، والرحمن الرحيم، والسلام، والملاذ الذي لا يخذل من لاذ به. الدين الذي لا يداوي جراح قلب الإنسان، وقلقه المرير، ولا يروي عطش المعنى، ولا يمنح الإنسان بصيص أمل في الغربة الموحشة للوجوده، يظل غريبًا عن مقاصد الوحي، وبعيدًا عن أهداف رسالة الأنبياء.

 

https://alsabaah.iq/117510-.html