Category: فلسفة أخلاقية

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

 د. عبد الجبار الرفاعي

كان لمطالعاتي المتواصلةِ للكتاباتِ العقلانية النقدية أثرٌ ملموسٌ في إيقاظِ ذهني، وتحرّرِه من الأوهام المتضخمة. لن أنسى أثرَ أعمال علي الوردي وغيرِه من ذوي التفكير النقدي الحرّ في إيقاظِ ذهني، واستردادِ عقلي الذي استلبته أوهامٌ بضعةَ سنوات، لبثَ فيها تأسره مفاهيمُ لا صلةَ لها بحياتي ومعاشي، ولا علاقةَ لها بمشكلاتِ الناس وآلامِهم.كنت عاجزًا عن استبصار العوامل المختلفة المعقدة المكونة للواقع، أحسبُ الواقعَ المركب بسيطًا، أفهمُ ظواهرَ اجتماعية معقدة تنتجها سلسلةُ عوامل عميقة ظاهرة ومضمرة فهمًا ساذجًا، لا أعرف شيئًا عن التفسير العلمي للظواهر السائدة في المجتمع. كنتُ أعتقد أن الناسَ يتغيرون بالمواعظ فقط، أتقنتُ صناعةَ الكلام، من دون أن أعرف شيئًا من أسرارِ الطبيعة الإنسانية الدفينة. لم أكن أعرفُ أن إصلاحَ ظروفِ عيش الناس، وإعادةَ بناء وعيهم وثقافتهم، هو الذي يتكفل بتغييرهم.

حذّر الوردي ممن يريد أن يغيّر الناسَ بالكلام، من دون أن يعرف الطبيعةَ البشرية، ويدرس الظواهرَ الاجتماعية دراسةً علمية، تتعرّف على أسبابها ومكوناتها وآثارها، ويبحث في كيفية الخلاص منها. البشرُ لا يتغيرون بالكلام، وأن ما هو عميقٌ في الطبيعة البشرية لا يمكن استئصالُه؛ ذلك ما دعا الوردي للشكوى ممن يعمل بذلك بقوله: “ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الأفلاطونيين، الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عما يتخيلون من مُثل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل… إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة، ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة… لقد جرى مفكرونا اليوم على أسلوب أسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم بثقافة حديثة أو قديمة،كلهم تقريبًا يحاولون أن يغيّروا طبيعة الإنسان بالكلام. وكثيرًا ما نراهم بمواعظهم يطالبون الناس أن يغيروا من نفوسهم أشياء لا يمكن تغييرها، فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدى هذا بالناس إلى أن يعتادوا سماع المواعظ، من غير أن يعيروا لها أذنًا صاغية”[1].

الوردي يعلن انحيازَه للتطور، لذلك يتكرّر في كلِّ كتاباته التشديدُ على أن كلَّ شيء في العالم يتغير ويتطور، الإنسانُ كائن تفرض عليه بيئتُه ومحيطُه وظروفُه المعيشية نوعَ ثقافته وقيمَه وشكلَ تدينه، بناء على أن كلَّ عصر يمتلك معاييرَه الخاصة للمعرفة والقيم والجمال والزمن وغيرها.

حدث تحولٌ في رؤيةِ الوردي للعالَم ومنظورِه للقيم وفهمِه للحياة ووعيه للواقع عندما انخرط في الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وذلك ما قاده للقول بنسبيةِ الأخلاق، واختلاِفها باختلاف الثقافات والمجتمعات والعصور، كما يصرّح بقوله: “الأخلاق نسبية كما لا يخفى. فما يعدو في نظرهم بريئًا قد يعتبر عندنا فسقًا وفجورًا. وربما تنقلب الأحوال عندنا في المستقبل، فيصبح مقياسنا في شؤون الأخلاق مخالفًا لمقياسنا الحاضر. ولستُ أنكر أني قد ذُهِلْتُ حينما رأيتُ في جامعات الغرب ذلك الاختلاط العجيب بين الجنسين لأول مرة، واعتبرته من قبيل الإباحية والفسق، حيث كنت آنذاك لا أزال تحت تأثير التفكير الوعظي الذي نشأتُ فيه في بيئتي الشرقية المتزمتة”[2]. أبدى الوردي دهشتَه من الاختلاط لأحد أساتذته، فأجابه الأستاذ بقوله: “إننا إذا منعنا طلابنا وطالباتنا عن الاختلاط المكشوف لجؤوا إلى الاختلاط المستور بعيدًا عنا، في جو ملؤه الريبة والإغراء. إننا إذ نعترف بما في الطبيعة البشرية من قوى، ونهييء لها ما ينفّس عنها في جو من البراءة والطمأنينة، نكون بذلك قد وقينا الإنسان من مزالق الشطط ومغريات الخفاء”[3].

الأخلاق ليست كلها نسبية كما يرى الوردي، ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات يحكم بهما العقلُ العملي “الأخلاقي”. “الحُسن والقُبح” الذاتيان، مثل حُسن الصدق والعدل والأمانة، وقُبح الكذب والظلم والخيانة، حكم الحُسن أبدي لما هو حسن بالذات، وهكذا القُبح أبدي لما هو قبيح بالذات، لكن معرفة حدوده في الواقع وتطبيقاته، وما يصدق عليه في الحياة، ينكشف بالتدريج. اكتشافُ مصاديق ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات نسبيٌ، بمعنى أن الإنسانَ لا يدرك كلَّ المصاديق، إلا بعد نضجِ عقله، وتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته عبر التاريخ، وادراكه للحريات والحقوق المستحقة للإنسان بما هو إنسان. الحقيقة الأخلاقية تتكشف بالتدريج للإنسان بمختلف أبعادها وحدودها ومصاديقها، في ضوء اكتشافه لذاته، والعالَم من حوله، وتطور علومه ومعارفه المتنوعة، وتراكم خبراته وتجاربه وتنوعها.كلما اكتشف الإنسان ذاته والعالَم من حوله، تكشفت له حدود الأخلاق، واتضح ما هو نسبي متغير وأبدي ثابت فيها.

الحُسن والقُبح غيرُ الذاتيين، وأعني بهما كلَّ مالم يحكم العقلُ العملي بأنه حسنٌ وقبيحٌ بالذات. ما كان حُسنهما وقُبحهما لسبب ما خارجَ ذات الفعل، سببٌ يتحقّقُ في مجتمع وثقافة وزمان ما، في مثل هذه الحالة الحُسن والقُبح نسبيان، يزولان بزوال سببهما. ذلك ما نراه في مختلف العادات والتقاليد والأعراف والثقافات المحلية المتنوعة بتنوع المجتمعات، والمتغيرة بتغيّر ظروف الإنسان وأحواله.

الحُسن والقُبح الذاتيان النسبيُ فيهما هو التعرّف على المصاديق. معرفةٌ المصاديق تتأثر بدرجةِ التطور الحضاري وتكاملِ الوعي البشري بذات الإنسان والعالم، كما تتأثر بمختلف أنماط عيش الناس، والظروفِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في حياتهم. يدرك الإنسانُ حُسنَ العدلِ بذاته في كل زمان ومكان.

العدلُ قيمةٌ أخلاقية وحقوقية تطور اكتشافُ مصاديقه بتطور وعي الإنسان بالكرامة والحرية والمساواة، لم يولد هذا الوعي مكتملًا مع أول إنسان عاش في الأرض. تفشَّت العبوديةُ ولم يصدر تشريعٌ بتحريم الرقِ، مع كل ما يتضمنه الرقُّ من هتك لكرامة الإنسان، إلا قبل أقل من قرنين. الكرامةُ والحرية والمساواة مفاهيمُ تطور اكتشافُ مصاديقها وتحقّقُها بالتدريج تبعًا لتطور الوعي البشري فيها، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

الكرامةُ والحريةُ والمساواةُ كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعيُ بمصاديقها دفعةً واحدة، بل تطلَّبَ وصولُ البشرية إلى وعيها بمعانيها المعروفة، والتعرّف على حدودها وتطبيقاتها عبورَ عدة محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا مضمخًا بالدماء. تطلبَ ذلك طيُّ مراحل وعرة تطورت فيها عبر آلاف السنين،كي يتحقّق الوعي بحدودها وتتحقّق بشكل واسع في المجتمعات البشرية.كتاباتُ المفكرين والكتاب، وجهودُ المصلحين، وتضحياتُ الأحرار في العالَم؛كان أثرُها ملموسًا في تكامل الوعي بهذه القيم وتحقّقها بالتدريج في الحياة.

لم يُنظر لاسترقاق البشر على أنه ظلمٌ وانتهاك للكرمة البشرية إلى القرن التاسع عشر. أضحى اليوم يُنظر إليه بوصفه ظلمًا قبيحًا، وانتهاكًا سافرًا للكرامة البشرية.كان فلاسفةٌ مثل أفلاطون وأرسطو وغيرُهما من الفلاسفة لا يقبلون أن يكون كلُّ الناس بمرتبة واحدة في استحقاق الحقوق، رفضوا أن يكون الكلُّ في المرتبة ذاتها في نيل الحق بالكرامة والحرية والمساواة. يرى أرسطو أن العبيدَ طبيعتُهم البشرية العبودية، والأحرارُ طبيعتُهم البشرية الحرية، اليوناني والأوروبي حرٌّ لأن لديه روح، والآسيوي عبدٌ لأنه لا روح له. جعل أفلاطون في “الجمهورية” البشر طبقاتٍ ليست متكافئةً في المكانة والحقوق والوظيفة، إلى الحدّ الذي وصف فيه كارل بوبر أفلاطونَ، في كتابه: “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، بأنه المنظّر للتوتاليتارية والملهم للشمولية. في العصر الحديث يرى ديفيد هيوم (1711 – 1776) الزنوج وكل إنسان غير أبيض أدنى بطبيعته البشرية من الإنسان الأبيض. هذا الرأي لهيوم، على الرغم من كل ما أنجزته آثار هذا الفيلسوف العقلانية. هذه نماذج فقط من مواقف فلاسفة معروفين، وشرعنتهم للاستعباد وعدم المساواة، وعدم رفضها أخلاقيًّا. وليست غريبة هذه المواقف على معاصريهم أو مَن سبقوهم أو ظهروا في عصور تالية، قبل القرن التاسع عشر.

 

[1] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، ص 5 – 6.

[2] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، لندن، دار كوفان، ص 9، ط 2، 1995، الهامش رقم (1).

[3] المصدر السابق، ص 9.

 

https://alsabaah.iq/84721-.html?fbclid=IwAR2P1aA55lEFaLr3a2UJHZJ18L3djw4m2ETzqcykSfIjMjwubkjwzfOBnSQ

الفردانية المطلقة وسوء فهم مفهوم الفرد

في حديثا عن العبودية بأقنعتها الحديثة، أشرنا في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تشكّل مفهومِ الفرد وتكريسِه، بغيةَ استردادِ كرامته المهدورة، وفضح وسائل عبوديته الجديدة، وتفكيك البنى المتجذرة للتسلط والاستبداد. اقترن حديثُنا بخطورة تفشّي الفردانية المطلقة كحالة مضادّة لما نعنيه بمفهومِ الفرد، وكيف أن الفردانيةَ المطلقة تفضي إلى اللامسؤولية، وأخيرًا تنتهي إلى تَبَرُّمٍ ومَلَل وسأم مُنهِك، وشعورٍ مرضي بلا جدوى كلِّ شيءٍ وعبثيته.

مفهومُ الفرد غير مفهوم الفردانية المطلقة التي يتحلّلُ فيها الفردُ من أية مسؤولية أخلاقية نحو مجتمعه، ويعيش متوحِّدًا لا صلةَ له بغيره. الفردانيةُ المطلقة ضدّ طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا عاطفيًا، صلاتُه الأصيلة بغيره تحقّق وجودَه وتثريه، وتمنح حياتَه معنى. الإنسانُ يشقى عندما يعيش منكفئًا على ذاته، لا يتصل بأحد، ولا يتصل به أحدٌ من الناس، لا يُشعرُه أحدٌ بمحبتِه الصادقة وعطفه، واعترافِه بأفعاله ومواقفه ومنجزاته. ويكشف التهافتُ على وسائل التواصل، وكثافةُ النشرِ في تطبيقاتها، حاجةَ الإنسانِ الشديدةَ للغير.

الفردانيةُ المطلقة ليست قيمةً إنسانية، لأنها تنتهي إلى مواقفَ أنانية لا مسؤولة حيالَ قضايا الإنسان الأخلاقية العادلة. الفردانيةُ المطلقة تضيعُ معها القيمُ السامية للمحبة والتراحم والعطاء والإحسان والإيثار والوفاء والتكافل والتضامن، وهي قيمٌ تتفسخُ العلاقاتُ الاجتماعية بفقدانها، وتضمحلّ كلُّ المعاني الجميلة المُلهمة في الحياة باختفائها. باختفائها يختفي تقديرُ الإنسان لذاته، عندما لا يجدُ مَنْ يقدّره أو يعترفُ به أو يعطف عليه، ويتبدّد كلُّ معنىً يمكن أن يمنحه بناءُ مفهوم الفرد للإنسان.

إن تهديمَ الصلات الإنسانية، وعدمَ الشعور بأية مسؤولية حيال القضايا الأخلاقية العادلة ينتهي إلى عزلةٍ وتشرّد، لا يرى فيها الإنسانُ إلا ذاتَه الكئيبة، وهي تتخبّط في تيهٍ لا ترى فيه أيَّ معنىً لوجودها. الفردانيةُ المطلقة تعني أن ينفي الإنسانُ نفسَه بإرادته عن‏ مجتمعه وعالَمه الخاص. الفردانيةُ المطلقة تنتهي إلى أنانية مطلقة، الفردانيةُ المطلقة تُنتِج اغترابًا اجتماعيًا، الاغترابُ الاجتماعي يُنتِج اغترابًا وجوديًا، في الاغتراب الوجودي يفتقد الإنسانُ الشعورَ بالأمان.

شيوعُ الدعوة للفردانية المطلقة لدى بعض المثقفين جعلهم يتشبثون بأقوالٍ لفلاسفة ومفكرين ‏وأدباء غربيين، صارت تجري مجرى الأمثال والمسلّمات النهائية في ثقافتنا، ‏بلا تدقيقٍ ‏وغربلةٍ وتمحيص، ومنها قولُ ‏جان بول سارتر “الآخرون هم الجحيم”، الذي تفشّت شعاراتُه وكتاباتُه كموضةٍ ثقافية في بلادنا منتصف القرن الماضي، بنحوٍ أضحى معبودًا عند بعض الأدباء والفنانين، ربما لأننا أمةٌ شاعرة، تتلذّذُ بالفكرة التي تتخذُ من الشعار لافتةً، ينامُ خلفَها العقلُ ويخرسُ اللسان. لم يحضر هيدغر الفيلسوف الرؤيوي العميق كحضورِ ‏مقولات وشعارات سارتر الأديب الفيلسوف. أخطأ سارتر عندما نظر إلى بُعدٍ واحد في العلاقات الإنسانية، ‏نظرَ سارتر إلى بُعد الشرِّ الأخلاقي الذي يصدر عن الإنسان ‏الآخر، لم ينظر إلى بُعد الخير، ولم يتنبّه إلى أنه‏كما يصدر الشرُّ عن الإنسان يصدرُ الخيرُ أيضًا.

الإنسانُ لا يطيق العيشَ من دون الآخر، الآخرُ يمكن أن يكونَ نعيمًا أحيانًا، مثلما يمكن أن يكونَ جحيمًا أحيانًا أخرى. ‏الآخرُ النعيمُ يعبّرُ عن حضوره بشفقة وعطف ومحبة وحنان وتراحم وعطاء الآباء والأمهات والأبناء والازواج والعائلة، وتضامن الأصدقاء الصادقين في علاقاتهم الإنسانية. ‏من دون الآخر لا يتحقّق تقديرُ الذات والاعترافُ والمحبة والرحمة والشفقة والعطف والتراحم والتضامن، ‏ولا نتلمس حضورًا للقيم السامية في الحياة بمعناها الأخلاقي الجميل.

لا شيءَ نهائي ومطلق بالنسبة للإنسان، مادامت الطبيعةُ الإنسانيةُ ملتقى الأضداد فإن تحقيقَ التوازن صعبٌ جدًا بين العقل والروح والقلب، وبين مصالح وحريات وحقوق الفرد ومصالح وحريات وحقوق غيره. تطغى الفرديةُ، إن لم تنضبط بمعايير أخلاقية، ولم يرسم لها القانونُ حدودًا تتحقّق فيها عدالةٌ اجتماعية، تُضمَن فيها حقوقُ الفرد في إطار حقوق الكلّ. غالبًا ما يُنتِج تكريسُ مفهومِ الفرد وتجذيرُه فردانيةً مطلقة، لا يكترث الفردُ معها بما يفرضه الضميرُ الأخلاقي عليه نحو الإنسان الآخر، عندما لا تضبط الفرديةَ القوانينُ العادلة. وذلك ما نراه في دول غربية ترى حقوقَها، من دون أن ترى حقوقًا لناس آخرين يعيشون على الأرض خارجَ حدودها، على الرغم من أن الكلَّ شركاءُ في كلِّ الحقوق الإنسانية. وهذا مثالٌ لما تنطوي عليه طبيعيةُ الإنسان من أضداد تفرض مواقفَ متضادّة.

بناءُ مفهوم الفرد يقعُ بين حدّين متضادين، حدٌّ يضيعُ فيه الفردُ، إن تمادى في فردانية مطلقة، يتحلّلُ فيها من أية مسؤولية أخلاقية حيالَ الإنسان الآخر. وحدٌّ يضيعُ فيه الفردُ إن تم تذويبُ ذاته في غيره، والقضاءُ على شخصيته خارج إطار ما تراه العائلةُ والجماعةُ والسلطة، فيضيع تقديرُه لذاته وحرياتُه وحقوقُه الشخصية.

لا يتكرس الانتماء الإنساني بوصفه مشتركًا بشريًا من دون قبول الاختلاف والتنوع بين الناس. لا معنى لمجتمع تعدّدي من دون بناءٍ لمعنى الفرد، الحقُّ في الاختلاف هو الفضاءُ الطبيعي لتشكّل وتطور مفهوم الفرد،كلُّ مجتمعٍ يتأسّس على معتقدات وثقافة وتقاليد تتنكر للاختلافات بين البشر، يُجهَض فيه أيُّ مسعى لبناء مفهوم الفرد قبل أن يولد. لا يمكن تشكّل مفهوم المواطن من دون تشكّل مفهوم الفرد.

الاختلافُ قانونٌ كوني مشتركٌ بين كلِّ البشر. الإنسانُ ليس صخرة أو شيئًا ماديًا أو آلة ميكانيكية، الإنسانُ ليس حيوانًا أو نباتًا أو كائنًا حيًّا، الإنسانُ إنسانٌ لا غير، إنه كائنٌ مختلفٌ عن كلِّ ما خلقَ اللهُ في العالَم. البشرُ مختلفون في كثيرٍ من تكوينهم النفسي والتربوي والثقافي والاعتقادي والجسدي، إلى الحدّ الذي نرى فيه كلَّ إنسان نسخةً فريدة ذاتَ بصمة خاصة لن تتكرّر أبدًا في العالَم، منذ أول إنسان إلى اليوم، وإذا لبث الناسُ على تكوينهم الوراثي المعروف، ولم تتلاعب في هذا التكوين هندسةُ الجينات، يلبث كلُّ إنسان غيرَ قابل للتطابق مع غيره مهما كانت قرابةُ الدم بينهما، ولن تجد شخصًا يشبه غيرة بكلِّ شيء حتى آخر شخص في هذا العالَم.

كلُّ تعدّديةٍ دينية وثقافية وسياسية لابدّ أن تبدأ بتشكيل مفهوم الفرد، وتعمل على تجذيره تربويًا ونفسيًا وأخلاقيًا وثقافيًا. بناءُ ثقافةٍ تقوم على الحقّ في الاختلاف هي الأساسُ الذي يولد في فضائه ويتشكّل مفهومُ الفرد.

لا معنى لمجتمع تعدّدي متنوع من دون بناء مفهوم راسخ للفرد، ولا معنى لمفهوم الفرد من دون تبجيل كرامة الفرد وتكريسها بوصفها قيمةً إنسانية مرجعيةً عليا تعلو على كلّ قيمة. يضمحلُ معنى الفرد في كلِّ مجتمع تسودُ حياتَه رؤيةٌ واحدةٌ للعالَم، ومعتقدٌ واحد، وفهمٌ واحد للحياة، ونمطٌ واحد للتفكير، وسلوكٌ واحد. مثلُ هذا المجتمع كأن الكلَّ فيه مرايا تعكس صورةً واحدة، ينطمسُ فيها كلُّ اختلاف وتنوّع. وينتهي ذلك إلى حجب المواهب وضمورها، وانسدادِ منابع إلهام العطاء الخلّاق والابتكار والابداع، الذي لا يترسخ إلا بالتفكير المختلف، تفكيرٌ لا يكررُ الايقاعَ المشترك للكلِّ، ولا يكون صدىً لصوتٍ واحد.

الحق في الخطأ ضرورة تربوية

قال أحدُ تلامذتي انه اندهش مما جاء في مقدمة طبعة بغداد لكتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، وبخاصة هذا المقطع: “يعترف المؤلفُ بأن كلَّ نصٍّ يكتبُه لا يراه نهائيًا، يكتبُه كمسوّدة، وبعد تحريرٍ وتنقيحٍ ومراجعاتٍ متعدّدة يبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسوّدة لطبعةٍ لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتُه مسوّداتٍ غير مكتملة،كلُّ طبعة جديدة مسوّدةٌ لطبعة لاحقة، وكأنه يحلم بالكمال الذي يعرفُ أنه لن يدركَه في كلِّ ما يكتبُه”. أثار دهشته كما قال: عدم قراءته لمثل ذلك في كتابات اعتاد يقرأها.

سألني: ألا يحرجك ذلك أمام القراء، هل تريد حثّ الآخرين على الاعتراف بأخطائهم وهفواتهم في الكتابة؟

قلت له:

الإنسانُ كائنٌ يصيب ويخطيء، الخطأ طريقُ التطور والتكامل.كلُّ مَنْ يفكر يخطئ، مَنْ لا يفكر لا يخطئ. لا يتحررُ الإنسانُ من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه، وادراكه له، وارادته وقدرته واصراره على عبوره. مَنْ يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلكُ القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير، الخوفُ من التغيير خوفٌ من التطور.

تبدأ التربية بترسيخ الشعور لدى الطفل بحقه في الخطأ، مَنْ لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، المجتمعُ الذي لا يتربى فيه الأفرادُ على الاعتراف بالخطأ منذ الطفولة، يشيعُ فيه الكذبُ والرياءُ والازدواجيةُ والنفاقُ السلوكي.

‌‏  المنطقُ العلمي يفرضُ علينا أن نعترف بأخطائنا، ونعمل باستمرار على كشفها،كي نستطيعَ تقويمها ‏ومعالجتها. ‏لو كان السياسي يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ لما انهارت بعضُ الدول ولما ضاعت بعضُ الأوطان، لو كان المثقفُ يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ لما طغت النرجسيةُ والعجرفةُ والتملقُ في كتاباتِ مَنْ يزعمون أنهم مثقفون، لو كان الزوجُ والزوجةُ والأبناءُ والأرحام يمتلكون شجاعةَ الاعتراف بالخطأ لما انهارت عوائلُ كثيرة، وتمزقت علاقاُت رحمٍ قريبة، لو كان المعلمون والتلامذةُ يمتلكون شجاعةَ الاعتراف بالخطأ لما تقوّضت العملية التربوية في أوطاننا، لو كان الناس يمتلكون شجاعة الاعتراف بالخطأ لما شهدت كثير من العلاقات الاجتماعية أزومات حادة، ولتراجع الكذب والنفاق والنميمة في علاقاتاتهم، ولعاش كثيرٌ من الناس بسلام.‏ ‏

من أخطاء التربية منعُ الأبناء من الوقوع في الخطأ، وإشعارُهم وهم بهذا العمر أن الخطأ عاهة، وتخويفُهم من آثاره الوخيمة عليهم وتعنيفهم أحيانًا. التخويفُ والتعنيفُ يتراكمُ ويترسب بالتدريج في اللاشعور، فيكبّل تفكيرَهم، ويجعلهم مذعورين متردّدين في الإعلان عن أيّ سؤالٍ أو رأي. تربيةُ الطفلِ على أن لكلِّ إنسانٍ الحقَ بالخطأ ضرورةٌ تفرضها حمايةُ شخصيتِه من الانشطار إلى شخصيتين: باطنة لا تشبه الظاهرة، وظاهرة لا تشبه الباطنة.

تنشدُ العمليةُ التربوية إيقاظَ عقل التلميذ، وتحريرَ وعيه من الأغلال المبكرة، وتحفيزَه على ابتكارِ الأسئلة، وطرحِها من دون وجلٍ مهما كانت، وتنميةَ قدرته على التفكير بكلِّ شيء. من الخطأ تربية الطفل على الخوف من الخطأ، ومن أسوأ الأخطاء توبيخُه وعقابُه على خطأه.                                                                                                                 تدجينُ الطفلِ على تحصيلِ اليقين السريع بلا حوار ونقد، يقيّدُ عقلَه ويغلقُ تفكيرَه، ويُضعِف قدرةَ ذهنه على توليد الأسئلة الخلّاقة، ويجعله مولعًا بمحاكاة غيره واستنساخه.كلُّ محاكاةٍ تكرار، وكلُّ تفكيرٍ خلّاق اختلاف.

الطفلُ مكتشفٌ يقظ للعالَم، يتطلع لاكتشافِ كلِّ شيء، ينمو ويتسع وعيُه بنموِّ واتساعِ آفاق اكتشافاته. عندما يكتشفُ الطفلُ الخطأَ يكون قادرًا بالتدريج على اكتشاف ذاته وما يتصل بحياته. تبدأ اكتشافاتِه برصد أخطائه الصغيرة، وتتطور خبرتُه بالتدريج لرصد الأخطاء الكبيرة.

الإنسانُ يتعلمُ بفعله وممارساته، ولا يتعلمُ عندما ينوب عنه غيرُه بالفعل والممارسة. المعلّمُ الناجح يوقظ عقلَ التلميذ، ويُرسِّخ إرادته وثقته بنفسه، كي يتصرف كما هو، ويربيه على الحذر من ممارسة التمويه والخداع وإخفاء شخصيته بأقنعةٍ زائفة.

مهمةُ المعلّم توسيعُ آفاق التفكير العقلاني للتلميذ وتنميتُه،‏ وتدريبه على الحوار والنقد،كي يكتشفَ التلميذُ الأخطاءَ بنفسه، ‏ويهتدي إلى الصواب، ‏لا أن يقتاده المعلّمُ كأعمى، ‏لأن ذلك ينتهي إلى سباتِ عقله، ‌‏وعجزِه عن التفكير ‏النقدي، وتعطيلِ ملكة الإبداع لديه. المعلّمُ الناجح هو من يكتشف نوعَ موهبة تلميذه، ويحفّز الطاقاتِ العقليةَ والنفسيةَ والعاطفية المختبئةَ داخله، ويمكّنه من بنائها وتنميتها واستثمارها. ‏

يصعب غالبًا أن يتحرّرَ التفكيرُ من الخطأ من دون وقوع الإنسان فيه، وادراكه لنوع خطأه وكيفية وقوعه فيه، وشجاعته في الاعتراف به، وارادته الحازمة بعبوره. نرجسيةُ الإنسان وغروره توهمه بالكمال، وتمنعه من ادراك خطأه، بل ربما تدعوه للتنكّر له مهما كان مفضوحًا.

لم تكفل القيم التقليدية السائدة في مجتمعنا حقَّ الكائن البشري في الخطأ. نرى بعضَ الناس يتعامل مع الخطأ الذي يرتكبه شخصٌ ما وكأنه فضيحة، وربما يتعرض مَنْ يقع في الخطأ أحيانًا للسخرية والتهكّم والازدراء، وربما تتحول بعض الأخطاء إلى اسم بديل يلصق بالإنسان،كما هو متعارف في المناطق الشعبية، لذلك يرتبك أكثرُ الناس في مجتمعنا ويغمره الخجلُ والشعورُ بالعجز والخوف لو اعترف بخطئه.

قلّما تتفهم التربيةُ في العائلة والمجتمع الحقَّ في الخطأ وتتقبله. ولا تتضمن التربيةُ والتعليمُ في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا بمختلف مراحلها وأنواعها ما يغذي ثقة التلامذة بالنفس وغرس وتنمية شجاعتهم على الاعتراف بالخطأ بوصفه حقًا لهم.

حريةُ ارتكاب الخطأ ضرورةٌ تربوية، كلُّ فلسفةٍ تربوية وتعليمية لا تعتمد حقَّ الوقوع في الخطأ كأحد ركائزها تولد ميتة. لا تنجز التربيةُ وعودَها إلا بمنح التلميذ الحريةَ في ارتكاب الخطأ. تربيةُ الناشئة على التخويف من الخطأ خطيئة، إنها أسوأُ أشكال تنميط الشخصية الذي يميت منابعَ الإبداع، ويصيّر الكائنَ البشري كأنه ممثلٌ على مسرح، تختفي ملامحُه الشخصة، ويظل مسكونًا باستعارة ملامح غيره.

‏ أتحدثُ عن حقِّ الوقوع في الخطأ بوصفه مفردةً في عملية تربوية شاملة، مبنية على فلسفة للتربية تعتمد المكاسب الجديدة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما ‏في مجتمعنا فليست هناك فلسفة علمية حديثة للتربية، ‏هناك عادات وتقاليد وأعراف راسخة تعتمد التلقين والتكرار الممل، وهي على الضد من فلسفة التربية. ‏في مجتمعنا مؤسسات عريقة وعميقة، تمتلك سلطات متنوعة على عقول الناس وأرواحهم وضمائرهم وحياتهم، يهمها أن يلبثَ العقلُ نائمًا، يقظة العقل وصحوة الضمير تهدد سلطاتها وتقوّض مصالحها. في مثل هذا المجتمع لا يمكن أنتزاع مفردة “الحق في الخطأ” من فلسفة التربية الحديثة، وتوريط الطفل المسكين فيها، لأنها تكون كما لو قطعت يد فتاة حسناء، وعرضتها للناس ‏وحدها، فيرى الناظر منظر العضو المبتور من الجسد بشعًا.

التربيةُ لدينا تعتمدُ التلقينَ والتكرار المقرف. التلقينُ المستمر يصنعُ قوالبَ ذهنية مغلقة راسخة، ويشلُ العقلَ ويعطِّلُ التفكيرَ، ويطفئ الروحَ، ويميتُ الايمانَ الحر. بالتلقين والتكرار تتحول الأوهامُ إلى حقائق راسخة في المتخيل. الحقيقةُ ما يحسبها الذهن حقيقية، وما تبدو له حقيقية، وإن لم تكن كذلك في الواقع. معظمُ الصراعات والحروب والمجازر البشرية سببتها أوهامٌ خلقها المتخيل.

الحقُّ في الخطأ من ركائز الحق في الاختلاف، الحقُ في الاختلاف ركيزةٌ أساسيةٌ تقوم عليها التعدّديةُ وقبولُ التنوّع في المجتمع، وترسيخُ التفكير الحرّ. عندما نسلبُ هذا الحقَّ من الإنسان يتحول المجتمعُ إلى كائناتٍ متماثلةٍ متطابقةٍ، تفتقرُ إلى ملامحها الشخصية المتنوّعة والمختلفة، وتختفي صورةُ الفرد في مثل هذا المجتمع، ويصير الناسُ كأنهم روبوتاتٌ متشابهة، وهذا ما تتأسّس عليه وتفعله وترسخه كلُّ الأنظمة الشمولية المستبدّة.

لا معنى لمجتمعٍ تعدّدي متنوّع من دون بناءِ مفهومٍ راسخٍ للفرد، ولا معنى لمفهومِ الفردِ من دون ترسيخِ مفهومِ الحق في الاختلاف، ولا معنى لمفهومِ الاختلاف من دون حقِّ الفرد في الخطأ.

بؤس الذائقة الاستهلاكية وتشوهها

مثلما تُعلِنُ العنصريةُ عن حضورها عبر النسب والقبيلة والقومية والمعتقد والجغرافيا والثقافة وغير ذلك، يُعلِنُ الاستهلاكُ المبتذل عن عنصريته عبر الغرابة والشذوذ فيما يستعمله ويتناوله الإنسان. الذي يتناولُ اللحمَ المطلي بالذهب يُعلِنُ أنه الاستثناء في استعلائه على الناس في الأرض، لا يستحقُ هذه المكانةَ غيرُه هو وحده المؤهل للتويج بها. أثار قرفي واشمئزازي خبرٌ نشرته قناةُ العربية يوم 12 ديسمبر 2021 على صفحتها في الانستغرام يتحدث عن: (فندق في فيتنام يقدّم لزواره فرصة شراء قطعة لحم “توماهوك” مغطاة بالذهب، مقابل 1319 دولارًا للقطعة).

لفرط دهشتي بعثتُ الخبر إلى ولدي محمد باقر المقيم في استراليا، فبادر هو وأرسل رابطًا لصفحة أحد الطباخين المشهورين على الانستغرام في أحد الدول، يعلن هذا الطباخُ عن أسعار وجباته من اللحوم فيكتب: أن مطعمه يبيع قطعة اللحم المطلية بالذهب، بوزن 680 غراما، بسعر يصل إلى 2000 دولار أمريكي”.

تذوقُ الإنسانِ للطعام يختلفُ عن تذوق الحيوان للطعام. تذوقُ الإنسانِ حالة تلذّذ أعمق من أن تنحصر بالحواس، إنها أبعدُ مدىً مما هو مادي لأنها تعبّر عن المشاعر والأحاسيس الإنسانية والرؤية الجمالية للعالَم أيضًا. الاستعلاءُ والتباهي والغطرسة والتبختر في الاستهلاك ضربٌ من خيانة الضمير والمرض الذوقي والأخلاقي الذي يهدرُ إنسانيةَ الإنسان، ويبذّرُ حقوقَ الفقراء والجياع في الأرض، بافتعال احتياجات مفارقة لاحتياجات الإنسان الأساسية والثانوية، ويبدّدُ الثرواتِ والمواردَ الطبيعية المشتركة لتأمين احتياجات كلِّ البشر بسفاهة وحمق.

بطرُ الذائقة في الاستهلاك وانحباسُها فيما هو مادي حالةُ تشوّه مرضية سامّة، تفتكُ بأخلاقية الإنسان، وتميتُ غيرتَه وشفقتَه ورحمتَه بأخيه الإنسان. يُنحَر الإنسانُ داخلَ الإنسانِ حين يُختَزل ويُنظر إليه وإلى كلِّ شيء يتصل بوجوده وعقله وروحه ومشاعره كشيءٍ من الأشياء. هذه واحدةٌ من خطايا رأسمالية السوق المتوحشة، وتعاملها مع كلِّ شيء حتى الإنسان،كبضاعةٍ تجارية ومنتَجٍ استهلاكي يباع ويشترى.

احتياجاتُ الإنسان: للمعنى، للإيمان، للمحبة، للجمال، لسكينة الروح، لطمأنينة القلب، لتقدير الذات، للاعتراف، للعطاء، للتضامن الإنساني، لا ترويها الأشياءُ المادية مهما غرق الإنسانُ في استهلاكها، ومهما كانت قيمتُها السوقية. مَنْ يعجز عن تأمين الاحتياجات الروحية والأخلاقية والإنسانية يعيش خواءً روحيًا وقلقًا وجوديًا يسلبُ سكينتَه الباطنية، ويحجب عنه معاني السعادة.

كثيرٌ من الناس في المجتمعات الغارقة في الاستهلاك، سواء كانت غربيةً أو شرقية، يكابدون الاضطراباتِ النفسية والقلقَ وفقدانَ السكينة والأرقَ والمللَ والضجرَ والاكتئاب. يعيشُ أكثرُ هؤلاء الناس بلا شعورٍ بالأمن والسلام في داخلهم، وإن كان معظمُهم يحاول التنكّرَ لتعاسته ويتظاهر بالسعادة. التظاهرُ بالسعادة تشجّع عليه كتاباتٌ ساذجة تتكتّم على بواعث مواجع الإنسان العميقة، وتلهيه عن البحث عن اكتشاف عللها الكامنة في داخله والسعي لإشباع احتياجاته الطبيعية،كما إن إعلانَ السعادة صار وسيلةً مخادِعة تتيح للإنسان الحضورَ الاجتماعي والتأثيرَ في الناس الذي ينشده.

في المجتمع الاستهلاكي يصير كلُّ شيء سلعةً، حتى الإنسان يُنظر إليه كأنه سلعة، ويجري تقديرُ قيمة كلّ شيء بمعيار الربح والخسارة بالمعنى الاقتصادي، وتقدّر قيمتُه بمقدارِ ما يسهم فيه من إنتاجٍ مادي، وبنوعِ ما يتسوقه ويستهلكه. تحديدُ قيمة الإنسان بنوعِ ما يتسوقه ويستهلكه أحدث تحولاتٍ في منظومة القيم، وخلق مفاهيمَ زائفة للسعادة والرضا وتقدير الذات والاعتراف، ولكلِّ ما يصنع للإنسان حضورًا ومكانة وتأثيرًا في المجتمع.

في المجتمع الاستهلاكي تزدهر حالةُ التباهي، ويتسيّد التبجّحُ والزهو بما يقتنيه الإنسانُ من أشياء مادية، ينظر الناسُ في هذا المجتمع للتسوق والاستهلاك بوصفه وسيلةً للتفوق على الآخرين، يجري استثمارُها في تنمية الرصيد الاجتماعي للفرد، خاصةً وسط الطبقة المُترَفة الغارقة في الأضواء، المتهافتة على إظهار استعلائها على غيرها بشتى الأساليب المبتذلة.    تُسرِف هذه الطبقةُ في شراء السيارات الفخمة، وماركات الملابس باهظة الثمن، والألماس والمجوهرات النادرة، والساعات الفاحشة السعر، وغيرها من المقتنيات التي تقاس قيمتُها بارتفاع ثمنها، وليس بإشباعها المباشر لحاجة حقيقية، بل تستعمل لغرض الظفر بإلفات نظر الغير وطلب المزيد من الإعجاب والاهتمام، لذلك كلّما غلا ثمنُها تضاعف شغفُ المترفين وتهافتهم عليها، بغضّ النظر عن قيمتها الاستعمالية، وما يمكن أن تؤديه من إشباع حاجة أساسية أو ثانوية.

تمادى نمطُ الاستهلاك التفاخري فشغف هؤلاء بأرقام السيارات، وأرقام الهواتف، وأشياء أخرى غريبة، صارت سلعًا تُعرَض في مزادات خاصة. وأضحت وسائلُ التواصل أداةً لتعويض الافتقار للمشاعر الإنسانية الصادقة، وابتُذلت العواطف وتنمّطت وتجمدت، حتى ابتلي الناسُ بالإدمان على الحضور الدائم في وسائل التواصل، واشتدّ التلهفُ والتسابقُ على الفوز بعدد أكبر من المتابعين والمعجبين،كتعويضٍ عن فقدان المشاعر الصادقة الدافئة الحميمة.

في المجتمع الاستهلاكي تُفتعَل احتياجاتٌ هامشيةٌ وحتى عبثية، ويختلّ سُلّمُ الاحتياجات، فيمسي ما هو ضروريٌّ هامشيًا وما هو هامشيٌّ ضروريًا. تُنسى الاحتياجاتُ العميقة، وتحتجب حاجةُ الإنسان للمعنى وللقيم السامية، ويتدجّن الإنسانُ ويُدمِن على النمط الاستهلاكي المادي المُنطفِئة فيه جذوةُ الحياة الأصيلة، فيموت الإنسانُ داخلَ الإنسان. هذا ما يقوله فلاسفةٌ وعلماءُ نفس واجتماع وقفوا على معاناة الإنسان في هذا العصر، وأدركوا مكابدات اغترابه الوجودي، وكيف صار كأنه آلةٌ ميكانيكية.

في هذا المجتمع يكبتُ الإنسانُ احتياجاتِه العميقة، ويفتعل احتياجات يتطلبها حضورُه في المجتمع الذي ينتمي إليه. يتحول الإنسانُ إلى ممثلٍ يستعير شخصيةً غريبة عن طبيعته، وبالتدريج يطمس احتياجاتِه الإنسانية، ويدمن على التلبّس بهذه الشخصية المستعارَة. في المجتمع الغارق في التباهي المتغطرس بالاستهلاك يصبحُ الإنسانُ السوي غريبًا بل كأنه شاذٌ. يصفُ إريك فروم هذا المجتمعَ بقوله: “الناس الأسوياء يبدون مرضى، ومن هم عكسهم يبدون أسوياء، وهذه ليست طرفة. إن الإنسانَ المريض يشعر أن هناك أشياء فيه لم يتم كبتها، فتدخل صراعًا مع ما هو سائد من أنماط ثقافية، لذلك يشعر بالألم. الشعورُ بالألم إشارةٌ الى أن هناك خطأ ما. هو محظوظ لأنه تألم، ذلك يؤشر إلى أن هناك خطأ في مساره. عندما لا يتألم الإنسانُ يعني أنه تأقلم، لدرجة أنه تخلّى عن كلِّ معنى يمتلكه، أصبح منسلخا أشبهَ بالآلات والروبوتات، ولم يعد يشعر بأيِّ صراع. وهذا يعني أن حُبَّه ومشاعرَه مكبوتةٌ إلى حدٍّ كبير، أو ضامرةٌ بنحوٍ يكشف عن صورةٍ لانفصام الشخصية المعتدل المزمن. إن ما يهدف إليه مجتمعُنا هو زيادةُ الإنتاج بغيةَ تأمين متطلبات زيادة الاستهلاك، أي الاقتصاد وتنميته والتكنولوجيا، هذا هو الهدفُ الذي نعيش من أجله، ولا يعيش الإنسانُ من أجل الإنسان. ما ينفع الناسَ لا يحظى باهتمامٍ كبير، ولا حتى ما يؤذي الناس يحظى باهتمام”.

التعاطي مع الإنسان كشيء في المجتمع الاستهلاكي جعل البعضَ يوصي بإحراق جثته بعد الموت. رفاتُ الميت صار ضحيةَ المجتمع الاستهلاكي، بوصف الميّت شيئًا لا قيمةَ له في نظر بعضهم، لذلك ينبغي أن تتخلصَ الأرضُ ومَنْ عليها من رفاته، أو يبادر ذووه أحيانًا فيحرقونه، بغيةَ تحويل رماده إلى ألماس أو جواهر نادرة، كي يكتسب هذا الرمادُ قيمةَ الألماس والجواهر المادية. بعد أن خسر الإنسانُ حياتَه صار لا قيمةَ له كما تفرض ذلك معاييرُ السوق. الإنسانُ بوصفه منتَجًا استهلاكيًا لا قيمةَ له خارج جسده المادي، لذلك تعيره الجواهرُ قيمتَها السوقية بعد أن خسر قيمتَه كسلعة بعد موته. لا أعني بذلك أديانًا تمارس حرقَ جثة الميت بوصفه طقسًا دينيًا، وتعتقد بأن حرقَ الميت يعمل على تسامي روحه وخلاصها من وحشة عالم المادة وأدرانها،كي تعود الروحُ إلى أصلها متحرّرةً من ظلمات المادة. النار في اعتقاد هذه الديانات مطهرة كما يطهر الماء في ديانات أخرى.

في ثقافة الاستهلاك كلُّ شيء سلعة، كلُّ شيء معروضٌ للبيع والشراء والتسوق والاستهلاك والربح التجاري والعرض والطلب. الإنسانُ بعد موته يستعمل كسلعة، مادام كلُّ شيء في الحياة سلعةً استهلاكية، لذلك يمكن للورثة التصرّفُ برفاته كيفما يشاؤون، ومعاملتُه كشيء مادي، واستخدامُه على الضدّ من تميّز وفرادة الكينونة الوجودية له، المتعالية على كلِّ مخلوق في الأرض.

مكانةُ الإنسانِ لا يُحدِّدُها نوعُ ما يتسوقه من أشياء مادية ولا نمط ما يستهلكه. الإنسانُ هذا الكائنُ اللغز المدهش المستودَع لأسرار الخلق، هو الوحيد الذي تجلّت فيه أجملُ صورةٍ لله في العالَم. الإنسانُ جوهرُ الخلق، وأجلى مظهر ارتسمت فيه أكملُ صورةٍ لله، لا يمكن أن يضاهيه الألماسُ أو يساويه أيُّ شيء من الجواهر في العالَم، مهما كانت قيمتُها المادية. الإنسانُ محترمٌ مكرّمٌ في حياته محترمٌ مكرّمٌ بعد موته أيضًا، الموتُ ليس فناءً، الموتُ في مفهوم الدين طورٌ جديد لوجود الإنسان، لذلك ينبغي تكريمُ الإنسان بعد موته كما ينبغي تكريمُه في حياته.

عندما ينحطّ الإنسانُ يرى ذاتَه شيئًا ماديًا، وهو لا يدري أنه مهما كانت القيمةُ المادية لهذا الشيء فإنها لا يمكن أن تضاهي المكانةَ الوجودية ‏للإنسان فضلًا عن أن تماثلها. لن يدركَ الحقيقةَ الوجودية للإنسان إلا ذوو البصائر، ولن يتذوقَ صورةَ هذه الحقيقة بوصفها تجليًا للوجود الإلهي إلا مَنْ يعيش تجربةً روحية تشرق بنور إلهي. من هنا لابد من “إعادة تعريف الإنسان” وذلك هو موضوع مقالتنا القادمة.

نمط الحياة الامتلاكي ونمط الحياة الوجودي

يميز إريكُ فروم بين نمطين متضادّين لحياة الإنسان هما: “نمط الحياة الامتلاكي، ونمط الحياة الوجودي” ينفي كلُّ واحد منهما الآخر، وتتحدّد كيفيةُ عيش الإنسان ورؤيتُه للعالَم وشبكةُ علاقاته بما حوله على أساسهما.

نمطُ الحياة الوجودي هو أن يمتلك الإنسانُ الأشياءَ لا تمتلكه، ويشبع فيها احتياجاته المتنوعة بالحدود المتوازنة المعتدلة، ويتركز سعيُه في الحياة على عدم خسرانه لذاته، وعلى امتلاء وجوده وتكريسه، عبر بناء صلة لوجوده بالوجود الحقّ المستغني عن كلِّ شيء سواه. يصف إيكهارت النمطَ الوجودي كما ينقل إريك فروم: (الوجود هو طريقة “طبخ” لـ “الولادة الذاتية للذات”، أي ذاك الذي “يتدفق في ذاته وعلى ذاته”).

نمطُ الحياة الامتلاكي كيفيةٌ يختفي فيها وجودُ الإنسان الحقيقي كإنسان، ولا يُعلِن عن حضوره في الحياة إلا كشيء يستهلك الأشياءَ المادية ويتهافت عليها. تمتلكُ الإنسانَ في هذا الحضور الأشياءُ لا يمتلكها، ويقع أسيرًا لها تتحكم باحتياجاته وكلِّ شيء في حياته. في هذا النمط تفتقر حياةُ الإنسان لوجودها الحقيقي، بعد أن يستنزفها امتلاكُ الأشياء، وينهكها الإفراطُ في استهلاكها.

من أسوأ ما رأيتُ مقطعَ فيديو يصوِّر لقاءَ أصدقاء في أحدِ مجتمعات التخمة العربية، وهم يشربون نوعًا خاصًا من الشاي، يُعلِنون فيه للمشاهد أن ثمنَ الكيس الواحد منه، الذي يعمل ابريقًا واحدًا للشاي لا يكفي إلا لبضعة أشخاص، أكثر من 3700 دولار. الغريب أنهم كانوا يتبجحون في الإعلان عن ذلك بوقاحة وصفاقة تُشعِر المشاهد كأنهم يحتفلون بوليمة بهيجة. وليمةٌ ماتَ فيها الإنسانُ داخلَ الإنسان وانطفأ لديه الضميرُ الأخلاقي. لحظةَ شاهدتُهم، وهم يتفاخرون بهذا السلوك المنحط، تَقَزّزتُ من هذا المحفل المُرِيع للإفلاس الأخلاقي. بعضُ الذين يمارسون هذا السلوك الذي ينكأ جراحَ الجياع ويرقص على مواجعهم ممَنْ يصلون الجمعة، وكأنهم لا يعلمون أن التديّنَ الأخلاقي لا يحضرُ إلا حيثما تحضرُ الغيرةُ على الإنسان ويتحسّس المتديّنُ عذابات الناس.

الإنسان الأخلاقي هو مَنْ يتحسّسُ عذاباتِ الناس ويُشفِق عليهم ويسعى بحدود إمكاناته لتخفيف آلامهم. الجوعُ من أقسى ألوان العذاب، الجوعُ يفتكُ بعدد كبير من المجتمعات والأفراد، وتُضافُ للجياع كلّ يوم أعدادٌ مريعة، خاصة بعد جائحة كورونا. “وبحسب تقرير منظمة الفاو، يستمر الجوعُ في العالم العربي بالارتفاع، مع زيادة بنسبة 91.1 في المائة منذ عام 2000 … وفي عام 2020، كان 20.5 في المائة من الأطفال دون سن الخامسة في المنطقة يعانون من التقزّم، و7.8 في المائة يعانون من الهزال”. ويشير تقرير منظمة الفاو الصادر في أكتوبر 2019 إلى: “أن الآثار المجتمِعة للأزمة الغذائية والاقتصادية قد دفعت بأعداد الجوعى في جميع أنحاء العالم إلى حدودٍ قياسية عُليا أرست سابقةً تاريخية، بعدما تجاوز عدد الجياع رقم المليار”.

في نمط الحياة الامتلاكي يظلّ الكائنُ البشري يلهث وهو يسعى وراء ما هو ثمين ماديًا كي يمتلكه ويستهلكه، من دون أن يصلَ إلى حالة يمتلكُ فيها شيئًا يشعرُ معه أنه حقّق ذاتَه واستغنى واكتفى، وارتوى عطشُه للحياة الروحية وللمعنى الأخلاقي والجمالي، مهما كان الشيءُ المادي الذي يمتلكه ثمينًا ونادرًا وغريبًا. يغرقُ هذا الكائنُ كلَّ يوم في الاستحواذ على الأشياء وتكديسها، بلا أن يعثرَ على شيءٍ يرتوي به نهمُهُ، بل إن أفراطَه في الاستهلاك ما هو خارج احتياجاته الضرورية، يشعرُه أنه يهرول وراءَ سراب، ويغرقُه في الملل والسأم والضجر وانعدام المعنى، وكلّما تهافت على الامتلاك اختفى حضورُه الفاعل في بناء صورةٍ أجمل للعالَم، وفشل في أن يكون سعيدًا بعد خسرانه لوجوده الحقيقي كإنسان.

نمطُ الحياة الوجودي قليلٌ اليوم بعد طغيان واجتياح النمط الامتلاكي لكلِّ شيء في حياة الإنسان، وكما يقول إريك فروم: “بما أننا نعيش في مجتمع موجه نحو الامتلاك والربح، فإننا لا نرى إلا نادرًا وجود نمط الحياة الوجودية، وترى غالبية الناس أسلوب التملك أسلوبًا طبيعيًا في الحياة، بل أسلوبًا وحيدًا للوجود. وهذا هو السبب الذي يجعل نمط الحياة الوجودية صعب الفهم من طرف، وكون كلا المفهومين متجذران في التجربة الإنسانية، ولا يمكن دراسة أحدهما بطريقة مجردة مفهومة بمعزل عن الآخر. إنهما ينعكسان في الحياة اليومية، ولهذا السبب يكون في الإمكان دراستهما بالفعل”. نمطُ الحياة الوجودي قليلٌ وليس نادرًا، وإلا فبماذا نفسِّر دوافع العطاء وأعمال الخير في الأرض، البعيدة عن الدعاية والإعلان والإعلام والأغراض غير الإنسانية. ففي الأرض مَنْ يتبرع اليوم بثروة تقدر بالمليارات للأعمال الخيرية، يتبرع من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا وكفى، بلا أن ينظر لمعتقده أو لونه أو جنسه أو ثقافته أو بلده. يهدي ثروتَه البالغة عشرات المليارات لدعم النظام الصحي والتربوي والتعليمي في بلدان فقيرة، وغير ذلك من عطاء يجعل عيشَ الناس أسهل وحياتَهم أجمل. هؤلاء الأشخاص يسعدهم العطاءُ، تسعدهم سعادةُ الإنسان، وتلك هي أسمى المعاني الروحية والأخلاقية التي تتكشّف في نمط الحياة الوجودي، ولولا ذلك لا نجد مثل هذه المبادرات الإنسانية الأخلاقية.

نمطُ الحياة الامتلاكي تغرقُ فيه مجتمعاتُ التخمة المترفة. معظمُ الحاجات في هذه المجتمعات ليست أساسية، تفتعلُها أساليبُ تسويقٍ مراوغة تبرع في غواية الإنسان وغرسِ وتنميةِ شعورٍ كاذبٍ لديه بضرورة الأشياء المعروضة للتسوق بأسعار فاحشة، على الرغم من أنها لا تشبع حاجة حقيقية، بقدر ما تكون أداةً للإشهار وإعلان التميز والتفوق.

لا يتمكّنُ الإنسانُ من الخلاصِ من كثيرٍ من الألمِ إلا بالاستغناءِ عمَّا ليس ضروريًا في الامتلاك، والكفِّ عن الإفراطِ بالاستهلاك. من أهم بواعث طغيان التباهي والغطرسة في الاستهلاك الجهلُ بطبيعة الإنسان. إعادةُ تعريف الإنسان في ضوء معطيات الفلسفة وعلم النفس والعلوم الحديثة، الذي تحدثنا عنه، يُمهِّد لانبثاق حياةٍ روحية وأخلاقية يقظة، ويحمي الإنسانَ من خسران ذاته وإهدار كرامته، والاعتداء على حقوق غيره وحرياته.

نمطُ الحياة الامتلاكي ينتهي إلى ما اصطلحنا عليه بـ “الاغتراب الميتافيزيقي” الذي هو ضربٌ من الاغتراب الوجودي يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي. إنه ضياعُ كينونة الإنسان وتشرّدُها عن أصلها الوجودي. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده الفقير المحدود إلى اتصالٍ بوجودٍ غنيّ بذاته، وعندما لا تتحقّق له مثلُ هذه الصلة الوجودية الحيوية يسقطُ في اغترابٍ وجودي. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفىً عن أصلها الذي هو الوجود الحقّ.

الدينُ الذي يمنحُ حياةَ الإنسان معناها الوجودي هو الدينُ الذي يتجلّى في حياة الفرد والمجتمع بتديّن عقلاني روحاني أخلاقي، تُعلِن الغيرةُ على الله حضورَها فيه بالغيرةِ على الإنسان.

هذا النمط من التديّنِ قليلُ الحضور في الحياة، إلا انه التديّنُ الوحيد الذي يُحدِث أثرًا بالغًا بإثراءِ الحياةِ بالقيمِ وبتكريسِ حالة الاعتدال والتوازن في بناء الشخصية وترشيدِ سلوكها، وخفضِ الآثار المريرة للقلق الوجودي والألم والملل والضجر في حياة الإنسان. وإن كان لا يمكن للإنسان أن يتخلّص نهائيًا من الألمِ الذي يعبثُ بحياته، على الرغم من كلِّ الجهود العظيمة للأديانِ والثقافاتِ والفنون وقيمِها السامية في خلقِ طريقة عيشٍ أمثل للإنسان.

الإنسانُ اليوم في عطشٍ لصوتِ الله في الضمير، وإشراقاتِ أنواره في القلب، وتجلياتِ جماله في الوجود. الإنسانُ اليومَ في عطشٍ للحياة الروحية وللمعنى الأخلاقي والجمالي في حياته، لأنه يعيش في عالَم يشحُّ ‏فيه هذا المعنى. الحاجةُ للدين أساسيةٌ لدى الإنسان، أحيانًا الحاجة للدين تختفي بالتنكّر لها، حتى الإلحاد يستبطنُ موقفًا متنكّرًا للحاجة للدين، وإلا لو لم يشعر الملحدُ بذلك لأهمل الإيماَن والإلحاد، ولم يتخذ موقفا إنكاريًا. يقول شارل بودلير: “لو فُقِد الدين من هذا العالم، لَوُجِد في قلب مُلحد”.

الدينُ ليس بديلًا عن الطب والعلاج النفسي. الدينُ ليس بديلًا عن العلم واكتشافاته واختراعاته، الدينُ ليس بديلًا عن العقل وتفكيره الخلّاق، الدينُ ليس بديلًا عن الفلسفة وأسئلتها العميقة وأجوبتها التي تتوالد منها على الدوام أسئلةٌ جديدة، الدينُ ليس بديلًا عن الإبداع الأدبي والفني.كلُّ هذه الأشياء خارج حدود الدين، وإن كان الدينُ يتأثر ويؤثر فيها، كلُّ منها بحسبها وعلى وفق كيفيةِ فهم الدين وطريقةِ قراءة وتفسير نصوصه.

لا يعرف الحاجةَ للدين إلا من يعرف شيئًا من تعقيد الطبيعة الإنسانية وتضادّها الداخلي العميق. أقرأ وأسمعُ كلماتٍ ومواقفَ إنكارية لكلِّ شيء ينتمي للدين، ممن يتكلمون ويكتبون في كلِّ شيء بلا تخصّص في علوم الدين والفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. هذه المواقفُ والكلماتُ لا تصدر عن تفكيرٍ متأمِّل عميق، بل يتكشّفُ فيها في الغالب تفكيرٌ تبسيطي متعجِّل، وتعكس تجاربَ شخصية قاسية عاشها هؤلاء في مجتمعات دينية مغلقة في بعض محطات حياتهم. أتحدث عن أولئك الذين يكتبون ويتكلمون عن كلِّ شيء من دون معرفةٍ دقيقة بشيء، أولئك الذين يُنكرون الدينَ بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة، بلا تفكير هادئ صبور، وبلا أيّ دليل.

ملاحظة: هذا المقال هو الحلقة الثانية عن نمط الحياة الامتلاكي والاستهلاك العبثي، الحلقة الأولى نشرت الشهر الماضي ديسمبر 2021، بعنوان: بؤس الذائقة الاستهلاكية وتشوهها.

 

داعية السلام في زمن العنف

زرتُ جودت سعيد في دمشق قبل ربع قرن تقريبًا، ففوجئت بفلّاح تلقائي مباشر في تعامله مع كلِّ الناس مهما تكن مقاماتُهم، يخلو كلُّ شيء في حياته من البروتوكولات المتعارفة عند الزعماء السياسيين والوجهاء.كان كلُّ شيء في شخصيته عفويًا يشبه أبي الفلّاح، إلا قبعته وملابسه التي لا تشبه لباسَ الفلّاحين في جنوب العراق. لأول مرة التقي بعالِم دينٍ يتعامل بوصفه فلّاحًا، قبل أن يظهر للناس بأيّة صفة أو عنوان آخر، حتى بناء منزله يشبه بيتَ فلّاح نقله بكلِّ ما فيه من قريته إلى المدينة.كان يمضي بعضَ الوقت في المدينة حين ينتهي موسمُ الزراعة. يعيشُ في بيتٍ يقع في منطقة شعبية فقيرة بدمشق، أزقتُها ضيقة تربض على منحدر جبل قاسيون، لا تصل السيارةُ إليها إلا بعد أن تمرّ بضريح ابن عربي، وبعد عدة أمتار يتطلب الوصولُ إلى بيته المشيَ في أزقة متشعبة. المفاجئة الجميلة كانت اكتشافَ ضريح الشيخ الأكبر وأنا في طريقي لزيارة الشيخ جودت، من دون دراية بموضعه الدقيق بدمشق من قبل. اقترنتْ زيارةُ الشيخين محيي الدين بن عربي وجودت فكانتا من أبهج ما أحظى به كلَّ مرة حين أكونُ في الشام.

ولد جودت سعيد في قرية بئر عجم التابعة للقنيطرة بسوريا عام 1931 وتوفي في إسطنبول يوم السبت 29-1-2022. تخرج في الأزهر بالقاهرة، إذ أرسله والدُه بعمر 15 سنة، ليكمل دراستَه الثانوية والجامعية فيه.كان يقضي أغلبَ أيامه بمزرعته في بئر عجم، منشغلًا بالزراعة وتربية النحل.

أمضى جودت سعيد حياتَه يعيش على فلاحة الأرض، الفلاحةُ مهنةٌ تتيح للإنسان معانقةَ الطبيعة، والإصغاءَ لصوت الحياة الذي تنشده النباتاتُ والحيوانات والحشرات وكلّ الكائنات.كلُّ يوم يسقي المزرعةَ بالماء، والماء ليس منبعًا لحياة النبات خاصة، بل لـ ” كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ”. في مهنة الفلاحة تنبعث حياةُ الإنسان وتتجدّد حيويتُه كلَّ يوم. الفلّاح صديقُ الأرض، صديقُ الأرض قلبُه أبيضٌ كملح الأرض، شخصيتُه مضيئةٌ كالشمس، عذبٌة كالماء. الحياةُ شغفُه، مولعٌ بإنتاج ما يقوّم الحياة، متيمٌ بصوت الطبيعة. عاشقٌ للبناء، وذلك ما يجعلُ الفلّاحَ أقلَّ البشر عنفًا وأحرصَهم على العيش بسلام. تقول عائلةُ جودت انه كان يبتهج بالماء والنبات والطبيعة أكثر من أيّ شيء آخر، وأظن أن نزوعَ جودت للاعنف عزّزه الحضورُ اليومي في المزرعة، والمثابرةُ على الإصغاء لصوت الطبيعة. المعروفُ عنه أنه كان يؤمن بالأساليب الحديثة في الزراعة وتربية النحل، يُقال في أحد السنوات الباردة أهلك النحلَ الصقيعُ في خلاياه في بئر عجم، ولم يُهلك الصقيعُ نحلَ جودت. ظن الناسُ أن اللهَ يختصُّه بعناية غيبية، لكن علموا لاحقًا أنه كان يتبع أساليبَ علمية تحمي النحلَ من برد الشتاء.

يقول أبناءُ جودت سعيد أنه كان لا يفارق القرآنَ الكريم، ومن عاداته كتابةُ آيات القرآن على الورق، ويعلّل ذلك بقوله: كلّ نص نفهمُه أكثر حين نعيد كتابتَه بأيدينا. عندما يسأله أحدٌ ماذا نقرأ؟ يجيب: اقرأوا القرآنَ وافهموه جيدًا. اقرؤا القرآن مرةً من حيث هو عمل الله، ومرة أخرى من حيث هو عمل الإنسان. هناك فعلٌ إلهي يتحدّث عنه القرآن، وفعلٌ بشري يتحدّث عنه القرآن. يجتمع بعائلته مساءً كلّ يوم بعد الصلاة، وينشغل معهم بإعراب آيات القرآن. الإعرابُ كما يرى جودت أداةٌ للفهم والتدبّر والتأمل في المعاني. خطبُه وأحاديثُه ومواقفُه وكتاباتُه يوظّف فيها آياتِ القرآن، ويدلّل دائمًا على ما ينشده بآياته. وهكذا كان ينتقي عنواناتِ مؤلفاته من القرآن، كما يقول: “أختار عناوين لكتبي أجزاء من آيات قرآنية”، مثل: حتى يغيروا ما بأنفسهم، إقرأ وربك الأكرم، لا إكراه في الدين.

بعد ظهور بوادر تورط الجماعات الدينية بالعنف أدرك الشيخُ جودت سعيد مبكرًا ‏أن القتلَ وسفكَ الدماء أحدُ أعمق عوامل المأزق التاريخي ‏الذي يعيشه المسلمون، فبادر لتأليف كتابه “مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العمل الإسلامي” صدر الكتاب سنة 1966، وكان هذا الكتابُ خطابًا صريحًا ودعوةً مباشرة للذين يتبنون العنفَ منهجًا في الدعوة إلى الله من الجماعات الدينية. على الرغم من أن صفحاتِ هذا الكتاب محدودةٌ إلا أنه كان بيانًا استثنائيًا للسلام والمناداة باللاعنف يخترقُ دعواتِ العنف في أدبيات الجماعات المتشدّدة. يذهبُ الشيخُ جودت الى أن المقصدَ المحوري للقرآن هو السلام لا الحرب، وينطلق من الآية الكريمة: “لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ”[1]، فيقرؤها قراءةً إنسانية أخلاقية، يؤسّس عليها دعوتَه للاعنف. يكتب جودت: “إن مرض العنف ليس مرض الشباب فقط، وإن كانوا أجرأ على حمله. إن العالَم كله مريض بتلك الجرثومة، اليمين منه واليسار على السواء، وحتى الزوايا المطوية من سرائر الصوفية تجد فيها الجينات التي تحمل هذه المورثات الثقافية. إن الموضوع يحتاج إلى انقلاب شامل في سلوك البشر، فنحن لا نزال في تهمة الملائكة لبني آدم في الفساد في الأرض وسفك الدماء، “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”[2]. إننا نحمل جرثومة ابن آدم الفاشل الذي لم يُتقبّل قربانه، والذي كان اسلوبه في علاج المشكلة أن قال لأخيه: “لِأَقْتُلَنكَ”[3])[4].

كثيرًا ما يستدلّ جودت بالآية: “وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا”[5]. ويعني بذلك الجهادَ الأكبر الذي يبدأ ببناءِ النفس وتغييرِها، وتحصيلِ العلم والمعرفة، وهي عناصر القوة والتمكّن والغلبة اليوم، وليس الحروب التي لا تتوالد منها إلا الحروب. الكفرُ ليس سببًا للجهاد، الكافرُ لا يجوز قتالُه بوصفه مختلفًا في المعتقَد. الموقفُ من المختلِف في المعتقَد هو البرُّ والقسط،كما نصّت على ذلك الآية: “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”[6]. يدعو جودت إلى أن يتأسّس التعاملُ مع المختلِف في المعتقَد بوصفه إنسانًا قبل كلّ تصنيفٍ ديني وهوياتي، ويحذِّر الجماعاتِ الدينية من الخلط بين مفهومِ الجهاد الذي قام به الرسول “ص” واختلاطِ هذا المفهوم بخروج الخوارج بعنوان الجهاد، ويخاطب هذه الجماعاتِ بقوله: “المشكلة التي ضاعت مفاتيحها وإدراك سُننها وشروطها الدقيقة في خضم الفتن المتتالية، هي تحليل مفهوم الجهاد الذي قام به الرسول (ص)، واختلاط هذا الجهاد بجهاد الخوارج”[7].

رحل جودت إلى الملكوت الأعلى، وكان الواقعُ الذي فرضته الجماعاتُ الدينية المتشدّدة على المسلمين أضيقَ من أن يتسع لاستيعاب دعوة اللاعنف التي كرّس لها جهودَه. على امتداد عمره الذي تخطّى 90 سنة كان ينادي بنبذ العنف، ويؤكد على أن العنفَ لا ينتج إلا العنفَ المضاد. يشاهد جودت سعيد أغلبيةً تتطلع لدعوته وغيرِه للسلام في السرّ وتتمنى أن تسود، غير أن هذه الأغلبية تظلّ صامتةً لخوفها من إعلان موقفها بعد أن أفزعتها وأسكتتها شعاراتُ الجماعات العنيفة الصاخبة، ودعواتُ مناهضةِ غير المسلم وإعلانِ القطيعة معه، انطلاقًا من مقولات علم الكلام القديم، وما انبثق في سياقها من أحكام وفتاوى مماثلة في المدونة الفقهية.

كان جودت سعيد رائيًا راعه ظلامُ نهايات النفق الذي تسوق المسلمين إليه الجماعاتُ الدينية المتشدّدة قبل أن يراه غيرُه. للأسف لم تكترث بدعوته تلك الجماعاتُ العنيفة، التي تتحمّس وتزهو بصوت مَنْ يجيدون ترتيلَ آياتِ القرآن على ضجيج الدماء.كأن هناك تواطئًا غيرَ معلنٍ بين السلطة وأهل الثروة وهذه الجماعات على تجاهل دعوات السلام في كتابات جودت سعيد وأمثاله.

بالغ جودتُ سعيد في دعوته للاعنف، إلى الحد الذي ابتكر معادلةً تجعل ايمانَ المرء يتلوثُ بالوثنية بمقدار حنينه للعنف، إذ يقول: “ينقص من عقله بقدر ما يمارس من عنف، ويتلوث أيمانه بالوثنية والشرك بقدر ما يبقى في قلبه من حنين للعنف”.كلُّ إنسان أخلاقي يطمحُ أن يسودَ اللاعنفُ الحياة، إلا أن هذه الأمنية الجميلة لن تتحقّق مالم تتبدل طبيعةُ الإنسان.

العنفُ ليس طارئًا، العنفُ من الثوابت الأبدية في الطبيعة الإنسانية،كما يقول: علمُ النفس، وعلمُ الأعصاب المعرفي، وعلمُ الاجتماع والأنثربولوجيا، والعلومُ الإنسانية الحديثة. دعوةُ اللاعنف غيرُ واقعية في عالَم لا يتكلم إلا لغة العنف، عالَم بدأ العنفُ فيه بإبن آدم الأول ومايزال العنفُ مقيمًا حتى اليوم.

في الاسبوع القادم نناقشُ الحلمَ الجميل لجودت سعيد ودعوته إلى أن يسودَ اللاعنفُ حياةَ الإنسان في الأرض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المائدة، 28.

[2] البقرة، 30.

[3] المائدة، 27.

[4] سعيد، جودت، مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العمل الإسلامي، ص 236، ط5، 1993، دار الفكر المعاصر، دمشق.

[5] الفرقان 52.

[6] الممتحنة، 8.

[7] سعيد، جودت، مصدر سابق، ص 233.

الفردانية المطلقة تهرب من المسؤولية الأخلاقية

كلُّ تعدّديةٍ دينية وثقافية وسياسية لابدّ أن تبدأ بتشكيل مفهوم الفرد، وتعمل على تجذيره تربويًّا ونفسيًّا وأخلاقيًّا وثقافيًّا. بناءُ ثقافةٍ تقوم على الحقّ في الاختلاف هي الأساسُ الذي يولد في فضائه ويتشكّل مفهومُ الفرد. لا معنى لمجتمع تعدّدي متنوع من دون بناء مفهوم راسخ للفرد، ولا معنى لمفهوم الفرد من دون تبجيل الكرامة الإنسانية وتكريسها بوصفها قيمةً مرجعيةً عليا تعلو على كلّ قيمة.

 يضمحلُ معنى الفرد في كلِّ مجتمع تسودُ حياتَه رؤيةٌ واحدةٌ للعالَم، ومعتقدٌ واحد، وفهمٌ واحد للحياة، ونمطٌ واحد للتفكير، وسلوكٌ واحد. مثلُ هذا المجتمع كأن الكلَّ فيه مرايا تعكس صورةً واحدة، ينطمسُ فيها كلُّ اختلاف وتنوّع. وينتهي ذلك إلى حجب المواهب وضمورها، وانسدادِ منابع إلهام العطاء الخلّاق والابتكار والإبداع، الذي لا يترسخ إلا بالتفكير المختلف. تفكيرٌ لا يكررُ الإيقاعَ المشترك للكلِّ، ولا يكون صدىً لصوتٍ واحد.

  أعني بمفهوم الفرد المفهومَ الذي يقابل إلغاءَ الفرد ومحوَه بشكلٍ مطلق، وتجريدَ الإنسان من سماتِه الذاتية الخاصة، وملامحِه الشخصية، وفرادتِه كإنسان، كما نراه ماثلًا في مجتمعاتٍ يسودها التسلطُ والاستبدادُ في العائلة ومؤسّسات المجتمع والدولة، والقضاءُ على أيِّ نمطٍ لوجود الذات بوصفها ذاتًا متفرّدة، والتعاملُ مع الإنسان بوصفه جزءًا من ماكنة كبيرة هي الجماعة، وكأنه في قطيع يسوقه راعٍ كما يسوق أغنامَه.

مفهومُ الفرد غير مفهوم الفردانية المطلقة التي يتحلّلُ فيها الفردُ من أية مسؤولية أخلاقية نحو مجتمعه، ويعيش متوحِّدًا لا صلةَ له بغيره. الفردانية المطلقة حالة مضادّة لما نعنيه بمفهومِ الفرد، الفردانيةُ المطلقة تفضي إلى اللامسؤولية، وأخيرًا تنتهي إلى تَبَرُّمٍ ومَلَل وسأم مُنهِك، وشعورٍ مرضي بلاجدوى كلِّ شيءٍ وعبثيته.

الفردانيةُ المطلقة ضدّ طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا عاطفيًّا، صلاتُه الأصيلة بغيره تحقّق وجودَه وتثريه، وتمنح حياتَه معنى. الإنسانُ يشقى عندما يعيش منكفئًا على ذاته، لا يتصل بأحد، ولا يتصل به أحدٌ من الناس، لا يُشعرُه أحدٌ بمحبتِه الصادقة وعطفه، واعترافِه بأفعاله ومواقفه ومنجزاته. ويكشف التهافتُ على وسائل التواصل، وكثافةُ النشرِ في تطبيقاتها، حاجةَ الإنسانِ الشديدةَ للغير.

الفردانيةُ المطلقة ليست قيمةً إنسانية، لأنها تنتهي إلى مواقفَ أنانية لا مسؤولة حيالَ قضايا الإنسان الأخلاقية العادلة. الفردانيةُ المطلقة تضيعُ معها القيمُ السامية للمحبة والتراحم والعطاء والإحسان والإيثار والوفاء والتكافل والتضامن، وهي قيمٌ تتفسخُ العلاقاتُ الاجتماعية بفقدانها، وتضمحلّ كلُّ المعاني الجميلة المُلهمة في الحياة باختفائها. باختفائها يختفي تقديرُ الإنسان لذاته، عندما لا يجدُ مَنْ يقدّره أو يعترفُ به أو يعطف عليه، ويتبدّد كلُّ معنىً يمكن أن يمنحه بناءُ مفهوم الفرد للإنسان.

  إن تهديمَ الصلات الإنسانية، وعدمَ الشعور بأية مسؤولية حيال القضايا الأخلاقية العادلة ينتهي إلى عزلةٍ وتشرّد، لا يرى فيها الإنسانُ إلا ذاتَه الكئيبة، وهي تتخبّط في تيهٍ لا ترى فيه أيَّ معنىً لوجودها. الفردانيةُ المطلقة تعني أن ينفي الإنسانُ نفسَه بإرادته عن‏ مجتمعه وعالَمه الخاص. الفردانيةُ المطلقة تنتهي إلى أنانية مطلقة، الفردانيةُ المطلقة تُنتِج اغترابًا اجتماعيًا، الاغترابُ الاجتماعي يُنتِج اغترابًا وجوديًا، في الاغتراب الوجودي يفتقد الإنسانُ الشعورَ بالأمان عندما يفتقرُ لما يمنحه معنى لحياته.

  بعضُ الناسِ يتهرب من أية مسؤولية أخلاقية، يترقب تضحيةَ الكلّ من أجله، من دون مكافأة أحدٍ حتى بكلمة شكر. التهربُ من المسؤولية تجاه الغير ضربٌ من خيانة الضمير الأخلاقي. تحمّلُ المسؤولية ضربٌ من التضحية،كلُّ تضحيةٍ تمنحُ الإنسانَ معنى جديدًا لحياته لا يتذوقه خارجَها. التضحيةُ بكلِّ مستوياتها وأنواعها وتعبيراتها تُسعِد مَنْ يضحّي، سواء كانت التضحيةُ بإنفاق المال أو الجهدِ أو الراحةِ أو الوقتِ أو الشفقةِ على أنين الضحايا والبؤساء والصبرِ الطويل على إغاثتهم ماديًّا وعاطفيًّا، أو غير ذلك من المبادرات الإنسانية لإسعاد الغير. تحمّلُ المسؤولية ينتقل بالإنسانِ إلى طور أخلاقي أنبل، لأنه يتقاسمُ حياتَه مع إنسان آخر، ويساهم بجعل العالَم الذي يلتقي فيه الجميع أجمل. تحمّلُ المسؤولية تجاه العائلة والمجتمع والوطن والطبيعة وغيرها من أسمى ما تتجلى فيه إنسانيةُ الإنسان. ما يواجه الإنسانَ من متاعبَ وآلام من أجل إسعاد الغير لا يرهقُه بل يشعرُه بالرضا والغبطة.

  شيوعُ الدعوة للفردانية المطلقة لدى بعض المثقفين دعاهم للتشبث بأقوالٍ لفلاسفة ومفكرين ‏وأدباء غربيين وتفسيرها كما يشاؤون، صارت تجري مجرى الأمثال والمسلّمات النهائية في ثقافتنا، ‏بلا تأملٍ وتدقيقٍ ‏وغربلةٍ وتمحيص لمضمونها، ومنها قول ‏جان بول سارتر: “الآخرون هم الجحيم”، الذي تفشّت شعاراتُه وكتاباتُه كموضةٍ ثقافية في بلادنا منتصف القرن الماضي، بنحوٍ أضحى معبودًا عند بعض الأدباء والفنانين، وأسرف بعضُهم في التفسير المبسط لمقولاته، وتحويلها إلى شعارات مبتذلة أحيانًا؛ يجرى تطبيقها على غير مصاديقها. ربما يفعلون ذلك لأننا أمةٌ شاعرة، تتلذّذُ بالفكرة التي تتخذُ من الشعار لافتةً، ينامُ خلفَها العقلُ ويخرسُ اللسان. لم يحضر إيمانويل كانت الفيلسوف العميق والأخلاقي النبيل، ولم يحضر مارتن هيدغر الفيلسوف الرؤيوي العميق في ثقافتنا، كحضورِ ‏مقولات وشعارات سارتر الأديب الفيلسوف. أخطؤوا في فهم سارتر عندما نظروا إلى بُعدٍ واحد في العلاقات الإنسانية، ‏نظروا إلى بُعد الشرِّ الأخلاقي الذي يصدر عن الإنسان ‏الآخر، لم يروا بُعد الخير، ولم يتنبّهوا إلى أنه‏كما يصدر الشرُّ عن الإنسان يصدرُ الخيرُ أيضًا.

  الإنسانُ لا يطيق العيشَ من دون الآخر، الآخرُ يمكن أن يكونَ نعيمًا أحيانًا، مثلما يمكن أن يكونَ جحيمًا أحيانًا أخرى. ‏الآخرُ النعيمُ يعبّرُ عن حضوره بشفقة وعطف ومحبة وحنان وتراحم وعطاء الآباء والأمهات والأبناء والازواج والعائلة، وتضامن الأصدقاء الصادقين في علاقاتهم الإنسانية. ‏من دون الآخر لا يتحقّق تقديرُ الذات والاعترافُ والمحبة والرحمة والشفقة والعطف والتراحم والتضامن، ‏ولا نتلمس حضورًا للقيم السامية في الحياة بمعناها الأخلاقي الجميل.

  لا شيءَ نهائي ومطلق بالنسبة للإنسان، مادامت الطبيعةُ الإنسانيةُ ملتقى الأضداد فإن تحقيقَ التوازن صعبٌ جدًّا بين العقل والروح والقلب، وبين مصالح وحريات وحقوق الفرد ومصالح وحريات وحقوق غيره. تطغى الفرديةُ، إن لم تنضبط بمعايير أخلاقية، ولم يرسم لها القانونُ حدودًا تتحقّق فيها عدالةٌ اجتماعية، تُضمَن فيها حقوقُ الفرد في إطار حقوق الكلّ. غالبًا ما يُنتِج ترسيخُ مفهومِ الفرد وتجذيرُه فردانيةً مطلقة، لا يكترث الفردُ معها بما يفرضه   الضميرُ الأخلاقي عليه نحو الإنسان الآخر، عندما لا تضبط الفرديةَ القوانينُ العادلة. وذلك ما نراه في دول غربية ترى حقوقَها، من دون أن ترى حقوقًا لناس آخرين يعيشون على الأرض خارجَ حدودها، على الرغم من أن الكلَّ شركاءُ في كلِّ الحقوق الإنسانية. وهذا مثالٌ لما تنطوي عليه طبيعيةُ الإنسان من أضداد تفرض مواقفَ متضادّة.

  بناءُ مفهوم الفرد يقعُ بين حدّين متضادين، حدٌّ يضيعُ فيه الفردُ، إن تمادى في فردانية مطلقة، يتحلّلُ فيها من أية مسؤولية أخلاقية حيالَ الإنسان الآخر. وحدٌّ يضيعُ فيه الفردُ إن تم تذويبُ ذاته في غيره، والقضاءُ على شخصيته خارج إطار ما تراه العائلةُ والجماعةُ والسلطة، فيضيع تقديرُه لذاته وحرياتُه وحقوقُه الشخصية.