Category: فلسفة فقه

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

د. عبد الجبار الرفاعي

هناك مَنْ يتعاطى مع الإنسان بوصفه كائنًا لا يتغير ولا يتحول أيُّ شيء فيه، وهناك مَنْ ينظر إليه بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في كلِّ أبعاد وجوده، لا يرى كينونةً وجودية جوهرية ثابتة فيه،كلُّ شيء فيه متغيّر بتغيُّر الأحوال والظروف المتنوعة بتنوع نمط العيش والمحيط والثقافة. وقد انتهى هذا الموقفُ إلى القول لدى بعض المفكرين بنسبية الحقيقة وكلِّ القيم والأخلاق، والارتياب في كلِّ شيء له صلة بالإنسان، ولم يعد هناك شيءٌ ثابت، أو قيمة روحية وأخلاقية وجمالية كونية على رأيهم. الثابتُ الوحيد هو عدمُ الثبات، اللامتغير الوحيد هو التغيرّ الكلي المستمر، وهذا ضربٌ من الارتياب الذي ينتهي إلى نفي كلِّ شيء.

تختزل كلا النظرتين الإنسانَ في بُعد واحد، فهو إما ثابت لا يتغيّر أبدًا مهما تغيرت ظروف حياته، وهذا فهم متحجّر يراه كأنه صخرة، أو متغير على الدوام لا شيءَ ثابت في وجوده، والمبالغة في هذا الفهم تنتهي إلى ارتيابية لا تعلم بشيء. القرآنُ الكريم يتحدث عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعدٍ منهما يُتخَذ موضوعًا لنوعٍ من أحكامه وقيمه:

الأول: الإنسانُ ببُعده الفيزيائي الأنثروبولوجي الثقافي، الإنسانُ الذي يعبّر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي المتحول، الإنسانُ بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحوُّلات الواقع والظروف ومختلف أنماط العيش. هذا البُعد للإنسان هو الموضوع الذي تدرسه العلومُ الإنسانية، وتتحدث عن تغيّره المستمر تبعًا للتحولات في واقعه وظروف عيشه وأحواله. وهو الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش، ومختلف المعطيات السائدة في الواقع.

الثاني: الإنسانُ ببُعده الوجودي، الإنسانُ بجوهره الفلسفي، من حيث هو إنسان أبديّ لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغضّ النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقعُ وكيفيةُ العيش، بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًّا أو جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا أو هوياتيًا. يتحدث القرآن عن الإنسان بالنظر إلى كينونته الوجودية وراء المعنى الفيزيائي والثقافي والأنثروبولوجي المتغيّر، الإنسانُ بهذا العنوان الثابت هو موضوعُ الكرامة والحرية والمساواة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم.

في ضوء فهمنا لهذين البُعدين يكون الإنسان موضوعًا لنوعين من الأحكام في القرآن:

  1. الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًّا متغيِّرًا: يعبّر عنه عنوانُ الإنسان بلحاظ هوياته المتغيرة، الإنسان منظورًا إليه هنا بوصفه إنسانًا عاش في زمان ومكان وبيئة وثقافة وواقع خاص، ومأخوذة كلّ هذه الأحوال في كونه موضوعًا للأحكام. في ضوء هذا المفهوم للإنسان تتغير الأحكامُ بتغير الأحوال والظروف والأزمان، لأن الموضوعَ فيها مأخوذٌ بنحو القضية الخارجية كما يصطلح علماءُ أصول الفقه[1]. هذا هو الإنسانُ التاريخي الذي يقع موضوعًا لآيات الأحكام الخاصة بذلك الزمان، ومن أوضحها مصداقًا آياتُ الرقّ، وغيرها من أحكام معاملات أمضاها الإسلام مؤقتًا لضرورات فرضها الواقع، وهي كلُّها تمثّل عصر البعثة الشريفة. أحكامُ الرق مثلًا ليست منسوخةً، لا حكمًا ولا تلاوة، ومع ذلك نسخها تغيّرُ الزمان والمكان والبيئة والواقع. تضمن القرآنُ الكريم آياتٍ تتحدّث عن أحكام الرقّ، لا يعمل بها أحدٌ اليوم، مثل: “وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، النساء:25. “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ”، المؤمنون:5-6. “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”، القصص،3. أحكامُ الرقّ مثالٌ لموارد متنوعة من آياتِ أحكام المعاملات الخاصة بذلك العصر، أمضاها القرآنُ مؤقتًا[2]، الحكمُ فيها يتغيّر تبعًا لتغيّر الواقع.
  2. الإنسان ببُعده الوجودي الذي لا يتغيّر: يعبّر هذا المعنى عن الإنسانِ بوصفه فردًا، إنسانٌ ينطبق على حقيقةِ الإنسان الفرد الوجودية، ما ينطبق عليه عنوانُ الإنسان في الحياة الدنيا وبعد الموت في الحياة الآخرة. هذا هو البُعد الذي يعبّر عن كينونة وجوديّة جوهرية لا تتغيّر في الإنسان،كما يعبّر هذا المعنى عن الإنسان بوصفه إنسانًا كليًّا.كينونةُ الإنسان العاقل أمس ووجودُه هي ذاتها كينونةُ الإنسان ووجودُه اليوم، لا اختلافَ في صدق مفهوم الإنسان عليها مهما اختلف الواقعُ وتغيّرت أنماطُ العيش والثقافة والأحوال. نعني به الإنسانَ بوصفه ذلك الجوهر الواحد الذي يشتركُ فيه كلُّ كائنٍ بشري مع غيره، والمتمثّل في ما يصيِّر كلَّ إنسانٍ إنسانًا.

الموضوعُ هو كينونة الإنسان ووجودُه العابر للزمان والمكان والظروف والبيئة والثقافة والهويات والواقع، موضوعُ الأحكام مأخوذٌ فيه عنوانُه بنحو القضية الحقيقية حسب مصطلح الأصوليين. هذا العنوانُ للإنسان هو موضوعُ القيم الأخلاقية والروحية والجمالية في الآيات القرآنية. وهو ما تخاطبه آياتُ القرآن في حديثها عن الله والتوحيد والغيب وكلِّ القيم الكونية المشتركة.

على هذا الأساس يبتني تصنيفُنا لمضامين آياتِ القرآن، واعتماد ذلك معيارًا في اكتشاف المعنى الديني الذي ينشده القرآنُ في الظرف الخاص بعصر البعثة، والمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الشامل الذي يتسع لكلِّ عصر، وفي ضوء ذلك نفهم ما هو ثابت وما هو متغير، على وفق لما يلي:

  1. آيات تتضمن أحكامًا وتشريعاتٍ تعكس واقعَ مجتمع عصر البعثة، مثل آيات الرق، وغيرها من آيات تتحدّث عن معاملات متنوعة، وهي أحكامٌ ليست كونية عامة، ولا تستوعب كلَّ العصور.
  2. آيات تتضمن قيمًا إنسانيةكلية، قيمٌ أبدية، قيمٌ يحتاجها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، في كلِّ زمان ومكان، قيم غايتها أن يعيش الإنسان في أُفق المعنى، قيمًا تنشد بناءَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

هذا هو المفتاح المحوري للمنهج الذي أعتمده لتفسير القرآن الكريم، وهو الأساس الذي يبتني عليه ويتفرّع عنه ما أوردتُه بتنويعات وتطبيقات كثيرة في مؤلفاتي.

مازال كثيرٌ من الكتابات تخلطُ بين الإنسانِ بوصفه كينونةً لا تتغيّر، الإنسان بالمعنى الوجودي الفلسفي، الإنسان وراء هويته الفيزيائية والأنثروبولوجية المتغيّرة، الإنسانُ الذي يكونُ موضوعًا للقيم الكونية الكلية، وبين الإنسانِ بوصفه هويةً متحولة، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي، وهو ما يكون موضوعًا للأحكام الظرفية المتغيّرة.

 “القضية الحقيقية والقضية الخارجية للأحكام؛ الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية وأخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الإفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. والحكم في الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد”. الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج 1، ص 150 – 101. نسخة إلكترونية على شبكة الإنترنت. [1]

 الأحكام الإمضائية، وهي “الأحكام التي لم يؤسّسها الشارع وإنّما كانت موجودة فأمضاها بالقول و اللفظ أو العمل أو السكوت وعدم الردع ، أو التي كانت في الشرائع السابقة وأمضاها الشارع الإسلامي ، ففي بعض الموارد أمضى الشارع ما عليه العرف والعقل بالأدلّة اللفظية، وفي كثير من الموارد استكشف الإمضاء من عدم الردع”. مقالة الأحكام الإمضائية في: الموسوعة الفقهية، ج۱۷، ص۲۵۹-۲۶۸، نسخة إلكترونية منشورة على شبكة الإنترنت.. [2]

 

رابط النشر:

الاستملاك الرمزي للهلال

الاستملاكُ الرمزيُّ للهلال[1]

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

1

من الدنيويّ إلى المقدَّس

تتنوّع الاجتهاداتُ في عالم الإسلام، وتتجدّد الخلافاتُ مع كلِّ عام حول: ثبوتِ هلال رمضان، وتحديدِ بداية شهر الصوم، وعيدِ الفطر، ومواعيدِ: عَرَفة والحجّ وعيدِ الأضحى، وتحديدِ رأس السنة الهجرية. وقد تطوّرت هذه الخلافاتُ في العصر الحديث، تبعًا لتطّورِ المؤسّسة الدينية في الإسلام واتساعِها، ومحاولاتِها الحثيثة للاستئثارِ بكلِّ ما هو مقدّس وما يمكن أن يتقدّسَ واستملاكِه، لذلك عملت هذه المؤسّسةُ على استرداد الهلال من مجاله الدنيويّ الذي اكتشفه الفلكيُّون إلى المجالِ المقدَّس الذي تتحكَّم هي به.

ربما تبدو هذه الخلافاتُ عند المسلمين السُّنّة محدودة، لأن المؤسّسةَ الدينيةَ تقع في امتداد السلطة السياسية، وهذه السلطةُ تسعى على الدوام للتحكّم في نفوذ هذه المؤسّسة، وتعمل على تضييق احتكارها للمقدَّس، فتفرض رقابةً عليها وتوجِّهها في كيفية إدارة الشأن المقدّس، لذلك لا يتخطّى المفتي غالبًا إرادةَ الحاكم. غير أنها تظهر بوضوح لدى المسلمين الشيعة، لاستقلال المؤسّسة الدينية عن السلطة السياسية غالبًا، منذ بدايةِ تأسيس المرجعية الشيعية في العصر الصفوي، واستقلالِها بالتدريج بعد ذلك العصر، إذ تحوّلت المرجعيةُ بعد ذلك الوقت إلى مؤسَّسة تحتفظ لنفسها بمسافة عن السلطة السياسية. مضافًا إلى عدم تمركز المرجعيَّة الدينية عند الشيعة بشخصٍ واحد أو هيئةٍ واحدة، لتعدّد هذه المرجعيات وتنوّعها. وهذا الاستقلالُ يشي بحيويةِ هذه المؤسّسة، وقدرتِها على تكوين سياقاتها الخاصة. ومع أن غيابَ التمركز يمنح هذه المؤسّسةَ ديناميكيتَها المستقلّة، إلّا أنه يفضي أحيانًا إلى مواقف متضادّة، تثير التباسًا وبلبلةً في الاجتماع الشيعي، كما نراها تتكرّر عادة سنويًّا في تعدّد مواعيد أهلّة رمضان والأعياد.

في كلّ عام نحن على موعد مع دعوات ملحَّة للعودة إلى ما يقوله الفلكيُّون في ذلك، الكلُّ يعرف أنَّ قولهَم دقيقٌ جدًا؛ ذلك أنه يستقي من المعطيَات الحديثة في تطوّر علم الفلك واكتشافاته الواسعة للكون، وتكنولوجيا التلسكوبات والمناظير الإلكترونية، والحسابات الفلكية المتقدّمة، التي من خلالها يمكننا معرفةُ أوقات الصلاة، وتحديدُ بدايات الأشهر القمريَّة لآلاف السنوات القادمة بدقة عالية.

الدينيّ والدنيويّ

حتى منتصف العقد الثالث من عمري كنتُ من أشدّ المتحمِّسين لضرورةِ تبنّي رجال الدين لما ينطق به العلمُ، وما يتَّفق عليه الفلكيُّون، والعودةِ بالهلال إلى الحيّز الفلكي الدقيق. تلك الحماسة تستقي مما ترسّب في ثقافتي الشخصية من مطالعات كتابات: جواهري طنطاوي، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين العراقي[2]، وعبد الرزاق نوفل، وغير ذلك من كتابات مبسَّطة، أغرقتْ وعيَ جيلِنا قبل أكثر من خمسين عامًا في هوس تطبيق قوانين ونظريات وفرضيات العلوم الطبيعية على القرآن الكريم.

توحي هذه الكتاباتُ كلُّها بأن معظمَ ما يكشف عنه العلمُ اليوم قد اكتشفه الدينُ قبل ذلك، وأنَّ كثيرًا من نظريَّات وقوانين العلم الحديث مستودعةٌ في القرآن، قبل أن يعرف علماءُ الغرب أيَّ شيء منها، لكنَّ المسلمين عجزوا عن رؤيتها واستنباطها من القرآن. وكان يغذّي هذه الحماسةَ بعضُ خطباءِ منابر الجمعة عند السنّة وقرّاء التعزية عند الشيعة. استمعتُ قبل سنوات، على قناة فضائية، إلى أحدِ المشهورين من قرّاء التعزية المولَعين بالمعلومات والأرقام عن الفلك، كانت مليئةً بالأخطاء، لكنه كان يسوقها بكلّ ثقة، وبطريقة مسرحية على المنبر، لمستمعين لا يعرفون شيئًا عن الكواكب والنجوم والمجموعات الشمسية والمجرّات والسنين الضوئية.

كنتُ وغيري من الشباب مأخوذًا بالحنينِ إلى الماضي، وتمجيدِ الهوية، والشغفِ بكلّ شيء يتضمّنه الموروث، بوصفه خزانةَ أسرار كلّ العلوم والمعارف البشرية. وليس للعلم من وظيفة سوى إعادة اكتشاف ما كشف عن كثيرٍ منه أسلافنُا من قبل. وإن مهمّتَنا هي تطبيقُ الاكتشافات الجديدة مع ما هو مستودَعٌ من قبل في تراثنا ونصوصنا الدينية.

تلك كانت إحدى البداهات الراسخة في ثقافتي الدينيّة أمس، ومن المسلَّمات القطعية التي لا تقبل نقاشًا. ما كان أشدّ حرصي يومئذٍ على احتواءِ مكاسب المعارف والعلوم كافة، والاستيلاءِ على كلِّ شيء جديد وجميل من منجزات العقل البشري، وكلِّ ما راكمتْه الخبرةُ البشرية، وإسقاطِها على نصوصي الدينية.

كأني في مباراةٍ مع الآخر، هو ينفق جهودًا شاقّة في التفكير والتجريب والعمل والكدح المتواصل ليل نهار، ويسلك الدروبَ الوعرةَ المنهِكة، فيراكم خبراتٍ ثريَّة، ويقوم بفتوحات عقليَّة بالغة الأهمية، ويظفر بما يحلم به، ومهما أخفق لن يتراجع، أو تتقهقر إرادتُه، أو يعرف الفشلُ إلى عقله طريقًا. هو يكتشف ويخترع ويبتكر ويتقدّم، وأنا مسكونٌ بالاستيلاءِ على ذلك كلِّه مجانًا، ودمجِه -بالقول لا بالفعل- في تراثي، كيما أغرق في المزيد من كوابيس أوهامي.

بدأتُ أستفيق بالتدريج من هذه الأوهام منذ أكثر من أربعين عامًا، بعد سياحتي في مسالك التراث المتنوّعة، والتعرّف على حقوله الواسعة المتشعِّبة، فتبدَّتْ لي حقائقُ مغايرة لما كنتُ أتلقَّاه من الحكاياتِ الشعبوية، والمحكيَّاتِ المنبرية، وأدبيَّاتِ الجماعات الدينية. اكتشفتُ أنَّ ما كنتُ أتلقَّاه شفويًّا من خلال مسموعاتي لم يكن سوى مفاهيم وآراء سطحيَّة، حجبتْ عني مفاهيمَ التراثِ المشتقّةَ من بيئتها وزمانها.

منذ منتصفِ العقد الثَّالث من عمري بدأتُ بمراجعةً نقديَّةً لأدبيَّاتِ الجماعاتِ الدينيَّة العربية، فتبدَّى لي بالتدريجِ أنَّ هذه الأدبياتِ ورَّطتْني وجيلي بمغالطاتٍ عدَّة، أبرزها الإصرارُ على تطابُق العلم والدين في كلِّ شيء، وأنَّ ما يقولُه العلمُ اليوم قد قالتْه نصوصُنَا الدينيَّةُ قبل ذلك، وتمديدُ مساحةِ ما هو ديني، بدمج كلِّ ما هو دنيويّ في الدينيّ، فالعلوم والمعارف والفنون والآداب لا تجدُ مشروعيتَها من دونِ أن تُولد من الدِّين.

بعد أن اكتشفَ علمُ الفَلَكِ مواعيدَ ولادةِ الهلال وظهورِه بشكلٍ لا يقبل الشكَّ، رأى مُعْظَمُ النَّاس ألّا حاجةَ للعودة إلى الفقيه للحكم بثبوت الهلال، غير أنَّ هذا الرأي لم يتفاعل معه إلّا قليلٌ من الفقهاء، على الرغم من أنه يحلّ مشكلةً مزمنة، ويخلّص المسلمَ من الترقّبِ المملِّ للهلال، والتفتيشِ عن ذرائع للخلاص من تَذَبْذُبِ الإعلان عنه، والاختلافِ في رؤيته بالعين المجرّدة.

تحمّس لهذا الرأي من نشأ وتشبَّع في مناخات أدبيات الجماعات الدينية، التي تخلط الديني بالدنيوي. المفارقةُ هنا أن أدبيات هذه الجماعات حرصتْ بشدّة على تَدْيين كلِّ ما هو دنيوي، وحاولتْ صبغَ العلومِ والمعارف والأدب والفن، بل كلّ شيء بصبغة دينية، إلّا أنها في قضيّة الهلال تبنّتْ موقفًا، ربما يبدو للوهلة الأولى مُغَايِرًا، وكأنها تنزع إلى إخراج هلال رمضان والأعياد من حقله الديني إلى الحقل الدنيويّ، مع أن منطقَها في تديينِ كلِّ شيء وأسلمتِه يفرض أن يبقى الهلالُ في الفضاء الدينيّ الرمزيّ، ولا يُرحّل إلى الفضاء الدنيوي الفلكيّ. محاولةُ إخراجه من مجاله الرمزي إلى مجال فلكيّ علميّ لا تعني الكفَّ عن استحواذِهم عليه، وتركِه للخبراء في علم الفلك، بل هي عمليةُ استملاكٍ بديلةٍ للهلال، تمارسها هذه الجماعاتُ بذريعة اللجوء للعلم. إنها في معركتها المفتوحة مع الفقهاء والمؤسّسة الدينية التقليدية، تسعى للهيمنةِ على المدوّنة الفقهيّة، وحيازةِ كلِّ ما هو ديني، كي تخلع على نفسها مشروعيةَ تمثيلِ الدين والنطقِ باسم السماء، من خلال إغواء الشباب بتوظيف العلم.

 

الإنسانُ مولَعٌ بكشف الأسرار

العالَم مليءٌ بالأسرار، والإنسانُ مسكونٌ بالكشف عن هذه الأسرار. نحن نبحث عن تفاسير لكلِّ شيء لا نعرفه في العالَم. الذهنُ اليَقِظُ في نشاطٍ مستديم، إنه بمثابة مرجَلٍ يَغْلِي إلى ما لا نهاية، يَظَلُّ يَغْلِي إنْ لم يَجِدْ تفسيرًا يستقرُّ عنده. الإنسانُ يُتْعِبُه ذلك، فيلجأ عادةً إلى أيّ شيء يمنحه الهدوءَ والدَّعة، لذلك يتشبّث بأيّ تفسير كان، يتناسب ومحتوى ذهنه واستعدادَه وأفقَ انتظاره ومسبقاتِه. إذا كان ذلك التفسيرُ واضحًا، يشعر الذهنُ بسعادة كبيرة. وهذا ما يحصل حين نعثر على تفسير لظاهرة مُلغِزة فنهدأ، وندافع عنه، ونصرّ عليه، ثم يصبح في مرحلة لاحقة تعريفُ هذه الظاهرة ضمن تعريفنا لأنفسنا، حيث يدخل في تكوين كينونتنا الوجودية.كلُّ عملية تفسير لنصّ أو ظاهرة أو شيء، نتحقّق بها في طور وجودي جديد، وهكذا.

إن هذا العالمَ يستوعب أشياءً لا حصر لها، لا ندرك معناها. الدينُ يُمَعْنِنُ ذلك، يفكّ الألغاز، أو تغدو الألغازُ من منظور المتديِّن ذاتَ مضمونٍ خصبٍ، يفيض بمعانٍ يستقيها من رؤيتِه الدينيَّة. كلُّ ما لا نفهمه من خلال وسائل وأدوات العِلم المتاحة، مثل المبدأ والموت وما بعد الموت، وغير ذلك، يمنحنا الدينُ تفسيرًا له، يخرجنا من حالة الحيرةِ والارتياب، إذ إنَّ المهمةَ المحورية للدين مَعْنَنَةُ ما يبدو لنا لُغزًا مُبْهَمًا في الحياة.

يُعدّ الدينُ نظامًا سيميائيًّا مكثّفًا وخصبًا، وإن المعاني التي ينتجها هذا النظامُ تشتغل على المستوى الرمزي بأعلى طاقاتها، ثم تتحوّل إلى مستوى الفعل في العالم الخارجي الموضوعي. الدينُ هنا بوصفه ذلك المعطى الحياتي الذي يتمثّله الأفراد، وتظهر تعبيراتُه في حياة المجتمعات، لتعريف وتأطير مجموعة من السلوكيات والروابط المنبثقة عن تحسُّس الإنسان لبُعدٍ مختلفٍ في وجوده، ربما غير قابل للتفسير التجريبي. هذا المعرِّف والمؤطِّر اكتسب قوةً ونفوذًا من توفيره تفاسيرَ جاهزةً واضحةً لظواهر في الوجود ما زالت غامضة، وهي مخيفة ومربكة للكائن البشري، لما يحتاجه الفرد، وما تحتاجه الجماعاتُ لبقائها واستمرارها.

يخفض الدينُ الشعورَ بالقلقِ واللامعنى والعدميةِ والعبثيةِ والضياع. ولفرط احتياجِ الكائن البشري للدين، وانشغالِه بتفسيراته المتنوّعة، أصبح الدينُ بابًا للسكينة والطمأنينة والأمن والسلام لدى كثيرين من الناس، مثلما أضحى على الضدِّ من ذلك لدى آخرين، بعد أن صار بابًا للتسلُّط وللاستغلال والتعصُّب والعدوان. يتجلّى الدينُ تبعًا لشخصيةِ الكائن البشريّ والجهة التي تتبنّاه، وكيفيةِ تصوّرها لله، ونمطِ فهمِها للإنسان والعالَم، وتفسيرها لنصوصه، ويتمثّلُ في كيفية توظيفِها للدين واستثمارِه في المواقف والأنشطة والعلاقات المختلفة، واستغلالِه في صراعات الأفراد والجماعات، والاستحواذِ على الثروة والسلطة.

 

إنتاجُ الدين للمعنى

أما كيفيةُ إنتاج المعنى، ونمطُ الدلالات التي يوظّفها الدينُ في ذلك، فإنها تتحقّق من خلال مجموعةٍ من الوسائل والروافد والميكانزمات. الرموزُ واحدةٌ من أهمّها؛ ذلك أنَّ الإنسانَ بطبيعتِه كائنٌ رمزيٌّ. الرمزُ لغةٌ صامتة، إنه خزّانُ دلالات، يكتنز بكثافةٍ وثراء مفهوميٍّ، لذلك يغدو منبعًا لتوليد المعانى. حياةُ الإنسان لا تستغني عن الرموز، لذلك نلحظ الرموزَ تنتشر انتشارًا واسعًا في المجتمعات البشريَّة، بنحوٍ لا نعثر فيه على مجتمع يخلو منها.

وكما يستقي الإنسانُ الدلالاتِ من الكلماتِ والألفاظ في أحاديثه الشفويّة، يستقيها أيضًا من الرموز الصامِتَةِ. توليدُ ما هو صامتٌ للمعاني يفوق ما هو ملفوظ، فضْلًا عن أنَّ ما هو صامتٌ لا يتواطأ على حجبِ الحقيقة وتزويرِها. ففي دراسةٍ قام بها عالمُ النفس الأمريكي ألبرت ميهرابين اكتشف أن: %7 فقط من الاتصال مع الآخر يكون بالكلمات، %38 بنبرة الصوت، %55 بلغة الجسد. ويعتقد علماءُ النفس في الوقت الحاضر بأن  %60 من حالات التخاطب والتواصل بين الناس تتمّ بصورةٍ غير شفويّة، أي عن طريق الإيماءات والإيحاءات والرموز، لا عن طريق الكلام واللسان، ويقال إن هذه الطريقةَ ذاتُ تأثيرٍ قويّ، أقوى بخمس مرات من ذلك التأثير الذي تتركه الكلمات[3].

لما كان الدينُ يهتم بنوع: اللباس، الطعام، المكان، الزمان، وبالكثير من الأشياء، ويضفي عليها دلالاتِه الخاصة، فيكتسي اللباسُ الذي يستعمل في طقس ديني دلالةً خاصة، بصفته رمزًا لمعنى مقدّس، وتتوالد منه مفاهيمُ قدسيةٌ جديدة، يخلو منها قبل ذلك، بعد أن يتحوّل إلى فضاء آخر يخرج فيه من مجاله الدنيوي الى المقدّس، مُلهِمًا الإنسانَ الديني الذي يرتديه فيضًا من المعاني التي تغذّي مشاعرَه وعواطفَه، وتستقي منها تجربتُه الروحية. هكذا الحال عندما يُتخَذ زمانٌ معيّنٌ عيدًا، أو مناسبةً دينية، أو يُتخَذ مبنى أو مكانٌ ما معبدًا. كلُّ ذلك يعني أن الدينَ خلع على هذا الزمان أو المكان هالةً رمزية، تفيض بإمكانات تعبيرية لمعانٍ جديدة، وأضاف إليه دلالاتٍ تشي بأنه صار مقدّسًا. يمسي هذا الزمانُ مختلفًا عن الزمان الآخر، أي الزمان العادي الرتيب المكرر. الدينُ عندما يعدّ زمانًا ما عيدًا مثلًا، فإنه يتسامى به، ويمنحه وظيفةً مختلفة، وكأنه يعيد الزمانَ إلى فجرِه، ذلك الزمان النقي، وكأنه يصبح زمانًا طاهرًا بعد أن كان مدنَّسًا. العيدُ مناسبةٌ يجدِّد فيها الإنسانُ الزمانَ، ويتخلّص من رتابته المملّة، وعبءِ تكراره، وكأنه ينتقل به من زمان بلا روح، يفتقد لكلّ معنى، إلى آخرَ حيّ مُشبَع بالمعاني[4].

الهلالُ الديني الرمزي، وكذلك كلُّ شيء ديني رمزي، هو أحدُ المنابع التي يتغذّى منها نظامُ إنتاجِ المعنى المقدّس في المجتمعات الدينية، الاستحواذُ عليه هو امتلاكُ رافدٍ يغذّي هذه الحياة، ويعمل على بناء نمط السلطة الروحية في المجتمع، ويرسم حدودَها ومدياتِ اتّساع نفوذها.

 

2

السلطة الروحيّة ترسمها حدودُ المقدّس

هلالان لا هلال واحد

إلى ماذا يحيل الاختلافُ في تحديد ولادة هلال الأعياد ورمضان، ومن أين ينشأ تنوّعُ المواقف في ذلك؟ لتحليلِ موضوع تحديد موعد ميلاد الهلال، وبيانِ ما تحيل إليه هذه الاختلافاتُ، ينبغي تفكيكُ مفهوم الهلال الواحد الى هلالَين، وهما:

الأول: الهلال الفلكي، مفهومُه يحيل للهلال الذي ينتمي للحقل الدنيويّ، بمعنى أنّ من يكتشف مواعيدَ ولادته وحركتَه هم الفلكيُّون بكلِّ ما يمتلكون من حسابات وجداول فلكية وتلسكوبات وغيرها من الأدوات التي تهديهم إلى نتائج علميّه قطعيّة. هذا هلالٌ فيزيائي ينتمي للفلكيين، إنهم وحدهم من ينبئنا عنه، وليس لأحد سواهم أن يرفض قولَهم، بوصفهم المتخصّصين في ذلك، ومرجعيةُ العقلاء دائمًا هي ذوو الاختصاص والخبرة، كلٌّ على أساس تخصّصه وخبرته.

الثاني: الهلال الديني، مفهومُه يحيل لهلال رمزيّ ينتمي لحقل المقدّس، الذي هو خارج الحقل الدنيوي. وإن كان منشؤه حقيقةً كونيةً فلكية. أي مثلما هناك زمانٌ دينيّ كرمضان والأعياد، ومكانٌ دينيّ كالكعبة، هناك أيضًا الهلالُ الذي هو دينيّ لا دنيوي. هذا الهلالُ هو ما يحدّد مواعيدَ الأزمنة الدينية.

ما دام مفهومُ هذا الهلال يندرجُ في الشأن الديني، فإن بيانَ مواعيد ولادته وغيابه ليس من اختصاص الخبراء الفلكيين، بل من اختصاص من يمتلك المشروعيةَ الدينيةَ للإفتاء بشأن مواعيده وميلاده، والمتخصّصون بإدارة الشأن المقدّس حصرًا، وهم المرجعيات الدينية.

الهلالُ الدينيّ مثله في ذلك مثل أيّ شيء في الطبيعة يخرج من الحقل الدنيوي إلى حقل المقدّس. الحجرُ المستعمل في بناء الكعبة مثلًا، عندما كان جزءًا من جبل، لم يكن مقدّسًا قبل اقتطاعه واستعماله في بنائها، غير أنه بمجرد تقطيعه ودخوله في البناء يصير مقدّسًا، بوصفه دخل في فضاء الكعبة المقدّسة. هكذا هو حالُ كلّ زمان أو مكان أو شيء يجري تقديسُه. بمعنى أنه عندما كان ينتمي إلى الفضاء الدنيوي لم يكن مقدّسًا، لكنه بمجرد عبوره من الدنيوي إلى فضاء ديني يمسي مقدّسًا.

الاستملاك الرمزي للهلال

مَنْ يمتلكُ أنظمةَ إنتاج المعنى يمتلكُ السلطة. هناك علاقةٌ جدلية ٌبين امتلاكِ أنظمة إنتاج المعنى وامتلاكِ السلطة، كلُّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها، سواء أكانت سياسيةً أم روحية. المعرفةُ كما يقول فوكو تنتج سلطة، والسلطةُ تنتج معرفة، تعزّزها وترسّخها وتغذّيها على الدوام. كلُّ سلطة تحرص على امتلاك منابع المعرفة كافة، وكما تعمل السلطةُ على إنتاج المعرفة، تحدّد المعرفةُ بطبيعتها نوعَ السلطة.

بتعبير آخر، التأثيرُ متبادَلٌ بين السلطةِ وأنظمةِ إنتاج المعنى، كلٌّ منهما يؤثّر في الآخر ويتأثّر به. كلُّ مَنْ يمتلكُ أنظمةَ إنتاج المعنى يمتلكُ السلطة. كلُّ مَنْ يمتلك السلطةَ يحاول أن يحتكرَ أنظمةَ إنتاج المعنى. مَنْ يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى الروحي يمتلك تبعًا لذلك السلطةَ الروحية، ومَنْ يمتلك السلطةَ الروحيةَ يعمل على احتكار أنظمة إنتاج المعنى الروحي. وهكذا مَنْ يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى السياسي يمتلك تبعًا لذلك السلطةَ السياسية. ومَنْ يمتلك السلطةَ السياسيةَ يعمل على احتكار أنظمة إنتاج المعنى السياسي، ويسعى إلى الهيمنة على كلِّ نظامٍ غيرها لإنتاج أيّ معنى، وتوظيفها كلِّها من أجل ترسيخ سلطته.

من طبائع السلطة السياسية وكلِّ سلطة، أنها تتمدّد وتتّسع باستمرار، تتغلغل وتخترق كلَّ شيء تتمكّن من اختراقِه والاستيلاءِ عليه. تحاولُ التهامَ المال والحريات والحقوق، بل كلّ ما تستطيع أن تطالَه وتصلَ اليه، أيًّا كان، كي تكرّس سطوتَها على حياة الناس. ما لم تضع السلطةُ لنفسها دائرةَ نفوذٍ مرسومةٍ بوضوح، وتضبط ذلك بقوانين صارمة، فلن يحدّ من تغوّلها أيُّ شيء سواها.

تلك هي آليةُ اشتغال السلطة، حيثما كانت، وكيفما كانت، وأينما كانت. طبيعةُ السلطة نسيجٌ شبكيّ متشعّب، عميق، مركّب، معقد، متغلغل في كلّ ما هو: كبير وصغير، جزئي وكلّي، عام وخاص، دنيوي وديني. إنها تتشكّل عادة مما هو: مباشر وغير مباشر، ظاهر ومستتر، معلن ومضمر، جلي وخفي، حاضر وغائب.

لا أريد أن أتحدّث أكثر عن شراك أنماط السلطة التي حفر في أعماقها، وكشف بنيتَها العميقة، وأبعادَها ووجوهَها المختلفة، وفضح أقنعتَها المتنوّعة، فوكو ومن قبله نيتشه، إنما وددتُ فقط الإشارةَ بإيجاز إلى شيء من طبائعِ أشكالِ السلطة المختلفة ومدياتِها وآلياتِ اشتغالها، وتشعّبِ نسيجها، بغية الكشف عن الرأسمالِ الكبير الذي تتداوله، ونوعِ الأسهم التي تستثمرها، وكيفيةِ تنميتها وتوالدها، والتلاعبِ بها.

السلطة الروحيّة ترسمها حدودُ المقدّس

الذين يصرّون على الاعتماد على آراء الفلكيين، والاستنادِ إليهم بوصفهم مرجعيةً وحيدةً نهائيةً في كلّ ما يتّصل بالهلال ومواعيد الأعياد وشهر رمضان، إنما يحاولون الاستئثارَ بإحدى ممتلكات المؤسّسة الدينية ذاتِ التأثير الكبير في إنتاجِ المعنى الروحي، وتغذيةِ البنية التحتية للسلطة الروحية. إنهم يعملون على إخراجِ الهلال المؤطَّر بمضمون مقدّس، وانتزاعِه من حقله الخاص، وتفريغِه من محتواه. عندما يرحّلونه إلى الفضاء الفلكي ليغدو هلالًا مختلفًا، لا علاقةَ له بمجال إنتاج المعنى الديني. إنهم يتعاطون معه بوصفه الهلالَ الكوني، الذي يقع في حيّز الخبير الفلكي، والملحق بالشأن الدنيوي، أي ينقلونه من مجاله ووظيفته في إنتاج معنى ديني إلى مجالٍ لا يمتّ بصلة للشأن الديني.

وطبقًا لما تقوله أصولُ الفقه، فإن فعليةَ الحكم الشرعي تدور مدار توافر عناصر موضوعه بتمامها، وهذه العناصر هي: المواصفات والقيود والشروط كافة، المأخوذة في موضوع الحكم، والتي بمجموعها تمثّل الموضوع، فما لم تتحقّق كلُّها لا يكون الموضوعُ ناجزًا ومتحقّقًا. وذلك ما تقرّره القاعدةُ المعروفةُ في الأصول: “المشروط عدم عند عدم شرطه، أو المقيّد عدم عند عدم قيده”. ما يقع موضوعًا للحكم الشرعي هنا بغرّة شهر رمضان، وتصرّمه وبدء العيد في اليوم الأول من شهر شوال، وهكذا أهلة الحج والأشهر القمرية، إنما هو الهلال الرمزي الديني، أي الهلال الذي تؤطّره المواصفاتُ والشروطُ والقيودُ المنصوصُ عليها في المدوّنة الفقهية، وليس الهلالَ الكوني الفيزيائي الفلكي، العاري من تلك المواصفات والشروط والقيود. الهلالُ الفلكي ليس هو موضوع الحكم الذي يتمسّك به مشهورُ الفقهاء، ممن لا يقبلون توظيفَ الحسابات الفلكية والتكنولوجيا الجديدةَ في تحديد ولادته. وهو ما يدعوهم للتشبّث بالرؤيةِ البصرية المباشرة، وقول بعضهم بتعدّد الأعياد، تبعًا لتعدّد الآفاق جغرافيًّا، حتى إن لم يتطابق ذلك مع ما يكتشفه علماءُ الفلك، وحساباتِهم العلمية، وأدواتِهم الرصدية التي تعطي نتائجَ قطعيّة.

 

 

 

3

ما تعدُ به فلسفةُ الفقه

هذا اللون من التمييز بين الهلالين، ينبغي اعتمادُه بوصفه مثالًا للكشفِ عن تمثّلات المقدّس، ومعرفةِ ما يختبئ خلفها، وأساليب توظيفها في: صراعات الهيمنة والسلطة والثروة، وكيفية إدارة السلطة الروحية للشأن الديني، من خلالِ استملاكِ أرصدة المجال الديني وتنميتها باستمرار. وإن كانت الدراساتُ الدينية ما زالت أسيرةَ التقليدِ التكراري؛ الذي يتحدّث فيه التراثُ عن التراث، ويتولّى الماضي النيابةَ عن الحاضر. كي تنتقل هذه الدراساتُ إلى أفق يدرك رهاناتِ الحاضر، عليها أن تعلن قناعتَها بالقطع مع كلِّ ما هو ميت ومميت من الماضي، وتوظيفَ كلِّ ما يتطلّب تجديد الفكر الديني توظيفَه من الإضافاتِ العميقةِ للفلسفة والمعارف البشرية الحديثة بجدّيةٍ وثقة؛ بغيةَ إعادةِ بناء فهمِ الدين ودراسةِ وتحليلِ تعبيراتِه المختلفةِ في حياة الفرد والجماعة، وألا تتعاطى مع هذه الإضافاتِ بمنطقٍ ارتيابي مسكونٍ بهواجسِ الهوية والأصالة والخصوصية، بل عليها أن تدرك أنَّ الكثيرَ من مكاسبِ العقل الحديث كونيةٌ، عابرةٌ للهوياتِ الإثنيّة والدينيّة والثقافيّة، وإن جرى استخدامُها أحيانًا لأغراضٍ تنقض مدياتِها الكونية، وتوظيفُ الغرب كأداة للاستعمار ونهب ثروات بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.

في الحواضر والحوزات والمدارسِ ومعاهد التعليم الديني في مجتمعاتِنا يكرّر التفكيرُ نفسَه باستمرار، لأنه كان وما زال صدًى للماضي، إذ يبدأ من التراثِ وينتهي بالتراث، ويظلّ يدورُ في حلقةٍ مغلقة، من دون أن يبصرَ ضوءًا يهتدي به إلى التضاريسِ المركَّبَة للواقع الذي نعيش فيه. هكذا هو حالُ الكتاباتِ الوفيرةِ عن الدين، وما تشتمل عليه المطبوعاتُ والمجلاتُ التي تصدرها المؤسَّساتُ الدينيةُ وغيرُها، حتى إن عمد البعضُ إلى الخروجِ من أساليبِ التعبيرِ والبيانِ في الكتاباتِ القديمة، فإنه لا يتخطّى في ذلك حدودَ تيسيرِ مفاهيم تلك الكتابات وتبسيطِ مقولاتها التي فرضتْ حضورَها المزمنَ في كلِّ تأليف وكتابة تالية.

من الضروريّ الخروجُ من الأسوارِ المنيعةِ للدراسات الدينية التقليدية، والسعي للتحرّرِ من رؤيةِ الحاضر بعين الماضي، وتحريرُ العقل من استبداد علوم الأوائل بالتفكيرِ الديني، تلك العلوم التي نسختِ العلومُ والمعارفُ الحديثةُ كثيرًا منها، والعملُ على إعادةِ النظر في البنيةِ التحتية التي ابتنى عليها هيكلُ المعارف الدينية، وعدمُ سلوك المساراتِ القديمةَ ذاتَها، واستئنافُ النظر فيما صار بمثابة البداهات في هذه المعارف، وأعادتْ مساءلتَه وتشريحَه بغية اكتشافِ السياقاتِ التي تشكّل فيها.

في حقلِ الفقه يتكرّر القولُ في مسائله، ويغرق الدارسُ في تفاصيل مدوّنته التي تضخّمتْ بالتدريج، وانحسرتْ – تبعًا لتضخُّمها – معظمُ آفاقِ التفكير الديني الأخرى، وفرضتْ حضورَها الصارم على كلِّ ما يتّصل بأقوالِ وأفعالِ المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها. وذلك يفرض تدشينَ علمٍ قادرٍ على إجراءِ حفرياتٍ عميقةٍ في التراث الفقهي، من خلالِ تفكيكِ الأنساقِ المولّدة للمعرفةِ الفقهية، والكشفِ عن العناصرِ المختبئةِ في عملية الاستنباط، وأثرِها البالغِ في توالدِ هذه المعرفة وتشعّبها ونموِّها وتطوّرِها. وهذه مهمةٌ تتكفّلها “فلسفة الفقه”، وهو علمٌ لا يعتمد العدّةَ المنهجيةَ والمفاهيميةَ المعروفةَ في “أصول الفقه” أو”الفقه”، إنما ينفتح على فلسفةِ العلم والعلومِ الإنسانية المختلفة، ويعتمد على مناهجِها ومفاهيمِها؛ بغيةَ تحليلِ البنية العميقة للمعرفة الفقهية، وكيفيةِ إنتاجِها، والكشفِ عن العناصرِ المضمَرةِ في ذهنِ الفقيه وأثرِها اللاواعي في توليد المواقف والآراء والفتاوى، والصلةِ العضوية بين الفقهِ والسياقاتِ التاريخيةِ المختلفةِ التي تشكّل فيها، والعلاقةِ بين المعرفةِ الفقهية وشبكاتِ السلطة الروحية والزمنية.

فلسفةُ الفقه علمٌ يُنقّب عمّا هو غاطس في عملية الاستدلال الفقهي، ويعمل على عبور عناصر هذا الاستدلال المعروفة، ليصل إلى تشريح الخلفيات غير المرئية في استنباط الأحكام، ويسعى للتعرّف على العناصر المختلفة الخفيّة المؤثّرة في إنتاج الفتوى.

فلسفةُ الفقه لا تتوقف عند السطح، بل تنشغل بالنظر إلى الأعماق، في محاولةٍ للكشف عن البنية التحتية للتراث الفقهي، أي أن هذا العلمَ يحاول أن يتوغل بعيدًا ليكتشف الأحكامَ السابقةَ للفقيه، وتأثيرَ رؤيته للعالم، وما هو غاطس في لا وعيه من مؤثّرات متنوّعة، توجّه تفكيرَه على وفق بوصلتها.

كلُّ خبير يدرس الفقهَ في ضوء المناهج الحديثة يكتشف أنه مدونةٌ تشريعيةٌ، ومرآةٌ ترتسمُ فيها ألوانُ تفكير فقهاء الإسلام في العصور المختلفة، وتحمل بصمةَ شخصياتهم، وتحكي كيفيةَ حياتهم، وأنماطَ العيش المتنوّعة في بيئاتهم. كذلك يعرف أن قراءاتِ الفقهاء لما جاء في القرآن والسُنّة من نصوص، مضافًا إلى أنها وُلدت في إطار ما فرضته شخصياتُهم وأحكامُهم السابقةُ وآفاقُ انتظارهم وما تحفل به بيئاتُهم من جهة، وُلدت من جهة أخرى في إطار ما فرضته قواعدُ ومعاييرُ قراءة النصوص الدينية، تلك القواعدُ والمعاييرُ التي تمّت صياغتُها في عصر متأخّر عن عصر البعثة بمدة طويلة نسبيًّا، بدأ في النصف الثاني للقرن الهجري الثاني[5]، وصارت هذه القواعدُ تتجذّر وتتوسّع عموديًّا وأفقيًّا بمرور الزمان، حتى فرضتْ طريقةَ فهمٍ تهيمن على عمليات تلقِّي النصوص الدينية في الأزمنة المختلفة، بنحو تسيّدتْ فيه وتأبّدت فأضحتْ قوالبَ صارمة، لا مشروعيةَ لقراءةِ أيِّ نصٍّ أو ممارسة لتفكيرٍ فقهي خارج أسوارها.

حاولنا هنا أن ندرس الخلافَ حول الهلال في ضوء “فلسفة الفقه”. وهو مثالٌ تطبيقي لهذا العلم، ينشد إضاءةَ ما هو مستور في النزاع على الهلال، فخلصنا إلى أن الخلافَ على الهلال يعود لمحاولة استملاكِه الرمزي، واحتكارِه بغية إثراء رأس المال المقدّس، وتبيّن لنا أنَّ الخلافَ هو على هِلَالَيْنِ وليس على هِلَالٍ واحد، فهلالُ الفقهاء غيرُ هلال الفلكيّين، هلالُهم مؤطَّر بمعنى ديني، في حين أن هلالَ الفلكيّين هلالٌ ماديٌّ مجرَّدٌ من المضمون الرمزيّ الديني، بوصفة ظاهرةً فيزيائية كونيَّة، يكتشفها ويحدّد كلَّ شيء فيها العلمُ، وهو ظاهرةٌ محايدة حيال المعنى الديني، وليست مؤطرةً بشيء ينتمي للمقدّس.

المقدّس يمثّل موقفًا حيال العالم، وطريقةً خاصَّة للتعامل معه، بشكل لا يتطابق دائمًا مع الدنيويّ، والتعرّفُ على ذلك يتطلَّب دراساتٍ متنوّعة، لا تكرّر ما هو موروث، بل تنفتح على المناهج الحديثة في العلوم والمعارف الإنسانية وتطبيقها على النصوص والظواهر الدينية، لتكتشف كيفيةَ توالُد المقدّس، وأنماطَ صيروته وتمثُّلاته في المجتمع، والصلةَ العضويّة بين حدوده وجغرافيا السلطة الروحية ومديات نفوذها في الحياة البشرية.

[1] جزء من الفصل السابع للطبعة الثالثة لكتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي، تأليف: د. عبد الجبار الرفاعي، الكتاب تحت الطبع.

[2] أحمد أمين العراقي غير المؤرّخ والكاتب الشهير أحمد أمين المصري، الأول هو: أحمد بن أمين بن محمود الزنجاني الكاظمي 1324 – 1390هـ. مدرس رياضيات للمرحلة الاعدادية، كتب كتابًا صدر في 7 أجزاء بعنوان: “التكامل في الإسلام”، وهو كتاب وعظي مبسَّط، يطبّق فيه قضايا علمية في تفسير آيات القرآن ومسائل الدين، يعيد ما كتبه كتّاب مصريون من قبله مثل: الشيخ طنطاوي جوهري، ومحمد فريد وجدي، وغيرهما.

 

[3] ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة.

 

[4] الرفاعي، عبد الجبار. إنقاذ النزعة الانسانية في الدين. بيروت: دار التنوير ومركز دراسات فلسفة الدين، 2013، ص 21 – 22.

 

[5] أول كتاب صنع قواعدَ لكيفية توظيف القرآن والسنة في الاستنباط الفقهيّ هو: “الرسالة”، الذي ألّفه محمد بن إدريس الشافعي 150 – 204هـ مؤسّس المذهب المعروف.

 

رابط النشر