Category: لاهوت الرحمة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان

الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الوجهُ نافذة الدخول الأولى إلى الإنسان، وهو من أهم نوافذ الدخول إلى مشاعره وقلبه. نرى إنسانًا للوهلة الأولى وكأن وجهَه مصباحٌ يضيء باطنَه، أو نرى وجهَ إنسانٍ مُلتبِسًا مبهمًا غامضًا. الوجه مفتاح بوابة شخصية الإنسان، يأخذنا الوجهُ في رحلة اكتشاف شيءٍ من اللامرئي في الإنسان. الوجه بوصلة التفاعل الإنساني والتواصل الأخلاقي بين إنسان وإنسان، الوجه مرآة يرتسم فيها شيءٌ من فرادة كلِّ فردٍ وتميزِه عن غيره. ‏في الوجه يتكشف شيءٌ من المعنى الأخلاقي والروحي الذي يمكن أن يمنحه كلُّ إنسان لغيره، في الوجه نقرأ ما يرشدنا لكيفية التواصلِ الإنساني وإدارةِ العلاقة مع البشر. عندما نلتقي إنسانًا أول ما نلتقي وجهَه قبلَ كلّ شيء، الوجهُ ضوءٌ غالبًا ما يكون الأوضحَ تعبيرًا، والأشدَّ تأثيرًا في العلاقات الإنسانية. الوجهُ مرآةٌ لا يمكن رؤيةُ الإنسان والتوغلُ إلى عالمه الجواني إلا من خلالها. العلاقاتُ الإنسانية العميقة الوجهُ من أسرع مفاتيحها، ‏الحُبّ الذي هو أعذبُ وأغنى علاقة إنسانية الوجه من مفاتيحه الأساسية.

الوجهُ بقدر ما هو قناعٌ يحجب شخصيةَ الإنسان، هو مصباحٌ يضيء ما في داخل الإنسان، التمييز بين الحالتين يتطلب فراسةً وحدسًا وخبرةً لتمييز الوجهِ المخادع المتصنِّع والوجهِ العفوي الصافي الصادق. تعبيرات الوجه تؤثر في قراراتنا حيال مَن نتعامل معه، أحيانًا يكون أثرُها حاسمًا في نوع الموقف الذي نتخذه بالإقدام أو الإحجام. تعبيرات الوجه مختلفة، أحيانًا يعكس تعبيرُ الوجه الفعلَ وأخرى يعكس الترك، أحيانًا يعكس النورَ وأخرى يعكس الظلام، أحيانًا يعكس القبولَ وأخرى يعكس الرفض، أحيانًا يعكس الإعجابَ وأخرى يعكس النفور، أحيانًا يعكس الإقبالَ وأخرى يعكس الإدبار، أحيانًا يعكس السكينةَ وأخرى يعكس القلق، أحيانًا يعكس الطمأنينةَ وأخرى يعكس الفزع، أحيانًا يعكس الوجومَ وأخرى يعكس الإفصاح.

الوجه هو الأفق الأخلاقي للتواصل في رأي الفيلسوف الفرنسي من أصل لتواني (1906-1995) إيمانويل ليفيناس. الأخلاق محور فلسفة ليفيناس، تبدأ فلسفتُه بالأخلاق، فهي الفلسفة الأولى قبل الأنطولوجيا. أعلى من وظيفةِ الأخلاق بنحوٍ احتلت مكانةً تتفوق فيها على كلِّ شيء. جعل الوجهَ مفتاحَها، من ملامحِ الوجه يمكن التعرّفُ على الإنسان واكتشافُ شخصيته وفهمُ كيفية التواصل معه، بنحوٍ صار “شاغله الأساسي هو ترسيم علاقة (الوجه-لوجه) الأخلاقية بالآخر”[1]. يركز ليفيناس على الوجه لفهم العلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعي، إذ يقول: “فالوجه هو الذي يبدأ كل خطاب، وكل إمكانية للخطاب، بما فيه ذلك الذي يعبر عن المسؤولية التي ستقوم عليها العلاقة الأساسية بين الأنا والآخر”[2].

بعض الناس الباطنيين العاجزين عن التعبير عن مشاعرهم يبدو أحيانًا وجهُهم كأنه ممحوٌ لا تظهر عليه أيةُ ملامح، أو يبدو مظلمًا، أو يبدو كأنه شبحٌ مخيف، لا يعرف هذا الوجهُ الابتسامة، وغالبًا لا تظهر عليه آثارُ التعجب والدهشة والانفعال والتفاعل. الوجه العاجز عن التعبير عن عواطف صادقة يعجز عن بناء علاقات عميقة. العلاقات منبعُها الأساسي العواطف، العواطف الصادقة تنبعث وتتغذى من الكلمات المبهجة وتعبيرات الوجه بالبشرى والابتسامة. ابتسامةُ الوجه من شأنها أن تضىءَ قلبَ مَن تتعامل معه، وتجعل حضورَنا وتأثيرَنا أسرع في حياة مَن نتواصل معه. في: “دراسة أعدتها جامعة تينيسي الأميركية، ونشرت في 2019، أظهرت أن الابتسامة يمكن أن تجعلنا نشعر بالسعادة. حيث قام الباحثون بتحليل نتائج 138 دراسة شملت 11 ألف شخص، وأجريت على مدار 50 عاما الماضية، وتوصلوا إلى أن الابتسامة -وإن لم تكن تلقائية – تولد قدرا من السعادة والفرح أو البهجة. ولا يعني ذلك -حسب المجلة – أن الابتسامة وحدها يمكن أن تخرجنا من حالات الاكتئاب والحزن، إلا أنها خطوة جيدة كمرحلة أولى نحو التخلص من المشاعر السلبية”[3]. و “نشر آلان كوينِ وداشر كيلتنر وكلاهما بجامعة كاليفورنيا في بيركلي بحثاً عام 2018 في مجلة (أميركان سايكولوجست)، خلص إلى أن إشارات الوجه والجسم معا يمكن أن تؤشر على ما لا يقل عن 28 صفة مميزة من المشاعر اليومية على الأقل في البالغين الغربيين. وهذه تشتمل على الكبرياء والخجل والرغبة والتسلية. ويقولان، إن هناك الكثير من أنواع الابتسامة المتنوعة التي تظهر على حالات أكثر تحديداً، مثل التسلية، والرغبة، والحب، والاهتمام، والرهبة، والتعاطف”[4].

يشكو لي إنسانٌ عاطفي من صديق له، يبخل عليه دائمًا بكلمة طيبة، ويستخفّ بمنجزه ولا يكترث به، وعندما يتحدث إليه ينظر إليه بوجهٍ متجهم يشي باستخفاف واستفهامات إنكارية، وينشغل بإظهار تفوقه عليه. يتكلم بنبرةٍ حادة ولغةٍ تسلطية متعالية كالذي يصدر أوامرَ عسكرية، يستعمل كلماتٍ قاسية بلا أن يكترث بمشاعر مَن يصغي إليه. يقول إذا أهديتُ له كتابًا ظهرتْ على وجهه حالةُ سخرية وقرف، ولا يترك هذه الفرصةَ قبل أن يسمعني كلماتِ ازدراء، تشعرني بتفاهة كتابتي وهزالتها وبؤس تفكيري. هذا الإنسان دائم الحديث عن كتاباته وذاته المتورمة، يترقب من الكلِّ تبجيلَ منجزه والاحتفاءَ به من دون أن يبجّل منجزَ أحدٍ أو يحتفي به.

لفراط إعجابي عند قراءتي كتاباتِ كاتبٍ تورطتُ بعلاقةٍ معه في مرحلةٍ مبكرة من عمري، كان الرجلُ غريبَ الأطوار، نادرًا ما يبتسم. وجهُه مظلم مكفهر مكتئب حانق طوال الوقت الذي تجلس معه، لا تسمع منه إلا الشكوى من تضييع مكانته، وتجاهلَ القراء لكتاباته، وتقديمَهم لغيره على الرغم من أنه هو الأعمق والأكفأ والأشد انتماءً لوطنه. لم أسمع منه ذكرًا لإنسانٍ بخير إلا في حالات نادرة، ولو ذكر أحدًا مرة بخيرٍ يعود لينتقم منه بمناسبة وغير مناسبة في مرات لاحقة. يسلق لسانُه كلَّ اسمٍ يرد بخاطره، مسكونٌ بملاحقة الناس بالاتهامات والازدراء، لا يكفّ عن ممارسة تبخيس الناس حقوقهم، كأنه مصابٌ بالإدمان على هجاء الناس، لا يستطيع الخلاصَ من الانشغال بالحديث الممقوت عن غيره مادمتُ جالسًا معه. حين تحتفي به لا تصدر منه أيةُ اشارةٍ للاحتفاء بك، لا يبادلك أيةَ مشاعر تعكس الودَّ والامتنان. متى جلستَ معه لا يعطيك فرصةً للتحدث، وإن قاطعته ينزعج وربما يتصرف بلا تهذيب. بعد مدة غادرتُ هذه العلاقةَ المنهِكة، لم أتخذ موقفًا سلبيًا من الرجل، ولم أعد أذكرُه لا بلساني ولا حتى بذهني، إلا أن يذكرني به غيري. شطبتُه من ذاكرتي إلى الأبد، عندما وجدتُ نفسي متى جلستُ معه أخرج وأنا حزين متذمّر، غاضب من هجائه المبتذل. ينطلق هذا الإنسانُ من مديونيةٍ متوَّهمة له في أعناق الناس، يحسب أن وظيفة الناس اكرامه واحترامه من دون أن يكرم أحدًا بشيءٍ أو يحترمه. لم يعرف عنه يومًا أنه بادر بكلمةٍ طيبة أو موقفٍ جميل. الحياة مديونيات متبادلة، الإنسان محكومٌ باحتياجاته المتنوعة، احتياجُه للمعنى عميق، يترقب كلُّ إنسان من الصلات خارج إطار العمل المهني والوظيفي والتجاري، أن تشبع الصلةُ بغيرة شيئًا من حاجته الأبدية للمعنى. أولئك الذين يحسبون أن لهم مديونيةً على الخلق من دون أن يقدّموا لهم شيئًا ماديًا، ولم يضيفوا لحياتهم أيَّ معنى روحي أو أخلاقي أو جمالي، تجفُّ روافدُ علاقاتهم بغيرهم ويهجرهم أقربُ الناس إليهم بالتدريج.

هناك فرقٌ بين التعاملِ الاجتماعي مع الإنسان، وبين فهمِ الإنسان وتفسيرِ سلوكه وتناقضاته بعمق. فهمُ الإنسان يجب أن يكون في ضوء الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتربية، ومعطيات العلوم والمعارف الحديثة المختلفة. التعامل الاجتماعي مع الإنسان يجب أن ينضبط بالمعايير الأخلاقية، الضمير الأخلاقي يفرض علينا أن نعامل الناسَ بالحسنى، حتى لو كان مَن نتعامل معه لا ينضبط سلوكُه بمعايير أخلاقية، إن كان كاذبًا فكنْ أنت صادقًا، إن كان خائنًا فكنْ أنت أمينًا، إن كان مراوغًا فكنْ أنت مستقيمًا، إن كان مدلسًا فكنْ أنت واضحًا. أعرف أن الصبرَ الطويل لا يطاق على معاملة بعض الناس المصابين بأمراض نفسية وأخلاقية حادة. جربتُ ذلك مرارًا، لكن في خاتمة المطاف تعبتُ، لحظة اكتشفت إصابةَ هذا الإنسان بمرضٍ نفسي حاد، وأحيانًا تكون الإصابةُ مضاعفةً بملازمة المرض الأخلاقي للمرض النفسي.

 

[1] تِد هُنْدرتُش “محرر”، دليل أكسفورد الفلسفي، ترجمة: د. نجيب الحصادي، مراجعة: د. منير الطيباوي، 2021، ج2: ص 1314، هيئة البحرين للثقافة والآثار.

[2] المصري، وفيقة، “وجهًا لوجه أم قناعًا لقناع: ليفيناس والعلاقة الأخلاقية مع الآخر”، معنى، 8 نوفمبر، 2020.

[3] موقع قناة الجزيرة، 11/10/2020.

[4] صحيفة الشرق الأوسط، 2 مارس 2020.

 

https://alsabaah.iq/90160-.html

 

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

د. عبد الجبار الرفاعي

رحيلُ صفوةِ الأخوةِ يهدم ركنًا أساسيًا بداخلي، أشعر كأن أحدَ أعضاءِ جسدي يرحلُ معه إلى القبر. لحظةَ أقرأ نبأَ وفاةِ إنسانٍ يحتضنه القلبْ أبكي، ويسعفني القلمُ لأرسمَ صورةَ الحزنِ الذي يباغتني بفقدانِه. نادرًا ما أعيشُ صدمةً تحبسُ البكاءَ، وتُخرسني عن الكلامِ والكتابة كما حدث برحيلِ أخي العلامة السيد محمد حسين الأمين، فقد غرقت في حالة ذهولٍ أنستني الكلمات وعطلت قلمي عن الكتابة، لم أكابدْ مثلَ هذه الحالةِ من قبل. كنت أفتش عن دمعةٍ تطفئ جمرةَ القلب، فلا تسعفني عيناي، البكاءُ المؤجلُ أقسى أنواع البكاء مرارةً. لم أكن أدرك حجمَ حضورِ هذا الإنسان بداخلي، ولم أتحسس قبلَ ذلك ما يفرضه رحيلُه المفاجئ المفجع من صدمة عنيفة تكفُّ فيها الكلماتُ عن الإصغاء لوجع القلب، وتصمت الحروفُ عن النطق. أعرف غزارةَ ما تجودُ به عيناي من دموعٍ لحظاتَ الحزن وحتى الفرح، لكن لم أكن أعرف كيف تحتجبُ الدموع.

لن أنسى في حوزة النجف السيدَ الشهيدَ محمد باقر الصدر ولن ينطفئ ألقُ حضورِه العاطفي في ضميري، ملأ فكرُه الدنيا وشغل الناسَ في عصره، ووجّه التعلقُ بفكره وشخصيته بوصلةَ مستقبلي في الحوزة منذ سنة 1978، ولن أنسى في لبنان السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص. قلما عاشرتُ رجلَ دينٍ فرض حضورَه في قلبي بلا حدود، واحتلَّ هذه المكانةَ في مشاعري بلا حدود كالسيد محمد حسن الأمين، الذي يجهلُ مواهبَه وتكوينَه الفكري والثقافي والأدبي كثيرون ممن لا يعرفون إلا اسمَه وشخصَه.كان الأمين أخلاقيا نبيلًا، مفكرًا موسوعي الثقافة، أديبًا وناقدًا ذكيًا، وشاعرًا مطبوعًا، يمتلك ذائقةً فنية ورؤيةً جمالية للعالَم، لم أشهد صفاتَه تلتقي لدى أكثر مَن تعرفت عليهم.كان الأمينُ أمينًا على الأخوة بلطفٍ وذوق متفرّد يختصّ به،كان أعذبَ معمّم صادقتُه في حياتي.كنت أتذوقُ الجمالَ في طريقة تفكيره وعقله الخلّاق، ولطفه، ومشاعره الدافئة، ولغته الآسرة، وأدبه وشعره الرقيق. هذا رجلٌ كبير، خسرتُ برحيله صديقًا صدوقًا لا يمكن أن يعوضني شيءٌ بفقدانه. سيدرك مَن يقرأ فكرَه بتأمل، وتتكشف له سيرتُه لاحقًا: أنه كنبيٍ ضيّعه قومُه. قلّما عاشرتُ إنسانًا كان مرآةً أرى فيها كثيرًا مما أتمناه وأحلم به وأطمح إليه في حياتي كهذا الرجل المهذب. صلتي العميقة بالسيد الأمين كشفتْ لي مثالًا فريدًا تجلّت في تفكيره ومواقفه نسخةٌ نادرةٌ من الإنسان. لم يكن الأمين نصفَ عالمٍ، ولا نصفَ أخلاقيٍ، ولا نصفَ مفكرٍ، ولا نصفَ شاعرٍ، ولا نصفَ ناقد. لم يكن مراوغًا، لم يكن زئبقيًا، لم يكن هشًا في كلماته وكتاباته ومواقفه.كان مفكرًا عقلانيًا حرًا جسورًا صلبًا، يمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا.

مازالت بصمةُ بعض اللبنانيين العامليين[1]من جيل الأمين مضيئةً، لم تنطفئ آثارُها تمامًا في الحياة العلمية والأدبية والثقافية في النجف، مازالت تضيء حيثما رحلوا وأقاموا في الأرض. ما كان عددُهم كبيرًا مقارنة بغيرهم من طلاب الجنسيات الأخرى، غير أن دورَهم كان أثرى وأوسع من عددِهم. فاعليةُ حضورهم على الدوام كانت لافتةً في حلقاتِ الدرسِ الحوزوي وكليةِ الفقهِ والرابطةِ الأدبيةِ والمنتدياتِ والأنشطةِ الثقافيةِ النجفية. صدرت مجلةُ “الأضواء” استجابةً لتحديات الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي الجديد وأعاصيرِه بعد ثورة 14 تموز 1958، كانت المبادرةُ ذكيةً بتوقيتِ صدورها، ونمطِ الكتابة الجديد فيها، ونوعِ موضوعاتها المبتكرة، صوتُها لم يكن صدىً لما يُدرس في المدارس الدينية. طالعتُ المجموعةَ الكاملةَ لأعداد الأضواء، عندما كنتُ أدرس في حوزة النجف أواخرَ سبعينيات القرن الماضي. اكتشفتُ أن كلمةَ تحريرِ المجلة كان يكتبها في بعض أعدادها السيدُ محمد حسين فضل الله، وصدرت لاحقًا في كتابه “قضايانا على ضوء الإسلام”، وكانت المحاضراتُ النوعية للشيخ محمد مهدي شمس الدين على طلاب كلية الفقه لافتةً بتفسيرها التحليلي للتاريخ، مضافًا إلى كتاباته المتميزة المنشورة في هذه المطبوعة وغيرها.كما طالعتُ معظمَ أعدادِ مجلةِ النجف الصادرةِ نهايةَ ستينيات القرن الماضي عن كلية الفقه، رأيتُ هيئةَ تحريرِ هذه المطبوعة تألفت من: السيد محمد حسن الأمين، والسيد هاني فحص، والسيد عبد الهادي الحكيم.

لا أتذكر لقاءً جمعني بالأمين غابتْ فيه أطيافُ ألقِ النجف وحوزتِها ومنتدياتِها، كأن النجفَ تتحدث إليك في قلبه. سكنتْ روحُه نجفَ أمير المؤمنين “ع”، وتغذّت بفضائها الرمزي عواطفُه، واتسع لعلومها عقلُه، كأن ذاكرتَه ارتوت حتى فاضت بما في النجف من ثروةٍ رمزيةٍ وروحيةٍ وعلميةٍ وأدبية. غادر الأمينُ النجفَ المكانَ، إلا أن ذاكرةَ النجف الحيّة لم تصمت في ضميرِه يومًا. غالبًا ما أدهشني ألقُ حضورِ النجف الطاغي في وجدانه، وحماسُه المتدفقُ وبهجتُه لحظةَ الحديثِ عن النجف. بعد 12 سنة من الدراسة والتدريس في الحوزة وكلية الفقه عاد السيد الأمين إلى بلده، وكان صوتُه أصفى ما يعبّر عن رسالة النجف الثمينة، بكلِّ ما تجلّى في مدرسة النجف من تنوعِ عميق للاجتهاداتِ الفقهية والأصولية، وإبداعٍ أدبي غزير، وألوانِ طيفٍ فكري تتجاورُ فيه مدوناتُ التراثِ الواسع، ومفاهيمُ وأفكارُ أحدثِ الكتب والمجلات الأدبية والثقافية الصادرة في بغداد وبيروت والقاهرة وغيرها.

يعتزّ الأمين بدينِه وتشيّعه، ودراستِه في مدرسة النجف، ويعتزّ بتاريخِه الشخصي وانتمائِه لعائلةٍ دينية عريقة، أنجبتْ السيدَ محسن الأمين العاملي الذي كان شجاعًا في الدعوة لتنقية الشعائر الحسينية وتنزيهِها في النصف الأول من القرن العشرين. لم تشغل السيدَ محمد حسن الأمين صغائرُ الأمور، ظلّ كبيرًا على الدوام، عابرًا للهموم الطائفية الضيقة.كان وطنيًا قبل أن يكون طائفيًا، لبنانيًا قبل أن يكون مذهبيًا،كان بارعًا في التنقيب عن المشتركات والإصغاء للنداء الإنساني الذي يوحّدها. لم يكن عبورُ الأمينِ بمعنى الهجران، حين يعبرُ من لبنان إلى العروبة يظلّ يحمل لبنانَ وهمومَه معه حيثما كان، لا يختنق وعيُه بالأيديولوجيا القومية المتعصبة للحصري وأمثالِه، بل ينتمي للعربية بوصفها لغةً وثقافة وتاريخًا مشتركًا، لا يقف عند آفاقِ العروبةِ المحدودة، بل يتجاوزُها إلى آفاقِ الإنسانية الرحبة. حين يعبرُ من التشيّع إلى الإسلام يظل ضميرُه يحتضنُ كلَّ همومِ التشيعِّ الكبرى، وحين يعبر من الإسلام إلى الأديان يظلّ وعيُه يحتضنُ الروحَ والأخلاق وقيمَ التراحمِ والسلام في الإسلام، وحين يعبر من الأديان إلى الإنسانية يظلّ يحتضنُ أغنى ما يتكشفُ في جوهر الأديان، كان الأمين إنسانيًا قبل وبعد كلِّ شيء.

فرض العامليون بعد عودتهم إلى وطنهم حضورَهم على الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ملأ صوتُهم الآفاقَ بلبنان وغيرها من البلدان. جهودُهم متنوعة بتنوع الأديان والطوائف اللبنانية، مُبادِرة بإرادةٍ واثقة حيثما كان مَن يترقب مبادراتِها في ترسيخ السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي. عدة مرات حضرنا معًا، السيد الأمين وأنا، مؤتمراتٍ وندوات ومناسبات ثقافية واجتماعية، خارجَ فضاءِ الاجتماع الشيعي، أتفاجأ باحتفاءِ النخبة اللبنانية بالأمين وبمن معه. قبل نحو 30 عامًا فوجئتُ بظهور جماعة من الشباب العامليين من جيل تلامذتي في حوزة قم، زاروني يحملون معهم مطبوعةً كثّروها بالاستنساخ تعدُ بوعي جديد. أتذكر منهم: الشيخ حيدر حب الله، والسيد مهدي الأمين، والشيخ أحمد أبو زيد، تحسّستُ في أحلامهم ما يشي باستفاقةِ وثبةِ الروح العاملية في مدرسة النجف وانبعاثِها لديهم مجددًا. ثابر هؤلاء الشبابُ على الدراسة والتدريس عدة سنوات، وانشغلوا بالبحث والكتابة، وكانت لهم إسهاماتٌ في مجالات متنوعة. إلا أن الرياحَ شاكستهم، فلم تفرض جهودُهم حضورَها في موطنهم، ولم نسمع بأصداء لمنجزِهم، تتناسبُ وحجمَ ونوعَ العطاءِ الجديرِ بالاهتمام الذي قدموه.

نحن مدعوون لإعادة اكتشافِ فكرِ العلامةِ الأمين غيرِ المنشور، وتوجيهِ طلاب الدراسات العليا في كليات الشريعة والعلوم الإسلامية للكتابة عن آثاره. أشهدُ أن فكرَه يمكن أن يُحدِثَ أثرًا إيجابيًا طيبًا في إيقاظ الحياةِ الروحية والأخلاقية للشباب، وتقديمِ صورةٍ ناصعةٍ للدين، الجيلُ الجديد في عالَم الإسلام بأمسّ الحاجة إليها اليوم.كان الأمين مفكرًا شفاهيًا، لم يحرص على تدوينِ أفكاره، والتعريفِ باجتهاداته في الفقه والقضاء، ولم يجمع شعرَه الغزير في ديوان بحياته. أدعو العزيز السيد مهدي الأمين والعائلةَ الكريمةَ للمبادرة بجمع آثاره، من: محاضراتٍ، وندواتٍ، ومقابلاتٍ وحواراتٍ صوتية، ومقالاتٍ متناثرةٍ في صحفٍ ومجلات متنوعة، وإعادةِ تحريرِها وتنقيحِها، وإصدارِها عاجلًا عن دار نشر عراقية لبنانية؛ لئلا يغيبَ إنتاجُه الفكري عن النجف، ويقرأ المهتمون وفاءَ الأمين لمدرسة النجف التي حمل رسالتَها بكفاءة استثنائية كلَّ حياتِه؛ لبثت النجفُ مقيمةً بقلبه ولم يبرد حنينُه إليها في مختلفِ مراحلِ حياتِه.

لم تحتبسْ عقلَ الأمين أسئلةُ: الإيمان والإلحاد، والمادية والدين، والاشتراكية والإسلام، وأشباهُها من أفكار تصارعت منتصفَ القرن الماضي، أسئلةٌ اندثرت ونسيتها الأجيالُ اللاحقة، واختفت من اهتماماتِ أكثرِ الباحثين والدارسين والمثقفين، ونادرًا ما تحضر تلك الاهتمامات في أسئلة الجيلِ الجديد. واكب الأمينُ الأسئلةَ الجديدة، وتحدث بلغة تتناغمُ ومنطقَ الواقعِ وآفاقَ أسئلةِ اليوم. استمعتُ إلى شيء من حواراتِه ومداخلاتِه في ندوات اشتركنا فيها معًا، وتحدثنا ساعاتٍ طويلةً في جلسات كثيرة بمختلفِ قضايا: الحداثةِ والتراثِ، والأصالةِ والمعاصرة، والدولةِ والسلطةِ، والهويةِ، والتعدديةِ والاختلافِ، والتسامحِ، وأسئلةِ الفكر الديني العربي والإيراني الحديثِ والمعاصر، وغيرها.كنا نقضي أثرى الليالي في بيروت وصيدا ودير كيفا في جنوب لبنان بحوارٍ مثمر. انشغل الأمين بقضايا: العقلانيةِ النقديةِ، والدعوة للانتقالِ إلى عصر أنوار إسلامي، وتجديد مناهج الاجتهاد، وإعادةِ بناء الفكر الديني ليكون من أجل الإنسان، واقتراحِ صيغةٍ إسلامية للعيش المشترك بين الأديان، وتحريرِ الوعي الديني من التشوهات الطائفية، وبناءِ رؤيةٍ تكاملية للوحدة، والتثقيفِ على الحقوق والحريات وتعزيزِها، وتكريس الشعور بالكرامةِ، والحقِ في الاختلافِ، والتنوعِ، والتعدديةِ، والعيشِ المشترك، والتسامحِ، والاحترامِ المتبادل، والهويةِ، والدولةِ المدنية، والمشروعية الشعبية، والتداولِ السلمي للسلطة، والتنميةِ، والتحديث.

شهد الأمين تزعزعَ الكيان اللبناني، وعواصفَ الحرب الأهلية المريرة، وما أعقبها من تداعياتٍ ومواجعَ في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته. لم يكن متفرجًا ولا محايدًا في عصر تفجرت فيه التناقضاتُ الطائفية والنزاعات، وسادته ظروفٌ بالغةُ التعقيدِ والتوتر. ظل صوتُه وفيًا للحرية والوضوحِ والصراحةِ والصرامةِ بمختلف محطات حياته، وتقلباتِ السياسة والفكر في وطنه.كرّس جهودَه للعيش المشترك في إطار التنوعِ والاختلاف. في ضراوة لهيبِ الحربِ وأنينِ الدم المسفوحِ لم يكف صوتُه عن إعلان رسالة السلام في الإسلام، في تلك الظروف الكئيبة كان يصرّ على ضرورةِ إيقاظ جوهرِ رسالةِ الأديان في التراحم والتضامن والسلام، بوصفها فريضةً دينية وضرورةً أخلاقية واجتماعية وسياسية لحماية المجتمعِ من العنفِ والحربِ الأهلية.

[1]لعامليون تسمية اشتهر بها اللبنانيون في حوزة النجف.

 

رابط النشر:

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

براء ريّان[1]

يبدأ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” بالحديث عن نشأة علم الكلام، وأسباب النشأة ودوافعها، إن كانت داخلية أو خارجية. علم الكلام لم ينشأ كنوع من الترف الفكري كما يعتقد البعض، بل نشأ تلبية لحاجات فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي والديموغرافي والثقافي والعقدي. يوضح د. عبدالجبار الرفاعي في هذا الكتاب المخاوف التي أصابت الفقهاء من هذا العلم الذي يحاول عقلنة أصول الدين وإثباتها بطرق عقلية. عارض كل من الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل هذا العلم، وهذا التعاض يعكس البنية السوسيولوجية والمعرفية التي لم تتهيأ في تلك اللحظة التاريخية لاستيعاب التفكير العقلاني الفلسفي بطريقة شبيهة لمن يرفض العقلانية الحديثة. مثّل علم الكلام في تلك اللحظة قمة الفكر العقلاني في الإسلام بجرأته ومقولاته المتنوعة وأسئلته. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي: ان تراجع علم الكلام بدأ عندما نُقلت الحوارات الكلامية من دور العلم إلى بلاط السلطان وخضعت للسياسة،كان الاعتزال ضحية هذا الانتقال من التفكير خارج حدود عقلانية السلطة. عندما تأدلج علم الكلام وتوقف التفكير العقلاني فيه دخل مرحلة السبات، وصار ضحية الوثيقة القادرية ( ٤٠٨ هـ ) التي فرضت مذهباً رسمياً واحداً لا يحق لأحد الخروج عليه وهو المذهب الحنبلي، وحرّمت التفكير الاعتزالي، فكانت هذه ضربة موجعة للتفكير الكلامي العقلاني، بعد أن تحول لمقررات ومراسيم وأوامر تفرضها السلطة السياسية. لم يستسلم الفكر الكلامي كليا لهذه التحولات، بل نهض علم الكلام مجدداً بعد زمان على أيدي متكملين كبار كنصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي، وغيرهما، وهو ينهض اليوم مجددا في علم الكلام الجديد.

كان لنشأة الفكر الكلامي في عالم الإسلام دور هام بتوليد الأسلئة العقلانية التي تبحث قضايا الاعتقاد لتولد منه تساؤلات ومقولات متنوعة. حضور العقل في التفكير الكلامي وعقلنة العقائد الدينية، وبحث كبرى الأسئلة العقلية كالجبر والاختيار والتوحيد والعدل وغير ذلك، تسبب بمحاربة التفكير الكلامي من تيارات رأته يشكل تهديداً لأصول الشريعة. نضج علم الكلام ليشكل الرؤية الكونية في الإسلام، وليشكل نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي كما يرى أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.كل ذلك كشفه الرفاعي في علم الكلم القديم، فأدرك سطوته على العقل الإسلامي، بل أدرك أنه المنبع العميق لأصول الفقه والآراء والمواقف الفقهية وتفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف.

تحدث الرفاعي عن محاولات التأسيس الحديث لعلم الكلام وتجديده منذ أيام ولي الله الدهلوي مروراً بسيد أحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، وانتقالاً للمدرسة الإيرانية في مشروع القراءة الهيرمونيطيقية عند محمد مجتهد شبستري، إلى القبض والبسط وبسط التجربة النبوية عند عبد الكريم سروش، والعقلانية والمعنوية عند مصطفى ملكيان، ثم المدرسة العربية المتمثلة بالقراءة الألسنية عند نصر حامد ابو زيد، والإسلاميات التطبيقية عند محمد أركون، والتراث والتجديد عند حسن حنفي، وغيرهم. كتابات كثيرة مر عليها أستاذنا الرفاعي واستوعبها استيعاباً نقدياً وناقش أصولوها ومرجعياتها، مما جعلته يضع جهده الأكبر في رسم ملامح علم الكلام الجديد، ووضع مقدمة هذه كي تحاول رسم حدود هذا العلم وموضوعه ومنهجه، محاولاً تمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم من جهة، والكشف عن المحاولات الشكلية لتجديد علم الكلام.

يرى الرفاعي ان علم الكلام القديم لبث يفكر في إطار العقلانية القروسطية، وفي ظل منطقها وفلسفتها، وفي ظل نظامها المعرفي، والعلوم الطبيعية السائدة آنذاك. نشأ علم الكلام ليجيب عن أسئلة المسلم في تلك القرون، فمع تطور المنطق والفلسفة ونشوء علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وتطور العلوم الطبيعية لدرجة القطيعة الابستمولوجية مع الطبيعيات القديمة، وتطور أسئلة المسلم المعاصر، نشأت حاجة يفرضها الواقع، لنشوء علم كلام جديد، يستوعب الطفرات الفلسفية الحديثة والعلوم الإجتماعية والمناهج الإبستمولوجية، ليخلق حواراً فكرياً ينطلق من واقع المسلم. وعلى هذا الساس تسقط بعض الدعوات التي ترى علم الكلام الجديد نوعا من الترف الفكري والإدعاءات، فنظرة سريعة لما نحن فيه ندرك فيها الحاجة الماسة التي فرضها الواقع لإنشاء علم الكلام الجديد. لا يمكن مثلاً بناء حياة متصالحة مع العصر للمسلم في ظل مقولات الولاء والبراء والفرقة الناجية وتكفير المسلم المختلف في عقيدته التي ترسخت في علم الكلام القديم.

معيار علم الكلام الجديد عند الرفاعي

يضع الرفاعي معياراً واضحاً لتمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم، والمعيار يتمثل كما يرى في الفهم الجديد للوحي. يرى الدكتور الرفاعي أن كل شيء يحدد فهمه تعريفنا للوحي، إذ يقول: (يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. في حدود تعريف الوحي يتحدّد مفهومُ النبوة، ويتحدّد حضورُ الإلهي في القرآن في حدود فهم النبوة، ويتحدّد معنى الكلام الإلهي).

مسألة فهم الوحي أخذت مسارين في الفكر الإسلامي المعاصر، كما يقول الدكتور الرفاعي:

1- مسار يرى الوحي بتعبير د. نصر حامد ابو زيد (منتَج ومنتِج ثقافي) حيث يكون في فترة التكوين مرآة للثقافة، وما بعد التكوين يتحول لموجِّه للثقافة. يعتمد هذا المسار علوم الإنسان والمجتمع والفلسفة في تفسير تمثلات الوحي وأصله، فيقعون في بعض الأحيان في إنكار البعد الغيبي للوحي، ونرى في بعض الأحيان عبارات لهم يعترفون بها بالأصل الغيبي للوحي، وإن كانوا يرون أن الوحي مرآة انعكس فيها واقع عصر البعثة الشريفة ولغة ذلك العصر. ويرى الرفاعي هذا في كتابات: نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون وحسن حنفي وعبد المجيد الشرفي.

2- مسار يتعامل مع الوحي بكونه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، ويبحث في أصل ونشأة الوحي أكثر مما يبحث في تمثلاته في الحياة الإجتماعية، ويعتمد هذا التيار آثار العرفاء والفلاسفة في دراسة أصل الوحي، وعلوم الانسان والمجتمع في تفسير تمثلات الوحي في الواقع، ويرى الرفاعي هذا في كتابات: محمد اقبال وفضل الرحمن ومحمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش.

فهم الرفاعي للوحي

يقول الرفاعي: (الفهم الذي أتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحيُ، على الرغم من توظيف هذا الفهم لشـيء من أدواتِ فلسفة الدين وعلمِ الأديان المقارن وعلومِ الإنسان والمجتمع، للكشف عن البُعد البشـري التاريخي في تمثلات الوحي في الواقع. البُعد الإلهي في الوحي لا يقعُ في إطار صيرورة التَّاريخ وسياقاته، البُعد البشـريّ في الوحي يقع في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته. كلُّ ما هو تاريخي بشـري وكلُّ ما هو بشـري تاريخي،كلُّ ما هو إلهي بوصفه إلهيًّا خارج التاريخ، وكلُّ ما هو خارج التاريخ لا يخضع لمعادلات دراسة الواقع وأدوات فهمه وتفسيراته). فهم الدكتور الرفاعي للوحي يشدد على مضمونه الميتافيزيقي الغيبي، ولا يتجاهل البُعد البشري في شخصية النبي “ص”. يفهم الرفاعي الوحي بطريقة ديناميكية وهي تختلف عن الطريقة الميكانيكية التي ترى النبي “ص” مجرد وعاء مر من خلاله الوحي من دون أي تفاعل منه. الرفاعي يرى أن النبي متفاعل إيجابي مع الوحي. للوحي جانبان كما يرى الرفاعي: إلهي / بشري، بشري / إلهي، الإلهي يتمثل بعقيدة التوحيد والقيم الكبرى التي نطق بها القرآن الكريم الأبدية التي تنطبق على كل إنسان مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان، والبشري يتمثل بانعكاس حياة النبي الخاصة “ص” والظروف الخاصة بمجتمعه وواقع عصر البعثة الشريفة على الوحي. وبهذا لا يكون النبي متفاعلا سلبيا مع الوحي، بل يكون متفاعلا إيجابيا تظهر شخصيته وحياته بوضوح في الوحي. في ضوء فهم الرفاعي يتضح أن كل من لا يفهم الوحي فهماً ديناميكياً لا يمكن أن يصنف متكلماً جديداً. ويعلن الدكتور الرفاعي عن فهمه للنبوة وصلة النبي بالغيب، والفرق بين النبي وبين غيره ممن لا صلة له بالغيب، عندما يقول الرفاعي: (النبي ليس شاعرًا، ولا كاهنًا، ولا متنبئًا، ولا متأملًا يقوده تفكيره لمقام النبوة، النبيُّ نبيٌّ وكفى. لا يتمثل الوحيُ بمشاهدة النبي لأحلام في حالة النوم، أو صورٍ ينسجها خيالُ النبي، أو حالة نفسية، أو محصِّلة ارتياض صبور، أو تأمُّلات عقلية. التفسيرات من هذا النوع تهبط بمقام النبي، ولا تتنبه للتكامل الوجودي الذي تسامى إليه النبي وانفرد فيه. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية بالله).

يصنف البعض خطأ بعض الكتابات التي تكتب بلغة جديدة وتنحت مصطلحاتها الخاصة على أنها كلام جديد، لكن هذه الكتابات لا يمكن ان تصنف كلاماً جديداً وفق معيار الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لهذا يرفض الرفاعي أن يصنف الدكتور طه عبد الرحمن على أنه متكلم جديد ولا يصنف كتاباته كلاماً جديداً، لأن د. طه وفيٌّ للتراث والمدونة الكلامية ومقولات الاشعري والغزالي وابن تيمية تماماً، وإن نحت معجمه اللغوي الاصطلاحي المبتكر. العقل التراثي عقل مقيد بالتراث لا يجرؤ الخروج على مسلماته. د. طه عبد الرحمن حلقة تأخذك لكل مسارات اللغة والفكر ولكنها تعيدك في نهاية المطاف للتراث. المشكلة اننا لا نجرؤ على نقد التراث، ونقد العقل والمناهج والوسائل التي توالد من خلالها. المشكلة في عدم تحررنا من النظام المعرفي والقيمي الحاكم على المنظومة التراثية، لا نعرف سوى أن نقول تجاه العلوم الحديثة أنها نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي معين لكي نرفضها، ثم ننسى أن نطبق هذا على علومنا التي نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي قائم على العقلانية الأرسطية والرؤى التراثية. نحن نعي جداً أن هذا النظام المعرفي والقيمي كان حاكماً على كل المعارف الإسلامية، لكننا نرفض أن نفكر في ضوء العقلانية الحديثة ولوائح حقوق الإنسان. تربينا على كراهية عصرنا ومنجزاته، هكذا تعيش أجسادنا في العصر الحديث، لكن فكرنا مازال في القرون الهجرية الأولى، تشكله مقولات الشافعي والأشعري والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

 

مناقشة الرؤى الرسولية للدكتور عبد الكريم سروش

يقول د. عبد الكريم سروش في بسط التجربة النبوية (تحدثنا في كتاب القبض والبسط عن بشرية وتاريخية المعرفة الدينية، وفي هذا الكتاب “بسط التجربة النبوية” نتحدث عن بشرية وتاريخية الدين والتجربة الدينية نفسها)، ثم إنتقل عبد الكريم سروش في كتابه الاخير ( كلام محمد، رؤى محمد) للحديث عن فهم للوحي بوصفه أحلاما يشاهدها النبي “ص” في المنام.

في سياق نقده للدكتور سروش ينطلق الدكتور الرفاعي من رؤية يؤسس عليها نقده، إذ يقول: (لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه). مادام لكل شيء حقيقته الخاصة التي يتم التعرف عليها من خلال فضائه الخاص، ومادام لكل من الفن والعلم والغيب حقيقته، ويتم التعرف على هذه الحقيقة من داخلها، لذلك لا يمكن تفسير البعد الغيبي للوحي بمناهج علم النفس، لأنها مناهج تتعاطى مع ما يدور في النفس الإنسانية بمنطق علم النفس الحديث، ولا صلة لها بما يدور في الغيب وما وراء الطبيعة، فأي دراسة للغيب في الوحي تعتمد مناهج علم النفس سترى أن الوحي حالة سيكولوجية يعيشها النبي “ص” تخطئ الطريق كما يرى الرفاعي، إذ ستبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار. يمكن دراسة كل ما ينتمي لعالم الطبيعة في الوحي من خلال المناهج العلمية لعلوم الانسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، لكن ما يتعلق بالبعد الغيبي في الوحي فهو بحث يقع خارج الإطار البحثي لعولم الإنسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، في ضوء هذه الرؤية يناقش الدكتور عبدالجبار الرفاعي نظرية الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية، حيث يرى الدكتور سروش أن الوحي عبارة عن رؤى عرضت في المنام للنبي، وللرؤى لغتها الخاصة حيث لا تخضع لقوانين المجاز والكناية، فلغة الاحلام تحتاج لتفاسير الأحلام، وبهذا ربما نحتاج للجوء لتفسير الوحي سيكولوجياً. في سياق نقده لسروش ورفضه لاعتماد اعتمادُ مناهج البحث في العلوم الطبيعية والانسانية في تفسير البعد الغيبي للوحي يقول الرفاعي: (يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن الكريم، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة، دراسةُ الميتافيزيقا وما بعد الطبيعة أحدُ حقول الفلسفة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي والنظرُ إليه على أنّه حالة سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقت محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وحقيقتَه وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. يمكن التعّرفُ على شيءٍ من ملامحِ الغيبيات وصفاتِها ومظاهرِها وتجلياتِها بما تتحدّث به آياتُ القرآن. الآياتُ تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها لأنها لا صورةَ لها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية). النبوة عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي مقام وجودي يحتاج الإنسان إلى تكامل وجودي واصطفاء إلهي يؤهله لتلقي الوحي، كما تشير الآية: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، التأهيل لتلقي هذا القول الثقيل لا يمكن أن يكون من خلال الرؤى، النبوة هي الطور الوجودي الذي يكون أكمل طور وجودي ومقام وجودي يرتقي إليه الإنسان كما يرى الرفاعي.

يؤكد الدكتور عبد الجبار الرفاعي: إن كانت عمليات إعداد قادة العسكر والفكر والسياسة تحتاج لبرامج تعليمية لسنوات طويلة، فكيف يمكن لإنسان يؤهل لمقام تلقي الوحي الذي يصفه القرآن الكريم بـ (القول الثقيل) أن يتحقق من خلال الأحلام. يقول الرفاعي: (إن كان الإنسان لا يبلغ مرتبة النبوة إلا إذا تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمالٍ إستثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي الفريد، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكامله وبناءِ إستعداده الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقيه. تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي/ الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم، لأن النبوةَ ذاتُ طابعٍ وحياني. الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي وليس بالمعنى المادي للوجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل كينونةُ الإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والنبوةَ كالشعر ينفي كونَ النبوة مقامًا وجوديًا يبلغه الإنسان، الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على إبداع الشعر، مرتبةُ الشاعر الوجودية هي مرتبةُ غيره من البشر. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت، ولذلك اصطفاه اللهُ للنبوة).

تمييز علم الكلام الجديد عن فلسفة الدين

يضع استاذنا الرفاعي معياراً للفصل بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، المتكلم الجديد مؤمن بالوحي والنبوة، ويبحث تحت سقفهما، أما فيلسوف الدين فمن الممكن ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن ويبحث في كل شيء بحثاً حراً من دون سقف معين. فلسفة الدين فلسفة، الفلسفة حكم العقل لا غير كما يقول الرفاعي: (‏الفلسفة تعني حكم العقل لا غير. الفلسفة مرجعية العقل في كل قضية إثباتًا أو نفيًا). وفي هذا السياق يرفض الرفاعي محاولات “أسلمة الفلسفة” ويراها ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، يقول بصراحة: (لا يكون التفكير فلسفيًا إلا أن يقع خارج إطار المعتقدات والأيديولوجيات والهويات المغلقة. كل الأُطر المقيدة للتفكير العقلي تمارس تمويهًا بعناوين مراوغة عبر الأدب والفن، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقدات والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. محاولات “أسلمة الفلسفة” ضرب من التفلسف ضد الفلسفة. كتبت عن ذلك أكثر من مرة في مقالاتي ومؤلفاتي). وهذا تمييز واضح يرفع الالتباس الذي وجد مع الشيخ مصطفى عبد الرازق حيث عد علم الكلام هو الفلسفة في الاسلام، الفلسفة يفترض أن تكون بحثاً عقلياً محايداً، وعلم الكلام ينحاز لجملة من المسلمات الاعتقادية. أي فكرة ترى في الفلسفة خصوصية ستنتهي بأدلجة الفلسفة. العلم ربما ينحاز، لكن لا يمكن للفلسفة أن تنحاز.

 

استعادة المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الكلام الجديد

غاب الإنسان عن المدونة الكلامية القديمة، وتخصصت هذه المدونة في ذات الله عز وجل وصفاته وما يتفرع عنها، ونست الإنسان الذي كُلف بأعظم مهمة في الوجود وهي الاستخلاف. علم الكلام الجديد يستعيد للإنسان مركزيته في الوجود التي اكتسبها من كونه خليفة الله في الأرض. يرى الرفاعي انه لا تعارض بين مركزية الإنسان في الكلام الجديد مع مركزية الله عز وجل وهو رب الإنسان كما حصل في بعض الفلسفات المعاصرة، بل يكتسب الإنسان هذه المركزية نتيجة ما وهبه الله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة). لا يدرس الدكتور عبد الجبار الإنسان وحاجاته بمعزل عن الله كما حصل في رؤية حسن حنفي التي وصلت إلى ما أسماه الرفاعي (نسيان الله في تفسير حنفي للقرآن) فنسيان الله ينتهي إلى نسيان الإنسان (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

يرى الرفاعي ان اخراج الدين من حدوده الأنطولوجية وترحيله لحدود أيديولوجية انتهى إلى نزع المضمون الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وتحويله من وسيلة لإنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي إلى أداة أيديولوجية يصبح فيها وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة. هذا الترحيل من الفضاء الأنطولوجي للفضاء الأيديولوجي رصده علم الكلام الجديد، لذلك يبحث عن سبيل لإستعادة الدين إلى فضائه الأنطولوجي ليكون حسب تعريف د. الرفاعي: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويشتق الرفاعي “من ‏هذا التعريف كل شيء يكتبه ويقوله عن الدين”. في كتابات الدكتور الرفاعي إنقلاب مضمر مستتر على تيارات فكرية معاصرة، أخرجت الدين من دائرة الأنطولوجي إلى دائرة الأيديولوجي، فأخضعت النصوص القرآنية لمقولاتها الخاصة، وأصبح النص ينطق عندهم بما تتضمنه مقولات مثل “الحاكمية” ، “بناء فوقي وبناء تحتي” ، “ديالكتيك صاعد هابط” والخ، من مقولات إسلامية مختلطة بماركسية أُلبسب على النص، لذلك أخذ الكلام الجديد عنده مهمة إعادة الدين لفضائه الأنطولوجي ليكون منبعا للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. يشدد الرفاعي على أن “أي معرفة لا يعرف فيها الدين حدوده فهي معرفة غير منتجة”.

العقلية الكلامية القديمة

لم يستطع أكثر من يكتبون في الدين الخروج على العقلية الكلامية القديمة، والتفكير بآفاق علم الكلام الجديد.كتابتهم تولد فجوة عميقة بين جيل نشأ على كتابات صنعت متخيلهم نحو الحياة والمختلف في المعتقد وبين جيل الشباب المسلم.كتابات تضع الذات في قفص وهاجس “الهوية”، ككتاب (جاهلية القرن العشرين)، تضعهم مقابل الجيل الجديد من أبناء الإسلام، الذي لا يُغذي متخيله هذه الكتابات بل إشتق له طريقاً آخر. لا تفضيل لمتخيل جيل على جيل آخر، فلكل جيل خصوصيته التي أحترمها. شعر جيلٌ كامل بالخيبة، آمن تارةً بحلم الدولة الوطنية، وتارة بشعارات ناصرية قومية، ثم بالخيبة الكبرى بدولة الإسلام السياسي، التي سجنت إيمانه بقفص “الأيديولوجيا” وفشلت ببناء الدولة. غذت متخيله كتابات العقلية الكلامية القديمة بمصطلحات لا وجود واقعي لها: (كالجيل القرآني الفريد، والعزلة الشعورية عن المجتمع، والدولة الإسلامية، والجاهلية، والنظام الإسلامي، والخ). صدمات متتالية وتجارب باءت بالفشل، جعلت كثيرون يرون في نصوص جلال الدين الرومي ملاذاً، حيث لا قفص للإيمان، ولا كراهية للآخر، طريق الإيمان لديه هو طريق الحب. ما الضير في هذا، أيُلام جيل تحمل صدمات الفشل المتكررة التي زعزت كل شيء عنده، ثم لجأ للكنوز الروحية حفاظاً على المعنى الذي يتولد عنده من الإيمان. ينزعج البعض من الاهتمام المعاصر بشخصيات كالتوحيدي والرومي وابن عربي أكثر من الاهتمام بأبي حامد الغزالي وابن تيمية. الإهتمام بالتوحيدي والجاحظ ومسكويه وابن سينا وابن رشد وابن طفيل يفوق الإهتمام بالغزالي وابن تيمية والإمام الشافعي، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لماذا هذا الانزعاج من تحول الاهتمام بشخصيات معينة إلى شخصيات أخرى؟ العقل الإسلامي تغذى على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ونسوا كتاب تهافت التهافت لفيلسوف قرطبة ابن رشد. لم نقرأ نزعة الأنسنة عند الجاحظ والتوحيدي ومسكويه، حتى قدوم الفيلسوف محمد أركون ليحيي هذه النزعة ويقدمها لنا. إن الاهتمام الحالي في جيلي بالشخصيات المعاصرة كالجابري وأركون ونصر حامد ابو زيد وناصيف نصار ومحمد إقبال وفضل الرحمن وعبدالجبار الرفاعي يفوق الإهتمام بالندوي والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب وأبو يعرب المرزوقي وطه عبد الرحمن. ينتمي كل جيل منا لكتّابه الذين يخاطبون عقليته ويعرفون احتياجاته. لن نحاكم ما تقرؤون، ولا تحاكمون ما نقرأ، قد وُلد كلٌ منا لزمان مختلف وتحدياتٍ ورهاناتٍ مختلفة.

وأخيراً هذه جهود مهمة، سيكون لها نتائجها في يوم ما، وعلينا ألا نظلمها ونحملها فوق طاقتها، فما زال الفكر الكلامي الجديد لم يتجاوز المئة وخمسين عاما، ويحتاج إلى وقت للتبلور والنضوج مثله مثل أي علم آخر. شكراً لاستاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذه الرحلة الممتعة في هذا الكتاب الرائع.

[1] براء ريّان، كاتب عراقي.

 

رابط النشر:

يولد النص بكل ترجمة ولادة جديدة

 

يولد النص بكل ترجمة ولادة جديدة

د. عبد الجبار الرفاعي

تعيش المفاهيمُ حياةً جديدة عندما تتكلمُ لغةً أخرى. الترجمةُ ولادةٌ جديدة للمفاهيم يتسعُ من خلالها أُفق المعنى باتساع أُفق اللغة المترجَم إليها الكتاب، وتبوحُ فيها اللغةُ بقيم العيش المشترَك في كلِّ الأديان والثقافات البشرية، وترتسم بالترجمة خارطةُ طريق العيش معًا.كأن الترجمةَ بمثابة استئنافٍ لحياة نبات ينتمي إلى أرض تمتاز ببيئة ومناخ خاص، ثم يعاد غرسُه في أرض وبيئة ومناخ آخر، يجعله أكثر قدرة وفاعلية على بعث الإمكانات الكامنة فيه للعيش في مختلف الظروف والأحوال.

الترجمةُ في الوقت الذي تخترق فيه الحدودَ تعمل بموازاة ذلك على محوِ الحدود وبناءِ جسور بديلة عنها، بالغوص بعيدًا في الأعماق لاكتشافِ الصوت الذي تنطقه كلُّ لغات العالم، وينكشف فيه ما هو مشترَكٌ في الكينونةِ الوجودية للإنسان، وما تعكسه من احتياجاتٍ أبدية لا تكفُّ عن طلب إشباعِها في كلِّ زمانٍ ومكان، وما تنشده من قيمٍ كونية أساسية لإنتاج معنىً لوجودِ الإنسان وحياته.

كان نقلُ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” للغة الفارسية محصلةَ جهود اثنين من المترجمين، بدأ الترجمةَ الدكتور علي زاهد بور، وهو يتحدث العربيةَ كأهلها، ومتمرّس بمطالعة أدبها، ويمتلك ثقافةً تراثية وحديثة واسعة، وبعد أن نقل ثلثي الكتاب تقريبًا للفارسية، باغتته ظروفٌ شخصية أعاقت إتمامَه العمل، فبادر الدكتور حميد رضا تمدن مشكورًا بإكمال ما تبقى من الترجمة، وتمدن أستاذ جامعي للفكر العربي الحديث، ويتكلم العربية بلغة صافية، وهو مؤلف ومترجم لعدد من الكتب والمقالات. وأخيرًا تولى الدكتور محمد سوري مقابلةَ النسخة الفارسية على الأصل، وتحرير الترجمة وتنقيحها وتدقيقها. ومحمد سوري يتكلم العربيةَ الفصحى، وله دراية بالفكر العربي الحديث، وهو متخصّصٌ بالتصوف وخبيرٌ بمسالكه، رحّالةٌ سائحٌ لا يقيم بموطن، يسقي عقلَه وقلبَه وروحَه التخّلُق والتأملُ والصمت.

بهذه الترجمة يولد كتابُ “مقدمة في علم الكلام الجديد” ولادةً أخرى بالفارسية، وحين يهاجر هذا الكتابُ أو غيرُه من لغتِه الأم ويتكلم لغةً جديدة، تمنحه هذه اللغةُ إمكاناتِ وجود، ودلالاتٍ إضافية، وتبعث فيه حياةً جديدة، وتطبع النصوصَ المترجَمة إليها بصمتُها الخاصة، وتتكلم معجمَها الاصطلاحي. اللغة الفارسية تغتني بثقافةٍ عرفانية خصبة تختزن ميراثًا غزيرًا. هذا الكتاب لم يهاجر إلى فضاءٍ غريب عنه، إنه يتحدث إلى لغةٍ يتوطن فيها علم الكلام الجديد منذ عشرات السنين، إذ يحضر بكثافةٍ في كلماتها ومعجمها الحديث ومفاهيمها ورؤى العرفان الغنية فيها. عندما يتخذ هذا الكتابُ موضعَه في نسيج النصوص الفارسية، ويكتسي أساليبَ بيانها وتضيؤه آدابُها، تجعل هذه اللغةُ مفاهيمَه تتغذى في فضائها، وتتحدث كلماتِها وتتداول مصطلحاتِها، وينخرط شيءٌ منه في أفقِ رؤيتها للعالم، ويحقّق حضورَه متناغمًا مع إيقاعِ موسيقاها الداخلية، إنه يولد ولادةً جديدةً في سياق هذه اللغة.

اللغة الفارسية واحدةٌ من لغات العالم المشبَع قاموسُها بميراث العرفاء، وهي من أثرى اللغات بهذا الميراث، وأغناها بآدابِه، وأكثرها شغفًا بشعرِ العرفاء الرؤيوي الذي أبدعته قريحةُ شعراء عظام كجلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي، وسعدي الشيرازي، وسنائي الغزنوي، وعين القضاة الهمداني، وفريد الدين العَطّار، وعُمَر الخَيّام، وأمثالهم. لم أقرأ شعرًا يرسم صورَ الحُبّ بألوانٍ فاتنة وينشد أغاني العشق الإلهي البهيجة كما في مثنوي جلال الدين الرومي ودواوين العرفاء. استطاع الشعرُ العرفاني أن يتوغل بعيدًا في أعماق الروح، ويصنع لها ما تتطهر به، فجعل الروحَ تعانق عوالمَ الملكوت وهي تتذوق أغاني العشق الإلهي، وكأنها استفاقت بعد أن اغتسلت بالأنوار الإلهية.

الخبير بآثارِ العرفاء وشعرِ جلال الدين الرومي واستبصاراته يعرف التأثيرَ الاستثنائي لها في إيقاظِ الحياة الروحية في الإسلام وتنميتِها وتكريسِها، وبناءِ الرؤية الجمالية للعالَم، والكشفِ عن تجليات جمال الأسماء الإلهية في الوجود. في ضوءِ ذلك نعرف كيف أصبح العرفانُ رافدًا غزيرًا يستقي منه علمُ الكلام الجديد شيئًا من مقولاته، ويستلهم من عناصره بعضَ مكونات رؤيته ومواقفه، واهتمامه ببناء صلةٍ بالله تتأسّس على المحبةِ المتبادلة، والدعوةِ لتدين أخلاقي يرسي أسسَ العيش المشترك في إطارِ التنوع والاختلاف. في المثنوي لجلال الدين الرومي وآثارِ العرفاء نقرأ بوضوحٍ أن التنوعَ يعكس الطبيعةَ الإنسانية، وهذا التنوع يفرض الحقَّ في الاختلاف بطرائق الفهم والتفسير والرؤية للعالَم والمعتقدات، وهو ما يكشف عنه تعدّدُ اللغات والثقافات والأديان في حياة الإنسان أمس واليوم.

صدرت الطبعةُ الأولى لكتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” ببيروت سنة 2021، فاشتدّ الطلبُ عليه حين اعتُمد مقررًا دراسيًا في أقسامِ الفلسفة والإلهيات والمعارف الإسلامية في جامعاتٍ عربية متعدّدة. وفي السنة ذاتها أصدرتْ طبعتَه الثانية دائرةُ الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد، وكانت هذه الطبعةُ مزيدةً أكثر من خمسين صفحة، وصدرت الطبعةُ الثالثة ببيروت نهاية السنة الماضية 2022، وهي مزيدة فصلًا إضافيًا، والترجمة الفارسية هي للطبعة الأخيرة المزيدة والمنقحة.

نتطلعُ أن نتعرّفَ في كتابٍ قادم على آراء المتكلمين الجدد في إيران، ثم العالَم العربي، فقد ظهرت الدعوةُ لتجديد علم الكلام في الإسلام الهندي منذ القرن التاسع عشر كما دللنا على ذلك في هذا الكتاب، وانعكست أصداؤها في إيران بوقت مبكر، وسرعان ما تبلورت بوضوح في آثار مجموعة من المفكرين الإيرانيين، ممَنْ بلغ الكلامُ الجديد بجهودهم مرحلةً متقدمة، وكانوا الأكثرَ درايةً بتوظيف رؤى العرفاء ومقولاتهم في بنائه، والأسبقَ في الانتباه إلى ولادة الكلام الجديد في آثارِ مفكري الإسلام في الهند.

 

تقديم الترجمة الفارسية لكتابنا: “مقدمة في علم الكلام الجديد”.

 

رابط النشر:

 

 

حدود الديني والدنيوي

حدود الديني والدنيوي

د. عبد الجبار الرفاعي

كلُّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة. وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه.

نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يُعادُ فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

 

يجدُ القارئ في موضوعات كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”،كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى، التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف وتراكم الخبرات البشرية، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًّا للحاجة الروحية والأخلاقية إلى مشكلة تهدِّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا.كثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرُّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الإنسان، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية.

في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشفَ في كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجال الدنيوي الموازي له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج تطبيقية متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي. يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية “إنسانية إيمانية”، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً، تتجلّى فيها أعذبُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

يأتي هذا الكتابُ رديفًا لغيره من كتاباتي، وهو يتوخَّى الغايةَ ذاتها، وما تنشده موضوعاتُما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الكتب هي “لاهوتُ الرحمة”، من أجل تخفيفِ وطأة “لاهوت السيف” الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم. إذ كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية، لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع الفكرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب “لاهوتُ السيف” على “لاهوت الرحمة”، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًّا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسِّري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان: “الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن”، والفصلِ الثاني الذي جاء بعنوان: “التصوّف المعرفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد”، وتناول بالشرح والتحليل كيف يغتربُ الإنسانُ وجوديًّا عن الله في لاهوتِ المتكلّمين، لأنّ ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكِي علاقةَ السيِّد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في علم الكلام القديم تَسَلُّطِيّ كالملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، يمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وُلدت عقيدةُ الجبر في أُفُقِ هذه الرؤية مبكِّرًا، وأصبحتْ منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. كما تناولت بالشرح والتحليل ما يمكن أن يقدمه التصوُّفُ المعرفي في تراثنا من تأمين الحاجة للمعنى الديني اليوم، بوصفه مَنْجَمًا ثمينًا للمعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ، وإن كان اكتشاف ما تزخر به طبقاتُ هذا المنجم يتطلّب وجود مُكْتَشِفٍ بارع يغوص في تلك الطبقات، فيصطاد الجواهرَ الغاطسة في ركام مَنْجَم فحم، مدون بلغة ضبابية أحيانًا، ولا يخلو من فائض أقوال وعبارات وشروح مملَّة في بعض المؤلفات، مشوبة أحيانًا بالحثِّ للانصراف والتفرغ لتطبيق توصيات شيخ الطريقة، التي تروّض الإنسان على تصوُّف الاستعباد.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة،كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة. أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًّا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

صدرت الطبعةُ الأولى لهذا الكتاب منتصف عام 2018، وقبلَ نهاية ذلك العام نُشِرَ في طبعة ثانية، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ ثالثة مزيدة ومنقحة. ككلِّ أعمالي، عندما أعود إليها بعد سنوات من صدورها، كأني أقوم بتأليفها مجددًا، مرة أشطب، وأخرى أختزل وأكثّف، وثالثة أشرح وأوضّح، ورابعة أعيد بناء العبارات وانتقاء ما هو أجمل من الكلمات.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، صدر عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

رابط النشر: