Category: لاهوت السيف

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الإيمان بلا حُبّ ورحمة عنيف

الإيمان بلا حُبّ ورحمة عنيف

د. عبد الجبار الرفاعي

‏‏‏‏نادرًا ما نشهد محبّةً ليست مشوبةً بالكراهية أو محبّةً تلبث متوهجةً على الدوام، إلا محبّة الله فتنفرد بأنها محبّةٌ صافية، تترسّخ وتتكرّس وتجلو قلبَ المحبّ على الدوام.كلما تغذّت محبّةُ الله تمدّدت وتشبّعت وأعطت ثمراتِها عاجلًا، وأصبح الإنسانُ المحبّ مضيئًا يسطع قلبُه بالأنوار الإلهية، ويستضيء بأنواره مَن يقترب منه. يتنوع الإيمان بتنوع صورة الله، فمَن يؤمن بصورة إلهٍ محارِب يتورط بإعلان الحروب على خلق الله،كما يفعل الصهاينةُ المتوحشون في غزة وفلسطين، ومَن يؤمن بصورة إلهٍ مُحِبّ ورحيم يصبح من صنّاع السلامِ والتراحم والمحبّة والجمال في العالم.

تتشكل الصلةُ بالله على شاكلةِ إيمانِ الإنسان بالله التي يفرضها معتقدُه، ونمطِ حياته الروحية والأخلاقية، وما تحدّده صورةُ الله لديه من كيفيةٍ ترسم صلتَه به، ورؤيتَه للوجود، ووعيَه لذاته، ووعيَه لنمط علاقته بالإنسان الآخر. مَن يتطوعون للانتحار في الجماعات التكفيرية لا يفتقرون للإيمان، إلا أن إيمانَهم بالله واليوم الآخر والجزاء يتشكل على وفق صورةٍ مظلِمة لله، صورةٍ تفتقر للحُبّ والرحمة، صورةٍ لا ترتوي من الدم، لذلك تزجّهم في ولائم القتل الجماعي العبثية للأبرياء، في الأسواق وبيوت العبادة والأماكن العامة. هذا النمط من الإيمان يفتقر للحُبّ والرحمة، لا يرى الانتحاريّ الإنسانَ بنور الله، بل يرى الإنسانَ في الظلام، يراه في إطار صورة الله الخاصة المنحوتة بمقولات التكفير الكلامية لفرقته. يرى صورةَ الله محتكرةً له لجماعته، يراه فيها وكأنه مولعٌ بشربِ الدماء، وإبادةِ البشر ممن يعبدونه خارج إطار تلك الصورة المظلمة.

لم يكن اللهُ في تصورِ اللاهوتِ الصراطي إلهًا للعالَمين ولا إلهًا للنَّاس أجمعين، بل صار إلهًا يختصّ بديانةِ من يعتقد بهذا اللاهوت، وكلّما ضاقت دائرةُ الاعتقادِ ضاقت حدودُ صورة الله تبعًا لها، فصاحبُ الفرقةِ يعتقدُ بأن اللهَ إلهُه فقط دون غيره من الناس، وربما تتشظّى الفرقةُ الواحدة فتصير عدةَ جماعات، كلٌّ منها يعتقدُ بأنه يحتكرُ صورةَ الله له. اللاهوتُ الصراطي يغرسُ في كلِّ الأديان شعورًا عند الإنسانِ بأن رحمةَ الله مختصّةٌ به وبأتباعِ معتقدِه، وأنهم من دون سواهم يفوزون بالنجاةِ والخلاصِ من العذابِ والهلاكِ. ويغذّي ذلك على الدوام اعتقادُه بأنه يستطيع احتكارَ رحمةِ الله، بوصفها من الممتلكاتِ الخاصةِ التي يستحوذ عليها معتقدُه. يظلّ صاحبُ المعتقد الصراطي يتوهمُ بأنه قادرٌ على حصرِ الرحمةِ الإلهية بأتباعِ ديانته، وتضييقِها لدرجة يستطيع معها أن يستبعدَ كلَّ من هو خارج هذا المعتقد من إشراقات رحمة الله.

في داخل ‏الإنسان استعداد لولادة وحش مفترس، لا يروّض هذا الوحش إلا الإيمانُ المشبع بالمحبة، ولا يقي البشرَ منه إلا الأخلاق، ونداء الرحمة في أعماقه، ولا يردعه إلا القانونُ العادل بتطبيقه الصارم على الجميع بلا تمييز. عندما تموتُ الرحمةُ في القلب تموتُ انسانية الإنسان، الرحمةُ هي المنبع لكل حالات تسامي الروح وإشراقها. الحُبّ والرحمةُ كلاهما تجربةٌ من جنس واحد لتذوق الحقيقة. للحُبّ صِلة عضوية بالرحمة، الحُبّ يؤثر ويتأثر بالرحمة، والرحمة تؤثر وتتأثر بالحُبّ. المحبّةُ والرحمة ‏من أثمن ما يلتقي فيه جوهرُ الأديان، وأنفس ما يمكّنها من النطق بلغةٍ عذبة. كلُّ دين يفتقر للمحبة والرحمة يفتقر لما يحمي الإنسانَ من العنف. الحُبّ بلا رحمةٍ لا ينجي الإنسانَ بالضرورة من التورط بالكراهية، وربما تطغى حالةُ الانتقام لديه إلى الحدّ الذي يرتكب فيه العنفَ الرمزي واللفظي وحتى القتل، مثلما قرأنا وسمعنا عن بعض العاشقين الذين كانوا ضحيةَ العنف الانتقامي. الرحمةُ صوتُ الله، ومعيارُ إنسانيَّة الدِّين، لا يؤتي الدينُ ثمارَه مالم يكن تجربةً إيمانية تنبضُ فيها روحُ المؤمن بالرحمة. الرحمةُ بوصلةٌ توجِّه أهدافَ الدين، فكلُّ دين مفرَغ من الرحمة يفتقدُ رسالتَه الإنسانية، ويفتقرُ إلى الطاقة الملهِمة لإيقاظ روح وقلب وضمير الكائن البشري. الرحمةُ حالةٌ عامةٌ لا تُخصَّص، تفيضها الروحُ الرحيمةُ على الكلّ. وكما لا يمكن بناءُ مجتمع سليم بلا محبة ورحمة لا يمكن الاستغناءُ بالرحمة عن العدالة. العدالةُ ضرورةٌ لحماية حقوقِ الإنسان وحرِّيَّاتِه، وهي شرطٌ لازمٌ لكلّ عمليةِ بناءٍ مجتمعيّ سليم، وضمانةٌ للأمنِ والسِّلمِ الأهليّ من كلِّ أشكالِ العُنْفِ والتَّعَدِّي على حقِّ الآخرِ في العيْشِ المُشْترَك، وخلقِ فرصٍ متكافئةٍ للأفراد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. لذلك لا يمكن أن يقوم مجتمعٌ سليمٌ من دون قوانين تُنظّم الحياةَ الاقتصادية والسياسيَّة والقضائية والادارية، وتُحَقّق الأمنَ والعدالةَ الاجتماعية، وأنظمةَ عقوبات عادلة تُنصِف المظلومَ وتردع الظالم، بنحوٍ تتَّسم فيه بالإنصاف والتَّوازن، وتحْمِي مصالحَ الفَرْدِ والجماعة، ويتساوى فيها الأفرادُ في حقوقهم وحرياتهم[1].

الحُبّ لغة الإيمان، ‏الحُبّ بلا إيمان فقير، الإيمان بلا حبّ ورحمة عنيف. الفقيرُ للمعنى هو أفقرُ إنسان في العالم، بوصفه مفتقرًا لأثمن شيءٍ في الوجود. قيمةُ الإنسان بمجموعة ما يمتلكه ويمنحه للحياة من المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية والمعرفية، وقدرتِه على جعل الحياة على الأرض أسعدَ والعالمَ أجمل. في ضوء تعريفي للدين بوصفه: “حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”، ينفي هذا الفهم للدين إمكانيةَ تأسيس أيةِ صلة بالله لا تبتني على المحبة والرحمة. ذلك ما يجعلني متى ما كتبتُ شيئًا عن الدين تسبقني كلماتُ ‏الحُبّ والرحمة للتعبير عن حضورهما فيه. ‏الحُبّ والرحمة مثلما يطهّران القلبَ يطهّران الأرضَ من الدمِ المسفوح، ويحرسان كرامةَ الإنسان وحرياتِه وحقوقه، ولا يمكن أن يتورط من يتحلّى بهما بالعدوان على الإنسان بذريعة الدفاع عن الله.

الإيمانُ وحُبّ الله كلاهما كيمياءٌ للروح، كلاهما ينبثقان من جوهر واحد. يولدان معًا، ويرتضعان معًا، ويتكرّسان معًا، ويتوحّدان معًا، فحيث ينمو الإيمانُ ينمو الحُبّ، وحيث يذبل الإيمانُ يذبل الحُبّ. إنهما في صيرورة وتفاعل وفوران، يتحوّل الإيمانُ إلى حُبّ، كما يتحوّل الحُبّ إلى إيمان. الإيمانُ عصارةُ الحُبّ، والحُبّ عصارةُ الإيمان، كلا الحالتين تستقيان من الشلّال ذاته، يصبح كلٌّ منهما صورةً لحقيقة واحدة متعدّدةَ الوجوه. حين يصير الإيمانُ حُبًّا والحُبّ إيمانًا تشهد حياةُ الإنسان أنوارَ الأبد. الإيمانُ فرحُ الروح في زمنٍ قلَّما تفرح فيه الروحُ، إذ يتهدّدُ العالَمَ تديّنٌ كئيبٌ يغمر الروحَ بالأسى. ما أجمل التعبير الوارد في مناجاة المحُبّين المروية عن الإمام السَّجَّاد “ع”: “إلـهي مَنْ ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحُبّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً، وَمَنْ ذَا الَّذي أنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً”[2].

العرفاء أهل القلب يتذوقون نكهةَ الإيمان والمحبة والسكينة والسلام. يتقنون لغةَ القلب، ويتحدثون عنها بكلماتٍ رقيقة دافئة مشبَعة بنكهة أرواحهم، لغةُ القلب أصفى لغات الأرض وأعذبها. القلبٌ يضيئه الإيمان، ويبهجه الحُبّ، الإيمان والحُبّ يترجمان كلَّ لغات العالم بمعنى واحد. يقول العارف الألماني ميستر إيكهارت (1260 – 1327): “يتجادل اللاهوتيون، لكن عرفاء العالم يتحدثون اللغة ذاتها”. مسارُ العقل غيرُ مسار القلب، العقل المتسائل لن تصمت أسئلتُه، كثيرًا ما يسأل أسئلةً حائرة. يتساءل العقلُ عن ماهية الحُبّ والإيمان وكلِّ شيء، ويحاول أن يعرفَ كيفيةَ إدراكه، ومدى وحدود اكتشاف ذلك الإدراك للواقع. الفلاسفة يتكلمون لغةَ العقل المتسائل، لا تهدأ عقولُهم وإن خلصوا إلى إجابات لأسئلتهم، طالما تناسلت من أسئلتهم أسئلةٌ أعمق منها. الفيلسوف الشهير نيتشه مثلًا كان شقيًا في حياته، إثر الانفجار العاصف لبركان عقله العبقري الذي لم يهدأ. سنواته الأخيرة عاشها في مستشفى المجانين، بعد أن أنهكت ذهنَه وبدنَه وأعصابَه أسئلتُه العميقة مات مبكرًا.

[1] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 25 – 29، ط 3، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار الرافدين، بيروت.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 24، ط2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار الرافدين، بيروت.

https://alsabaah.iq/96252-.html

حدود الديني والدنيوي

حدود الديني والدنيوي

د. عبد الجبار الرفاعي

كلُّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة. وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه.

نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يُعادُ فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

 

يجدُ القارئ في موضوعات كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”،كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى، التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف وتراكم الخبرات البشرية، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًّا للحاجة الروحية والأخلاقية إلى مشكلة تهدِّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا.كثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرُّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الإنسان، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية.

في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشفَ في كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجال الدنيوي الموازي له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج تطبيقية متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي. يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية “إنسانية إيمانية”، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً، تتجلّى فيها أعذبُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

يأتي هذا الكتابُ رديفًا لغيره من كتاباتي، وهو يتوخَّى الغايةَ ذاتها، وما تنشده موضوعاتُما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الكتب هي “لاهوتُ الرحمة”، من أجل تخفيفِ وطأة “لاهوت السيف” الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم. إذ كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية، لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع الفكرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب “لاهوتُ السيف” على “لاهوت الرحمة”، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًّا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسِّري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان: “الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن”، والفصلِ الثاني الذي جاء بعنوان: “التصوّف المعرفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد”، وتناول بالشرح والتحليل كيف يغتربُ الإنسانُ وجوديًّا عن الله في لاهوتِ المتكلّمين، لأنّ ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكِي علاقةَ السيِّد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في علم الكلام القديم تَسَلُّطِيّ كالملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، يمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وُلدت عقيدةُ الجبر في أُفُقِ هذه الرؤية مبكِّرًا، وأصبحتْ منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. كما تناولت بالشرح والتحليل ما يمكن أن يقدمه التصوُّفُ المعرفي في تراثنا من تأمين الحاجة للمعنى الديني اليوم، بوصفه مَنْجَمًا ثمينًا للمعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ، وإن كان اكتشاف ما تزخر به طبقاتُ هذا المنجم يتطلّب وجود مُكْتَشِفٍ بارع يغوص في تلك الطبقات، فيصطاد الجواهرَ الغاطسة في ركام مَنْجَم فحم، مدون بلغة ضبابية أحيانًا، ولا يخلو من فائض أقوال وعبارات وشروح مملَّة في بعض المؤلفات، مشوبة أحيانًا بالحثِّ للانصراف والتفرغ لتطبيق توصيات شيخ الطريقة، التي تروّض الإنسان على تصوُّف الاستعباد.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة،كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة. أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًّا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

صدرت الطبعةُ الأولى لهذا الكتاب منتصف عام 2018، وقبلَ نهاية ذلك العام نُشِرَ في طبعة ثانية، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ ثالثة مزيدة ومنقحة. ككلِّ أعمالي، عندما أعود إليها بعد سنوات من صدورها، كأني أقوم بتأليفها مجددًا، مرة أشطب، وأخرى أختزل وأكثّف، وثالثة أشرح وأوضّح، ورابعة أعيد بناء العبارات وانتقاء ما هو أجمل من الكلمات.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، صدر عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

رابط النشر: