Category: لغة الدين

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

معارك السلطات على اللغة والتأويل

معارك السلطات على اللغة والتأويل

  د. عبد الجبار الرفاعي

تؤلف اللغة سرديات توزع الأدوار بين بطل وخصم، ومؤمن وكافر، ومصلح ومفسد، ووطني وخائن، وثائر ومتمرد، ومحرر ومحتل، ومظلوم وجلاد. تنتقي هذه السرديات من الذاكرة ما يخدم غاياتها، وتصمت عما يربك تماسكها. لا تستمد السردية نفوذها من صدقها دائمًا؛ وإنما تكتسبه من كثافة تداولها، ومن المؤسسات والمنابر التي تتبناها وتضفي عليها الشرعية. حين تستقر سرديات السلطة في الثقافة، وتكرسها مؤسسات التربية والتعليم ووسائل الإعلام والمنابر الدينية، تحدد للمجتمع ما يتذكره وما ينساه، ومَن ينتمي إليه ومَن يقصى منه، وما يستحق التقديس وما يستوجب الإدانة. عندئذ تتحول السيطرة على اللغة إلى سيطرة على الذاكرة والهوية والخيال، فيدافع الإنسان عن تلك السرديات كأنها حقائق مطلقة؛ لأن مساءلتها تهدد نظام إنتاج المعنى الذي يمنح الأمان، وتمس موقعه داخل الجماعة. بذلك تنتقل المعركة من الحدث إلى تسميته، ومن الواقعة إلى تأويلها، ومن الحقيقة إلى صورتها المستقرة في الوعي الجمعي. وتتحول وسائل الإعلام والخطابات والرموز إلى أدوات تنتقي من الواقع ما تظهره وتخفي ما تحجبه، وتصوغ صورته بما يخدم مصالح السلطة.

تتمثل كثير من المعارك بين السلطات في التنازع على المعاجم اللغوية وأنظمة إنتاج المعنى، سعيًا إلى تفسير الواقع وتوجيه إدراك المجتمع له. لا تتصارع السلطات على القوة والثروة والمؤسسات وحدها؛ بل تتصارع أيضًا على امتلاك اللغة والتأويل والذاكرة، والتحكم في منظومة إنتاج المعنى، وتحديد الكلمات المستعملة في وصف المجتمع ذاته وغيره، والمفاهيم التي يفهم في ضوئها الحقيقة والعدالة والحرية والمساواة والحقوق والأمن والوطن والهوية. مَن يمتلك سلطة التسمية ويتحكم في إنتاج المعنى يكتسب قدرة واسعة على توجيه الوعي؛ فالاسم لا يكتفي بالإشارة إلى الواقع، بل يضعه في سياق دلالي يحدد صورته وموقعه وأثره في الوعي. هكذا يتحول النزاع على العالم إلى نزاع على تأويله ورسم صورته في الأذهان، وقد يفوق أثر الكلمة أثر القوة؛ لأن القوة ترغم الإنسان من الخارج، في حين تتسلل الكلمة إلى داخله، وتعمل على تحديد نظرته إلى ذاته والآخرين والحياة.

تتمثل أغلب المعارك بين السلطات في تنازع أنظمة لغوية على تفسير الواقع والتاريخ؛ إذ يسعى كل طرف إلى فرض معجمه وتسمياته وصوره الرمزية، كي يجعل رؤيته للعالم أرسخ حضورًا في الوعي واللاوعي. لا تصل الوقائع إلى الإنسان عارية من اللغة؛ اللغة تعيد تشكيلها داخل شبكة من الألفاظ والمفاهيم والاستعارات، تنتقي عناصرها، وتحدد سياقها، وتمنحها معنى مخصوصًا. تتحول التسمية عندئذ إلى فعل سلطوي يعيد بناء صورة الواقع ويوجه إدراك الإنسان له؛ فكل تسمية تستبطن موقفًا، وتتضمن حكمًا، وتستدعي ذاكرة وصورة وشحنة عاطفية. حين يسمى فعل ما “تحريرًا”، تفتح الكلمة في المخيلة أفق البطولة والخلاص واسترداد الحق، وحين يسمى الفعل نفسه “احتلالًا”، تستدعي صور العدوان والقهر وانتهاك السيادة. وما يقدم تحت اسم “الحماية” قد يكون ستارًا للاستعمار والوصاية، وما يسمى “إصلاحًا” قد يخفي تحجرًا، وما يعلن “حفاظًا على الأمن” قد يستر قمعًا للحريات، وما يوصف بأنه “دفاع عن الهوية” قد يتحول إلى تسويغ للتمييز والتعصب.

لا تعكس اللغة الواقع كما تعكسه مرآة صامتة؛ اللغة تسهم في تشكيل صورته وتنظيم عناصره وحضورها في الوعي. تتركز المعركة في الاسم وما يحمله من معنى؛ لأن الاستحواذ عليه يمهد لتحديد الموقف من المسمى. حين تنجح سلطة في فرض تسميتها لحدث أو جماعة أو فكرة، تفرض تأويلها للواقع، وتقدمه في صورة الحقيقة العامة. يرسم الاسم الحدود بين المقبول والمرفوض، والوطني والخائن، والمؤمن وغيره، وبين مَن يستحق الاعتراف ومَن تهدر كرامته. يبدأ العنف الرمزي حين تختزل السلطة الإنسان في تسمية تمحو فرديته وتعقيد تجربته، وتحوله إلى صورة نمطية مغلقة؛ فتصبح الكلمة تمهيدًا للإقصاء، وغطاءً يسوغ الإهانة والاضطهاد والعنف. قبل أن تستباح حياة الإنسان، تستباح صورته في اللغة، وقبل أن ينفى من المكان، ينفى من فضاء الاعتراف والاحترام في الخطاب.

يتعلم المجتمع معجم السلطة في المدرسة والإعلام والمنابر والمؤسسات الرسمية والاحتفالات العامة، ثم يعيد استعماله في حياته اليومية من دون أن ينتبه إلى ما يختزنه من مصالح وأحكام. ينتقل خطاب السلطة من المؤسسات إلى اللاوعي؛ فيراقب الإنسان لغته وأفكاره، ويخشى تسمية الأشياء كما يراها، ويردد الكلمات المفروضة عليه كأنها صوته الخاص. الإعلام ليس وسيلة محايدة لنقل الحقيقة؛ الإعلام يشارك في صناعة صورتها وترسيخها في الوعي الجمعي. لا تكمن قوته في نقل ما حدث وحده؛ بل تتجلى أيضًا في اختيار ما يعرضه وما يهمله، وترتيب الأخبار، وانتقاء الصور، وصياغة العناوين، وتحديد الأصوات التي يمنحها حق الكلام، وتلك التي يفرض عليها الصمت.

ربما لا تحتاج السلطة إلى إنكار الواقعة؛ إذ يكفي أن تعيد تسميتها، أو تنتزعها من سياقها، أو تغمرها بسيل من الأحداث الثانوية، أو تقرنها بصور عاطفية تحجب دلالتها. تستمد اللغة الإعلامية قوتها أحيانًا من كثافة تكرارها واتساع انتشارها، لا من مقدار مطابقتها للواقع. كلما تكررت الصورة وترسخت التسمية، بدا التأويل كأنه الواقعة ذاتها، وتلاشى الحد الفاصل بين ما حدث وطريقة تقديمه. الصراع اللغوي صراع على التأويل والذاكرة والهوية؛ لأن مَن يفرض روايته للماضي يوجه فهم الحاضر ويرسم أفق المستقبل.

تعيد كل سلطة كتابة الماضي بما يخدم شرعيتها؛ فتنتقي من التاريخ أبطالًا وضحايا، وتحتفي بأحداث وتتجاهل أخرى، وتمنح الأماكن والأعياد والمراحل السياسية أسماء جديدة. لا تستدعي الماضي لمعرفة ما وقع فحسب؛ وإنما توظفه في تفسير الحاضر ورسم صورة المستقبل. مَن يستأثر بسردية الماضي يستطيع أن يقدم وجوده الراهن امتدادًا طبيعيًا للتاريخ، وأن يصور خصومه خارجين على الهوية أو مهددين لها. تتحول الذاكرة إلى ميدان للصراع، ويصبح تعدد الروايات ضرورة تصون المجتمع من احتكار سلطة واحدة لمعنى تاريخه.

لا تكتمل مقاومة الهيمنة بالاعتراض على نتائجها ما لم تمتد إلى تفكيك معجمها، وكشف المصالح الكامنة في مفرداتها، والأحكام المضمرة في تسمياتها، والإقصاء الذي تنطوي عليه صورها الرمزية. قد يرفض الإنسان سلطة ما، وهو يفكر بلغتها ويقاومها بأدواتها ومفاهيمها وشعاراتها، فيعيد إنتاج سلطتها من حيث لا يدري. يقتضي التحرر استعادة الحق في التسمية، والتمييز بين الواقعة والخطاب الذي يصوغ صورتها، وفتح اللغة على تعدد الأصوات والتأويلات. لا تكتمل حرية الإنسان بقدرته على الكلام وحدها؛ إذ يحتاج الإنسان إلى لغة تعبر عن تجربته، وتصون كرامته، وتمكنه من رؤية الواقع خارج الصور التي تفرضها السلطة. حين تتحرر اللغة من احتكار المعنى تصير أفقًا للسؤال، وطاقة لكشف الهيمنة ومقاومتها، ومجالًا للاعتراف بالاختلاف.

نقد اللغة ضرب من نقد الذات والمجتمع والسلطة؛ لأنه يحرر الوعي من الأحكام الجاهزة، ويفتح أمام الإنسان إمكان تسمية عالمه بصوته، ورؤية الآخر خارج قوالب الإدانة والإقصاء. يبدأ التحرر بكشف المسافة بين الواقع وتمثلاته اللغوية، ومراجعة السرديات الموروثة، والإنصات إلى الأصوات المحجوبة بخطابات السلطة والعنف. لا يتحرر الإنسان ما لم يتحرر معجمه من كلمات الضغائن، ويسترد حقه في التعبير عن ذاته كما يراها، ورؤية غيره كما هو، لا كما تصوره خطابات نفي المختلف.

https://alsabaah.iq/138340-.html

 

 

 

تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى

تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى

  د. عبد الجبار الرفاعي

يولد الإنسان في لغة تسبقه، فيتعلم أسماء الأشياء قبل أن يسأل عن دلالاتها، ويتلقى تصنيفات الجماعة قبل أن يختبرها. تختزن الكلمات آثار تجارب وصراعات وأحكام فقدت أسبابها، غير أن ظلالها تلبث فاعلة في الاستعمال اليومي. يتوهم المتكلم أنه يتصرف في لغته بحرية، مع أن الموروث اللغوي قد يتكلم من خلاله، ويستدعي على لسانه مفاهيم لم يخترها وأحكامًا لم يفحصها. تبدأ حريته حين يعي المسافة بين صوته وصوت الجماعة في داخله، ويميز ما يعبر عن خبرته مما تفرضه العادة، ثم يعيد ابتكار لغته بما يتسع لتجربته ويحفظ حق الآخر في أن يكون مختلفًا. يقول مارتن هايدغر: “يتصرف الإنسان كما لو كان هو صانع اللغة وسيدها، في حين أن اللغة تظل سيدة الإنسان”[1].

مَن يمتلك سلطة التسمية يوجّه الوعي؛ فالاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. ومَن يحتكر تسمية الأشياء يسيطر على نظام إنتاج المعنى ويستطيع توظيفه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها منها؛ هكذا تسمي السلطة المستبدة القمع أمنًا، والاستبداد استقرارًا، والإقصاء حماية للهوية، والاحتلال تحريرًا، والامتياز حقًا، والاعتراض فتنة. تكشف التجارب المريرة للاحتلال، منذ الاستعمار الإمبراطوري القديم إلى الاستيطان الحديث، عن تعمد تبديل أسماء المدن والقرى والمواقع والأنهار والبحار والبحيرات؛ لمحو ذاكرة السكان الأصليين، وطمس هويتهم، وإعادة رسم هوية المكان بلغة المحتل. الاسم ليس علامة محايدة، إنه مستودع للذاكرة، وسجل لتاريخ الجماعة، وشاهد على صلتها بأرضها. حين ينتزع المحتل الاسم من المكان، يحاول اقتلاعه من ذاكرة أهله، وقطع الصلة بين الأجيال وتاريخها، وإحلال روايته محل روايتهم. حماية الذاكرة الوطنية تبدأ باسترداد الأسماء الأصلية، وحماية هوية المكان من المحو، وصيانة حق السكان في رواية تاريخهم بلغتهم وأسمائهم. ترسخت هذه السياسة الموجعة في المناطق التي أخضعتها القوى الأوروبية في الأمريكتين وأستراليا، وتواصلت بأقسى صورها في فلسطين، حيث لا يكون تبديل الاسم عملًا لغويًا محايدًا، وإنما أداة للاستحواذ الرمزي على المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه الأصليين. لا يستهدف هذا التغيير الأسماء وحدها، بل يسعى إلى محو ذاكرة المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه، وإحلال رواية المتغلب محل رواية أهله.

لا تغير السلطة الأسماء اعتباطًا؛ لأنها تدرك أن تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمى، ويمنح الفعل القبيح مظهرًا مقبولًا. لا تكتفي التسمية بوصف الواقع، وإنما تعيد تشكيله في الوعي، وتحدد موقع الأشخاص والأفعال والأماكن في منظومة القيم. تصير تسمية الأماكن أداة للاستحواذ الرمزي؛ فمن يفرض عليها أسماءه يحاول امتلاك تاريخها، وإعادة صياغة هويتها، والتحكم في صورتها المستقرة في ذاكرة الأجيال. هكذا يتحول الصراع على دلالات الكلمات إلى صراع على القيم والمعايير والمعتقدات، ويغدو تحرير المعجم العام شرطًا لتحرير الإنسان من الخداع والتضليل. تبدأ نهضة المجتمعات حين تسترد كلماتها من قبضة الأيديولوجيا، وتكشف ما تراكم في دلالاتها من تزييف، وتعيد إليها قدرتها على قول الحقيقة، واستيعاب السؤال والاختلاف، وابتكار إمكانات جديدة للحياة.

نقد اللغة ضرب من تفكيك سلطة الأحكام المسبقة؛ الكلمات تكشف طرائق التفكير، وأنماط الشعور، وما يختبئ في اللاوعي من أحكام مضمرة. تهذيب اللغة إعادة تربية للشعور والذوق، وتصحيح لعلاقة الإنسان بذاته وبمن يختلف عنه، وتحرير للوعي من ألفاظ التعصب والاحتقار والإقصاء. كلما تهذبت اللغة اتسعت للاختلاف، وصانت كرامة الإنسان، وفتحت أفقًا للحوار والتفاهم والعيش المشترك. تجديد اللغة ليس استبدال ألفاظ بأخرى فقط، إنه مراجعة لنظام القيم الكامن فيها، وبناء لمعجم يعترف بالإنسان، ويحمي حقه في التعبير عن ذاته، من دون أن تحاصره أحكام الآخرين وتسمياتهم الجاهزة.

لا يتحرر الإنسان من أسر اللغة إلا حين ينتبه إلى ما تخفيه كلماتها من أحكام مضمرة، وينقد دلالاتها الموروثة، ويعيد فهمها في ضوء وعيه وخبراته. الكلمات لا تصف الإنسان والعالم فقط، وإنما تسهم في تشكيل نظرته إليهما، وتحدد مواقفه منهما. حين يراجع الإنسان معجمه، ويطهره من ألفاظ التحقير والكراهية والإقصاء والعنف، يتحرر وعيه من كثير من أوهامه، وتتسع لغته للاختلاف، وتصير أقدر على حماية الكرامة وفتح أفق للتفاهم والعيش المشترك.

قد تتحول الكلمة من وصف للإنسان إلى قدر يلاحقه؛ فالتسمية التي يلصقها الآخرون به تختزله في صفة جارحة، وتضعه في سجن كئيب يحجب مواهبه، ويطمس تنوع شخصيته وثراء تجربته. يحدث ذلك حين يلصقون بفرد أو جماعة تسمية ازدرائية، فلا يقف أثرها عند حدود الحكم العابر، وإنما يمهد للتمييز والعزل والحرمان، وربما يسوغ العنف. تبدأ القسوة في المعجم قبل أن تنتقل إلى السلوك، ويبدأ الاعتراف بالآخر حين ينادى بالاسم الذي يصون كرامته ويقر بحقه في الاختلاف. العناية بالكلمات مسؤولية أخلاقية؛ لأن تهذيب اللغة يسهم في بناء علاقات راسخة، ويحول دون اختزال البشر في قوالب جامدة، ويفتح المجال أمام كل إنسان كي يعبر عن ذاته بصوته، بعيدًا عن الأسماء التي يفرضها عليه الآخرون.

ترسم اللغة للإنسان أفقًا يرى فيه ملامح العالم الذي يود أن يسكنه؛ فقد تسهم في تشكيل صورة جميلة للحياة، وقد ترسم عالمًا كئيبًا يرهقه ويستنزف روحه. اللغة مرآة تنعكس فيها أعماق الإنسان بما تختزنه من نور أو ظلمة، وقوة تسهم في تشكيل هذه الأعماق، وجسر يعبر به من العتمة إلى الإشراق، ومن ضيق الأفق إلى سعته، ومن التيه إلى المعنى الذي يبحث عنه. حين تستيقظ في اللغة طاقة الانكشاف، توقظ البصيرة، وتمنح الإنسان قدرة على رؤية ذاته والوجود بعين أكثر اتساعًا وجمالًا، وتفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل. اللغة الدافئة تنبه الضمير من غفلته، وتطهر القلب من سموم الكراهية، وترمم ما بددته القسوة والجفاء في العلاقات الإنسانية. في هذه اللغة طاقة خفية تضمد جراح النفس، وتخفف مشاعر القلق والحزن، وتصالح الإنسان مع ذاته والآخرين والحياة. الكلمة الرحيمة لا تغير العالم كله، غير أنها قد تغير عالم إنسان منكسر، وتمنحه سببًا جديدًا للأمل ومواصلة الحياة.

حين تنغلق اللغة في قوالب جامدة، تضيق دلالاتها، وتخبو قدرتها على توليد المعنى، فتتحول إلى عبء يثقل الفكر ويحبس الروح. أما اللغة الحية فتتجدد بتجدد التجربة، وتبتكر كلمات تكشف ما لم يكن مرئيًا، وتمنح الإنسان قدرة على الإفصاح عما يختبئ غامضًا في أعماقه. لا تقاس حيوية اللغة بكثرة مفرداتها، وإنما بقدرتها على الاستجابة لأسئلة العصر، واستيعاب الخبرات الجديدة، وابتكار آفاق للمعنى لم ترها الأجيال السابقة. تموت اللغة حين تكرر أجوبتها القديمة، وتفرضها على أسئلة جديدة، وتحيا حين تصغي إلى الإنسان، وتواكب تحول تجاربه، وتمنحه إمكانات أوسع لفهم ذاته والعالم. تجديد اللغة لا يعني القطيعة مع ميراثها، وإنما تحرير طاقاته الكامنة، وإعادة تأويل كلماته في ضوء حاجات الحاضر وآفاق المستقبل. كل لغة تعجز عن الإصغاء إلى إيقاع الحياة تنغلق وتتحجر تدريجيًا، وكل لغة تستوعب تحولات الإنسان تكون قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج المعنى.

[1] هيدغر، مارتن، البناء، السكن، التفكير: كتابات أساسية، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق، ج 2: ص 222، 2003، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

https://alsabaah.iq/137527-.html

 

العالم كما ترسمه اللغة

العالم كما ترسمه اللغة

 د. عبد الجبار الرفاعي

ظهر الإنسان العاقل، في صورته البيولوجية الحديثة، عبر مسار تطوري يعود إلى نحو ثلاثمئة ألف سنة، كما يقول الخبراء. غير أن قدرته اللغوية تطورت بالتدريج مع تطور دماغه وتعقد حياته الاجتماعية واتساع وعيه بذاته والعالم. لم تظل اللغة وسيلة للتفاهم، إذ غدت أفقًا تتكون فيه الخبرة، ونظامًا رمزيًا تتشكل فيه معاني الكائنات والأشياء والوجود. تمنح اللغة العالم أسماءه وصوره ودلالاته، وتعيد بناءه في الوعي والذاكرة والخيال؛ فما لا اسم له يظل مبهمًا غائمًا في الإدراك، وما تمنحه اسمًا يغدو قابلًا للفهم والتأويل والتداول. لا تنقل اللغة العالم كما هو، فهي تنتقي منه وتصنفه وتعيد ترتيب عناصره، وتكشف وجوهًا وتحجب أخرى تبعًا لثقافة المجتمع ودينه ونمط عيشه وتاريخه. يصنع الإنسان اللغة بقدر ما تصنعه؛ يبتكر ألفاظها ودلالاتها، وتصوغ تفكيره ورؤيته لذاته وللآخر والعالم.

تسهم اللغة في توجيه إدراك الإنسان، فتحدد ما يراه وما يغفل عنه؛ متى اتسعت اللغة اتسع عالم الإنسان، ومتى ضاقت ضاقت آفاق رؤيته. لا يسكن الإنسان العالم الطبيعي وحده، بل يسكن أيضًا عالمًا تشيّده اللغة والرموز والخيال، وتحفظ فيه خبراته وذاكرته وقيمه وأحلامه. باللغة يختزن تجاربه، وينقلها إلى الأجيال، ويحول الخبرة الفردية العابرة إلى ذاكرة جمعية متراكمة. هكذا غدت اللغة شرطًا لتشكل الثقافة، ونمو المعرفة، وتطور الحضارة، وبناء الهوية، وحضور الأديان وانتشارها؛ فهي ليست مجرد أداة يستعملها الإنسان، وإنما أفق يسكنه، ويرى فيه ذاته والعالم والوجود.

في فضاء اللغة صيغت القوانين، وانتظمت العلاقات والمصالح والمعاملات، وتأسست السلطات والدول والسياسات، وأعلنت القيم الأخلاقية عن أثرها في حياة الفرد والمجتمع، وتشكلت الهوية عبر السرد والخيال والذاكرة الجمعية، وبشّرت الأديان برسالاتها. غدت اللغة نظامًا ينتظم فيه العالم البشري، وتتكون صوره ودلالاته. يتجلى وعي الإنسان بذاته والآخر والعالم من خلالها، فهي حاضنة خبرته، والمشاركة في إنتاج رؤيته للوجود. باللغة يحفظ الإنسان الماضي، ويفسر الحاضر، ويتخيل المستقبل، وتنقل الأجيال معارفها وقيمها ورموزها وأديانها وثقافاتها من عصر إلى آخر.

لا تتولد اللغة وتتطور خارج حياة الإنسان وخبراته وعلومه ومعارفه وثقافته وأديانه؛ فهي تتسع مع اتساع وعيه، وتتجدد بتراكم معارفه وتحول رؤيته للعالم وتبدل أنماط عيشه. بدأت اللغة استجابة لحاجة الإنسان إلى التواصل والإشارة والتعبير، واقترنت في طورها الشفاهي المبكر بالإيماءة والإيقاع، فتكونت فيها البذور الأولى للرمز والخيال والسرد. من هذه البذور تفتحت لغة الدين ولغات الشعر والأدب والفلسفة والعلم، تعبيرًا عن تطور وعي الإنسان، وسعيه إلى فهم ذاته والعالم، وتسمية خبراته ومفاهيمه، والإجابة عن أسئلة وجوده. لا يتحدد ثراء اللغة بكثرة مفرداتها وحدها، فثراؤها يتجلى في توالد دلالاتها، وتجدد مجازاتها، واتساع قدرتها على التعبير عن الخبرات الجديدة، وبناء المعنى وتأويل الوجود. كل تحول عميق في وعي الإنسان يترك أثره في لغته، مثلما يعيد كل تحول في اللغة تشكيل وعيه ورؤيته لذاته والعالم.

تتسع اللغة وتتطور من التعبير الأولي البسيط إلى أفق حضاري تتجلى فيه خبرة الإنسان التاريخية، وينكشف له العالم بما تمنحه من أسماء ودلالات وصور ورموز. لا يقوم التاريخ على الوقائع وحدها، وإنما يتكون في اللغة، ويستعيد حضوره في السرد والتأويل والذاكرة والمتخيل والهوية. لا تحضر الأحداث في وعي الإنسان كما وقعت، بل كما يرويها ويفسرها ويسردها ويمنحها معانيها، وفقًا لما يعيد المتخيل بناءه في فضاء اللغة. هكذا تغدو اللغة أفقًا تتشكل فيه صورة الماضي، ويصوغ الإنسان من خلاله رؤيته لذاته والعالم والمستقبل.

تنقضي الوقائع، غير أن اللغة تحفظ آثارها، وتعيد ترتيبها وتأويلها، وتمنحها دلالات جديدة، وقد تحول حدثًا عابرًا إلى رمز حي في الذاكرة الجمعية، أو تهمشه وتسقطه في قاع النسيان. لا يستعيد الإنسان الماضي كما وقع، وإنما يستحضره كما ترويه اللغة، وتنتقي وقائعه، وتربط بينها، وتصبغها بمعاني الحاضر وأسئلته ومصالحه. كل سرد يعيد بناء الماضي من زاوية مخصوصة، فيضيء وقائع ويحجب أخرى، ويمنح بعض الشخصيات والأحداث حضورًا يتجاوز حضورها الواقعي ومواقفها في التاريخ. مَن يمتلك سلطة السرد يمتلك قدرة واسعة على صياغة صورة الماضي، وتوجيه فهم الحاضر، ورسم آفاق المستقبل؛ فالهيمنة لا تُمارس بالقوة وحدها، وإنما تمارس أيضًا عبر الكلمات التي تسمي الأشياء، والحكايات التي تصنع الذاكرة، والصور التي تشكل الهوية والمتخيل الجمعي. من هنا تصبح اللغة ميدانًا للصراع على المعنى والذاكرة والهوية، ويغدو تحرير الوعي متوقفًا على قراءة نقدية تكشف ما يخفيه السرد، مثلما تكتشف ما يعلنه.

لبثت اللغة أحد أسرار تفوق الإنسان؛ لأنها الفضاء الذي يتشكل فيه المعنى، ويصوغ فيه أساطيره وسردياته المشتركة، التي ربطت ملايين الغرباء بشبكات واسعة من التعاون والتضامن وتبادل المصالح. في فضاء الأسطورة تبلورت ثقافات وآداب وفنون، وغذت الأساطير المتخيّل الديني، ورسخت بعض صوره في لاشعور الإنسان، وأسهمت في امتدادها عبر التاريخ. حفظت الأساطير الذاكرة والهوية، وصاغت الصور الكبرى التي فهم الإنسان من خلالها ذاته والعالم وموقعه في الوجود، ومنحت الجماعات سرديات مشتركة يتماسك بها وعيها الجمعي.

بمرور الزمن استحوذت بعض التأويلات الدينية على مجالات متنوعة من الحياة، وضيّقت فاعلية العقل والخبرات البشرية، حين تحولت إلى يقينيات مغلقة تعطل السؤال، وتحد من حرية التفكير، وتمنع الإنسان من إعادة النظر في فهمه للعالم والحياة في ضوء ما يهديه إليه عقله وعلومه وخبراته. هكذا تكون اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل صورة العالم، وتمكن الإنسان من تحويل خوفه وقلقه وأسئلته الوجودية إلى حكايات ورموز ومعانٍ تتوارثها الأجيال.

غدت اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتمكن الجماعات من تخيل عالم مشترك، تنشأ فيه الحضارات، وتنتظم العلاقات، وتتراكم المعارف والآداب والفنون والقيم. بها حول الإنسان خوفه إلى حكاية، وتجربته إلى معرفة، وقلقه الوجودي إلى سؤال عن المعنى. لم تحبسه اللغة في الواقع، فقد فتحت أمامه أفق الممكن، فاستطاع تخيّل حياة أكثر أمنًا وعدلًا وجمالًا، وتحويل خياله إلى مشروعات ومؤسسات ومنجزات.

في اللغة تتحول الواقعة العابرة إلى خبرة ذات معنى، والإحساس الغامض إلى وعي يمكن التعبير عنه، والتجربة الفردية إلى ذاكرة قابلة للمشاركة والتوارث. تسهم اللغة في بناء صورة العالم داخل الوعي، وتصوغ علاقة الإنسان بذاته والآخر والطبيعة والوجود. من خلالها يتجاوز الإنسان أسر اللحظة الحاضرة، فيستعيد الماضي، ويتخيل المستقبل، ويفكر في الممكن، ويبتكر بدائل لما هو قائم. هكذا تحرره اللغة من الارتهان للواقع، وتفتح أمامه أفق ما يمكن أن يكون، وتمنحه القدرة على تعريف ذاته، وإعادة فهم العالم وتغيير موقعه فيه.

 

اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية

اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية 

د. عبد الجبار الرفاعي

 تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

في هذا السياق يشير مصطلح “لغة الدين” إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

ينبغي التمييز بين “لغة الدين” و”اللغة الدينية” بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. “لغة الدين” هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية للإنسان. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على المجاز والكناية والاستعارة والرمز والإشارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

“لغة الدين الحاكية عن الغيب”: هي لغة الكتب المقدسة، كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل وغيرها، حين تتحدث عن الله والغيب والوحي والنبوة والحياة الآخرة. تتخذ هذه اللغة طابعًا رمزيًا ومجازيًا وإيحائيًا؛ لأن حقائق الغيب تتجاوز حدود اللغة البشرية، ولا تستوعبها الألفاظ المتداولة في الحديث عن عالم الشهادة. تستعير لغة الغيب مفرداتها وصورها من عالم الإنسان، ثم تنقلها إلى أفق دلالي يتجاوز معانيها الحسية والمباشرة. لا يطابق اللفظ فيها الحقيقة الغيبية، ولا يحيط بها، لكنه يومئ إليها ويقربها إلى وعي الإنسان بما تسمح به قدراته اللغوية وحدود إدراكه. يظل المعنى فيها أوسع من العبارة، وتظل الحقيقة أغنى من الصورة التي تتمثل فيها. الرمز هنا ليس حجابًا يحجب المعنى، ولا زخرفة لغوية، فهو جسر يصل عالم الشهادة بعالم الغيب، ويفتح أمام الإنسان آفاقًا متعددة للفهم والتأويل. تتجدد دلالات هذه اللغة بتجدد وعي الإنسان ومعارفه وأسئلته وتجاربه الروحية، من دون أن يستنفد أي تفسير ما تختزنه من معانٍ، أو يدعي الإحاطة النهائية بحقائق الغيب.

الآيات الحاكية عن الله منبع لتنوع صوره في وعي الإنسان؛ لأنها تتحدث عنه بأسماء وصفات واستعارات وصور متعددة، فتظهر صورة الإله الخالق والرازق والرحمن والغفور والحكيم والعادل والقريب والمجيب، وتظهر بموازاتها صور الجبار والقهار والمنتقم وشديد العقاب. لا تمثل أي صورة منها الله في ذاته، لكنها تكشف وجهًا من وجوه حضوره في وعي المؤمن، وفقًا لما تمنحه اللغة وما يستقبله الإنسان في ضوء تكوينه النفسي وثقافته وتجربته وزمانه التاريخي. كل صورة تكشف معنى وتحجب معاني أخرى، وتضيء وجهًا وتترك وجوهًا خارج أفق الرؤية. حين تنتقل هذه الصور من النص إلى الوعي يعاد تأويلها وتركيبها، فيغلب لدى بعض المؤمنين إله الرحمة والحب، ويغلب لدى آخرين إله الغضب والعقاب، وتتكون بينهما صور لا حصر لها.

من هنا تغدو الآيات الحاكية عن الله منجمًا لـ “التعددية الدينية”؛ إذ لا تنشأ التعددية من اختلاف الكتب المقدسة والأديان فقط، بل تنشأ أيضًا داخل الدين الواحد، من تعدد طرائق تلقي النص، وتنوع التجارب الروحية، واختلاف صور الله في ضمائر المؤمنين. لا يعني ذلك تعدد الله في ذاته، فهذا تعدد لصوره وتجلياته في الوعي البشري؛ الحقيقة الإلهية واحدة، غير أن مرايا الإنسان متعددة، وكل مرآة تعكس من النور بمقدار صفائها واتساعها ومقام شهودها. يمنح ذلك التعددية الدينية أساسًا معرفيًا وروحيًا، ويحرر المؤمن من توهم أن صورته عن الله تطابق الله، أو أن فهمه يستنفد الحقيقة الإلهية، ويدعوه إلى التواضع في الاعتقاد، والاعتراف بحق الآخر في أن يرى من وجوه الحقيقة ما لم يره هو.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، فإن لغة الدين التي تتحدث عن الغيب تبعث الحياة الروحية، بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود.

لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

أما “اللغة الدينية” فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

“اللغة الدينية” صناعة بشرية، يعبّر بها الإنسان عن تفسيره للكتاب المؤسس، وفهمه للدين، وإيمانه به، وتمثله لقيمه، وممارسته لطقوسه وشعائره. تشمل هذه اللغة في الإسلام لغة علم الكلام والفقه والتفسير والوعظ والخطابة والتعليم الديني، ولغة الدعاء والمناجاة والذكر والابتهال، وما يعبّر به الإنسان عن تجاربه الروحية والشعورية. تنشأ هذه اللغة من قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، ومن تفاعل الإنسان مع الدين في حياته الفردية والمجتمعية، فهي ثمرة فهم بشري، لا انعكاس مباشر للخطاب الإلهي في تعاليه ونقائه الأول، ولا تطابق لغة الكتاب المؤسس أو تمتلك مكانته.

تتشكل اللغة الدينية في أفق ثقافة الإنسان ومعارفه وتجاربه وبيئته وعصره، وتتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية، وتتعدد دلالاتها بتعدد المفسرين والمتكلمين والفقهاء والمذاهب والقراء والأزمنة والمجتمعات. لا تعبّر هذه اللغة عن المعنى الديني إلا في حدود ما ينكشف للقارئ وما يتيحه وعيه وأفقه الثقافي، فتظل نسبية متغيرة، قابلة للنقد والمراجعة والتصويب وإعادة البناء، تبعًا لتطور الوعي واتساع الخبرة. وقد تتحول، حين تحتكرها المؤسسة الدينية وتوظفها في صراعات الاستحواذ على المعنى والسلطة والثروة، إلى أداة لحماية الدين المؤسسي وتكريس نفوذه، فتختزل الدين في القوانين، وتهدر فاعلية في إرواء ظمأ الروح وإيقاظ الأخلاق، وتخبو بذلك جذوة الإيمان وطاقته الملهمة، ويغدو الدين منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يخلط الإنسان بين اللغة الدينية ولغة الكتاب المؤسس، يضفي على فهمه البشري مكانة نصوص هذا الكتاب، ويرفع تفسيره النسبي إلى مرتبة الحقيقة النهائية، مع أن نصوص الكتاب أوسع من فهم المتدين، وأثرى من تفسيره.

أما “لغة الإيمان”: فهي نمط تعبيري من أنماط اللغة الدينية، يولد من تجربة المؤمن الروحية الحية وشعوره بصلته بالله، ويكشف عما يفيض في باطنه من رجاء وخوف وحب وطمأنينة وشوق وامتنان. تظهر هذه اللغة في الدعاء والمناجاة والابتهال والذكر والترانيم والشهادات الإيمانية، وفي التعبير عن التجارب الروحية. لا تتمثل وظيفة لغة الإيمان في إقامة البراهين المنطقية أو صياغة الأحكام التشريعية أو نقل المعارف الدينية؛ لأنها لغة اعتراف وبوح ونداء، تتكلم في فضاء الإيمان لا عنه، وتعبر عن حضور الله وأثره في وجدان الإنسان وحياته. لا تصف هذه اللغة التجربة الروحية من خارجها، وإنما تنطق بما يعيشه المؤمن في أعماقه، وتمنح خبرته الروحية صورة يمكن التعبير بها والتواصل من خلالها. تتسع في لغة الإيمان دلالات الرمز والاستعارة والصورة والإيحاء؛ لأن التجربة الإيمانية أعمق من أن تستوعبها العبارات التقريرية المباشرة، ويظل ما يعيشه القلب ويروي الروح فيها أغنى مما تستطيع الكلمات الإفصاح عنه.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

في هذا الكتاب حاولت أن أتناول لغة الدين في سياق فلسفة الدين الحديثة، بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه عن أسئلتي أولًا، كما هي عادتي في كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، سعيت إلى فتح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عما تختزنه من طبقات دلالية، وما تتيحه من إمكانات للتأويل وتنوع الفهم. لذلك حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت باللغة والتأويل، وأعدت التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. رأيت أن عرض هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضروري لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان تنوع المواقف في تفسيرها وتأويلها. حاولت في فصول الكتاب توضيح أن تفسير لغة الدين الحاكية عن الغيب لا يتحقق بالقراءة الحرفية، ولا بإهدار دلالتها، بل يتطلب اكتشاف منطقها الداخلي، والتمييز بين مستويات خطابها، والانتباه إلى صلة معانيها بأفق القارئ وسياقه التاريخي والثقافي وتجربته الروحية. أردت للكتاب أن يكون مدخلًا للتفكير في لغة الدين واكتشاف ثرائها الدلالي، وبيان أن تعدد تأويلاتها ينشأ من غنى بنيتها، وتنوع آفاق قرائها وعصورهم وتجاربهم وصورهم عن الله والإنسان والعالم.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب “الآجرومية” لابن آجروم، إلى “قطر الندى وبل الصدى” لابن هشام، ثم “شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك”، و”شرح ابن الناظم”، كما درستُ كما درستُ كتاب “مختصر المعاني” للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من: “موسوعة فلسفة الدين” للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت. وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

 

 

مقدمة كتاب: “اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية”، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر الكتاب عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

 

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%88%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%AA%D9%86/

 

عبد الجبار الرفاعي وإحياء السؤال الغائب موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم

موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم

الدكتور محمد بشاري[1]

في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفة الدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربع قرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍ أكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح الأسئلة الأولى التي تأسّس حولها العقل الإسلامي، من قبيل: معنى الإيمان، وحدود العقل، ووظيفة الدين، وعلم الكلام القديم، وموقع الإنسان في شبكة الوجود. إنّها إعلانٌ عن عودة العقل العربي المفكِّر بعد طول غياب، لا في شكل تكرارٍ للماضي، بل في هيئة استئنافٍ فلسفيٍّ جديدٍ لإمكان التفكير في الدين بوصفه سؤالاً مفتوحًا، لا يقينًا مغلقًا.

تأتي «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّ يوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَه الأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليست هذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، من كونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى.

إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيد فيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلاد عقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّ جديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداً من القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربي قدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.

لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علم للتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذا الطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاج المعنى لا خصماً في جدله. بهذا المعنى، يواصل مشروعه الكبير الذي بدأه في كتبه السابقة حول «علم الكلام الجديد»، حيث دعا إلى أن يتحول المتكلم من محامٍ عن الموروث إلى صانعٍ للأسئلة والأجوبة الجديدة. الموسوعة التي صدرت اليوم ليست استكمالًا تقنيًا لذلك المشروع، بل هي تحوّلٌ نوعيٌّ فيه؛ إذ تجعل من الفلسفة شريكًا أصيلاً في حوارٍ مع الكلام، وتدعو إلى تأسيس أنطولوجيا جديدة للإنسان العربيّ داخل أفقٍ كونيٍّ رحب.

في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعي الفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل من الشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوف الحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيد بناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذا تصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بين الإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً» قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.

ليس غريبًا أن يختار الرفاعي فلسفة الدين ميدانًا لإعادة بناء العقل، لأنّها تمثّل المنطقة الحدّية بين ما هو إيمانيٌّ وما هو عقليّ، بين ما هو ذاتيٌّ وما هو كونيّ. في هذا الميدان تتجسّد أزمة الفكر العربي: كيف يمكن للمؤمن أن يظلّ وفيًّا لمقدّسه، دون أن يغلق باب التفكير؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يتأمل في الوجود دون أن يستبعد البعد الروحي من معادلة المعنى؟ هذه هي معضلة العقل المسلم الحديث، التي حاولت مدارس الإصلاح والتنوير أن تجيب عنها جزئيًا، فجاء مشروع الرفاعي ليقدّم إجابةً أكثر تركيبًا، تستند إلى التداخل بين العقل الفلسفي والعقل الكلامي والعقل الوجودي، لا إلى فصلها كما فعلت النهضات السابقة.

ولعلّ ما يجعل هذه الموسوعة حدثًا تأسيسيًا هو أنها لا تترجم النصوص وحسب، بل تُعيد توطينها داخل أفقٍ عربيٍّ جديد. فترجمةُ الفكر ليست نقلًا لغويًا، بل تحويلًا في الوعي. الترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيه المفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلك تتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريف الدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلب التجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.

والرفاعي يدرك أن تأسيس «عقل عربي جديد» لا يمكن أن يتحقق ما لم يتحرّر من ثنائية النقل والتكرار، فينتقل إلى فضاء التأويل المنتج الذي يعيد صياغة المفاهيم من داخل حاجاتنا المعاصرة. ولذلك، فإن موسوعته ليست مجرد مرجعٍ علمي، بل هي أداة لإعادة تشكيل رؤية المسلم إلى العالم والإنسان والدين؛ رؤيةٍ تستعيد القيم الروحية التي تاهت في خضمّ صراعات الأيديولوجيا، وتستوعب المناهج الفلسفية الغربية دون الارتهان لها. إنّ ما يميّز هذا المشروع أنه لا يترجم النصوصَ بقدر ما يترجم الوعيَ نفسَه.

ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعاد تعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لا كعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بين الله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرة الله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرار النص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.

في هذا العمل، يلتقي المتكلم القديم بالفيلسوف الحديث في حوارٍ غير مسبوق: فحيث كان المتكلم يطلبُ البرهان على وجود الله، أصبح الفيلسوف المعاصر يسأل عن معنى هذا الوجود في تجربة الإنسان. وبين السؤالين تمتدّ جسور الرفاعي؛ جسورٌ من الترجمة والتأويل والمراجعة، تحاول أن تُعيد للعقل العربي ثقته بذاته، وتمنحه شجاعة التفكير من الداخل، لا عبر استنساخ الآخر. بهذا المعنى، لا تمثّل موسوعة فلسفة الدين حدثًا معرفيًا فحسب، بل حدثًا أنطولوجيًا، لأنّها تمسّ جوهر كينونتنا الفكرية، وتذكّرنا بأنّنا لا نوجد إلا بقدر ما نفكّر في وجودنا. إنّ الرفاعي لا يقدّم مشروعًا نخبويًا، بل يضع لبنةً في صرحٍ حضاريٍّ يعيد تعريف علاقة المسلم بالعالم. فبينما انغلق بعض الفكر الديني في أسوار النصّ، وانقطعت الفلسفة عن الروح، جاءت موسوعته لتقول: إنّ طريق النهضة لا يمرّ إلا عبر تصالح العقل والإيمان.

ولعلّ هذا هو ما يجعلها لحظةً فاصلة في مسار الفكر الإسلامي الحديث، تذكّرنا بمشروعات كبار المفكرين من أمثال محمد إقبال وعبد الرحمن بدوي ومحمد عابد الجابري وغيرهم ، لكنها تتميّز عنها بكونها عملًا جماعيًا معرفيًا متعدّد اللغات والثقافات. إننا إذ نقرأ هذه الموسوعة، لا نقرأ كتابًا في فلسفة الدين فحسب، بل نقرأ مستقبل الفكر العربي حين يتصالح مع ذاته، فكلّ جزءٍ منها هو إعلانٌ عن ولادة عقلٍ لا يخاف من السؤال، ولا يهرب من التعدد، عقل يعيد الإنسان إلى مركز الرؤية بعد أن غاب طويلاً في ظلال السلطة والطقوس. ومن هنا، فإنّ ما أنجزه عبد الجبار الرفاعي ليس مجرّد إضافةٍ إلى المكتبة العربية، بل هو إحياءٌ لملكة التفكير الفلسفي في الدين التي تعطّلت قرونًا، وإشارةٌ إلى أن مشروع النهضة لا يمكن أن يكون بلا تأسيسٍ معرفيٍّ عميق. ولعلّ هذه الموسوعة ستغدو «نقطةَ انعطافٍ في تاريخ العقل المسلم»، لأنها تربط ما انقطع بين المتكلم والفيلسوف، وتفتح بابًا لتجديد علم الكلام بما يجعله علمًا للإنسان لا جدلًا حول العقيدة فقط. بهذا يتحقق ما يمكن أن نسمّيه تحولًا من لاهوت الدفاع إلى لاهوت المعنى، أي من الدفاع عن الله إلى البحث عن الإنسان في حضرة الله.

إنّ ما فعله الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ما يفعله الكبار في لحظات التحوّل التاريخي: يزرعون السؤال حيث عمّ الصمت، ويوقظون الفكر في زمن الركود. وموسوعته هذه ليست خاتمة مشروعه، بل بدايته الفعلية، لأنّها ستفتح الباب أمام أجيال جديدة من الباحثين لتعيد اكتشاف الدين بوصفه تجربةً وجودية، لا منظومة مغلقة. وهكذا، فإنّنا أمام حدثٍ ثقافيٍّ يشبه النهضة الصغيرة في قلب العتمة، مشروعٍ يعيد الثقة للعقل العربي بأنّ الفلسفة ليست ترفًا بل ضرورة، وأنّ الكلام لا يزال حيًّا ما دام الإنسان يسأل عن نفسه وربّه. فهنيئًا للعقل العربي بهذا الميلاد الجديد، وهنيئًا لعبد الجبار الرفاعي بهذا الخلود الفكري الذي سيزدهر طويلًا في ذاكرة الأمة الباحثة عن المعنى. 

[1] محمد البشاري دكتوراة في الفقه وأصوله، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، وقد اختير من ضمن 50 شخصية إسلامية الأكثر تأثيرًا في العالم، كاتب في جريدة الاتحاد الإماراتية. الجنسية فرنسية، من مواليد سنة 1967 بمدينة وجدة بالمغرب.

https://al-aalem.com/%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84/

تغلغل المنطق في النحو وعلوم اللغة

تغلغل المنطق في النحو وعلوم اللغة

د. عبد الجبار الرفاعي

بدأت دراسة النحو قبل نصف قرن تقريبًا، فشرعت أولًا بكتاب “الأجرومية”، وهو كتاب مختصر بسيط في النحو، ألّفه ابن آجروم الصنهاجي (672–723هـ)، وتعارفت معاهد التعليم الديني التقليدية على تدريسه لتلامذتها في المرحلة الأولى لدراسة النحو. بعد الدرس الأول رأيت أنه لا ضرورة لحضور هذه الحلقة الدراسية، إذ يمكنني قراءة الكتاب من دون حاجة إلى مدرس، أتذكر أنني أنهيت قراءته ومباحثته مع زميل في أقل من اسبوعين.كان الكتاب التالي: “قطر الندى وبلّ الصدى” لابن هشام الأنصاري (708–761هـ)، معه شعرت أن لغته لا تخلو من إحالات على المنطق الأرسطي الصوري ومصطلحاته، مثلًا في الدرس الأول من الكتاب وردت عبارة: “واستعمال الأجناس البعيدة معيب عند أهل النظر” في شرح ابن هشام على كتابه، ولو لم يشرح مدرسنا المعنى المنطقي للجنس، وتقسيمه إلى قريب وبعيد، لم يفهم الطلاب ذلك. وبعد الفراغ من الكتاب المشار إليه انتقلت إلى دراسة شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، وواصلت الدراسة لكتب البلاغة التراثية.

بعد سنوات عديدة أشار عليّ أحد الزملاء بضرورة حضور دروس العلامة اللغوي رؤوف جمال الدين (1926–2004) لكتاب: “شرح ابن الناظم على ألفية والده ابن مالك”، وابن الناظم هو بدر الدين ابن صاحب الألفية (640–686هـ).كان أستاذنا خبيرًا موسوعيًا في اللغة والنحو، إنسانًا عفويًا جميلًا، ينفر من العناوين والألقاب التفخيمية المتداولة، لذلك بهرتني وطلابه شخصيته الآسرة الجذابة. كان يدرّسنا تحت السماء، ونحن ثلاثة طلاب، يجلس على الأرض، ولحظة يشاهد حرجنا من الجلوس بلا فراش، يبادر فيفرش عباءته لنجلس عليها معه. في كل درس نرحل معه في سياحة نحوية مشبعة بالتعليلات والقياسات والمحاججات المنطقية للقواعد والمسائل النحوية، وكأننا ندرس المنطق الأرسطي الصوري لا النحو. كان أستاذنا بارعًا في التدريس وتوضيح المفاهيم بلغة ميسرة، وعلى الرغم من انشداد طلابه وأنا منهم لشخصيته، كان يقص علينا ذكرياته ويعيد سرد تاريخ عائلته وأجداده، ومكانتهم الدينية، وما تعرضوا له من اضطهاد، إثر موقفهم الاخباري في مواجهة الأصوليين. عفوية وبساطة أستاذنا رؤوف جمال الدين كانت تزودنا بطاقة أخلاقية لم نتذوقها في شخصيات أغلب الأساتذة، لذلك كنا نترقب درسه كل يوم بشغف.كنت أتساءل عن المادة التي ندرسها، أهي نحوٌ؟ وأنا أعرف أن النحو يقوم على بيان قواعد النطق بالعربية التي ولدت في سياق اتفاق اجتماعي للناطقين بها، أم منطقٌ أرسطي صوري؟ وأستاذنا يستغرق في القياسات والتعليل، وأنا أعلم أن قواعد اللغة من الأمور الاعتبارية لا الواقعية. أثار دهشتي واستغرابي توغل مصطلحات المنطق الأرسطي وبراهينه في تدوين النحو وتعليمه، حتى غدا النحو ميدانًا للقياس العقلي لا أفقًا للفهم اللغوي، فامتلأت دروسه بالبراهين المنطقية الخارجة عن سياقاتها، وانشغل طلابه بإثبات القواعد العقلية بدل أن يتذوقوا اللغة بوصفها كائنًا حيًا نابضًا بالمعنى.

شرح العلامة محمد حسين الطباطبائي (1903–1981) معنى الحقائق الواقعية بوصفها ما لها وجود حقيقي في الخارج، سواء أدركها الإنسان أم لم يدركها، فهي موجودة استقلالًا عن الذهن، وعن كل اتفاق اجتماعي. أما الأمور الاعتبارية، فهي ما يضعه العقل أو المجتمع أو الشريعة أو اللغة لتنظيم العلاقات أو التعبير عن معانٍ لا وجود لها في الخارج بشكل مستقل، لأنها تنشأ بالاعتبار الذهني والاجتماعي. أبرز فرق بين الواقعي والاعتباري أن القواعد والقياسات المنطقية والفلسفية تجري في الحقائق الواقعية، ولا تجري في الأمور الاعتبارية، لأن الاعتباريات ليست كشفًا عن واقع موضوعي، بل هي إنشاء للعلاقات والأوضاع التي تحتاجها حياة الإنسان ومعاشه. لذلك يرى الطباطبائي أن كثيرًا من القضايا الأخلاقية والدينية والاجتماعية واللغوية تنتمي إلى دائرة الاعتبار لا الواقع، إذ هي نتاج للعقل الإنساني حين يسعى إلى تنظيم الحياة وضبط سلوك الأفراد والجماعات. من هنا دعا إلى التمييز بين ما هو ثابت في نظام الوجود، وما هو متغير بتغير حاجات الإنسان ومقتضيات أنماط حياته ومعاشه وتاريخه، مبينًا أن الخلط بينهما أوقع الفكر اللغوي والديني والفلسفي في التباسات عميقة، حين حاول إخضاع الاعتباريات لمناهج البرهان العقلي التي لا تجري إلا في مجال الحقائق الواقعية[1].

أدركت منذ تلك الأيام عمق تغلغل المنطق الأرسطي الصوري في النحو وعلوم اللغة التراثية، كما تغلغل في علم الكلام وأصول الفقه والفقه وسائر علوم الدين، حتى غدا سلطة تتحكم في طرائق التفكير وأشكال الاستدلال ومناهج التعليم. بمرور الزمن كبّل المنطق الصوري حركة العقل وأخضعه لنظام مغلق من التعريفات والقياسات التي تحاصر السؤال وتمنع المغامرة العقلية باختراق ما لا يسمح التفكير فيه. المنطق الصوري، بوصفه نظامًا صارمًا، فرض على العقل حدودًا ضيّقت مجاله، فانحصر التفكير داخل ما يراه مسموحًا، لا ما يدعو إلى إعادة النظر فيه ومساءلته. تحول التفكير في آفاق هذا المنطق إلى تكرار لبديهياته، بدلًا من أن ينفتح على اكتشاف المعنى. وأغلق الذهن أبواب الشك والسؤال والنقد في النحو واللغة، وانحصر العقل في نطاق ما يتيحه له المنطق الصوري، لا في ما يستدعي إعادة نظر، وإثارة أسئلة عميقة حول مسلماته ويقينياته، ونقد تصلب قواعده وابتعادها عن طبيعة اللغة، بوصفها كائنًا حيًا متغيرًا.

تحولت المعرفة إلى منظومة يقينيات نهائية تقاس بها الحقيقة، وفقد العقل اللغوي قدرته على ابتكار المفهوم، وخسر العقل الديني طاقته التأويلية على تجديد فهم الدين ونصوصه. هكذا انكمش الأفق الإنساني في كل من اللغة والدين، حين فرض على العقل أن يكرر ما ورثه بدل أن يسائل ما ورثه، وانطفأت شعلة التساؤل التي كانت أصل كل إبداع. جفّت منابع الأسئلة، وتعطل الخيال، وغابت الجرأة على مساءلة المسلّمات، لأن المنهج ذاته تأسس على نفي الاحتمال وتضييق أفق خيارات المفاهيم وتأويلها. في سياق هذا التحول انكمشت الحيوية الفكرية في علوم الدين واللغة، إذ استبدلت الحركة الحرة للعقل بجمود القياس، وحل التلقين محل الاكتشاف، والحفظ محل الفهم، والتكرار محل الإبداع. المنطق الأرسطي لا يعطل السؤال فحسب، بل يعيد تشكيل العقل بوصفه أداة طاعة لا أفق حرية، ويحول الدين من تجربة وجودية إلى منظومة مغلقة، ويجعل اللغة تكرر نفسها داخل قوالب جامدة، فتغيب الحياة من النص ومن المتكلم معًا. في هذا النسق تكرست لغة جامدة تهاب المجاز، وتخشى التأويل، وتتعامل مع النصوص بوصفها مغلقة على معناها الوحيد لا بوصفها فضاءً حيًا يتجدد فيه المعنى بتجدد التجربة. هكذا أضحى المنطق الصوري قيدًا على حرية التفكير، وجدارًا يحاصر العقل ويخنق السؤال، فانطفأ التفكير التساؤلي النقدي الذي يمثل شرط كل نهضة للعقل، وكل إحياء للغة، وكل تجديد في فهم الدين ونصوصه.

إن هذا التغلغل العميق للمنطق الصوري لم يكن مجرد أثر عابر في طرائق التفكير، بل تحولًا جذريًا في بنية الوعي، إذ انتقل العقل من فضاء التساؤل الحي إلى فضاء البرهان الشكلي، ومن البحث عن المعنى إلى البحث عن صحة القياس. في سياق هذا التحول انحسر حضور الإنسان في المعرفة، وصار العقل الديني واللغوي ينظر إلى العالم بعين المنطق لا بعين الخبرة والمعاش والمعاناة والتجربة. أضحى النحو علمًا يجتر القوالب نفسها ويعيد إنتاج المفاهيم ذاتها، وأصبح علم الكلام يكرر الأسئلة القديمة بأدواتها، كأن الزمان لم يتحرك وكأن الوعي لا يتغير. وبعد تراكم القرون غدت سلطة المنطق الأرسطي معيارًا يقاس به التفكير ومصدرًا لتقويم الصواب والخطأ، حتى ضاعت المسافة بين الحقيقة والاصطلاح، وبين الواقع والاعتبار. وهكذا غاب المعنى الإنساني للدين واللغة، إذ صارت اللغة تُدرّس كآلية جامدة لفهم النص، لا كجسر للقاء الإنسان بالعالم، وصار الدين يُفهم كمنظومة أقيسة تنتج مقولات وأحكامًا، لا كخبرة وجودية ووجودية. من هنا برزت الحاجة إلى إعادة اكتشاف العقل بوصفه طاقة حيّة لا آلة قياس، وإلى استعادة اللغة ككائن حيّ يعكس نبض قلب الإنسان وعواطفه وقلقه الوجودي وأسئلته، وإلى تجديد علم الكلام ليغدو علمًا للحياة لا علمًا للجدل، علمًا يحرر المعنى من أسر المنطق الأرسطي، ويعيد للدين إشراقات الروح ورحابة الأخلاق وتجليات الجمال الإلهي.

في قوالب المنطق صارت الحياة الدينية ممارسات صورية غلّفت التفكير بأسوار من القواعد والقياسات الجامدة، وأقامت حول أشواق الروح جدرانًا تحجب عنها أفق التجربة والمعنى. تحولت اللغة، التي كانت كائنًا حيًا نابضًا بالمجاز والرمز والدلالة، إلى نسق من التعريفات الميكانيكية، تقاس معانيها بحدود المنطق لا بمدى حضورها في الوعي والعواطف. حين ترسخ هذا المنهج غاب السؤال الحي، وتوارى التأمل في ما وراء الألفاظ، إذ صار الكلام مرهونًا ببرهان صوري يطالب بالدقة الشكلية، ويعجز عن إدراك العمق. هكذا سجنت اللغة في أسوار المنطق وفقدت قدرتها على التحديث، بعدما انحبست في قوالب القياس وأشكاله، فانكمش فيها الخيال، وانسدت الآفاق التي تتجدد فيها صلة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. إن استعادة حيوية اللغة لا تتحقق إلا بتحريرها من أسر المنطق وعودتها إلى أصلها الإنساني، بوصفها أفقًا للمعنى، ومجالًا للتجربة، ومسكنًا للوجود.

صار المنطق الصوري هو الأفق النهائي المغلق للغة، فلا تتحرك إلا في فضائه، ولا تستنطق مفاهيمها إلا بأدواته، وكأنها فقدت قدرتها على التفكير خارج حدوده. مع سطوة هيمنته الشديدة، انغلقت آفاق الذهن الديني واللغوي في قوالب صورية جامدة، تقيس الحقيقة بموازين التجريد لا بوقائع الحياة، وتتعامل مع المعنى بوصفه نتيجة نهائية لا سيرورة مفتوحة. هكذا تحول المنطق من وسيلة للفهم إلى أداة لتقييد العقل وغلق آفاق التساؤل والتفكير النقدي، ومن طريق للبحث إلى سور يحاصر الأسئلة ويصادر إمكانات الفهم. بمرور الزمن، تحولت النصوص الدينية واللغوية إلى حقول للبرهنة الشكلية، وفقدت علاقتها الحيّة بالوجود الإنساني ومعناه، فغابت التجربة واستبدلت بالتقعيد المغلق، وغابت الروح واستبدلت بالقياس، وأقصي الإنسان عن مركز المعرفة، إذ صار يطلب منه أن يفكر في إطار أشكال قياسات أرسطو المغلقة، لا كما تملي عليه تجربته الوجودية في العالم. في سياق امتداد هذا الإرث وتكرار تلقينه عبر قرون، تكرست ثقافة التلقي والتلقين بدل ثقافة التساؤل، واستحال العقل الديني واللغوي إلى مرآة تعكس الماضي لا ضوءًا يكتشف الحاضر. انطفأت فاعلية اللغة التي كانت ميدانًا لتفتح المعنى وصيرورته، حين تحولت إلى جهاز صوري خاضع لسلطة القاعدة التي قررها المنطق. إن تجاوز هذا الإرث لا يتحقق إلا باستعادة اللغة والعقل إلى مجالهما الإنساني، حيث يصبح التفكير فعلا حرًّا يبتكر المعنى من التجربة، ويعيد وصل الدين بالحياة، والمعرفة بالإنسان، والعقل بالعالم، واللغة بالواقع، فتتحول بواسطته اللغة من سور يحاصر الوعي إلى أفق يفتحها على المعنى، ويتيح لها أن تكون بيتًا للوجود [2].

إن انحباس اللغة في أسوار المنطق الصوري لا يمثل مجرد خيار معرفي بل يعكس نمطًا من السيطرة الرمزية التي تعيد إنتاج السلطة عبر تطبيع التطابق وإقصاء التعدد، ويصبح اللفظ قالبًا صوريًا لا حدثًا وجوديًا، وهذا ما يعطل قدرة اللغة على ابتكار المفاهيم، ويعيد إنتاج سلطة النحو بوصفها سلطة معيارية لا بوصفها إمكانًا للتعدد، وهو ما يتكرر في علم الكلام حين يخضع التفكير الديني لقواعد البرهان الأرسطي، فيقاس الغيب بمقولات الجوهر والعرض، ويُحدّ الله بمفاهيم الضرورة، ويُستبدل الكشف بالتقعيد، والتأمل بالتصنيف، فتفقد العقيدة طاقتها الحية، كما تفقد اللغة قدرتها على الولادة، ويغيب المعنى حين يُختزل في الحرف، ويُقصى جدل الاختلاف والتعدد حين يُحاكم بمبدأ عدم التناقض. هكذا يتجلى أثر المنطق الأرسطي في تعطيل إمكانات التجاوز في كل من اللغة والدين، ويُعاد إنتاج السلطة بوصفها معيارًا للصدق لا بوصفها أفقًا للتجدد، مما يستدعي من النقد تفكيك هذا النمط من العقلنة الصورية التي تُقصي الحياة باسم النظام، وتخضع المعنى لمنطق السيطرة بدل أن تفتحه على أفق التحرر.

حين تنغلق اللغة في أسوار المنطق الصوري تتحول من كائن حيّ ينتج المعنى إلى أداة تقيس الصواب بالحد والقياس، فتتجمد حركتها في قوالب التعريف والتصنيف، ويغدو النحو سلطة تقرر ما يجوز قوله وما يُستبعد، ويصير معيار الفصاحة عقلانية شكلية لا أفقًا للتعدد والاختلاف. بهذا الانغلاق تقصى المجازات وتحاصر التراكيب الجديدة، لأن المنطق الأرسطي يجعل الهوية وعدم التناقض مبدأين يحكمان الفكر واللغة معًا، فيمحو الغموض الخلّاق الذي يولد منه الإبداع، ويستبدل بالمعنى تجربةَ تطابقٍ جامدة بين اللفظ والفكرة. هذا ما فعله المنطق ذاته حين دخل علم الكلام فحول الوحي إلى خطاب برهاني يُقاس بحدود العقل الصوري، وأخضع التأويل لمنطق القياس والتماثل، فتصلبت العقائد في صيغ مغلقة، وغاب الرمز والذوق والتجلي، وفقد الدين طاقته الروحية كما فقدت اللغة قدرتها على الولادة. في كليهما يصبح العقل خادمًا للبنية لا منجمًا للمعنى، ويتحوّل التفكير إلى نسق يكرر ذاته، ويُعاد إنتاج السلطة المعرفية بوصفها ضمانًا للصدق، لا بوصفها أفقًا للتجدد. لذلك دعا مفكرو مدرسة فرانكفورت إلى تفكيك هذا الوعي الأداتي الذي جعل المنطق بديلاً عن الفكر، وطالبوا بعودة اللغة إلى أفقها الجمالي والجدلي حيث يولد المعنى من الاختلاف، لا من التطابق، وحيث تنبع الحقيقة من التجربة لا من القاعدة، لأن الكلمة التي تفكر خارج منطق الحياة تنفصل عن الإنسان، وحين تفقد اللغة إنسانيتها تفقد قدرتها على أن تكون أفقًا للتحرر.

تجذر بمرور الزمن تسلط المنطق الأرسطي الصوري على التفكير الفلسفي والكلامي والأصولي والفقهي واللغوي في الحضارة الإسلامية، ومازال يتكرر حضوره في معاهد علوم الدين التقليدية، وكأننا لا نعلم بظهور المنطق الحديث في القرن التاسع عشر، الذي تجاوز المنطق الصوري إلى المنطق الجدلي لهيغل، والمنطق الرمزي والرياضي الذي أسسه فريغه، وطورّه لاحقًا راسل ووايتهد، وغيرهما. النحو وعلوم اللغة التراثية لبثا مقيمين في أسوار المنطق الأرسطي الصوري، فاستقرا ضمن بنية عقلية استدلالية أحادية، جعلت من هذا المنطق مرجعية حاكمة لمناهجها ومفاهيمها. هذا التأسيس لم يفتح المجال أمام تطور حيّ أو تفاعل مرن مع اللغة بوصفها ظاهرة بشرية متغيرة، بل قاد إلى مسارات دائرية مغلقة، أعادت إنتاج ذاتها ضمن نسق تقعيدي صارم، وحرمت هذه العلوم من اكتشاف آفاق رحبة تتجاوز تلك المسارات المسدودة. النحو، في هذا السياق، انشغل بإعادة صياغة قواعده وفق منطق الاستنباط، وتراجع عن التناغم مع الواقع اللغوي الحي، مما عطل قدرته على التجديد وأبعده عن روح البحث الحر.

استعار النحوُ وعلوم اللغة علمَ أصول الفقه، لا بوصفه علمًا جدليًا قائمًا على تعدد الأدلة، بل بوصفه نموذجًا استنباطيًا مغلقًا، فتناغما مع بنيته وكرّرا طرائقه وأعادا إنتاجه في إطار لغوي. كذلك استعار النحوُ وعلوم اللغة أحكام الفقه، وتفاعلا مع علم الكلام لا من موقع النقد أو الحوار، بل من موقع التلقي والتقليد، فتبنيا مقولات وأحكام علوم الدين ونسجا مفاهيمهما على منوالها، مما عمق من طابعهما المغلق وأبعدهما عن إمكانات التجاوز. هذا التداخل بين النحو والمنطق الصوري وأصول الفقه والفقه وعلم الكلام لم ينتج تكاملًا معرفيًا، بل رسخ نمطًا من التفكير الدائري، حيث تتكرر القواعد وتعاد صياغتها دون مساءلة، وتستبعد الأسئلة التي تتطلب إعادة نظر أو تفكيك للأسس. في ضوء فلسفة العلم، غابت عن هذه العلوم قابلية التكذيب، وتحولت فرضياتها إلى يقينيات نهائية، مما عطل قدرتها على التطور وأخرجها من دائرة المعرفة الحية. لذلك تبرز الحاجة إلى مراجعة جذرية لا تكتفي بنقد التفاصيل، بل تُسائِل الأسس التي قامت عليها هذه العلوم، وتعيد فتحها على أسئلة جديدة تنبع من اللغة الحية ومن الإنسان المتكلم، لا من منطق التجريد.

ترى فلسفة العلم الحديثة أن المعارف البشرية تتداخل في شبكة حيّة من الحقول المتفاعلة، حيث يتفاعل الفلسفي مع العلمي، والإنساني مع الطبيعي، ضمن جدل لا يخلو من التوتر والإثمار. التحولات التي تطرأ على الفلسفة والعلوم الإنسانية لا تبقى حبيسة مجالها، بل تمتد آثارها إلى العلوم الطبيعية. في المقابل، تؤدي التغيرات المنهجية والنظرية في العلوم الطبيعية إلى انعطافات في التفكير الفلسفي، وتدفعه نحو إعادة النظر في مفاهيمه ومناهجه. فلسفة العلم الحديثة، كما تجلّت في أعمال كارل بوبر، أبرزت أن التقدم المعرفي لا يسير وفق خط مستقيم أو تراكم يقيني، بل ينشأ من خلال النقد المستمر للفرضيات، واختبار صارم لقابليتها للتكذيب. المعرفة لا تنمو بوصفها يقينًا، بل تتشكل من فرضيات تخضع للنقض، ومفاهيم تواجه التجربة، وحدود تختبرها الوقائع. العلاقة بين الحقول المعرفية لا تنحصر في تأثير ميكانيكي، بل تتأسس على جدلية نقدية. الفلسفة تطرح الأسئلة التي تكشف عن الافتراضات الكامنة في مناهج العلم، بينما يعيد العلم التفكير في نماذجه حين يواجه تعقيدات الظواهر أو قصور التفسير. هذا الترابط لا يعني انصهارًا بين الحقول، بل يشير إلى قابلية كل حقل للتأثر والتأثير، حين ينفتح على أسئلة الآخر، ويخوض تجربة المساءلة. وحدة المعرفة لا تنشأ من التنميط أو التوحيد القسري، بل تنبثق من الحوار النقدي بين التخصصات، ومن الاعتراف بأن كل مشروع معرفي يظل مفتوحًا على احتمالات جديدة. فلسفة العلم، حين تتبنى الموقف النقدي، تتيح أفقًا لتكامل المعارف، لا بوصفها منظومة مغلقة، بل شبكة من الأسئلة والاحتمالات، تتجدد كلما خاضت اختبارًا جديدًا لحدودها.

[1] الطباطبائي، محمد حسين، أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، مج: ص ٣٣٥ – ٣٨٠، 2023، دار زين العابدين، قم.

[2] الرفاعي، عبدالجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، نشرة مؤسسة هنداوي الإلكترونية، الفصل الأول، المنطق الأرسطي بوصفه مرجعيةً للتفكير الكلامي.

https://alsabaah.iq/122117-.html

الملاحم الكبرى: سرديات ارتقت إلى مرتبة المقدس

الملاحم الكبرى: سرديات ارتقت إلى مرتبة المقدس

د. عبد الجبار الرفاعي

السرديات نصوص أدبية طويلة، تحكي قصصًا ذات طابع أسطوري وتاريخي، ولا تخلو أكثرها من معنى ديني. تتناول موضوعات، تلتقي فيها حكايات وأساطير ذات نسق واحد، وتمثل بنية رمزية شاملة، وتقدم إطارًا تفسيريًا كليًا للوجود والعالم والمجتمع والتاريخ. هذا الإطار يمنح الإنسان معنى لوجوده وحياته، ويرسم رؤيته للعالم، والخير والشر، والحياة والموت، ويعمل على تشكيل هويته الفردية والمجتمعية، ويزوده برؤية بما جرى في الماضي، ويتنبأ بما يجري في المستقبل. تولد هذه الحكايات والأساطير من متخيل المجتمع، ليعبر فيها الإنسان عن كيفية تعريفه لذاته، وللزمان والمكان والتاريخ، وما يلون به صورته من مزاعم بمنجزات خارقة، وانتصارات وبطولات وأمجاد ومكاسب استثنائية في حروبه ومغامراته، وتجاهل لخساراته وهزائمه. تطغى في هذه النصوص عبارات، تمتزج فيها أحلام المجتمعات بتوهم تفوقها المبهر، وتطرحها وكأنها حقائق نهائية لا تناقش، من دون أن تستند إلى أية أدلة أو معطيات ووثائق تؤكدها.

السرديات بما هي نصوص أدبية استطاعت حفظ اللغة والدين والهوية والذاكرة، لأنها لم تكن مجرد نصوص تُروى، بل كانت أنساقًا رمزية حيّة تستعاد في التعليم والمسرح والاحتفالات، وأحيانًا في الطقوس، وبمرور الزمن اكتسبت هذه النصوص سلطة رمزية في الوعي الجمعي. حفظت هذه السرديات اللغة، لأنها صاغتها بأجمل أشكال التعبير الشعري والنثري، فصارت معيارًا للبلاغة، ومصدرًا للتداول، ومعجمًا للمفردات. أمّا الهوية والذاكرة فقد حفظتهما النصوص، لأنها قدمت سرديات تأسيسية تعرف الجماعة بذاتها، وتعيد إنتاج أمجادها، وترسخ صورتها عن الأصل والمصير. اللغة، بوصفها وعاءً للمعنى، لم تحفظ النصوص من النسيان فحسب، بل حولتها إلى نص سردي متجدد، يستأنف حضوره في كل جيل، ويعاد تأويله، فغدت نصوصًا خالدة، لأن اللغة التي حملتها قادرة على تحديث معجمها، وعلى حماية الذاكرة من زمن إلى آخر دون أن تفقد دلالاتها الرمزية. اللغة التي احتضنتها هذه السرديات لم تكن وعاءً عابرًا، بل صارت قوة تصونها من التبدد، وتحرسها من النسيان، وتعيد بعثها في كل جيل، لتغدو نصوصًا أبدية تحيا بحياة اللغة، وتحيا بها اللغة أيضًا. وبذلك لم تكن السرديات حكايات بطولية فقط، بل مرايا لهوية المجتمعات وذاكراتها، تحفظ انتصاراتها، وتمحو من الذاكرة إخفاقاتها وهزائمها وانكساراتها، وتمنحها المعنى الذي يعزز ثقتها بذاتها، وشعورها بالتفوق والانتصار المستمر.

الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار هو من صاغ مصطلح السرديات في سياق نقده للحداثة، مؤكدًا أن مرحلة ما بعد الحداثة تتسم بفقدان الثقة بهذه السرديات. لا أتحدث هنا عن السرديات بما هي أيديولوجيات تفسيرية شمولية، تدعي تفسير التاريخ والواقع وفق منطق حديث، مثل: الماركسية والقومية والتنوير والليبرالية وغيرها، إنما أتحدث عن السرديات بما هي نصوص أدبية كبرى، تمثل صوتًا فريدًا لمجتمعها، وتشترك في تقديم إطار شامل يفسر الوجود الإنساني ويمنحه معنى، مثل: ملحمة جلجامش التي تعود أصولها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ودونت ألواحها المسمارية في الألف الثاني قبل الميلاد في حضارة سومر وأكد، وحفظتها لنا النسخة البابلية التي جمعها الكاتب البابلي “سين-لقي-أونيني” بين القرنين الثالث عشر والعاشر قبل الميلاد، وتتألف من اثني عشر لوحًا طينيًا، وهي النسخة الأشمل مقارنة بالنسخة الأكدية المدونة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، التي تعد أول محاولة لصياغة الملحمة بشكل موحد، لكنها لم تصلنا كاملة. تقدم هذه الملحمة صورة إنسان بلاد الرافدين الباحث عن الخلاص من قلق الموت، وتعكس تأملاته في اكتشاف معنى الموت والخلود، حيث يسعى جلجامش لفهم مصيره بعد فقدان صديقه أنكيدو، ليصبح النص رمزًا للبحث الإنساني عن معنى وجود الإنسان وموته.

الإلياذة والأوديسة، المنسوبتان إلى هوميروس، والمدونتان في القرن الثامن قبل الميلاد، تمثلان ذروة التعبير الملحمي في الحضارة اليونانية، حيث صاغتا الوعي الجمعي، عبر سرد بطولي يلتقي فيه الإنسان مع الآلهة والمصير. تتألف كل منهما من أربعة وعشرين نشيدًا مكتوبًا في الوزن السداسي، وتتناولان موضوعات الحرب والبطولة والعودة والحنين، وقد بلغ عدد أبيات الإلياذة نحو 15693 بيتًا، بينما تضم الأوديسة حوالي 12110 أبيات، وفق أكثر الإصدارات النقدية اعتمادًا، مما جعلهما نموذجين تأسيسيين للملحمة بوصفها نصًا كونيًا يعيد تشكيل الذاكرة والهوية الجمعية.

وتمثل المهابهاراتا والرامايانا ذروة التعبير الملحمي في الهند، حيث تتداخل فيهما الأسطورة مع الفلسفة والسرد البطولي بالتأمل الروحي، في نسيج لغوي وثقافي وديني، جمع لهجات الهند ومفاهيمها الدينية في نصين تأسيسيين للوعي الهندوسي. المهابهاراتا، المنسوبة إلى الحكيم فياسا، تروي صراعًا ملحميًا بين قبيلتين ملكيتين، وتُعيد إنتاج مفاهيم الكارما والدارما ضمن رؤية كونية للواجب والقدر. بدأ تدوينها في القرن الرابع قبل الميلاد واستمر حتى الرابع الميلادي، لتغدو أوسع ملاحم الهند وأطولها، بأكثر من مئة ألف بيت شعري، موزعة على ثمانية عشر كتابًا. أما الرامايانا، المنسوبة إلى فالميكي، فتسرد رحلة الأمير راما لاستعادة زوجته سيتا من ملك الشياطين رافانا، وتعبر عن التجلي الإلهي في قالب سردي طقوسي، يستخدم حتى اليوم في المسرحيات والاحتفالات الدينية. هاتان الملحمتان، رغم طابعهما السردي، تعيدان تشكيل البنية الاجتماعية والروحية للهند، وتخلدان مفاهيم التضحية والبطولة في فضاء رمزي ارتقى إلى مرتبة المقدس. ولدى الرومان كتب فرجيل “الإنيادة”، الذي عاش بين 70 و19 قبل الميلاد، وهي واحدة من السرديات الكبرى التي صاغت الأساس الرمزي والخيالي لفكرة روما الأبدية، حتى غدت بمثابة نص مؤسس لهوية الرومان. دوّن فرجيل رحلة البطل الطروادي إينياس، وهو بطل أسطوري من بقايا طروادة المدمَّرة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريبًا، مصورًا مسيره من دمار الماضي إلى تأسيس لافينيوم[1] ثم روما بوصفه رمزًا لولادة أمة جديدة من رحم المأساة. جعل فرجيل من إينياس الجد الأسطوري للرومان، فكرس نسبًا متصلًا يربط الطرواديين باللاتينيين وينتهي إلى رومولوس مؤسس روما سنة 753 قبل الميلاد، بما يمنح المدينة قدرًا سماويًا وشرعية تاريخية. لم تكن الإنيادة مجرد قصيدة شعرية بل نصًا وظيفيًا ارتقى إلى مستوى السردية المقدسة، إذ رسخت قيم الوفاء للأسرة والآلهة والوطن في مواجهة الهياج والعنف، وقدمت للرومان وعيًا جماعيًا بأصولهم وقدرهم في التاريخ. كتبت الملحمة في ظل الإمبراطور أوغسطس، الذي حكم بين 27 قبل الميلاد و14 للميلاد، فجاءت أداة أيديولوجية لترسيخ شرعية الحكم الجديد بعد الحروب الأهلية، إذ ربطت بين إينياس والسلالة اليولية، وهي سلالة يوليوس قيصر الذي عاش بين 100 و44 قبل الميلاد واغتيل في روما، وأوغسطس، بوصفهم ورثة القدر الطروادي وحملة رسالة الآلهة. أعيد إنشادها وتدريسها في المدارس، وتحوّلت إلى كتاب هوية جمعية وتعليم يتلقاه الناشئة جيلًا بعد جيل، حتى ارتقت في وعي الرومان إلى مقام النص المقدس الذي يمنح أصلًا ومعنى ورسالة، ويمدهم بإحساس بأن روما ليست مجرد قوة عسكرية محلية، بل قدرًا كونيًا مرسومًا لها رسالة هيمنة سياسية وعسكرية وتمدينية على الشعوب الأخرى. وظيفة روما نقل القانون والنظام والثقافة الرومانية إلى هذه الشعوب الخاضعة لها، وهي لم تكن توسع عدواني، بل إرادة الآلهة، أي أن رسالة الإمبراطورية الرومانية ليست خيارًا سياسيًا بل مصيرًا مقدرًا. هكذا صارت الإنيادة سياسيًا هوياتيًا لترسيخ الإمبراطورية. الرومانية نصًا جامعًا يخلد الذاكرة ويحفظ اللغة ويؤسس لهوية راسخة.

الشاهنامه هي الملحمة الفارسية الكبرى التي أنشدها أبو القاسم الفردوسي بين عامي 977 و1010م، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل، تعد من أعظم القصائد الملحمية في الأدب العالمي. يقال إنها تتألف من ستين ألف بيت شعري بالفارسية القديمة، غير أن النسخ المتداولة، كالنسخة التي صححها جلال خالقي مطلق، تضم نحو 49,530 بيتًا، وتكشف مقارنات الخبراء المتخصصين أن أقدم المخطوطات الكاملة القريبة من تلك النسخة، مثل مخطوطة لندن المؤرخة بسنة 675هـ، تحتوي 49,618 بيتًا، وهذا يعني أن التقدير الشائع بأنها مؤلفة من نحو ستين ألف بيت لا تؤيده الأصول الموثوقة. تستند الشاهنامه إلى مصادر زرادشتية وتاريخية أبرزها: “خداي نامه”، الذي جمع الروايات الأسطورية للملوك الإيرانيين قبل الإسلام. جاءت هذه الملحمة بعد قرون من الفتح الإسلامي، في لحظة فارقة من التاريخ الإيراني، لتعيد تشكيل الوعي القومي، وتبعث اللغة الفارسية بوصفها لغة ثقافة وأدب وهوية مشتركة، وترمم الذاكرة الجمعية، عبر سرد بطولي يمتد من خلق العالم إلى الفتح الإسلامي، يعمل على إحياء كلمات الفارسية القديمة، قبل تشبع هذه اللغة بالمفردات العربية بعد الإسلام. سألت الدكتور حسين علي محفوظ[2]، الخبير في اللغة الفارسية، عن نسبة المفردات العربية في الفارسية الحديثة، فأجاب: “تبلغ في المعاجم نحو 60% تقريبًا”، ويقول المتخصصون في هذه اللغة: إن المفردات العربية في الاستعمال اليومي لا تتجاوز عادة 25 إلى 30%. في الشاهنامه حاول الفردوسي أن يعيد للفارسية معجمها القديم قبل تغلغل العربية فيها، فلم يستخدم من المفردات العربية سوى 800 إلى 1000 كلمة تقريبًا، ضمن نص شعري يناهز 60 ألف بيت. بغية حفظ المفردات الفارسية من الاندثار، مما جعل الشاهنامة رمزًا للمقاومة الثقافية وإحياء الهوية القومية. لذلك ارتقت هذه الملحمة إلى رتبة المقدس الرمزي، فصارت تقرأ بوصفها نصًا مؤسسًا للذات الإيرانية.

لدى اليابان الكوجيكي، الذي دوّن سنة 712م، ونيهون شوكي، الذي دوّن سنة 720م. وهما نصّان أسطوريان تاريخيان دوِّنا في فترة نارا لتأسيس سردية يابانية جامعة. جمع الكوجيكي، الذي دوّنه العالِم أونو نو ياسومارو (توفي 723م)، أساطير نشأة الكون بحسب الشنتو، وقصص ولادة الآلهة، ونزول الإلهة الشمسية آماتيراسو (إلهة أسطورية)، وربط نسب الأباطرة بها ليمنح العائلة الإمبراطورية قدسية. أما نيهون شوكي، فقد أشرف على تدوينه الأمير تونِري (676–735م)، فجاء أكثر تفصيلًا وتوثيقًا بالصينية الكلاسيكية، جامعًا بين الأسطورة والتاريخ، وموثقًا أصول اليابان وأحداثها السياسية المبكرة. وقد ارتقيا في الوجدان الياباني إلى مقام النصوص المقدسة، إذ لم يُعاملا ككتب تاريخية فقط، بل كنصوص طقسية تُقرأ في الشعائر الشنتوية، ويُستعاد مضمونها في الاحتفالات الإمبراطورية، وتُلقَّن للأجيال بوصفها رواية الأصل ومعنى الوجود الجماعي، وبذلك تحوّلا إلى ذاكرة مقدسة تحفظ هوية اليابان وتمنح الدولة والأباطرة هالة تتجاوز السياسة إلى المصير الأسطوري.

وفي إيطاليا كتب الكوميديا الإلهية دانتي أليغييري بين عامي 1308 -1321، وهي تعد من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ الأوروبي، إذ جسدت رحلة رمزية للروح من الجحيم إلى الفردوس، ورسمت خريطة كونية للمصير الأخروي في الوعي المسيحي الوسيط. تتألف الكوميديا الإلهية من ثلاثة أقسام: الجحيم، والمطهر، والفردوس، ويضم كل منها ثلاثًا وثلاثين نشيدًا، إضافة إلى نشيد افتتاحي، ليبلغ مجموعها مئة نشيد مكتوبة باللسان الفلورنسي، في الوزن الثلاثي المقفى المعروف بالتيرزا. في هذا العمل، يدمج دانتي اللاهوت المدرسي بعلم الفلك الأرسطي والخيال الشعري، ليقدم سردية كونية شاملة، تتداخل فيها: الفلسفة، والسياسة، والتاريخ، والشعر، وتعكس رؤية مسيحية للخلاص والعدالة والنعيم الأبدي. ارتقت الكوميديا الإلهية إلى رتبة المقدس الرمزي، فغدت نصًا مؤسسًا للهوية الروحية والثقافية للغرب اللاتيني، واستخدمت في التعليم والوعظ والتأمل، وظلت تستعاد بوصفها تأويلًا شعريًا للاهوت، وتجسيدًا سرديًا للعدالة الإلهية. لم يقتصر أثر الكوميديا الإلهية على الفكر الديني والأدبي، بل امتد إلى الفنون التشكيلية والموسيقى، فألهمت أعمال بيوتشيلي، ودوريه، وميكيل انجلو، ورودان، كما غذت موسيقى ليستش وتشايكوفسكي، لتغدو علامة كبرى على تلاحم الفن بالمقدس في المخيال الأوروبي.

في الصين برزت سرديتان كبريان صارتا جزءًا من ذاكرة الأمة ووجدانها الجمعي. الأولى: رومانسية الممالك الثلاث التي دوِّنت بين القرن الرابع عشر والقرن السادس عشر الميلادي، ونسبت إلى لوه قوان تشونغ “توفي نحو 1400م”، وهي ملحمة تاريخية سياسية تسرد وقائع انهيار أسرة هان وصراعات الممالك الثلاث “220–280م”، وتصور الصراع على السلطة، والدهاء السياسي، وقيم الولاء والبطولة، فصارت من أهم نصوص الهوية القومية الصينية ومصدرًا للأمثال والحِكم الشعبية. والثانية: رحلة إلى الغرب، فقد ظهرت في القرن السادس عشر الميلادي على يد وو تشنغ إن “1500–1582م تقريبًا”، وهي ملحمة روائية دينية رمزية تروي رحلة الراهب البوذي شوانزانغ إلى الهند في القرن السابع الميلادي. في ملحمة “رحلة إلى الغرب”، الشخصية الأبرز والأكثر شعبية هي سون ووكونغ، المعروف بـ “ملك القردة أو القرد الملك”. وقد مزجت هذه الملحمة بين البوذية والطاوية والميثولوجيا الشعبية، لتصبح من أبرز نصوص المخيال الصيني. ومعًا شكّلتا سرديتين كبريين: الأولى سياسية تاريخية تعلي من قيمة التخطيط والوفاء، والثانية دينية رمزية تعكس البحث عن التنوير الروحي، وكلاهما ارتقى إلى نص مقدس يختزن هوية الصين ويغذي خيالها الثقافي عبر القرون.

دون كيخوتي دي لا مانتشا، هي الرواية التي كتبها ميغيل دي ثيربانتس، ونشرت بجزئيها عامي 1605 و1615. هذا العمل يعد نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأدب الأوروبي، إذ دشن الميلاد الأول للرواية الحديثة، وأعاد قراءة البطولة والأسطورة بوعي ساخر يفكك يقين السرديات القديمة. في هذه الرواية، تتحول شخصية الفارس الحالم إلى مرآة للإنسان الذي يسعى نحو العدالة والخير، وسط عالم ساخر لا يعترف بالمثال، فتغدو رحلته نوعًا من الرحلة الداخلية، تتجاور فيه البطولة مع الجنون، والحلم مع الخيبة، والنية الطيبة مع النتائج المأساوية. وعلى الرغم من أن الرواية لا تنتمي إلى الأدب الديني، إلا أنها تلامس المقدس من جهة الرمز، إذ تجسد مفارقة الإنسان بين المثال والواقع، وتعيد تشكيل صورة الذات بوصفها كائنًا سرديًا، يبحث عن معنىً يتجاوز حدود التجربة اليومية. بهذا المعنى، ترتقي دون كيخوتي إلى رتبة المقدس الرمزي، وتضاهي في وظيفتها بعض النصوص الدينية، لأنها تمنح الإنسان تعريفًا متخيلًا عن ذاته، وتضفي على حياته معنىً يتجاوز الزمان والمكان.

الملاحم الكبرى لم تخلد لأنها نصوص أدبية مطولة فحسب، بل لأنها ارتقت إلى مكانة النصوص المؤسسة التي حفظت اللغة والدين والهوية والذاكرة معًا. فقد تحولت اللغة فيها إلى مستودع للمعاني والرموز، فغدت الإلياذة والأوديسة حافظتين للروح اليونانية، والمهابهاراتا والرامايانا معينًا للسنسكريتية، والشاهنامة حصنًا للسان الفارسي القديم بعد أن تهدده الزوال، والكوميديا الإلهية جسرًا أعاد للفلورنسية قوتها فكانت منبع الإيطالية الحديثة، ودون كيخوتي نصًا جامعًا وحارسًا للإسبانية. في هذه النصوص يظهر كيف تحرس الملحمة الدين وتعيد إنتاج المقدس في صور بلاغية ورمزية، فالبهاغافاد غيتا في قلب المهابهاراتا نص ديني حيّ، والكوميديا الإلهية رسمت الجغرافيا الأخروية في اللاهوت المسيحي، وملحمة جلجامش حملت السؤال الأول عن الموت والخلود، بما هو سؤال أنطولوجي مهّد الطريق للوعي الديني.

لم نقرأ في اللغة العربية نصوصًا أدبية مدونة طويلة تتناول الحكايات والأساطير، قبل ظهور الإسلام أو بعده، يمكن أن ينطبق عليها وصف “السرديات الكبرى”. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من أبرزها: غياب الإمبراطورية أو الدولة المركزية في الجزيرة العربية، وتنوع القبائل وحياتها البدوية في الصحراء، والتنافس القبلي الذي يقوم على التفاخر والارتجال، لا على البناء التراكمي للنصوص؛ فكل شاعر أو راوٍ كان يسعى لتمييز نفسه وقبيلته، لا لبناء سردية مشتركة، مما أعاق نشوء سرديات طويلة ذات طابع جماعي تأسيسي. يضاف إلى ذلك قلة المدن وضعف الحياة المدينية في الجزيرة العربية، وسيادة الشفاهية، مما حال دون تراكم سردي موسع قبل الإسلام يمكن تدوينه لاحقًا، بسبب شح التدوين أو ندرته. لذلك كانت الذاكرة مستودعا يستوعب الشعر والقصص والأساطير، دون أن يتحول ذلك إلى سرد طويل مدون يحمل وظيفة تأسيسية مرجعية. وقد أدت هذه العوامل إلى عدم تشكل هوية جامعة تعبر عن أحلام قومية تلتقي حولها تطلعات أمة واحدة، تصاغ فيها رؤيتها للعالم، وتتخذ مرجعية معرفية وثقافية محورية.

هذا ما كان عليه العرب قبل ظهور الإسلام، أما بعد نزول القرآن الكريم فأصبح هذا الكتاب هو المرجعية، لا فقط مرجعية دينية، بل معرفية وثقافية وجمالية، وأضحى هو المعيار المركزي لمشروعية ما ينتجه التفكير والمتخيل، والثقافة والآداب، وللذائقة الفنية والجمالية، فغدا نصًا مؤسسًا للوعي، ومنبعًا لإعادة تشكيل اللغة والخيال والرؤية للعالم. حتى اللغة خضعت لهذا المعيار في تدوين معجمها، وصياغة أساليبها البيانية، بحيث جرى تجاهل لهجات القبائل العربية المتنوعة، واعتمدت لهجة وحيدة، وفي سياقها تم بناء قواعد الكلام والكتابة فيها. في فضاء هذا الواقع لم تجترح المخيلة الملاحم المليئة بالقصص الأسطورية سواء أكانت شعرية أو نثرية، لأن “أساطير الأولين” وردت في سياق الذم في آيات عديدة. وأمسى الشعر، الذي كان “ديوان العرب”، خاضعًا لمرجعية القرآن، فلم يعد الشعراء يقولون ما تجترحه مخيلتهم بلا معايير محددة.

تشكلت في الثقافة العربية بعض القصص، مثل قصة عنترة التي تعود جذورها إلى ما قبل الإسلام، وامتزج فيها التاريخ بالأسطورة، وتحولت لاحقًا إلى سيرة شعبية مدونة. ومن القصص التي ظهرت بعد الإسلام، سيرة بني هلال، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذي يزن، وهي نصوص سردية، جمعت بين البطولة الشعبية والخيال الرمزي، وتناقلتها الأجيال شفاهة قبل أن تدون في مراحل متأخرة. وكانت أوسع هذه السرديات وأكثرها تنوعًا: “ألف ليلة وليلة”، التي جاءت بوصفها نتاجًا لتراكم سردي ممتد، تم تدوينه عبر قرون، من دون أن نعرف بشكل دقيق من ألّفها أو جمعها أو صاغ بنيتها النهائية. ورغم غناها الرمزي وتعدد مصادرها الثقافية، فإن هذه النصوص لم ترتق إلى مستوى السرديات الأدبية الكبرى التي شكّلت مرجعيات في حضارات أخرى، ولم تحتل المكانة المماثلة لها في الوعي الجمعي العربي، بل ظلت في إطار الحكاية الشعبية، ولم تعامل كنصوص تأسيسية للهوية أو الوعي الجمعي، ولم تدمج في مشروع أدبي أو معرفي يعيد تعريق الذات والهوية والرؤية للعالم، كما فعلت الملاحم الكبرى في الثقافات والحضارات: الرافدينية، واليونانية، والهندية، والفارسية، والأوروبية، التي ارتقت إلى رتبة المقدس الرمزي، وحفظت اللغة والدين والذاكرة والهوية معًا.

[1] لافينيوم مدينة قديمة في لاتيوم بإيطاليا ، على الساحل الجنوبي من روما، تبعد 30 كيلومترًا جنوب روما ، وتعد المركز الديني للشعوب اللاتينية المبكرة.

[2] حسين علي محفوظ (1926–2009) عُرف في الأوساط الأكاديمية العراقية والعربية بوصفه واحدًا من أكبر الخبراء في اللغة الفارسية وآدابها. نال الدكتوراه في الأدب الفارسي من جامعة طهران سنة 1955، وكان أول عراقي يحصل على هذه الدرجة من طهران.

اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة

اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة

د. عبد الجبار الرفاعي

للدين أثر عظيم في حماية اللغة من الاضمحلال والانقراض وضمان استمرارية حياتها، لأنه يربط النصوص والطقوس بلسانها الأصلي، فيتحول الكتاب المؤسس للديانة إلى خزّان لغوي يحرس المفردات والتراكيب والأساليب، وتتحول الطقوس إلى طاقة متجددة تبعث اللغة في الذاكرة الجمعية وتبقيها حيّة. في المقابل تحمي اللغة الدين، إذ تغدو الوعاء الذي يحفظ نصوصه وطقوسه من التبدد ويمنحها القدرة على الاستمرار في التاريخ. في سياق التفاعل الخلاق بين اللغة والدين والثقافة تتكون الهوية وتترسخ، إذ لا تكون اللغة مجرد وسيلة للتخاطب، بل تتحول إلى نسق رمزي يؤمن استمرارية الذاكرة ويعيد إنتاج روابط الانتماء. ويؤدي الدين، بما يحمله من طقوس وأسماء وشعائر، دورًا شبيهًا بما رصده علم الأنثروبولوجيا في المجتمعات الأولى من أثر للأسطورة، بتحويل الوقائع إلى بنية من التضادات، يتميز فيها الداخل من الخارج، والمقدس من المدنس، ويصاغ التاريخ بوصفه سردية كونية تعطي معنى للوجود الفردي والجمعي معًا، فتتحقق الهوية في هذا الفضاء من التمايزات، التي تعمل على تغذيتها.

اللغة والديانة تتناوبان على حفظ بعضهما؛ فالعبرية ظلت حيّة بفضل نصوص التوراة والتلمود وصلوات اليهود وطقوسهم، إذ شكلت تلك النصوص جسرًا بين الماضي والحاضر، حتى استعادت العبرية حضورها الحديث بوصفها لغة يومية وهوية قومية بعد قرون من الانقطاع، حين تم اغتصاب فلسطين 1948. السريانية ما زالت حاضرة في طقوس الكنائس الشرقية كلغة للقداس، فحافظت الكنيسة على استمرارها وحافظت اللغة على هويتها الروحية. أما العربية فارتبطت بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، جعل النص القرآني مرجعًا لغويًا أعلى، يحمي اللغة من التآكل ويمنحها قداسة وقدرة على الاستمرار، مادام القرآن حاضرًا في حياة المسلم. اللاتينية اقترنت بالقداس الكاثوليكي قرونًا طويلة، وظلت لغة الطقوس واللاهوت؛ حتى مع فقدان أكثر الكاثوليك القدرة على فهمها، إلى أن ولد الإصلاح المسيحي ففتح الباب أمام اللغات الحيّة لتتبوأ مكانها في الكنيسة. في المندائية حفظت الآرامية المندائية بفضل كتابهم المقدس “كنزا ربا” وطقوس التعميد والترانيم، فظلت اللغة والديانة تتبادلان حماية استمرار حياتهما، على الرغم من قلة الأتباع وتشتتهم. الزرادشتية صانت لغة “الأڤستا” القديمة، فجعلتها باقية في “الغاثات” (Gathas)[1] الطقسية، على الرغم من انقراضها من الحياة اليومية. الهندوسية أبقت السنسكريتية حيّة في نصوص “الڤيدا” وممارسات الطقوس، فتحولت اللغة إلى وعاء دائم للفكر الديني والفلسفي. البوذية حفظت لغة البالي في “تيبيتاكا” (Tipiṭaka)[2] ، وتراث جنوب شرق آسيا، في لغة الرهبان والتعاليم الحية. الكونفوشيوسية بدورها أبقت الصينية القديمة حاضرة عبر الكلاسيكيات الأخلاقية التي شكلت مرجعًا معرفيًا وذاكرة جمعية للأمة. والطاوية حفظت لغة الحكمة في “تاو تي تشينغ” (Tao Te Ching / Dao De Jing) [3]، فجعلت من النص الطقسي والفلسفي سبيلًا لاستمرارها. أما السيخية فحفظت اللغة الپنجابية عبر نصوص “الغورو غرانث صاحب” (Guru Granth Sahib)[4]، التي منحتها قداسةً ومكانةً في الهوية الدينية والثقافية لجماعتها. هكذا يتضح أن الأديان الكبرى لم تكن فقط أنظمة اعتقاد، بل قوى حافظة للغات، وأن اللغات بدورها لم تكن أدوات للتواصل فحسب، بل أوعية للقداسة والذاكرة، وبفضل هذا التضامن بين الدين واللغة استطاع كل منهما أن يضمن للآخر البقاء والتواصل عبر التاريخ والجغرافيا.

كتاب الديانة المؤسس والطقس لم يكونا يومًا حارسين للديانة فحسب، بل كانا أيضًا حارسين للسان، وذاكرة الأمة، وهويتها، وثقافتها. وأن اللغة لم تكن مجرد وسيلة للتعبير بل ركنًا وجوديًا في بقاء الديانات والذاكرات الجمعية والهويات والثقافات والحضارات، فحيثما كان الكتاب المقدس متداولًا بلسانه الأصلي ظل اللسان حيًا متجددًا، وحيثما استمرت الطقوس بلغتها الأصلية مكثت الهوية متماسكة، إذ تتغذى اللغة من الدين والثقافة كما يتغذى الدين من اللغة والثقافة. وتنهض الهوية من تآزر الكل معًا، فتغدو اللغة وعاءً للمعنى الروحي والعاطفي، يغذي الوعي والذاكرة، ويغدو الدين قوة تصون اللغة من الانقراض، وتمنحها طاقة تتجدد في النصوص والطقوس، وتصير الثقافة مرآة للدين واللغة، والدين واللغة مرآة للثقافة. من هذا التفاعل الثلاثي الخلاق تنبثق الهوية وتستمد حضورها، فتتجدد إمكاناتها في الواقع، وتستعيد قدرتها على الاستمرار في عالم متغير، إذ لا تبقى أسيرة الماضي وحده ولا منقطعة عن جذورها، بل تنفتح على الحاضر وتتطلع للمستقبل، وهي مشدودة إلى لسانها وكتابها المؤسس وطقوسها، التي تروي عطش الروح وتغذي وعي الجماعة بذاتها.

كما تكون اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة، فإن الدين والهوية والثقافة مرآة للغة. إذا تحجرت اللغة تعطلت قدرتها على التعبير عن أسئلة الإنسان، فيخبو المعنى الذي ينشده الإنسان في الدين خلف خطاب لا ينتمي لواقع الإنسان ومتطلباته الروحية والأخلاقية والجمالية الراهنة، وتنغلق الهوية على ماضٍ غريب عن حاضر الإنسان، وتفقد الثقافة طاقتها الخلاقة. أما حين تتحرر اللغة وتواكب متغيرات الحياة ومستجداتها، فإنها تبقي الدين حيًا قادرًا على الإلهام، وتمنح الهوية مرونة للانفتاح على المستقبل، وتنفتح الثقافة على فضاءات الابتكار والإبداع، لتغدو جميعها قوى متجددة تمنح للإنسان معنى وجوده في العالم.

العلاقة بين الدين واللغة لا تقف عند حدود حفظ النصوص والطقوس، بل تمتد لتشكل الأساس العميق للهويات الدينية والثقافية للأمم، إذ تتحول اللغة حين تتشرب دلالات النصوص الدينية إلى علامة فارقة يتميز بها أتباع الدين عن غيرهم، وتغدو خيطًا ناظمًا يوحدهم عبر الأزمنة والأمكنة، ويحمي ذاكرتهم، ويغذي شعورهم بالانتماء لهوية وثقافة واحدة. في سياق هذه الرؤية صارت العبرية وعاءً لهوية اليهود في الشتات، والسريانية ركنًا من أركان هوية الجماعات المسيحية المشرقية، والعربية هي اللسان الذي جمع شعوبًا شتى في فضاء واحد، ورسخ صلتهم بكتابهم المؤسس وعباداتهم وشعائرهم، وشعورهم بوحدة الرسالة والمصير. بهذا الفهم تتجاوز اللغة كونها أداة للتواصل، لتغدو منبعًا للذاكرة، ومسرحًا للخيال الديني، وأفقًا يتجلى فيه الانتماء الروحي والهوياتي والثقافي، الذي يحفظ ذاكرة الأمة ويربط حاضرها بماضيها، ويفتح أمامها سبل الاستمرار في عالم بالغ التنوع.

غير أن هذه الحماية ما فتئت تنقلب عبئًا على اللغة، إذ تتمدد قدسية كتاب الديانة إلى اللغة التي دُوّن بها، فتنحبس في قوالب القداسة، وتستعمل مؤسسات الأديان سلطة التحريم لحمايتها من أي محاولة لتيسير أساليب النطق بها أو تحديث معجمها، فتفقد قدرتها على التعبير عن أسئلة الحاضر ومتطلبات الواقع اللغوي الراهن للناطقين بها. هكذا تتسع الفجوة بين اللغة التي يقدسها التراث واللغة التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية. في ظل هذا التباعد، ينشأ صراع داخلي لدى الناطقين بها، بين ولاءٍ للموروث ورغبةٍ في الانخراط في الواقع الذي يعيشونه. وإذا لم تجد هذه اللغة طريقًا إلى المصالحة بين قدسيتها التاريخية ووظيفتها الحيّة، فإنها تظل محكومة بالانحسار التدريجي، تاركة فراغًا تملؤه لغات أخرى أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع التحولات العلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

أما كيف تتقدس لغة الكتاب المؤسس؟ فإن كل شيء قابل للتقديس، وكل ما يتقدس يمكن أن يتفشى تقديسه وعبادته، فينتشر كالفيروس؛ إنسانًا كان أو حيوانًا أو جمادًا، حتى اللغة والأسماء والكتابة يمكن أن تتقدس. اللغة كائن حي، يتخلق من وعي الإنسان وتجربته التاريخية والمعيشية، ويعكس أنماط معيشته وصلاته السياسية والاجتماعية والثقافية، ويتجسد في آدابه وفنونه. حين ترحل اللغة إلى حقل المقدس تحتجب، فتعاند المراجعة والنقد والتجديد، وتتحول أي محاولة لتسير قواعدها والنطق بها وتجديث معجمها إلى مغامرة عقيمة. تقديس اللغة يزجها في حقل التحريم، فيغلق عليها منافذ الانفتاح، ويشل قدرتها على استيعاب تحولات الواقع، ويمنعها من التفاعل مع مكتشفات العلم وتكنولوجيات العصر.

عندما يصنع الإنسان مخترعاته، يبتكر معها أسماءها التي تتجسد فيها رؤيته العلمية الجديدة للعالم، وهي تختلف كليًا عن الرؤية غير العلمية التي أنجبت اللغة في فضائها التراثي. لذلك تتعذر محاكاة هذه الأسماء أو نقلها إلى لغة أخرى من دون خسارة في معناها، لأنها وليدة أفق معرفي جديد، وتجسيد لتحول عميق في الوعي، ورؤية للعالم لا تلتقي مع أفق اللغة المنقولة إليها التسميات. في هذا المأزق يفقد الإنسان لغته بوصفها أفقًا رحبًا لرؤيته للعالم، فتغدو عبئًا يقيده، بدلًا من أن تكون سبيله إلى بناء ثقافته وهويته. مع انغلاق اللغة في قوالب التحريم، تتحول من وعاء للمعنى إلى جدار يحجب عن الإنسان آفاق الإبداع، ويعطل قابليتها على مواكبة تحولات الواقع، ويمنعها من تجديد ذاتها في فضاء إنساني متنوع.

اللغة خارج سطوة التقديس وسلطة التحريم هي وحدها التي تستجيب لتحولات الواقع، وتظل قادرة على أن تكون جسرًا بين النص الديني والإنسان، ورافدًا لتجديد الهوية الدينية والثقافية وإثرائهما. الهويات التي تتغذى من لغة حيّة تظل مرنة قادرة على التكيّف والتعايش، في حين تلبث الهويات التي تحاصرها القداسة ويستبد بها التحريم متصلبة، تنغلق على ماضيها، وتتحول إلى عائق أمام حركة تيسير قواعدها وأساليب النطق فيها وتوليد معجمها. الهوية ليست جوهرًا متحجرًا يكرر ذاته كما هو، بل صيرورة علائقية تتشكل في تفاعل حواري مع لغة الآخر المختلف وثقافته ورؤيته للعالم، ويعاد تكوينها في فضاء التعدد. إذا انفتحت اللغة على التأويل تشكلت في سياقها هوية وثقافة حيّة واثقة من ذاتها، قادرة على العيش مع المختلف من دون خوف من الذوبان، أما إذا انغلقت فتتحول إلى سجن يكبلها ويستهلك طاقتها في صراع لا ينتهي. لذلك تصبح اللغة الحيّة شرطًا لازمًا لدوام الهوية وانفتاحها واستمرارها، فيما اللغة الجامدة تسوقها إلى الانكماش والتآكل.

أنتج الفكر الغربي رؤى عميقة كشف فيها عن الصلة بين اللغة والهوية والثقافة؛ فقد رأى هردر “1744-1803” أن اللغة روح الأمة ولسانها الذي يمنحها خصوصيتها، في حين أكد هومبولت “1767-1835” أن اللغة لا تصف العالم بل تصنع رؤيتنا له، ثم ارتقى هايدغر “1889-1976” بالمسألة إلى مقام أنطولوجي، حين عد اللغة بيت الوجود الذي يحدد إمكان الوجود الإنساني، وجاء تايلور “1931-” ليبين أن الهوية لا تتشكل إلا في فضاء حواري تمنحه اللغة معناه، وكشف ريكور “1913-2005” عن أن الهوية سردية تتجدد بالقصص التي تروى بلغة تحتضن تعقيد التجربة الإنسانية، وأوضح أمارتيا سن “1933-” أن الهوية متعددة الأبعاد لا تفهم إلا بلغة حيّة تعترف بالاختلاف وتتيح التعايش.

يتضح أن اللغة شرط وجودي للهوية، فإذا تجمدت في قوالب مغلقة تحولت الهوية إلى سجن يستهلك طاقتها في مقاومة موهومة، وإذا انفتحت على التجديد غدت هوية رحبة واثقة من ذاتها، قادرة على العبور إلى المستقبل، في فضاء التنوع اللغوي والديني والهوياتي والثقافي. في ضوء هذه الرؤى يتضح أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل إطار أنطولوجي يحدد إمكان الوجود الإنساني، ويمنح الهوية القدرة على الانفتاح والتجدد، أو يحاصرها بالجمود والانغلاق، إذا تحولت إلى قيد على الخيال والحوار. وهو ما يجعل واقعنا العربي اليوم في أمس الحاجة إلى وعي لغوي يستلهم هذه الرؤى، ليوازن بين حفظ أصالة اللغة والانفتاح على العصر. المستقبل لا يصان إلا بلغة حيّة قادرة على التفاعل والإبداع، تحمي الهوية من الذوبان كما تحميها من الانغلاق، وتبقيها أفقًا رحبًا يتسع للتعدد والتعايش، ويمنح الإنسان معنى حضوره في عالم متغير.

اللغة لا تحرس الهوية وحدها، بل تحفظ التجربة الروحية من أن تذوب في صخب العالم أو تنطفئ في قوالب الطقس الجامد. إذا انغلقت اللغة وغدت أسيرة الماضي تحولت إلى ظل باهت لا يوقظ ولا يلهم، أما إذا كانت منفتحة، لا تتنكر لتيسير أساليب التحدث والكتابة بها، فإنها تجعل الهوية في صيرورة دائمة، توقظ الوعي، وتعيد وصل الإنسان بالمعنى. هنا يغدو تجديد الهوية الثقافية والدينية رهينًا بتجديد اللغة، كي تظل قادرة على مخاطبة الروح والقلب والعقل معًا، وعلى تذوق صور الحضور الإلهي في الوجود، بنحو يخفض من مواجع الإنسان وآلامه، في غمرة حياة صاخبة قلقة اليوم. بذلك يتحول الدين من جدار يحرس الماضي إلى أفق ينفتح على المستقبل، وتتحول اللغة من كيان صامت إلى كائن حي يتدفق في مجرى التاريخ. هكذا يصبح التجديد اللغوي شرطًا لتجديد فهم الدين، ويغدو تجديد فهم الدين بدوره شرطًا لتجديد هوية الإنسان، إذ لا يمكن للدين أن يستعيد معناه الروحاني والأخلاقي العميق من دون لغة قادرة على إحياء التجربة الروحية وتجديد صلة الإنسان بالله، ولا يمكن للهوية أن تبقى منفتحة، في عالم يتغير فيه كل شيء، من دون دين يتكلم بلغة تشبع حاجات الأرواح والقلوب والعقول معًا للعيش سويًا في فضاء التنوع والاختلاف، ولا يمكن للثقافة أن تتفاعل مع الثقافات العالمية الحيّة في عالم متعدد، لا يتحقق فيه العيش المشترك إلا بقدر ما تتسع اللغة للحوار وتحتضن الاختلاف. اللغة التي تتحسس مواجع الإنسان العاطفية وحاجته لمعنى وجوده وحياته ضرورة قصوى، لأنها تفتح القلوب والعقول على التنوع، وتمنح الوجود البشري أفقًا يتسع للجميع، وتعيد للدين وظيفته الكبرى في إلهام المعنى، وللهوية دورها في بناء فضاء أخلاقي لإنسان أكثر رحمة وتسامحًا وإبداعًا، وتجعل الثقافة تتفاعل بلا خوف مع الثقافات العالمية.

العلاقة بين اللغة والدين والهوية لا تنحصر في بعدها الثقافي والاجتماعي والسياسي، بل تمتد إلى بعد روحي وجمالي يجعل اللغة وعاءً يحمي الهوية، ويعكس تجربة الإنسان مع الله في آن واحد. اللغة الحيّة تجعل الهوية في حالة مرنة، تمنحها القدرة على الإصغاء لأسئلة الواقع، والتفاعل مع تحولات العصر، في حين تحوّل اللغة المغلقة الهوية إلى كيان منغلق على ذاته يعجز عن مواكبة متغيرات الواقع. وبذلك يتضح أن تجديد الهوية الدينية مرهونًا بتجديد اللغة الدينية، كي تظل قادرة على مخاطبة القلب والعقل معًا، وحماية الحياة الروحية من الذبول، وفتح أفق رحب للتعدد والعيش المشترك في عالم متنوع الأديان والمذاهب. تكمن فاعلية اللغة التي يخاطب بها الدين الإنسان في قدرتها على تغذية المشاعر والعاطفة، وربط الإنسان بالمعنى الذي يمكن أن يمنحه الدين لحياته. أما إذا تحجرت اللغة وانغلقت، فإنها تسجن الهوية الدينية في ماض عقيم لا يلهم، وتفرغ الدين من طاقته الروحية والعاطفية والأخلاقية، ليغدو عبئًا على الحياة بدلًا من أن يكون أفقًا يلهم المعنى لوجود الإنسان وحياته.

[1] الغاثات (Gathas) في الزرادشتية هي ترانيم مقدسة تعتبر جزءًا من الكتاب المقدس للزرادشتية: “الأڤستا” (Avesta)، وتنسب لمؤسس الديانة زرادشت.

[2] الكتاب المقدس الخاص بـمذهب “تيرافادا” في البوذية.

[3] تاو تي تشينغ (Tao Te Ching / Dao De Jing) هو النص المؤسس للفلسفة الطاوية في الصين القديمة، وينسب إلى لاو تسي (Laozi) الذي يُعتقد أنه عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كان بعض الباحثين يرجعونه إلى القرن الرابع ق.م تقريبًا.

[4] الغورو غرانث صاحب (Guru Granth Sahib) هو الكتاب المقدس في الديانة السيخية، ويُعرف أيضًا باسم آدي غرانث (Ādi Granth).

تتعدد اللغات بتنوع سياقات استعمالها وحقول تداولها

تتعدد اللغات بتنوع سياقات استعمالها وحقول تداولها

       د. عبد الجبار الرفاعي

لا يعني الحضور الواسع للغة الإنجليزية اليوم تفوقها الذاتي على اللغات الأخرى، بل يعكس تمايز سياقات استعمالها، واختلاف حقول تداولها، وتنوع الفضاء المعرفي والديني والثقافي والسياسي والاقتصادي والمجتمعي التي نشأت وتطورت فيه اللغة، وتشكلت فيه طرائق تعبيرها ورؤيتها للعالم، وما فرضته الاحتياجات اللغوية للناطقين بها. لكل لغة أفقها المعبر عن انعكاسها في شعور ولاشعور الناطقين بها، ورؤيتها للعالم، ومجالها التداولي الذي تتجلى فيه، وتبرع من خلاله، في أفق يستجيب لاحتياجات المجتمع الذي ولدت وتطورت في أحضانه.

إذا نظرنا إلى الواقع، نرى اللغة الأكثر تداولًا في ميادين المعرفة والعلوم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والمعاملات اليومية والآداب والفنون والثقافة، هي اللغة الإنجليزية، لما تمتلكه من قدرة على التعبير المباشر، وسهولة في النطق، وبساطة بناء الجملة، ومرونة توليد المعنى من غير فائض لفظي يشتت ذهن المتلقي. من العوامل الأساسية التي أسهمت في تسيد اللغة الإنجليزية، واتساع حضورها في تدوين العلوم والمعارف المتنوعة والقوانين والتشريعات والآداب والفنون، ذلك التراكم العلمي والمعرفي والتكنولوجي والحقوقي والفني والأدبي المتواصل. وما منحته لهذه اللغة الهيمنة الاستعمارية البريطانية التي امتدت من مطلع القرن السابع عشر إلى منتصف سبعينيات القرن العشرين، واستوعبت أكثر من ستين دولة في آسيا وأفريقيا والأمريكيتين وأوقيانوسيا. فرض الاستعمار البريطاني سيطرته على شبه القارة الهندية منذ أوائل القرن السابع عشر، وتحول الحكم المباشر للتاج البريطاني عام 1858، واستمر حتى استقلال الهند وباكستان عام 1947.كما استعمرت بريطانيا مصر عام 1882، والسودان عام 1899، ونيجيريا عام 1901، وكينيا عام 1920، واستمر نفوذها في إفريقيا حتى استقلال زيمبابوي عام 1980. وفي الأمريكيتين، فقدت بريطانيا مستعمراتها الثلاث عشرة في أمريكا الشمالية عام 1783، لكنها احتفظت بجزر الكاريبي وكندا، التي ظلت تحت التاج البريطاني حتى إعلان سيادتها التامة عام 1982. أما في أوقيانوسيا، فقد بدأ استعمار أستراليا عام 1788، ونيوزيلندا عام 1840، واستمر وجودها في جزر المحيط الهادئ حتى السبعينيات. هذه الهيمنة الواسعة قبل الحرب العالمية الثانية، أفضت إلى تأسيس شبكة عالمية من المؤسسات العلمية، والأكاديمية، والسياسية، والاقتصادية، والقانونية، والشركات العملاقة، التي تبنت الإنجليزية بوصفها لغة رسمية، ومعيارًا للتشريع والمعرفة.

بعد انحسار الاستعمار البريطاني، ورثت الولايات المتحدة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، زعامة النظام العالمي، ومارست هيمنة قسرية وناعمة على مدى العقود التالية، من خلال قوتها العسكرية، وما تقوم به مؤسساتها الدولية، ونفوذها الاقتصادي، ومنتجات مصانعها الكبرى، وشركاتها المتسيدة في العالم، وما تنجزه مختبراتها التكنولوجية من اختراعات جديدة، ومنظومتها التعليمية وجامعاتها، ومراكز أبحاثها، وانتاجها الغزير من العلوم والمعارف المتنوعة. وأسهم كثيرًا في اتساع حضور الإنجليزية ما تنتجه هوليوود من أفلام سينمائية، إذ تتصدر أفلامها أعداد المشاهدين في مختلف أنحاء العالم. لذلك فرضت الإنجليزية حضورها بوصفها اللغة الأولى في البحث العلمي، والسياسة والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والقانون الدولي، ومجالات العلوم والتقنية الحديثة، والثقافة والاعلام، والآداب والفنون، والسينما، حتى غدت الإنجليزية اليوم لغة العولمة، نتيجة تراكم تاريخي طويل من الاستعمار لمختلف البلدان، وحضور سياسي واقتصادي وعلمي وتكنولوجي وثقافي واعلامي وأدبي وفني وسينمائي.

ومما رسخ حضور الإنجليزية في الحقول كافة،كون أكثر الإنتاج العلمي والأدبي والفني العالمي بات يدون بها، وتضاعفت أعداد الجامعات والمراكز البحثية المتنوعة الناطقة بالإنجليزية في العالم، وثراء إمكانات هذه الجامعات والمراكز المالية والتكنولوجية المتقدمة، وحرصها على إنتاج مصطلحات دقيقة مواكبة للتقدم العلمي والتكنولوجي، وتفرغ مؤسسات لغوية لضبطها وتطويرها، وإنتاجها للمعاجم التخصصية المتجددة في القانون، والسياسة، والفلسفة والعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية والتطبيقية والصرفة، والثقافة والآداب والفنون. فضلًا عن غزارة الترجمة من اللغة الإنجليزية وإليها، بكل اللغات في الأرض، فعزز ذلك كله حيوية هذه اللغة وتطورها وانتشارها في بلدان العالم المختلفة، وأخيرًا عملت شبكة الإنترنت العالمية على اتساع حضورها في العالم بوصفها اللغة الأولى لهذه الشبكة.

اللغة الإنجليزية تشكّلت في فضاء معرفي وديني وثقافي ومجتمعي وسياسي واقتصادي مغاير، وتطورت في بيئة لغوية احتضنت تحولات العلم والتكنولوجيا الحديثة، فاكتسبت طابعًا أكثر تحديدًا، وصارت حمولتها للأحكام المسبقة أقل، وأكثر حيادًا في التعبير العلمي، والقانوني، وصارت أوفق في صياغة التشريعات، وأغنى في ما تفرضه لغة التكنولوجيا من تداول واسع للأرقام، والمعادلات الرياضية، والفيزيائية، والكيميائية، وأشباهها، ومن صرامة في تحديد المصطلحات وتعريفها، بعيدًا عن غزارة المرادفات، وتعدد المجازات وتنوع الكنايات. تستوعب الإنجليزية قواعد أقل تنوعًا واختلافًا وتعارضًا في الآراء والاجتهادات، وأشد ضبطًا في تحديد سياق الكلمات والجمل وتعريفها، وإن كانت الإنجليزية تفتقر إلى مضاهاة العربية في المرادفات، وغزارة المجازات، وتنوع الكنايات، لكنها استجابت بسهولة للحاجة إلى وضوح المعنى المراد بلا تردد بين احتمالات عديدة، وحسمه في المجالات المتنوعة لاستعماله.

إزاء التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تواجه اللغة العربية نقصًا واضحًا في المؤسسات والمراكز البحثية القادرة على مواكبة الواقع، وملاحقة التحولات العميقة التي تمس حياة الإنسان اليوم. ما يزال حضور هذه المؤسسات محدودًا، لا ينهض بوظيفته في بناء منظومة لغوية تعبّر عن المفاهيم الحديثة، وتترجم ما يواجهه الإنسان العربي من تحديات يومية، في مجالات الحياة المختلفة. تفتقر العربية إلى مؤسسات تمتلك رؤية علمية تستوعب الواقع، وتنتج مصطلحات علمية ومعرفية وتقنية وقانونية موحدة، تتناغم مع حاجات الناطقين بها، وتستجيب لإيقاع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتخفف من تضارب الاصطلاحات، وتداخل المفاهيم. تعاني اللغة العربية من ضعف ملحوظ في حركة الترجمة، سواء منها إلى اللغات الأخرى أو من تلك اللغات إليها، مما يحد بشكل كبير من حضورها وتأثيرها في المشهد المعرفي والثقافي والأدبي العالمي. هذا الضعف يقلل من فرص انتشار الأفكار والإبداعات والآداب العربية على الساحة الدولية، ويعيق في الوقت ذاته استيعاب الأعمال الفلسفية والثقافية والأدبية العالمية باللغة العربية. نتيجة لذلك، تظل العربية بعيدة نسبيًا عن التفاعل الخلّاق مع اللغات الحيّة الأخرى، مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية والصينية، التي تلعب دوراً رئيسياً في صياغة المعجم العلمي والفلسفي والثقافي والأدبي والسياسي والقانوني للإنسان في العصر الرقمي. هذا الانفصال يحد من إسهام العربية في الحوار الحضاري العالمي، ويقلل من قدرتها على التأثير في تشكيل الرؤى والمفاهيم التي تحدد ملامح هذا العصر. إضافة إلى ذلك، فإن قلة الترجمة تؤثر سلباً على إثراء المحتوى العربي في قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database) للإنترنت، سواء في المجالات الأدبية، أو العلمية، أو الفلسفية، أو القانونية، مما يجعل اللغة العربية أقل قدرة على مواكبة التطورات المعرفية والثقافية المتسارعة في فضاء الذكاء الاصطناعي. ويعود هذا الوضع إلى عدة أسباب، منها نقص المترجمين المؤهلين، وضعف الدعم المؤسسي لمشاريع الترجمة، ومحدودية الاهتمام بتطوير استراتيجيات ترجمة شاملة تهدف إلى تعزيز مكانة العربية في الفضاء الرقمي.

تتميز اللغة العربية بثرائها الواسع، وتعددها الدلالي، وكثافة مجازها، وغلبة الشحنة العاطفية في بعض استعمالاتها، حتى غدت أفقًا للشعر، ومجالًا لتوليد الصور المتنوعة للخيال، ولغةً للمشاعر والوجدان. غير أن هذا الثراء الدلالي يقود أحيانًا إلى التباس في سياقات التشريع والتقنين، حيث تحتاج الأحكام إلى وضوح لا يحتمل التردد، وتحديد دقيق للمعنى المقصود. لذلك احتاجت العربية في موضوعات التشريع والتقنين إلى جهد كبير في التفسيرات والشروح، فنهضت علوم اللغة وعلوم التفسير بضبط المعنى، وتحديد المراد، والتمييز بين المقاصد العامة والدلالات المحتملة، كي لا تتحول سيولتها الدلالية إلى مدخل للاضطراب في فهم النصوص. غير أن هذا القصور لم يحجب ما تمتاز به العربية من براعة في ابداع الشعر، إذ تتدفق الصور والمعاني، وتتحرر طاقتها الرمزية، وما يبدعه الخيال من صور ومعانٍ لا تنفد. هكذا تكشف العربية عن وجهين متنوعين: وجه تشريعي يتطلب جهد العلماء في البيان والتفسير لتأمين الصرامة والوضوح، ووجه شعري يفيض بالصور والمعاني ويمنح الخيال والجمال مداه الأرحب. ولولا هذا الثراء لما احتلت العربية مقامها الفريد بين لغات العالم.

https://www.ahewar.org/debat/save_art.asp?action={C2CF24D0-0F10-4E5A-B317-16FFF19FD4B3}

تحديات اللغة في العصر الرقمي

تحديات اللغة في العصر الرقمي

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

اللغة مفتاح دراسة أديان المجتمعات وقيمها ورؤيتها للعالم وثقافاتها، وهي المرآة التي تتجلى فيها هوياتها وطرائقها في تمثل ذاتها وتمثل الآخر المختلف عنها. تختزن اللغة ثقافات المجتمعات وأساطيرها وأحلامها وصورها المتخيلة عن العالم، ومنها يتشكل وعيها بذاتها وبما يحيط بها. من هنا يتبدد الوهم القائل بحياد اللغة، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني فحسب، وإنما تنطوي على رؤية الناطقين بها للعالم، وتفصح عن خلفياتهم الثقافية وأحكامهم المسبقة التي تسقطها الكلمات على الواقع.

تعيش اللغات في العالم اليوم ومنها العربية تحديًا غير مسبوق، يتمثل في قدرتها على التكيّف مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي عليها. الذكاء الاصطناعي يتغلغل في كل مجال، ويغزو مختلف الفضاءات، فارضًا إيقاعه السريع على العلم والمعرفة والتقنية، والسياسة والاقتصاد، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، والفنون والآداب، وفهم الدين وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية والدولية، وكل حقول حياة الإنسان. لم يعد ممكنًا لأي من هذه الحقول أن تظل بمنأى عن هذا الزحف العاصف، بعدما بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الواقع، وينتج عوالم غير مألوفة للإنسان من قبل، ويبدل ظروف عيشه، وطرائق تفكيره، وأساليب تعبيره، وكيفيات تواصله.

في ضوء الرؤية التي تتعامل مع اللغة بوصفها أفقًا لرؤية العالم، وموطنًا للذات، وتجليًا للتجربة الروحية، والحالة العاطفية والشعورية، ووعي الإنسان بما حوله، لا مجرد أداة للتخاطب، يبتكر الذكاء الاصطناعي نمطًا من التعبير يختزل المعنى في الأداء والوظيفة، ويهمّش الأبعاد الوجودية والعاطفية والشعورية والجمالية والرؤيوية للغة، إذ تنزع لغة هذا الذكاء نحو الرقمنة والتكميم والتنميط، وتخضع دلالات الكلمات لمقتضيات الخوارزميات، فتغيب الإيحاءات التي تنبعث من التأمل، والأحاسيس الباطنية، والتجارب الروحية، ويخفت وهج الرمز والإشارة والعلامة.

يعيد (تشات جي بي تي) وسائر نماذج الذكاء الاصطناعي تشكيل اللغة خارج حدود المعجم المألوف، مستجيبًا لحاجات الاستعمال المتجددة، بما يحدثه من ألفاظ ورموز تعبيرية تنسجم مع السياق، فارضًا أشكالًا جديدة لتوليد المعاني، وصياغة مفردات لا تقيدها دائمًا طرائق الاشتقاق أو القواعد والأدوات المعهودة في اللغة. ويبرز أثره في انتاج أساليب غير مألوفة للبيان، وطرائق بديلة للتعبير، يعكسها تدفق إجاباته الغزيرة التي تنهال كالشلال، لتغطي مساحات واسعة من الأسئلة الممتدة إلى مختلف ميادين الحياة، فتفتح للغة آفاقًا لم تختبرها من قبل، وتمنحها قدرة على تشكيل صيغ جديدة من الدلالة والتأويل.

تتراكم كل ساعة كميات هائلة من المفردات للغات العالم المختلفة، فتثري قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database). هذه الإضافات لا تقتصر على كلمات النصوص المدونة في معاجم تلك اللغات، بل تضخ في قاعدة البيانات مادة غزيرة من الكلام الشفاهي للندوات والمحاضرات وأحاديث البودكاست، باللهجات المتنوعة في كل لغة. فتمتص اللغة كلمات جديدة، ويولِّد الذكاء الاصطناعي من المفردات الأكثر تداولًا ألفاظًا خارج معاجم اللغات المعروفة، ثم يرسخها بكثرة الاستعمال، ويقلل حضور كلمات أخرى قليلة التداول، ويهمل مفردات نادرة في الاستعمال. وتظهر بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في اللغة الشفاهية والمدونة، “وبحسب دراسة للأوراق الأكاديمية المنشورة عام 2024 عبر العالم فإن 13.5 في المائة من ملخصاتها تحمل بصمات معالجة أو صياغة بأدوات ذكاء اصطناعي، لتصل النسبة في بعض التخصصات والمؤسسات إلى 40 في المائة… ويحيلنا القائمون على الدراسة حول التساؤل المستحق عن تأثير هذه البصمة اللغوية للآلة إلى منطق (الدائرة الثقافية المغلقة)؛ حيث النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتغذى على اللغة البشرية، ثم تعيد إنتاجها وفق تفضيلاتها، فيتبناها البشر، فتعود هذه اللغة المعدّلة لتغذية النماذج اللاحقة. ومع كل دورة، تضيق فسحة التنوع الأسلوبي، وتتراجع اللهجات والأنماط الهامشية أمام مركز لغوي واحد، فائق النعومة، شديد الانضباط، كثير الشبه بنفسه. وهذه بالطبع ليست فروضًا قسرية، بل هيمنة ناعمة. فالنماذج مثل (تشات جي بي تي) لا تفرض على المستخدم أن يتبنى أسلوبها للتواصل، لكنها تمنحه – من خلال الإيحاء الاجتماعي والمكافآت النفسية غير الملحوظة – شعورًا بالرضا عن الذات للظهور بشكل أكثر احترافية، وأكثر وضوحًا، وربما أكثر ذكاء حين يتحدث بلغتها. وهكذا، يصبح أسلوب الآلة معيارًا غير معلن، يقاس عليه (جمال) النص و(قيمة) الخطاب، بينما يدفع من يكون مغايرًا بشكل تدريجي إلى الهامش نحو مساحات تصنف ضمنيًا على أنها أقل رصانة، أو أقل مهنية”. (حطيط، ندى، “كيف يُعيد «تشات جي بي تي» تشكيل اللغة؟”، جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 25 أغسطس 2025).

تغدو فرادة الإبداع الأدبي مهددة بالاحتجاب خلف بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يتلاشى تميز لغة الكاتب المبدع وسط ركام المفردات والأساليب المتشابهة، فيفقد الأدب خصوصيته التي تنبع من حساسية الكلمة، وتشرق بجمال العبارة، وتضيء بصور مبتكرة تتفجر من أعماق التجربة الروحية والعاطفية والجمالية. تفاقم عملية التنميط بنحو تتحول الكتابة إلى صوت يكرر لحنه بنغم واحد، وتذوب ملامح التعدد والتفرد في سيل من نصوص متماثلة.كلما تقدمت الأجيال المتطورة للنماذج الذكية، ترسخت حالة التنميط أشد، حتى تبدو الكتابة كأنها بقلم كاتب واحد، تحاكي نصوصه نصوص غيره، وتنسكب رؤاه في قوالب صماء، ينطفئ فيها بريق التميز، ولا يستمع القارئ إلى إيقاع كلمات الكاتب وهمس لحنه، وتنكمش رحابة الخيال المبدع.

هكذا تضمحل في اللغة قدرتها على الكشف عن فرادة الإنسان، وتغترب عن ذاتها، حين تتحول إلى أداة تعيد خلق أساليب بيانية مكررة، لا يُسمع منها صوت الشعور، ولا تتجلى فيها بصمة القلب، ولا تنبض بإيقاع الحياة الباطنية. فيمسي الأدب هيكلًا بلا روح، ويخفت صوت المعنى العميق الذي لا يضيئه سوى الإنسان في لحظة حضوره الوجودي. احتجاب فرادة الكتابة خلف التنميط الآلي ليس خطرًا على الأدب وحده، بل هو نذير بانطفاء شعلة الإبداع، حيث تتحول اللغة من فضاء للمعنى إلى مرآة باهتة، تنعكس فيها كلمات خالية من وهج القلب وأشواق الروح.

تخوض اللغة العربية كغيرها من اللغات اليوم هذا التحدي، وتكشف مظاهر التحول عن تبدل تدريجي في بنيتها التعبيرية، وتحول في معجمها، واندفاع نحو السرعة والرمزية الرقمية. تحل التعابير الموجزة محل الجمل البلاغية المتعارفة، ويتقدم الرمز التعبيري، أو الوسم الرقمي، أو العبارة الهجينة التي تصوغها تطبيقات التواصل على التعبير المكثف. فمثلًا تذوب مشاعر الحزن العميق في رمز تعبيري لوجه دامع، وتتقلص مشاعر الحب في صورة قلب أحمر، وتضمحل الأشواق في التداول العاطفي الرقمي، فتتقدم عليها كلمات برمجية مكررة تستعير الإشارة للمشاعر، كأنها تحاكي حضورها، من دون أن تعبّر عن إشراق الأشواق، وكنايات الايحاء بها. وتنطفئ الصور البلاغية المضيئة، وتفقد الاستعارات الأدبية توهجها، حين يستعاض مثلًا عن بيت شعر المتنبي: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ، فلا تقنع بما دونَ النجومِ” في رمز لصاروخ أو سهم متجه للأعلى. وبيت الجواهري: “أتعلَمُ أم أنتَ لا تعلَمُ، بأن جِراحَ الضحايا فمُ” بكلمة خاطفة مثل “صامد”، وتبهت الصورة الناطقة بالحرية وكرامة المقهورين، ويتقلص أثر الكلمة التي توقظ وعيًا، ويستفيق بها الضمير، وتلتهب بها مشاعر الشعب وشهامته. في مثل هذا الانكماش، تتوارى اللغة عن وظيفتها، وتتخلى عن أثرها الشعوري، وتتحول إلى رموز وصور باردة لا تمس القلب، ولا تستفز العقل، فتفقد العبارة ما يحمله الشعر من شعور جارف، وما تشعه الصورة من أفق للعزة والشموخ.

تختفي المفردات التي كانت تضيء الوجدان، وتضيق مساحة المجاز والتأمل، حين تذوب المعاني الكثيفة في رموز مفرغة من دلالتها، إثر استنزاف معناها بتكرار استعمال الكل لها، وتتبخر حرارة الكلمة التي ظلت قرونًا تصوغ وعيًا، وتوقد شعلةً في القلب. وتغيب صور تحفيز الخيال، وتختصر في أيقونة جامدة لا تتسرب إلى وجدان القارئ، ولا توقظ تأملًا أو انفعالًا. كذلك تنطفئ لغة التدفق العاطفي المؤثرة، وموسيقى كلمات العشاق، بعد أن تزيحها عبارات نمطية منطفئة، مثل: “وحشتني” أو “وينك”، بلا دفء الحنين أو صورة ترسم الاشتياق بكلمات ساحرة. حتى مفردات المدح والهجاء في التراث الأدبي، الزاخرة بالتوريات والمجازات والكنايات، تُختزل في كلمة واحدة، مثل: “يجنن”، أو “مزيف”، حين تطلق دون سياق، وتستهلك بلا تذوق.

كما يغيب وهج التعبير القرآني الذي يتدفق بلغة القلب وأشواق الروح، فتختفي عبارات، مثل: “ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين”، ويحل محله قول مستعجل مثل: “يارب عوضني”، أو تتوارى كلمات الرجاء، مثل: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، ليأخذ مكانها نداء مقتضب مثل: “يا الله كفاية”. كذلك تستنفد الكلمة طاقتها الدلالية، ويخفت صوت المناجاة، عندما تغيب لغة التضرع عن فضائها الروحي، ويفقد البوح صدقه وقدرته على ملامسة أعماق القلب، ويتوارى صوت النبي أيوب الذي انبعث من أعماق الألم، وصدى أنين النبي يونس وهو ينادي في الظلمات: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ويتقدم بدلًا من هذه الاستغاثات نداء مستعجل، مثل: “يا الله فرّجها” أو “طفح الكيل”، يُكتب على عجل، ويرمى بمستودع رقمي مكتظ، من غير خشوع، ومن دون أثر لتجربة الانكسار، ولا صدى لنداء يخرج من أعماق الروح.

وتضمحل في الوقت نفسه شحنة أدعية تنسكب من القلب، مثل: “إلهي، ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك”، ويحل محلها نداء متعجل، مثل: “يارب سهلها”، نداء لا يتجاوز الشفتين، ولا يمس الشعور، ولا يعكس تجربة وجودية مشبعة بالوجد، بل يعكس حالة استعجال، تغيب فيها الأبعاد الجمالية والعاطفية والروحية، التي تتوهج بمناجاة العارفين. وتتقلص مساحة الدعاء، ويضيق أفق التضرع، وتخفت حرارة البوح، عندما تنكمش الكلمة في عبارة قصيرة تخلو من خشوع القلب، وبوح  المشاعر، وتدفق التجربة الروحية.

فرق بين كلمات يستقي بها القلب وترتوي بها الروح، وكلمات يتأمل دلالتها الذهن. ينحسر النوع الأول من الكلمات في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يتبدل نمط الدعاء، وتخسر لغة القلب طاقتها الروحية والعاطفية، عندما تقيدها وهي تخاطب الله القوالب الجاهزة، وتحبسها الأنساق الجامدة، فيتلاشى أثر التجربة الوجودية التي تضيء الحياة بكلمات مشبعة بوهج الروح وابتهالاتها. وتغيب صور التضرع والتبتل التي كانت تنبع من أدعية الأمهات والآباء، وتتراجع أمام نسق جاف يستمد لغته من محرك بحث آلي أو تطبيق أدعية على الإنترنت، من غير حرارة داخلية، ولا نبض شعوري.

في فضاء هذا التحول العاصف، يظهر جليًا أن اللغة التي تواصل الحياة، وتنتشر في العالم، هي اللغة التي تواكب صيرورة الواقع، وتتناغم مع معطيات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتنازل عن جوهرها الإنساني، وثرائها الدلالي، وطاقتها الرمزية. هكذا تفرض علينا هذه التحولات المتعجلة أن نعيد تأمل اللغة، ونحررها من أسر الأداء التقني، ونصون تنوعها، ونحمي عمقها الوجودي، حتى تواصل أداء وظيفتها، بوصفها كيانًا حيًا تتجلى فيه الرؤية للعالم، وطرائق التفكير، وأشواق الروح، وتعلن فيها الذات عن حضورها.

https://alsabaah.iq/120020-.html