Category: مجلة قضايا إسلامية معاصرة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

عبد الجبار الرفاعي في سبعينيته: من أرض الرافدين إلى المحيط بين مسرات التنوير ومخاض بناء العقل المسلم

عبد الجبار الرفاعي في سبعينيته

من أرض الرافدين إلى المحيط بين مسرات التنوير ومخاض بناء العقل المسلم

د. يوسف محمد بناصر[1]

تعد المساهمة التنويرية للمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، المولود بالعراق سنة 1954م، إثراء وتثويرا للحوار الفكري والديني حول الإسلام وتصوراته ومكانته في العصر الحديث. وهي صيرورة وأفق مفصلي في تاريخ النسق النقدي الإسلامي المعاصر، مما جعل تجربته مميزة عن بقية المفكرين من معاصريه. بالإضافة لكونه ساهم مساهمة جادة وملحوظة في إثراء المكتبة الإسلامية في مجالات ومسارات علمية مختلفة، كالكتابة الفكرية والفلسفية والكلامية، والنشر والترجمة والإشراف على المجلات المتخصصة، والتي نذكر من أهمها (قضايا إسلامية معاصرة). وقد تلقف معظم القراء والباحثين كتاباته بقبول حسن، لكونها تعالج معضلات فكرية حديثة بأسلوب لغوي أنيق غير متكلف، وبرؤية متكاملة منسجمة، أسها سعة الاطلاع على المعرفة الإسلامية مع استيعاب للمعارف الغربية.

تعرف عموم الباحثين المغاربة على كتابات الرفاعي من خلال إصدارات مركز فلسفة الدين الذي يتخذ مقره ببغداد، وله إصدارات متنوعة تهم قضايا الفكر الديني وعلم الكلام الجديد وفلسفة الدين، كما تصدر عن المركز نفسه مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” وبذات النفس والتوجه، وهي متميزة باستكتابها أسماء من مختلف التوجهات والحساسيات الفكرية، ليساهموا بمقالاتهم وأبحاثهم في محاور المجلة المتنوعة، وهو توكيد واقعي على أهمية الايمان بالاختلاف واستيعاب الآخر، من خلالها وما تنشره من ترجمات تعرفنا  كذلك على فلاسفة من الشرق والغرب، وبصمت بفتح نافذة للحوار والاختلاف بين الانتماءات العقدية والفقهية والفكرية في السياق الإسلامي…. وفي زمن صعب عرف الكثير من الاضطرابات وسوء الفهم والتواصل بين أبناء الثقافة الإسلامية باختلاف توجهاتهم.

قدم عبد الجبار الرفاعي جهدا ملحوظا في تفسير الكثير من المضار التي أثرت على الفكر الديني في مراحله التاريخية ليفقد فاعليته،كما عَدَّدَ الأعطاب التي أصابت النهضة الإسلامية الحديثة، والتي رافقت مشاريع أغلب النهضويين منذ قرن ونيف، مما جعلها تنتقل من جيل إلى جيل بما صاحبها من نواقص ورؤى وأسئلة مشوشة، لتورث تلك السمات لبقية الباحثين من اللاحقين وتشكل الكثير من قناعاتهم ومدار تفكيرهم من جديد، فلم يقدروا على تجاوزها أو تفكيك مثالبها.

وبحسب تتبعي لبعض كتاباته يبدو أن مشروعه مؤسس على دفتين: التنوير، ثم إعادة تشكيل العقل المسلم، وصيرورة اشتغاله على مفاهيم شائكة في الفكر الإسلامي سواء من خلال الكتب المنجزة، أو من خلال الاعتناء بمضامين ومحاور بعض إصدارات مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” التي تدور ذلك المدار، ويبدو كذلك أن هم هذا الإصلاح والبناء الأخلاقي للمجتمع المسلم سكن وجدانه منذ بدايات إبداعه، وأشرك فيه الكثير من الأسماء بمختلف حساسياتها الفكرية والعقدية والمنهجية، في إطار تكامل معرفي كان من السباقين لتنزيله.

ويسائل الرفاعي مدونتنا الأخلاقية التي يعتبرها شحيحة مقارنة بالكثير من مدوناتنا الأخرى، ويفكك الثنائيات الضدية التي تسكن تراثنا، والتي تراكمت على مدى قرون كاملة، وجعلت مجتمعنا مضطربا غير مستوعب لذاته واختلافاته، إنه منهك بذاته وبسوء فهم التنوع وسوء تدبير الاختلاف، الذي هو جزء من كينونته، لتنفجر بؤر العنف واللاتسامح هنا وهنالك في أطرافه لتصل لمراكز المدن، وتتمدد لتغتال المفاهيم السامية التي زخرت به ثقافتنا. إن هذا المأزق الثقافي والاجتماعي والديني بدأ في تفكيك المعنى الوجودي للدين، ليفقد آفاق الارتفاع بالإنسان والتسامي به، ويوقعه في دوامة اللامعنى، وهو ما أحدث شرخا كبيرا وجروحا غائرة في المجتمعات العربية والإسلامية، والتي لايزال تأثيرها مستمرا إلى الآن.

يتطلع الرفاعي لإعادة بناء شبكة المفاهيم التي تؤطر تصورنا للحياة بخلفية دينية، لتجاوز هذه الإشكالات التي تحصر الدين في الغلبة ومصادرة الانسان لخيرية أخيه الانسان، مقابل الأيديولوجيا، واختزال معنى الانسان في ضيق الانتماء. ويعترف الرفاعي في كثير من كتاباته باعتزازه بمواقف ورؤية الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي على – بوجه الخصوص – للتدين، الذي كان يصرح، قائلا:”أن الشفقةَ على عباد الله أحقّ بالرعاية من الغَيْرَةِ على الله”، واستمد منه شيئا من رؤيته لسعة الدين وعلاقة الانسان بالإنسان، ليرى أن الدين له نزعة إنسانية عالية، وينقل بذلك الدين من ضيق التفسير السلفي السني/ الشيعي. ويرافع لإعادة تعريف الدين وكذلك الانسان وفق هذا المنظور. ليستعيد الدين دوره فيشكل أفق المعنى من جديد، ويبعث على الطمأنينة والسكينة، ويمد الوجود الإنساني بمعاني جديدة للأخلاق والجمال والحياة، لتتجاوزه ككائن له “ظمأ وجودي” للدين لتشكل بعدها امتدادات عظيمة تلامس الحضارة والثقافة والمجتمع.

إن الرفاعي يسعى لإعادة تشكيل فهمنا للدين، ويحاول حصار التأويلات التي تفضلها المجموعات المتطرفة، والتي تدعو للموت وتقيم دعوتها على النصوص المقدسة، ويبين من خلال كتاباته المتنوعة؛ قدرتنا على مزاحمة هؤلاء بتأويلات أخرى ممكنة، ليمد فيها الدين الإنسان بمعنى مرن وواسع وجديد للحياة، بدل تمجيد ثقافة الموت.

والجدير بالذكر أن عبد الجبار الرفاعي انتقد بشدة تناولنا لمفاهيم الوحي بذهنية كلامية قديمة، واعتبر في الكثير من مقالاته أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف مفاهيم الوحي خارج الذهنية التقليدية، والرجوع للحس التاريخي في التعامل مع الكثير من المقولات الكلامية التي تأسست في ظل الصراع التاريخي بين الفرق الكلامية الإسلامية، واعتبرتها عقائدا نهائية، وفي غاية الدوغمائية، وحقائق كاملة لا تقبل النقاش لدى المؤمنين بها، والسبب الأساس في ذلك أنهم لم يستوعبوا تدخل الصراعات السياسية والنزعات النفسية والثقافية في تشكلاتها وتفعليها. فهؤلاء يرونها وحيا مقدسا، وسنة متبعة، وفهما صحيحا، ويقفز هؤلاء على بقية الجزئيات الأخرى. ولا يهم في الأخير لتحقق هذا الفهم المأساوي للدين وعقائده، لأي معسكر ينتمي هذا المؤمن أو كيف تشكلت طائفته.

ختاما وباختصار، يعكس عبد الجبار الرفاعي من خلال عمله ومناقشاته الفكرية التزامه بتحقيق التجديد في فهم الإسلام وتطبيقاته في العصر الحديث، من خلال البحث عن حلول تجمع بين القيم التقليدية والتحديثية، لبناء مجتمعات إسلامية مزدهرة ومتقدمة، وعقل إسلامي متسم بالنقد، وقادر على التفاعل والإبداع والمنافحة عن التصور الإسلامي عن الكون والحياة. ربما بهذا الفهم – وهذا البناء إن تحقق- يستعيد العقل المسلم الإرادة لينخرط كجزء فاعل في هذا العالم، وليس جزءا منفعلا وفقط، قادرا العطاء والمنافسة على الخير، يقدم شبكة من المفاهيم والتصورات التي تعيد للإنسانية كرامتها، وتنمي الضمير الأخلاقي الإنساني باتزان مسدد بالوحي، دون هيمنة للرؤية المادية على كينونته، ليسمو الفرد والمجتمع، متدرجا في سلم الكمال، وهو ما يعبر عنه الباحث بالحيز العمودي نحو الله سبحانه وتعالى، وما يصدر عنه من عطايا ومعاني ودلالات، بدل الانزلاقات التي وقعت فيها الفلسفة المعاصرة بحداثتها، والتي حشرت الوجود الإنساني في حيز أفقي ضيق، حتى أضحى الإنسان إله نفسه، شكله بذاته في لحظة ذهول عن الحقائق الميتافيزيقية، وهذا ما يفسر تيهه المستمر واضطرابه الفلسفي والعقدي والسلوكي.

[1] يوسف محمد بناصر، باحث مغربي، متخصص في الحوار الديني والحضاري وقضايا التجديد في الثقافة الإسلامية. متحصل على درجة الدكتوراه من كلية الآداب ببني ملال جامعة السلطان مولاي سليمان – المغرب، له عدة مشاركات علمية في ندوات مغربية ودولية، كما ساهم بمقالات ودراسات وأبحاث عدة في مجلات وجرائد ومواقع عربية.

 

https://altanweeri.net/12773/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%9B-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%B1%D8%B6/

 

 

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html

هكذا يكون تجديد الخطاب الديني: مجلة قضايا إسلامية معاصرة

هكذا يكون تجديد الخطاب الديني

مجلة قضايا إسلامية معاصرة

د. نصر محمد عارف[1]

الكل يتكلم عن تجديد الخطاب الديني، الكل يدعو إلى تجديد الخطاب الديني، الكل يوصي بتجديد الخطاب الديني؛ ابتداء ممن لا علاقة لهم بهذا الخطاب علمياً، أو مؤسسياً، أو حتى إيديولوجياً، إلى المرجعيات المسئولة عن المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر، والأوقاق، والإفتاء، الكل يدعو ويوصي، ولكن للأسف لم يقدم أحدٌ نموذجاً لكيفية تجديد الخطاب الديني، وماهية المناهج التي ينبغي اتباعها، والموضوعات التي يتم البدء بدراستها، وإعادة النظر فيها، لم نزل جميعا نقف عند حدود التوصية بالتجديد، أو الدعوة الى التجديد.  حالة من الفكر الإيصائي الذي يستبطن الوصاية على الآخرين فيدعوهم للقيام بما لم يقم هو به، الفكر الإيصائي الوصائي، يا سادتي، لا يجدد خطاباً ولا يصلح فكراً، ولا يحدث تغييراً في الواقع، فقط لأنه لا يفعل شيئاً، ولا يضرب مثلاً، ولا يقدم نموذجاً. تجديد الأفكار والثقافات، وتغييرها عملية معقدة جداً؛ لها وسائلها وأدواتها، سواء أكانت هذه الثقافات دينية، أو غير دينية، من أهم هذه الوسائل المجلات الثقافية والفكرية التي تقدم عبر عشرات السنين رسالة ثقافية تجديدية معينة، فالتجديد عملية تاريخية لا تتم بخطبة جمعة، أو قرار وزاري، أو تغيير منهج دراسي فحسب، ولكن لابد من عملية فكرية ثقافية مستدامة ومستمرة، تعالج مختلف جوانب الثقافة، وعملية التفكير، بصورة زمنية تتناول في كل فترة جانباً أو بعداً معيناً، ولكي نفهم التغيير الثقافي الذي حدث في مصر والشام في بداية القرن العشرين نتيجة للحركة التجديدية التي قادها جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده وتلاميذهما، لكي نفهم هذا التغيير لابد أن نرصد المجلات الثقافية والفكرية والعلمية التي ظهرت في بداية القرن العشرين، حيث كان لكل تيار فكري مجلاته الخاصة التي تحمل رسالته، وفي النهاية حققت أهدافها واقعاً ملموساً لم نزل نعيشه حتى اليوم. وللاسف في مطلع القرن الحادي والعشرين لا يوجد من هذه المجلات الثقافية إلا القليل، إذ إن الغالبية العظمى من المجلات الفكرية الرصينة مخصصة لنشر أبحاث الترقية لأساتذة الجامعات، وغالبا هذه الأبحاث لا علاقة لها بالتجديد، أو الفكر أو الواقع، إذا غالبها صناعة لغوية دائرية لا يخرج منها شيء، أما المجلات الفكرية الرصينة فعددها قليل جداً، والمتخصص منها في الفكر الديني نادر جداً، لعل منها مجلة تكاد تكون وحيدة في مجالها هي “قضايا إسلامية معاصرة” التي يصدرها ويترأس تحريرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي المفكر العراقي، صاحب الرؤية التجديدية المتجاوزة لكل حمولات التراث السلبية من تقليد، وانغلاق، وطائفية، هذه المجلة تحمل على عاتقها الفعل التجديدي بمنهجية رصينة تقوم أولاً، على تقدير التراث، والتعامل الجدي معه من خلال البحث، والتحقيق، والتدقيق، والتحليل، والاستنطاق الذي يسهم في فهم مشاكل العصر، وليس إسقاط أفكار الماضي على مشاكل العصر كما يفعل الكثيرون من المتخصصين في الفكر الديني فيزيدون الأمور تعقيداً؛ لانهم يتوقعون من مفكري الإسلام الذين ماتوا من مئات السنين أن يقدموا لنا حلولا وإجابات عن مشاكل واقعنا المعاصر. وتقوم منهجية “قضايا إسلامية معاصرة” ثانيا على ربط قضايا الدين بالواقع المعاصر وقضاياه وإشكالياته، وتعيد قراءة النص الديني في ضوء معطيات العصر، باحثة عن رؤية تصلح الواقع وترتقي به إلى مستوى يتناسب مع مقاصد النص الديني وغاياته وقيمه، بحيث تكون عملية التجديد هي عبارة عن جدلية مستمرة بين النص والواقع، صعودا من الواقع إلى النص، ونزولا من النص للواقع؛ وهنا يدخل العنصر الثالث الذي تعتمده هذه المجلة في منهجيتها وهو الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة والاستفادة من مناهجها، وما تقدمه من أدوات في فهم الواقع، وتحليل النص، من خلال هذه المنهجية الثلاثية: المزج بين التراث والواقع والعلوم الاجتماعية والإنسانية. استطاعت هذه المجلة عبر ما يقارب عقدين من الزمان أن تقدم نموذجاً تجديدياً يصلح أن يكون قياسياً لأي محاولات قادمة. هذا الجهد الفكري المتميز انتظمت في إطاره عقول شابة، وخبرات رصينة من أساتذة مخضرمين منذ ١٩٩٤ حتى اليوم لم تزل تمثل نافذة فكرية تطل من خلالها أفكار أصيلة وجديدة، دينية ومعاصرة، إسلامية وفي نفس الوقت متفاعلة مع العلوم الإنسانية والاجتماعية، هذا النموذج نقدمه للمؤسسة الدينية الرصينة في مصر، إلى الأزهر الشريف ليعيد النظر فيما لديه من مجلات قائمة، ولعله يبادر إلى تجاوز الماضي، وإنشاء من المجلات الفكرية والثقافية ما يستطيع أن يحقق هدف التجديد وغاياته.

[1] أكاديمي وباحث مصري.

https://altanweeri.net/12586/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A/