Category: مقالات عن الرفاعي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html

عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

د. حسن حنفى[1]

أثناء زيارة قم بعد قيام الثورة، وبالمصادفة تعرفت على شاب عراقى فى مقتبل العمر في حوزة قم، يجتهد ويفكر فى مدينة الاجتهاد والتفكير. حوّل بيته إلى مكتبة، وحصير غرفه إلى منتدى فكري وقاعات للاستقبال والدراسة، على طريقة العلماء القدماء. هو وأسرته يستقبلون الطلاب. لا فرق بين منزل وجامعة، بين طعام الجسد وطعام الروح.

هو فقيه وعالم من علماء التراث، منفتح على قضايا العصر، مثل عديد من العلماء فى قم الذين يحملون همّ نشر التراث، كما تفعل مؤسسة آل البيت لإحياء التراث للعلامة جواد الشهرستانى، التى أسسها وأنفق عليها، ويعمل فيها المححقون الشبان. ومثل أصحاب مكتبات التراث التى تزخر بها شوارع قم، فالدين والعلم قرينان. كما تزخر قم بعديد من مراكز الأبحاث لتربية العلماء الشبان، إقامة ودراسة،كما كان الحال فى تراثنا القديم، حتى أروقة الأزهر القريبة العهد. لا يحتاج العلم إلى دولة ترعاه، أو مؤسسة تسانده، بل يكفى أن يتطوع عالم بمفرده بكل ذلك، على سنة القدماء أو ما يسمى قطّاعا خاصا أو مؤسسات ثقافية للمجتمع المدنى. فالعلم هو الدولة، والدولة صرح يشيده العلماء.

بدأت الأعداد الأولى لمجلته “قضايا إسلامية معاصرة” فى الصدور، تنبئ بمضمونها واتجاهها، الطريق الثالث الذى يتجاوز السلفيين والعلمانيين. وتفتح صفحاتها إلى عديد من المفكرين الجدد الذين يمثلون هذا التيار، فى شكل حوارات معهم أو مقالات منهم، واضحة ومفهومة، وقادرة على إقناع القراء بما تريد. فما كنت أفكر فيه: في إنشاء مجلة فصلية “اليسار الإسلامى” ها هى تصدر فى قم، بصرف النظر عن العنوان. والأفكار تتوالى بصرف النظر عن المكان، قم أم القاهرة، مما يدل على مدى الحاجة إليها وواقعيتها. فقد آن الأوان لتطوير الفكر الإصلاحى، من الخطاب الأخلاقى الوعظى إلى الخطاب العلمى التحليلى.

 

هو عراقى مهاجر إلى حوزة قم، بعد أن حُكم عليه بالإعدام فى بغداد، أيام حكم الاستبداد السابق، ومطاردة العلماء والقادة الوطنيين. لم تكن الهجرة إلى باريس أو لندن للنضال من بُعد، بل كانت إلى قم مدينة العلم والثورة، والقريبة إلى بغداد. واستمر النضال الثقافى كأساس للنضال السياسى فى أيام الثورة الأولى، التى كانت تمثل أملاً للمسلمين جميعا، خاصة فى فلسطين بعد أن تحولت سفارة إسرائيل المفتوحة أيام الشاه إلى سفارة لفلسطين.

وصدرت الأعداد الأولى لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وكأننى أقرأ نفسى، لا فرق بين شيعة وسنة. تحمل نفس الهموم، قضايا “التراث والتجديد”، متجاوزة ما كان يصدر فى العالم الإسلامى، فى الكويت، أو فى ماليزيا. تحمل همومًا ثقافية، وإن لم تشر صراحة إلى العراق أو إيران أو الثورة الإسلامية. وقد تجلى ذلك فى المقابلة مع عبد الجبار الرفاعى، بعنوان “قم تسأل، والقاهرة تجيب”، مما أحزن بعض علماء قم، وكأن قم هى الحائرة، والقاهرة هى التى لديها الخبر اليقين، وهو غير صحيح على الإطلاق.كان يمكن أن يكون العنوان بالعكس “القاهرة تسأل، وقم تجيب”. فالسؤال أحيانا أهم من الجواب.

وفى القاهرة صدر العدد الأول من “اليسار الإسلامى” عام 1980 حاملاً همّ الأمة، فى العراق وفلسطين وكشمير والحجاز. فلماذا لا تتعدد البؤر الثقافية للإسلام التنويرى على مختلف مداخله، فى قم والقاهرة وفى كل مدينة ثقافية إسلامية. فالبحث جار عنه فى أندونيسيا وماليزيا وجنوب أفريقيا، يساهم فى تحرير الشعوب ونهضتها، وإنشاء جيل جديد يشق طريقه بين السلفيين والعلمانيين، بين القدماء والمحدثين، بين التقليديين والتجديديين، مثل “نهضة العلماء” فى أندونيسيا.

وتحويل “قضايا إسلامية معاصرة” من قم إلى بغداد، وعودة مؤسسها إلى موطنه الأصلى، شجاعة كبيرة فى جو العراق بعد نهاية الاستبداد، حيث الاحتلال مازال جاثما بطريقة أو بأخرى، وما يهدد العراق من مخاطر التجزئة. فالتحرر الحقيقى لا يأتى فقط عن طريق المقاومة العسكرية للاحتلال، أو مقاومة التجزئة الطائفية والعرقية، بين الشمال الكردى والوسط السنى والجنوب الشيعى، بل يأتى عن طريق العمل الثقافى على الأمد الطويل، وإعادة تفسير التوحيد بما يحقق وحدة العراق، والعدل بما يحقق العدالة الاجتماعية، والنبوة والمعاد كبعد للتاريخ بين الماضى والمستقبل، والإيمان والعمل هو الحاضر والتأثير فيه. ولا يكفى فقط إعادة قراءة العقائد، بل أيضا الأحكام الشرعية، وإعطاء الأولوية للمعاملات على العبادات. تستطيع “قضايا إسلامية معاصرة”  أن تكون منبرا للحوار الوطنى بين مثقفى العراق وعلمائه، وليس فقط بين ساسته. فالثقافة السياسية لها الأولوية على العمل السياسى.

شارك عبد الجبار الرفاعى فى أعمال الجمعية الفلسفية المصرية فى مؤتمرها بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية، وهو أحد أعضائها البارزين.كان سيقدم هذا العام سيرته الذاتية، لولا أن منعته الظروف من الحضور. وهو يمثل تيارا تنويريا فى العراق وإيران. كما يمثل “اليسار الإسلامى” هذا التيار فى مصر. وقد أصبح هذا التيار شائعًا كموضوع دراسة فى الماجستير والدكتوراه.

ومازالت هناك صعوبات أمام التيار الذى تمثله “قضايا إسلامية معاصرة”، و”اليسار الإسلامى”. كيف يمكن تحويل اجتهادات فردية فى بغداد والقاهرة إلى تيار فكرى، له مفكروه وطلابه وأنصاره وتأثيره؟ فمازال الاستقطاب بين التيارين الكبيرين، الإسلامى والعلمانى شديدًا، لدرجة الخصومة والتناقض، بل والعداوة والعدوان. الإسلاميون يكفّرون المدنيين، والمدنيون يخوّنون الإسلاميين، لدرجة قسمة البلاد إلى فريقين متناحرين متنازعين. ونسى كلاهما العداوة الرئيسية للاستبداد فى الداخل، والعدوان فى الخارج، والتبعية لأمريكا، والاستيطان الإسرائيلى. مازال كل فريق يتسابق نحو السلطة، ظانا أنه إذا حصل عليها استطاع أن يحقق برنامجه الدينى أو المدنى: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

لا تتبنى الرفاعي أية مؤسسة، أو أى حزب، أو أى نظام سياسى. فمازال المنطق السائد هو منطق “إما… أو” على النقيضين، وليس منطق “معًا” أو “سويًا”، تحت تأثير حديث الفرقة الناجية، ووجود الحق من جانب واحد. بل إن الإصلاح الذى حاول التجديد والخروج من مأزق الاستقطاب كبا أكثر من مرة، بسبب اضطهاد الإسلاميين وسجنهم وتعذيبهم، فارتدوا معظمهم سلفيين محافظين.

الكل ينادى بالحل الثالث، وضرورة تجاوز الاستقطاب، لكن الواقع لا أحد يريده أو يفهمه، لأنه لا يطالب بالسلطة مطلب الفريقين المتنازعين. ويعمل على الأمد الطويل، التغيير الثقافى، والانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة. يتهمه العلمانيون بالإسلامية المتخفية، ويتهمه الإسلاميون بالعلمانية المتخفية. ليس له منبر يستطيع التحدث من خلاله. مازال تيارًا فكريًا يتمثله بعض المثقفين. وهو بعيد عن الوسطية التى تنتهجها التيارات الإسلامية المحافظة، لأنه يتطلب أحيانًا الثورة والتطرف فى أخذ حقوق الفقراء من أموال الأغنياء، وحقوق المستضعفين من نهب المستكبرين. لا يتعامل مع نظم سياسية، حتى لا يفقد استقلاله، ويظل تيارًا فكريًا يخاطب المثقفين، لإعادة بناء الثقافة الشعبية. هذا ما تمثله “قضايا إسلامية معاصرة” بإشراف وتوجيه عبد الجبار الرفاعى.

تحتاج المجلة إلى مزيد من التعريف والانتشار خارج العراق. ومازالت فى حاجة إلى تعدد كتّابها، وعدم قصرهم على فئة واحدة. وكل شىء يبدأ صغيرًا وينتهى كبيرًا. و قضايا إسلامية معاصرة بدأت كبيرة ومازالت تكبر، بفضل صاحبها ومؤسسها وراعيها وحاميها من غوائل الزمان عبدالجبار الرفاعي.

نعيد نشر هذه الشهادة تخليدًا لذكرى الصديق العزيز المرحوم الدكتور حسن حنفي، الذي كتبها بمناسبة صدور العدد 60 التذكاري لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. عندما كانت كتاباته حاضرة بكثافة في المجلة، خاصة في موضوع “علم الكلام الجديد”، الذي خصصت له المجلة ستة أعداد في سنواتها الأولى، وغيره من محاور المجلة في سنوات لاحقة.

[1] مفكر مصري.

 

https://tafker.net/2024/07/11/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A8%D9%82%D9%84/

“أدلجة التراث” ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي

“أدلجة التراث” ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي لم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار

د. هاشم صالح

اطَّلعتُ باستمتاع كبير على كتاب المفكر العراقي المعروف الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث»، وفيه يتحدث عن جملة من مشاهير الفكر العربي والإيراني، من أمثال: علي الوردي، وحسن حنفي، وداريوش شايغان، ومحمد عمارة، وجودت سعيد… إلخ. منذ البداية يعيب علينا المؤلف انشغال الفكر العربي كلياً بالفكر الغربي، وإهماله الفكر الشرقي في الهند واليابان والصين؛ بل وإهماله حتى الفكر الإيراني المعاصر والمجاور، ما عدا في الأربعين سنة الأخيرة. ولذلك يحاول سد النقص، والتحدث عن جملة من المفكرين العرب والإيرانيين على حد سواء.

ولكن الملاحظ هو أن حتى المثقفين الإيرانيين مهووسون بالفكر الغربي الأوروبي الأميركي، تماماً كما المثقفين العرب. والسبب هو أن الغرب سيطر على العالم طيلة القرون الأربعة الأخيرة، وبالتالي فجميع مثقفي الأمم الأخرى أصبحوا مضطرين للتموضع قياساً إلى الفكر الغربي غصباً عنهم. وهذا الكلام لا ينطبق على المثقفين العرب والإيرانيين فقط، وإنما ينطبق على جميع مثقفي العالم، من أتراك وروس وصينيين ويابانيين… إلخ. وذلك لأن الحداثة الغربية أصبحت ظاهرة كونية، وتشكل مرجعية كبرى لجميع مثقفي العالم. فمن لا يعرف ديكارت أو كانط أو هيغل أو نيتشه أو ماركس أو فرويد أو هيدغر، أو حتى هابرماس المعاصر لا يعد مثقفاً. هذه حقيقة ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار، إذا ما أردنا أن نفهم ما يجري حالياً؛ بل وحتى منذ مائتي سنة. وسوف يظل الأمر كذلك حتى يظهر فلاسفة كبار لدى الأمم الأخرى، في حجم من ذكرناهم من فلاسفة الغرب.

حسن حنفي

هل يوجد فيلسوف عربي أو إيراني أو تركي، أو حتى روسي أو صيني، في حجم ديكارت أو كانط أو هيغل… إلخ؟ هل يوجد هيغل تركي؟ أقصد مفكراً تركياً في حجم هيغل الألماني؟ هل يوجد كانط إيراني أو ديكارت عربي؟

على أي حال، الفصل الذي لفت اهتمامي في كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ذلك المخصص للدكتور حسن حنفي، وكذلك الفصل المخصص للدكتور محمد عمارة. فلنحاول أن ندخل في التفاصيل قليلاً هنا. الشيء الغريب العجيب في الدكتور حسن حنفي هو أنه كتب عدة مقالات جريئة جداً في نقد الأصولية الظلامية، بعد مقتل الرئيس أنور السادات. ولكنه في الوقت ذاته كثيراً ما أثنى على جماعة «الإخوان المسلمين»؛ بل وحتى على مفكرهم الراديكالي سيد قطب الذي يصفه بالإمام الشهيد! فكيف يستقيم ذلك؟ كيف يعقل هذا التناقض؟ من أخطر الأشياء لدى حسن حنفي هو الجمع بين المتناقضات؛ أي بين الشيء وعكسه، دون أن يشعر بأي مشكلة. وهذا ما عابه عليه أيضاً، وبقسوة، جورج طرابيشي.

يلخص الدكتور عبد الجبار الرفاعي رأيه في حسن حنفي قائلاً: «لا يكترث حنفي كثيراً بالوظيفة المحورية للدين في إثراء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريس صلة الإنسان الوجودية بالله. ولكنه يشدد باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى آيديولوجيا».

ثم يضيف قائلاً هذا الكلام المهم: «من يقرأ حسن حنفي يندهش من الحضور الطاغي لتأويله الآيديولوجي للدين، وإفراطه في تطبيق آيات القرآن الكريم والنصوص الدينية والتراث بمنطق آيديولوجي على الواقع».

ولكن كل حركات الإسلام السياسي -أو المسيس- قامت بأدلجة الدين والتراث. وهذا ما عابه الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان على الثورة الإيرانية. وبالتالي فليس غريباً أن يسقط حسن حنفي في الخطأ ذاته. نقول ذلك، وبخاصة أنه كان من جماعة «الإخوان المسلمين» في بداياته. وبالتالي فأدلجة التراث ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار.

إنهم لا يقرأون التراث لكي يفهموه ضمن ظروفه وحيثياته ومشروطياته القديمة، كما يفعل محمد أركون مثلاً، وإنما يقرأونه لكي يسقطوا عليه هموم الحاضر وقضاياه، أو لكي يسقطوه عليها. إنهم يستغلونه آيديولوجياً لكي يخلعوا المشروعية الدينية القداسية على أحزابهم السياسية، ولكي ينسفوا مشروعية الأنظمة القائمة باعتبارها خارجة على الدين والشريعة في رأيهم. وبما أن جماهير الشعب متدينة جداً، وبما أنهم يعرفون ذلك، فإنهم برعوا في أدلجة الدين واستخدامه كسلاح فعال وفتاك لتحقيق مآربهم.

وهنا نلاحظ الشيء الغريب التالي، وهو أن حسن حنفي الذي قدَّم نفسه كمثقف حداثي تنويري، هو في الواقع من أشد المدافعين عن «الإخوان المسلمين». ولكن لا ينبغي أن نظلمه أكثر من اللزوم. فهو يبقى حداثياً وتنويرياً، والدليل على ذلك أنه يعترف صراحة أو ضمناً بأن رؤية «الإخوان» للعالم مغلقة أو منغلقة، ويعيب عليهم النزعة الحادة المتطرفة في تفكيرهم. ويستنكر تصنيفهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى إسلام وجاهلية. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى لسيد قطب.

ولكن حسن حنفي – كما يقول عبد الجبار الرفاعي – سرعان ما يعود في كتابات عديدة إلى تبجيلهم، ويفتعل دوراً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً استثنائياً اضطلعوا به في مصر. فكيف يمكن أن نفسر كل هذه التناقضات؟ هل يريد الرجل أن يجمع بين الماء والنار في يد واحدة؟ هل يريد أن يرضي جميع الناس؟ أم هل يريد أن يثبت أنه حداثي وتراثي في الوقت ذاته؟ ربما كان هذا الحل الأخير هو الأمثل لتفسير شخصية حسن حنفي. فهو لا يستطيع أن يقدم نفسه كمثقف حداثي تنويري تخرَّج في «السوربون» إذا ما اكتفى بكونه من مداح «الإخوان المسلمين»، ولا يستطيع أن يرضي الشارع العربي الأصولي إلا إذا أثبت أنه «إخوان مسلمين»! هنا تكمن مشكلة حسن حنفي. ولذلك فإنه راح يلعب على الحبال. وفي نهاية المطاف خسر الدنيا والآخرة. فلا مثقفو الحداثة يعدونه جزءاً أصيلاً منهم، ولا مثقفو القدامة يعدونه متديناً فعلاً.

كان ينبغي على حسن حنفي أن يحسم أمره: إما من معسكر التنوير والتقدم، وإما من معسكر الرجعية والتأخر. ولكنه أراد أن يلعب على كل الحبال، ويربح على كل الجهات. ولكن هذه ليست مشكلته وحده، وإنما مشكلة كثير من المثقفين العرب، بمن فيهم المقيمون في عواصم الغرب الكبرى، كباريس ولندن وبروكسل وواشنطن… إلخ. هم أيضاً يخجلون من كونهم متعاطفين في أعماقهم مع التنظيمات الإخوانية الأصولية، ولذلك يحرصون كل الحرص على أن يظهروا بمظهر المثقفين الحداثيين العصريين.

الشيء ذاته يمكن أن يقال عن محمد عمارة، الذي خصص له عبد الجبار الرفاعي فصلاً كاملاً بعنوان موفق يلخص مسيرته كلها: «محمد عمارة من الماركسية إلى السلفية». منذ بداية الفصل يقول المؤلف هذا الكلام البليغ: «لأننا محكومون بالتراث وقيمه وأحكامه، ترسخت لدينا تقاليد الاحتفاء المبالغ به بالأموات، والإفراط في الثناء على آثارهم، والإعلاء من قيمة منجزهم، وتجاهل ما أنتجته هذه الآثار من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة في حياتهم وبعد وفاتهم».

التعلق الأعمى بالأسلاف تخلَّى عنه اليابانيون كلياً… ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية وانتصر تنويرهم

هذا المقطع النقدي العميق مهم جداً؛ لأنه يحذِّرنا من الانبطاح أمام القدماء. فهم ليسوا معصومين لمجرد أنهم من الأسلاف والآباء والأجداد. ينبغي أن ننظر إليهم نظرة تاريخية. ينبغي أن نموضعهم ضمن مشروطيات عصرهم القديم الذي لم تعد له علاقة بعصرنا. فمعارفهم وحاجياتهم لم تعد لها علاقة بمعارفنا وحاجياتنا.

هذا التعلق الأعمى بالأسلاف تخلى عنه اليابانيون كلياً، ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية، وانتصر تنويرهم، كما ذكرنا في مقال سابق.

أخيراً، يقول عبد الجبار الرفاعي عن محمد عمارة هذا الكلام الصائب والدقيق: «لم ينتبه من كتبوا عن محمد عمارة لتحولاته ورحلته الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاته الاعتقادية المتعددة، وكيف أضحت آثاره المتأخرة تنقض كتاباته المبكرة. نقرأ كتابات تصنفه على أنه مفكر تنويري وعقلاني ومجدد، وأحد رواد النهضة، وغير ذلك من توصيفات لا ينطبق أي توصيف منها على محطته الاعتقادية الأخيرة».

لا تعليق. الكلام واضح جداً. فقط نطرح هذا السؤال، وبه نختتم: كيف يمكن لمفكر يحترم نفسه أن يلتحق بالحركات الإخوانية الظلامية ويدافع عنها بشراسة، بعد أن كان قد أمضى جُل عمره الأول في الدفاع عن قيم العقلانية والتقدم والحداثة؟

 

https://al-aalem.com/%D8%A3%D8%AF%D9%84%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%B6%D8%AE%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%85%D9%84-%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9-%D8%A3%D9%86/

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

ميسلون هادي

يقف الدكتور عبد الجبار الرفاعي في الضد من الذين يمزقون النسيج المجتمعي، والعبث بأمنه وسلامته بذريعة الإيديولوجيا، وتقديم المعتقد على الوطنية، وينتقد دفاع حسن حنفي المستميت عن أفكار سيد قطب، التي غرست كراهية عميقة لمجتمعه، ولكل مختلف بمعتقده عنه، بل وصنّفت كل ما حوله على أنه (جاهلية). فدعوة حسن حنفي لتجديد (التراث بالتراث) قد أَهدرتْ، حسب الرفاعي، قرنين من الزمان، لم تحرز فيه نجاحا يذكر. لأن من يحولون الدين إلى أيديولوجيا يختزلونه في قوانين ثابتة وقوالب جامدة لا تلتفت الى الواقع المتحول كشلال متدفق.

يسجل الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المهم وقفات مستفيضة إزاء بوصلات التفكير لمجموعة من المفكرين الذين خاضوا في مسألة نقد الفكر الديني وتجديده:

  1. علي الوردي، وهو أول مثقف ديني نقدي في العراق، حسب الرفاعي، وكان جسوراً في طروحاته، التي مثلت صرخة جريئة مدوية بالنسبة لزمانها، إذ كتب الدكتور علي الوردي بلغة الناس المحكية البسيطة، فوصلت بساطتها إلى فئات مختلفة من القراء، ووجدت لغته الساخرة والحيوية الآذان الصاغية لها، لأنها ظلت بعيدة عن الوعظ المباشر لرجال الدين. غير أن بذرة المثقف الديني النقدي لم تكتمل، وانصرف الوردي تدريجيا عن الدين، واهتم بدراسة وتحليل قضايا مجتمعية أكثر قربا من اختصاصه. يأخذ عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنه كان حماسياً في بعض طروحاته، فثبت على مبدأ التناشر والازدواجية في الشخصية العراقية، مع أن المجتمع قد تغير كثيرا من حوله، كما أنه ركز على جوانب سلبية من الشخصية العراقية، قد يكون وجودها طبيعياً، مثلها مثل باقي البشر، وتجاهل مزايا أخرى تمتعت بها. وقد نقد الوردي نفسه حول ذلك، وقال لاحقا أن النهج العلمي يحتم عليه أن يذكر المحاسن والمساوئ دون مبالغة أو مغالاة.. وأخيراً يتوقف الرفاعي مع الوردي عند مسألة مهمة هي الأخطاء اللغوية التي تعتور كتاباته، وقد اعترف علي الوردي بها، بل ودافع عن تلك الأخطاء، التي يصعب عليه استدراكها، لصعوبة قواعد اللغة العربية ووعورتها. وهنا يعرج الرفاعي إلى ضرورة تيسير اللغة العربية، وتخليصها من القواعد الصعبة التي تؤثر على سلاسة إيصال المعنى، كما يعترف الرفاعي (بتواضع العلماء) أنه يحيل أعماله إلى محرر لغوي، لكي تخرج سليمة من الأخطاء النحوية.
  2. حسن حنفي، الذي نادى باليسار الإسلامي، ويسميه الرفاعي بجامع الفلسفة مع الكهنوت، أي جامع الأشياء المتنافرة مع بعضها البعض، ومع أن كتاباته تخلو من التحريض على المذاهب، واللوثة الطائفية لم تصبها، غير أنه حاول استعارة جلباب التراث وخلعه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، أي أراد تجديد التراث بالتراث، وهذا تناقض بحد ذاته، لأنه يعزل المجتمع عن العلوم والمعارف الحديثة، كما أنه يقدم توفيقا ملفقا بين الفرق والتيارات والاتجاهات والايديولوجيات المختلفة.
  3. داريوش شايغان، الفيلسوف المغمور الذي حذر من أدلجة الدين، لأنه يحوله إلى شأن دنيوي. بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي. يتحمس الرفاعي لشايغان لأن الأيديلوجيا ليست معادية للدين فقط، وإنما معادية للفلسفة.
  4. سيد حسين نصر، وهو من جماعة الحكمة الخالدة، أو المعرفة الأزلية المتعالية على الزمان والمكان، أي أن العالم كله وطنها. وهو أيضا صاحب فرضية العلم المقدس، التي يأخذ عليها الرفاعي هجاء الفكر الغربي، ورفض الحداثة الغربية لأنها مادية.
  5. أحمد فرديد، الفيلسوف الشفاهي، أو الفيلسوف ضد الفلسفة. أي أنه يبدأ بمقدمات منطقية وينتهي بنتائج لاهوتية. ويخلط أيضا بين صوفية مجردة وفكرة فلسفية، فينتزع مفاهيم ابن عربي مثلا من فضائها الروحي، ويقحمها في مجال التاريخ البشري. كما نحت مصطلح (وباء الغرب) أو (الغرب زدكي) ويعني أن الغرب وباء أصاب العالم منذ الحضارة اليونانية وحتى اليوم. ويأخذ عليه الرفاعي هذا الدمج اللامنطقي بين العرفان والفلسفة.
  6. محمد عمارة، المتحول في رحلته الطويلة من الماركسية إلى السلفية، وكيف أصبحت آثاره المتأخرة تنفض آثاره المبكرة، ومن الطبيعي أن يحدث هذا التغيير، كما دافع عن ذلك عالم الاجتماع علي الوردي في تغير مواقفه، عند تحديث المعطيات الاجتماعية المحيطة بنا، لكن عمارة، الذي يعتبر واحدا من رواد النهضة المجددين والعقلانيين، لا ينطبق عليه هذا الحراك الفكري في محطته الاخيرة، أو كيف تحكمت هذه الانتقالات في بوصلته الفكرية، فكان أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد واستباحة دمه. يأسف الرفاعي لظاهرة الهروب للماضي كلما تقدم العمر ببعض مفكري اليسار الاسلامي أو الفكر العربي المعاصر بشكل عام، فنراهم بعد حياة فكرية تسودها العقلانية النقدية يحتمون بكهف الماضي من قلق الموت الوشيك، ويعودون إلى الأصولية، وكأنها توبة من إثم عقلي ارتكبوه في شبابهم.
  7. مالك بن نبي، مفكر جزائري أصابه ذعر ضياع الهوية بسبب الاستعمار الفرنسي، وبالتالي تنفجر الهوية عنده إلى شقين متلازمين: المقاومة أولا من أجل التحرير، والانغلاق ثانيا على زمن الانتصارات والأمجاد في العصر الاسلامي الأول. لم يخرج ابن نبي كثيرا عن آراء ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب، ولكن الرفاعي يأخذ عليه تورطه بالتعميم، فيختفي عنده التمايز الواضح داخل طيف واسع من التدين التركي والإيراني والعربي والاندونيسي.. الخ. كما أن انتهاك الاستعمار لهويته وهوية أهله في الجزائر وضع ذهنه داخل إطار مغلق لم يتحرر منه، فأصبح التفسير التآمري هو الأداة الوحيدة لتشخيص الفشل في بلاده.
  8. جودت سعيد، رجل دين سوري يتصرف كفلاح، مولع بسقي النباتات وتربية النحل ورعاية الخضرة، وكان صديقا للأرض نابذا للعنف، ومن عاداته كتابة آيات القران على الورق، ويعلل ذلك بقوله : كل نص نفهمه أكثر حين نعيد كتابته بأيدينا. نشر بيانا استثنائيا للسلام في كتابه (مذهب ابن ادم الأول)، فهو يرى أن تهمة الملائكة للبشر في سفك الدماء، لا تزال قائمة في جميع التيارات اليمينية واليسارية، أما تفسيره للجهاد الأكبر فهو تحصيل العلم والمعرفة. وهنا يتساءل الرفاعي: هل يمكن الخلاص من العنف بالنوايا الطيبة، أو بكلمتين فقط هما (موت الحرب)، وهو شعار رومانسي متخيل تبناه جودت سعيد في كتاباته الاخيرة؟. كيف يمكن ذلك والعنف هو من الثوابت الأبدية في الطبيعة الانسانية، كما يقول علم النفس وعلم الأعصاب المعرفي.

هذا السؤال نوجهه بدورنا إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي ينطلق في كتاباته من مبدأ رومانسي أيضاً هو الرحمة، ويشدد على مفهوم روحاني في فهم الدين، فيقول بأن الدين كي يحقق وظيفته في حياتنا اليوم لا بد أن نفهمه بوصفه نظاما لانتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. صحيح أنه يخص النفس المتزمتة بهذه البراءة في نظرتها إلى الدين، ويعلن إنها تحتاج إلى القلب بموزاة العقل لكشف الابعاد الروحية والجمالية العميقة في جوهر الدين، ولكن أين من عيني أولاء الرحماء قبل أن يكونوا عباقرة ومنظرين؟ وما هي المعجزة التي ستجعلهم يغيرون نهجهم هذا؟

الرفاعي أيضا يجمع نقيضين في جملة واحدة وهما اللاهوت والحرية، ويضعهما في مبدأ واحد هو لاهوت الحرية، وفهمت منه دعوة مثالية تجمع بين توحيد الله وتحرير الإنسان من كل أشكال العبوديات. فهو يشدد على أن الايمان بالله والتوحيد هو حجر الزاوية في بناء الحياة الرحيمة في الاسلام، وهذا اليقين الروحاني لم نجد له تمثلات راسخة في عالم الشهادة، بل اعترضته جدران متسلسلة من التزمت والتمذهب والانغلاق، هاجمها المفكر الجزائري أركون وأسماها (الجهل المؤسس). يعزو الدكتور عبد الجبار الرفاعي ذلك إلى عدم تدبر هذا الحضور المكثف لله في القرآن، وما يحيل اليه هذا الحضور من دلالات روحية لا تنضب.

هنا يخالف الرفاعي أغلب المفكرين العلمانيين الذين قرأت لهم، فهم برأيي الشخصي يتحدثون عن الدين، وهم في منطقة الشك أو الإلحاد، لكنهم لا يجاهرون بذلك خشية خدش مشروعهم التنويري وتعريضه لتداعيات اخرى، بينما يُفصح الرفاعي دائما عن إيمانه العميق بالله، ويعتبر هذا الايمان منبعا ملهما للحق والعدل والسلام والخير والمحبة، بل هو المنقذ للانسان من اغترابه الوجودي الذي يمزق سلامه وسكينته الداخلية. وبهذا يكون الدين أوسع بكثير من الكتب المقدسة، ويمتد ليشمل سلوك الانسان وتكريس مواقفه المشرقة من الحياة، وإيقاظ المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في حياته.

لم يصل الرفاعي الى هذه النتيجة بقفزة فكرية مفاجئة، وإنما مر خلال حياته بمراحل متعددة اعتنق فيها مدارس دينية مختلفة وتبنى أفكارها، ثم مع كل بوصلة يتوقف عندها يكتشف أن هناك دائما من يحول الدين إلى أيدولوجيا، وهذا هو أشد ما يعارضه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المؤثر والمهم.

 

https://www.almadapaper.net/view.php?cat=313715&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR2BlX7_STyjxQJYxCnyowbyzy0aMdVCOB1V8kyROvpg-m7qc76zQXmYLzY_aem_AYsGCqaR7jai6VNe8p-_QNG7QahiiRTDZHu4MKQfqtkN0Ve1kqOvFdnqjmHsB9X2_zqekkObRx4AB6n6DqFCa2fy

عبد الجبار الرفاعي يكتب عن العلاقة التي ربطته بعالم الكتب

سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة: عبد الجبار الرفاعي يكتب عن العلاقة التي ربطته بعالم الكتب

  صدوق نور الدين [1]

يأتي كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” (تكوين – دار الرفدين – 2023)، للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ليضيء جانباً من سيرته الذاتية انطلاقاً من العلاقة التي ربطته بعالم القراءة. وهو الدافع الرئيس لتحديد «فصل من سيرة كاتب». لكن السيرة الذاتية للرفاعي لا تنحصر بالتحديد في هذا الجانب، وإنما تمتد لتشمل فصولاً أخرى يتداخل فيها الحياتي بالثقافي والفكري.

من ثم فـ “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” جزء من حياة دون أن يعني كونه الحياة في كليتها. وهو ما يوحي على السواء بكون هذه السيرة سوف تتشكل من أجزاء أخرى وفق ما طالعنا، مثلاً، في تجربة عميد الأدب العربي طه حسين، وصولاً إلى الأدباء جلال أمين ومصطفى الفقي وغيرهما. ويحق الحديث على أن المفهوم الذي يرسخه الرفاعي للسيرة الذاتية، يتجسد – كما سلف – في الجمع بين عالمين: عالم القراءة وعالم الحياة. وبذلك، فإنه يغاير ويخالف السائد والمتداول في كتابة السيرة الذاتية. ويمكن التمثيل بما كتبه هنري ميللر في «الكتب في حياتي» وكولن ويلسون في «الكتب في حياتي» (والعنوان متداخلان)، وإيتالو كالفينو في «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»، وألبرتو مانغويل منذ «تاريخ القراءة» إلى «حياة متخيلة». وإذا كان الصوغ في هذه المؤلفات مباشراً، فإنه في غيرها تحقق على نمط كتابة روائية، كمثال «عاشق الكتب» و«جنون كتاب» لهوفر بارتليت. وأما عربياً فيمكن التمثيل بكتابات عبد الفتاح كيليطو في أغلبها، إلى الروائي والقاص لؤي حمزة عباس في كتابة «النوم إلى جوار الكتب»، وبثينة العيسى في «الحقيقة والكتابة»، وطريف الخالدي في «أنا والكتب»، وصفاء ذياب في «أن نحكي»، وحسن مدن في «حبر أسود».

تشكل الوعي

تبدو صيغة الوعي بالقراءة في كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة» بسيطة، لتتحول لاحقاً إلى التعقيد. فالبسيطة ترتبط بالفضاء كما الزمن، وهي انتقالات في حياة الشخصية وتكوينها. ذلك أن مرحلة التعليم الابتدائي في حياة الرفاعي لم تعرف سوى الكتب المدرسية، بحكم الارتباط بالواقع القروي وسواد الأمية بين الفلاحين على مستوى القراءة والكتابة. وفي سياق هذه المحدودية، فإن أفق التوسع والاضطلاع لم يمتلك مؤهلات التطوير وروافد الإغناء. من ثم فإن الصورة التي جاءت عليها المكتبة الشخصية الأولى، اتسمت على السواء بالبساطة ما دامت قد ضمت ما يشبه كراسات تتم العودة إليها بين فترة وأخرى في نوع من التكرار وشح الإضافة: «لم أر في المرحلة الابتدائية كتاباً غير الكتب المدرسية، ولا أتذكر أني رأيت كتاباً في بيت أحد في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون». (ص/13)

«قرأت قصص: المياسة والمقداد والسندباد البحري وغزوة بئر ذات العلم وعنترة بن شداد». (ص/13)

«نشأت مكتبتي بهذه الكراسات وأشباهها، أصبحت أكرر مطالعتها، وأضيف لها ببطء وعلى فترات متباعدة ما أظفر به». (ص/14)

بيد أن الانتقال إلى بغداد بداية السبعينات بهدف الدراسة سيجسد تحولاً مغايراً على مستوى التكوين، ذلك أن ما بدا في السابق بسيطاً، سيغدو معقداً أمام وفرة الكتب وتعدد سبل المعرفة وما يترتب من دهشة وحيرة في الاختيار وتوقاً إلى امتلاك مكتبة غنية تتضمن مراجع معتمدة، علماً بأن هذه المكتبة الشخصية ستخضع لظروف قاسية تتحدد في الإجهاز عليها بالاغتيال – إذا حق – ثم القيام مجدداً بالبناء والإنشاء، وكأن الأمر يتعلق بسيرتين متداخلتين: سيرة تكوين وتكون القارئ، وسيرة نهضة مكتبة – مكتبات لا تتوقف وظيفتها في تشكيل صورة القارئ، وإنما الكاتب على السواء، من منطلق كون كل قراءة عميقة دقيقة موضوعية تقود إلى بناء شخصية الكاتب التي تقولها وفق صيغة خاصة تتفرد على مستوى التفسير والتأويل وترسيخ الفهم المغاير: «أتذكر أولى زياراتي لشارع المتنبي سنة 1973 عندما كنت طالباً ببغداد، لم تكن المكتبات في الشارع بهذه الكثافة وهذا الحضور الواسع المتنوع اليوم». (ص/23)

«بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكم الكتب يتنامى ويضيق معه فضاء الصندوق بالكتب المضافة». (ص/ 44)

«تجمع مكتباتي نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية». (ص/55)

وتأسيساً على السابق، فإن تشكل الوعي بالقراءة تجسده نوعية المقروء. بمعنى آخر، إنه أمام فيض وغزارة المكتوب تحتم الضرورة انتقاء ما ينبغي قراءته من منطلق كون الزمن والحياة لا يسمحان بالإحاطة الشاملة. ثم إن التخصص المتعلق، سواء بحقل التدريس أو الكتابة، يستدعي القراءة، وبالضبط ضمن حدود المحفل، حيث تتمثل كيفية تصريف المقروء في المكتوب، إلى توظيفه التوظيف الملائم.

يقول الرفاعي في فقرة دالة مكثفة وجامعة تضعنا أمام المفهوم الحق للقارئ: «ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان، المهم نوعية ما يقرأ، وكيفية تلقيه لما يقرأه، وقدرة عقله على تمثله وتوظيفه، وتجلي أثره في نمط تفكيره وشخصيته وسلوكه». (ص/29)

إن ما تقود له/ إليه صورة القارئ، ميلاد الكاتب ونشأته. والأصل أن الميلاد والنشأة يرتبطان بالقراءة. فلا يمكن ولا يتأتى خلق النص في غياب المرجعيات التي يتم الامتياح منها بغاية إنتاج المعنى الجديد الذي لا يقول الشيء نفسه، وإنما ما يغايره ويختلف عنه. وثم تتحقق الفرادة والخصوصية. على أنه ومثلما تحققت ولادة القارئ في زمن مبكر، تسنى أيضاً للكاتب فرض قوة حضوره في المراحل التي قطعها تكوينه التربوي والجامعي، وكأن تمرين الممارسة التعبيرية الإبداعية نصاً وموضوعاً يعلن عن ذات تمتلك مشاعر وأحاسيس قيض لها الاستمرار وليس التوقف كي تغدو بنفسها مرجعاً معتمداً لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه: «كتاباتي خلاصة مطالعات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي لم ولن تتوقف، وما زالت، كما كانت أول مرة، خلاصة عواصف ذهنية وتأملات فرضها علي عقلي الذي لا يكف عن التفكير، وأوقدتها مشاعري وانفعالاتي، وما ترسب بأعماقي من جراح محطات الحياة المتنوعة، مما لا أراه ولا أدرك تأثيره في فهمي». (ص/69)

ويبرز الاختلاف بين العالمين: عالم القراءة وعالم الكتابة، في كون الأخير كما ورد في التعريف المقتبس عن الروائية الفرنسية آني إرنو: «الكتابة كخنجر»، عالم عذابات ومعاناة ومتعة أيضاً. ذلك أن كتابة نص، أقول ولادته، لا يمكن على الإطلاق استسهالها. على أن أولى هذه العذابات والمعاناة يعكسها مكون اللغة بما هي أداة التواصل والاتصال بين الكاتب والقارئ. إذ الكاتب وهو يخوض مهمة الإنجاز يحلم بأن يكون منجزه دقيقاً من حيث الكتابة والتحرير، وهو ما يفرض عليه انتقاء العناصر المكونة للغته وبناء أفقه الإبداعي الخاص. فلا قيمة البتة لما يكتب بانتفاء القارئ الذي تصنعه الكتابة. وهذا ما يشير إليه الرفاعي بالاشتراك أو المشاركة، بحكم كون بناء النص تتداخل فيه كفاءتان: كفاءة الكاتب وكفاءة القارئ. «اللغة كأداة هي ما يرهقني في الكتابة أكثر من الفكرة، أعيد تحرير النص عدة مرات. حين أكتب أمارس وظيفة تشبه وظيفة المهندس المعماري الذي لا يغفل عن وجه البناء الجمالي». (ص/ 69)

«الكتابة فن الحذف والاختزال». (ص/70)

«لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً». (ص/74)

«الكتابة اقتصاد الألفاظ وتدبير الدلالات. الكتابة تحرير النص من عبودية الكلمات الميتة، وأساليب البيان المنقرضة. كل كتابة إعادة كتابة كتابة على كتابة». (ص/ 166)

إن ما يمكن استخلاصه من السابق: كون تشكل شخصية القارئ يتداخل وصورة الكاتب كما سلف، اعتبار بدايات الوعي بالقراءة والكتابة، تحقق منذ سنوات التكوين الدراسي والجامعي، والغاية التأسيس لمنطلقات في التعبير وعلى التفكير تتفرد في خصوصياتها وتصوراتها، وهو ما يلمس في الآثار الفلسفية للرفاعي.

في سؤال السيرة

لعل السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذه الكتابة النقدية: أترى يتعلق الأمر في كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بسيرة محض، سيرة ذاتية، أم أنها سيرة ذهنية؟

إن التحديد الذي أقدم عليه المؤلف، والمتمثل في «فصل من سيرة كاتب»، يجسد ميثاق التعاقد الذي يربط بين المؤلف والقارئ. بمعنى آخر إننا أمام سيرة توازي بين القراءة والكتابة دون أن تشمل تفاصيل ترتبط بالحياة أو الذات برمتها كما مر مطلع هذه الكتابة، ومثلما المتداول والمعهود في السيرة الذاتية العربية التي نزع بعض مؤلفيها إلى ضبطها بالتحديد الدقيق، في حين غيب البعض التحديد، ومنهم من اختار تمرير وقائع ذاتية في كتابة روائية يتعامل معها في هذا السياق.

على أنه وإلى ميثاق التعاقد، فإن الإشارة «فصل من سيرة» تؤكد بأن أفق التلقي المنتظر مستقبلاً، سيكون أمام فصول أخرى تستكمل السيرة وتشمل الغائب مما لم يتم ذكره، وآنئذ تستوفي السيرة بعدها الذاتي في شموليته، ولئن كانت بعض الإشارات الذاتية الحياتية وردت في هذا الكتاب وفق تدقيق زمني صارم.

بيد أن اختيار الأستاذ عبد الجبار لهذه الصيغة، وليد قناعة واقتناع بأن المؤلف قارئ وكاتب بمثابة ذات، وجود وكينونة تنتج وعياً بالثقافي والفكري في ثوابته ومتغيراته. والواقع أن الاختيار يهدف في مستوى آخر من الفهم والتأويل إلى الاختلاف عن السائد في كتابة مادة السيرة، إلى التنويع والإضافة، وهو ما جنح إليه أكثر من كاتب ممن ذكرت سابقاً البعض منهم: «كتابة السيرة بهذا الشكل من أمهر أنواع الكتابة وأكثفها وأثراها. كتابة السيرة تعني إعادة بنائها بوصفها طوراً راهناً لوجود الإنسان يبعث في حياته ولادة مستأنفة». (ص/75)

ويحق أن نضيف بأن الاختيار تمثيل عن إضاءة لجوانب من وفي حياة المؤلف. الفضول يتنازع القارئ الذي عرف الرفاعي من خلال دراساته وأبحاثه، والآن انطلاقاً من هذا الكتاب يخبر ما لم يكن يعرفه، وأقصد صورة القارئ والكاتب. ومن ثم، فإن “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بمثابة المرآة العاكسة لشخصية المؤلف وتكوينه الثقافي والفكري، إلى أن غدا اسماً علماً يتفرد بموقع ومكانة وتعتمد آثاره مراجع في الأبحاث والدراسات: «كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتها بوصفها تجربة وجود. تجربة الوجود فردية، كل ما هو فردي ليس ملزماً لأي إنسان». (ص/75)

 

عن جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 3 أبريل 2024 م.  

[1] كاتب مغربي.

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث: من المركزيةِ الغربية إلى مركزيةٍ إنسانيَّة تصبُّ فيها الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث: من المركزيةِ الغربية إلى مركزيةٍ إنسانيَّة تصبُّ فيها الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية

 عبد اللطيف الحاج اقويدر[1]

أعتقدُ أنَّ الدكتور عبد الجبار الرفاعي يريدُ من خلال مؤلَّفه هذا، أن تكون له مساهمةٌ في تطوير الثقافة العربية وفكرها، فكتابُه “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتُّراث” أراده جسراً موصولاً بين فكريْن شرقيين متجانسين تاريخيا وجغرافياً: الفكر العربي، والفكر الإيراني، ولعلَّه بذلك يكون قد ربط ماضي هاتيْن الثقافتيْن بحاضرهما، فقدْ تلاقحا ماضياً، بما حقَّق تألُّق الحضارة العربية الإسلامية. يقوم الكاتب بمدِّ حبل التَّواصل بينهما باعتبارهما ثقافتيْن عريقتيْن غنيتين بمحموليْهما، لاعتقاده أوانَ تلاقيهما، لتتشاركا معاً في مصاحبة المسيرة الإنسانية العالمية إلى مصيرها.

يريدُ كتابَه صرحاً جديداً في هذا البناء الفكري العربي المعاصر، وربَّما يكون هذا العملُ حافزاً، فتتفتَّحُ ثقافاتٌ شرقيةٌ أخرى على الفكر العربي من تركية وماليزية، وإندونيسية وباكستانية وغيرها، كما يتفتَّحُ هو عليهم، لِتتوسَّع بذلك الدَّائرةُ الفكرية الشَّرقِيَّةُ، ونخرُجَ من أسار الإبْهار المُزمن لِـ “المركزية الغربية”، ونعملُ على تأسيس “المركزية الإنسانيَّة “، تصبُّ فيها جميعُ الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية.

استثمر الرفاعي في مصطلح “المثقف الديني النقدي”، بإثارته في مقال له في صحيفة “الصباح” العراقية، ثمَّ دفع به إلى السَّاحة الفكرية قصد إثرائه، وعمل على إبانته، وبيان الغرض منه، وتحديد إطاره (ص32)، وذكر دوره في ولوج المناطق المعتمة، والمسكوت عنها في التراث أو الفكر الديني، متَّخذاً العقل وسيلةً وآلةً، متسلِّحاً بثقافة الموروث وثقافة الحداثة (ص26)، واشترط أن يظهر المثقفُ الديني النقدي بصورة المتكلم الجديد، أو الفقيه المجدِّد، أو المفكِّر، لا متكلم قديم، ولا فقيه أحكام، ولا داعية (ص27)،  كما أكد الكاتب على ضرورة توفر الضمير الأخلاقي اليقظ، والنزعة الإنسانية عنده (ص303)، ثم مضي بعد هذه الاستفاضة، إلى اختيار نماذج يعمل عليها، قد انتقاها من مجاليْ الفكر العربي والإيراني.

أمَّا الفكرُ العربي، فقد اختار منه نماذج مشرقيةٍ ومغربيَّةٍ، وتتمثَّلُ النَماذجُ المشرقيةُ، في شخصية ثقافية عراقية، ومن مصر اختار مفكِّريْن، وآخر سوري، ومثَّل النَّموذجَ المَغاربي مفكِّرٌ جزائري، بينما مثَّل الثقافةَ الإيرانيةَ ثلاثةُ فلاسفة. كل هذه النماذج يربطها إطار زماني واحد، فقد وُجِدُوا جميعا في النصف الأول من القرن العشرين.

اعتبر الكاتبُ الرفاعي “علي الوردي” أولَ مثقف ديني نقدي (ص21)، عرَّف به وبإنجازاته، وظروف عمله، وبأنَّه صَاحِبُ تكوينٍ أكاديمي ممتازٍ بمقاييس عصره (ص28). حرٌّ جريءٌ، له تأثيرٌ واسِعٌ على الأجيال التي نهلتْ منْ صافي معينه، جمع علي الوردي كنزاً هائلا من المعلومات التي تتعلق بالمظاهر الاجتماعية العراقية، والعادات والتقاليد، والسلوك والأخلاق، معتبراً نفسه ابن المجتمع الشعبي البسيط، يعيش وسطهم، يعرفهم عن قربٍ في معايشهم ومهنهم، وطرائق تفكيرهم وأساليب أحاديثهم.

نقل هذا الواقع نقلاً موضوعياً، ونثره تحت مشرحة طاولته دارساً محللاً، نقدَهُ نقد الحصيف، لم ينجرَّ وراء عاطفة، ولا استسلم لميلٍ ذاتي، مفضلا استخدام منهج ابن خلدون، كأفضل منهجِ تشخيصٍ لمجتمعه، وأوجد لذلك مصطلحات العمل، من مثل: صراع البداوة والحضارة، وازدواجية الشخص العراقي، والتناشز الاجتماعي (ص94).

خرج بنتائج محدَّدة دقيقة، تحفَّظَ الرفاعي على بعضها، بل كانَ له التَّحفظ من المنهج الخلدوني نفسِه معلِّلاً ومستشهداً (ص96)، ويقدِّم الكاتب نقد علي الوردي للمنطق الأرسطي الجامد، الذي يفضل عليه المقاربة السوفسطائيَّة (ص108)، القائمة على الشكِّ، وهو ما يريدُ علي الوردي تحقيقُه على السَّاحة الثقافية العراقية، كما أنَّ هذه المقاربة أيضاً تجعلُ من الإنسان معياراً، وهو مبتغى علي الوردي في الإنسان العراقي.

مع كلِّ هذه البضاعة المزجاة، يؤسفُ الكاتبَ أن يجده مفتقراً إلى ثقافة تراثية رصينة، وهذا الفقد هو إحدى هناته، لأنَّه من دونه يتكئ على عصا دون أخرى (ص28).

ثمَّ قارن الرفاعي بين المثقف الديني النقدي، والمثقف العضوي (ص44)، بين علي الوردي، وعلي شريعتي المثقف الآخر، وشرح أوجه المقارنة (ص47)، وامتاز علي الوردي بمراجعة أفكاره وقناعاته (ص52)، والإقرار بأخطائه، وله مواقف صادمة يخالفُ فيها العرفَ، وما جرى عليه الناسُ والمجتمع، من ذلك موقفه من مركزية الشعر، والفصاحة والنحو (ص68)، أقرَّ الكاتبُ الأسلوبَ المبدع الذي سَوَّقَ به علي الوردي كتاباته، وفي طريقة عرضه وتفسيره، وأسلوبه القصصي المشوِّق، وشجاعته النقدية التي مكنته بنشر ما لا يجرؤ على فعله مفكرو الزمن الحاضر.

أمَّا المثقف الديني النقدي الثاني، فهو حسن حنفي، يشيد الرفاعي بثقافته الموسوعية، وتكوينه الأكاديمي الصارم، الذي ناله من جامعة السوربون (ص121)، يشهد بأنَّه مفكر مدهش (ص139)، تجتمع فيه الموهبة الفذَّة، والذِّهنيَّة المراوغة، والإرادة العنيدة (ص186).

وقف حسن حنفي حياته كلَّها على مشروعه الفكري الذي أطلق عليه عنوان “التراث والتجديد” (ص125)، تضمَّن منهجه “اليسار الإسلامي”، استند فيه على التراث يتدارسه بأدوات عقلٍ معاصر تجديدي، عمل فيه على الجمع بين المتناقضات، يبحث عن طريقٍ ثالثٍ، يضع فيه وطنه على أرضية التقدم والازدهار.

صحيحٌ أنَّه خبير بالتُّراث، لكنَّ خبرته وضعها في خدمة منجزه الأيديولوجي، كان انتقائياً، والعمل الانتقائي يلوي عنق النص المستشهَد به، للواقعة المستشهَد لها (ص137). يصنف حسن حنفي نفسه فقيها، يجتهدُ خارج أصول الفقه، متكلماً يخرج عن مقولات الكلام، فيلسوفاً خارج العقل الفلسفي (ص129ـ130).

أمَّا منجزه الثاني، فيتمثل في تأسيس علمٍ جديدٍ أطلق عليه “علم الاستغراب”، يقومُ فيه بدراسة الغربِ بعين الشرق، كما درس الغربُ في “علم الاستشراق” الشرق بعين الغرب، لكن لم يُكتبْ لهذين المشروعيْن النجاح، فقد سقطا، ولم يجدا انتشاراً ولا صدىً إلاَّ قليلاَ.

خلع الرفاعي على حسن حنفي صفة رجل الأضداد، حتى أنَّه جعل العنوان المتصدر لاسمه هو: “الأضداد في كأس واحد” (ص119)، كان حسن حنفي مفكراً إسلامياً منغلقاً رغم أن مادته العلميَّة التي توفَّرتْ له، كانت باستطاعتها أن تجعل منه أحد أقطاب الفكر العربي البارزين، لكنَّه أغلق نفسه في حصن التراث، فبدأ منه، منتهياً إليه، من هنا كان مشروعه إحيائياً لا تجديدياً (ص177).

المثقف الديني النقدي الثالث هو محمد عمارة، تميز بارتداد مراحله الفكرية، فهي دوماً إلى حركة عكسية، ابتدأ نشاطه الفكري ماركسياً، أي بقناعة أيدولوجية، كانت صرخة العصر زمن شبابه، ذات آلياتِ مبنية على قاعدة فكرية فلسفيةٍ، تتجلَّى في مستوياتٍ سياسيةٍ، واجتماعية اقتصادية، ساحتُها تعجُّ بمختلف المناقشات مع المعادل المقابل، وهو الفكر الرأسمالي، أو في تلك الانشقاقات الإيديولوجية والاجتهادات الداخلية، فهي حركة وعيٍ لا تفترُّ.

انتقل من الماركسية إلى العقلانية الاعتزالية، وهي درجة أقلُّ، لأنَّ مساحة فاعليتها محدودة، تتعلَّقُ أكثرُ مقولاتها بالجانب التاريخي، إذْ نشأتْ منْ واقع الدفاعِ عن العقائد الإسلامية، نتيجة تناحرٍ مذهبي، ثمَّ امتدَّت في جدالات المِلل والنِّحل لأديانٍ أخرى مقابل الدين الإسلامي، ثمَّ انتقل إلى الوسطية الإسلامية، وهي درجةٌ أخرى أقلُّ، باعتبار التَّعامل يكون مع فكر إسلامي محافظ، يعتمد على الموروث النقلي.

ثم انتقل إلى مذهبية سلفية وهي درجة أخرى أقلُّ باعتبار التعامل الانتقائي مع مذهبٍ ديني دون سائر المذاهب الأخرى من نفس الدين، ورفض فتح الأبواب على ما عداها من مدارس ومناهج وأعلام آخرين، (ص318ـ319)، فتفكيرُه بحكم الطبيعة المعرفية السَّلفية يتوقف عند السطح من خلال أحكامٍ عامَّةٍ، أشبه بأحكام القضاء، فقد اتَّهم طه حسين بوقوعه تحت تأثير القسِّيس، عمِّ زوجته الفرنسية (ص321)، وكان المفكر الإسلامي الإشكالي نصر حامد أبو زيد من ضحايا تشدُّده (ص320).

ولا يخفى أنَّ لمحمَّد عمارة تأثيراً كبيراً على شريحةٍ واسعةٍ من الشَّباب، نتيجة الصَّحوة الإسلامية العامَّة، وهو صاحبُ تآليف بلغتْ 250 كتاباً، له وزنٌ معتبرٌ في الفضاء العامِّ للفكر الإسلامي، إذْ كان مستشاراً في “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” القائم على أسلمة المعرفة، تقدَّم إليه المفكِّر محمد أبو القاسم حاج حمد سنة 1991، بكتابه “المنهجية المعرفية القرآنية”، ولكنَّ محمد عمارة عارض طبعه، وبقي إلى غاية 2013، حيث نشره “مركز دراسات فلسفة الدين” ببغداد في العراق (322).

المثقف الديني النقدي الرابع، هو جودت السعيد، داعية اللاعنف، يرى أنَّ الحربَ مكتوبة على جبين الإنسانية، والعنف طبيعة إنسانية، قامتْ عليها، وانتهتْ بها حضاراتٌ، وأخطر العنفِ العنفُ الديني (ص341)، لأنَّه في اعتقاد جماعات العنف مُسَوَّغٌ بنص قدسي، وأدرك مبكراً خطره على المجتمعات، خاصّةً الإسلامية، فنشر كتابه “مذهب ابن آدم الأول: مشكل العنف في العمل الإسلامي” عام 1966، دعا فيه إلى نبذ أشكاله (ص333)، ودعا إلى التَّعامل مع الذي يخالفُنا في الفكر، أو المعتقد بوصفِهِ إنساناً، لا بصفته العرقية، أو الهوياتية، أو الدينية، لكنَّ الرفاعي يذهب إلى أنَّ العنف الديني له جذور تكلَّستْ، أسَّس لها الكلام القديم، وما انبثق منه من مدونات فقهية وفتاوى (ص335)،

ويحبِّبُ جودت السعيد إلى المسلمين قراءة القرآن الكريم، لكن بآليات القراءة التي تفتح النص على الإنسان وعلى المطلق، فيقترح أن يُقْرَأ القرآن من حيث هو عملُ الإنسان، ويُقْرَأ مَرَّةً أخرى من حيثُ هو عملُ الله، ليجد القارئ فعلاً بشرياً يتحدَّث عنه القرآنُ، كما يجده فِعلاً إلهياً يتحدَّثُ عنه (ص333).

جميلٌ ما دعا إليه جودت السعيد، لكن الأمر لا يتعلق بأمنياتٍ ورغباتٍ كما أكد الرفاعي، فموضوعا اللاعنف، وموت الحرب حين يتحَّولان إلى عملٍ فكري، يتطلبان تأسيساً نظريا، وهو ما لم يتوفّق فيه صاحبُ الفكرة، فانزوتْ إلى دعوة أخلاقيةٍ إنسانيةٍ نبيلة.

المثقف الديني النقدي الخامس، هو مالك بن نبي، يعترفُ الرفاعي بقدرته في صياغة أفكاره ضمن نسقِ نظريةٍ علمية دقيقة، وأنَّ له موهبةً في صناعة المفاهيم، وفي تركيبها، بما يشبه المعادلات الرياضية (ص347)، ثم يرى أنَّ كتاباته غذَّتها عواطفُه وغيرتُه المشتعلة على وطنه وأوطان المسلمين، يخلص من ذلك الكاتبُ إلى أنَّ الحماسَة إذا اتَّقدت أخمدت العقلَ، وتراجع التفكير النقدي، فالعواطف المتَّقدة في نظره لا تفكِّرُ، ثمَّ يعودُ، فيراه مرَّةً أخرى متميِّزاً ببنية ذهنية تتجلى في معادلاته (ص353)، واستشهد بما قدَّمه من تحليل ظاهرة “التخلُّف” في سلسلته “مشكلات الحضارة، بصياغته تعريفاً للحضارة، ومنْ أنَّها حصيلةُ اجتماع ثلاثة عناصر هي: الإنسان، والتراب، والزمن، كما رسم مراحل دورتها التي تمرُّ بها كلُّ حضارة إنسانيةٍ، وهي: مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة (354)،

ويرى الكاتبُ أنَّ مصطلح “القابلية للاستعمار” ربما يكون صدى لفكر وطرح ابن خلدون، في ولع المغلوب بالغالب (355)، ويرى أنَّ أكثر معادلاته لا تخلو من مثالية لا يمكنُها أن تتحقَّقَ في واقع المسلمين، كحلمه في محورٍ يجمع الأمة الإسلامية، سماه “محور طنجة – جاكارتا” (356)، كما تظهر في كتاباته بصمة لاهوت التحرير، إذْ يرى العنف مكّوَناً أساسياً لماهية الدين، ولاهوت التحرير نسخة من الإسلام السياسي (359).

اختار الرفاعي لتمثيل الفكر الإيراني الحديث ثلاثة فلاسفة: داريوش شايغان، وسيد حسين نصر، وأحمد فرديد، عاشوا في فترة متقاربة. أولهم داريوش شايغان، الذي ابتدأ حياته المعرفية في سن مبكرة من خلال مجالس “حلقة أصحاب التأويل”، التي ضمَّتْ العلاَّمة محمد حسين الطباطبائي وهنري كوربان، وتدارسوا فيها الفلسفة الإشراقية، وفلسفة الحكمة المتعالية، والعرفان (ص199)، ثم حاز على تكوين أكاديمي رصينٍ في جامعة السوربون، توَّجَهُ بإجازة الدكتوراه، ليقوم بعد ذلك بتدريس الفلسفة المقارنة، واللغة والآداب السنسكريتية، والتيارات الفلسفية الغربية في جامعة طهران (ص204ـ205)،

ومرَّت حياته الفكرية بثلاثة محطَّات، تأثَّر في محطَّته الأولى بالفرنسي رينيه غينون، والسويسري كارل غوستاف يونغ، والألماني مارتن هايدغر (ص207)، كان نتيجتها إنكاره المعارف الغربية في عصر الأنوار، وأنَّ الأنوار الحقيقية منبعها الشرق، فدعا إلى الرجوع إلى الذاكرة الذاتية، والهوية الثقافية والقيم الموروثة (ص208)، وكتب في هذه الفترة “الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية”، عام 1976،

وأما محطته الثانية، فتأثَّر فيها بميشال فوكو، وغاستون باشلار، ولويس ألتوسير، وهابرماس… وفيها تمكَّن من تصحيح رؤيته، فلم يعد يرى قدسيةً للذاكرة والهوية، ونادى في هذه المرحلة بتعميم “الرؤية النقدية”، التي هي إعادة تفكيك الموروث، واكتشاف خلله، ومواطن قصوره، ونشر كتابه “ما الثورة الدينية” عام 1982 (ص220)، رأى أنّ قوة الحضارة الغربية آتيةٌ من التشغيل النقدي الدائم، ثم ارتقى إلى محطته الثالثة، حيث نضجت شخصيتُه المعرفية، مضيفاً إليها مقولات جيل دولوز، وفيليكس غاتاري، تبيَّنت له حقيقةُ المجتمعَيْن الإنسانيين الغربي والشَّرقي، وأنَّهما أصلاً قائمين على أساس تناقضاتهما الداخلية، إذ أصل تكوينهما تعدُّدي، ولا يمكنُ أن يكون إلاَّ كذلك، فمن هذ التعدد يأتي التناقض،

وصاغ للتعبير عن رؤيته الجديدة مصطلحاته، من مثل:” أنطولوجيا مهشمة. تزامن الثقافات المتنوعة. العالم في هذا العصر شبحٌ. الهوية أربعين قطعة، هوية مركبة من شبكة ترابطات دقيقة، تعددية ثقافية. اختلاط قوميات. تمازج أفكار. تهجن مضطرد. تمازج لغوي وعرقي تعمل كالريزوم، تكتسبُ شكلا جذموريا ريزومياً، فينبثقُ نموذجٌ مرقع…” (ص231).

توصَّل إلى أنَّ عالمنا المعاصر ذو “هويَّة ريزوميَّة”، وهي هوياتٌ متداخلةٌ، وثقافاتٌ متمازجةٌ، وتلاقحٌ واختلاطٌ دائمان مستمران في الزمان والمكان، فلا وجود لهوية نقيَّة صافية، العالمُ ذاته سائرٌ إلى التمازج، الهويَّة الواحدة قماشٌ من أربعين قطعةً تخاطُ باستمرارٍ (ص233)، فمن هنا، فجميعُ الثقافات من الإنسان وللإنسان أُبْدِعَتْ، بل الإنسان نفسه هو للإنسان، وفي هذه المحطة اعتبر داريوش شايغان منجزات الأنوار إضافةً مهمَّةً للإنسان.

أمَّا سيد حسين نصر، فقد درس مرحلته الثانوية والجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل منها على إجازاته العلمية، وحضر دروس براتراند رسل، وتأثر برينيه غينو، وشوان، وبوكهاردت، وكان هؤلاء ضمن تيار فكري أطلق عليه الكاتب عبد الجبار الرفاعي “الحكمة الخالدة” (ص255)، وهي في بحث نصر حكمةٌ جوانيةٌ ساريةٌ من الأنبياء إلى الحكماء والفلاسفة (ص257). ولا يولي الغرب هذا العلم أيَّ اهتمام، لذا يرى سيد حسين نصر الشرقَ رمزَ النور والعقل والروحانية، والغربَ رمزَ المادية والانحطاط (273)، إلاَّ أنَّ الرفاعي يرى هذا الطرح دعوةً مبهمةً غامضةً، تقومُ أساساً على رفض المنجز الغربي (ص263)، كما لم تخرج هذه الدعوة من برجها النظري أبداً، وبقي حسين نصر متمسكاً بها حياتَه كلَّها دون مراجعة (ص275)،

وأمَّا أحمد فرديد، فهو صاحب التَّأثير الواسع في الفضاء الفكري الإيراني عبر حلقته الأسبوعية المسمَّاة “الحلقة الفرديدية”، تُناقش فيها تاريخ الفلسفة الإنسانية، والفلسفة الغربية والشرقية، ولمْ يتركْ أحمد فرديد أيَّ أثرٍ مكتوبٍ، بل اكتفى بتعليمه الشفهي، لذا أُطلِقَ عليه “الفيلسوف الشفهي” (ص287). صاغ للتعبير عن رؤاه مصطلحاتٍ غامضةٍ مركَّبة مثل: “الحكمة الإنسية، علم الأسماء التاريخي، وباء الغرب، تجلي أسماء الله في التاريخ… (ص286)، وقد صاغ رؤيته لعلم الأسماء الإلهية من فلسفة هايدغر، وعرفان ابن عربي، وعلم اللغة المقارن، والفيلولوجيا واللسانيات، لكنَّ هذه الرؤية كما يحللها الرفاعي مزيجٌ غيرُ متجانسٍ (ص290)، رآهُ مجرَّدَ نَقْعٍ لغوي لا ينجلي على أيَّة نتيجةٍ ذاتِ قيمةٍ.

يخلُصُ الرفاعي إلى أنَّ أحمد فرديد شخصية إشكالية مؤثِّرةٌ، فقد وقع في شراك غوايته مثقفون كثيرون، وإنْ كانوا قد انفضُّوا من حوله.

يتكوَّن الكتابُ من 367 صفحة، خصَّصها لعرض ثمان شخصيات. اختار لتمثيل الفكر العربي خمس شخصياتٍ، مثَّل الأولى “علي الوردي” بِـ 67 صفحةً في 13 مقالاً، والثانية “حسن حنفي” بِـ 58 صفحةً في 9 مقالاتٍ، والثالثة “محمد عمارة” بِـ 18 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والرابعة “جودت السعيد” بِـ 17 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والخامسة “مالك بن نبي” بِمقال واحدٍ من 11 صفحةً، الملاحظُ هو العدُّ التنازلي للمقالات وعدد الصفحات، فبين الشخصية الأولى والأخيرة فجوةٌ واسعة.

وتجلى عمل الفكر العربي في هذه الفترة من خلال هذا الكتاب على معالجة أوضاع اجتماعية كالذي ورد عند علي الوردي، أو عرض لأيديولوجية كاليسار الإسلامي، أو طرح لعلمٍ مُجْهَضٍ كما عند حسن حنفي، أو نظرة دينية منغلقة كما عند محمد عمارة، أو رؤية طوباوية في موت الحرب كما عند جودت السعيد، أو عرضاً غير مكتملٍ لطرح نظري كما عند مالك بن نبي، فليس هناك أي مبحث فلسفي، أو تأسيسي، أو فكري، لذا رأى الكاتبُ أنَّ ظاهرة الفكر العربي، تدعو للرثاء، كما لفت انتباهه فيه أنَّ له بداية متفتحة، ونهاية منغلقة (316)، ولا يمكن للعقل العربي أن يقوم بدوره، إذا لم ينهل مرتوياً من عوالم الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع (ص18).

أمَّا الفكر الإيراني، فقد مثَّله ثلاثُ شخصيات، الأولى داريوش شايغان بِست مقالات في 44 صفحةً، والثانية سيد حسين نصر بخمس مقالات في 34 صفحةً، والثالثة أحمد فرديد بسبع مقالاتٍ في 29 صفحةً، والملاحظ هو التوازن النسبي في عرض الشخصيات الثلاثة. عمل الفكر الإيراني في نفس الفترة على مبحثيْن: فكرُ الهويَّة، أو العودة إلى الذَّات، والاهتمام بالروحانيات الشَّرقيَّة، وطريقة إصلاح أو تجديد الفكر الديني على ضوء منجزات العلوم الحديثة (288).

في خلاصة القراءة، يبدو أن عنوان الكتاب له نصيبٌ من اسمه في موضوع الكتاب، فرجعُ اللفظتين “مفارقات”، و”أضداد” تتردَّد بين جنبات الموضوع، نجد الفكر العربي في توظيفه التراث والدين فكر مفارقات، ولفظة أضداد صفةٌ تصدق على الفكر الإيراني.

عبد اللطيف الحاج اقويدر، كاتب جزائري. مراجعة لكتاب: د. عبد الجبار الرفاعي، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ط1، يناير كانون الثاني 2024، منشورات تكوين، الكويت، دار الرافدين، بيروت. [1]

 

https://www.awaser.net/2024/01/20/%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a3%d8%b6%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d8%b8%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-2/

عبد الجبار الرفاعيّ: الأثر والمنجز

عبد الجبار الرفاعيّ: الأثر والمنجز

أسامة غالي*

يُلفي مَن يطالع هذا الكتابَ «عبد الجبار الرفاعي: الدين حياة في أُفق المعنى» أنّ تجربةً فكريّةً قد تناولتها اطروحات ورسائل دراسات عليا في عدة جامعات، ودراسات، ومقالات، ومراجعات، وشهادات، لأكثر من عقدين، وفي مناسبات مختلفة، ولدواعٍ شتى، وبتنوع ثقافيّ بين الشرق الإسلاميّ وغربه، واتفقَ، اختياراً وجمعاً، أن يوضعَ شيءٌ منها في كتابٍ، وعلى ثلاثة محاور: شهادةً، ومقالاً، ودراسةً؛ كشفاً عن نسقِ التجربةِ الظاهرِ والمضمرِ معاً، وتعريفاً بها وفاءً لأثرها. وما كانَ لهذه التجربةِ أنْ تنال هذه العنايةِ لولا غناها، وتنوّعها، وعمقها، وتميزها، واختلافها أيضاً.

الرفاعيّ أثراً

وقفَ الكتّابُ ـ في غير مظنّةٍ ـ عند أثر الرفاعيّ، وتناولوا ما هو شخصي قامَ على صلةٍ، أو موقفٍ، وما هو عام قامَ على قراءة منجزٍ، وفي الحالين يتجلى الأثرُ؛ محرضاً على أنْ أفتتحَ التقديمَ بشيء من الصلةِ بالأستاذ الرفاعي؛ لأصلَ بعدها إلى المنجز، ولا يعدمُ في التعريف بالمنجز شيءٌ مما هو ذاتي.

حينَ دخلتُ النجفَ دارساً للمعارف الدينيّة، وكان سناً مبكراً، تعرّفتُ إلى الدكتور الرفاعيّ، وكانَ التعرّفُ في ضوءِ المنجزِ، لاسيما في شرحي أصول الفقه والفلسفة، وبين هذين الكتابين كنتُ أطالعُ مجلة «قضايا إسلاميّة معاصرة» التي تصلُ النجفَ بموادٍ غنيّة: طروحات جديدة، وترجمات تفتحُ كوةً لنفاذ فكر الآخر المختلف. ولا تعدمُ أحاديث أساتذة عن الرفاعيّ، سيرةً وموقفاً وثقافةً، ومع كلّ هذا يزدادُ حضور الرفاعيّ في أفق الوعي، ويتماد الفضولُ بالتعرّفِ إليه عن كثبٍ.

توثقت الصلةُ بالرفاعيّ مفكراً ومترجماً، وكانَ ما أسسه في بغداد، مركزاً لفلسفة الدين، رافداً معرفياً مهماً، إذ قامَ بنشرِ نتاج مفكرين إيرانيين لم يطالع عربيّاً، إضافة إلى ما ينجزهُ الرفاعي شخصياً، مراجعةً، ونقداً، وسجالاً، وفكراً. وكانَ يحرصُ، في كلّ هذا، على شيعوعةِ الاستنارة في العالم العربيّ، وفي العراق تحديداً.

لم تكن طروحات الرفاعيّ تفارقُ نبعين إلاّ ما ندر: الأولى القرآن الكريم، والنزعة العرفانيّة. غير أنّ تكأة الرفاعيّ على هاتين النبعين لم تعد تكأة القُدامى، فهو يبتكرُ لنفسه آليات اشتغال أخرى، ومنظوراً مختلفاً، ومراساً جديداً ينجم عن استجابةِ راهنٍ، ولا يبعدُ، في ما ينجزُ، عن طرح الإشكاليات الكبرى في الثقافة الإسلامية، وهو صانع الأسئلة الأمهر.

شيءٌ آخر يضاف، أنّ الرفاعي لا يرى تعارضاً، أو انفصالاً، بينَ العلوم الحديثة، إنسانيةً، واجتماعيةً، والمعارف الدينيّة القُدمى؛ وإنما يرى ثَمَّ نسغاً يتماد بينها، وتخادماً يقضي بفهمٍ جديدٍ للدين، إلا أنه يفارقُ بينَ معطيات تيك المعارف أو العلوم الإنسانيّة وبينَ العلوم الصرفة؛ طبيعيةً أو غيرها.

لا جرمَ، أنّ الأثر تمادَ أبعدَ من المنجزِ، وصارَ إلى صلةٍ مباشرةٍ، تواصلاً ولقاءً وحواراً، فتعرّفتُ إلى المفكر الرفاعيّ شخصياً، وكانَ ما يطرحُه ذات ما يتمثلُ في شخصيته، تقبلاً للاختلاف، وانفتاحاً واصغاءً للآخر، وتدفقاً فكرياً وروحانيّاً واخلاقيّاً، ونأياً عما يتركُ في الروح صدأً، وبذلاً، بلا جزاءٍ، لأي سؤالٍ.

لم تنقطع الصلةُ، ولم تخفت، ولا يعكرها الحاحٌ بطلبٍ، فكانَ يبادرُ بالسؤالِ دوماً، متفقداً الغياب، أو مواسياً لحظة فقدٍ، أو فرحاً بإنجازٍ، محفزاً إليه، ومتابعاً تفاصيل تأديته، داعماً ومحتفياً، ولقد مدَّ بالصلةِ إلى شخصيات أُخر، عراقيّاً، وعربيّاً، وإيرانياً، معرّفاً، أو قاضياً لمسألة تعسرت.

هكذا تعرّفتُ إلى الدكتور الرفاعيّ، ولقد أًبقي على هذا الأثر؛ لأنه مما يأملُ ويعلّمُ، ويفتحُ آفاقاً، ويمنحُ الطمأنينة.

الرفاعيّ منجزاً

اتفقَ أنْ أعنى بالفلسفةِ والعرفانيّة جرّاء الدرس الديني في النجفِ،  ثُمَّ  أنْ أواصلَ هذه العنايةَ أكاديميّاً في الدراسة العليا، وكانَ النظرُ في الفلسفة والعرفانيّة، دراسةً وتحقيقاً، يقدمُ معالجةً لمشكلٍ منهاجيّ، ألا وهو العلاقة بين العقل والوحي، ثُمَّ سؤال الدين، وكانَ قد شاعَ، بلا أصلٍ، أنّ ثَمَّ قطيعةً بينهما، أو قل إنّ ثَمَّ تهافتاً خفياً قد سوّغ العلاقةَ الذهنية، وربما هذا ما أدّى بـ «أبي حامد الغزالي» إلى إشهار «تهافت الفلاسفة»، ثُمَّ جاءَ رداً «تهافت التهافت» لـ «ابن رشد»، وبقي هذا السجالُ مفتوحاً على هامشِ المدوّنتين الفلسفيّة والعرفانيّة، واتخذ شكلاً آخر في النظر المعرفيّ الحديث «الابستمولوجيا»؛ إذ صارَ السجالُ إلى ثنائية الدينيّ والبشريّ، ومعاينة الحدود الفاصلة بينهما، ومدى التقارب والتقاطع.

ولا جرمَ، أنّ لعلم الكلام دوراً في تغذية هذا السجالُ إسلاميّا وعربياً، واسهاماً في تكريسه لقرون، بل تشويه العلاقة، وتحريف طبيعتها، واشغال الدارسين عمّا هو جوهريّ في الدين، ومما لا يخفى أنّ علم الكلام القديم يقوم على غايةٍ هي الإلزام، مما تفرضُ أنْ تكونَ المنهاجيةُ جدلاً يأنسُ بنتائجها التلقي العامي، وتضفي مشروعيةً للتقليد والاتباع بلا عبء بحثٍ ومساءلة.

وإذا ما عُرفَ أنّ للعقلِ مدياته، وللوحي مدياته، وما بينهما علاقة ملء الفراغ ـ أياً كان شكلها: أفقية نظير ما صورها المشاؤون، أم عمودية «تراتبية» كتصوير العرفانيّة ـ يُكتشف الشططُ الذي مارسه علم الكلام، وينجمُ فهمٌ دقيقٌ لسؤال الدين، وربما حاولَ، قديماً، «اخوان الصفا» مقاربة هذا المسعى، ثُمَّ حاولَ، اتباعاً، «صدر الدين الشيرازيّ» تطبيق، وشيعوعة، هذه المقاربة.

يبدو لي أنّ سؤال الدين في تجربة الرفاعيّ يتأسسُ على فهمِ العلاقة بين العقل والوحي، وهو فهمٌ يقومُ على إعادة تعريف العقل والوحي على غير ما قرّ في المدوّنة القُدمى، وبمعزلٍ عن التركةِ النظرية التي ورثها المتكلمون والفلاسفةُ عن «أرسطو»، وهو ما يقترحه كمقدمة لعلم الكلام الجديد بقوله: « يبدأ علم الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرر تعريفه في علم الكلام القديم كما هو…»([1]). ثُمَّ يقول: « العقل كائن تاريخي يتغير ويتطوّر ويتكامل تبعاً لنمو وتراكم معقولاته كيفاً وكماً…»([2]). وإذا ما كانَ هذا المدخلُ لسؤال الدين؛ فتكون النتيجةُ أنّ ثَمَّ فهماً جديداً للدين، وقراءة مختلفة، أو بتعبير الرفاعيّ نفسه: «يفهم الدين من داخله، وإن كانت تمثلاته في الحياة البشرية تفهم من خارجه. الدين حياة في أفق المعنى، الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية هي الأفق الذي يتحقق فيه الدين، وهي لا تتطابق مع المادة التي تتحقق وتنكشف فيها العلوم وقوانينها.»([3])

زاولَ الرفاعيّ هذا الفهمَ بوصفه أصلاً مرجعيّاً تستندُ إليه تمثلات تجربته، ففي كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي» يضعُ هذا الأصلُ مفتتحاً؛ ليتفرّعَ منه إلى سردِ سيرته الفكريّة وتحولاتها، ثُمَّ معالجة المشكلات التي أرهقته، وهي مشكلات عامة، بل إنّها مشكلات الإنسان المفكر.

ولا يُعدمُ هذا الأصلُ في كتابه «الدين والنزعة الإنسانيّة»، إذ يقول: « لا أفهم الدين فهماً وضعياً يقطع صلته بالمطلق، لذلك أختلف في فهمي لـ «أنسنة الدين» عما هو شائع لدى كثيرين من الباحثين في هذا المضمار»([4]). ثُمَّ يعودُ لتعريفِ الدين قائلاً: «الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحيّ وأخلاقيّ وجمالي لحياته الفردية والمجتمعية. هذا هو تعريفي للدين»([5]). ولهذا الأصلُ المرجعيّ تجلٍ آخر في كتابي «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، و«الدين والكرامة الإنسانيّة».

حاولَ القدامى، بمختلف اتجاهاتهم، أنْ يقدموا فهماً لعلاقة العقل بالوحي، غير أنّ هذا الفهم لم يخلُ من الميلِ إلى طرفٍ، والانتصار له. فثَمَّ نفرٌ مالَ إلى فاعلية الوحي ميلاً كلياً بوصفه مصدر المعرفة الرئيس، والكاشفُ عن الواقعِ، أمّا العقلُ فلا يحوز مزيةَ كشفٍ، بل هو خطّاء، ولا يصحُ الوثوق به، وكانَ «أوغسطين»، و«توما الأكويني» الآباء المؤسسين لهذا الرأي، وتبعهم، إسلاميّاً، «أبو حامد الغزالي».

ونجمَ، في الثقافةِ الإسلامية، رأيٌ آخر، كانَ يصوّر العلاقة، بين العقلِ والوحي، على أنّها توصلية، أي أنّ العقلَ يحوزُ مزيةَ توكيد الأصول، توحيداً ونبوةً، ثُمَّ يقفُ، ويمضي الوحي بوصفه المصدر الرئيس لتوكيد الأصول الأخرى، ومكاشفة التفاصيل، وإذا ما تعارضَ العقلُ والوحي تعارضاً بدوياً، أو مستقراً، فيقدمُ الوحي.

وبينَ هذين الرأيين ثَمَّ رأي آخر يحوز للعقلِ مزية المعرفةِ مطلقاً؛ مستبعداً فاعلية الوحي، وهو يستندُ إلى تكأةِ علميّة صرفة «تجريبية»، وربما هو أشبهُ بما قرّ في الفلسفةِ الوضعية.

لا تبعدُ تيك الآراء عن دائرة الجدلِ الكلاميّ القديم التي أرادَ المحدثون، عرباً وغيرهم، أنْ يعيدوا النظرَ فيها، وأن ينقدوا بالمساءلةِ ما تسربَ منها إلى المدوّنة الجديدة، غير أنّ نفراً من هؤلاءِ المحدثينَ وقعوا بفخاخ الاستعادة، أي أنّهم تبنوا، قبلياً، رأياً ما في مساءلة الآراء الأخرى بمعزلٍ عن التفكير بإعادة تعريف العقل والوحي تعريفاً جديداً، كما فعلَ الدكتور الرفاعي، ثُمَّ محاولة فهم العلاقة فهماً ايجابياً.

حاولَ الرفاعيّ أن يعرّفَ الوحي بأنه: «صلة وجودية بين عالم الغيب والشهادة، تصيّر النبي شاهداً للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلى على مرآة البشري[6]، وبهذا يفارق الرفاعي بين الوحي والعقل مفهوماً ومحددات، مجترحاً رأياً رابعاً لا ينتصر فيه إلى طرفٍ ما، أو يقصر، أو يهمش، فاعليته، بقدْر ما يقدّم فهماً للعلاقة على أصلٍ من تنوّعِ الواقع الوجودي وسعته، غيباً وشهادةً.

ينجمُ مما مرّ، أنّ تجربةَ الدكتور الرفاعيّ تقومُ على فهمٍ جديدٍ للدين، وأنّ هذا الفهمَ يشكّلُ أصلاً مرجعياً في منجزه، وقد انبجسَ، بدءاً، من مساءلة مفهومي العقل والوحي، والعلاقة بينهما، في المدوّنة الفلسفيّة، والكلاميّة القُدمى، وكانَ للنزعة العرفانيّة دورٌ في تشكّل هذا الفهم.

شيءٌ آخر يضاف، أنّ الرفاعيّ توصلَ إلى هذا الفهم، بوصفه أصلاً مرجعياً، بعد خبرةٍ في قراءة ودراسة التراث الدينيّ والإنسانيّ، وتجربة روحية في تأمل عوالم الغيب، والشعور بتجلياته، إضافةً إلى شغفه بمتابعة ما تنتهي إليه مناهج العلوم الحديثة، وهو يرى، قبلاً، أثرها الفاعلَ في سياقِ التجربة البشرية.

ختاماً، أنّ هذا الكتابَ يعدُ تعريفاً بالرفاعيّ أثراً ومنجزاً، وانجازه وفاءً واحتفاءً.

والحمدُ لله أولاً وآخرَ.

*  باحث عراقيّ متخصص بالأدب المقارن، والدراسات العرفانيّة.

[1]) مقدمة في علم الكلام الجديد، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط3، ص21.

[2]) مقدمة في علم الكلام الجديد، د. الرفاعي، ص126.

[3]) الدين والكرامة الإنسانية، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط2، ص47.

[4]) الدين والنزعة الإنسانية، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط4، ص55.

[5] ) الدين والنزعة الإنسانية، د. الرفاعي، ص55.

[6]  «مناقشة الرؤى الرسولية» لعبد الكريم سروش، د. عبد الجبار الرفاعي، مقال نشر في العالم الجديد بتاريخ 1ـ10ـ2022.

 

رابط النشر:

انهضْ فهناك من يفهم ما تعيشهُ في وجدانِك وعقلِك

انهضْ فهناك من يفهم ما تعيشهُ في وجدانِك وعقلِك

خليل المرخي[1] 

منذ أن اطّلعت على سيرة د. عبد الجبار الرفاعي من خلال العدد الخاص لمجلّة (الموسم) الفصلية التي تعنى بالآثار والتراث، في كتابها التذكاري لسنة ٢٠١٤م الجزء (١٠٥)، تولّد لديَّ الشغف بمتابعة نتاجه الفكري. وقد وجدتُ فيه الفكرة الجديرة بالترويج، واللغة المُنقِذة من التيهان بين صراعات أصحاب التيارات المتناحرة باسم الدين سياسيةً كانت أو حوزوية.

له المنّة علينا بهذا الطرح الذي وجدتُني غيرَ متردد بالإشارة إليه، وإرشاد الباحثين عن الرؤية المُقنِعة للفهم الديني، بروحٍ سمحةٍ، وعقلٍ خبيرٍ في الفصل بينَ ذاتيّة أصحاب الخطاب الديني وما تحويهِ من خصوصياتٍ نفسية، وتأثيراتٍ بيئية وتاريخية وبينَ الجوهر المجرّد للفكرة الدينية الصافية للاطلاع عليه بمحبةٍ وانفتاح.

ولله الحمد فقد وجدتُ في كل من دللتهم على النتاج الفكري للدكتور الرفاعي امتنانًا بالغًا لهذه النصيحة، فصاروا يتابعون ما يصدر عنه قدر الإمكان، فأمثاله يختصرون من خلال تجاربهم الكثيرة الثرية طريقًا طويلًا على الباحثين عن منهجية متوازنة في فهم الدين والحياة.

ممّا تولّد في ذهني وأنا أقرأ تجربته الشخصية من خلال السيرة الذاتية التي دوّنها في (الدين والظمأ الأنطولوجي)، أنّ هذه التجربة الثرية وما خرج عنها من نتائج يمكن أن تمثّل طوق نجاةٍ للكثيرين الذين لا يزالون في صراعاتهم الداخلية بين التراث الذي نشؤوا عليه منذ الطفولة، والواقع المتضارب الذي يعانون أجواءَه، والمستقبل المنظور الذي يخافون من عدم قدرتهم على بلوغهِ.

شكّلتْ كتابات الدكتور الرفاعي بالنسبةِ لي، صدًى كنتُ أترّقب أن يطرُق سمعي في وقتٍ اختلطتْ فيه الأصوات الناطِقة باسم الدين، وكان هذا الصدى الذي لا يزال يتردد: “انهض فهناك من يفهم ما تعيشه في وجدانك وعقلك”. وأن تغتربَ عن الانسجام مع واقعٍ مشوّهٍ، خيرٌ من أن تغتربَ عن الانسجام مع نفسكَ وعقلك.

كان أحد أعز أصدقائنا من حملة الدكتوراه يعيش حالةً نفسيّة صعبة بسبب الإحباط من الطرح التقليدي للخطاب الديني (المسموع والمقروء)، فاقترحتُ عليه كتاب (الدين والظمأ الأنطولوجي..) فصار بعدها (متخصصًا في شرح عباراته)، حتى أنّ ملاحقته لما يصدر باسم الدكتور الرفاعي سبقتني بمراحل.

مشكلة الواقع عند شبابنا في مجتمعاتنا الدينية المحافِظة، أنهم بسبب تكثيف الخطاب الديني التقليدي، فضلًا عن المتوحّش، صاروا بين خياراتٍ صعبة:

إمّا التماهي مع هذا الخطاب، والتحوّل لجنودٍ مغسولي الأدمغة يدافعون عنه بشراسة أكثر من شراسة أصحابه، وكأنهم كالذي يخمشُ وجههُ بأظافرهِ، ولا يستطيعُ أحدٌ إنقاذه من خطر نفسهِ على نفسهِ وعلى غيرهِ، أو التنكّر الكامل للتديّن، والتمرد على الحالة الدينية الشائعة بكل جرأة ودون مبالاة، حتى صار التحدي لكل المظاهر الدينية هو العنوان الذي يتفاخرون بهِ، رغمَ معاناتهم الروحية بينهم وبين أنفسهم! أو حياة التناقض بين القناعات المُضمَرة، والقناعات المُعلنة. وهي حالة المعاناة بصمتٍ، والمجاهدة للبحث عن الثغرات التي يعبّرون فيها عن هذه المعاناة رغم الحذر، وتقديم رِجل وتأخير أخرى.

أمّا خطاب عبد الجبار الرفاعي، فعلى الرغم من قدرته الفائقة على تقديم الحل لخصوص أتباع الخيار الثالث، إلّا أنّه لا يزال في دائرة المحرّمات عندَ أتباع الخيار الأوّل الذين يشكّلون القوة صاحبة الصوت الأعلى، والأدوات الأمضى في فرض حضورها الاجتماعي، باعتماد آليات الإرهاب الفكري، ومنها تفعيل أداة (الحرمان الديني) التي يخشاها أغلب أبناء المجتمع؛ لأنها تعني، ببساطة، النبذ من المحيط الذي لا مناص من التعايش مع سلبياتهِ، باعتباره البيئة التي ينتمون إليها.

غير أنّ التجربة أثبتت أنّ صوتًا كصوته يمكنه أنْ يجد الآذان الصاغية عند شريحة مهمّة؛ لذلك يشكل قلقًا للمتوحّشين. وهذا ما يؤكّد على أصحاب الطرح التنويري المتوازن أنْ يقوموا بدورهم في تقديم الصورة الجميلة للإسلام، كي لا تكونَ الحاكمية في الإعلام للنموذج المُعاق الذي لا عنوان له إلا: الخرافات، والتزمّت، والسوداوية، واختلاق المعارك والصراعات.

[1] كاتب من البحرين. نشر في صحيفة العالم الجديد، يوم اﻷحد 19 تموز 2020.

 

رابط النشر:

لاهوتيّ يتكلم لغة الإيمان والحب والرجاء

لاهوتيّ يتكلم لغة الإيمان والحب والرجاء[1]

 الكاردينال الدكتور لويس ساكو[2]

لقد قرأتُ بتمعُّن وشغف كتاب د. عبد الجبار الرفاعي: «الدين والظمأ الانطولوجي» ط2، والذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد ودار التنوير ببيروت 2017. بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبتُ الى قراءةِ الكتاب بالكامل. إنه سفرٌ مشوّق يحمل بين طياتِه قلبًا وجدانيًّا مفعمًا بالحب والإيمان، وفكرًا ناضجًا عميقًا، نيِّرًا صادقًا. كلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وإيمان بكلِّ معنىً الكلمة، وليست اجترارًا للسلف، ولا ترديدًا لطقوسٍ جامدة، ولا تديُّنًا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كل رجل دين مسلم ومسيحي، وكل إنسان مؤمن، لأنه في النهاية باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله «بالروح والحق»، كما يقول السيد المسيح «إنجيل يوحنا 4/13». لأن من يقرؤه سيزداد معرفة وتنويرًا وحقًّا وحبًّا لله… أقول ومن دون مجاملة وجدتُ الكتاب سفرًا غير معتاد من مسلم، يتحدَّى الجمود «الإكليروساني- الإسلامي» عن معرفة وخبر، فجاء مبدعًا ومحرِّكًا. عبد الجبار الرفاعي «ابن الحوزة العلمية»، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الإيمان وليس بأسلوب فلسفي – ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، «عود أبدي»، كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصَّص عن سيرته والمعنون «نسيان الإنسان». استمتعتُ بسيرته الذاتية جدًّا، والتي أتمنى أن تتحوَّل إلى فيلم أو مسلسل؛ يُعَلِّم الجيلَ الجديدَ كيف يكون عصاميًّا بجهد شخصي “بعرق الجبين”، وليس بطريقة أخرى سهلة!

الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عمومًا، بل يريد الإبحار إلى العمق إلى الجوهر؛ ليكشف ما فيه من جديدِ اللهِ في جديدِ الإنسانِ، وجديدِ الزمن، كما يروي في الفصل المخصَّص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة إيمانية عن إنسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله، فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح يقظة، وليس ممارسات جوفاء. يتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. يتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الانسانُ بكلِّ جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة، الحياة مشوار إلى القيامة. مَنْ ليس قائما منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت. الإيمان «وليس التدين»، الفكر، الحب، خدمة الإنسان هي الخلود.

إنه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل «الأصالة والمعاصرة»، وألا تتخشب المعطيات فلا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم، كما فعل المسيح مع الفريسيين، علماء الشريعة والذين سماهم: “القبور المكلسة” «متى، 23/27».

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق لها، فيكتب: «الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعاتُ الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلا بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافلة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الأديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الأخطاء المتراكمة في فهم أتباع ديانة أو مذهب لمقولات أتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية إقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان أنها تنشد تكريس وإثراء الجوهر الروحاني للانسان».

استفهم بشأن: «احتكار الأيديولوجيا لنظام إنتاج المعنى الديني»، وأوضح الرفاعي أن الأسئلة العُظمى للدين تتلخص في: «معنى الوجود والخلود والأخلاق والطقوس…».  ويسعى بشجاعة لتجديد الفكر الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

الدين خلق وإبداع وليس جمود وتحنيط، سفر دائم إلى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرك وتغير. الدين يدعو إلى تخطِّي عالَم الكلمات إلى عالَم المعاني.

كتاب عبد الجبار الرفاعي يتكلَّم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله، كي نولد في قلب الله… أليس هذا هو الإيمان؟

لا يدعو الرفاعي للحب بأسلوب مبسط، وإنما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقّق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: «الإنسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الإنسان؛ ذلك أن الكائن البشري كثيرًا ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وإنما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلا بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الإنسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكِّنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضًا لو صدر منه. الإنسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمنًا عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإن ما يصبح مألوفًا في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحًا. الإنسان ليس كائنًا آليًّا، بل هو بطبيعته أسيرُ ضعفه البشريّ، لذلك لا تجفّ منابعُ الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعاتُ الشر في أعماقه، ولا يكفّ عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الإنسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته».

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كلُّ رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الإيمان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، إنه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضًا: أن يجد صدىً ما في حياتنا.

أتمنى ألا يستمر صوت د. الرفاعي وحده حتى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسةً من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد إلى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

هوامش:

[1] نشر المقال في صحيفة العالم الجديد «بغداد»، الصادرة في 21 كانون الثاني 2017.

[2] مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقًا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربورن سنة 1986. ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالًا، و20 كتابًا في مجالات اللاهوت والدين.

 

رابط النشر:

عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب

عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب

 

د. محمد همام[1]

 

1-  تقديم لابد منه

قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب بعنوان: “قضايا إسلامية” منذ مايقرب من عشرين  سنة؛ تحولت بعد ذلك إلى “قضايا إسلاميةمعاصرة”.أثارتني مواضيعها واستفزني الحس النقدي البارز الذي يسكن مقالاتها. كما أغرتني المقدمات النقدية التي يكتبها مديرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، أو يقدم بها لملفاتها الغنية والخطيرة والمتعلقة  بتجديد التفكير الديني. وأصبحت مداوما على اقتنائها والاطلاع على أغلب دراساتها.

وفي سنة 2003م قدر لي أن أذهب إلى الحج، وقدر أن ألتقي بالدكتور عبد الجبار الرفاعي، في رحاب الحرم المكي، وعلى هامش ندوة الحج، التي تنظمها سنويا وزارة الحج السعودية، فاكتشفت أنه مفكر عراقي عاش بين العراق وايران ولبنان. ورافقته  قرابة شهر، فاكتشفت فيه عالما متضلعا ومفكر ناقدا ومثقفا عضويا استثنائيا. وجدت الرجل صاحب شبكة علاقات متنوعة وغنية تربطه بكل ألوان الطيف الفكري في العالم العربي والإسلامي. والعجيب في هذا الرجل أنه انفتح علي من دون حواجز، واصطحبني معه إلى جل الملتقيات الفكرية التي يحضرها في الحج،وهي كثيرة بالمناسبة. ورافقته في زيارة استثنائية للعلامة محمد حسين فضل الله، رحمه الله، وقضينا معه لحظات فكرية ممتعة ومتنوعة، رفقة صديقي الدكتور فريد شكري، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، والدكتور سعيد شبار، الأستاذ بجامعة “مولاي سليمان ببني ملال، المغرب.

وخلال مدة شهر، اكتشفت عبد الجبار الإنسان والعالم؛ رجل هادئ الطباع وغني من حيث الاطلاع الإسلامي، صاحب قدرة فكرية ومنهجية على تركيب أفكار نقدية واجتهادية، وبروح نقدية عميقة، وسعة صدر رحبة ومثيرة. باحث ومفكر مطلع على التراث ومستوعب بشكل متعمق لثقافة العصر، ومدارسه الفلسفية والفكرية  والنقدية.رجل متخلق وعميق التدين؛ رأيته يرتعش ويبكي أمام الكعبة، كما رأيته بحسه النقدي الصارم، وشجاعته الفكرية عند النزال المعرفي والمقاربة التحليلية للفكر الديني، فاكتشفت فلسفته الفكرية والتي عبر لي عنها، وكتبها أكثر من مرة، وهي أن الدين أبدي في الحياة البشرية، وأن نزعة التدين كما يعيشها تمثل بالنسبة له ظمأ أنطولوجيا لا يروى، وهو الذي كان يقول لي في مكة، ونحن في الفندق، في العزيزية بمكة، في منتصف الليل، هيا بنا إلى الحرم لنرتوي بالنظر إلى الكعبة والصلاة ! فظمؤه الديني يروى بالتواصل مع المطلق، والذي يتجسد عنده في الإيمان والأخلاق والنزعة الإنسانية.

ومن خلال هذه “الصحبة” لهذا العالم المتخلق، ازددت يقينا بقيمة النقد من داخل الفضاء الديني، وبقدرة الفكر النقدي على بناء معمار ديني مملوء بالإنسانية والأخلاقية والإيمان، قادر على  إرواء ظمأ الإنسان المعاصر الحائر.

وعند عودتي إلى المغرب تمتنت اتصالاتي بعبد الجبار عبر الإنترنيت، وأخبرت زملائي الباحثين بعلاقاتي به، وعرفت بفكره، وبمجلته وسط أصدقائي في أكادير أولا، ثم في المغرب ثانيا، وعند بعض أصدقائي في بلاد أخرى. وكنا ننتظر، بشوق كبير، صدور عدد جديد  من المجلة التي كان لها الأثر الكبير على الشباب الديني في أكادير وفي المغرب، وكنا عندها حديثي عهد بمغادرة التنظيم، والبحث عن آفاق جديدة ورحبة، لا تضيق بالسؤال وبالنقد.

2- دور مجلة قضايا إسلامية معاصرة في تعزيز مسار التجديد الديني في المغرب:

عرفت من خلال ملازمتي وصحبتي للدكتور عبد الجبار الرفاعي في مكة خبايا هذه المجلة – الظاهرة الفكرية ! فقد تأسست أولا سنة 1994 تحت اسم ” قضايا إسلامية”،ثم أصبحت “قضايا إسلامية معاصرة”،   تحمل رسالة طموحة وعنيدة وأحلاما عريضة بتجديد الفكر الديني وتحديثه بروح اجتهادية متوثبة وحس نقدي شجاع. فأخرجت بذلك المجلة نقاشات المثقفين الدينيين، ذوي النزوع النقدي، من الحلقات المغلقة والجلسات المحدودة في الحوزة العلمية  في قم، لتلتحم بالنقاشات النقدية في الفضاء السني، في مجال التداول العام. وكأني بالمجلة تعيد الدور الذي قام به المفكر القلق أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، لما أخرج مناقشات “إخوان الصفا”، إلى العلن وضمنها كتابه “المقابسات”! ودعمت المجلة خطها الفكري بسلاسل كتب تجاوزت اليوم المائة، وبمركز يسمى: “مركز دراسات فلسفة الدين” في بغداد، في إطار فلسفة فكرية تقوم على النقد والطموح الجامح للتجديد والاجتهاد وإعادة بناء النظام الفكري والديني للأمة.

ومما زادنا ارتباطا بهذه المجلة الظاهرة الفكرية، أنها تقوم، في جميع مراحلها الفكرية والتحريرية والفنية، على عمل تطوعي شريف وغير مسبوق؛ إذ لا تتوفر لها ميزانية، كما تحرر مواضيعها في أكثر من بلد، ويقود فريق تحريرها عائلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بتدبير مقتدر من المناضلة (أم محمد)، الأم والزوجة، ويتولى الابن الإخراج والتنظيم، ويشرف الدكتور الرفاعي على العلاقات العامة، وعلى التواصل مع الكتاب، وعلى اقتراح المحاور، وعلى الإشراف العلمي على التحرير. فبهذا المجهود العائلي الاستثنائي، مازالت هذه المجلة مستمرة، لم تفرط لحظة في جودة المادة الفكرية التي تقدمها لقرائها على طول العالم  العربي والإسلامي.

ومن خلال هذه المجلة – الظاهرة الفكرية، انفتحت أمام الشباب المغربي، في أكادير وغيره، آفاق جديدة للتفكير الديني؛ فاقتنعنا بأن التاريخ لم يعد يصنعه الأبطال ولا الأيديولوجيات، في هذا الزمن الإفتراضي الذي سطت فيه على الإنسان تكنولوجيا المعلوميات. كما لم يعد ممكنا التفكير المغلق داخل إطار المفاهيم والآراء الموروثة، بل لابد من تدشين حالة فكرية جديدة، تقوم على السؤال الذي ينسل منه سؤال وأسئلة، والخروج من دائرة الجزمية في المجال اللاهوتي، وصياغة رؤى تقوم على النقد والنقاش، خارج أي منطق تبشيري أو دعائي،ظاهر أو متستر، لمفكر أو لمركز أو لدولة أو لطائفة.

وظلت المجلة وفية لموضوعها الرئيس، أي “المعرفة الدينية”؛ من منطلق أصالة الدين في حياة الإنسان، الدين مجسدا في السلوك والشعائر والطقوس والممارسات، من خلال تمثلات متنوعة تغشى الاجتماع البشري كله. فالدين ليس هامشيا في حياة الإنسان، كما تدعي بعض المقاربات المتحيزة والعدوانية ضد الدين وضد المتدينين، بل هو الحاسم في مراحل ومنعطفات هامة في التاريخ. فعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي ترتبط، بشكل جدلي معقد ومتين، مع تحولات المقدس وتمثلاته وتوظيفه. حتى إن هابرماس اعتبر كل ماعدا الدين “ثرثرة ما بعد الحداثة”. وسعت المجلة من خلال دراستها والمقدمات التوجيهية لمديرها عبد الجبار الرفاعي إلى التأكيد على أن أبدية الدين لا تعني سكونه وجموده وثباته، بل هو متحرك ومتغير؛ فهو موجود باستمرار، لكن تجلياته متنوعة، كما أنه يتعرض لتوظيف الناس وتلاعباتهم؛ إذ يوظف في المعارك السياسية والصراعات الاجتماعية، كما يخضع لأنماط من التفسير والتأويل تستجيب لمتطلبات الفضاء البشري المتغير.

ورغم الطابع المعاصر والسجالي للقضايا الفكرية التي تطرقها المجلة، وكذا التداعيات السياسية لتلك القضايا، ظلت المجلة ذات منحى تخصصي، مما يعوق تداولها وانتشارها وسط عامة المثقفين والمهتمين. كما ظلت وفية لسقف الحرية المرتفع والواسع، وظلت أقدر من غيرها على استيعاب الأفكار والأفكار المضادة، سواء صدرت عن الحداثيين أو عن المحافظين. كما أخرجت، بأسلوبها الاستيعابي، القارئ من تقاطبات “الطائفية الثقافية والفكرية”، التي ترسخها بعض المنابر والمجلات والمراكز مما يغذي الاستقطاب الطائفي، ويزكي الصراع المذهبي المدمر على صعيد الأمة، من خلال الترويج لمذهبيات سياسية ميتة أو قاتلة، ومغلقة ومعادية للإنسان، ولحرياته وحقوقه.

وفتحت المجلة آفاق البحث الديني في المغرب، من خلال نشر أبحاث ودراسات معمقة في الفكر الديني لنخبة من الكتاب والباحثين والمفكرين المتخصصين، من خلال استثمار العلوم الاجتماعية والإنسانية في تحليل الظواهر الدينية. كما حملت تلك الأبحاث والدراسات والمقدمات نفسا شجاعا في المراجعات النقدية والحوارات والنقاش لمختلف المقولات والمفاهيم والرؤى المتداولة في المعرفة الدينية.

وتميزت المجلة بموضوعية التعامل مع الباحثين؛ إذ لم تتحيز لفئة دون أخرى، ولم تروج لمقولات مفكر دون غيره، وعادة ما تنشر الرأي والرأي النقيض، في القضية الواحدة، في إطار الاستيعاب النقدي للمعرفة الدينية وللتراث. وكان مساهمة، بذلك، في مساعدة القارئ على بناء عقلية نقدية وتركيبية، تنحاز لمطلب المعرفة على مطلب الأيديولوجيا. فالمجلة تعمق الفهم النقدي التركيبي للموروث الديني، وتدعو إلى التحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، باعتباره كما من النصوص يلزم حفظها واجترارها خارج عمليات التحليل والتدبر والنقد والتركيب. كما رسخت المجلة أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة في دراسة المعرفة الدينية، خاصة فلسفة العلم (الإبستمولوجيا)، وعلم النفس (السيكولوجيا)، وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، والقانون، والعلوم السياسية، واللسانيات، والتأويليات (الهيرمينوطيقا)؛ استثمار أدواتها التحليلية والتفسيرية والإجرائية في قراءة النص الديني، ودراسة أنماط التجارب الدينية، والخبرات السلوكية المؤسسة على الإيمان الديني.

3- أطروحة عبد الجبار الرفاعي الفكرية:

إن المتأمل في المنجز الفكري الواسع للدكتور عبد الجبار الرفاعي، يمكن أن يلخصه في فكرتين أساسيتين ومنطلق منهجي، مما كان له الأثر الواسع على البحث الديني الحديث، ليس في المغرب وحسب، بل في العالم الإسلامي برمته؛ والفكرتان هما: إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وتحديث التفكير الديني، والمنطلق المنهجي هو: المنطلق الذاتي للتحديث.

ويتجلى مطلب إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، عند عبد الجبار الرفاعي، في سعيه إلى تحرير الدين مما يسميه بـ “الفهم المتوحش”؛ فهم يحول الدين إلى منبع للعدوان والتعصب والكراهية. ويكون التحرير والإنقاذ بكشف النزعة الإنسانية العميقة في الدين والمتمثلة في الجوانب التنزيهية السامية، والتي تصطفي الإنسان، وترفع مكانته ،وتلح على تكريمه، حيا وميتا، وأن حياته هي مناط الاستخلاف والتكليف، وموطن المسؤولية والأمانة التي يحملها.

ويقتضي إبراز النزعة الإنسانية في الدين، بنظر عبد الجبار الرفاعي، تخليصه من التوظيفات البغيضة التي زجت به في حروب دموية “مقدسة”، واستعماله للتحريض على الموت، وتعبئة الأتباع وإلقائهم في معارك تنتهك كافة المحرمات. كما تقتضي هذه الوظيفة الإنقاذية تجاوز الأطروحات التحديثية المقلدة، خصوصا في العالم العربي، والتي تربط النزعة الإنسانية بسياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غربية، تشكلت في القرن الثامن عشر في أوربا بعد القطيعة مع اللاهوت الديني الوسيطي؛ أي أن النزعة الإنسانية، وفق هذه المقاربة المحدودة، لا يمكن أن تتمحور حول “الاله”، وإنما حول “الإنسان”، وهو ما لم يحصل في الماضي ويحصل اليوم ! لكن القراءة النقدية للتاريخ، والقراءة التحليلية للنصوص الدينية،والتقويم النقدي للموروث الديني الإسلامي، هذا العمل الذي أنجزه عبد الجبار الرفاعي وينجزه، هو الذي يمكننا، بنظره ، من النفاذ إلى البؤر المضيئة في النصوص، والتراث المتنوع الذي يحمله؛ من منطلقات أساسية، وأهداف عامة، ومقاصد كلية، بعيدا عن الإسقاطات الأيديولوجية الإقصائية والمعتقدات القمعية. عندها نستطيع، بنظر الرفاعي، التخلص من نزعات الهيمنة بالدين، وإخضاع الناس، ومراقبة الضمائر، وتفتيش العقائد.

إن إحياء النزعة الإنسانية في الدين، من منظور الرفاعي، يقوض الطاغوت، ويفضح المشروعيات الزائفة القائمة على تأويل متوحش للدين. والنزعة الإنسانية لا تنتعش إلا في أجواء الحرية والديمقراطية، وسيادة قيم التعدد والاختلاف المؤسسة للمجتمع المتمدن.

ولا يخفي عبد الجبار الرفاعي أن مجهود إحياء النزعة الإنسانية في الدين سيتعرض  لمقاومة اللاهوت الكلاسيكي القائم على التفسيرات المتعسفة والقمعية للنصوص، وعلى الصورة النمطية “للإله” المستلب لحالات ذهنية ومصالح اجتماعية للاهوتيين أو السياسيين.فالنزعة الإنسانية في الدين تستلهم الصفات الجمالية للاله وأسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، البارئ، المصور، الوهاب، الرزاق، البصير، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم… وهذا الاستحضارالإنساني والجمالي للإله، يعاكس المقاربات السلفية التي تتكتم عن المعاني الإنسانية في الدين، لتنحت دينا خاصا بها، وتشكله في إطار وعيها وخلفياتها وتحيزاتها وافتراضاتها الذهنية؛ دين غريب عن الدين المؤسس؛ أو قل بتعبيرعلي شريعتي: “دين ضد الدين”، أو بتعبير الصادق النيهوم: “إسلام ضد الإسلام”  ! دين مشبع بالإكراه والقيود والإصر والأغلال؛ أي مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة التي تستنزف الطاقة الحيوية والإبداعية والإنسانية لرسالة الدين، وتحوله إلى ركام من الأعباء ينوء الناس بحملها؛ دين مملوء بقيم بدوية رديئة.

إن إنقاذ النزعة الإنسانية للدين، من منظور الأطروحة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي، تعني استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين، وإحياء التجارب الإيمانية المتنوعة، للعيش في عالم ممتلئ بالمعنى، يتخلق فيه الإنسان بأخلاق الله، وفي مقدمتها حب الآخرين، وتمني الخير لهم. فالحب هو منبع إلهام الحياة الروحية، ومصدر الانجذاب إلى الله تعالى. والحب رحمة، وهو الابتعاد عن مظاهر الكراهية والإكراه.

أما فكرة تحديث التفكير الديني، في المشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي، فيمكن تلمس معالمه في المقدمات التي يضعها الرفاعي بين يدي الملفات المتخصصة للمحلة؛ وكذا في الدراسات التي ينشرها في أكثر من منبر؛ فقد تعرضت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” بالنقد والدراسة والتحليل للمؤسسات الدينية، باعتبارها نمطا من التمثلات الاجتماعية للدين، وبحكم تأطيرها داخل سوسيولوجيا الجماعة ومطامعها وأغراضها وانتظاراتها ونماذجها المعرفية. فالمؤسسة، سواء كانت دينية أو سياسية، هي تعبير عن المصالح، الظاهرة والخفية، في المجتمع. لذلك تتم دراسة الظاهرة الدينية كظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة عابرة للمجتمع والتاريخ، كما تريد أن تقنعنا به التيارات الدوغمائية والمثالية. ولكن، رغم ذلك، فالمؤسسة الدينية، وهي منطلق التحديث الديني بنظر الرفاعي، تتمتع بسلطة معنوية ورمزية رهيبة؛ إذ تخضع، بشكل طوعي، أتباعها، وتوفر  لذاتها من خلالهم إمكانيات ضخمة مادية ومعنوية. لذا فإن التحديث الديني لابد أن يمس المؤسسة الدينية لدورها الخطير في المجتمعات التقليدية. وتحديث هذه المؤسسة، بنظر الرفاعي، له ارتباط جدلي وثيق بتحديث المجتمع الذي يحضنها وتنمو فيه وتتحرك وتؤثر. وعليه، لابد من إقناع المؤسسة الدينية بضرورة التحديث، من منطلق أن المعرفة الدينية جزء من المعرفة البشرية المتداخلة والمتشابكة، من منظور فلسفة العلم، مما يقتضي استجابة المعرفة الدينية في بناها التحتية العميقة للتحولات التي تعرفها المعرفة البشرية، وإلا ستبقى خارج التاريخ وخارج التطور وخارج الأجندة الإنسانية المعاصرة.

ويحدد الرفاعي منطلقا منهجيا أساسيا لإنجاز هذه المهمات التجديدية في المعرفة الدينية، وهو ما يسميه ب “المنطق الذاتي للتحديث”؛ أي المراهنة على التحديث من داخل الفضاء الديني، وتجاوز المنطق الخارجي في التحديث الذي رفع لواءه رفاعة رافع الطهطاوي، والذي وصل إلى الباب المسدود، وعمق التقاطب الجذري بين الإسلاميين والعلمانيين؛ كتجل سياسي اليوم لفشل مشروع التحديث الديني من الخارج.

إن تحديث التفكير الديني من خارج المؤسسة الدينية، ومن خارج الفضاء الديني، بنظر عبد الجبار الرفاعي، عملية محدودة وفاشلة، في غياب الاستيعاب الداخلي للمنطق الديني، واستئناف وتركيب المعارف الإسلامية. ولهذا السبب يكون تجديد الفقهاء وعلماء الدين، على الرغم من محدوديته من حيث السعة العقلية والفكرية، أكثر أثرا ممن يحملون لواء التحديث من خارج الفضاء الديني. ولنا عبرة في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر. فتحديث المسجد لا ينبثق إلا من داخل المسجد، عندها يتوفر التحديث على المشروعية، كما يتوفر له حامل اجتماعي، الشيء الذي تفتقده الدعوات التحديثية من خارج الفضاء الديني، فتبقى معزولة بدون أثر، لأنها تقدم نماذج تحديثية هجينة ومغتربة بل وممسوخة، غير قادرة على التأثير على الحركات الاجتماعية والسياسية، عكس عمليات التحديث الذاتي بمنطق داخلي، مدعمة بمشروعية ذات عمق سوسيولوجي وأنثروبولوجي، وليس عمقا ميتافيزيقيا أو فقهيا وحسب. ويعمق من هذه المفارقة ركوب النماذج التحديثية من خارج الفضاء الديني على مقاربات ضحلة للدين والمقدس بعامة، تفتقد إلى التعمق في الدين ودراسة التراث الديني، والمعرفة الدقيقة بمسالكه ودروبه، فتقتصر تلك المقاربات التحديثية من خارج، على الشعارات، وسرعان ما تتحول إلى مدونات في السباب والتهجم على الدين وعلى المتدينين بعناوين هجائية صاخبة وعصابية، ومقولات جارحة للضمير الديني للناس؛ هجاء لمقدساته ورموزه بعبارات قاسية وصادمة، مما يولد ردود فعل عنيفة من الناس، الذين تنتابهم حالة نفسية دفاعية وطبيعية بسبب خشيتهم على مقدساتهم ورموزهم الدينية، وهي عندهم ممتلكات رمزية وروحية ثمينة، مما يزيد يكرس حالة من التدين ذي البعد الواحد، والذي تنادي به الجماعات السلفية فتهدر، بذلك، مضامين الدين الروحانية والمعنوية والإنسانية.

إن عبد الجبار الرفاعي،المفكر العراقي الرحالة، لم يكن مدير مجلة وحسب، كما أن المجلة لم تكن منبرا إعلاميا وحسب، بل أبدع مجلة  هي في حد ذاتها ظاهرة ثقافية معاصرة، حاملة لروح التجديد الديني بمنطق ذاتي، وكان بمثابة منسق لخطوط فكرية تبدو متباعدة، لكنه استطاع تقريبها وخلق التكامل بينها بحكم خبرته الفكرية الواسعة، من أجل تجديد ديني ذاتي ينزع نزوعا إنسانيا خارج المذهب وخارج الطائفة. لذا لن يستغرب قارئ المجلة وجود عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان ومجتهد شبستري إلى جانب محمد أركون ومحمد سبيلا وعبد المجيد الشرفي، إلى جانب طه عبد الرحمن وأبي القاسم حاج محمد وطه جابر العلواني، وكوكبة من المفكرين والباحثين الشباب المسكونين بهم الإبداع والنقد والتجديد، مما كان له الأثر على الحاسة النقدية والتحليلية للشباب الديني في المغرب. فشكرا عبد الجبار الرفاعي وشكرا مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”

[1] د. محمد همام أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة ابن زهر بأكادير في المغرب.

 

رابط النشر: