Category: نقد ثقافي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

“أدلجة التراث” ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي

“أدلجة التراث” ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي لم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار

د. هاشم صالح

اطَّلعتُ باستمتاع كبير على كتاب المفكر العراقي المعروف الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث»، وفيه يتحدث عن جملة من مشاهير الفكر العربي والإيراني، من أمثال: علي الوردي، وحسن حنفي، وداريوش شايغان، ومحمد عمارة، وجودت سعيد… إلخ. منذ البداية يعيب علينا المؤلف انشغال الفكر العربي كلياً بالفكر الغربي، وإهماله الفكر الشرقي في الهند واليابان والصين؛ بل وإهماله حتى الفكر الإيراني المعاصر والمجاور، ما عدا في الأربعين سنة الأخيرة. ولذلك يحاول سد النقص، والتحدث عن جملة من المفكرين العرب والإيرانيين على حد سواء.

ولكن الملاحظ هو أن حتى المثقفين الإيرانيين مهووسون بالفكر الغربي الأوروبي الأميركي، تماماً كما المثقفين العرب. والسبب هو أن الغرب سيطر على العالم طيلة القرون الأربعة الأخيرة، وبالتالي فجميع مثقفي الأمم الأخرى أصبحوا مضطرين للتموضع قياساً إلى الفكر الغربي غصباً عنهم. وهذا الكلام لا ينطبق على المثقفين العرب والإيرانيين فقط، وإنما ينطبق على جميع مثقفي العالم، من أتراك وروس وصينيين ويابانيين… إلخ. وذلك لأن الحداثة الغربية أصبحت ظاهرة كونية، وتشكل مرجعية كبرى لجميع مثقفي العالم. فمن لا يعرف ديكارت أو كانط أو هيغل أو نيتشه أو ماركس أو فرويد أو هيدغر، أو حتى هابرماس المعاصر لا يعد مثقفاً. هذه حقيقة ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار، إذا ما أردنا أن نفهم ما يجري حالياً؛ بل وحتى منذ مائتي سنة. وسوف يظل الأمر كذلك حتى يظهر فلاسفة كبار لدى الأمم الأخرى، في حجم من ذكرناهم من فلاسفة الغرب.

حسن حنفي

هل يوجد فيلسوف عربي أو إيراني أو تركي، أو حتى روسي أو صيني، في حجم ديكارت أو كانط أو هيغل… إلخ؟ هل يوجد هيغل تركي؟ أقصد مفكراً تركياً في حجم هيغل الألماني؟ هل يوجد كانط إيراني أو ديكارت عربي؟

على أي حال، الفصل الذي لفت اهتمامي في كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ذلك المخصص للدكتور حسن حنفي، وكذلك الفصل المخصص للدكتور محمد عمارة. فلنحاول أن ندخل في التفاصيل قليلاً هنا. الشيء الغريب العجيب في الدكتور حسن حنفي هو أنه كتب عدة مقالات جريئة جداً في نقد الأصولية الظلامية، بعد مقتل الرئيس أنور السادات. ولكنه في الوقت ذاته كثيراً ما أثنى على جماعة «الإخوان المسلمين»؛ بل وحتى على مفكرهم الراديكالي سيد قطب الذي يصفه بالإمام الشهيد! فكيف يستقيم ذلك؟ كيف يعقل هذا التناقض؟ من أخطر الأشياء لدى حسن حنفي هو الجمع بين المتناقضات؛ أي بين الشيء وعكسه، دون أن يشعر بأي مشكلة. وهذا ما عابه عليه أيضاً، وبقسوة، جورج طرابيشي.

يلخص الدكتور عبد الجبار الرفاعي رأيه في حسن حنفي قائلاً: «لا يكترث حنفي كثيراً بالوظيفة المحورية للدين في إثراء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريس صلة الإنسان الوجودية بالله. ولكنه يشدد باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى آيديولوجيا».

ثم يضيف قائلاً هذا الكلام المهم: «من يقرأ حسن حنفي يندهش من الحضور الطاغي لتأويله الآيديولوجي للدين، وإفراطه في تطبيق آيات القرآن الكريم والنصوص الدينية والتراث بمنطق آيديولوجي على الواقع».

ولكن كل حركات الإسلام السياسي -أو المسيس- قامت بأدلجة الدين والتراث. وهذا ما عابه الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان على الثورة الإيرانية. وبالتالي فليس غريباً أن يسقط حسن حنفي في الخطأ ذاته. نقول ذلك، وبخاصة أنه كان من جماعة «الإخوان المسلمين» في بداياته. وبالتالي فأدلجة التراث ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار.

إنهم لا يقرأون التراث لكي يفهموه ضمن ظروفه وحيثياته ومشروطياته القديمة، كما يفعل محمد أركون مثلاً، وإنما يقرأونه لكي يسقطوا عليه هموم الحاضر وقضاياه، أو لكي يسقطوه عليها. إنهم يستغلونه آيديولوجياً لكي يخلعوا المشروعية الدينية القداسية على أحزابهم السياسية، ولكي ينسفوا مشروعية الأنظمة القائمة باعتبارها خارجة على الدين والشريعة في رأيهم. وبما أن جماهير الشعب متدينة جداً، وبما أنهم يعرفون ذلك، فإنهم برعوا في أدلجة الدين واستخدامه كسلاح فعال وفتاك لتحقيق مآربهم.

وهنا نلاحظ الشيء الغريب التالي، وهو أن حسن حنفي الذي قدَّم نفسه كمثقف حداثي تنويري، هو في الواقع من أشد المدافعين عن «الإخوان المسلمين». ولكن لا ينبغي أن نظلمه أكثر من اللزوم. فهو يبقى حداثياً وتنويرياً، والدليل على ذلك أنه يعترف صراحة أو ضمناً بأن رؤية «الإخوان» للعالم مغلقة أو منغلقة، ويعيب عليهم النزعة الحادة المتطرفة في تفكيرهم. ويستنكر تصنيفهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى إسلام وجاهلية. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى لسيد قطب.

ولكن حسن حنفي – كما يقول عبد الجبار الرفاعي – سرعان ما يعود في كتابات عديدة إلى تبجيلهم، ويفتعل دوراً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً استثنائياً اضطلعوا به في مصر. فكيف يمكن أن نفسر كل هذه التناقضات؟ هل يريد الرجل أن يجمع بين الماء والنار في يد واحدة؟ هل يريد أن يرضي جميع الناس؟ أم هل يريد أن يثبت أنه حداثي وتراثي في الوقت ذاته؟ ربما كان هذا الحل الأخير هو الأمثل لتفسير شخصية حسن حنفي. فهو لا يستطيع أن يقدم نفسه كمثقف حداثي تنويري تخرَّج في «السوربون» إذا ما اكتفى بكونه من مداح «الإخوان المسلمين»، ولا يستطيع أن يرضي الشارع العربي الأصولي إلا إذا أثبت أنه «إخوان مسلمين»! هنا تكمن مشكلة حسن حنفي. ولذلك فإنه راح يلعب على الحبال. وفي نهاية المطاف خسر الدنيا والآخرة. فلا مثقفو الحداثة يعدونه جزءاً أصيلاً منهم، ولا مثقفو القدامة يعدونه متديناً فعلاً.

كان ينبغي على حسن حنفي أن يحسم أمره: إما من معسكر التنوير والتقدم، وإما من معسكر الرجعية والتأخر. ولكنه أراد أن يلعب على كل الحبال، ويربح على كل الجهات. ولكن هذه ليست مشكلته وحده، وإنما مشكلة كثير من المثقفين العرب، بمن فيهم المقيمون في عواصم الغرب الكبرى، كباريس ولندن وبروكسل وواشنطن… إلخ. هم أيضاً يخجلون من كونهم متعاطفين في أعماقهم مع التنظيمات الإخوانية الأصولية، ولذلك يحرصون كل الحرص على أن يظهروا بمظهر المثقفين الحداثيين العصريين.

الشيء ذاته يمكن أن يقال عن محمد عمارة، الذي خصص له عبد الجبار الرفاعي فصلاً كاملاً بعنوان موفق يلخص مسيرته كلها: «محمد عمارة من الماركسية إلى السلفية». منذ بداية الفصل يقول المؤلف هذا الكلام البليغ: «لأننا محكومون بالتراث وقيمه وأحكامه، ترسخت لدينا تقاليد الاحتفاء المبالغ به بالأموات، والإفراط في الثناء على آثارهم، والإعلاء من قيمة منجزهم، وتجاهل ما أنتجته هذه الآثار من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة في حياتهم وبعد وفاتهم».

التعلق الأعمى بالأسلاف تخلَّى عنه اليابانيون كلياً… ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية وانتصر تنويرهم

هذا المقطع النقدي العميق مهم جداً؛ لأنه يحذِّرنا من الانبطاح أمام القدماء. فهم ليسوا معصومين لمجرد أنهم من الأسلاف والآباء والأجداد. ينبغي أن ننظر إليهم نظرة تاريخية. ينبغي أن نموضعهم ضمن مشروطيات عصرهم القديم الذي لم تعد له علاقة بعصرنا. فمعارفهم وحاجياتهم لم تعد لها علاقة بمعارفنا وحاجياتنا.

هذا التعلق الأعمى بالأسلاف تخلى عنه اليابانيون كلياً، ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية، وانتصر تنويرهم، كما ذكرنا في مقال سابق.

أخيراً، يقول عبد الجبار الرفاعي عن محمد عمارة هذا الكلام الصائب والدقيق: «لم ينتبه من كتبوا عن محمد عمارة لتحولاته ورحلته الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاته الاعتقادية المتعددة، وكيف أضحت آثاره المتأخرة تنقض كتاباته المبكرة. نقرأ كتابات تصنفه على أنه مفكر تنويري وعقلاني ومجدد، وأحد رواد النهضة، وغير ذلك من توصيفات لا ينطبق أي توصيف منها على محطته الاعتقادية الأخيرة».

لا تعليق. الكلام واضح جداً. فقط نطرح هذا السؤال، وبه نختتم: كيف يمكن لمفكر يحترم نفسه أن يلتحق بالحركات الإخوانية الظلامية ويدافع عنها بشراسة، بعد أن كان قد أمضى جُل عمره الأول في الدفاع عن قيم العقلانية والتقدم والحداثة؟

 

https://al-aalem.com/%D8%A3%D8%AF%D9%84%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%B6%D8%AE%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%85%D9%84-%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9-%D8%A3%D9%86/

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً «تراث» المثقفين النقديين

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً تراث المثقفين النقديين

تغريد عبد العال

غابت الثقافة العربية عن جذورها طويلاً، ويبدو أن تواصلها مع الفكر الغربي قد جعل روابطها تضعف تدريجياً بالتراث العربي، ولأن مفهوم الحداثة مولع بأسئلة الغرب ومقولاته، فنادراً ما يشق الفكر العربي درب الفلسفات العربية والشرقية، في الهند واليابان والصين، ولا سيما الفكر الإيراني. وهذا يحيلنا إلى قضية أساسية يبحر فيها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، في كتابه «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» (منشورات تكوين) هي موضوع العلاقة بين الدين والثقافة عبر تناوله مفكرين نقديين وفقاً لما أسماهم. لم يقطع هؤلاء المثقفون النقديون تلك العلاقة بالدين، بل كانوا نقديين تجاهه ومتمسكين بجذورهم وأصالتهم كالعراقي علي الوردي (1913- 1995). تعرّض فكر الأخير لنوع من الجفاء، ولم تهتم به البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم تتبنَ دور النشر في بيروت إصدار أعماله. كما ذهب الكاتب في عرض رؤية المصري حسن حنفي (1935 – 2021) وفكره، الذي أعاد إنتاج التراث بلغته الخاصة التي تبدأ بالتراث وتنتهي به. واتسع الكتاب لثلاثة مفكرين إيرانيين لم تُدرس تجربتهم وفكرهم كثيراً هم داريوس شايغان الذي تميزت رحلته الفكرية بإعادة النظر في مسلماته وقناعاته وأحلامه، وأحمد فرديد الذي لم ينشر شيئاً في حياته رغم أنه شغل النخبة الإيرانية في زمانه. وفي الفصل الأخير، ناقش الكاتب ظاهرة ثقافية ليست غريبة في الفكر العربي، هي الانتقال من الماركسية إلى السلفية.

يذهب الكاتب عميقاً في سبر الثقافة العربية ونقدها عبر عرضه ومناقشته لفكر هؤلاء المفكرين العرب والإيرانيين. يناقش فكر علي الوردي، الذي يسمّيه المثقف الديني النقدي الأول في العراق الذي خرج من سجون الأيديولوجيات السياسية عبر قراءته للنصوص الدينية، لأنّ البحث في الدين كان مغيباً في الثقافة العراقية، وانحصر فقط في المؤسسات الدينية. وينوه الكاتب بأنّ مفهوم «المثقف» غامض ومشوّش في العراق، فيسارع كثيرون إلى نفي صفة التدين عن المثقف، وهناك عوامل كثيرة لذلك أولها مركزية الشعر في الثقافة العراقية، وارتباط صفة المثقف بالشاعر. والعامل الثاني هو حضور اليسار الأممي والقومي، الذي اتخذ موقفاً من الدين، معلناً القطيعة بين الجامعات والمؤسسات الدينية، ومحذّراً هذه المؤسسات من الانفتاح على الثقافة، والآداب والفنون.

ولأن المثقف العضوي ــ بحسب الكاتب ــ تناغم مع الأيديولوجيات النضالية، خصوصاً اليسارية، أصبح مشغولاً بتغيير العالم من حوله، وهذا المثقف مسكون بالأيديولوجيا أكثر، من دون أن يأخذ في الحسبان أنّ كل رؤية مختلفة للعالم هي فكرة ينبغي له أن يحترمها ولذلك يقوم بمهمة المفتش. وربما لم يركّز الكاتب هنا على قلة من «المثقفين العضويين» الذين آمنوا بالتغيير، وفي الوقت نفسه لم يأسرهم الجمود العقائدي، لذلك انتقدوا الغرب ولم ينظّروا كثيراً لأيديولوجياتهم بقدر ما اهتموا بكل التراث الفكري، أمثال إدوارد سعيد، الذي كان ناقداً للفكر الغربي الاستشراقي وللإمبريالية الفكرية والثقافية. وقد انتقد أيضاً نظرة الغرب للإسلام. ولكن ربما هنا يعطي الكاتب أولوية للمثقف الذي نهل من التراث وفي الوقت نفسه غيّب كثيراً إلى درجة أننا نجهل أعماله البحثية والفكرية، خصوصاً أنّه ركّز أيضاً على شجاعة علي الوردي بالاعتراف بأخطائه، ومراجعته المستمرة لأفكاره، إذ قال: “ما كتبته بالأمس لا يصلح اليوم، كما أن ما أكتبه اليوم قد لا يصلح غداً”.

أما المفكر الثاني الذي تأمّل الكاتب في فكره، فهو المصري حسن حنفي، الذي انتقد الأصولية. كما أن تأويلاته للتراث نهلت من منابع متنوعة، وتخلو كتاباته من التحريض ضد المذاهب. وهو الشغوف بالتراث والتجديد، وكان يتمنى أن ينجز كتاباً عن الثوار في كتابات أميركا اللاتينية، كما أخبر الكاتب حين التقاه. لكن المختلف هنا عن علي الوردي، أن حسن حنفي مثقف رسولي وثائر أيضاً، فقد كان يعتبر نفسه فقيهاً ولكنه في الوقت نفسه، كان يحلم بتغيير العالم بأفكاره. وحين تحدث حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه، قال: «كانت صورتي في الإخوان أنّي شيوعي وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني». لقد كان حنفي مسكوناً بيوتوبيا اليسار الإسلامي حيث يلتقي الإسلام بالشيوعية وفقاً لرؤيته، ومن هنا تكمن ثوريته. فهو يصرّ بتساؤل إنكاري: وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ ويسأل: هل ينفع تدريس العلم من دون أيديولوجيا؟ وما العيب في أن تؤدي الأيديولوجيا إلى العمل السياسي؟ وما العيب أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدل أن يحفظ كتاباً مقرراً؟ وكان حنفي أيضاً من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان المسلمين، فوصف ما تعرضت له الجماعة من اضطهاد، وبرّر نشوء فكر إسلامي معاد للواقع. هكذا، تضمّن تحليله لفكر الإخوان اعترافاً برؤيتهم المغلقة للعالم. ويتحدث أيضاً عن علاقته بسيد قطب الذي تعرّف إليه حين دخل حركة الإخوان المسلمين عام 1951. وسيد قطب أيضاً ـــ في رأي حنفي ـــ هو الذي بدأ ما يسمّى باليسار الإسلامي، فوضع حنفي مشروعه في سياق مشروع قطب، ودافع عن فكره وبرر أخطاءه بإحالتها إلى موضوع السجن والاضطهاد. لكن حنفي يمتلك ــ بحسب الكاتب ـــ مهارة التوظيف البراغماتي للتراث، فقد حاول أن يركب التراث على الواقع والواقع على التراث. وقد تأثر حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي ولد سنة 1929 وقتل مناضلاً سنة 1966. ورؤية توريس الثورية هو لاهوت التحرير الذي هو أيديولوجيا تختلط فيها المسيحية والماركسية، وهكذا كان القرآن بالنسبة إلى حنفي مانيفستو للثورة والتحرير.

وعن المفكر الإيراني داريوش شايغان ( 1935 ـــــ 2018)، يأخذنا الكاتب في رحلة لمعرفة سيرته وميزات فكره. التحق بجامعة «السوربون» ودرس التصوف والديانة الهندوسية، وأصبح أستاذاً مساعداً للأساطير. لعل ما تميز به هذا المفكر هو دراسته للتيارات الفكرية الغربية في موازاة دراسات الأديان والثقافات الآسيوية. عمل شايغان على تطوير ثقافته وتحديث أفكاره، ولم يخجل من المراجعة النقدية، وقد لاحظ أيضاً أن معظم المفكرين الإيرانيين هم شعراء، كجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي. واعتقد شايغان أن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن نظيره الغربي. وتنوعت إحالاته المرجعية، وأمسى قادراً على استبصار تشوهات المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء.

وكذلك كان المفكر الإيراني حسين نصر (1933) الذي نهل من شعراء الفارسية، كحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي، وندد بالحداثة الغربية، مشدّداً على أنّ الشرق هو رمز النور والعقل والروحانية. أما المفكر الإيراني أحمد فرديد (1909 ــ 1994)، فقد أعجب بغوستاف لوبون، وانخرط في محفل المثقفين الذين تمحوروا حول القاص الشهير صادق هدايت الذي كان صديقاً له. درس فرديد في «السوربون»، وعاد إلى طهران، ليدرس في جامعتها تاريخ الفلسفة وامتدت مطامحه للحياة السياسية، فاقترب من حزب السلطة وأعلن تأييده للثورة الإسلامية بعد انتصارها. كان هاجس أحمد فرديد هو الهوية والعودة إلى الذات الإيرانية. بعد انتصار الثورة الإيرانية، حرص على ابتكار تفسير ثوري إسلامي لهايدغر، فوجد أن لا تناقض مع تفكير هايدغر والثورة الإسلامية. ويرى فرديد أن الغرب وباء أصاب اليونان القديمة ومصطلح «الإصابة بالغرب» هو وصف لهذا الوباء المتفشي في الشرق المسكون بعقائد الغرب. وعن ظاهرة التحول من الماركسية إلى السلفية، يشير الكاتب إلى فكر المصري محمد عمارة (1931 ــ 2020)، الذي كان ماركسياً ومكث طويلاً في الماركسية ودخل السجن في أيام جمال عبد الناصر. وبعد صعود موجة الصحوة الإسلامية، انتقل إلى السلفية، وتخلى عن وظيفته كأستاذ جامعي، لأنه أراد التفرغ لمهمته الفكرية، فصار يفكر بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث. ومع أنه باحث متمرس في التراث، ويكتب بأسلوب ذكي، إلا أن الدين جاء ليحمي الإنسان من الكراهية والعنف والسلفية وفقاً لما يقوله المؤلّف. وهكذا كان جودت سعيد الذي دعا إلى اللاعنف، لكن الكاتب انتقد أيضاً كتاباته التي تفتقر إلى «تفكير متأمل صبور يستخلص رؤية نظرية من النصوص الدينية». أما مالك بن نبي (1905 ـــ 1973)، فكتاباته تنبض بالغيرة على وطنه الجزائر، وتحريره من الاستعمار الفرنسي، والدفاع عن هويته من الاستلاب وحماية دينه وثقافته الإسلامية ويرى القارئ الفطن جروح الاستعمار الفرنسي نازفة في كتاباته التي تمثل الخلفية الفكرية للمقاومة الجزائرية في حرب التحرير. قدّم بن نبي تفسيراً للتخلف والانحطاط في عالم الإسلام في سلسلة «مشكلات الحضارة»، فصاغ معادلة الحضارة من مراحل هي الروح والعقل والغريزة. وكان دقيقاً في توصيف «القابلية للاستعمار»، حيث تكمن مشكلة الإنسان المستعمر.

ولعلّ الأجمل أنّ الكتاب ينتهي بمالك بن نبي الذي ركز على الهوية والمقاومة كأنها دعوة للتفكير في ثورية الإسلام. وهنا نلاحظ أن الواقع وما نعيشه يجعلنا نعيد النظر في فكر الإسلام التحرري المناهض للاستعمار والاحتلال والمقاوم الذي وضع فكره وأيديولوجيته في سبيل مواجهة ذلك الاستعمار. يشكل الكتاب دعوة لإعادة النظر في التراث والفكر الشرقي وعدم الوقوع في فخ الاستلاب الغربي.

 

تغريد عبد العال، كاتبة وشاعرة فلسطينية مقيمة في لبنان  

 

https://al-akhbar.com/Kalimat/382031

 

 

المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

د. عبد الجبار الرفاعي

يخلق المخيالُ الجمعي صورةً جذّابة فاتنة غير واقعية لماضي الجماعات. يرسم على الدوام صورةً رومانسية بهيجة للماضي، تحذف كلَّ ما من شأنه أن يحزن الإنسانَ ويثير اشمئزازَه. يضيء المخيالُ الجمعي البؤرَ المضيئة مهما كانت خافتةً فيجعلها أشدَّ لمعانًا، ‏بل يعمل على افتعال صور متخيَّلة فاتنة لم يعرفها ماضي الجماعات أبدًا.

كلُّ مجتمع يصنع مُتخيَّله على شاكلة معتقداته وسردياته ورؤيته للعالَم وتأويله لتاريخه، ليعود المتخيَّلُ فيعيد بناءَ رؤية ذلك المجتمع للعالَم في سياق رغباته وطموحاته وأحلامه وأوهامه عن ذاته والآخر والواقع. أنتج المتخيَّلُ الجمعي للمجتمعات عبر التاريخ قصصَ الهلاك الشامل، تعبيرًا عن رغبات ورُهاب بشري مكبوت، وما يشي بفناء عالم أكلته الشرورُ والحروبُ والطغيانُ والقبح، وشغفٌ لا يكفّ عن أشواق العودة إلى بدايات الخلق الصافية النقية، إذ صارت صورةُ ذلك العالم على وفق المتخيَّل كلُّها خيرٌ وعدلٌ وجمالٌ وسلام.كما يشرح ذلك عالمُ الأساطير ميرسيا إلياد.

خيال الجماعة يتشكّل ويتغذّى بأدواتِه وروافدِه المُلهِمة، وأكثرها لا يخضع للعقل النقدي، وهي بارعة بشحذِ المشاعر وتأجيجِ العواطف وإثارةِ الغرائز. ليس هناك وسيلةٌ لترسيخ المعتقدات أيسر وأسرع وأشدّ تأثيرًا من إثراءِ المتخيَّل وتنميتِه والضخّ فيه باستمرار، وتلك وسيلةُ الأديان والأيديولوجيات، وإن كانت تختلف باختلاف منظورات الأديان وثقافات المجتمعات، ووسائلها وقدرتها على التعبئة والتحشيد.

عندما تتمرد المخيّلةُ على العقل النقدي تتضخم وتعطل الوعي، تنشط الذاكرةُ الجمعية بديناميكية خارج إطار الوعي والتفكير النقدي، فتبرع بتوظيف ما يطال الجماعات من الإقصاء والتهجير والتشريد والمطاردة وانتهاك الكرامة والمجازر الوحشية، وتجعل منها منجمًا يغذّي المخيلةَ الجمعية، ويعطِّل العقلَ من ممارسة التفسير التاريخي للعوامل المتنوعة والظروف ‏السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية للأحداث والوقائع والمعارك والمنعطفات الكبرى المولدة لها، فيجري تزويرٌ مهول للوعي، وتعطيلُ العقل النقدي، والتسلحُ بروحٍ ثأرية انتقامية تتشفى بإهدار كرامة المختلِف في الدين والمعتقَد، وتسفك دماءَ الأبرياء بوحشية مريعة، كما يفعل الصهاينةُ اليوم في غزة.

العقلُ هو المرجعيةُ في إصدار الحكم على أية قضية أساسية في الدين. الأديانُ والمقدّسات تتضخّمُ في المتخيَّل باستمرار، لا يضعُ هذا التضخّمَ في حدوده إلا العقلُ النقدي. يظل العقلُ هو المرجعية الوحيدة في اكتشافِ المتخيَّل وبيانِ حدوده وآثارِه المتنوعة في البناء والهدم. كلُّ حكم يبدأ بالعقل، لا حكمَ بالنفي أو الإثبات يسبقُ العقل.

لكلِّ مجتمع ديانتُه ولغتُه وثقافتُه وتاريخُه وجغرافيتُه، لكن لا ينفرد كلُّ مجتمعٍ بقوانين تطوّره الخاصّة. قوانينُ تطوّر المجتمعات كليةٌ لا يختصُّ بها مجتمعٌ دون سواه. المجتمعاتُ جميعًا تشتركُ في أنها تنمو وتراكم تجاربَها وتتطوّر لو توافرت عواملُ نهوضِها، كما أنها تتخلفُ وتتدهور وتنهار لو لم تتخلّص من عوامل انهيارها. المجتمعاتُ كلُّها تسري عليها قوانينُ البناء والتطور ذاتُها، وتشتركُ في العناصر الأساسيَّة التي يُنتجُ النهوضَ توافرُها والانهيارَ غيابُها. منطقُ التاريخ وقوانينُه شاملة، لكنْ هناك شعورٌ كامن في لاوعي كثيرٍ من الناس في مجتمعنا، بأنه استثناءٌ في حضارتِه وهويتِه ومعتقدِه وثقافتِه وتاريخِه، وكأن تاريخَه لا يخضع لما يخضع له تاريخُ المجتمعات من قوانين، وثقافتُه تتفوقُ على كلّ الثقافات، وتراثُه يختلفُ عن كلّ تراث، وهويتُه تنفرد بخصوصيَّات استثنائية. وظلّ الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذّي الهويةَ باستمرار، حتى تصلّبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيّل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، لأن كلَّ ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدّها به ماضيها. تراثُها منجمٌ زاخرٌ بكلّ ما هو ضروري لكلّ عملية بناء ونهوض، وعلومُها ومعارفُها الموروثةُ تغنيها عن كلّ علم ومعرفة تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، وهي ليست بحاجة إلى استيراد ما أبدعه غيرُها، لأنه منتجٌ لمجتمع أجنبي، ينتهك خصوصيتَها، ويهدّد هويتَها، وتتغرّب به.كانت أكثرُ أدبيَّات الجماعات القومية والأصولية تغذِّي هذا الشعور، وتلحّ على الإعلاءِ من مكانة الماضي، والإيحاءِ بأنَّ بعثَه كما هو يكفل نهوضَ مجتمعنا، ولا حاجةَ للإفادة من علوم ومعارف وثقافات غريبة عنه. وقد بالغتْ هذه الجماعاتُ في التشديد على الخصوصية والاستثناء، حتى انتهى ذلك إلى موقفٍ خائفٍ من كلّ ما ينتمي للآخر ومنجزاته وعلومه ومعارفه وثقافته. تشتدُّ حالةُ اصطفاءِ الهوية ووضعِها فوق التاريخ في مراحلِ الإخفاق الحضاري، وعجزِ المجتمعات عن الإسهام في صناعة العالَم الذي تعيش فيه. لذلك تسعى للاستيلاءِ على المكاسب الكبيرة للآخر، وإيداعِها في مكاسبها الموروثة، من خلال القيام بعمليات تلفيق متنوعة، تتّسع لكلِّ ما هو خلّاق مما ابتكره وصنعه غيرُها. وذلك أبرزُ مأزقٍ اختنقتْ فيه هويتُنا في العصر الحديث.

إن الهويةَ والمُعتقَدَ متفاعلان، لكن تأثيرَ كلٍّ منهما على شاكلته وبطريقته الخاصة. الطريقةُ التي يتلاعب بها المعتقدُ تشاكل شِباكَ المعتقَد وتشعّبه، والطريقةُ التي تتلاعب بها الهويةُ تشاكلُ شباكَ الهوية وتشعّبها.كما يتلاعبُ المعتقَدُ والهويةُ المغلقان بالمعرفة يتلاعبان بالذاكرة أيضًا، إذ تعمل الهويةُ المغلقةُ على إعادة خلقِ ذاكرةٍ موازية لها، تنتقي فيها من كلِّ شيء، في تاريخها وتراثها، ما هو الأجمل والأكمل، ولا تكتفي بذلك، بل تسلب ما يمكنها من الأجمل والأكمل في تاريخ وتراث ما حولها، فتستولي على ما هو مضيءٌ فيه. يجري كلُّ ذلك في ضوء اصطفاء الهوية لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خساراتِ الماضي وإخفاقاتِه من ذاكرة الجماعة، ولا تتوقف عند ذلك، بل تسعى لتشويهِ ماضي جماعاتٍ مجاورةٍ لها، والتكتمِ على مكاسبها ومنجزاتها عبر التاريخ. لكلّ جماعةٍ بشرية شغفٌ بإنتاج هوية خاصة مُصطفاة، على وفق ما ترسمه احتياجاتُها وأحلامُها وآفاقُ انتظارها، وما تتعرّض له من إخفاقات وإكراهات. وكلُّ ذلك يسهم في كيفية بناء معتقدها، ويحدّد ألوانَ رسمها لصورِه المتنوّعة وتعبيراتِه في الزمان والمكان، ثم تُدمَجُ صورُ المعتقَد لتدخل عنصرًا في مكونات هذه الهوية، بجوار العناصر الإثنية والثقافية واللغوية والرمزية وغيرها، بالشكل الذي يجعل المعتقدَ عنصرًا فاعلًا ومنفعلًا داخل الهوية. كذلك تدخل الهويةُ في مكونات المعتقَد، إذ تتغذّى منه الهويةُ ويتغذّى منها، فإن كان المعتقَدُ مغلقًا أدي ذلك إلى انغلاق الهوية، وإن كانت الهويةُ مغلقةً أدي ذلك إلى انغلاق المعتقَد. ويتشكّل مفهومُ الحقيقة على وفقهما. المعتقدُ والهويةُ ينشدان إنتاجَ الحقيقة على وفق رهاناتهما ومطامحهما ومعاييرهما، سواء أكانت تلك الحقيقةُ دينيةً أو غيرَ دينية. الهويةُ في حالة صيرورة، وكلُّ صيرورة هي تحوّل متواصل. الهويةُ علائقيةٌ بطبيعتها، تتحقّق تبعًا لأنماط صلاتها بالواقع، ويُعاد تشكُّلُها في فضاء ما يجري على الهويات الموازية لها، وهذا ما يفرض عليها أن تعيدَ تكوينَها في سياق تفاعلِها، انفعالِها، تضادِّها، صراعِها، تسوياتِها، تساكنِها وتضامنِها، مع كلِّ ما يجري على الهويات الأخرى[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 126-131، ط3، 2022، دار الرافدين ببيروت، مركز دراسات فلسف الدين ببغداد.

 

https://alsabaah.iq/91355-.html

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث: من المركزيةِ الغربية إلى مركزيةٍ إنسانيَّة تصبُّ فيها الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث: من المركزيةِ الغربية إلى مركزيةٍ إنسانيَّة تصبُّ فيها الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية

 عبد اللطيف الحاج اقويدر[1]

أعتقدُ أنَّ الدكتور عبد الجبار الرفاعي يريدُ من خلال مؤلَّفه هذا، أن تكون له مساهمةٌ في تطوير الثقافة العربية وفكرها، فكتابُه “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتُّراث” أراده جسراً موصولاً بين فكريْن شرقيين متجانسين تاريخيا وجغرافياً: الفكر العربي، والفكر الإيراني، ولعلَّه بذلك يكون قد ربط ماضي هاتيْن الثقافتيْن بحاضرهما، فقدْ تلاقحا ماضياً، بما حقَّق تألُّق الحضارة العربية الإسلامية. يقوم الكاتب بمدِّ حبل التَّواصل بينهما باعتبارهما ثقافتيْن عريقتيْن غنيتين بمحموليْهما، لاعتقاده أوانَ تلاقيهما، لتتشاركا معاً في مصاحبة المسيرة الإنسانية العالمية إلى مصيرها.

يريدُ كتابَه صرحاً جديداً في هذا البناء الفكري العربي المعاصر، وربَّما يكون هذا العملُ حافزاً، فتتفتَّحُ ثقافاتٌ شرقيةٌ أخرى على الفكر العربي من تركية وماليزية، وإندونيسية وباكستانية وغيرها، كما يتفتَّحُ هو عليهم، لِتتوسَّع بذلك الدَّائرةُ الفكرية الشَّرقِيَّةُ، ونخرُجَ من أسار الإبْهار المُزمن لِـ “المركزية الغربية”، ونعملُ على تأسيس “المركزية الإنسانيَّة “، تصبُّ فيها جميعُ الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية.

استثمر الرفاعي في مصطلح “المثقف الديني النقدي”، بإثارته في مقال له في صحيفة “الصباح” العراقية، ثمَّ دفع به إلى السَّاحة الفكرية قصد إثرائه، وعمل على إبانته، وبيان الغرض منه، وتحديد إطاره (ص32)، وذكر دوره في ولوج المناطق المعتمة، والمسكوت عنها في التراث أو الفكر الديني، متَّخذاً العقل وسيلةً وآلةً، متسلِّحاً بثقافة الموروث وثقافة الحداثة (ص26)، واشترط أن يظهر المثقفُ الديني النقدي بصورة المتكلم الجديد، أو الفقيه المجدِّد، أو المفكِّر، لا متكلم قديم، ولا فقيه أحكام، ولا داعية (ص27)،  كما أكد الكاتب على ضرورة توفر الضمير الأخلاقي اليقظ، والنزعة الإنسانية عنده (ص303)، ثم مضي بعد هذه الاستفاضة، إلى اختيار نماذج يعمل عليها، قد انتقاها من مجاليْ الفكر العربي والإيراني.

أمَّا الفكرُ العربي، فقد اختار منه نماذج مشرقيةٍ ومغربيَّةٍ، وتتمثَّلُ النَماذجُ المشرقيةُ، في شخصية ثقافية عراقية، ومن مصر اختار مفكِّريْن، وآخر سوري، ومثَّل النَّموذجَ المَغاربي مفكِّرٌ جزائري، بينما مثَّل الثقافةَ الإيرانيةَ ثلاثةُ فلاسفة. كل هذه النماذج يربطها إطار زماني واحد، فقد وُجِدُوا جميعا في النصف الأول من القرن العشرين.

اعتبر الكاتبُ الرفاعي “علي الوردي” أولَ مثقف ديني نقدي (ص21)، عرَّف به وبإنجازاته، وظروف عمله، وبأنَّه صَاحِبُ تكوينٍ أكاديمي ممتازٍ بمقاييس عصره (ص28). حرٌّ جريءٌ، له تأثيرٌ واسِعٌ على الأجيال التي نهلتْ منْ صافي معينه، جمع علي الوردي كنزاً هائلا من المعلومات التي تتعلق بالمظاهر الاجتماعية العراقية، والعادات والتقاليد، والسلوك والأخلاق، معتبراً نفسه ابن المجتمع الشعبي البسيط، يعيش وسطهم، يعرفهم عن قربٍ في معايشهم ومهنهم، وطرائق تفكيرهم وأساليب أحاديثهم.

نقل هذا الواقع نقلاً موضوعياً، ونثره تحت مشرحة طاولته دارساً محللاً، نقدَهُ نقد الحصيف، لم ينجرَّ وراء عاطفة، ولا استسلم لميلٍ ذاتي، مفضلا استخدام منهج ابن خلدون، كأفضل منهجِ تشخيصٍ لمجتمعه، وأوجد لذلك مصطلحات العمل، من مثل: صراع البداوة والحضارة، وازدواجية الشخص العراقي، والتناشز الاجتماعي (ص94).

خرج بنتائج محدَّدة دقيقة، تحفَّظَ الرفاعي على بعضها، بل كانَ له التَّحفظ من المنهج الخلدوني نفسِه معلِّلاً ومستشهداً (ص96)، ويقدِّم الكاتب نقد علي الوردي للمنطق الأرسطي الجامد، الذي يفضل عليه المقاربة السوفسطائيَّة (ص108)، القائمة على الشكِّ، وهو ما يريدُ علي الوردي تحقيقُه على السَّاحة الثقافية العراقية، كما أنَّ هذه المقاربة أيضاً تجعلُ من الإنسان معياراً، وهو مبتغى علي الوردي في الإنسان العراقي.

مع كلِّ هذه البضاعة المزجاة، يؤسفُ الكاتبَ أن يجده مفتقراً إلى ثقافة تراثية رصينة، وهذا الفقد هو إحدى هناته، لأنَّه من دونه يتكئ على عصا دون أخرى (ص28).

ثمَّ قارن الرفاعي بين المثقف الديني النقدي، والمثقف العضوي (ص44)، بين علي الوردي، وعلي شريعتي المثقف الآخر، وشرح أوجه المقارنة (ص47)، وامتاز علي الوردي بمراجعة أفكاره وقناعاته (ص52)، والإقرار بأخطائه، وله مواقف صادمة يخالفُ فيها العرفَ، وما جرى عليه الناسُ والمجتمع، من ذلك موقفه من مركزية الشعر، والفصاحة والنحو (ص68)، أقرَّ الكاتبُ الأسلوبَ المبدع الذي سَوَّقَ به علي الوردي كتاباته، وفي طريقة عرضه وتفسيره، وأسلوبه القصصي المشوِّق، وشجاعته النقدية التي مكنته بنشر ما لا يجرؤ على فعله مفكرو الزمن الحاضر.

أمَّا المثقف الديني النقدي الثاني، فهو حسن حنفي، يشيد الرفاعي بثقافته الموسوعية، وتكوينه الأكاديمي الصارم، الذي ناله من جامعة السوربون (ص121)، يشهد بأنَّه مفكر مدهش (ص139)، تجتمع فيه الموهبة الفذَّة، والذِّهنيَّة المراوغة، والإرادة العنيدة (ص186).

وقف حسن حنفي حياته كلَّها على مشروعه الفكري الذي أطلق عليه عنوان “التراث والتجديد” (ص125)، تضمَّن منهجه “اليسار الإسلامي”، استند فيه على التراث يتدارسه بأدوات عقلٍ معاصر تجديدي، عمل فيه على الجمع بين المتناقضات، يبحث عن طريقٍ ثالثٍ، يضع فيه وطنه على أرضية التقدم والازدهار.

صحيحٌ أنَّه خبير بالتُّراث، لكنَّ خبرته وضعها في خدمة منجزه الأيديولوجي، كان انتقائياً، والعمل الانتقائي يلوي عنق النص المستشهَد به، للواقعة المستشهَد لها (ص137). يصنف حسن حنفي نفسه فقيها، يجتهدُ خارج أصول الفقه، متكلماً يخرج عن مقولات الكلام، فيلسوفاً خارج العقل الفلسفي (ص129ـ130).

أمَّا منجزه الثاني، فيتمثل في تأسيس علمٍ جديدٍ أطلق عليه “علم الاستغراب”، يقومُ فيه بدراسة الغربِ بعين الشرق، كما درس الغربُ في “علم الاستشراق” الشرق بعين الغرب، لكن لم يُكتبْ لهذين المشروعيْن النجاح، فقد سقطا، ولم يجدا انتشاراً ولا صدىً إلاَّ قليلاَ.

خلع الرفاعي على حسن حنفي صفة رجل الأضداد، حتى أنَّه جعل العنوان المتصدر لاسمه هو: “الأضداد في كأس واحد” (ص119)، كان حسن حنفي مفكراً إسلامياً منغلقاً رغم أن مادته العلميَّة التي توفَّرتْ له، كانت باستطاعتها أن تجعل منه أحد أقطاب الفكر العربي البارزين، لكنَّه أغلق نفسه في حصن التراث، فبدأ منه، منتهياً إليه، من هنا كان مشروعه إحيائياً لا تجديدياً (ص177).

المثقف الديني النقدي الثالث هو محمد عمارة، تميز بارتداد مراحله الفكرية، فهي دوماً إلى حركة عكسية، ابتدأ نشاطه الفكري ماركسياً، أي بقناعة أيدولوجية، كانت صرخة العصر زمن شبابه، ذات آلياتِ مبنية على قاعدة فكرية فلسفيةٍ، تتجلَّى في مستوياتٍ سياسيةٍ، واجتماعية اقتصادية، ساحتُها تعجُّ بمختلف المناقشات مع المعادل المقابل، وهو الفكر الرأسمالي، أو في تلك الانشقاقات الإيديولوجية والاجتهادات الداخلية، فهي حركة وعيٍ لا تفترُّ.

انتقل من الماركسية إلى العقلانية الاعتزالية، وهي درجة أقلُّ، لأنَّ مساحة فاعليتها محدودة، تتعلَّقُ أكثرُ مقولاتها بالجانب التاريخي، إذْ نشأتْ منْ واقع الدفاعِ عن العقائد الإسلامية، نتيجة تناحرٍ مذهبي، ثمَّ امتدَّت في جدالات المِلل والنِّحل لأديانٍ أخرى مقابل الدين الإسلامي، ثمَّ انتقل إلى الوسطية الإسلامية، وهي درجةٌ أخرى أقلُّ، باعتبار التَّعامل يكون مع فكر إسلامي محافظ، يعتمد على الموروث النقلي.

ثم انتقل إلى مذهبية سلفية وهي درجة أخرى أقلُّ باعتبار التعامل الانتقائي مع مذهبٍ ديني دون سائر المذاهب الأخرى من نفس الدين، ورفض فتح الأبواب على ما عداها من مدارس ومناهج وأعلام آخرين، (ص318ـ319)، فتفكيرُه بحكم الطبيعة المعرفية السَّلفية يتوقف عند السطح من خلال أحكامٍ عامَّةٍ، أشبه بأحكام القضاء، فقد اتَّهم طه حسين بوقوعه تحت تأثير القسِّيس، عمِّ زوجته الفرنسية (ص321)، وكان المفكر الإسلامي الإشكالي نصر حامد أبو زيد من ضحايا تشدُّده (ص320).

ولا يخفى أنَّ لمحمَّد عمارة تأثيراً كبيراً على شريحةٍ واسعةٍ من الشَّباب، نتيجة الصَّحوة الإسلامية العامَّة، وهو صاحبُ تآليف بلغتْ 250 كتاباً، له وزنٌ معتبرٌ في الفضاء العامِّ للفكر الإسلامي، إذْ كان مستشاراً في “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” القائم على أسلمة المعرفة، تقدَّم إليه المفكِّر محمد أبو القاسم حاج حمد سنة 1991، بكتابه “المنهجية المعرفية القرآنية”، ولكنَّ محمد عمارة عارض طبعه، وبقي إلى غاية 2013، حيث نشره “مركز دراسات فلسفة الدين” ببغداد في العراق (322).

المثقف الديني النقدي الرابع، هو جودت السعيد، داعية اللاعنف، يرى أنَّ الحربَ مكتوبة على جبين الإنسانية، والعنف طبيعة إنسانية، قامتْ عليها، وانتهتْ بها حضاراتٌ، وأخطر العنفِ العنفُ الديني (ص341)، لأنَّه في اعتقاد جماعات العنف مُسَوَّغٌ بنص قدسي، وأدرك مبكراً خطره على المجتمعات، خاصّةً الإسلامية، فنشر كتابه “مذهب ابن آدم الأول: مشكل العنف في العمل الإسلامي” عام 1966، دعا فيه إلى نبذ أشكاله (ص333)، ودعا إلى التَّعامل مع الذي يخالفُنا في الفكر، أو المعتقد بوصفِهِ إنساناً، لا بصفته العرقية، أو الهوياتية، أو الدينية، لكنَّ الرفاعي يذهب إلى أنَّ العنف الديني له جذور تكلَّستْ، أسَّس لها الكلام القديم، وما انبثق منه من مدونات فقهية وفتاوى (ص335)،

ويحبِّبُ جودت السعيد إلى المسلمين قراءة القرآن الكريم، لكن بآليات القراءة التي تفتح النص على الإنسان وعلى المطلق، فيقترح أن يُقْرَأ القرآن من حيث هو عملُ الإنسان، ويُقْرَأ مَرَّةً أخرى من حيثُ هو عملُ الله، ليجد القارئ فعلاً بشرياً يتحدَّث عنه القرآنُ، كما يجده فِعلاً إلهياً يتحدَّثُ عنه (ص333).

جميلٌ ما دعا إليه جودت السعيد، لكن الأمر لا يتعلق بأمنياتٍ ورغباتٍ كما أكد الرفاعي، فموضوعا اللاعنف، وموت الحرب حين يتحَّولان إلى عملٍ فكري، يتطلبان تأسيساً نظريا، وهو ما لم يتوفّق فيه صاحبُ الفكرة، فانزوتْ إلى دعوة أخلاقيةٍ إنسانيةٍ نبيلة.

المثقف الديني النقدي الخامس، هو مالك بن نبي، يعترفُ الرفاعي بقدرته في صياغة أفكاره ضمن نسقِ نظريةٍ علمية دقيقة، وأنَّ له موهبةً في صناعة المفاهيم، وفي تركيبها، بما يشبه المعادلات الرياضية (ص347)، ثم يرى أنَّ كتاباته غذَّتها عواطفُه وغيرتُه المشتعلة على وطنه وأوطان المسلمين، يخلص من ذلك الكاتبُ إلى أنَّ الحماسَة إذا اتَّقدت أخمدت العقلَ، وتراجع التفكير النقدي، فالعواطف المتَّقدة في نظره لا تفكِّرُ، ثمَّ يعودُ، فيراه مرَّةً أخرى متميِّزاً ببنية ذهنية تتجلى في معادلاته (ص353)، واستشهد بما قدَّمه من تحليل ظاهرة “التخلُّف” في سلسلته “مشكلات الحضارة، بصياغته تعريفاً للحضارة، ومنْ أنَّها حصيلةُ اجتماع ثلاثة عناصر هي: الإنسان، والتراب، والزمن، كما رسم مراحل دورتها التي تمرُّ بها كلُّ حضارة إنسانيةٍ، وهي: مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة (354)،

ويرى الكاتبُ أنَّ مصطلح “القابلية للاستعمار” ربما يكون صدى لفكر وطرح ابن خلدون، في ولع المغلوب بالغالب (355)، ويرى أنَّ أكثر معادلاته لا تخلو من مثالية لا يمكنُها أن تتحقَّقَ في واقع المسلمين، كحلمه في محورٍ يجمع الأمة الإسلامية، سماه “محور طنجة – جاكارتا” (356)، كما تظهر في كتاباته بصمة لاهوت التحرير، إذْ يرى العنف مكّوَناً أساسياً لماهية الدين، ولاهوت التحرير نسخة من الإسلام السياسي (359).

اختار الرفاعي لتمثيل الفكر الإيراني الحديث ثلاثة فلاسفة: داريوش شايغان، وسيد حسين نصر، وأحمد فرديد، عاشوا في فترة متقاربة. أولهم داريوش شايغان، الذي ابتدأ حياته المعرفية في سن مبكرة من خلال مجالس “حلقة أصحاب التأويل”، التي ضمَّتْ العلاَّمة محمد حسين الطباطبائي وهنري كوربان، وتدارسوا فيها الفلسفة الإشراقية، وفلسفة الحكمة المتعالية، والعرفان (ص199)، ثم حاز على تكوين أكاديمي رصينٍ في جامعة السوربون، توَّجَهُ بإجازة الدكتوراه، ليقوم بعد ذلك بتدريس الفلسفة المقارنة، واللغة والآداب السنسكريتية، والتيارات الفلسفية الغربية في جامعة طهران (ص204ـ205)،

ومرَّت حياته الفكرية بثلاثة محطَّات، تأثَّر في محطَّته الأولى بالفرنسي رينيه غينون، والسويسري كارل غوستاف يونغ، والألماني مارتن هايدغر (ص207)، كان نتيجتها إنكاره المعارف الغربية في عصر الأنوار، وأنَّ الأنوار الحقيقية منبعها الشرق، فدعا إلى الرجوع إلى الذاكرة الذاتية، والهوية الثقافية والقيم الموروثة (ص208)، وكتب في هذه الفترة “الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية”، عام 1976،

وأما محطته الثانية، فتأثَّر فيها بميشال فوكو، وغاستون باشلار، ولويس ألتوسير، وهابرماس… وفيها تمكَّن من تصحيح رؤيته، فلم يعد يرى قدسيةً للذاكرة والهوية، ونادى في هذه المرحلة بتعميم “الرؤية النقدية”، التي هي إعادة تفكيك الموروث، واكتشاف خلله، ومواطن قصوره، ونشر كتابه “ما الثورة الدينية” عام 1982 (ص220)، رأى أنّ قوة الحضارة الغربية آتيةٌ من التشغيل النقدي الدائم، ثم ارتقى إلى محطته الثالثة، حيث نضجت شخصيتُه المعرفية، مضيفاً إليها مقولات جيل دولوز، وفيليكس غاتاري، تبيَّنت له حقيقةُ المجتمعَيْن الإنسانيين الغربي والشَّرقي، وأنَّهما أصلاً قائمين على أساس تناقضاتهما الداخلية، إذ أصل تكوينهما تعدُّدي، ولا يمكنُ أن يكون إلاَّ كذلك، فمن هذ التعدد يأتي التناقض،

وصاغ للتعبير عن رؤيته الجديدة مصطلحاته، من مثل:” أنطولوجيا مهشمة. تزامن الثقافات المتنوعة. العالم في هذا العصر شبحٌ. الهوية أربعين قطعة، هوية مركبة من شبكة ترابطات دقيقة، تعددية ثقافية. اختلاط قوميات. تمازج أفكار. تهجن مضطرد. تمازج لغوي وعرقي تعمل كالريزوم، تكتسبُ شكلا جذموريا ريزومياً، فينبثقُ نموذجٌ مرقع…” (ص231).

توصَّل إلى أنَّ عالمنا المعاصر ذو “هويَّة ريزوميَّة”، وهي هوياتٌ متداخلةٌ، وثقافاتٌ متمازجةٌ، وتلاقحٌ واختلاطٌ دائمان مستمران في الزمان والمكان، فلا وجود لهوية نقيَّة صافية، العالمُ ذاته سائرٌ إلى التمازج، الهويَّة الواحدة قماشٌ من أربعين قطعةً تخاطُ باستمرارٍ (ص233)، فمن هنا، فجميعُ الثقافات من الإنسان وللإنسان أُبْدِعَتْ، بل الإنسان نفسه هو للإنسان، وفي هذه المحطة اعتبر داريوش شايغان منجزات الأنوار إضافةً مهمَّةً للإنسان.

أمَّا سيد حسين نصر، فقد درس مرحلته الثانوية والجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل منها على إجازاته العلمية، وحضر دروس براتراند رسل، وتأثر برينيه غينو، وشوان، وبوكهاردت، وكان هؤلاء ضمن تيار فكري أطلق عليه الكاتب عبد الجبار الرفاعي “الحكمة الخالدة” (ص255)، وهي في بحث نصر حكمةٌ جوانيةٌ ساريةٌ من الأنبياء إلى الحكماء والفلاسفة (ص257). ولا يولي الغرب هذا العلم أيَّ اهتمام، لذا يرى سيد حسين نصر الشرقَ رمزَ النور والعقل والروحانية، والغربَ رمزَ المادية والانحطاط (273)، إلاَّ أنَّ الرفاعي يرى هذا الطرح دعوةً مبهمةً غامضةً، تقومُ أساساً على رفض المنجز الغربي (ص263)، كما لم تخرج هذه الدعوة من برجها النظري أبداً، وبقي حسين نصر متمسكاً بها حياتَه كلَّها دون مراجعة (ص275)،

وأمَّا أحمد فرديد، فهو صاحب التَّأثير الواسع في الفضاء الفكري الإيراني عبر حلقته الأسبوعية المسمَّاة “الحلقة الفرديدية”، تُناقش فيها تاريخ الفلسفة الإنسانية، والفلسفة الغربية والشرقية، ولمْ يتركْ أحمد فرديد أيَّ أثرٍ مكتوبٍ، بل اكتفى بتعليمه الشفهي، لذا أُطلِقَ عليه “الفيلسوف الشفهي” (ص287). صاغ للتعبير عن رؤاه مصطلحاتٍ غامضةٍ مركَّبة مثل: “الحكمة الإنسية، علم الأسماء التاريخي، وباء الغرب، تجلي أسماء الله في التاريخ… (ص286)، وقد صاغ رؤيته لعلم الأسماء الإلهية من فلسفة هايدغر، وعرفان ابن عربي، وعلم اللغة المقارن، والفيلولوجيا واللسانيات، لكنَّ هذه الرؤية كما يحللها الرفاعي مزيجٌ غيرُ متجانسٍ (ص290)، رآهُ مجرَّدَ نَقْعٍ لغوي لا ينجلي على أيَّة نتيجةٍ ذاتِ قيمةٍ.

يخلُصُ الرفاعي إلى أنَّ أحمد فرديد شخصية إشكالية مؤثِّرةٌ، فقد وقع في شراك غوايته مثقفون كثيرون، وإنْ كانوا قد انفضُّوا من حوله.

يتكوَّن الكتابُ من 367 صفحة، خصَّصها لعرض ثمان شخصيات. اختار لتمثيل الفكر العربي خمس شخصياتٍ، مثَّل الأولى “علي الوردي” بِـ 67 صفحةً في 13 مقالاً، والثانية “حسن حنفي” بِـ 58 صفحةً في 9 مقالاتٍ، والثالثة “محمد عمارة” بِـ 18 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والرابعة “جودت السعيد” بِـ 17 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والخامسة “مالك بن نبي” بِمقال واحدٍ من 11 صفحةً، الملاحظُ هو العدُّ التنازلي للمقالات وعدد الصفحات، فبين الشخصية الأولى والأخيرة فجوةٌ واسعة.

وتجلى عمل الفكر العربي في هذه الفترة من خلال هذا الكتاب على معالجة أوضاع اجتماعية كالذي ورد عند علي الوردي، أو عرض لأيديولوجية كاليسار الإسلامي، أو طرح لعلمٍ مُجْهَضٍ كما عند حسن حنفي، أو نظرة دينية منغلقة كما عند محمد عمارة، أو رؤية طوباوية في موت الحرب كما عند جودت السعيد، أو عرضاً غير مكتملٍ لطرح نظري كما عند مالك بن نبي، فليس هناك أي مبحث فلسفي، أو تأسيسي، أو فكري، لذا رأى الكاتبُ أنَّ ظاهرة الفكر العربي، تدعو للرثاء، كما لفت انتباهه فيه أنَّ له بداية متفتحة، ونهاية منغلقة (316)، ولا يمكن للعقل العربي أن يقوم بدوره، إذا لم ينهل مرتوياً من عوالم الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع (ص18).

أمَّا الفكر الإيراني، فقد مثَّله ثلاثُ شخصيات، الأولى داريوش شايغان بِست مقالات في 44 صفحةً، والثانية سيد حسين نصر بخمس مقالات في 34 صفحةً، والثالثة أحمد فرديد بسبع مقالاتٍ في 29 صفحةً، والملاحظ هو التوازن النسبي في عرض الشخصيات الثلاثة. عمل الفكر الإيراني في نفس الفترة على مبحثيْن: فكرُ الهويَّة، أو العودة إلى الذَّات، والاهتمام بالروحانيات الشَّرقيَّة، وطريقة إصلاح أو تجديد الفكر الديني على ضوء منجزات العلوم الحديثة (288).

في خلاصة القراءة، يبدو أن عنوان الكتاب له نصيبٌ من اسمه في موضوع الكتاب، فرجعُ اللفظتين “مفارقات”، و”أضداد” تتردَّد بين جنبات الموضوع، نجد الفكر العربي في توظيفه التراث والدين فكر مفارقات، ولفظة أضداد صفةٌ تصدق على الفكر الإيراني.

عبد اللطيف الحاج اقويدر، كاتب جزائري. مراجعة لكتاب: د. عبد الجبار الرفاعي، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ط1، يناير كانون الثاني 2024، منشورات تكوين، الكويت، دار الرافدين، بيروت. [1]

 

https://www.awaser.net/2024/01/20/%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a3%d8%b6%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d8%b8%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-2/

الوردي وشريعتي في الميزان

الوردي وشريعتي في الميزان

د. طه جزّاع[1]

بحدود اطلاعي ومعرفتي المتواضعة، فإنَّ قراءة تحليليَّة لفكر علي الوردي، ومراجعة نقديَّة جادة لطروحاته، لم تتم حتى الآن، فالرجل دخل نادي المقدسات عند الكثير من القرَّاء والباحثين والطلبة الذين باتوا يرددون بعضَ مقولاته الاجتماعيَّة كما لو كانت نصوصاً مقدسة. والحقيقة أنَّ الرجل مثله مثل أي عالمٍ كبيرٍ متواضع، لم يكن ينظرُ إلى نفسه هكذا طيلة حياته، بل أنَّه كان كثيراً ما يعترف بالخطأ في بعض الاستنتاجات، ويعلنُ بشجاعة العلماء التراجعَ عنها.

وبعد أكثر من نصف قرنٍ من تفتح عينيه وهو فتى بعمر 15 عاماً، على الجزء الأول من كتاب الوردي” لمحات اجتماعيَّة في تاريخ العراق الحديث”، يعود عبد الجبار الرفاعي لقراءة كاتبه المفضل الذي انجذب مبكراً إلى عقله النقدي، وطريقة تفكيره، وواقعيته، “واهتمامُه بالمهمَّش والمهمَل واليومي في المجتمع”، قراءة جديدة فاحصة ناقدة في الفصل الأول من كتابه الجديد: “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”. وكذلك كان الأمر مع علي شريعتي الذي اطلع على آثاره الصادرة بالفارسيَّة قبل أكثر من ثلاثين عاماً في كتابه الأسبق: “الدين والظمأ الأنطولوجي”. بل أنَّ الرفاعي يعقد مقارنة بين الاثنين، موضحاً البونَ الشاسعَ بين الرجلين، بينما يتوهم الكثيرون، أنَّ الوردي قد سار على خطى شريعتي في بعض طروحاته الدينيَّة والسوسيولوجيَّة، وأنَّه قد أخذ منه بعض الآراء وتأثر بها. لكنَّ قراءة الرفاعي الجديدة لكلا المُفَكِرَين تبين بوضوحٍ تامٍ الفرقَ بينهما، ففي حين كان الوردي مثقفاً نقدياً خرج من المجتمع والأيديولوجيات السياسيَّة، فإنَّ شريعتي كان مثقفاً أيديولوجياً، فأعمال الوردي تسودُها “عقلانيَّة نقديَّة لا تخلو من انطباعات ذاتيَّة، وما يسود أعمالَ شريعتي التبشيرُ بأيديولوجيا الثورة”.

“المثقَف النقدي غير المثقّف الأيديولوجي” وبذلك يضع الرفاعي كلاً من الوردي وشريعتي في ميزانه الفاحص، وهو لا يرغب بأنْ يقسو كثيراً على أول من قرأ له بدهشة القراءة الأولى، والإطلالة الأولى على عالم المدينة في الشطرة التي عاش فيها ثلاث سنوات طالباً، وفيها اكتشف عالم علي الوردي، لكنَّه يشيرُ إلى افتقار الوردي إلى تكوين في الفلسفة، وعلم الكلام، وأصول الفقه، والتفسير، والحديث، والتصوف، وغيرها من علوم الدين التراثيَّة، يماثل خبرته الواسعة “بثقافة المجتمع العراقي وتقاليده وأعرافه وفولكلوره، وتاريخه في القرنين الأخيرين”، لذلك فإنَّ بحثه في شخصيَّة الفرد والمجتمع العراقي “لم يتوغل في الحَفر ليصل إلى البنى الدينيَّة والأنساق الاعتقاديَّة المترسخة في اللاوعي الجمعي”.

وإذا كان شريعتي “مثقفاً رسولياً، كرّس جهوده لترحيل الدّين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا”، فإنَّ علي الوردي كان يمثل بذرة “المثقّف الديني النقدي”، وكان أول مثقفٍ ديني عراقي تُجهض ولادته.

لم يدخل علي الوردي في معركة مع الله. هكذا يقرر الرفاعي في دراسته المقارنة المثيرة بين الوردي وعلي شريعتي.

[1] أستاذ فلسفة بجامعة بغداد.

 

 

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

د. عبد الجبار الرفاعي

بعضُ الأدباء والمثقفين العراقيين يظن أن المتدينَ لا يمكن أن يكون مثقفًا، ‏والمثقفَ لا يمكن أن يكون متدينًا. في الشهر السادس سنة 2003 دعاني المعهدُ الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت لمؤتمرٍ لدراسة تداعيات الاحتلال وآثاره على العراق.كنا جماعةً من المدعوين العراقيين جالسين في الاستقبال مع لزلي ترامونتيني معاونة رئيس المعهد. حلَّ وقتُ آذان المغرب، فقلت: استأذنكم أصعد للغرفة أصلي، أجابني مثقف معروف قائلًا: أنت رجل مثقف عقلاني، إلا أن الغريب أنك تصلي، وهذا لا يليق بمثقف. رددتُ غاضبًا: رجاء لا تجرح ضميري الديني، أنا إنسان مؤمن أصلي منذ البلوغ، ولن أترك الصلاةَ مادمتُ حيًّا. الصلاة معراجي إلى الله الذي يطمئن به قلبي، ويملأ روحي سكينةً وسلامًا. لماذا تشترط على المثقف العقلاني ألا يكون مؤمنًا، وينبغي ألا يصلي؟ عددٌ من الفلاسفة مثل “امانويل كانت” فيلسوف التنوير كانوا مؤمنين بالله، كيركغورد كان مؤمنًا عارفًا، محيي الدين بن عربي أعظم حكيم عارف ظهر في الإسلام كانت استبصاراتُ روحه ساطعة. فوجئ الرجلُ بهذا الجواب الصريح، فاعتذر بكلماتٍ مرتعشة، ماتتْ في شفاهه.

الدينُ حاضرٌ في كلِّ شيء في حياتنا، تجاهلُ آثاره الإيجابية والسلبية كليًا، انتهى إلى اغتراب ثقافتنا ومثقفنا عن مجتمعه. يذهب بعضُ المثقفين إلى استفزاز الضمير الديني لك لو علم أنك تؤمن بالدين، يتحدث معك بكلماتٍ جارحة أحيانًا بلا مقدّمات. قبل سنة قابلتُ شخصًا كان يسأل عني ويريد أن يتعرف عليّ، حييته باحترام واهتمام واحتفاء، بعد التحية مباشرة، لم أكن أفكر بالحديث معه عن أيِّ شأن يتصل بالدين، غير أنه استبقني وهو يقول بتوتر وانفعال: “أنا لا أؤمن بكل شيء ينتمي للدين جملة وتفصيلًا، ولا أطيق أن أقرأ أو أستمع أي كلام من أي إنسان يتحدث عن ذلك”، فانصرفتُ مباشرة.

الثقافةُ العراقية اليوم مغتربة عن محيطها، والمثقفُ العراقي مغترب عن مجتمعه. يعرف المثقفُ والأديب الأدبَ والشعرَ اليوناني أكثر مما يعرف الجاحظَ والتوحيدي والمعري، ويستشهد بالميثيولوجيا والآلهة اليونانية أكثر مما يستشهد بآلهة الحضارات العراقية القديمة الراسخة الجذور في حضارات وادي النهرين. يهتمّ بقراءة الكتب المقدّسة الوحيانية وغير الوحيانية للأديان المختلفة وتراثها الديني، وقلّما يعود للقرآن الكريم، ولو حاول أن يلتقط نصًا من التراث الإسلامي، كأن يستشهد بشذرةٍ للحلاج أو النفّري أو ابن عربي أو جلال الدين الرومي لا ينظر للنهر الذي استقتْ ونبتتْ في تربته هذه الشذرة. عندما يقتطف ثمرةً لا يرى الشجرةَ العظيمة المثمرة ولا جذورَها، ولا الأرضَ المغروسة فيها. يحتفي بأفراح وأحزان أديان متنوعة، ويمتنع أو يتردّد كثيرًا وأحيانًا يخجل من الاحتفاء بأفراح وأحزان أمه وأبيه وأهله ومجتمعه. أعرف أن الثقافةَ والأدب والفن العراقي الحديث ولدت في أحضان أيديولوجيا اليسار الأممي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتغذّت لاحقًا من أيديولوجيا اليسار القومي، غير أنها بعد مضيّ نحو قرن من الزمان مازالت أسيرةَ آباء اليسار، وتلبث حتى اليوم في رعاية أبناء وأحفاد أولئك الآباء.

الغريب أن تبجيلَ شعر الحلاج وشذرات النفري وأمثالهما من العرفاء يرادفه تجاهلُ العرفان ونصوصه لدى أكثر المثقفين العراقيين. نادرًا ما أرى ومضاتٍ مضيئة في النثر والأدب العراقي الحديث مرآةً لرؤية فيلسوف وذوق عارف في الأدب العراقي. يكتب فتغنشتاين: ‏”إن الشعور بالعالم ككل هو الشعور الصوفي”. إن ثقافةً لا تتشبّع بالفلسفة ولا تتذوق العرفانَ تظلّ فقيرة، تحاول أن تغطي فقرَها بفائض الألفاظ. مثلُ هذه الثقافةِ تجهل الحاجةَ للدين، وتعجز عن رؤية أعماق الحياة الروحية.

في العراق موقف المثقف من الدين والتدين ملتبِس، أحيانًا يبلغ الموقفُ حدَّ النفور والاشمئزاز من كلِّ ما يمتّ للدين بصلة، من دون نظرٍ وتأملٍ في الدين بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة البشرية، ومن دون نظر وتدبر بتنوع قراءات النصوص الدينية، واختلافِ تأويلها عند المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والعرفاء، ومن دون تمييزٍ بين أنماطِ التدين وتعبيراتِه المتنوعة في الحياة.كلُّ شيء يتصل بالدين والتديّن يوضع في سلةٍ واحدة. المشكلة في العراق أنك نادرًا ما تجد في الوسط الثقافي، الذي يحتكره اليسارُ تاريخيًا، مَن يكتب في الدين، أو يقدم تفسيرًا علميًا لقوة حضورِه وتأثيرِه الواسع في حياة الفرد والمجتمع، بل تجد من يهزأ بالكتابة في الدين ويسخر من الحديث عنه. أحدُ حاملي الدكتوراه، بدلًا من أن يتجنب الخوضَ خارج تخصّصه، يقول: كيف يمكن أن يكون الإنسان مثقفًا وهو يعتقد بـ “‏ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”[1]، لو قرأ هذا الدكتور شيئًا من الدراسات الحديثة في لغة الدين لأدرك أن لغةَ الكتب المقدّسة لا تُقرأ من دون أدواتها الخاصة. ترسّخت عقدةُ ازدراءٍ للدين والتديّن في الثقافة العراقية الحديثة، إلى الحدّ الذي يمكن أن نجد المثقفَ عقلانيًا في أكثر كتاباته، إلا أنه لحظةَ يكتب عن الله والدين والتدين يتحول إلى كاتبٍ لا عقلاني ولا منطقي، وأحيانًا يصير شتّامًا، يكتب بتهكّم وسخرية.

‏ لم أجد مثقفًا جادًا أو أديبًا مبدعًا من أصدقائي خارج وطني إلا وتكوّن تكوينًا فلسفيًا رصينًا.كلُّ ثقافة فاعلة تتأسّس على أرضيةٍ فلسفية، ورؤيةٍ جمالية للعالَم، ولا تفتقر لنكهةٍ عرفانية، ترى ذلك يتجلّى في: الدين، والميثولوجيا، والشعر، والفنون السمعية والبصرية. لولا ابن رشد وابن عربي وابن طفيل وابن سبعين، وغيرهم من الفلاسفة والعرفاء، لنُسي الوجهُ الثقافي المضيء للأندلس.

المثقف الحقيقي يتبنى العقلانيةَ النقدية، يرى في النقد حياةَ العقل، يتعلّم من النقد العلمي، ويتعلّم من المتعلمين، وحتى من غير المتعلمين. في الثقافة العراقية الحديثة مفهومُ النقد مضلّل، نادرًا ما تقرأ في وسائل التواصل نقدًا عقلانيًا، بعضُهم يتهجّم ويستهزىء بمؤلفات ثمينة من دون أن يقرأها. وأحيانًا يهجو غيرَه، لا لسببٍ إلا لأنّ مزاجَه لا يقبله، وربما يلجأ للعنف اللفظي، وإذا سألته: لماذا تكتب هكذا، يجيبك: هذا نقدٌ، وكأن النقدَ ازدراءُ الأشخاص والسخرية منهم، وليس محاكمةَ الأفكار وغربلتَها وتمحيصَها. هذا مأزق مستحكِم في الثقافة العراقية الحديثة، وهو في ظني أعمقُ عامل للطلاق البائن بين المثقف والمجتمع.

عشتُ في بلدان متعدّدة وتعرّفت على نخب ثقافية عربية وغير عربية، قلّما رأيتُ مفكرين معروفين جادّين يفهمون الدينَ بتبسيطٍ مريع، وحانقين على التديّن إلى الدرجة التي عليها بعضُ مثقفينا. محمد عابد الجابري ختم حياتَه بتفسيرٍ للقرآن الكريم، وهكذا كان إنتاجُ خريف عمر عبد الرحمن بدوي كتابَ “دفاع عن القرآن”، و” دفاع عن محمد”، وأصدر عبد الله العروي كتاب “الإصلاح والسنة” في خاتمة رحلته الطويلة، وكرّس حسن حنفي السنوات الأخيرة من حياته لتفسير القرآن. ورأينا أمثالَهم مفكرين كبارًا منتمين إلى مجتمعات عالَم الإسلام وغيرها يختمون إنتاجَهم الفكري بكتابات دينية. لا أدعو لأن يفعل الشعراءُ والأدباء والفنانين ذلك في مجتمعنا، ولا أريد أن يتحول المثقفُ إلى مبشِّر ديني، وليس هدفي تقييمُ تلك الكتابات لمفكرين معروفين لا يعنيهم الشأنُ الديني قبل نهاية مشوارهم في التأليف، والتنقيبُ عن الدوافع الخفية في خريف العمر، مثل قلق اقتراب الموت والشعور الحزين بوحشة القبر، التي تحفزّهم لمثل هذا النوع من الكتابات. أردتُ فقط التنبيه إلى وعي مفكرين عرب كبار، وإن كان متأخرًا، للحضور الفاعل للدين والتديّن في مجتمعاتنا.

الغريبُ أن بعضَ المثقفين كثيرًا ما يكرّر الدعوةَ لنبذ العنف والدعوة للـ “السلام”، ويراكم مقالات متنوعة حول ذلك، غير أنه ينفر من كلمة “السلام” حين تقترن بتحية الإسلام. من حقِّ كلّ إنسان أن يحيّي الناسَ بما يحلو له وبما تربى عليه، إلا أن بعضَهم يرفض حقَّك في استعمال تحيتك المعبِّرة عن ذوقك وتربيتك وأخلاقك ودينك. لا يطيق آخرون الترحّمَ المتعارف على الميّت والدعوةَ له أن تشمله رحمةُ الله الواسعة، فلو ترحمتَ عليه ودعوتَ له، يعاندك بلغةٍ مباشرة تشي بإنكارِ الحياة الأخرى، وكأن عزاءَه لك في إنكارها. رثيتُ قبل مدة أحدَ علماء الدين من الأصدقاء الأعزاء الذين تمتدّ صلتي بهم إلى نصف قرن، عرفته بمواقفِه العنيدة المناهِضة لفاشية صدام، وجهودِه الدينية والاجتماعية والثقافية، ومشاريعِه الخيرية باحتضان الأيتام ورعاية الفقراء، ارتبطتُ بعلاقة احترام متبادل معه، وتربطني علاقاتٌ ودية بأبنائه الكرام وعائلته. عندما استيقظتُ صباحًا قرأتُ في التعليقات كلامًا مستهجنًا يزدري رثائي، ويتهجم على الميت بلغة حانقة مبتذلة، وكأن هناك ثأرًا مكبوتًا حانتْ لحظةُ استيفائه، مما اضطرني لحذفِ الرثاء، وحظرِ كل مَن يكتب بهذه اللغة الهابطة.

كلُّ مثقف مسؤول يزعجه مَن يجرح الضميرَ الديني للمختلِف في دينه ومعتقده وتفكيره، لا يليق أخلاقيًا وذوقيًا أن نتهكم على الطاوية أمام إنسان طاوي، أو نلعن بوذا أمام إنسان بوذي، أو نتهجم على زرادشت أمام إنسان زرادشتي، أو نزدري نبي أي ديانة أو مؤسّسها أمام إنسان يختلف عنّا في ديانته. ينبغي أن نحترم معتقدات المختلِف في الدين،كما ينبغي له أن يحترم معتقداتنا، وألا يتّهم النبيَّ الكريم “ص” الذي نؤمن بنبوته ووحيه ورسالته السماوية، مثلما يحترم المختلِفين عنه في معتقداتهم من غربيين وشرقيين.

أعني بالثقافة في العراق الشعرَ والأدبَ كما هي مختزلة بذلك، وأخصُّ به الشعرَ المفرّغ من أيّ مضمون فلسفي ورؤية معرفية، ومن أية بصيرة حاذقة، ومن أية كثافة دلالية. مركزية الشعر في الثقافة العراقية عملت على إسقاط أو تهميش كلِّ ما هو خارج الشعر والأدب، فلا ينصرف مفهومُ الإبداع إلا لها، ولا ينصرف مفهومُ مثقف إلا للشاعر، بل حصرت معنى الثقافة بالشعر والأدب والفن. هُمشّت الفلسفةُ وعلومُ الانسان والمجتمع وعلوم الدين، قلّما نلتقي بها في أنشطة وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والكتاب ومؤتمراتهم وندواتهم ومطبوعاتهم. غالبًا لا تكترث الوزارةُ واتحادات الكتّاب والأدباء وغيرها من منتديات ثقافية عراقية بالإنتاج الفكري في حقل العلوم الإنسانية والفلسفة والعرفان والدين، أو تمنح الباحثين الجادّين في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والدين منصاتها، أو تكرمهم. ‏جوائز وزارة الثقافة وغيرها من المؤسّسات ودور النشر تختصّ غالبًا بالشعر والرواية والسرد. ولا تحتفي اتحاداتُ الأدباء والكتاب في العراق بأية جائزة كبيرة تمنح خارج الوطن لمنجز فكري عراقي، إن كانت لا تقع ضمن هذا الضرب من الكتابة.

‏ الثقافة في العراق تعيش خارج الوسط الأكاديمي، الأكاديميا في وطننا لا تهتمّ كثيرًا بالثقافة بمعناها الأشمل إلا في حالات قليلة، حتى لو بادر بعضُ الأكاديميين للكتابة خارج تخصّصه فإنه لا يتجاوز الشعر والرواية والنقد. ‏الأكاديمي حبسته ‏قراراتُ وزارة التعليم العالي والجامعة ‏في الانشغال بأبحاثٍ لأغراض الترقية واللقب العلمي، وهي في الغالب أبحاث شكلية، وأغرقته في أعمال لجان وإدارة تعليمية أكثرها ينبغي أن ينجزه موظفون إداريون خارج مهنة التعليم العالي والبحث العلمي. تقوقع الأكاديمي على نفسه، ودخل حالةَ غياب عن الثقافة هو ‏وإنتاجُه الفكري، بعد أن سجنت عقلَه القوالبُ الأكاديمية المهنية الصارمة، وعجز عن التفكير خارج اطارها المغلق.

ربما ينشأ الموقفُ السلبي من الدين من الخلط وعدم التمييز بين الإيمان من جهة والدين من جهة أخرى، وبين تمثلات الدين وأنماط التديّن في حياة الفرد والمجتمع من جهة ثالثة. الإيمان يعبّر عن تجربةٍ روحية ووصالٍ مع الله يعيشه المؤمن، وهي حالةٌ للروح لا تتحقّق إلا فرديًا،كلُّ إنسان يعيشها على وفق وعاء روحه وقدرتها الوجودية على الانبساط والاتساع. ينعكس الإيمانُ في يقظة الروح واستبصاراتها، ويؤثر في نمطِ رؤية الإنسان للعالَم، وقدرتِه على تذوق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. أما الدينُ وتمثلاتُه وأنماطُ التديّن في حياة الفرد والمجتمع فهو ظاهرة فردية ومجتمعية، تعبّر عن حضورها في أخلاق الإنسان وثقافته ومواقفه وسلوكه ومختلف أحواله، تؤثر هذه الظاهرة وتتأثر بطبيعةِ الفرد وظروفِ عيشه، ونمطِ حياة المجتمع، والمؤسساتِ المسؤولة عن تدبير الشؤون الدينية، والسلطات السياسية. أسوأ ما يجري فيه توظيفُ الدين هو استثمارُه في استعبادِ الإنسان، والصراعِ على السلطة والثروة، والسعي للاستحواذ على المجال الخاص بالعقل والعلم والمعرفة، وإخضاعُ الآداب والفنون والثقافة لمنطقه اللاهوتي، ورفضُ استعمال المنطق العلمي، واستعمالُ الدين في إدارة الاقتصاد والمال والإدارة وبناء الدولة وصياغة نظمها، وتجاهلُ معطيات الخبرات البشرية المتراكمة عبر عشرات آلاف السنين، ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة.

من الظواهر المثيرة اليوم تفشي ظاهرة الحكواتيين، وطغيانُ حضورهم في الفضائيات ووسائل التواصل، يتحدثون بتكهنات وافتراضات في الدين وعلومه والميثيولوجيا والآثار، من دون تأهيلٍ أكاديمي تخصّصي في علوم الدين والميثيولوجيا والآثار، ولا معرفةٍ بقراءة الخط المسماري ولغات الحضارات العراقية القديمة مثلا، وبلا مطالعاتٍ عميقة للمراجع الأساسية في هذه التخصّصات العلمية الدقيقة.

لهذه الأسباب وغيرها تظل الثقافةُ العراقية مغتربةً غيرَ فاعلة بمجتمعها، منفصلةً عن واقعه وصيرورته وتحولاته، قاصرةً عن التعبير عن آلام الناس وآمالهم، وبؤسهم وأحزانهم وهمومهم وواقعهم المرير الذي يعيشون فيه ويحلمون بتغييره،كأن الثقافة غيرُ معنية بالإنسان العراقي.

[1]  البقرة، 2

https://alsabaah.iq/88442-.html?fbclid=IwAR3VIHfRmz0p3_WqZAxu0DylpCNCLUBuABzkwIDetNfkRquYLKdV1U2zmeY

العراقي ليس استثناء

العراقي ليس استثناء

د. عبد الجبار الرفاعي

لا تخلو آثارُ بعض الكتّاب في وطننا من أحكام سلبية يخصّ بها العراقي، وربما قدحٍ وهجاءٍ وتندّر بظواهر تطغى على سلوكِه وعلاقاتِه الاجتماعية وثقافتِه وطريقةِ تفكيره، وكأن الأفرادَ والمجتمعات الأخرى تخلو من تلك الظواهر. العراقي لا ينفرد بشخصيته وتاريخه وتحولاته عن غيرِه من البشر، طبيعتُه الإنسانية كغيره في مجتمعات أخرى. تاريخُ العراقي ليس مستقلًّا عن تاريخِ البشرية، وشخصيةُ العراقي ليست استثناءً من البشر. العراقي ليس أفضل إنسان ولا أسوأ إنسان، العراقي ككلّ الناس محكومٌ بما يتحكم بحياة ومآلات البشر من عوامل طبيعية ومجتمعية ترسم مصائرَه مع أمثاله من الناس. تطورُ العلوم والمعارف والتكنولوجيا يؤثر على حياة الكلّ بدرجات ليست متطابقة. ينفرد العراقي بعوامل وأحوال ووقائع تخصّه من دون سواه، مثلما ينفرد غيرُه في مجتمعات أخرى بظروف محلية خاصة.

توصيفاتُ وأحكامُ هؤلاء الكتّاب الصارمة بالازدواجية والتناشز والفصام لا يختصّ بها العراقي، يمكن تطبيقُها على أفراد ومجتمعات محكومة بسياقات دينية وثقافية واجتماعية مماثلة لما يعيشه الفردُ والمجتمع العراقي. لو عاش إيُّ إنسانٍ ظروفَ العراقي وتجرّع مرارات واقعه المفروض عليه، يصير سلوكُه مشابهًا لسلوك العراقي. قلّما رأيتُ مَن يعطي مجانًا في مجتمعات عرفتها، رأيتُ بعضَ العراقيين يبادرون فيفيضون محبتَهم ودعمَهم العاطفي وحتى أموالهم مجانًا. عشتُ في بلدان متعددة وعاشرتُ مجتمعات متنوعة، تلمستُ الازدواجيةَ والتناشز والفصام والمراوغة والتمويه والخداع في سلوك الإنسان. رأيتُ شخصيةَ الإنسان في بعض تلك المجتمعات أشدَّ غموضًا وتركيبًا ووعورةً من الشخصية العراقية. هذه ليست حالاتٍ شاذة أو مختصة بفرد أو مجتمع.كلُّ إنسان يحمل تناقضاتٍ في داخله، على وفق البنيةِ السيكولوجية لشخصيته، ونمطِ تربيته، وعقدِه النفسية والتربوية، ودرجةِ وعيه، وكيفيةِ رؤيته لذاته وللعالَم. الطبيعة الإنسانية في غاية التركيب والتعقيد والعمق، يقول علي الوردي: “إن طبيعةَ البشر هي من أصعب المواضيع النفسية والاجتماعية، إن لم تكن أصعبها جميعًا، فهي موضوعٌ متشعبٌ ومعقد إلى أبعد الحدود، والواقعُ أني كلما توغلت في دراسته شعرت بأني لا أزال في أول الطريق، وكلما بحثتُ في جانب منه ظهرت لي جوانبُ أخرى تحتاج إلى بحث. ظهرت في موضوع الطبيعة البشرية نظرياتٌ متعددة، ونشرت فيه دراسات لا تحصى، وأعترف أني أشعر بالعجز تجاه تلك النظريات والدراسات، فهي في غاية الصعوبة، بل من المستحيل استيعابها كلّها. أضف إلى ذلك أنها قد تتعارض وتتناقض، ولهذا يقف الباحثُ حائرًا لا يعرف ماذا يأخذ منها وماذا يترك”[1]. ويكتب ابن خلدون: “إنّ الإنسانَ ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال حتّى صار خلقًا وملكة وعادة، تنزّل منزلة الطبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميّين تجده كثيرًا صحيحًا”[2]، ويشرح في موضع آخر من المقدّمة كيف تتشكل شخصيةُ الإنسان في سياق الواقع الذي يعيشه بقوله: “ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو، كيف تجد الحضري متحليًا بالذكاء ممتلئًا من الكيس، حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله، وليس كذلك، وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية ما لا يعرفه البدوي، فلما امتلأ الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظن كلُّ من قصر عن تلك الملكات أنها لكمال في عقله، وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته، وليس كذلك، فإنا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته، إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق الصنائع والتعليم، فان لها آثارًا ترجع إلى النفس”[3].

لا فرقَ بين العراقي وغيره في مجتمعات أخرى، الإنسانُ محصلة تاريخ الإنسان. الإنسانُ في تلك المجتمعات كثيرًا ما يستطيع التحكّمَ بتناقضاته، ويخفي كثيرًا منها خلفَ أقنعة يتقن حياكتَها. العراقي محتقنٌ متفجر، نتيجة لمعطياتِ الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المفروض عليه، وظروفِ حياته المحكومة بتقاليد استبدادٍ وعنف متواصلة، لذلك غالبًا لا يستطيع إخفاءَ غضبه وتناقضات سلوكه، وهو أقلّ قدرةً على التحكم بانفعالاتِه وردودِ أفعاله الفجائية، إثر الغضب المكبوت زمنًا طويلًا بداخلة.

عندما تتشكّلُ هويةٌ في سياقٍ امبراطوري تتغذّى بنرجسية الإمبراطورية، وتولد وهي تشعر بأنها ممتلئةٌ ثرية، فخورةٌ تعتزُّ بذاتها، مركزيةٌ تتوهم القوةَ والتفوقَ على غيرها. وعندما تتشّكل هويةٌ في سياق احتلالاتٍ واستعبادٍ أجنبي، واستبدادٍ عنيف، تولد وهي تشعر بأنها أشلاءُ محطمةٌ معاقة، هامشيةٌ تحتقر ذاتَها وتنظر لها بازدراء، وتنظر لغيرها بهيبةٍ وإجلالٍ ورهبة، وتظلُّ تدرُ في آفاق وأحلام غيرها.كان العراقيّ من رعايا السلطنة العثمانية، معنى الرعية السلطاني غير معنى المواطنة الدستورية الحديثة، ومفهوم الرعايا غير مفهوم المواطنين. لم تتشكّل في العراق دولةٌ عراقية في العصر العثماني، وكلُّ محاولات تشكيل الدولة منذ عام 1921 حتى اليوم مازالت هشة. يتعذّر تشكّلُ ذاكرة دولة في غياب الدولة، غيابُ ذاكرة الدولة يغيّب مفهومَ الوطن والمواطن والوطنية. لذلك لم تتشكّل هويةٌ عراقية واضحة المعالم، ينغرسُ فيها انتماءُ العراقي لأرضه حتى اليوم. قلّما رأيتُ من يهجو وطنَه في مجتمعات أخرى، حتى إن كان أحيانًا يهجو نفسَه ومحيطَه، لكن العراقيّ يبادرُ فيهجو نفسَه ووطنَه ومواطنَه ومجتمعَه أحيانًا، لضمور مفهومِ الوطن والمواطن والوطنية في شعوره ولاشعوره السياسي العميق.

عند حديثهم عن طبيعة الإنسان العراقي لا يهتمّ هؤلاءُ الكتاب كثيرًا بما تشترك فيه الطبيعةُ الإنسانية للعراقي مع أيّ إنسان في كينونته الوجودية الأبدية. يمكننا التماسُ العذر لبعض هؤلاء الكتاب؛ لأن الرؤيةَ التي تتخطى ثقافةَ الإنسان وأحوالَه الاجتماعية وظروفَه المعيشية، تتطلب تكوينًا فلسفيًّا يتوغل في أنطولوجيا الإنسان وكينونتِه الوجودية، يغوص في أعماق البشر، وينشغل بالكشف عن شيءٍ من كينونتهم العميقة، التي هي أبعدُ من ظروف الإنسان المعيشية، والثقافة الموروثة في بيئته. عندما نتحدثُ عن الإنسان تارةً ننظر للإنسان من حيث هوياته الاجتماعية المتغيرة، أي الإنسان الذي عاش في بيئة وواقع ومجتمع، بمكان وزمان وعصر معين، وأخرى نتحدثُ عنه لا بوصفه الزماني والمكاني والتاريخي الخاص بعصر، بل ننظرُ للإنسان بوصفه إنسانًا، الإنسانُ بكينونته الوجوديه الذي يتسعُ لكل مصداق للإنسان في أيّ زمان ومكان، بغض النظر عن أية هوية متغيرة يكتسبها من المجتمع والثقافة والدين والبيئة والواقع والعصر الذي يعيش فيه. الإنسانُ بكينونته الوجوديه يشترك العراقي فيها مع كلِّ إنسان، مهما كان الزمانُ والمكان والواقعُ المجتمعي الذي يعيشُ فيه.

 

[1] وجهًا لوجه: د. علي الوردي، ود. جليل العطية، العربي “الكويت”، ع 360، نوفمبر 1988.

[2] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص 125.

[3] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص 434.

 

https://alsabaah.iq/88076-.html

مقدمة كتاب مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

مقدمة كتاب مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث [1]

د. عبد الجبار الرفاعي

الفكرُ العربي الحديث منشغلٌ بالغربِ والفكرِ الغربي منذ أكثر من قرنين، مولَعٌ بما أنتجه، وغارقٌ بأسئلته واهتماماته ومقولاته ورؤاه ومعالجاته وإجاباته، إثباتًا أو نفيًا، أو تلفيقًا وتوفيقًا. نادرًا ما يتعرّف هذا الفكرُ على الفلسفات والفضاء الميتافيزيقي والآداب والفنون الشرقية في الهند واليابان والصين وبلاد الملايو، ولم يعرف إلا القليلَ جدًا عن الفكر الإيراني حتى الأربعين سنة الأخيرة. الفكرُ الإيراني منفتحٌ على الفضاء الغربي بشكلٍ واسع، يحتفلُ بترجمات المتون الأساسية والشروح بالألمانية والفرنسية والانجليزية، بنحوٍ صارت الترجماتُ تتسيّد عددَ العنوانات المطبوعة كلّ سنة. أخبرني وكيلُ وزير الإرشاد أن عددَ العنوانات المطبوعة قبل سنوات بلغ نحو سبعين ألف عنوان باللغة الفارسية في سنة واحدة. يتميّز الفكرُ الإيراني بتفاعله الواسع مع الفلسفات والأديان وعوالم الميتافيزيقيا الشرقية، ويعود هذا التواصلُ والتفاعل إلى العصور القديمة، وتنامى ذلك بالتدريج في العصر الإسلامي، ولم ينقطع في العصر الحديث. يتميزُ الفكرُ الإيراني الحديث غالبًا بغطاءٍ ميتافيزيقي، ‏خلافًا للفكر العربي الحديث الذي يكون متمردًا غالبًا على الميتافيزيقيا. حتى الفكرُ الديني العربي لا يرتدي ذلك الغطاءَ الميتافيزيقي بهالته الرمزيةِ والعرفانيةِ وايحاءاته الفلسفية.

اللافتُ أن لا الفكر الإيراني ولا الفكر العربي حدث بينهما تواصلٌ ديناميكي وتفاعلٌ خلّاق في العصر الحديث، بمستوى تفاعلِ الفكر العربي مع الفكر الغربي، وتفاعلِ الفكر الإيراني مع الفكر الشرقي والغربي. هذا الكتابُ محاولةٌ لفتح نافذة حوارٍ فكري عربي إيراني، بعرضِ ونقدِ مشاغل نماذج من المفكرين المتنوعة والشديدة التمايز في الفضائين. كنا نقرأ في كتابٍ واحد دراسةَ نماذج لمفكرين عرب وغربيين، أو إيرانيين وغربيين، ولم نقرأ كتابًا يتسعُ لأصواٍت عربية بجوار أصواتٍ إيرانية. في هذا الكتاب يتحدث الفكرُ العربي للفكر الإيراني، والفكرُ الإيراني للفكر العربي، كلٌّ منهما ينطلقُ من سياقاته ورؤيته للعالم وطريقة تفكيره المختلفة ولغته الخاصة. وهي محاولةٌ تتطلع أن تكون فاتحةً لكتابات تعيدُ وصلَ ما أحدثت التعصباتُ من انفصالٍ داخل فضاء الإسلام الثقافي المشترَك، وتعكس تنويعاتِه المتعدّدة، بتعدّد اللغات والثقافات والمجتمعات، والإكراهاتِ المتنوعة أمس واليوم. حاولتُ في هذا الكتاب انتخابَ جماعةٍ من مفكري الفضائين العربي والإيراني، يختلفون أكثر مما يتفقون في فضائهم الثقافي الواحد، لكلِّ واحدٍ منهم فرادةٌ في طريقةِ تفكيره، وبصمةِ لغته، وتميزٌ عن غيره في رؤيته للعالم، وتباينٌ في شخصيته الفكرية، وكيفية تذوقه الأشياء، ومعالجته الأفكار، وصياغته المفاهيم.

بدأ الفصلُ الاول في الكتاب بحديثٍ عن علي الوردي، وجاء الاهتمامُ بفكره لأكثر من سبب؛ الأول يعودُ إلى أن كاتبَ هذا الكتاب ينتمي الى جيلٍ بدأ يقرأ كتاباتِ الوردي في المرحلة الثانوية قبلَ نصف قرن، وتشبّع وعيُه ومشاعرُه بآراء الوردي، وظلّ الوردي حتى اليوم يتجدّد حضورُه في وعي هذا الجيل. والسبب الآخر يعود إلى أن الوردي كان ضحيةَ جفاءٍ في وطنه وفي غير وطنه، ففي العراق صمتت وسائلُ الإعلام بأسرها عن أعمال الوردي في المرحلة الأخصب من حياته، وكأنه غيرُ موجود على خارطة الفكر العراقي، وتواصل هذا الصمتُ حتى وفاته. وهو موقفٌ معلَن من السلطة السياسية المستبدّة، بوصف فكرِ الوردي يقوّظ الاستبدادَ بكلِّ تعبيراته في العائلة والمجتمع والسلطات السياسية وغيرها، ويرادف هذا الموقفَ صمتُ اليسار العراقي بتنويعاته الأممية والقومية وتجاهلُه لفكر الوردي في حياته. فكرُ الوردي يرفض الأيديولوجيا، والأيديولوجيا معبودةُ اليسار بكلِّ أنماطه. في العشرين سنة الأخيرة تعرّض فكرُ الوردي الى نوعٍ آخر من الجفاء، إذ لم تهتم به مراكزُ البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم نقرأ دراساتٍ تحليلية نقدية جادة لأعماله، وقلّما صارت هذه الأعمالُ مادةً للدراسات العليا في العلوم الإنسانية، وإن ظهر اهتمامٌ بكتاباته في العشرين سنة الأخيرة على شكل موجةٍ جماهيرية، بنحوٍ صارت كتاباتُه تُطبع وتُباع على الأرصفة، وكأنها قصصُ عنترة بن شداد والسندباد البحري والزير سالم وأمثالها. وخارج وطنه جفاه المثقفون والأكاديميون العرب حتى اليوم، إلا في حالاتٍ استثنائية، وكأن هناك تواطؤًا على نسيانه، في الوقت الذي انشغل الفكرُ العربي أحيانًا بشخصيات هامشية ليست في مكانة الوردي الفكرية. لا تهتم في الغالب أقسامُ العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية بأعماله، ونادرًا ما نقرأ مَن يكتب عن فكره في المطبوعات الثقافية، المحتكَرة لجماعاتٍ تتكرّر أسماؤها في المناسبات المختلفة، ولا تسمح لغيرها بالحضور على هذه المنابر. ولم يحدث أن تبنّت دورُ النشر المعروفة في بيروت وغيرها إصدارَ أعماله، ولبثت مؤلفاتُه إلى اليوم تُنشر تجاريًا،كما تُنشر الكتبُ الشعبية وتُباع على عربات الأرصفة.

الفصل الثاني في الكتاب يدرس فكرَ حسن حنفي، وهو مثالٌ ينفرد فيه مفكرٌ متعدّدُ التكوين، خبيرٌ بالتراث، وأكاديميٌّ تخرج في جامعة السوربون. مدهِشٌ في مثابرتِه وصبرِه الطويل، وتدفقِ إنتاجه المتواصل بغزارة. قلّما رأينا كمًا بحجم كتاباته لدى أمثاله في موطنه مصر والبلاد العربية الأخرى، ولعله من أغزر المفكرين العرب في نصف القرن الأخير في حجم إصداراته الموسوعية المتنوعة. خاض حنفي مغامرةً فكرية لم يسبقه إليها كاتبٌ قبله، تراه يخصّص موسوعاتٍ تبدأ بالتراث وتعود للتراث،كلُّ موسوعة منها تتكدّس فيها مجلدات متعددة، يحاول فيها إعادةَ إنتاج التراث بلغتِه الخاصة، ذاتِ الصبغة الشعاراتية التعبوية الشديدة الإيقاع، وبقدرتِه الاستثنائية على التوفيق والمصالحة بين الأضداد. تشعر وأنت تقرأه كأنك داخلَ مكتبة يتحدث فيها المتكلمون واللاهوتيون، والفلاسفة، والمفكرون، من المسلمين والغربيين، تستمع إلى أصواتهم المتنازعة، بصوت كاتبٍ يلفقها بشكلٍ تبسيطي، فتنطق بصوته لا بصوتها، وتتحدث لغتَه لا لغتَها، وتعبّر عن رؤيته لا عن رؤيتها.

وجاء الفصلُ الثالث لينتقل من الفكر العربي ويدرس تجربةَ مفكرٍ إيراني معروفٍ على نطاق محدود في الفضاء الثقافي العربي المشرقي، ومعروفٍ بصورة أوسع في الفضاء الثقافي الفرانكفوني. يكتب داريوش شايغان بالفرنسية، وقلّما يكتب بلغته الأم الفارسية. تتميز رحلتُه الفكرية بثرائِها وكثافتها النوعية، وشجاعةِ عقل هذا الرجل الفذّة على الانتقال عبر محطات، يغادر في كلِّ سابقة منها مُقلِعًا إلى لاحقةٍ لا تكرّرها، وهو يستأنف النظرَ في مسلّماته وقناعاته وأحلامه الماضية، ويدلّل على خطأها بنفسه.

ودرس الفصلُ الرابع فكرَ مواطنه وصديقه حسين نصر، وهو أيضًا مفكرٌ مثير للجدل، تميّز ببصمةِ فكره الميتافيزيقي المركبة، ذات المنحى الغنوصي الغامض. أفكارُه الغريبة هذه لم تجد صدىً لها في الفضاء الثقافي والميتافيزيقي العربي.

واتسع هذا الكتابُ لدراسة فكر أحمد فرديد، وهو المفكر الإيراني الغريب الأطوار، الذي لم يدون أفكارَه، ولم ينشر شيئًا منها في حياته. ظلّ مفكرًا شفاهيًا، غير أنه ملأ الدنيا وشغل النخبةَ الإيرانية في زمانه، بمنحوتاتِه اللغوية ومعجمِه الاصطلاحي الفريد، وأفكارِه الملتبِسة الهجينة، وما أحدثته مقولاتُه من ضجيجٍ وسجالات لم تسكت حتى اليوم، لاسيما بعد رحيلِه وصمتِه الأبدي.

ووقف الكتابُ في فصله الخامس عند ظاهرةٍ فكرية ليست شاذةً في الفكر العربي في زماننا، وانتخب أحدَ أبرز ممثليها، وهو محمد عمارة، الذي رحل من الماركسية إلى السلفية عبر سلسلة من المحطات. وفي الفصل السادس تحدث الكتابُ عن داعيةِ اللاعنف جودت سعيد، وأمانيه الرومانسية بموت الحرب، ونسيانِه أن الحربَ لن تموت مادام الإنسانُ إنسانًا. وفي فصله الختامي تحدث الكتابُ عن هاجس الهوية والصراع الحضاري لدى المفكر الجزائري مالك بن نبي.

 

                                                                                                                                                              بغداد 1.9.2023

 

 

 

[1] مقدمة كتاب: مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، الصادر حديثًا عن منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت، الكتاب بحدود 400 صفحة.

 

https://alsabaah.iq/87283-.html

علي الوردي وفهم المجتمع في أفق رؤية ابن خلدون

علي الوردي وفهم المجتمع في أفق رؤية ابن خلدون

د. عبد الجبار الرفاعي

نادرًا ما نقرأ لباحثٍ في مجتمعنا يمتلك شجاعةَ الوردي وجرأته في نقد نفسه، وأندر من ذلك أن نقرأ اعترافاتٍ يعلن قائلُها فيها عن أخطائه العلمية وتعجّله وتناقضاته في إصدار أحكامه. بعد أن أشار إلى كتبه ومحاضراته السابقة لدراسة طبيعة المجتمع العراقي أعلن الوردي بصراحته المعهودة: “قصدي من ذكر هذه البحوث السابقة هو لفت نظر القارئ إلى أن الآراء التي وردت فيها ليست نهائية. فقد البعض منها، وأبقيت البعض الآخر على حاله، وهذا أمر لا أعتذر عنه. البحث العلمي من شأنه التغيير والتطوير، إذ هو يسير في ذلك تبعًا للمعلومات التي يعثر عليها الباحث مرة بعد مرة. ولهذا أرجو من القارئ ألا يستغرب حين يجدني في هذا الكتاب أقول برأي مخالف لما جاء في بحوثي السابقة. الواقع، أني من خلال دراستي الطويلة للمجتمع العراقي، قد ناقضت نفسي كثيرًا. وربما أخذت اليوم برأي، وتركته غدًا، ثم رجعت إليه بعد غد. وقد لاحظ الطلاب ذلك مني، حيث وجدوني أغيّر منهج الدراسة عامًا بعد عام. ولست أستبعد بعد صدور هذا الكتاب، أن أغيّر كثيرًا من الآراء التي وردت فيه. وربما شهد القارئ في كتبي القادمة آراء مناقضة لها”[1].

أكثرُ كتابات الوردي عن المجتمع العراقي تدور في أفقِ رؤية ابن خلدون للمجتمع، وتفسيرِه للصراع بين البداوة والحضارة، وآراءِ ابن خلدون في بناء العمران وخرابه، ونشوءِ الدولة على العصبية وانهيارها بعد انفراط تلك العصبية. حاول تفسيرَ التاريخ وفهمَ المجتمع ومعاينةَ الواقع في أفق رؤية ابن خلدون. يقول الوردي: “وخلاصةُ رأيي في ابن خلدون، هوَ أن نظريته التي مضى عليها نحو ستمائة سنةٍ مازالت أفضلَ نظريةً لفهم المجتمع العربيِ”[2].

القارئ الذي يواكب المسارَ التاريخي لكتابات الوردي يراه يعتمد مسلَّمات، تتمثل في: “صراع البداوة والحضارة، ازدواج الشخصية، التناشز الاجتماعي”، ونماذج وأمثلة لتطبيقاتها على الفرد والمجتمع العراقي. هذه المسلَّماتُ أنتجتها ظروفٌ وعوامل متغيرة، وتشكلت بوصفها معطياتٍ لواقع تاريخي فرضها، عندما يتبدل ذلك الواقعُ يفترض أن تتبدل المسلَّمات المعبِّرة عنه. لذلك ينبغي ألا نغضّ النظرَ عن عواملَ أخرى متغيّرةٍ تحدث تبعًا لما يستجد في الواقع، وتكون فاعلةً ومؤثرة في تكوين شخصية الفرد والمجتمع العراقي.

منذ أول محاضرة ألقاها في “قاعة الملكة عالية” سنة 1951 وصدرت في كراس ببغداد في السنة ذاتها بعنوان: “شخصية الفرد العراقي”، تبنى الوردي هذه المسلَّماتِ، واعتمدها بوصفها أدوات تفسيرية لما يحدث في حياة الفرد والمجتمع، كما نقرأ في كتابه، الذي صدر بعد 20 عامًا من ذلك التاريخ: “دراسة في طبيعة المجتمع العراق”[3]. لم أقرأ تحوّلًا لافتًا في فكرِه في حوارت متأخرة معه: حوار في مجلةِ الأقلام سنة 1983، وحوار آخر معه أجراه جليل العطية في مجلةِ العربي الكويتية سنة 1988، وحوارٍ أعده وقدّم له سعد البزاز في عمان، انتخب المحرّر الإجابات نصوصًا مستقاة من أعمال الوردي، ونُشِر بعنوان: “في الطبيعة البشرية: محاولة في فهم ما جرى”، سنة 1996.

رؤيةُ ابن خلدون وتفسيرُه للتاريخ لم تتحرّر كليًّا من الأنساق الاعتقادية العميقة الكامنة في البنية اللاشعورية لمعتقده الديني وعقله الفقهي. لا ينتمي تفسيرُ ابن خلدون للحداثة بمضمونها الفلسفي، وعقلانيتها النقدية، ورؤيتها للعالَم، وإن كان يصرّ غيرُ واحدٍ من الباحثين على حداثة رؤية ابن خلدون. لقد كشفت الباحثةُ التونسية الذكية ناجية الوريمي في كتابها: “حفريات في الخطاب الخلدوني”؛ عن البنيةَ التحتية والأنساقَ الاعتقادية العميقة الغاطسة في اللاشعور، وشرحت كيفية خضوع عقل ابن خلدون لسلطة النص، وأوضحت أن عقلَه فقهيّ لا فلسفيّ، إذ إن “خطاب ابن خلدون العمراني والتاريخي ينتظم في النسق المعرفي النصي، وصدور أهم إضافاته العمرانية عن عقل فقهي، ارتقى معه إلى درجة صياغة التصورات العامة الشاملة”[4]. ترى الوريمي أن عملَ ابن خلدون في مجال التاريخ هو المرحلة الثالثة المكملة لتسيّد سلطة النص، أنجز الشافعي “ت 204 ه” المرحلةَ الأولى في القرن الثاني الهجري بتأسيسه لعلم أصول الفقه[5]، وفي القرن الرابع الهجري أكمل أبو الحسن الأشعري “ت 324 ه” المرحلةَ الثانية في علم الكلام، عندما أخضع العقلَ لسلطة النص، وفي القرن الهجري الثامن أكمل المرحلةَ الثالثة ابنُ خلدون “ت 808 ه” بإخضاع التاريخ وعلم العمران إلى النص.

لا يُنكر أن علي الوردي لم يقفز في أعماله على حقائق الواقع، ولم يتجاهل الزمانَ والمكانَ والسلطة واللغة والثقافة والمحيط، إنه منهجٌ يسعى لأن يتبصّرَ تاريخيةَ المعتقَد ويكتشفَ سياقاتِ تشكله المجتمعية، ويزيل الغبارَ عن صوره المتنوعة عبر محطاته. تمكن الوردي من ذلك، لأنه يمتلك تكوينًا أكاديميًّا جادًّا في علم الاجتماع، ولديه خبرةٌ واسعةٌ بثقافِة المجتمع العراقي وتقاليدِه وأعرافِه وفلكلورِه، وتاريخِه في القرنين الأخيرين، غير أنه كان يفتقر لتكوينٍ مماثل معمّق في المنطق والفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه والفقه وغيرها من علوم الدين.كانت أحكامُه تتموضع في تمثلات الدين المجتمعية والفردية، وقلّما تلامس البنيةَ التحتية والأنساقَ الاعتقادية العميقة الغاطسة في اللاشعور، بوصفها المنابعَ الأساسية التي تبتني عليها وتتغذّى منها تلك التمثلات.كان لفهمِ الدين في سياق معتقدات علم الكلام التقليدي، وما صنعته الأنساقُ الراسخة لمقولات الأشعري الاعتقادية، ومقولات متكلمي الفرق الإسلامية، وخاصة عقيدة الجبر، ونفي السببية كما نصّت عقيدةُ الكسب الأشعرية بأسلوب ملتبِس، أثرٌ شديد في إعاقةِ الاجتهاد وتجديدِ فهم الدين، وانحطاطِ مجتمعات عالَم الإسلام.

الوردي لم يبحث في الأنساق الاعتقادية العميقة الكامنة في البنى اللاشعورية للوعي الجمعي، وأثرِها الكبير في رؤية هذه الشخصية للعالَم، وفهمِها للمعاش والمعاد. يمكن التماسُ العذرَ للوردي هنا لأن الكشفَ عن تلك البنى والأنساق الاعتقادية يتطلب خبرةً واسعةً في علم الكلام التقليدي، ومعرفةً علميةً معمقة بالتراث ومسالكه المتنوعة. وذلك حقلٌ لم يكن الوردي متمرّسًا فيه، وكثيرٌ من المتخصّصين في علوم الإنسان والمجتمع يفتقرون لمثل هذا التكوين التراثي.

انشغلت أعمالُ الوردي بالتفسير والنقد والتفكيك، ولم تنتقل إلى التركيبِ والبناء، ورسمِ خارطةِ طريقٍ واضحة للخلاص. لم يهتم الوردي كثيرًا بالأثر العميق لطريقةِ فهم الدين وتفسيرِ نصوصه في تكوين الشخصية، وتأثيرِه في تشكيل البنى اللاشعورية للوعي، وأثرِها في توجيه سلوك الإنسان ومواقفه. طريقةُ فهم الأفراد والمجتمعات للدينِ وتفسيرِ نصوصه من أهم العوامل الفاعلة في تحولات الاقتصاد والثقافة والسياسة في المجتمعات الإسلامية عامة والمجتمع العراقي خاصة[6].

كان الوردي ناقدًا جسورًا لتأثير فهم الدين والتفسير المتشدد لنصوصه في التحجّر، غير أن الدينَ لم يحضر بوضوح في كتاباته بوصفه حافزًا فاعلًا في العمل والإنتاج والبناء، وعنصرًا في بناء التمدّن والحضارة،كما نراه في تجربة الإسلام وتعبيراته الحضارته في الأندلس وغيرها. “الدينُ يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في الهدم، ويعود الاختلافُ في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفيةِ تمثّلهم له في حياتهم”[7].                                                                                            ‏

 

[1] الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 5.

[2] حوار مع الدكتور علي الوردي، أجراه: حسين الحسيني، الأقلام، العدد: 8، تاريخ الإصدارِ: 1 أغسطس 1983.

[3] الوردي، علي، شخصية الفرد العراقي: بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث، 28 ص، 1951، بغداد.

[4] الوريمي، ناجية، حفريات في الخطاب الخلدوني: الأصول السلفية ووهم الحداثة العربية، ص 22-23، ط 1، 2008، دار بترا للنشر والتوزيع، ورابطة العقلانيين العرب، دمشق.

[5] راجع كتابها: “في الائتلاف والاختلاف: ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم”، 2004، دار المدى، بيروت.

[6] فيبر، ماكس، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة: محمد علي مقلد، مراجعة: جورج أبي صالح، مركز الانماء القومي، بيروت.

[7] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 17 – 20، 2023، دار الرافدين ببيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

https://alsabaah.iq/86855-.html

الصراع الحضاري في فكر مالك بن نبي

الصراع الحضاري في فكر مالك بن نبي

د. عبد الجبار الرفاعي

تعرفتُ على فكر مالك بن نبي منذ المرحلة الثانوية، وحرصتُ على قراءة كلِّ أعماله، كما هي عادتي مع المؤلفين الذين أهتمّ بكتاباتهم، لم أتفاعل مع بعضِ ترجمات مؤلفاته ولغتِها المتخشبة، التبس عليّ فهمُ شيء منها، ما اضطرني لإعادة مطالعة بعضها لاحقًا.كتابُ “الظاهرة القرآنية” أولُ كتاب قرأتُه لمالك، أشعرتني ترجمتُه العربية بالإحباط، لم أخرج منه بخارطة أفكار واضحة، على الرغم من أني أعدتُ مطالعتَه أكثر من مرة، رجعتُ إليه لاحقًا بعد مطالعة أعمال بن نبي الأخرى فاتضح رأيُه في تفسير الوحي، لم أرَ أنه أتى بجديد، ماعدا صياغة الفكرة بيانيًا، وفي غير ذلك لا تقرأ ما يخرج فيه على تفسير المتكلمين للوحي. تأثرتُ بمالك عند قراءة أعماله، وغادرتُه لاحقًا مثلما غادرتُ غيرَه، لحظة بلغ عقلي رشدَه واستقلالَه، ونضج تفكيري النقدي.

على الرغم من أن لغتَه كانت الفرنسية، وعاش في باريس سنوات طويلة من حياته، غير أن مالك بن نبي ‏لم يوظِّف فلسفةَ التاريخ وعلومَ الإنسان والمجتمع الحديثة في دراساته لمشكلات الحضارة إلا بشكل محدود. لم يكن مستوى استيعابه لها ‏ومهارتُه في توظيفها وتطبيقاتها بمستوى مواطنه محمد أركون، لاختلافِ كلٍّ منهما في سياق ‏تكوينه العلمي، وموقفِ كلٍّ منهما من الحضارة الحديثة وأسسها الفلسفية ومكاسبها المعرفية، وطريقةِ تعريف كلٌّ منهما للأصالة والهوية والدين والعقيدة.

وقع فكرُ مالك بن نبي أسيرًا لآماله وطموحاته الواسعة بسعة مواجع أهله وآلام وطنه، لذلك تستمع في كتاباته أصداءَ لوعة استعمار الجزائر وكفاحَ شعبها في حرب التحرير.كتاباتُ مالك بن نبي تنبض بالغيرة على وطنه الجزائر، هاجسُها تحريرُه من الاستعمار الفرنسي، والشغفُ باسترداد كرامته المهدورة، وإحياءُ لغته العربية، والدفاعُ عن هويته من الاستلاب، وحمايةُ دينه وثقافته الإسلامية. الاستعمار يفرض لغتَه، وثقافته، وهويته، فرنسا المحتلة فرضت على بن نبي وأهله في الجزائر لغتها وهويتها، وثقافتها الفرانكفونية، ‏فأصابه وقومه ذعرُ ضياع الهوية.كلُّ هوية مذعورةٌ تنفجر، ‏انفجارُ الهوية يعمل في اتجاهين: أحدهما ايجابي والآخر سلبي. ايجابيٌ بوصفه طاقةٌ متّقدة تتحول إلى وقود للمقاومة والثورة والتحرير، وسلبيٌ بوصفه يعمل على تصلّب الهوية وانغلاقها بصرامة. الهويةُ المغلقة لا تطيق ما لا ينتمي إليها، حتى مكاسب العلوم والمعارف الحديثة المنجزة خارج فضائها تستفزّها وترتاب وتحذر منها، ‏وفي أغلب الأحيان ترفضها، وإن اضطرت إليها لا تقبلها إلا بعسر ومشقّة وتردّد، وربما يقودها ذلك إلى صراع مع المختلِف في الهوية والمعتقد والثقافة.

مالك بن نبي من ضحايا الحرمان من الهوية، يرى القارئ الفطن جروحَ الاستعمار الفرنسي للجزائر نازفةً في كتاباته، ترتسمُ في أعماله صورُ مقاومة مواطنيه للاستعمار. شيء من كتاباته يمثّل الخلفيةَ النظرية للمقاومة الجزائرية في حرب التحرير. قرّاؤه تترسخ في ضمائرهم أشواقُ الهوية، ويتّقد في مشاعرهم الحنينُ للماضي، وأحلامُ استرداد زمان الانتصارات والأمجاد في العصر الإسلامي الأول، وما تلاه في “عصر الموحدين”، لأن ابنَ نبي يرى سقوطَ دولة الموحدين نهايةَ الدورة التاريخية لحضارة الإسلام. عقيب محاضرة ألقاها ماسينيون في باريس أشار فيها إلى وجود الحركة الوهابية بالحجاز فقط، أوضح له مالك بن نبي،كما جاء في مذكراته: “لقد أكدت في حضوره أن الوهابية ليست ظاهرة عربية بل ظاهرة أسلامية. وأضفت بأنها مسألة شبيهة بالبروتستانتية في المسيحية، علاوة على أني أنا شخصيًا وهابي”[1].

كتاباتُه تغذّيها عواطفُه وغيرته وشهامته المشتعلة على وطنه وأوطان المسلمين. الكتابةُ المسكونة بالمقاومة والثورة والتحرير تتّقدُ بالحماس، كلّما اتقد الحماسُ خمد العقل، وتراجع التفكيرُ النقدي. ‏العواطفُ المتقدة لا تفكّر، العقلُ يحتاجُ الهدوءَ وتبريد العواطف حين يفكّر بعمق. لا يتمكن العقلُ من حماية نفسه في لهيب العواطف إذا استعرت.كلُّ كتابة تتغذّى على العاطفة وحدها لا تبصر الواقعَ بوضوح، وتعجز عن الغوص في طبقاته المتشعبة.

إعلان

برعَ مالكُ بصياغة معادلات تنطوي على تجريد يعكس البنيةَ الذهنية لتكوين مهندس، واستطاع بمهارة نحتَ معجمه الاصطلاحي الخاص. وتميزِ بموهبة صياغة المفاهيم وتركيبها بما يشبه المعادلات الرياضية. أسهمت دراستُه وهو يتخصّص في الهندسة الكهربائية بمدرسة اللاسلكي بباريس ببناء عقليته رياضيًا، كما جاء في مذكراته: “ودخل من خلالها إلى مناخ الكم والكيف حيث يخضع كل شيء إلى المقياس الدقيق، ويتسم فيه الفرد أول ما يتسم بميزات الضبط والملاحظة”. ويصف ولعَه بالرياضيات بقوله: ‏”وكانت مادة الرياضيات تمارس عليّ نوعًا من السحر الأخّاذ الذي يستبد بي كاملًا، فتجدني ألقى في المعادلات والصيغ نوعًا من الشعر الآسر أعظم مما أجد في الأبيات”[2].

قدّم مالك بن نبي تفسيرًا للتخلف والانحطاط في عالَم الإسلام في سلسلة “مشكلات الحضارة”، فصاغ معادلةَ الحضارة من عناصر: “الإنسان، والتراب، والوقت”. ورسمَ مراحلَ الدورة الحضارية هكذا: “مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة”، في المرحلة الأخيرة يدخل المجتمع نفقَ الانحطاط، ويمسى: “مكبلًا بذهان السهولة والاستحالة، فلا يستطيع فعل شيء”. يؤرخ مالك لنهاية مرحلة الروح بحرب صفين، وبسقوط الموحدين تنتهي مرحلةُ العقل وتبدأ مرحلةُ الغريزة. في رأيه بلغت حضارةُ الإسلام دورتَها الكاملة عند مجتمع الموحدين، وعند سقوطهم انحدرت إلى مرحلة انحطاطها.

كان مالك بن نبي دقيقًا في توصيف “القابلية للاستعمار”، التي تحدّث عنها في كتاب “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، وأشار إليها في أعماله الأخرى. يرى بن نبي أن القابلية للخضوع للمستعمِر في “محور طنجة جاكارتا” مقابل “محور موسكو واشنطن”، هي العامل الأساسي لقبول الاستعمار وتمكّنه واستمراره. في هذه القابلية تكمن مشكلةُ الإنسان المستعمَر، بوصفها توفر أرضيةً مجتمعية واستعدادًا للاستعمار، استعدادُ مَنْ أدمن التقليدَ والانقيادَ والخضوع. في إشارة دالة لمعاناته يكشف بن نبي موقفَ المجتمع منه ومن أمثاله المناهضين للاستعمار، إذ يقول: “العقلية الأهلية والقابلية للاستعمار هما دومًا أفضل وسائل الادارة الاستعمارية ضدي، وضد أي أحد يسوقه سوء حظه ليطلع على اللعبة بوضوح”[3].

لم يخرج بن نبي كثيرًا على رأي ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب. لا أظنُ “القابلية للاستعمار” بعيدةً عن القول: “إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، الذي شرح أسبابَه ابنُ خلدون بقوله: “والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدًا تعتقد الكمال في مَنْ غلبها وانقادت إليه، إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ إنّما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتّصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبّهت به، وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أنّ غلب الغالب لها ليس بعصبيّة ولا قوّة بأس، وإنّما هو بما انتحله من العوائد والمذاهب، تغالط أيضًا بذلك عن الغلب، وهذا راجع للأوّل ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتّخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله. وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبّهين بهم دائمًا، وما ذلك إلّا لاعتقادهم الكمال فيهم، وانظر إلى كلّ قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زيّ الحامية وجند السّلطان في الأكثر لأنّهم الغالبون لهم، حتّى أنّه إذا كانت أمّة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التّشبّه والاقتداء حظّ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنّك تجدهم يتشبّهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم، حتّى في رسم التّماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتّى لقد يستشعر من ذلك النّاظر بعين الحكمة أنّه من علامات الاستيلاء والأمر للَّه. وتأمّل في هذا سرّ قولهم العامّة على دين الملك فإنّه من بابه، إذ الملك غالب لمن تحت يده والرّعيّة مقتدون به، لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلّمين بمعلّميهم. والله العليم الحكيم وبه سبحانه وتعالى التّوفيق”[4].

ركّزَ مالك على العوامل التربوية والثقافية والمدنية في بناء الحضارة، إلا أن أكثر معادلاته لا تخلو من مثالية تحلم بتمنيات لا يمكنها التحقّقُ في واقع المسلمين، وأحيانًا تتورط بتعميم يختفي فيه التمايزُ الواضح داخل “محور طنجة جاكارتا”، ذلك المحور المتنوّع بلغاته وثقافاته وإثنياته، وميراثه الحضاري قبل الإسلام، والمتعدّد بهوياته. يرى الإنسانُ التمايزَ بين الإسلام الأندونيسي والإسلام العربي والإسلام التركي والإسلام الايراني والإسلام الأندلسي، وغير ذلك من تمثلات الإسلام في المجتمعات المعتنِقة له، بل يرى التمايزَ بين إسلام بدوي وإسلام ريفي وإسلام حضري في مجتمع واحد. المشتركُ الإسلامي واحدٌ، غير أن الإسلامَ بوصفه تدينًا وثقافة تتنوّع تعبيراتُه في المجتمعات على وفق السياقات التاريخية للهوية القومية للمجتمع ولغته وثقافته وحضارته ونوع ديانته ونمط تدينه قبل الإسلام[5].

لا يخفي بن نبي تفاؤله، وهو يراهن على مواقف زعماء كجمال عبد الناصر وغيره في “حركة عدم الانحياز”، وإغواء خطاباتهم المولعة بإنتاج بروبغاندا دعائية لمشاريع أصداؤها صاخبة في وسائل الإعلام، إلا أنها لم تجد حضورًا فاعلًا يومًا ما على الأرض. “فكرة كمنويلث إسلامي”[6] يحاكي فيها مالك “مؤتمر باندونغ”[7] لحركة عدم الانحياز، ولبث يراهن عليها كلَّ حياته. استفز الاخوانَ المسلمين موقفُ مالك بن نبي واهتمامُه بدعوة جمال عبد الناصر لعدم الانحياز، وربما كان ذلك أحدَ أسباب عدم حماسهم لفكره.

التقط قراءٌ نابهون، ممن ابتعدوا عن التنظيم الحركي في الإسلام السياسي، ما أنجزه مالكُ بن نبي ببناء أرضية نظرية للصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، فانطلقوا منها لصياغة رؤية للمقاومة المعرفية لعلوم وآداب وفنون الغرب، فأعلنوا عن محليتها ونسبيتها، وتنكّروا للمشترَك الإنساني فيها خارجَ الزمان والمكان، وتجاهلوا أبعادَها الكونية خارجَ السياقات الحضارية الخاصة. انطلق مشروعُ إسلامية المعرفة من الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب،وشكّلت مُسلَمة هذا الصراع أرضية لذلك. وفي ضوئها تأسّس: “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، وغيرُه من مؤسّسات ومراكز دراسات وجامعات في مختلف البلدان، غايتُها إعادة إنتاج العلوم والمعارف والآداب والفنون البشرية في إطار المعتقَد والهوية. رصدت مراكزُ الدراسات هذه والجامعات مبالغ وفيرة، وعقدت عشرات المؤتمرات والندوات، وأصدرت آلاف المطبوعات بمختلف اللغات، غير أنها أخفقت في إنجاز أي شيء من وعودها. مضى نصفُ قرن ضاعت فيه الفرصُ والأموالُ والجهود، ولم نقرأ شيئًا ذا قيمة ينجح في الاختبارات العلمية الجادة، ويفرض نفسَه في الحقل العلمي ويحقّق مثالَه في الواقع. ما يسمى بـ : أسلمة علم النفس، وأسلمة علم الاجتماع، وأسلمة الأنثروبولوجيا، وأسلمة علم الاقتصاد، وأسلمة علم التاريخ، وأسلمة الأدب، وأسلمة الفن، كلُّ ذلك مازال في طور أحلام تعكس تمنيات هي أقرب للأوهام من كونها محاولات جادة في البحث العلمي.

لا يمكن عزلُ فكر المفكّر عن ‏الواقع الذي كان يعيشه، أيُّ مفكر يتعرض للظلم والاضطهاد والإهانة لا يستطيع التحكمَ بانفعالاته وغضبه. مضافًا إلى شعور مالك بن نبي بجرح استعمار الجزائر، تعرّض مالكُ أيضًا للجوع والحرمان من فرصة عمل تليق به في باريس ووطنه الجزائر، فاضطر في بعض الأوقات للعمل بمهن خدمية شاقة.كان بن نبي عزيزَ النفس شديدَ الشعور بالكرامة، عزةُ نفسه وكرامتُه أعجزت عقلُه من كبت انفعالاتِ مشاعره وغضبه في بعض المواضع من كتاباته. أحيانًا جاءت أحكامُه إثر غضبه بسبب خلافات شخصية،كما ‏حدث بينه والشيخ العربي التبسي بالجزائر، الذي يصفه بالشيخ الأزهري الزيتوني.كتب مالك بن نبي في سياق عرضه لسبب هذا الخلاف يقول: “‏ومن يومها أصبحت استفظع ثقافة الأزهر والزيتونة التي تقتل الضمائر والأرواح، واعتبرها أسوأ كارثة يمكن أن تهدد العالم الإسلامي. وحتى يعيش الإسلام أو يُبعَث من جديد في الضمائر، يجب تخليصه مما يسمى اليوم الثقافة الإسلامية. هذه الثقافة التي تلوث الأرواح، وتذل الطبائع، وتضعف الضمائر، وتخنث الفضائل. وعندي اليوم هذه القناعة أكثر من أي وقت مضى. وليس من قبيل الصدفة أن رجلًا كحسن البنا ليس في تكوينه شيء يدين به للأزهر أو للزيتونة”[8]. ليت مالك بن نبي حيًا ليرى مصائر رهانه على حسن البنا، وكيف فشلت دعوته وأفشلت بناء الدولة عندما تمكنت من السلطة في عدة بلدان. تلوح في كتابات مالك بن نبي بصمةُ لاهوت التحرير. ‏لاهوتُ التحرير يرى العنفَ مكونًا أساسيًا لماهية الدين، ‏لاهوتُ التحرير نسخةٌ أخرى للإسلام السياسي. لا تطابقَ بين رؤيةِ لاهوت الحرية لله والإنسان والعالَم ورؤيةِ لاهوت التحرير.

مالكُ بن نبي من أكثرِ مفكري الإسلام اهتمامًا بتشريح مشكلات الحضارة. أحدُ مداخله الأساسية لتفسير هذه المشكلات الصراعُ الحضاري بين الشرق والغرب، وكأنه يستأنف مقولةَ الشاعر الإنجليزي “روديارد كبلنغ” في نهاية القرن التاسع عشر: ‏”الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”. عندما يتأمل الباحثُ كتاباتِ مالك بن نبي يجدها تجعل القارئَ العادي أكثرَ استعدادًا لقبولِ تصنيفِ العالَم إلى فسطاطين لن يلتقيا أبدًا، وربطِ كلّ مشكلات الواقع بعوامل خارجية.

لا أريدُ أن أنفي جرائمَ الاستعمار الشنيعة، ولا أتجاهلُ إبادتَه للسكان الأصليين في الأمريكتين واستراليا، واسترقاقَه للأفارقة وغيرهم، ونهبَه لثروات البلدان المستعمَرة، وما تركه من مآسٍ في بلادنا. لا إنسانيةَ لدى الاستعمار بكلِّ أشكاله، الاستعمارُ يعكسُ أبشعَ صور موت الضمير الأخلاقي ‏في العصر الحديث. انتهاكُ الاستعمار لكرامة مالك بن نبي الشخصية، وجروحُ هويته وأهله في الجزائر، أوقعَ فكرَه في أسر المعتقَد والهوية، ووضعَ ذهنَه داخل إطار مغلَق لم يستطع التحررَ منه. انحباسُ الذهن في أفق المعتقَد والهوية يعجزه عن التفكير العلمي بحرية. الصراع الحضاري تحوّل إلى أداة تفسيرية لمختلف المشكلات، وصارت تبرئةُ الذات ذريعةً لتجاهل العوامل الداخلية للتخلّف.كان ومازال التفسيرُ التآمري أداةً لتشخيص عوامل الفشل في بلادنا للأيديولوجيات اليسارية والقومية والدينية، وذريعةً لتجاهل العوامل المجتمعية، مضافًا إلى عمل التفسير التآمري على تجذير كراهية المختلف.

[1] بن نبي، مالك، العفن: مذكرات، ترجمة: نور الدين خندوي، ص 100، ط1، 2007، الجزائر.

[2] بن نبي، مالك، العفن: مذكرات، ترجمة: نور الدين خندوي، ص 50، ط1، 2007، الجزائر.

[3] بن نبي، مالك، العفن: مذكرات، مصدر سابق، ص 149.

[4] ابن خلدون، الفصل 23 من المقدمة.

[5] راجع سلسلة: الإسلام واحدًا ومتعددًا، صدر منها عن دار الطليعة ببيروت نحو 20 كتابًا بإشراف: د. عبد المجيد الشرفي.

[6] “فكرة كمنويلث إسلامي” أحد مؤلفات مالك بن نبي.

[7] “مؤتمر باندونغ” انعقد في مدينة باندونغ الاندونيسية بتاريخ 24 أبريل 1955، شاركت فيه وفود 29 دولة أفريقية وآسيوية، وانطلقت منه حركة عدم الانحياز.

[8] بن نبي، مالك، العفن: مذكرات، مصدر سابق، ص 155-156.

 

رابط المقال